سبعة عشر عام وانا قايم بهم … وانا لهم درع حصين القطايب (١)
وحاربت فيهم الأقربين وحفهم … مع ذا وعجز القلم بالكتايب (٢)
فإن رحبوا بك فاطرح الرحل عندهم … وطرش إلى الباقين منك النبايب (٣)
فإن كان هابوا فاخلط السير بالسرى … إلى البشر وأجعلهم مناخ الركايب (٤)
ثم قل لهم ربعي تراخى أحزامهم … إلا شغاميم القروم العطايب
رقوا مرتقى العليا مع من رقى بها … حرار الدم بأنيابها والمخالب
كم عقيدٍ لا عرفهم راح ناير
قال هذه الأبيات الشيخ علي بن عدوة الهاجري موجهها لأحد بني هاجر، بعد أن سمع منه كلامًا قدحًا في آل مرة، وكان علي بن عدوة صهرا لآل مرة:
أشهد أن حمود ما عنده بصاير … يحسب أن علي غشيم في نسيبه
ما درى إني له على العيرات زاير … وخابر ربعه مواقفهم تعيبه
(وآل مرة) سمهم في العظم ساير … وخابرين وقعهم يوم الحريبه
كم عقيدٍ لا عرفهم راح ناير … نشرهم لا شيف من كلٍ يجيبه
جارهم ما خششوا منه الذخاير … وكل منهم ناقته تمنح قريبه
عادهم لا حولوا عند العشاير … جنوبها أهل الغزايز في الكسيبه
الشاعر الفارس فهيد بن صبيح الضاعن العجمي
يا ناصر المشهور ليتك تخايل … الجمع عند العصر يوم التحظناه
بمصقلات تودع الراس مايل … واللي جديد مشط راسه تريناه
كله لعني دقها والجلايل … اللي إيضفك زاهي العشب ترعاه
وكلمه لعنى ناقصات الجدايل … الكل منهم صافي الدمع تنعاه
ذوقوا عملكم يا خباث العمايل … واللي عمل سوء لزوم إنه يلقاه
стр. 8052
وحموا لنا اللي يقحمون الدبايل … جوابر مثل الفهود المغذاه
لعل ما نعتاض فيهم بدايل … الكل منهم تدفق الدم يمناه
والجوابر الذين ذكروا في البيت قبل الأخير هم فخيذة آل جابر من آل مرة.
تنصى العذبة زبنها في التديواس
كان هناك رجل من قبيلة قحطان المشهورة عانيًا لآل عذبة، وبالتحديد لآل (قرنه)، ومر غزو آل مرة وأخذوا إبل ذلك الرجل، فأخبرهم أنه عاني لآل عذبة، وفي سلم آل مرة أن إبل العاني لا توخذ وإن أخذت فترد، ولكن هؤلاء الغزو رفضوا ردها لعدم معرفتهم به، بل ظنوا أنه يتحايل عليهم، فما كان منه إلا أن هب لآل عذبة، حيث قاموا باسترداد إبله من آل مرة فأنشد هذه القصيدة ولم نحفظ منها إلا هذه الأبيات:
يا راكب من عندنا فوق نعاس … نضو يبدل سيرته بالخبيب
حدّر مع (برك) (١) وجنّب هل الفاس … قطاعة (العَرْس) شوك الزريب
تنصى (العذبه) زبنها في التديواس … لا زعزعوا في معتكلها الشبيب
أدّوا لوايمهم (٢) من الربع الأنجاس … ما رقبوها بعد باللي في المغيب
عند اللوايم لبسوا الدرع والطاس … لزم تجيك من المواوي هريب (٣)
أنا من آل دهيم (٤) ساس على ساس … ماني من اللي ترثه جدوده قريب
أنا من آل محمد كم صعب راس … عاقوا شبابه قبل يأتي المشيب
شرقي بين عمي يطارد بني باس … وغربيهم حامي جوانب طريب
وأنا عوانيي (٥) على قب الأفراس … (عذبيه) دايم نحاس الحريب
стр. 8053
من كان عوانيه عوانيي فلا باس … لابد تأتي المواوي هريب
تبنى لهم البيضاء على روس الأطعاس … عداد ما هل وبل صبيب
(ابن القرنه) (١) شوق مدقوق الالعاس … يستاهل الفنجال قبل السريب
الشاعر/ سالم بن حوشان العجمي:
صبيان مذكر وسقم الحرب ياميه … ربعٍ تمنى المواجه وحن كفيناها
يا سعد من هم لابته في الحرايب (٢)
قام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن -طيب اللَّه ثراه- بزيارة للبحرين في ربع أول لسنة ١٩٣٩ م، وكان في مقدم مستقبليه الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ﵀، وأقام على شرف الملك عبد العزيز حفل عشاء، وكان من ضمن رجال الشيخ سلمان اثنان من آل بوشريدة العذبة (٣)، وكانا قد لبسا الجوخ وركبا حصانين وكانا أقوياء البنية، فظن الملك عبد العزيز أنهما من اولاد الشيخ حمد وأعجب بهما، وسأل الشيخ حمد قائلا: "أيا حمد هؤلاء العيال عليك"؟
فقال الشيخ ﵀: "هؤلاء من آل عذبة". . . فقال الملك عبد العزيز رافعًا صوته "آل عذبة أخو الأنور!! إي واللَّه العذبة. .
يا سعد منهم لابته في الحرايب … لا انشق ثوب الصلح عقب المساداه
هذا ما قال راكان فيهم (٤).
(ما أخبر ميت يأخذ حي إلا آل نابت) (٥)
قيل: إن هذه المقولة للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود يرحمه اللَّه وهي في آل نابت من آل مرة.
стр. 8054
وذلك بعد معركة وقعت بين آل نابت وبين إحدى القبلائل وكتب اللَّه النصر لهم، حيث كان آل نابت نيامًا، وفي وضع اللاحرب، بينما أقبل عليهم قوم يفوقونهم أضعاف الأضعاف بالعدد والعدة وكتب اللَّه النصر لهم.
من جاء يبيها عرضوه أشهب اللظى
قال الشاعر راشد بن عفيشة الهاجري ضمن قصيدة طويلة هذه الأبيات في آل مرة:
(بشريةٍ) يا سعد منهم رفاقته … وهل البل لا منها تبرّت رفوقها
من جاء يبيها عرّضوه أشهب اللظى … برماحٍ تشايز ضربها من مروقها
قال: من أنت عنه يا ولد؟!! قال: أنا من مزدية العسيف، نايشة الحفيف. قال: هاذولا آل مرة ولا أنت منهم.
قال: من أنت عنه يا ولد؟!! قال: أنا من نزّالة العدام، حمّاية الجهام. قال: هاذولا آل مرة ولا أنت منهم.
قال: من أنت منه يا ولد؟!! قال: أنا من بعيدين المغازي، مصيدة الجوازي. قال: هاذولا آل مرة ولا أنت منهم.
عساهم أولاد ابن مرة
كان هناك راع عند إبل محمد بن رشيد حاكم نجد الأول وكان ذلك الراعي في حدود شعيب حفر الباطن من جهة العراق، وكان وقت المغرب وفي أرض خلية، وكان قد طلب الرخصة من معزبه ولم يرخص له، فتملل من رعيته، وكان يسمع بقبيلة آل مرة إنهم (بعيدين المغازي، مصيدة الجوازي)، وكان لا يتوقع أنهم يغزون على من هم في ذلك الموقع الذي هو فيه، وأخذ ينشد ويقول:
قم يا نديبي على الحره … زينه تواصيف وقراني
شرّفت والكبد محتره … ولا سفّروا لي بضيان
عساهم أولاد ابن مره … تفجر بهم قبل الأذاني
стр. 8055
وفي تلك اللحظة كان هناك غزو من آل مرة على مقربة منه، وهو لا يعلم بهم، فأقبلوا عليه فقال أحدهم: هل تعلم بوجودنا؟ حتى تقول هذه الأبيات؟ قال الراعي: لا واللَّه ولكن اللَّه أنطقني لأنني متملل من الرعية. وأعلم أن آل مرة بعيدين المغازي. فقال كبيرهم: إذًا ذلولك وما عليها لك، وخذ من إيلك ما تشاء ولك حرية الرجوع، أما باقي إبلك فسوف نأخذها. وفعلا أخذوها، وأخلوا سبيله وذلوله وما كان عليها وكذلك ما شاء له أخذه من إبله.
غدا بها جابر زبون الحصاني
غزا الفارس جابر بن دجران من جنوب قطر حتى وصل إلى القصيم وبريدة، وجابر بن دجران عن الفرسان البارزين، وفي هذه الغزوة أخذ جابر بن دجران (معاويد) (١) لرجل يدعى (رحيم)، فقال رحيم هذه القصيدة التي لم نحصل منها إلا على هذه الأبيات:
يا زين حسن غروبها والسواني … لا دبّرت هاذي وهاذي معرواه
غدى بها (جابر) ربون الحصاني … اللي حج ربوعنا فعل يمناه
وأنا (رحيم) عيد من كان واني … ماني بهثّام لمن طاب مجناه
والحق هذا البيت بعد أن لامه ربعه على مدح جابر بن دجران وهو عدوهم، وبعد ما وصلت هذه القصيدة إلى ابن دجران وأوصى على رحيم واستضافه وأحسن إكرامه ورد إليه إبله.
يام هل الناموس والأسناع
وقال الشاعر الفارس على الخفيف (٢) ضمن قصيدة له:
من لابةٍ في الضيق بنشاف فعلها … يام هل الناموس والأسناع
وقال فيهم الشيخ راكان بن فلاح بن حثلين ضمن قصيدته عندما كان في السجن:
стр. 8056
ليتك لنا يا شيخ بالعين تشتاف … يوم أقبلت دولة صبيان يام
وكذلك قال:
ومن سايلك مني فأنا من بني يام … من لابة في الضيق تقضي اللزوم
وله فيهم:
كم ثار عند ركابنا من كتامه … ياما هلك من ضدنا من سبب يام
وكذلك:
نرجي مها شيلك تعدي تهامه … لا ساقك اللَّه والقدم ناحرٍ يام
وكذلك:
(ياميه) زبّدوا في الكيل مكيال … ومن شد شدٍ رموا له فوق ديوانه
يبنون بيت الحرب إلى جاء نذيرها
كان الشاعر عبيد بن ناصر آل شامر العجمي بينه وبين الشاعر سعيد بن سنيد الدعية المري جيرة استمرت لسنوات عدة، وبعد هذه الجيرة الطويلة رغب سعيد بن سنيد بالرحيل، فلما رحل سعيد ورأى الشاعر عبيد بن ناصر ديار جاره خالية أنشد هذه القصيدة الطويلة، ولكن لم نتمكن من الحصول إلا على هذه الأبيات:
تشدي اللقطا إلى من روحت … لا طارت من مشرع جميع مطيرها
إلى جاء نهار مثل يوم المبرمس … ثم أغتشى روس النوايف غثيرها
(مربة) يا سعد من هم لابته … يبنون بيت الحرب إلى جاء نذيرها
تسعين ليل عندكم ما بي خلاف
حدثت معركة جزئية بين جماعة من آل مرة، وجماعة من سبيع، وكان الطرفان متكافئين تقريبًا وانتهت بهزيمة سبيع ومنع كبيرهم ومعه قوم من جماعته، وفي سلوم القبائل قديمًا أنه عندما يمنع فإنه يسلم علي نفسه ومن معه ويعطي له ما يحتاجه من راحلة ومتاع ويخلي سبيله ليعود إلى قومه.
стр. 8057
فكان الفارس، محمد بن جابر آل منصور العذبة هو الذي منع ذلك الفارس، ومن معه وهو يلقب براعي السويداء؛ وهي فرسه.
وبعد أن منعهم عاد بهم إلى قومه وكرمهم وأحسن وفادتهم وجهزهم بكل ما يلزم ليعودوا لقومهم، إلا كبيرهم الذي قد أصيب في المعركة فقد مكث في منزل راعي السويداء معززًا مكرمًا، ويقومون على علاجه حتى برئ، وقد مكث في ضيافتهم حوالي ثلاثة أشهر ونيف وقد أنشد هنه القصيدة المعبرة، يذكر ما لقيه من كل معاني الاحترام والتقدير:
شرّفت في رأس النقا وأبدع القاف … في بيت من هو لابته يدهلونه
وأخيل برّاق سوى له تكشّاف … جعله على ديرانا يذكرونه
راعي السويداء (محمد) نسل الأشراف … (عذبية) حريبهم يقهرونه
يا حامي الدنّاوز بن من خاف … وعاد هشّال الخلا يمتنونه
إلى قبلت خيل وجمعٍ له أرداف … حرز لتالي خيلهم ينعتونه
نقّال سيف للعدا ماله أوصاف … ورمحٍ ثقيل ما تعالج طعونه
تسعين ليلٍ عندكم ما بي خلاف … على فقار متيه تفعلونه
وعلى لبن بكرٍ من الذود مشعاف … إلى غزاها طامعٍ يمنعونه
يا خوك دنّوا لي من الهجن هياف … أمبرم الذرعان فج ازغونه
أبغى بني عم ما حلّوا بالأسياف … من الجبل إلى النفوذ يحمونه
ويقصد في البيت الأخير أبناء عمه من السبيع.
لا ساسوا الجاره ولا حسّوا الجار
الشاعرة/ جدعة الهاجرية
جدعة آل هادي كانت جارة لآل عذبة من آل مرة، وكانت تنعم بحسن الجيرة والعشرة معهم، ورأت من آل عذبة ما يثلج الصدر من كل ما تحتاجه من حق الجيرة، وذات يوم رحلت إلى قومها، وبعد أن نزلت مع قومها، رأت أن إبلها لا ترغب في أن تسرح إلا في جهة آل عذبة وكان ابنها يدعى (عامرا)، وكانت إبلها قد تعرضت للأخذ من إحدى القبائل عندما كانت جارة لآل عذبة، فلحقها آل عذبة وردوا إبلها عليها فأنشدت هذه القصيدة:
стр. 8058
الذود يا عامر ترازم على الدار … تبغي مراحٍ لآل عذبة يسارا
واللَّه يا لولا حب طبخ ونشار … واللَّه يا هم ما عليهم خيارا
لا جاهم المجرم ينزل ويختار … عند ابن (حنزاب) منجّي الشبارا
(وحمر شعر) اللي تجي منه الاذكار … يطلق لسان اللي تدور المارا
لا جاء نهار فيه قبس البلاء ثار … رمحه دريع والقلايع تبارا
لازرفلت الأنضاء وجاء عندها عار … حلف عليها (جعمل) ما تزارا
و (خجيم) شوق اللي تلبس بالأسوار … إلى حصل عند الركايب إمارا
(عذبيه) الحف يأتونه جهار … حريبها تسقيه كاس المرارا
لا ساسوا الجاره ولا حسوا الجار … تبنى لهم البيضاء بروس الزبارا
قصيرهم يدعي على كبش وحوار … على السنام مقلط بالقفارا
الشاعر راشد بن عفيشة الهاجري (١):
لا شك ما اتعبنا يكون محلفنا … (يامٍ) مُكتّفَةٍ الجمل في الحريبه (٢)
اللي إلى لقّوا لنا الوجه خفنا … من حيث لقّواهم علينا تعيبه
وإلى تصالحنا جحدنا جنفنا … وكلٍّ والآخر سكّرٍ في حليبه (٣)
عذيبة يروون حد القناطير
وقال العاصمي القحطاني:
صدّرت أنا والعد فادي دواوير … ووردت أنا والعد غادي ثلومي
يا وين بأسير إلى جيت بآسير … من عاد توّي من محله يقومي
أقفى سلفهم وأقتفاهم مظاهير … وظعونهم في شف الأقطاع قومي
стр. 8059
يتلون حامي مقلعات المسامير … (حمر شعر) زبن الحصان العزومي
(عذبية) يروون حد القناطير … لاطار ستر مردوعات الرقومي
أقفوا من الصمان يبغون الجوافير … في شف كل ملحاء ردومي
قال الفارس الشاعر: ليل المتلقم آل هادي العجمي.
بآلاد (يام) موطيه كل شيطان … كم راس شيخ في المعارك جدعناه
معارك وأحداث عن آل مرة
الوضع السياسي لآل مرة قديمًا
كانت قبيلة آل مرة كغيرها من قبائل شبه الجزيرة العربية لها دور بارز في سير الأحداث السياسية وخصوصًا في القرنين الماضيين، فقبيلة آل مرة لها نفوذ لا يستهان به، ولهم من المكانة بين القبائل والجرأة مما يجعل لهم ثقلا بين تلك القبائل، وكما أسلافنا أن لهم دورا مهما في سير تلك الأحداث، فكانوا هم القوة العسكرية لأحد أطراف النزاع على السلطة في عهد الدولة السعودية الثانية فكانوا مع سعود ابن فيصل آل سعود ومعهم أبناء عمومتهم العجمان، وقد خاضوا معه عدة حروب ضد أخيه عبد اللَّه بن فيصل منها معركة (المعتلى) و (البرة) و (جودة) و (الوجاج) وغيرها، كما أن لقبيلة آل مرة دورا مهما في مقارعة العثمانيين مع سعود بن فيصل إبان احتلالهم الأحساء والقطيف.
ولم يكن ذلك الدور فقط مع سعود بن فيصل، بل كانت لهم مواقعات دامية مع الأتراك على شكل وقعات ومناوشات وإثارة القلاقل والفوضى، وما وقعة (قهدية) منا ببعيد، فقد قتلوا من الأتراك تقريبًا خمسين عسكريًا في تلك الوقعة فقط وغنموا منهم تقريبًا مليون روبية، وذلك ما أكدته المصادر التاريخية فقد كانوا بعبعًا مرعبًا للأتراك وخصوصًا فخيذة آل بحيح الذين عرفوا بالجرأة والإقدام، فبعد وقعة قهدية استطاع أحد الجند أن ينجو على فرسه، فأقبل بها على جدول صغير فلما رأت صورتها في الماء جفلت، فهاب ذلك التركي وقال: "بحيح في الماء" وذلك من كثرة ما قد سمع من نخوتهم في تلك الوقعة.
стр. 8060
أما دور قبيلة آل مرة في دور الدولة السعودية الثالثة فهو لا يقل عن دورهم في ما سبقه. وذلك بدأ بإيواء الإمام عبد الرحمن بن فيصل وعائلته في وقت كانت كل القبائل تخشى شدة بأس ابن رشيد الحاكم آنذاك، وقد نشأ الملك عبد العزيز في مضارب قبيلة آل مرة مع آل شريم وتعلم الكثير من فنون القتال، مرورًا بمساعدتهم الفعلية والعسكرية للملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود يرحمه اللَّه في المعارك التي خاضها لتوحيد المملكة.
كما أن الدور السياسي للقبيلة لم يقتصر على شبه الجزيرة العربية، بل تعدى إلى البحرين، إذ استنجد بهم شيخ البحرين آنذاك (عبد اللَّه بن خليفة) في عام (١٢٥٨ هـ) بعدما حدث خلاف بينه وبين أخيه (محمد) وخاضوا معه حربًا ضروسًا مما مكنه من الحكم بعد أن كان سيؤول إلى اْخيه لولا اللَّه ثم نصرة آل مرة له، وذلك كما ذكرته كتب التاريخ.
حكام الدولة السعودية (١)(١) عبد اللَّه الفيصل حكم من ٢/ ١٢/ ١٨٦٥ م حتى ٩/ ٤/ ١٨٧١ م، وحكم من ١٥/ ١/ ١٨٧١ م حتى ١٥/ ١/ ١٨٧٣ م.
(٢) سعود الفيصل حكم من ١٠/ ٤/ ١٨٧١ م حتى ١٥/ ٨/ ١٨٧١ م، وحكم من ١٥/ ١/ ١٨٧٣ م حتى ١٦/ ٤/ ١٨٧٥ م.
(٣) عبد اللَّه بن تركي حكم من ١٥/ ٨/ ١٨٧١ م حتى ١٥/ ١٠/ ١٨٧١ م.
(٤) عبد الرحمن بن فيصل حكم من ٢٦/ ١/ ١٨٧٥ م حتى ٢٨/ ١/ ١٨٧٦ م.
(٥) سعود بن فيصل حكم من ٢٨/ ١/ ١٨٧٦ م حتى ١٣/ ٣/ ١٨٧٦ م.
قال ج. ج. لويمر (*):
آل مرة بينهم وبين الإدارة التركية في سنجق الحسا مشاكل مزمنة، وفروع آل بحيح على وجه الخصوص كثيرو الشغب وشديدو العداء مع جيرانهم، ففي
стр. 8061
سنة ١٩٠٠ م ذبحوا شيخ الأسرة الحاكمة في البحرين مع عدد من أتباعه عند بئر ابن عقدان في بر الظهران حيث كان يمارس رياضته، وفي سنة ١٩٠٢ مزقوا قوة تركية بجانب العقير، وفي سنة ١٩٠٥ شنوا هجومًا غادرًا على قوارب البحرين في خليج حويقيل في بر القارة، وفي سنة ١٩٠٦ أعادوا فعلتهم الجريئة ضد الأتراك في نفس مكان سنة ١٩٠٢ وتحت نفس الظروف إلى حد بعيد.
نشأة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود
ولد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود عام ١٨٨٠ م وأمه سارة بنت السديري.
قال فؤاد حمزة عن ميلاد الملك عبد العزيز: "ولد عبد العزيز في الرياض في ذي الحجة عام سبع وتسعين ومائتين وألف للهجرة، في ديسمبر عام ثمانمائة وثمانين وألف للميلاد" (١).
خرج الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود وابنيه محمد وعبد العزيز وابنته نورة وعبد اللَّه بن جلوي لديار آل مرة حيث وجدوا عندهم الأمن والمنعة، في وقت كانت أغلب القبائل قد تخلت عنهم مخافة بطش ابن رشيد حاكم نجد آنذاك ومكث مع آل مرة حوالي أربع سنوات، وعن نشأة الملك عبد العزيز قال الزركلي: اتجه الإمام عبد الرحمن إلى البادية، يلتمس مأوى ينأى به وبمن معه عن العدوان.
ولما صار في عرض البر، استشعر من القبائل المخيمة في المناطق القريبة من الرياض ذعرها الكبير من كبير آل رشيد إذ هي آوت كبير آل سعود، فانطلق بمن معه موغلا في منازل آل مرة والعجمان بين يبرين والأحساء (٢).
ويقول روبرت كيسي: "وعندما طرد آل سعود من موطنهم في الرياض عام ١٨٩١ م لاذوا بالفرار إلى الربع الخالي، وكانت هناك روابط وصلات تربطهم بقبيلة آل مرة التي كانت تجوب قفار منطقة الربع الخالي" (٣).
стр. 8062
وقال: "لذا كانت مضارب قبيلة آل مرة عام ١٨٩١ م الملجأ الطبيعي لعبد الرحمن الذي كان يبحث عن ملاذ من آل رشيد المنتصرين، وتوقف آل سعود من الهرب في مكان يقع إلى الجنوب من واحة يبرين".
وأضاف:
لم يقض ذلك الصبي البالغ من العمر ١٥ عامًا، أكثر من سنتين في الصحراء، إذ انتقل عبد العزيز وعائلته عام ١٨٩٣ أو ١٨٩٤ إلى سواحل الخليج العربي وإلى الحياة الأكثر راحة في ميناء الكويت.
دأب ابن سعود في أواخر سني حياته على القول بأن العامين اللذين عاشهما بين المرة كانا الفترة التي استحوذ خلالها على كافة المهارات التي تمكن بفضلها من إرساء قواعد وتشييد المملكة (١).
وقال العلامة حمد الجاسر يرحمه اللَّه:
"إذ إنه عندما كان صغيرًا (يقصد الملك عبد العزيز) وكانت أسرته في المنفى عن الرياض. فقد ألجأه آل شريم، وهم الأمراء الرئيسيون لآل مرة، وكثيرًا كان الملك عبد العزيز يتجول مع البدو من آل مرة في الصحاري الجنوبية، حينما كانت الحظوظ لا تزال تتعثر بآل سعود، وإلى هذه التجربة يرجع الفضل لقصد عظيم من المعلومات التي أخذها الملك عبد العزيز من البدو (٢).
وقال فاسيليف في كتابه: "كانت الشهور التي قضاها عبد الرحمن في التجوال بين قبائل آل مرة، قد هيأت للأمير الشاب إمكانية التضلع في العادات والأخلاق البدوية، وأساليب وحيل العمليات الحربية للرحَّل" (٣) (*).
وفي أثناء وجود عبد الرحمن بن فيصل وأولاده مع آل شريم ولما كان وقت العشاء، فقدوا الطفل (عبد العزيز)، فأمر الأمير (محمد بن شريم) أحدهم أن
стр. 8063
يأتي به، فذهب (سعد بن سعد آل شريان) وبحث عنه ووجده يلعب مع الصبية فأتى به، (وكان الطفل قد غلبه النعاس) ورفض تناول العشاء، وحاولوا إقناعه، فقال سعد: يا عبد الرحمن يمكن عاد يحكم عبد العزيز؟ وهو يقولها من باب الطرفة، قال عبد الرحمن: "حن ذا الحين نبغيه يتعشى ما نبغيه يحكم" فقال عبد العزيز: "الحكم واللَّه في ذا الرأس" وأشار إلى رأسه. وبعد أن دخل الملك عبد العزيز الرياض ووحد المملكة، وكان في إحدى غزواته، وكان (سعد بن سعد) رديفًا له على الناقة، وقد تعبا من الركوب والسفر، قال الملك عبد العزيز "يا سعد تعال في محلي (على الشداد) فقال سعد "ماني براكب" فضحك الملك عبد العزيز وقال "لا تظن إني نسيت كلمتك (وذكرها) فضحك سعد بن شريان.
وقال الكاتب قدوي قلعجي:
"وفي جوار آل مرة وقبائل الربع الخالي، حذق عبد العزيز أساليب النزال وفنون القتال، وألف معيشة البدو والشظف والعذاب، والحياة تحت خيمة من جلد الماعز، وغدا سريع الوثبة، رشيق الخطوة، خبيرا بمسالك الصحراء ومواقع المياه وتتبع الأثر وسياسة الإبل، لا يخشى هجير الصيف ولا زمهرير الشتاء، وتعوَّد القناعة ببعض التمر واللبن قوتا يقي من الموت" (١).
عملية جراحية بدائية
وقد عاش الملك عبد العزيز -يرحمه اللَّه- حياة بسيطة منذ نشأته، وكان متأقلمًا مع شظف العيش والبداوة والصحراء، وقد ذكر ذلك كثير من المؤرخين والكتَّاب، فقد أورد قدري قلعجي في كتابه هذه القصة التي جرت أحداثها في قبيلة آل مرة، وكان عبد العزيز ممن عاصرها حيث ذكر أن داكوبرت فون ميكوش قال إن ابن سعود روى أنه اضطر في تلك الأيام إلى المساهمة في عملية جراحية خطرة، فقد أصيب أحد أفراد قبيلة المرة بطعنة رمح في معدته أحدثت فيها جرحًا بليغا، وكان الجريح شابًا قويًّا، فحرص أفراد القبيلة على إنقاذ حياته، وأرسلوا
стр. 8064
بضعة رجال ينقبون في الصحراء عن نوع من النمل الكبير له فكان قويان كبيران، فتغيب هؤلاء يومين كان على الجريح أن يبقى خلالهما ممددًا فوق الرمال لا تبدو منه أية حركة، ثم عادوا وهم يحملون نحوا من ثلاثين نملة، وأصبح إذ ذاك من الممكن إجراء العملية على يد عجوز من آل مرة عليم بأساليب المعالجة والشفاء.
وفي الوقت الذي كانوا يذيبون فيه كمية من زبد الناقة في وعاء أضرمت تحته النار، كشف "الجراح" عن موضع الإصابة، وهو يتمتم بالتعاويذ، وكان على ابن سعود أن يطرد الذباب بقطعة من الجلد، وعلى أخيه محمد وابن جلوي أن يمسكا بالجريح الذي كان يتلوى من الألم من غير أن تصدر منه آهة أو أنة.
وفي هذه الأثناء غمس "الجراح" يديه وفي إحداهما سكين طويل، في الزبد الحار، وسكب كمية في موضع الجرح، ثم شق بطن المصاب بضربة واحدة، وعمل على إيقاف النزيف من الأوعية المتقطعة بصب الزبد الحار عليها، ثم مد يده إلى داخل البطن فأخرج منه المعدة وناولها لابن سعود الذي كان عليه أن يمسك بهذه الكتلة الدموية ويضغط في الوقت نفسه على طرفي الجرح ليقرب ما بين شقيه، في حين كان شخص آخر يقدم للطبيب نملة بعد أخرى، جاعلا كل واحدة تعقص شقي الجرح بفكيها، ثم يهرس جسمها بإبهامه فيظل الفكان مع الرأس ضاغطين على الشقين، وإذ ذاك تبدأ عملية الخياطة في الجرح إلى أن تنتهي، فيقفل جدار البطن ببعض الأشواك الكبيرة، ويصب الزبد فوقه من جديد ثم يضمد بقطعة من القماش.
ولما انتهت العملية وضع الجريح الذي ازرقَّ جلده بين جملين لوقايته من البرد أثناء الليل. وأما ما عدا ذلك من أسباب العناية فترك أمره إلى اللَّه. وكان اللَّه رحيمًا فشفي المصاب بعد بضعة أسابيع شفاء تامًا، وأصبح فيما بعد من أتباع ابن سعود ورئيسًا لحرسه الخاص.
ومما قيل عن حياته يرحمه اللَّه: أنه رغب في مصاهرة الأمير علي المرضف أمير آل مرة آنذاك، وقيل أنه تزوج بصبرة بنت المرضف، ولكنها رفضت القدوم إليه في الرياض بعد دخوله، وفي رواية أخرى أنه لم يتزوج بها لأنها تريد ابن عم لها، وعندما سئلت عن رفضها لتلك الزيجة قالت هذين البيتين:
стр. 8065
يايمه ما أبغي الشيخان … مالي برفع البابه
شفّي ولد عمٍ لي … حرٍ علي مركابه
ثم توجه للكويت ومكث فيه طويلا، ثم عاد من الكويت وأقام عند (المرضف) قبل انطلاقته لدخول الرياض من (صمان يبرين)، وكان الفارس محمد ابن فهيد بن عزرة آل جابر معه عندما انطلق لدخول الرياض، فلما أقبلوا على (مغززات) وكان عبد العزيز يريد دخول الرياض خلسة دون أن تكون الركايب معه فأمر على (ابن عزرة) ومعه (ابن معين) وهو من آل عوجاء أن يحرسا الهجن والخيل، فقال ابن عزرة "يا عبد العزيز ماني بقاعد خلافكم".
فقال عبد العزيز "واللَّه لو إني ماني بخابرك وراي عند الركاب ما سريت!! حنا بنسري إن انتصرنا، جاكم البشير، وإن قتلنا، فالخيل والجيش أمانة عندك تسلمها لعبد الرحمن" يقصد والده فدخلوا الرياض، وقتلوا عجلان وكتب اللَّه لهم النصر، وأذن مؤذن بأن الحكم للَّه ثم لعبد العزيز، وفي الصباح أرسل عبد العزيز البشير إلى ابن عزرة".
قيل أن هذين البيتين للملك عبد العزيز عندما انطلق لدخول الرياض:
يا فاطري هجّي من الجافوره … ذي ديرة مالك قعاد فيها
هوايتش في ديره (أخونوره) … في ديرة (عجلان) وامر فيها
معركة قنا وقني (١)
وقعت هذه المعركة في عام (١١٨٢ هـ) حوالي (١٧٦٨ م) بين سعود بن عبد العزيز بن محمد آل سعود وآل مرة، وهم على عد يعرف (قنا وقني)، فالتحم القتال بين الجمعين ووقعت الهزيمة على سعود وجيشه.
ذكر حسين خلف خزعل: "جهزت الدرعية قوة عام ١١٨٢ هـ - ١٧٦٨ م تولى قيادتها الأمير سعود وسير بها لغزو آل مرة، فأدركهم الأمير سعود على الماء والمعروف "قنا وقني" (٢).
стр. 8066
وذكر "أن الدائرة على قوة الدرعية وأنه قتل منهم نحو عشر رجال، منهم ناصر بن عثمان بن معمر، وعلي الفصام وفوزان بن ناصر المدلجي".
وقعة مخيريق سنة ١١٩٠ هـ (١٧٧٦ م)
صار عبد العزيز غافلًا ناحية الجنوب، فأغار على آل مرة، ودارت رحى المعركة بين الطرفين فسارت الهزيمة على جيش عبد العزيز، حيث ألجأوا جيش عبد العزيز إلى عقبة ضيقة في جبل تسمى (مخيريق الصفا) فوقع في العقبة كثير من ركاب المسلمين، وقتل حوالي ستين رجلا من جيش عبد العزيز منهم أمير القصيم (عبد اللَّه بن حسن) وهذلول بن نصير، وتسمى وقعة (مخيريق) (١):
وذكر البسام في تحفة المشتاق:
"أغار عبد العزيز بن محمد بن سعود على آل مرة في الخرج، فصارت الهزيمة على عبد العزيز ومن معه، لحقهم البدو إلى عقبة وعرة تسمى "ميخيريق الصفا" وقتل من جنود عبد العزيز نحو خمسين رجلا منهم "عبد اللَّه آل حسن أمير بريدة، وهذلول بن ناصر وهذه الوقعة يسمونها "وقعة مخيريق الصفا" (٢).
معركة الخرج (*)
وقعت هذه المعركة في عام (١١٩٠ هـ) بين آل مرة وعبد العزيز بن محمد ابن سعود، في الخرج، فهزم عبد العزيز بن محمد ومن معه.
قال الشاعر وهو من آل نابت آل مرة:
واللَّه يا لولا قوله "مستردي" … ما شافت "المخلف" قصور اليمامه
يوم نصدرها ويوم تعدي … ويا قلبي اللي ما بقى به حثامه
نمشي على ثر شيخنا المستجدي … يومٍ على ظبيٍ ويوم نعامه
стр. 8067
نهاية آل عريعر - يوم الرضيمة (١٢٣٨ هـ) (١)
أرسل العجمان سبعة فرسان منهم لابن عريعر. . وذلك ليستصلحوا لكي يسمح لهم بالرعي في الجبل وقد كان ابن عريعر الخالدي حامي الجبل حماية كاملة، إلى درجة أن بيض الحباري والنعام لا يؤخذ ألبتة.
فما كان من ابن عريعر إلا أن قتل منهم ستة وترك السابع يرجع ليخبرهم بما جرى لرفاقه، وكان كبير العجمان آنذاك (محمد الطويل) فرحل العجمان ونزلوا بالقرب من ابن عريعر وأخذوا يقومون بمناوشات خفيفة ثم طلبوا النجدة من سبيع، فأقبلوا ولكن دون جدوى، ثم أرسلوا يطلبون النجدة من مطير، فطلب كبير مطير وهو الدويش من العجمان (المارج) وهي كل فرس لا يعرف من قلعها (حذف راكبها منها)، فأعطوه ما طلب ثم أرسلوا بطلب النجدة من الدواسر، وكان كبيرهم ابن قويد، فاشترط عليهم أن يعطوه الريشة (بيت ابن عريعر وحاشيته)، فرفضوا في بادي الأمر ثم وافقوا، ولكن رغم حضور هؤلاء لم يتمكنوا من هزيمة ابن عريعر، فطلب العجمان النجدة من آل مرة بأن أرسلوا إليهم (ابن سريعة) وهو من العجمان، فأقبل الأمير المرضف (علي) (٢) ومعه أهل الجنوب، وكان آل مرة في (العبر) قرب نجران، وكان أهل نجران يحبون المرضف ويتبعونه"، فلما رأى جند ابن عريعر آل مرة مقبلين ومن معهم من يام، وكانوا يلبسون ثيابًا سودًا تسمى (الهندية) وجمعها (هنادي) قالوا له: "لقد أقبل آل مرة بنسائهم ليكثروا جموعهم" فقال "لا واللَّه. . إلا جاءكم أهل الجنوب وهناديهم السود"، ودارت معركة الرضيمة وانتهى حكم ابن عريعر من ذلك الوقت.
قال ابن فردوس: "طلبوا النجدة من الدويش وكان بالأرطاوية فاشترط الدويش على العجمان بأن يعطوه الطوال وهي اللهابة والقرعا واللصافة وطلب الودايع وهي الشرف إبل ابن عريعر الخاصة وأيضًا طلب فلو العمود وأعطوه ما
стр. 8068
أراد وهم قصدهم ليس الطمع بل القضاء على ابن عريعر وحكمه واحتموا بالسهول وأرسلوا إلى الدواسر وطلب ابن قويد على العجمان الريشة المعروفة ببيت ابن عريعر وبالظلة وأعطوه ما أراد واستمرت الحرب ولكنهم لم يقدروا على ابن عريعر فأرسل العجمان برسول يستنجد بقبائل نجران وهي مذكر ويام حضروا وتم لهم النصر بحضورهم" انتهى (١).
وأنشد الخفيف حيث قال:
قامت مخاييل مع الصبح ركبت … ملت ملازمها وغبت ترابها
ترعد بخفّان المحبب والقنا … وتمطر بدرج ودارج الدم سحابها
لكن العاقير بين ذولا وذولا … نصال تدربا من علاوي هضابها
ولكن طرحان المناعير بيننا … جذوع نخل قطعت من عقابها
تسعين ليل والخلايا معقله … من الجوع والهزل تشنت رقابها
رحنا وجينا بالدويش المسمى … له ركضة عند الضحى ينحكى بها
وجينا بخطلان الأيدي آل زايد … ربعٍ ترعى بالأحدة ركابها
ورحنا وجينا بالسهول وخلطهم … برازيةٍ في الضيق تروي حرابها
وجانا من (العبر) المسمى مخيلة … مخيلة يا سعد منهو عدا بها
كم وردوا في وردهم من عوقليه … وجنبيّةٍ ما ردها إلا نصابها
وهذه القصيدة للشاعر محمد بن سالم بن ريحان آل جابر المري:
بعد يوم الرضيمة وبعد أن انتصروا ورجع آل مرة ونزلوا في يبرين وأرسل ابن ريحان هذه القصيدة إلى رجال يام في نجران ويذكر فيها ديار آل مرة وحدودهم:
طالبك بارق ليلة تنثر الحيا … على وديعة خرب السيل جالها
تلاحت كن سيلها يوم حدرت … ترعد وينثر بارد الماء اسبالها
وسمية كن سيلها يوم حدرت … مجافر حياض عقب ما راح مالها
стр. 8069
ولكن بياض الريم طرحت عقابه … إلى لحقت القناص لما رفى لها
وعلى (المنخلي) ليل حقوق نخابله … دار إلى جاها الحيا ينعنى لها
إلى جاته البل بين هزلا وضالع … تسلم حطامها وتسمن هزالها
أثاري حناشلها مجاريح صيدها … وتفرخت بيض النعامة ريالها
وسقى لنا ما حدرت (حراضات) مشرق … وما رفعت (مرخ) تملا اهجالها
وما رفعت (عيوه) إلى (سد مآرب) … ومن لامنا يلتام في حبنا لها
دكاك من الرمضى دماث من الحفى … وما جيت بالنور حتى اجبالها
ابغي القبض فيها (قلته) قرقفية … وإن جاء الشتاء فيها الدفى في رجالها
خله ويا راكب على اكوار ضمر … دواريب ندغ الروس نومي حبالها
إلى اقرع المشعاب في الشن هو ذلت … اهذال ربد يوم بان العنى لها
من عقب عشرٍ ولك بالجود ملفى … دواوير (يام) قرّب اللَّه حلالها
هل الفرش والترحيب والمجد والثنا … وهل صحون عجلة في مثالها
سلم عليهم عد ما ذعذع الهوى … ذواري سهيل حثْها وانتقالها
وسلم عليهم من سلام تنشره … سوالفٍ تاتيك يا لك ويالها
(فيام) كما العارض ونجد وما حوى … إلى الصبح شلْ من الرواسي جبالها
(ويام) كما ليلٍ غطّى الأرض بالدجى … وحنا كما شمس ينوض اشتعالها
(ويام) كما موج البحر في تقلابه … وحنا جلاب موردتها احبالها
فما ينفع الحراب العناف بالحظا … لا عاد ما اليمنى اتصافق اشمالها
وما يكسر الحيده سوى جال هضبه … خطر على من صكها من هيالها
وختامها مني صلاة على النبي … عد المطر واعداد ذاري رمالها
وثائق تبين مدى نفوذ يام (*)
هذه الوثائق تبين مدى القوة التي يتمتعون بها (يام) آنذاك، وكيف أن حكومة محمد علي باشا يحسبون لهم كل حساب، فهذه الرسائل من إبراهيم توفيق وصاحب الدولة للتشاور بأمر يام، وكيف أنهم يقضُّون مضاجعهم، إلى
стр. 8070
درجة أنهم يخشون من حلف محتمل بين يام وابن عايض بن مرعي، وكذلك تبين هذه الوثائق أنهم يطلبون المدد من صاحب الدولة لزيادة عدد الجنود.
مصدر الوثيقة: دار الوثائق القومية - القاهرة.
وحدة الحفظ: محفظة (٢٦٢) عابدين.
رقمها في وحدة الحفظ: (٨٨) حمراء.
تاريخها: ٦ صفر ١٢٥٣ هـ/ ١٢ مايو ١٨٣٧ م.
موضوعها: رسالة من إبراهيم توفيق، إلى المعية السنية، عن نقل الجنود المكلفين بالمحافظة على، "أبو عريش"، و"صبيا"، لسوء صحتهم وإقامة طائفة الحضارمة محلهم.
ولي النعم مولاي حضرة، صاحب الدولة:
"لما تلقينا كتابكم السامي، المرسل إلينا من قبل، بنقل الجنود المكلفين، بالمحافظة على "أبو عريش"، و"صبيا"، لتوعكهم، بسبب سقامة الجو، في ذينك الموضعين، وإقامة طائفة الحضارمة مكانهم، دعونا الشريف حسين بن علي حيدر، إلى الحضور لدينا، لنتخذ قرارًا حسنًا، في هذا الشأن، فتشاورنا في الأمر، وبلغ كل منا القرار، الذي اتخذناه، إلى الشريف علي بن حيدر.
ونقدم إليكم طيه الكتاب الوارد، من الشريف المشار إليه، بخصوص نقل الأورطة الأولى، إلى هذا الجانب، وإبقاء الأورطة الرابعة، في قلاع "أبي عريش"، و"صبيا"، لتطلعوا عليه: وقد جاءنا يوم كتابنا هذا؛ كتاب من الشريف حسين بن علي حيدر، يشعرنا بالاتفاق الذي أبرم بين أشقياء يام، وبين المدعو عائض بن مرعى، وقد أرسلناه، طيا لتطلعوا دولتكم على ما حكى فيه. وأن لدينا جنودًا مستعدين لصد الأعداء، ومهاجمتهم، إلا أن الظروف تحتم علينا مراعاة الحزم والاحتياط، فالحاجة تدعو إلى وجود، مائتي فارس، من الأشداء لتثبيت عمل الطائفتين المشتومتين، لأن الفرسان الذين "بأبي عريش" ليس فيهم إلا مائتا فارس أصحاء تقريبا، والباقون لا يستطيعون قياما ولا قعودا، فلنلتمس من دولتكم أن تتكرموا بإرسال مائتي فارس على جناح السرعة".
стр. 8071
صورة الكتاب الذي حرر في ٢١ صفر سنة ١٢٥٣ هـ/ ٢٧ مايو ١٨٣٧ م.
إلى حضرة إبراهيم باشا، سر عسكر اليمن:
في العشرين من هذا الشهر، وصل إليّ كتابكم المحرر في ٦ صفر ١٢٥٣ هـ، الذي جاء فيه، إنكم دعوتم الشريف حسين للتشاور في إقامة فريق من طائفة الحضارمة بقلعتي "أبي عريش" و"صبيا"، وإنكما اتخذتما قرارًا في ذلك فبلغتماه الشريف علي بن حيدر، فاطلعت على مفاده، وعلى مضمون مرفقين الوارد أحدهما إليكم من الشريف المشار إليه (علي بن حيدر)، في نقل الأورطة الأولى إلى طرفكم، وإبقاء الأورطة الرابعة، في قلعتي "أبي عريش" و"صبيا" والثاني من الشريف حسين بن علي حيدر، مخبرا قيام "طائفة يام" متحدين مع أشقياء عسير، وقد علمت من كلامكم أن لديك الكفاية من الجنود بصد العدو ومهاجمتهم، وأن الفرسان الذين "بأبي عريش" ليس فيهم إلا مائتا فارس، وأن الباقين عاجزون، إلى حد لا يستطيعون قياما ولا قعودًا، وأنه ينبغي أن نرسل إليكم سريعا مائتي فارس أقوياه لصد الأشقياء المشئومين، وتفريق جمعهم، وقد كنت كتبت في ٢٩ محرم سنة ١٢٥٣ هـ إلى دولتكم، وإلى الشريف علي بن حيدر، ومرة أخرى في ١٨ صفر سنة ١٢٥٣ هـ إلى دولتكم، وإلى الشريف علي بن حيدر، وبينا لكم، أننا مطلعون على اتفاق الأشقياء، وإقدامهم على ارتكاب الأعمال السقيمة، وأننا نعلم تفاصل أفعالهم الخبيثة، لأن جواسيسنا يغدون ويروحون في كل مرة، فيجب أن لا يخفى عليكم ذلك، وأن تكونوا على حذر، وأننا سنرسل إليكم ما تشاءون من الجنود، إذ دعت ألف، لكن حيث سبق إرسال دفاتر محاسبة الشونة، لسنة ثمان وثلاثين، وتقديمها إلى خزينة دولتكم، نجترئ على إفادة من محاسبة، سنة تسع وثلاثين ستقدم بعد الآن.
وقد أفيد في الورقة الواردة في هذه الأيام من عبدكم جمعة أغا، حاكم قنفذة، إلى عبدكم هذا، أن الشريف علي بن حيدر، أمير أبي عريش، كانت عادته منذ القديم أن يرسل إلى أهل صبيا وأهل طريف ووادي أهل بيشي، (هكذا في الأصل)، الذين هم تحت حكم ابنه حاكما عليهم، لكن القبائل المذكورة لم يقبلوا الحاكم المذكور في هذه المرة، وأعادوه إلى طرف والده، فعلى ذلك عين الشريف المومى إليه، حاكمًا غير ابنه، وأرسله إليهم، ولكنه لم يقبل أيضًا
стр. 8072
وأرجع، فبقى الشريف المومى إليه بهذه الصورة. . لا يستطيع أن يعمل شيئا، ولا يقدر على الزحف إلى القبائل المذكورة، لعدم القوة عنده، فكتب خطابا إلى عربان يام يسلطهم على تلك القبائل، فكتب عربان يام إلى القبائل المذكورة خطابات عدة مرات على قصد التوسط في إصلاح ما بينهم وبين الشريف المومى إليه، لكنها أثرت وسلكوا سبيل الحيل والفتن، ولما علم عربان يام ذلك قاموا ضد القبائل المذكورة وحاربوهم، وكان عون اللَّه في جانب يام، وانتصروا على القبائل المذكورة، وقتلوا منهم كثيرًا، وأخربوا قرية لهم، فقام مشايخ تلك القبائل، وذهبوا إلى علي بن مجثل يستنجدونه، فأرسل علي بن مجثل من طرفه أخاه سعيد بن مسلط ومعه كثير من أهالي عسير ورجال ألمع اليمانيين، إلى طرف علي بن حيدر تظاهرا بمظهر أن هذا الإرسال لتأليف ما بين الشريف المومى إليه والقبائل المذكورة، لكن يقال أن ذلك على أمل ضبط أبي عريش، بحيلة بالنظر إلى ما جبل عليه علي بن مجثل من خبث الضمير، لأنه سبق أن طلب أبا عريش من ولدكم الباشا، وكان ولدكم الباشا رد هذا الطلب قائلا له: أن مولانا ولي النعم الأعظم، هو الذي أعطى أبا عريش للشريف علي بن حيدر، وقد اجترأنا على تقديم هذه العريضة، لإحاطة ولي النعم، علما بذلك فالأمر والإدارة في هذا الشأن، وسائر الشئون لمولاي صاحب الدولة، والمرحمة، ولي نعمتي، من غير امتنان.
عبدكم/ رستم
انضمام آل مرة لفيصل بن تركي في "حليوين "
في عام سنة ١٨٥٠ للميلاد، فكر محمد بن خليفة أمير البحرين بالامتناع عن دفع الزكاة لفيصل بن تركي فما كان من فيصل إلا أن نزل على مكان يسمى (حليوين) بين الأحساء والقطيف فوفدت عليه جموع آل مرة، ولكن أمير البحرين عاد ودفع الزكاة مجددًا لفيصل بن تركي آل سعود.
قال محمد عرابي نخلة (١):
"وساد الأمن والسلام منطقة الأحساء حتى سنة ١٨٥٠ م حين فكر محمد بن خليفة في الامتناع عن أداء الزكاة، مما جعل فيصل يعد العدة لإخضاع آل خليفة
стр. 8073
فرحل إلى الأحساء وعسكر في مكان يسمى "حليوين" حيث تكثر المياه في المنطقة بين الأحساء والقطيف وطلب من أتباعه أن يفدوا عليه، فاجمعت عساكر الأحساء بقيادة "أحمد السديري" وجاءت جموع آل مرة.
معركة الطبعة ١٢٧٧ هـ (١)
وقعت هذه المعركة بين عبد اللَّه الفيصل ومن معه من جهة، وبين العجمان (آل معيض) وجماعة من آل عذبة من جهة أخرى وهم (الأمير عبد الرحمن بن عبد اللَّه آل نقادان وآل جفيش والفارسان والبصيص ومجيحد)، ودارت المعركة جنوب الكويت، وأبلوا (يام) بلاء حسنا وقاتلوا قتال المستميت ولكن كثر جند عبد اللَّه وعتاده حسمت المعركة لصالحه، وقد كان البحر من خلفهم وجيش عبد اللَّه من أمامهم، وحصرهم عبد اللَّه وقد غرق منهم عدد من الفرسان.
وقد كان الفارس (مجيحد بن سعد بن منصور) وهو من آل عذبة قد اعتلى ظهر فرسه (الصقلاويه) قائلا: "خيال الجرباء مجيحد. . حرداء وخيل الشيوخ مقافي".
فنقم منه فلاح بن حثلين شيخ العجمان في عصره وكان في لفظة همهمة.
فقال "هم. هم. واللَّه يا لولا فعل شفته منك إن أجازيك، لكن فعلك يبطل الألسنة".
وأنشد الفارس ركان بن حثلين:
يا ربعنا وين المطير … جمعين والثالث بحر
بأبوج للسربة طريق … لعيون براق النحر
وبعدها قام أمير البحرين فأرسل (خشبا) سفنا شراعية لآل عذبة والعجمان ونقلتهم إلى البحرين وقد أعطى العذبة (الزلاق) (٢).
стр. 8074
وسرعان ما أرسل لهم أمير البحرين الخيام والمؤن.
ولم يمكث آل عذبة والعجمان (المعيض) في البحرين طويلا، بل غادروها، فآل عذبة غادروا لقطر ومن ثم منه للأحساء، حيث أقبل عليهم الأمير (على المرضف) (١) مقبلا بيام من (براد) (٢) ثم وقعت الوجاج، عندما كان يترجز المرضف:
يا يام يا سقم الحريب … ردوا لعبد اللَّه جزاه (٣)
معركة المعتلى (*)
قام سعود ينازع أخاه الإمارة بعد موت أبيهما، لجأ إلى ابن عائض في أبها فرده خائبا لأن آل عائض في تلك الأيام كانوا موالين لآل سعود، ثم عاد سعود ابن فيصل من أبها إلى نجران وكان العجمان هناك، فاجتمعوا حوله ينصرونه على أخيه، وانضم إليهم عدد كبير من الدواسر وآل مرة.
وكان محمد بن فيصل مع أخيه عبد اللَّه على أخيه سعود، فاحتربوا في وقعة المعتلى، فجرح سعود وانهزم، ثم سار بعد أن داوى جراحه عند آل مرة، إلى عُمان يستنجد صاحبها فلم ينجده، وراح من عُمان إلى البحرين فلباه شيخها، ثم حالف العجمان.
قال محمود شاكر: "وفشل سعود في تأييد آل عايض له فغادرهم متجهًا إلى قبائل (يام) في نجران حيث وجد هناك دعمًا من المكرمي وآل مرة، فجمع جمعًا، واتجه نحو أخيه، إلا أنه هزم ورجع، فالتجأ إلى الشرقية وإلى البريمي (٤) وانضم عدد كبير من الدواسر وآل مرة".
ذكر الظاهري: "أنه قدم فيصل المرضف على سعود ومن معه من آل مرة، وحاربوا، معه في المعتلى، وحصلت معركة شديدة وانهزم فيها سعود وجرح في بدنه، وأقام عند آل مرة حتى برئ (٥).
стр. 8075
وقال الدكتور محمد عرابي نخلة بعد معركة المعتلى، وبعد إصابة سعود:
"حيث لجأ إلى بني مرة الذين ضمدوا جراحه وأخفوه إلى حين بينهم" (١).
وفي تحفة المستفيد قال:
"وقدم عليه من آل مرة فيصل المرضف" (٢).
معركة الوجاج (٣) (١٢٨٧ هـ/ ١٨٧٠ م) (٤)
أقبل "فيصل المرضف" صائلا بآل مرة ويام والوعلة وبني سلمان وآل دمنان، وكان معه "إبراهيم السلوم" من الشواولة العجمان، ونزل المرضف بمن معه على "الذليقية" (٥) جنوب الأحساء، وأخذ يتابع الغارات على الأحساء وهو يريد مقابلة الإمام عبد اللَّه الفيصل، وكان في الأحساء بقايا من العجمان وكان جيش سعود الفيصل بالقرب من الأحساء.
فأرسل المرضف أحد رجاله وأمره أن يدخل الأحساء و"يترجز" ويقول:
يا يام يا سقم الحريب … ردوا لعبد اللَّه جزاه (٦)
من كان له حق مصيب … يوم أسعفت يأخذ قضاه (٧)
يا طول ماني في المغيب … وأسحن لعبد اللَّه دواه (٨)
من كان منكم لا يغيب … ترى الوعد "خشم الصراه" (٩)
стр. 8076
وبعد أن سمع العجمان صوت ذلك الفارس وهو يرتجز أقبلوا عليه، فأخبرهم أن المرضف قد أقبل وأنه صوف يدخل الأحساء، فقال له العجمان إننا سنضع في بيرقنا مارية وسنكون مع جيش عبد اللَّه، فإن كان النصر لكم فإننا سوف نكفيكم جهة جش عبد اللَّه الموالية لنا، بينما كان سعود الفيصل ضد جيش عبد اللَّه الفيصل وكتب اللَّه النصر لهم، فأخذ (سليمان بن عبد الحي) ينشد قائلا:
يا حيسفا يا ثلاثة تحت الألحادي … ربعنا اللي غدوا في مقدم الهيه (١)
يوم حطوا لنا "الوجاج" ميعادي … وحطوا لنا البيرق اللي فيه ماريه
يوم خانوا بنا لمه بين بادي … مجمع السرق (عجمان ومريه)
فرد عليه المرضف:
(يا سليم) وراك تذم الأجوادي … يا ولد قينه بالملح مشريه
خيلنا ما نضرّيها بالأسنادي … نقصر الشيخ الأكبر من هقاويه
وجمعنا في الحرايب يرد ميرادي … ربعي صلب (يام) يالحساويه
وذكر أحمد بن علي الأحسائي الوجاج وقال:
"وفي رجب من هذه السنة خرج سعود بن فيصل من البحرين متوجهًا إلى الأحساء، ومعه عن آل خليفة أحمد بن الغتم في عدة رجال من أهل البحرين، ولما وصل العقير انضم إليه العجمان وآل مرة فتوجه إلى الأحساء وقاتل أهل الجفر حتى دخل قريتهم عنوة وانتهبها الجند".
وأضاف: "وجماعة قليلة من العجمان وآل مرة والتقوا مع الأمير سعود في الوجاج الواقع بين الهفوف والقرى الشرقية (٢) (*).
стр. 8077
قالت إحدى فتيات الأحساء بيتا من الشعر:
يا خوفتي كون البريسم قدى صوف … عبد اللَّه الفيصل يطرّد جلاوي
وكان راكان بن حثلين قد أرسل قصيدة للإمام عبد اللَّه الفيصل وهو في البحرين "مستصلحًا" وذلك بعد حرب الطبعة، وقصيدة راكان هي:
قال المعيضي في الضحى يبدع القاف … طول لسانه فعل ولد الأمامي
واللَّه يا لولا جمعك اللي له أرداف … بدولة هل العوجا سواه النظامي
إنا نعد لهم على كل مزغاف … بفعل يعرفونه جديد وعامي
وعاداتنا عند المظاهير ننشاف … لا طار ستر معورجات الوشامي
بين الظفير والمطيري وعسّاف … ننزل ولا نرد البري والزحامي
حنّا كما حرب بدى راس مشراف … صيده من جل الجوازي الجسامي
جاه أسمر في مخلبه سم الأتلاف … طقه وخلى روس ريشه عدامي
معركة جودة ١٢٨٧ هـ/ ١٨٧٠ م
هي بعد معركة الوجاج بحوالي الشهر تقريبًا، فبعد أن علم الإمام عبد اللَّه الفيصل بما جرى في الوجاج، جمع أهل نجد ونزل على جودة، وهي آبار مياه شمالي الأحساء حوالي المائة كيلو متر، فخرج عليه أخوه سعود الفيصل وفيصل المرضف ومن معه من آل مرة والوعلة وإبراهيم السلوم من الشواولة العجمان وأهل نجران، وكذلك العجمان بقيادة حزام بن مانع، وكان جيش الإمام عبد اللَّه بقيادة أخيه محمد ويكنى بالمطوع، فدارت رحى المعركة واشتدت بين الطرفين وأسر فيها محمد الفيصل وانهزم جيش عبد اللَّه وقتل منهم حوالي التسعمائة فارس (١) وكاد أحد فرسان آل مرة وهو (صنيتان) من آل فهيده وقد طعن في السن وتهدلت جفونه على عينيه ولم يعد يرى إلا الأشياء القريبة منه، أخذ هذا الفارس يرعد ويزبد ويقول ليرفع معنويات القوم "راس ما به دوخة خل الضبع تشله" فقال أحد القريبين منه "عمي صنيان ما يشوف الجموع المرزية والسيوف اللي تبارق من (المشاف إلى صفراء جودة) وهو يقصد جيش الإمام عبد اللَّه.
стр. 8078
وقيل في جودة الكثير من القصائد، منها هذه الأبيات من قصيدة قيل أنها لابن هويدة آل جابر آل مرة:
يا من خبر يوم جوده … ما حن نهاب الخيام
جينا بجمع نذوده … مثل القطيع الحيام
الحرب حنا وقوده … باللَّه وصبيان يام
وقال الأحسائي (١):
وسار بالعجمان وآل مرة، وأحمد بن الغتم، وجمع من أهل المبرَّز وأهل الطرف، وقصد الماء المسمى جودة شمال الأحساء، لأن طريق محمد بن فيصل عليه، فنزل سعود على الماء قبل وصول محمد، ووصل محمد في اليوم السابع والعشرين من رمضان، والتحم الفريقان.
وأضاف:
وقتلوا من جند الأمير محمد أربعمائة رجل، من مشاهيرهم عبد اللَّه بن بتال المطيري، ومجاهد بن محمد أمير بلدة الزلفي، وإبراهيم بن صويد أمير بلدة جلاجل، وعبد اللَّه بن مشاري بن ماضى، وعبد اللَّه بن علي آل عبد الرحمن أمير بلدة ضرمى، وأسر محمد بن فيصل قائد الحملة، فأمر سعود بتقييده وأرسله إلى سجن القطيف، وأقام سعود في محل الوقعة، وكتب إلى أهل الهفوف، يأمرهم بالتسليم، والمبايعة على السمع والطاعة، فساروا إليه وبايعوه، فرحل من جودة.
قال الدكتور عبد اللَّه السبيعي (٢):
اغتاظ سعود بن فيصل من ترحيب العثمانيين بعبد اللَّه بن فيصل وأخيه محمد وإظهار الاحترام والحماية لهما، وقرر الانتقام من العثمانيين، فخرج من الدلم ونزل على قبيلة العجمان بجودة في أواخر شهر جمادى الأولى ١٢٨٨ هـ/ ١٨٧١ م، والتي لم تكن على ود مع أخيه عبد اللَّه بن فيصل، إذ إنها لم تنس ما
стр. 8079
أنزله بها في موقعتي ملح والطبعة، كما أنها لم تكن سعيدة بقدوم العثمانيين وإحكام قبضتهم على القطيف والأحساء وما حولهما.
وقد قوي معسكر سعود أثناء إقامته بنواحي الأحساء، حين وفد إليه شيوخ قبيلة آل مرة يعرضون الولاء ويحسنون الانقضاض على العثمانيين وطردهم من الأحساء ويقللون من شأنهم.
قال محمد عبد القادر: "إن مع سعود أحمد بن الغتم وآل مرة والعجمان".
وقال فاسليف: "عقد سعود تحالفا مع آل مرة والعجمان واستولى على الأحساء".
ذكر وقعة الخويراء - ١٢٨٨ هـ
هذه الوقعة حدثت بين سعود بن فيصل آل سعود وأخيه عبد اللَّه ومعه الأتراك حيث كان مع سعود آل مرة والعجمان وبعض القبائل وانتهت المعركة بانهزام سعود الفيصل.
"قال الأحسائي" (١):
وفي آخر جمادى الآخرة خرج سعود بن فيصل من بلدة الدلم، ونزل على قبيلة العجمان، ووفد إليه رؤساء قبيلة آل مرة، وحسنوا إليه مهاجمة الأحساء، وإنقاذها من الأتراك.
وأضاف "فخرج إليهم قائد الجيش التركي، ومعه الإمام عبد اللَّه، بجميع ما لديهم من الجيوش والمدافع، فوقع بينهم القتال في الوضع المسمى الخويراء (الواقع جنوبي مدينة الهفوف) وانهزم جند الأمير سعود بن فيصل، بعد ما قتل منهم رجال، وأمنت البلاد وشملها الاستقرار".
وصول الحملة العثمانية
تحركت القوات العثمانية من بغداد في أول شهر صفر سنة ١٢٨٨ هـ/ ١٨٧١ م، وكانت الحملة مكونة من ثلاثة آلاف جندي وألف وخمسمائة من رجال
стр. 8080
القبائل العربية، ومعها تسعة مدافع، وكان الفريق محمد نافذ باشا هو قائد الحملة، وقد راجت شائعات أن سعود بن فيصل قد أرسل أحمد بن خليفة آل غتم مع محمد بن ثاني إلى قطر يقصد تمكينه من حكمها (١).
عززها ما أكده شيخ البحرين عيسى بن علي الخليفة في رسالة بعث بها إلى المقيم السياسي البريطاني في الخليج في ١٨ رجب ١٢٨٨ هـ/ ٣ أكتوبر ١٨٧١ م، قال فيها:
"عين فيما مضى أحمد بن خليفة بن غتم من قبل سعود بن فيصل للبقاء في قطر. . وعندما قدم البدو إلى جوار البدع خاصة آل مرة والعجمان قام محمد بن ثاني بأمر أحمد الغتم بمغادرة البدع، ودعوة ناصر بن مبارك بن عبد اللَّه الخليفة وبني هاجر إلى البدع بعد تلقي خبر قدوم العثمانيين" (٢).
واصل الجنود العثمانيين زحفهم نحو قلعة الدمام وإطلاق سراح محمد بن فيصل الذي كان محتجزًا في أحد أبراجها، وكان طحنون هو المسؤول بتلك القلعة من قبل سعود بن فيصل فاستسلم بعد معرفته بمصير قلعة القطيف التي كانت قد استسلمت أيضًا، وتم إخلاء سبيل محمد بن فيصل، فدخل الجيش العثماني القلعة ورفع العلم عليها (٣).
أفاد الفريق محمد نافذ باشا في برقيته تلك أن عبد العزيز بن سعود بن فيصل الموجود في قلعة الدمام قد تمكن من الفرار ليلا من قلعة الدمام بعد تيقنه من عدم إمكانية الصمود في وجه القوات العثمانية إلى جهة غير معروفة.
وربما كان عبد العزيز بن سعود بن فيصل موجودًا في المنطقة مع أخيه سعد الذي تذكر الوثائق الرسمية وصوله إلى قطر قادمًا من الأحساء مع ناصر بن مبارك الخليفة في ٢٥ صفر ١٢٨٨ هـ/ يونيو ١٨٧١ م (٤).
стр. 8081
وقد تبين فيما بعد أن عبد العزيز بن سعود بن فيصل قد فر إلى قطر مع عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن ثنيان آل سعود الذي فر إلى جنوب الأحساء، ثم انتقلا من هناك إلى قطر بعد استيلاء العثمانيين على الأحساء مع جمع من العجمان وآل مرة ومنها عبر إلى البحرين ومعه حوالي ١٥ رجلا من أتباعه في ١٩ ربيع الثاني ١٢٨٨ هـ/ ٧ يوليو ١٨٧١ م، وقد استقبله الشيخ عيسى بن علي الخليفة شيخ البحرين الذي كان عائدًا لتوه من رحلة قنص في قصره في الأول من شهر جمادي الثانية ١٢٨٨ هـ/ ١٨ أغسطس ١٨٧١ م، وكان والده حفيًّا به ومتابعًا لأموره بإرساله الرسل إليه وكان أولهم قد وصل إلى البحرين في ٦ جمادى الثانية ١٢٨٨ هـ/ ٢٣ أغسطس ١٨٧١ م. وقد تردد في البحرين في ٢١ جمادى الأولى ١٢٨٨ هـ/ ٨ أغسطس ١٨٧١ م حرص عبد العزيز بن سعود بن فيصل على تأمين احتياجات أتباعه من العجمان وآل مرة في قطر، وأن شيخ البحرين سيسمح له بذلك مما أثار مخاوف الإنجليز من أن ينظر العثمانيون إلى ذلك باعتباره تدخلا من قبل شيخ البحرين إلى جانب سعود بن فيصل، وقد صدق حدس الإنجليز فيما بعد (١).
معركة البرة
معركة بين سعود ومن معه من آل مرة والعجمان وبعض القبائل وبين أخيه عبد اللَّه بن فيصل، ودارت بينهما معركة حامية انهزم فيها فرسان الأمير عبد اللَّه.
ذكر أحمد بن علي بن مشرف الأحسائي في كتابه التالي:
"وفي ربيع الأول من سنة ثمان وثمانين، خرج من الرياض (يقصد سعودا) غازيًا لأخيه عبد اللَّه وقبائل قحطان، ومعه العجمان وآل مرة، وسُبيع والسهول والدواسر، وأهل الرياض والخرج والحوطة فوافاهم على البرة (قرية معروفة في نجد) فالتقى الجمعان يوم السابع من جمادى الأولى، وبعد معركة حامية الوطيس انهزم جيش الإمام عبد اللَّه وقتل منهم عدد كثير، ومن مشاهير القتلى من هذا الجيش عبد العزيز بن محمد بن ناهض، ومن جيش سعود منصور الطويل، أحد فرسان العجمان المشاهير" (٢).
стр. 8082
قال الظاهري: "في ربيع الأول عام ١٢٨٨ هـ الموافق ١٨٧١ م، خرج من الرياض الأمير سعود بن فيصل ومعه قبائل قحطان، والعجمان، وآل مرة، وسبيع، والسهول، والدواسر، وأهل الرياض، والخرج، والحوطة قاصدين غزو الإمام عبد اللَّه الفيصل الذي كان معسكرًا في إحدى قرى نجد وتسمى "البرة"، وفيها التقى الجمعان يوم ٧ جمادى الأولى عام ١٢٨٨ هـ الموافق ١٨٧١ م، ودارت بينهما معركة حامية انهزم فيها فرسان الإمام عبد اللَّه وقتل منهم عدد كبير، ومن أبرز الذين قتلوا من فرسان الإمام عبد اللَّه هو الفارس عبد العزيز بن محمد بن ياهض، ومن فرسان الأمير سعود فارس العجمان المشهور منصور الطويل" (١).
محاولة سعود استرداد حكم الأحساء من العثمانيين (*)
رعم تسارع إجراءات العثماذِش إحكام قبضتهم على الأحساء والقطيف، إلا أن سعود بن فيصل لم يسلم بالأمر كما كان يتمناه العثمانيون، جاءت أولى محاولاته للتصدي للوجود العثماني عندما قور استخدام القوة الحربية لمجابهة استيلاء العثمانيين على المنطقة مستفيدًا من تعمقهم في الداخل بعيدًا عن خطوط إمداداتهم البحرية، وكان هذا الخيار أحد إستراتيجيات سعود بن فيصل منذ علمه بمسير الحملة العثمانية، فقد كان يرى أن استدراجهم إلى العمق هو أفضل السبل المتاحة أمامه لمجابهة فعالة واختبار حقيقي لقوتهم لا سيما وهم لا يزالون حديثي عهد بالمنطقة، وقد كان العثمانيون يترقبون رد فعل سعود بقلق بالغ حتى أن وجود ابنه عبد العزيز في البحرين -رغم صغر سنه- إذ ذكر أن عمره يتراوح بين ١ - ١٢ سنة قد أثار مخاوف العثمانيين ومعهم أيضًا الإنجليز الذين ظنوا أن تواجده في البحرين كان بقصد إرساله أو قيادته لحملة بحرية تهاجم القطيف بواسطة القوارب أو بهدف إرساله أسلحة وذخيرة لوالده في نواحي الأحساء رغم تطمينات شيخ البحرين لهم بأن صغر سن عبد العزيز لا يؤهله للقيام بمثل تلك المهمات.
ظن سعود بن فيصل بعد هزيمته لأخيه الإمام عبد اللَّه بن فيصل في وقعة البرة في ٢ جمادى الأولى ١٢٨٨ هـ/ ١٨٧١ م، أن الأمر قد دان له، مما حمله
стр. 8083
على إرسال مندوب من قِبله إلى البحرين يحمل رسالة منه يزف فيها خبر انتصاره، وقد ترددت مندوبه على البحرين مرتين كان آخرها في شهر رجب ١٢٨٨ هـ/ أكتوبر ١٨٧١ م، والتي حمل خلالها رسالة إلى المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي جاء فيها أن أهل الرياض وبادية نجد قد انحازوا إليه، وقد اشتكى سعود بن فيصل في تلك الرسالة من نكوث المقيم السياسي البريطاني بوعده بأن لا يسمح بنشاط حربي في البحر، بينما قدمت الحملة العسكرية العثمانية بحرًا وأخذت بلاده (الأحساء والقطيف)، وقد ختم سعود بن فيصل رسالته بقوله أنه سيقدم إلى الأحساء في ١ رجب ١٢٨٨ هـ/ ١٦ سبتمبر ١٨٧١ م، وقد أدى تشكك سعود بن فيصل في إمكانية الحصول على عون من الإنجليز ولو كان دبلوماسيًا إلى طرقه كافة الأبواب الممكنة قبل أن ترسخ جذور العثمانيين في بلاده، مما حمله على إرسال مندوب من قبله إلى والي بغداد في ١٩ جمادى الثانية ١٢٨٨ هـ/ ١٤ سبتمبر ١٨٧١ م، يحمل رسالة منه مرفقا بها مضبطة وقع عليها أغلب أعيان نجد تطالب بإيجاد تسوية مقبولة بين سعود بن فيصل والعثمانين حين زيارته للأحساء.
طال انتظار سعود بن فيصل لرد من العثمانيين فلما يئس طلب من القبائل المؤيدة له في منطقة الخرج الخروج معه إلى الأحساء، وخرج من الدلم ونزل على قبيلة العجمان في جودة في أواخر جمادى الثانية ١٢٨٨ هـ/ سبتمبر ١٨٧١ م، فزينوا له فكرة الهجوم وأظهروا له تأييدهم لا سيما وهم لم يكونوا على ود مع أخيه الإمام عبد اللَّه بن فيصل إذ لم يغفروا له ما أنزله بهم في موقعتي "ملح" و"الطبعة"، كما أن العجمان لم يكونوا راضين عن إحكام العثمانيين قبضتهم على الأحساء ونواحيها، وشاركهم في ذلك قبيلة آل مرة في إبداء التأييد والوعد بالمساندة، ولقي ذلك هوى في نفس سعود بن فيصل لمقارعة العثمانيين ومحاولة إخراجهم من المنطقة أو على الأقل التوصل إلى تسوية مقبولة معهم، وأرسل سعود بن فيصل في جمادى الثانية ١٢٨٨ هـ/ سبتمبر ١٨٧١ م إلى عبد اللَّه بن ثنيان آل سعود الموجود في البحرين مندوبه شريدة يطلب الحصول على أسلحة وسيوف ومسدسات وأن يعمل على إرسال خيوله الموجودة في البحرين مع محمد ابن هجرس مع أعلاف ومياه وأن يبعث بها دون تأخير إلى الخرج، مخبرًا إياه أنه
стр. 8084
موجود حين كتابته الرسالة في الرياض، وأوصاه بعدم التوقف عن العمل أو الاستسلام والبقاء في البحرين للمساندة، ومما جاء في تلك الرسالة فيما يتعلق باستعداد سعود بن فيصل للجهاد لتخليص البلاد من الوجود العثماني قوله:
أن أهل جميع المدن صغيرها وكبيرها قد انضموا إلى جانبي وسيعلنون معي الجهاد ضد عدوهم لحماية بلادهم وأبنائهم وأرواحهم. . وأنني أشعر أن موقفي قوي وأن اللَّه سيمنحني القوة. وإبلاغ سلامي إلى الابن عبد العزيز وكافة أصدقائه. . ويسلم عليكم كل الأبناء وعبد الرحمن بن فيصل وتركي وسعود بن جلوي وفهد بن عبد اللَّه (ابن صنيتان) ومشهود وثنيان والشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (١).
ومن محاولات سعود بن فيصل الاتصال بالحكومة البريطانية لطلب مساندتهم له بمنع وصول إمدادات للعثمانيين، وكذلك طلب أن يكونوا طرفًا ثالثًا بينه وبين العثمانيين، ولكن جاء الرد مخيبًا لآماله (٢).
فبعد أن عرف سعود بحصول قطيعة بين أخيه عبد اللَّه والعثمانيين سارع إلى جس نبض الدولة العثمانية تجاه إمكانية التعامل معهم في مساعي تفضي إلى استعادته لحكم المنطقة (٣).
فقد طلب سعود بن فيصل من الشيخ عيسى بن علي آل خليفة أحد أمرين إما أن يؤمن له مساعدة تمكنه من التخلص من العثمانيين أو أن يقرضه مبالغ مالية قد يُرضى بها العثمانيين ضريبة سنوية في حال موافقتهم على الانسحاب من المنطقة.
استمرارا في تلك المساعي أرسل سعود بن فيصل مبعوثًا آخر وصل إلى البحرين في ١٢ ذي الحجة ١٢٨٨ هـ/ ٢ مارس ١٨٧٢ م قادمًا من معسكر سعود بن فيصل في الحني هو فيصل المرضف أحد شيوخ آل مرة البارزين إلى منصرف لواء
стр. 8085
الأحساء حيث وصلها في صباح يوم ٤ محرم ١٢٨٩ هـ، حاملا معه هدية من سعود بن فيصل عبارة عن حصان وناقتين قبلها الفريق محمد نافذ باشا، ولم يضيع فيصل المرضف الوقت فاجتمع في مساء يوم وصوله بالمتصرف حيث تم الاتفاق على إرسال مندوب من قبل المتصرف إلى سعود بن فيصل شريطة بقاء فيصل المرضف مع المتصرف حتى عودته سالما. بعث متصرف لواء الأحساء في مساء اليوم مندوبًا من قبله هو محمد رفعت بك يرافقه جنديين وأحد رجال سعود بن فيصل لحمايته حاملا معه هدية المتصرف عبارة عن ملابس وعباءات ومسدسات وسيوف وثمانية أكياس أرز وتمور وكتب رسالة لسعود بن فيصل جاء فيها:
"إذا أردت أن يعهد إليك بحكم البلاد فيجب عليك أن تعترف بتبعيتك للدولة العثمانية ودفع المصاريف التي أنفقتها الدولة على الحملة ويمكن أن تدفعها على أقساط علاوة على أن تدفع مبلغًا سنويًا مثل ما كان يدفعه والدك، على أن تدفع المبالغ المستحقة التي توقف دفعها إلى الوقت الحاضر، وإرسال اثنين من أبنائك كرهائن إلى بغداد، وأن لا تمارس أية سلطة في مينائي القطيف والعقير. . وأن تعترف بأن سلطتك محصورة في الأحساء ونجد. . فإذا وافقت على هذه الشروط فيمكنك القدوم إلى العقير مع قليل من الأتباع حيث ستتم مقابلتك، أما إذا لم تعجبك الشروط فإمكانك الحضور إلى الأحساء، إذ ستعيد لك الدولة العثمانية أملاك والدك من النخيل في الأحساء والقطيف ولن تفرض عليك ضرائب وسيخصص لك مرتب شهري قدره ألف ريال، وعلى أن تمضي فترة ستة شهور بعد الانفاق للتأكد من الطاعة وتنفيذ الاتفاق، وإذا لم تقبل هذه الشروط فإمكانك أن تستمر في الثورة حتى يحين وقت القبض عليك بالقوة وعندها ستعامل كمنشق على الدولة العليا" (١).
وقال أحمد بن خليفة الغتم: "إنه إذا فشلت مهمة فيصل المرضف واتضح لسعود أن العثمانيين غير راغبين في تسوية تضمن انسحابهم من الأحساء والقطيف فإن سعودًا سوف يسير ليخيم في جودة وينتظر أخاه الإمام عبد اللَّه بن فيصل هناك ومعه شيوخ نجد الآخرين ليقرر القرار الذي يختاره اللَّه".
стр. 8086
"ويبدو أن سعود بن صنيتان كان في مهمة لجلب سلاح من البحرين لسعود ابن فيصل" (١) فشلت تلك المراسلات في بناء الثقة بين الطرفين لا سيما بعد أن عرف سعود بأن المنصرف قد بعث يستدعي الإمام عبد اللَّه بن فيصل في ١٣، ذي الحجة ١٢٨٨ هـ/ ٢٣ فبراير ١٨٧٢ م، وتكراره دعوته رغم رفض الإمام عبد اللَّه الذي عرف العثمانيين وتعامل معهم عن كثب فتابع اتصاله بشقيقه مبررًا رفضه بحجج عدة وبأمور تمنعه من القدوم ومنها المرض (٢).
وكان سعود بن فيصل حينئذ على وشك الهجوم على القطيف يصحبه جمع من قبائل بني هاجر والعجمان وآل مرة وقد أزعجت تلك الانتفاضة السلطات العثمانية وخاصة التفاف قبيلتي العجمان وآل مرة حول آل سعود واحتمالية عودة الألفة والتقارب بين الإمام عبد اللَّه وأخيه سعود (٣).
مال الإمام عبد اللَّه بن فيصل إلى الموافقة على المبادرة التي أطلقها أخوه سعود بتوحيد جهودهما للتصدي للعثمانيين وكان عبد اللَّه يتجاهلها فيما مضى. فقد كتب سعود لأحد رجال الوكالة السياسية البريطانية في البحرين في ٢٠ ذي الحجة ١٢٨٨ هـ/ ١ مارس ١٨٧٢ م، رسالة جاء فيها:
"وصل ناصر بن حمد المبارك إلى هنا مندوبًا من أخي عبد اللَّه وطلب مني التوصل إلى سلام والدخول في ترتيبات معه وقد وافقت. . . ولأنكم أصدقائي رأيت من الضروري إحاطتكم بهذه التطورات" (٤).
كما أفادت الأخبار القادمة إلى البحرين من الرياض أن الإمام عبد اللَّه بن فيصل قد نصب رايته خارج الرياض وأعلن استعداده للجهاد، وأن شيوخ قبيلتي شمر وعنزة وابن قرملة شيخ قبيلة قحطان قد أعلنوا استعدادهم للانضمام إليه والرغبة في المسير معه للانضمام إلى سعود بن فيصل في عيون الجبيل (٥).
وكان الإخوة الثلاثة قد قسموا جيشهم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول يقوده الإمام عبد اللَّه بن فيصل ويتكون من رجال من قبيلتي بن هاجر والدواسر وعهد له
стр. 8087
بمهاجمة الحساء، والقسم الثاني بقيادة سعود بن فيصل ومعه أفراد من قبائل العجمان وآل مرة وسبيع والسهول وبني هاجر وأسند إليه الهجوم على القطيف، والقسم الثالث بقيادة محمد بن فيصل مع مجموعة من المقاتلين عهد لهم بقطع طريق العقير - الهفوف في حالة قدوم إمدادات عثمانية، وقد تمكن محمد بن فيصل ومن معه الاستيلاء على قافلة من الفرسان قوامها ٣٠ رجلا في ذلك الطريق في ١٥ صفر ١٢٨٩ هـ، قبل توجهه بعد ذلك إلى قطر. وقد جاء في تقريرين إخباريين عن تطورات الأحداث في المنطقة وصلا إلى البحرين في ١ و ١٥ صفر ١٢٨٩ هـ/ و ١٠ و ٢٤ أبريل ١٨٧٢ م، على التوالي وصول سعود بن فيصل إلى مكان يبعد مسيرة يومين عن مدينة الكويت ومعه رجال من قبائل العجمان وآل مرة والدواسر وعدد من أهل نجد وأنه يخطط للهجوم على البصرة. ويبدو أن سعودا كان يريد جس نبض العثمانيين وإثارة مخاوفهم من هجومه عليهم في البصرة لعل ذلك يدفعهم للبحث الجدي معه حول الجلاء من الأحساء والقطيف.
آثار سعود منذ البداية خوفًا كبيرًا بين صفوف العثمانيين في القطيف وانعكس على سكانها، فقد اقترب جيش سعود بن فيصل من مشارف القطيف حيث عسكر في ملح قرب القطيف وكان معه أخوه محمد والشيخ عبد الرحمن آل الشيخ وحشد كبير من العجمان وآل مرة (١).
فقد أرسل مندوبًا إلى البحرين في ١٨ صفر ١٢٨٩ هـ/ ٢٧ أبريل ١٨٧٢ م ومعه رسالتان إحداهما للشيخ عيسى بن علي الخليفة شيخ البحرين والأخرى لشقيقه الشيخ أحمد الخليفة وذكر المندوب أنه قد التحق ٥٠٠ رجل من قبيلة سُبيع و ٢٠٠ من السهول و ٢٠٠ بن آل مرة وقد التحقوا به وعاهدوه وفي شروط معينة (٢).
وأضاف سعود بن صنيتان أن سعود بن فيصل بادر بإرسال فيصل المرضف أحد شيوخ قبيلة آل مرة في ٢١ ذي الحجة ١٢٨٨ هـ/ ٣ مارس ١٨٧٢ م، مندوبًا من قبله يحمل رسالة إلى الفريق محمد نافذ باشا متصرف لواء الأحساء بخط سعود بن صنيتان نفسه (٣).
стр. 8088
راقبت الدولة العثمانية بقلق بالغ أنباء التصالح بين الإمام عبد اللَّه بن فيصل وأخيه سعود بن فيصل، فقد سارع الصدر الأعظم في ٢٣ محرم ١٢٨٩ هـ إلى الكتابة إلى ولاية بغداد يفيدها بورود رسائل تفيد بتقارب عبد اللَّه وسعود والتفاف قبيلتي العجمان وآل مرة حولهما (١).
وصول عبد الرحمن بن فيصل من بغداد ومحاولة استعادة الأحساء:
تم تعيين بزيع بن محمد بن عريعر متصرفًا للواء الأحساء في ٨ محرم ١٢٩١ هـ/ مارس ١٨٧٢ م (٢).
جاءت الضربة القاصمة لحكم بزيغ بن محمد بن عريعر وللعثمانيين الذين اعتمدوا عليه وعلقوا عليه آمالا من مطالب سعودي جديد بحكم الأحساء وتوابعها هدف إلى إخراج العثمانيين بالقوة المفاجئة. كان القادم الجديد هو عبد الرحمن بن فيصل الذي أصدر أمرا سلطانيا برفع قيود الإقامة الجبرية عنه وعن مرافقه فهد بن صنيتان والتي كانت مفروضة عليهما في بغداد في ٢ صفر ١٢٩١ هـ/ أكتوبر ١٨٧٤ م ومنحه مخصصًا شهريًّا وقد نص الأمر على تخصيص راتب وإيجار منزل لهما في بغداد إن أراد الإقامة بها أو السماح لهما بمغادرتها (٣).
وصل عبد الرحمن بن فيصل البحرين في ١٢٩١ هـ/ شهر أغسطس ١٨٧٤ م البحرين وأقام بها شهرين تحسس خلالها أمور الإدارة العثمانية من خلال اتصاله برجال قبائل الداخل وسكان المدن فوجد أخبارًا مشجعة واحتمالات لأماني يمكن تحقيقها (٤).
بدأ عبد الرحمن بن فيصل على الفور الاتصال عن طريق رسائل بعثها مع عن يثق بهم إلى شيوخ قبيلتي العجمان وآل مرة يسألهم عن تأييدهم لو حاول تخليص الأحساء من العثمانيين، فجاء ردهم مشجعًا (٥).
стр. 8089
ذكر أن عبد الرحمن الفيصل قد تمكن من جمع حوالي ٦٠٠ رجل حوله من البحرين عبر بهم إلى العفير ميناء الأحساء الرئيسي وهناك التحق به كثير من أنصاره من قبائل المنطقة خاصة العجمان وآل مرة (١).
جمع عبد الرحمن حوله في الأحساء حوالي ٨٠٠٠ مقاتل بينهم ٥٠٠ فارس وهاجم بهم العثمانيين في الأحساء في شهر رمضان ١٢٩١ هـ، وكان هدفه إخراج الجنود العثمانيين من قلاعهم وتحصيناتهم، فبدأ بقلعة خزام الواقعة خارج أسوار مدينة الهفوف مقر الإدارة العثمانية في لواء الأحساء، وكانت قلعة خزام هدفًا جيدًا واختيارًا ذكيّا لبدء المحاولة بسبب موقعها وقلة عدد أفراد حاميتها، وقد تمنعت القلعة في بداية الأمر بسبب إحاطتها بخندق يعيق تسلقها بتأثير مدافع قلعة الكوت التي أمنت المساندة لها، لكن عبد الرحمن بن فيصل عالج تحصينات قلعة خزام بصنع سلالم مناسبة مكنته من اقتحامها في ١٥ شوال ١٢٩١ هـ/ ٢٦ نوفمبر ١٨٧٤ م، وقد قتل من الجند العثماني المدافع عن القلعة ١١ رجلا وإن كانت بعض المصادر تقلل العدد إلى ٦ أفراد من العثمانيين و ١١ رجلا من الجنود العرب الذين كانوا بداخل القلعة، كما قتل قائد حامية القلعة دخيل آل عريعر ابن عم بزيغ العريعر متصرف لواء الأحساء ومن جانب قوات عبد الرحمن بن فيصل قتل اثنان وجرح مثلهما. وقد وصلت في تلك الأثناء نجدات من آل سعود، فوصل سعود بن جلوي ومعه أحد أبناء سعود بن فيصل كما بدأ سعود في تجهيز نفسه للمسير إلى القطيف التي كان عبد الرحمن بن فيصل يخطط للمسير إليها بعد تمكنه من السيطرة على الوضع في الأحساء (٢).
نجدة ناصر باشا السعدون وبطشه بالأحساء:
قدم المدد العثماني على نوعين، أولهما قوة عسكرية نظامية مكونة من ثلاثة أفواج تعداد كل منها حوالي ثمانمائة رجل تساندها ثلاثة مدافع، وعدد من الجنود غير النظاميين. أرسلت هذه القوات محمولة على ظهر سفينتين حربيتين وسفينة نقل إلى ميناء القطيف، وصل آخرها في نهاية شهر ديسمبر ١٨٧٤ م، وعلى متنها
стр. 8090
ستمائة جندي بقيادة ناصر باشا السعدون شيخ المنتفق يعاونه الفريق محمد باشا، وكان ناصر باشا السعدون قد تكفل بمهمة إنجاد بزيغ وإخماد انتفاضة عبد الرحمن ابن فيصل (١).
ومن أجل حشد قوات أكبر بادر عبد الرحمن بن فيصل بإرسال ابن أخيه سعد بن سعود إلى جودة وابن عمه فهد بن صنيتان إلى الهفوف لاستنهاض مزيد من التعزيزات، وقد بذل جهده للاحتماء من وطاة نيران المدفعية العثمانية التي ميزت قوات ناصر باشا السعدون حيث كان بحوزته ثلاثة مدافع ظل محاصرًا للأحساء مدة أربعين يومًا، وما لبث الجيشان أن التحما في معركة ضارية دامت أربعة أيام بدأت في اليوم الأول من شهر ذي القعدة في الحويرات. وكان عبد الرحمن بن فيصل قد اختار مجموعة خاصة مكونة من ١٦ فارسًا و ٨٠ من راكبي الهجن وعهد إليهم بمهمة تعقب ناصر باشا السعدون ومحاولة قتله، ولكنهم عندما اقتربوا منه أطلقت عليه النيران بكثافة فقتل رأسين من الإبل ففر الجميع في اضطراب مما أربك من كان مع عبد الرحمن بن فيصل وأدى إلى تفرق من كان معه، عندما أيقن عبد الرحمن بن فيصل أنه لا فائدة من الاستمرار في التصدي بسبب تفوق الجيش العثماني عددًا وعدة، ففر مع فهد بن صنيتان وعدد قليل من أتباعه الذي ثبتوا معه قاصدين جودة، فقد ذكر إبراهيم بن محمد أحد مرافقي عبد الرحمن بن فيصل الذي وصل إلى البحرين قادمًا من جودة عن طريق الزبارة مع أربعين من مرافقيه في شهر ذي الحجة ١٢٩١ هـ/ يناير ١٨٧٥ م أن عبد الرحمن بن فيصل لا يزال في جودة وأن أخاه سعود بن فيصل موجود في الرياض (٢).
سارع عبد الرحمن بن فيصل بعد الهزيمة من جودة إلى الرياض حيث وصلها في وقت مناسب، إذ وجد أخاه سعودا مريضًا يعاني من جرح بليغ أصابه في إحدى معاركه بجوار حريملاء، ولم يمض وقت طويل حتى مات سعود بن فيصل في ١٨ ذى الحجة ١٢٩١ هـ/ ٢٥ يناير ١٨٧٥ م، فتسلم عبد الرحمن بن فيصل الإمامة، إذ ذكر أن محمد بن سعود بن فيصل قد أخبره أن والده قد أوصى قبل وفاته بأن يعهد بالحكم من بعده لأخيه عبد الرحمن (٣).