← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

من يده ثم ضرب به على رأسه ضربة هدَّه منها، ثم قال له: قبحك اللَّه! أتريد أن تضرب قريشًا بعضهم ببعض في رجل من دوس سنؤتيهم العقل إن قبلوه وأطفأ ذلك الأمر. وأخذ حسان بن ثابت يحرض في دم أبي أُزيهر، فلما بلغ أبا سفيان قول حسان قال: يريد حسان أن يضرب بعضنا ببعض في رجل من دوس! بئس واللَّه ما ظن، وحجز الإسلام بين الناس. غزوة المسلمين لبني المصطلق (*) من خزاعة كانت غزوة بني المصطلق في شهر شعبان من سنة خمس للهجرة، وكان سببها أن الحارث بن أبي ضرار سيد خزاعة جمع جموعًا واستعد للمسير إلى رسول اللَّه ﷺ وعلم النبي ﷺ بالأمر، فسار في المسلمين، إلى أن وصل إلى ماء لهم يقال له المريسيع بناحية قديد فنزل عليه، وأمر عمر بن الخطاب، أن يعرض على المشركين التوحيد، فأبوه، فحمل عليهم المسلمون، فقتلوا منهم جمعًا وأسروا أسرى كثيرة وغنم المسلمون أموالا وسبيًا، وكانت جويرية (١) ابنة الحارث بن أبي ضرار في السبي، فأعتقها رسول اللَّه ﷺ وتزوجها، وكان اسمها برّة، فسماها جويرية، ويقال إنه أعتقها وتزوجها على عتق مائة من أهل بيت قومها، فلما عتقوا انصرفوا إلى منازلهم (٢). وفي رواية ثانية فجاء أبوها فافتداها ثم أنكحها رسول اللَّه ﷺ ، وقيل: إنها دخلت على النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من الأمر ما قد علمت فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبني على تسع أواق فأعني في فكاكي، فقال: أو خبر من ذلك؟ فقالت: ما هو؟ فقال أودي عنك كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : قد فعلت. وخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول اللَّه، يُسْتَرقُّون! فأعتقوا ما

стр. 8227

كان في أيديهم من سبي بني المصطلق فبلغ عتقهم مائة أهل بيت بتزويجه (١) إياها. ولقد أورد صاحب الأغاني (٢) عن يوم المريسيع الرواية التالية قال: أصيب قوم من بني جُندع بن ليث بن بكر رهط أمية بن الأشكر يقال لهم بنو زُبينة، أصابهم أصحاب النبي ﷺ يوم المُريسيع في غزوة بني المُصطلق، وكانوا جيرانهم يومئذ، ومعهم ناس من بني لحيان من هُذيل ومع بني جندع رجل من خزاعة يقال له طارق، فاتهمه بنو ليث بهم، وأنه دل عليهم، وكانت خزاعة مُسلمها ومشركها يميلون إلى النبي ﷺ على قريش فقال أمية بن الأشكر لطارق الخزاعي: لعمرك إني والخزاعيَّ طارقًا … كَنَعجةِ عَادٍ حَتْفَها تَتَحفَّرُ أثَارتْ عليها شَفْرةَ بكُراعها … فَظَلَّتْ بهَا من آخر الليل تُجزرُ شمتَّ بقوم هم صديقك أهلكوا … أصابهمُ يومٌ من الدَّهرِ أعْسَرُ كأنك لم تُنبأ بيومِ ذُؤالة … ويوم الرَّجِيع إذ تنحرّ حَبْتَرُ فهلا أباكمْ في هُذيل وعمكم … ثَأرتم وهم أعدى قلوبًا وأوتر ويوم الأراكِ يوم أردف سيبكم … صميم سراة الدبل عبدٌ ويعمرُ وسعد بن ليث إذ تُسلُّ نساؤكم … وكلب بن عوف نحّروكم وعقَروا عَجبتُ لشيخٍ من ربيعة مُهتَرٍ … أُمرَّ له يومٌ من الدهرِ مُنكَرُ (٣) فأجابه طارق الخزاعي فقال: لعمرك ما أدري وإني لقائل … إلى أيِّ مَن يظنني أتعذَّرُ (٤) أُعنّف إن كانت زُبينةُ أُهلكتْ … وَنَالَ بني لحيان شرٌّ ونُفِّرُوا (٥)

стр. 8228

القتال بين بكر وخزاعة ونصرة النبي ﷺ لخزاعة كان القتال ينشب بين القبائل العربية في الجاهلية لعدة أسباب منها: - الخلاف على مواطن الماء والكلأ. - الغزو الذي تبغت فيه القبيلة القوية، القبيلة الأضعف. - الثأر، لأشخاص قتلوا غدرًا أو عمدًا. - هجاء شاعر من قبيلة يطعن قبيلة ثانية في شرفها. - وأحيانًا تقع الحرب لأسباب تافهة، لمخاصمة بين رجلين فتثور ثائرة القبائل فتسقط ضحايا ويدوم القتال سنوات عدة، وقد يفني المتقاتلون وخلافهم مازال على أشده، وفي هذا الإطار كان الخلاف بين بكر وخزاعة، ولما جاء الإسلام وهذب نفوس العرب، ووسع من تفكيرهم ووحد صفوفهم وصهرهم في بوتقة الشعب الواحد الذي ينظر إلى تحقيق طموحات وتأدية رسالة سامية، تلاشى معظم التفكير القبلي بمعناه العدائي، وأصبحت الرابطة الأقوى هي رابطة الدين، ثم تطورت العلاقات بينهم وبين الشعوب التي نشروا رسالتهم الإنسانية فيها، إلى أن أصيب العرب في تراجع وهزائم في أماكن عديدة نتيجة خلافاتهم على الزعامات، وشعروا بأن العالم يتجه إلى الفكر القومي مهما كانت ديانة هذه الشعوب. أي عادت إليهم عصبية الجذور في الانتماء، وهكذا كان شأن العرب، كغيرهم من الأمم. .؟ وما حدث في الجاهلية بين بكر وخُزاعة هو أن بكر بن عبد مناة من كنانة عدت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له الوتير، وكان الذي هاج ما بينهما، أن رجلًا من بني الحضرمي اسمه مالك بن عبَّاد وكان حليفًا للأسود بن رزن الدَّئلي ثم البكري، خرج تاجرًا فلما توسط أرض خُزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزن الديلي، وهم مَنْخَر (١) بني بكر

стр. 8229

وأشرافهم، سلمى، وكلثوم، وذؤيب فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم (١). فبينما بنو بكر وخُزاعة على ذلك حجَز الإسلام بينهم، واشتغل الناس به فلما كان صلح الحديبية ودخلت خُزاعة في عهد النبي ﷺ ودخلت بنو بكر في عهد قريش، اغتنمت بكر تلك الهدنة وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرهم بقتل بني الأسود، فخرج نوفل بن معاوية الدُّئلي بمن تبعه من بكر حتى بيت خزاعة على ماء الوتير، فأصابوا منهم رجلًا وتحاوزوا واقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيًا، حتى حازوا خُزاعة إلى الحرم، وكان ممن أعان من قريش بني بكر على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكرين، صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، مع غيرهم وعبيدهم. ودخل بنو بكر إلى مكة خلف خزاعة، فقال بنو بكر يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك، فقال: كلمة عظيمة إنه لا إله له اليوم! يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه! وقد أصابوا بيتوهم بالوتير رجلًا يقال له منبه، وكان رجلًا مفئودًا خرج هو ورجل من قومه، يقال له تيم بن أسد، فقال له منبه: يا تيم، انج بنفسك، فأما أنا فواللَّه إني لميت قتلوني أو تركوني، لقد انبت فؤادي، فانطلق تميم فأفلت، وأدركوا منبهًا فقتلوه، أما خزاعة فقد لجأوا إلى دار بُديل بن ورقاء الخزاعي ودار مولى لهم يقال له رافع (٢). فلما تظاهرت بنو بكر وقُريش على خزاعة وأصابوا منهم ما أصابوا ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ من العهد والميثاق بما استحلوا من خُزاعة، وكانوا في عقده وعهده، خرج عمرو بن سالم الخُزاعي ثم أحد بني كعب حتى قدم على رسول اللَّه ﷺ المدينة، وكان ذلك مما أهاج فتح مكة، فوقف عليه وهو في المسجد جالسٌ بين ظهراني الناس فقال:

стр. 8230

لا همّ إنِّي نَاشدٌ مُحمَّدا … حلْفَ أَبينَا وأَبيه الأتْلدَا (١) فوالدًا كُنَّا وَكُنْتَ وَلَدا … ثمَّت أَسَلَمْنَا فلم نَنْزِعْ يَدَا (٢) فانْصُر رَسُولَ اللَّه نَصْرًا أعْتَدا … وادْعُ عبَادَ اللَّه يأتوا مدَدَا (٣) فيهمِ رسول اللَّه قد تَجرَّدَا … أَبْيضَ مَثل البَدْر يَنْمي صُعدَا (٤) إن سيم خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدا … في فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يجري مُزْبَدا (٥) إنّ قريشًا أَخلَفُوكَ الموعدَا … ونَقَضُوا ميثَاقك المؤكَّدَا (٦) وجَعَلوا لي في كَدَاءٍ رَصَّدَا … وَزَعَموا أن لسْتُ أَدْعُو أحَدَا وَهُمْ أَذَلُّ وأقَلُّ عَدَدَا … هُمْ بَيَّتُونَا بالوَتيرِ هُجَّدَا (٧) فَقَتَّلونا رُكَّعًا وَسُجدَا فقال رسول اللَّه ﷺ حين سمع ذلك: قد نُصرت يا عمرو (٨) بن سالم! ثم عرض لرسول اللَّه ﷺ عَنَانٌ من السماء، فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب.

стр. 8231

وهناك رواية ثانية أوردها ابن الأثير يقول فيها: "كان سبب ذلك أن رجلًا من خزاعة سمع رجلًا من بكر ينشد هجاء النبي ﷺ فشجه فهاج الشر بينهم وثارت بكر بخزاعة حتى بيتوهم بالوتير. . إلخ. بديل والرسول ﷺ -: خرج بُديل بن ورقاء في نفر من خُزاعة حتى قدموا على رسول اللَّه ﷺ المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان رسول اللَّه ﷺ قال للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العَقْد ويزيد في المدة. ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه، فلقوا أبا سفيان بعُسفان، قد بعثته قريش إلى رسول اللَّه ﷺ ليشدد العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتي رسول اللَّه ﷺ . قال: سِرْت في خزاعة في الساحل وفي بطن هذا الوادي. قال: أوما أتيت محمدًا؟ قال: لا. فلما راح بُديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى، فعمد إلى مبرك ناقته، فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى، فقال: أحلف باللَّه لقد جاء بُديل محمدا (١). بعد أن استنجدت خزاعة بالرسول ﷺ حزم أمره بالمسير إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيؤ وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها (٢). فتجهز الناس، وأخذ شاعر الدعوة الإسلامية حسان بن ثابت يحرضهم ويذكر مصاب رجال خزاعة وقال: أتَاني وَلَمْ أشْهد بِبَطْحاءِ مَكَّةٍ … رِجَالُ بني كَعْبٍ تُحَزُّ رِقَابُها (٣)

стр. 8232

بأيْدِي رِجالٍ لم يَسُلُّوا سُيوفَهِم … وَقَتْلَى كَثِيرٌ لم تُجَنَّ ثِيَابُها (١) أَلا ليَتَ شعْري هل تَنَالنَّ نُصْرَتي … سُهَيْل بْنَ عَمرو وحدُّها وَعُقابُها وَصَفْوانُ عَوْدًا حُزَّ من شُفْرِ إسْتِه … فَهذَا أَوانُ الحْرب شُدَّ عصَابُها (٢) فَلا تَأمَنَنَّا يا بن أُمُّ مُجَالَد … إذا احتُلِبَتْ صِرْفًا وأَعْصَل نَابُها (٣) ولا تَجْزَعوا منَّا فإنَّ سُيُوفَنا … لهَا وَقَعَةٌ بالَموْتِ يُفْتَحُ بَابُها (٤) التجسس على الرسول ﷺ -: عن ابن عباس قال: لما نزل رسول اللَّه ﷺ مرّ الظهران، قال العباس بن عبد المطلب، وقد خرج النبي ﷺ من المدينة: يا صباح قريش! واه لئن بغتها في بلادها، فدخل مكة عَنْوة، إنه لهلاكُ قريش آخر الدهر! فجلس على بغلة رسول اللَّه ﷺ البيضاء، وقال: أخرج إلى الأراك لعلّي أرى حطابًا أو صاحب لبن، أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول اللَّه، فيأتونه فيستأمنونه، فخرجت، فواللَّه إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له، إذ سمعت صوت أبي سفيان ابن حرب وحكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر عن رسول اللَّه ﷺ فسمعتُ أبا سفيان وهو يقول: واللَّه ما رأيت كاليوم قط نيرانًا. فقال بُديل: هذه واللَّه نيرانُ خزاعة، حَمْشَتْها الحرب! فقال أبو سفيان: خزاعة الأم من ذلك وأذلُّ (٥)! وكان أبو سفيان يبحث عن المخرج لأنه أدرك نهاية الأمر أن النصرة للنبي ﷺ الذي صفح عنه، وكان من المبايعين هو وغيره من زعماء القبائل له وكذلك بديل بن ورقاء الخزاعي.

стр. 8233

توحدت الجزيرة، وتحطمت الأصنام واعتنق الجميع دين الإسلام وأصبح للعرب دولة، سقطت أمامها أعتى الدول، ونشرت رسالتها إلى العالم كله. ومن أراد أن ينظر إلى رواية فتح مكة فليرجع إلى كتب التاريخ، فهي في السنة الثامنة للهجرة. وهنا أخذنا ما يتعلق بقبيلة خزاعة. الخيل عند خزاعة كان للخيل أهمية خاصة عند العرب، فهم يسمونها بأجمل الأسماء ويقولون فيها أحلى الأشعار، ولكنها كانت قليلة قياسًا على اقتنائهم للجمال؛ لأنها شديدة التحمل على أعباء السفر، وصبورة تعيش في ظروف مختلفة، إلا أن الخيل أكثر سرعة وحركة وخاصة في الحروب، ولذلك كان كل فارس في قبيلته، يحاول شراء فرس أو حصان؛ لذا اقترنت أسماء الخيول بأسماء فرسانها، كما أن المؤرخين اهتموا بتدوين المعارك والفرسان، فلم تكن الخيول بمعزل، عن رواياتهم، بل ذكروها أيضًا: فهذا ابن غادية الخُزاعي ثم الأسلمي، كان عنده فرس يقال لها (مَصَادٌ) يقول لها: صَبَرْتُ مَصَادًا إزاءَ اللَّطيـ … ــم حتى كأنَّهما في قَرَنْ (١) خَضَبْتُ به زَاعبيَّ السِّنَانِ … فُوَيْقَ الإزار وَفَوقَ العُكَنْ (٢) ويزعم أن ابن غادية هو الذي قتل ربيعة بن مُكدِّم يوم الكَديد، وأنه كان حليفًا لبني سليم، وكان في الحيل التي لقيته، كما نُسب قتله إلى نُبيشة بن حبيب السلمي (٣). أما ذؤيب بن هلال الخزاعي الكاهن، فكان عنده فرس يقال لها: (صَعدَةُ) وفيها يقول يوم أخذت منه: لَعمْرُكَ إِنِّي يومَ حَانَتْ بجُدَّةٍ … وصَعْدَةَ إِذْ لاقَيْتُهمُ لِذَليلُ (٤) يَرَاني نِسَاءُ الحَيَّ فَارِسَ صَعْدَةٍ … لفَارِسِها بالحَرَّتَيْنِ صَلَيلُ (٥)

стр. 8234

آل حرفوش وانتسابهم إلى خزاعة قال الأستاذ عبد القادر حرفوش: جاء في تاريخ بعلبك (١) ما يلي: الحرافشة في بعلبك والبقاع: "ينتهي نسبهم إلى حرفوش الخُزاعي من خُزاعة العراق سار جدهم حرفوش الخُزاعي مع سرايا الفتوح واستقر في غوطة دمشق ولما توجه أبو عبيدة بن الجراح إلى بعلبك عقد للخُزَاعي راية بقيادة فرقة ويبدو أن السكنى طابت له في بعلبك فأقام مع رافع السهمي يدرأ عنها أخطار الروم" (٢). "وتكاثر أبناؤه وأحفاده وقد اتصفوا بالشجاعة، والكرم، والبطش والظلم أحيانًا" (٣). وعن حكمهم في لبنان جاء في تاريخ بعلبك "إنهم حكموا بلاد بعلبك والبقاع قرابة ثلاثة قرون. . . وحكومة بعلبك متوارثة لبني الحرفوش" (٤). ولمؤرخ آخر في كتاب سماه "تاريخ بعلبك" (٥) يقول: "ثم دانت بعلبك وقراها لحكم أمراء بني الحرفوش، وهم عائلة من الشيعة، كانوا من البأس والسطوة والفروسية في مكان عظيم". وعن نسبهم يقول: إن الأمير حرفوش الخُزاعي جد هذه العيلة عُقدت له راية بقيادة فرقة من حملة أبي عبيدة بن الجراح على بعلبك واستوطن بعدئذ المدينة وكثر نسله، وكانوا من أعظم الأعيان فيها إلى أن تيسر لهم الاستقلال في المدينة وأقاليمها وبلاد البقاع في أواخر حكم سلاطين مصر من المماليك فسادوا وحكموا ثم ظلموا وعتوا وتسلطوا على الرعية (٦). وجاء لمؤرخ ثالث في كتاب (دواني (٧) القطوف):

стр. 8235

"وكان الأمراء الحرافشة يتولون بعض شؤون هذه البقعة في أول عهدهم للحكم ومسكنهم في بعلبك وكرك نوح، وهم فرقة من الشيعة نسبت إلى جدها الأمير حرفوش الخُزاعي الذي عقدت له راية بقيادة فرقة في حملة أبي عبيدة بن الجراح على بعلبك، قدموا من بغداد إلى غوطة دمشق ثم إلى بعلبك وسكنوها" (١). وهناك رواية وردت في موسوعة أعيان الشيعة (٢) تؤكد على اتصال أمراء آل حرفوش ببعلبك مع أقاربهم من قبيلة خُزاعة بالعراق: والرواية تقول: "إن الأمير جهجاء ابن الأمير مصطفى الحرفوشي الخُزاعي، ذهب إلى العراق إلى بني عمه من قبيلة خُزاعة، بسبب ضغط بني عمه عليه وأخذهم الإمارة منه وأنه ذهب إلى العراق كفًّا للشر ورعاية لحرمة أخت الأمراء، وهي أخته، وكان لها نفوذ عليه وعلى غيره ولم يذكر اسمها. وأن والي الشام أرسل حاكمًا إلى بعلبك محمد أغا العبد أثناء غياب الأمير جهجاه بالعراق، فأرسلت أخت الأمراء كتابًا إلى جهجاه تعلمه بذلك، فحركت فيه الحمية العربية فرجع من العراق إلى سورية وجمع عساكره وهاجم محمد آغا العبد في بعلبك وقتل أصحابه وهرب إلى دمشق وذلك في سنة (١٢٠١ هـ) واستعاد الإمارة، أما والده الأمير مصطفى فقد قتله الأتراك (٣). وقال الأمير جهجاه حرفوش الخُزاعي قصيدة يفتخر بشعره الشعبي المألوف وانتمائه إلى خُزاعة، وأذكر بعضًا منها: أنَا بِبَغْدَادْ مَا عِنْدي عَلا يمْ … بهذَا الأمْر ما عندي اطِّلاعِ كَفِّيْت الشَّرْ وأنَطَيهُمْ قَفَايَا … ارْحَمهُ، اللَّهُمْ مِنْ حِرُوب الخُزاعي نَهرتْ العَبْدِ هَات المعْنَقِيَّة … عَليها اعتَلَى رَهْط الخُزاعي ورُمحي منْ جَبلْ بَغدادْ جِبْتُه … وسَيفي حَرَبْتُه سُمَّ الأَفَاعي عَطَسْت وجِبت من بَغْداد ليكُمْ … تُشِيْل الضَيم عَنكم في ذِرَاعي (٤)

стр. 8236

وهو يذكر وجوده عند أبناء عمومته من خُزاعة وأنه قادم إليهم ليخلصهم مما هم فيه، وأعاد إليهم إمارتهم في لبنان. لمحة عن أصل الحرافشة: تناقل الآباء عن الأجداد نسبهم القبلي وتاريخهم جيلا بعد جيل، ومسيرة حياتهم من موطنهم الأصلي في بعلبك حتى حطموا رحالهم في إقليم الجولان، وجذورهم القديمة الراسخة في عمق التاريخ وصولا إلى قبيلة خُزاعة القحطانية اليمانية التي كانت تقيم قبل الإسلام في ظاهر مكة، وكان لها سدانة الكعبة قبل بني هاشم من قريش. وقد مرت كتب التاريخ في العصور الوسطى والحديثة على ذكر الحرافشة وإمارتهم، فذكرهم المحبي في تاريخه، والمعلوف، والأمير الشهابي وحسن عباس نصر اللَّه، وميخائيل البعلبكي، وكتب كثيرة، على أنهم كانوا من الذين حكموا في لبنان فترة طويلة، وكانت علاقتهم بالسلطة التركية الممثلة بوالي الشام سيئة بسبب قهر وظلم الأتراك للناس وتحصيل الأموال الطائلة منهم، وكثيرًا ما اقتتل الحرافشة مع الأتراك الذين نظموا حملات عديدة لإخضاعهم، كما تحالف الحرافشة أكثر من مرة مع المعنيين والشهابيين، لصد غارات الأتراك على لبنان وأوقعوا بهم خسائر كبيرة، ودام هذا الصراع السياسي والعسكري حتى فترة متأخرة من القرن التاسع عشر. وتعرض الحرافشة إلى عدة حملات عنيفة من العساكر التركية تعرضوا فيها للقتل والتشرد فبعضهم اختبأ في جبال لبنان وجرود الهرمل، وتوجه البعض الآخر إلى طرطوس واللاذقية (مقرمدة) وسكنت جماعة منهم حوالي حمص، وفي جبل العرب بمدينة شهبا، ونزلت جماعة منهم في إقليم الجولان (سكوفيا، فيق، الياقوصة) وهؤلاء إخوة وأبناء عم. وفر آخرون إلى مصر وسكنوا مدينة بنها، ونزل قسم منهم في الأردن (إربد) ووصلت جماعة منهم إلى الجزائر (صطيف) وجميع هؤلاء على اختلاف مذاهبهم ومواطنهم المتباعدة يلتقون في جدهم حرفوش الخُزاعي الذي يتصل نسبه بقبيلة خُزاعة.

стр. 8237

وكان الشيخ فياض ﵀ (نسابة في العشائر) ويحفظ نسبه في آل حرفوش ويسلسله حتى يصل إلى قبيلة خُزاعة، ولقد ثبت لنا صحة روايته في المراجع القديمة والحديثة. لم نرغب في التوسع بذكر أخبار إمارة آل حرفوش في لبنان لأن الأخ الأستاذ عبد العزيز حرفوش أحاطنا علمًا بأن مخطوطًا لديه شمل كل أخبارهم وسيعمل على نشره قريبًا، ونحن نشكره جزيل الشكر لتقديمه بعض المصادر لنا بما يخص آل حرفوش. خزاعة والحكم التركي لم يحل القرن الثاني عشر الهجري حتى كانت الثورات تعم العراق وخاصة لواء الحلة الثائر ضد الحكم التركي الذي أنهك الشعب بالضرائب والتجنيد الإجباري، فقام كثيرون من رؤساء القبائل بالثورة والاحتجاج على هذه المعاملة القاسية، وظهر الشيخ سلمان الخُزاعي ولم يكن جيشه جيشًا قبليًا، بل كان فيه شيء من التنظيم والإدارة، وقد انضم إليه جماعات من شمَّر وحاصر الحلة بقصد الاستيلاء عليها، فقام أهل الحلة ببناء سور حولها وتأهبوا للطوارئ، وأرسل والي بغداد جيشًا إلى الحلة لحمايتها من الشيخ سلمان الخُزاعي فلم يفلح الشيخ سلمان بالاستيلاء عليها (١). لما أسندت ولاية العراق إلى حسن باشا أخذ على نفسه إخماد الثورات في لواء الحلة، فجعل منها قاعدة عسكرية لمكافحة القبائل الثائرة مثل خُزاعة وآل جشعم من شمَّر، وبهذا الإجراء تمكن من حماية المدينة (٢). الكولات (المماليك): كانت الحالة في عهد الكولات (المماليك) وهم قوم من الرقيق اشتراهم حسن باشا واتخذهم خاصة وحرسًا يعتمد عليهم في أيام الشدة، وقد اعتنى بتدريبهم العسكري فنبغ منهم في فنون الحرب، وتولى بعضهم إدارة لعدد من المدن العراقية، والأعمال الحكومية الأخرى، وكان أغلبهم من الكرج، فلما كثروا

стр. 8238

وتدربوا على الأعمال الحكومة سمت نفوسهم إلى الولاية على العراق وتبتدئ حكومتهم في العراق في سنة (١١٧٢ هـ) بسليمان باشا وتنتهي سنة (١٢٤٧ هـ) بداود باشا؛ كان العراق في عهد هؤلاء الكولات في حالة يرثى لها لكثرة تعدياتهم وما ارتكبوه من الفظائع التي تقشعر لها الأجسام، وكان الأمن في عهدهم مفقودًا والثورات الأهلية غير منقطعة، وذلك لسوء تدبير هؤلاء (الكولات) فلم تر الحلة وأريافها في عهدهم راحة، وكانت الثورة ضد الحكومة تصبح في كل مكان وتقوم بها القبائل العربية متعاونة مثل عُقيل وآل جشعم وخفاجة وخزاعة. . . لأن الشعب كان ينظر إلى حكامه نظرة لصوص يسرقونهم ولا يقومون بأية مشاريع عامة مثل المدارس والمشافي. . إلخ، وأبلت المقاومة العربية بلاء حسنًا ضد حكومة (الكولات) (١). في عهد عمر باشا والي بغداد أخذ نفوذ خُزاعة يقوي ويشتد في مقاومة الحكم التركي، وكان زعيم خُزاعة حينذاك، الشيخ حمود الخُزاعي، فأرسلت إليه الحكومة التركية قوة كبيرة من الجيش، ودمرت (لملوم) (٢) ثم عفي عنه وأعيد إلى المشيخة. ولم تهدأ قبيلة خُزاعة عن الاستعدادات والمقاومة، وأخذ أمرها يستفحل في ذلك، وكانت زعامة القبيلة قد آلت إلى حمد الحمود الخُزاعي وكانت ولاية عمر باشا قد انتهت، ووصف الشيخ الخُزاعي بالرجل الداهية، والحليّون يتناقلون أخباره بالإعجاب، عن ذكائه وفراسته وحنكته، ولقد رفض الشيخ رفضًا باتًا الخضوع للسلطة التركية ولم يحفل بالاستعدادات الحربية ولا بوصول الإنذار النهائي إليه، فلما أفضت ولاية العراق إلى سليمان باشا سنة (١١٩٤ هـ) قاد الجيش بنفسه إلى حرب قبيلة خُزاعة، فلما قاربهم كسر الشيخ الخُزاعي سدود المياه ليوقف زحف الجيش التركي، ولكن تمكن سليمان باشا من سد المياه وتقدم نحو خُزاعة، فعبر الشيخ الخُزاعي إلى الجانب الغربي من الفرات، وبذلك نجا وأخيرًا تمكن سليمان باشا من أخذ الضرائب من خُزاعة (٣).

стр. 8239

في سنة (١٢١١ هـ) كان أحد رجال الحكم في الحلة شخصًا اسمه (محمود) وكان ظالمًا فتاكًا بطش ببعض رجالات الحلة وهدم دورهم ورحلهم إلى بغداد تنكيلا بهم بسبب ميلهم وتعاطفهم مع خُزاعة، ولكن في النهاية تم قتله (١). ما كادت حكومة الكولات (المماليك) تنتهي من صد غارات الوهابيين التي كانت تهاجم العراق، حتى أخذت قبائل العرب في الحلة تظهر العصيان على الحكومة وبلغت أشدها منذ العقد الثالث من القرن الثالث عشر الهجري. فأخذت الحكومة تعد العدة لإخضاعهم وتأديبهم، فتوجه سعيد باشا والي بغداد إلى الحلة التأديب قبيلة خُزاعة، ولكنه توقف في الحلة لأنه رأى أن لا قبل لجيشه بمقابلة خُزاعة لنقص في الإدارة (٢). وفي سنة (١٢٣١ هـ) انتشرت قبيلة خُزاعة في أرياف الحلة وأساد أفراد القبيلة التصرف مع سكان القرى والمقاطعات الزراعية فأرسلت الحكومة جيشًا إلى الحلة للمحافظة على الأمن وكبح جماح خُزاعة (٣). هذا، وسقطت حكومة الكولات (المماليك) في العراق بسقوط داود باشا سنة (١٢٤٧ هـ) (٤). وفي سنة (١٢٧٥ هـ) تولى أمر الحلة شبلي باشا العريان في آخر أيام عمر باشا والي العراق وكان هذا الوالي شديدًا يعامل الشعب بقسوة ووحشية. وساعد شبلي العريان وهو سوري من جنوب سورية الأتراك على إخماد الثورة في الحلة، وكانت قبيلة خُزاعة في ولاية الحلة ذات نفوذ كبير، فحاربهم وأخمد ثورتهم (٥). وفي سنة (١٢٩٥ هـ) أعيدت الحلة متصرفية وجعلت الديوانية تابعة لها وممن شغل متصرفية الحلة في هذا الدور أشرف باشا في الخامس من شهر أيلول سنة

стр. 8240

(١٢٩٥ هـ) هذا المتصرف هو ابن أخت المشير نافذ باشا، قام بحملة عسكرية، وشتت فيها شمل قبيلة خُزاعة وآل شبل، واشتد في إهانتهم وإذلالهم (١). كانت قبيلة خُزاعة قوة لا يستهان بها في العراق وخاصة في الفرات الأوسط وكان قادة القبيلة لهم مهابة وقوة أمثال محمد وعباس وحمود أولاد حمد آل عباس الخُزاعي، وكانوا يغدقون على الشعراء ويكرمونهم، ولكن الأتراك أثاروا بين القبائل العربية النعرة الطائفية المذهبية بين السنة والشيعة، وبذلك ظهر الأدب الطائفي، واتهم بعض الأدباء والشعراء بموالاتهم لقبيلة خُزاعة، فحرقت السلطة دورهم ولحقهم أذى كبيرًا وعاشوا ردحًا من الزمن في ظل قبيلة خُزاعة، وهكذا أخذت الروح الأدبية تنمو وتشتد، بعد ذهاب العوامل التي أوجدتها الطائفية والتي أحيانًا ما كانت توقع بين القبائل العربية بعضها ببعض، هذا، وكان الشاعر صادق ابن علي بن الحسين بن هاشم. . . له مراسلات ومدائح مع عدد من القبائل العربية ومنها رؤساء خُزاعة، ذات السلطة والنفوذ حينذاك (٢). شعراء خزاعة أميَّة (*) بن خلف الخزاعي شاعر من شعراء خزاعة هجا الشاعر حسان بن ثابت الأنصاري فقال: ألا من مُبْلِغٌ حَسّانَ عَنِّي … مُغَلغَلةً تَدِبُّ إلى عُكاظِ (٣) ألَيْسَ أَبُوكَ فِينَا كانَ قيْنًا … لدى القَيْنَاتِ فَسْلَا في الحِفاظِ (٤) يمَانِيًّا يَظَلُّ يَشُدُّ كيرًا … وَيَنْفُخُ دَائِبًا لهَبَ الشُّواظِ (٥)

стр. 8241

ورد عليه حسان بن ثابت الأنصاري بقصيدة جوابية سأذكر أبياتًا منها: أتَاني عَنْ أُمَيَّةَ ذَرْوُ قَوْلٍ … وَمَا هُوَ بالمَغِيبِ بِذِي حِفاظ (١) سأنْشرُ إنْ بقيتُ لكم كلامًا … يُنَشَّرُ في المجامعِ منْ عُكاظِ تَغُضُّ الطَّرْفَ أَنْ أَلْقَاكَ دُوني … وَتَرْمِي حِينَ أُدْبِرُ بِاللِّحَاظِ (٢) أهبان (*) بن غادية الخزاعي قتل أهبان بن غادية الخزاعي، رَبيعَةُ (٣) بن مُكَدَّم، وهو من بني كَنَانَة، بينما تقول قيس: قتله نُبَيْشَةُ بن حبيب السُّلميُّ، وأُهْبَان هذا أخو نبيشة لأمه، وكانا أتاه زائرًا، وأغار ربيعة بن مُكدم على بني سُليم، فخرج أُهبان مع أخيه نبيشة، فحمل عليه فقتله، وحمل أخو ربيعة على أُهبان ففاته. وفي ذلك يقول أهبان الخزاعي: وَلَقَدْ طَعَنْتُ رَبِيعَةَ بنَ مُكَدَّمٍ … يَوْمَ الكَدِيدِ فَخَرَّ غَيرَ مُوَسَّدِ في عَارِضٍ شَرِقٍ بَنَات فُؤادِهِ … منهُ بأَحْمَرَ كالنَّقيعِ المُجَسَّدِ (٤) وَلَقَدْ وَهَبْتُ سِلَاحهُ وَجَوادَهُ … لَأَخي نُبيْشَةَ قَبَلَ لوْمِ الحُسَّدِ وقال أخو ربيعة يجيبُه: فَاتَ ابنُ غَاديةَ المَنيَّةَ بعدَما … رَفَّعْتُ أسْفَلَ ذَيْلِهِ بالمطرَد (٥) قُلْ لابنِ غَادِيَةَ المُتَاحِ لِقَتْلِنَا … مَا كَانَ يَقْتُلُنا الوَحيَدُ الْمُفْرَدُ (٦) يُريدُ أن أُهبانَ مُفردٌ من قومه في أخواله.

стр. 8242

أوس (*) بن ربيعة الخزاعي شاعر من شعراء خزاعة، بلغ من العجز ما جعله يسأم عمره لكبر سنه فقال يشكو حاله: لَقَدْ عُمِّرْتُ حَتَّى مَلَّ أَهْلِي … ثَوَائي عِنْدَهُمْ وَسَئِمْتُ عُمْرِي (١) وَحُقَّ لمَنْ أتَى مئَتَان عَامًا … عَلَيه وَأَرْبَعٌ منْ بَعْد عَشْرِ (٢) يَمَلُّ مَنَ الثَواءِ وَصُبْحِ يَوْمٍ … يُغَادَيه وَلَيْلٍ بَعْدُ يَسْري (٣) فَبَلَّى جْلدَّتِى وَتُرِكْتُ شِلوًا … وَبَاحَ بِمَا أُجَنُّ ضميرُ صَدْرِي (٤) قال الشاعر زهير بن أبي سلمى في هذا الاتجاه: سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يَعِشْ … ثمانين حولا لا أبا لكَ يَسْأمِ لقد سئم الحياة وتكاليفها أي مشاقها لأنه بلغ الثمانين، ومن لا يسأم لمسيرة هذا العمر الطويل وما احتمله خلالها من مصاعب وآلام، حتى أصابه العجز والوهن وانتهى به ذلك إلى أرذل العمر، فكيف بأوس الذي يخبر عن نفسه وعن عمره. وَحُقَّ لمن أتي مئتان عامًا … عليه وأربعُ من بعد عشر وفي هذا العمر يفقد الإنسان كثيرًا من حواسه، وخاصة القدرة على التفكير؟ بُجيد (**) الخزاعي هو بُجيد بن عمران الخزاعي، شاعر من شعراء خزاعة، كان ممن حضر فتح مكة التي غصت برجال (٥) المسلمين وعلى رأسهم النبي ﷺ ، وتنادى الشعراء إلى أم القرى يسجلون هذا الفتح العظيم الذي أرسى أركان الدعوة الإسلامية.

стр. 8243

وكان على رأس الشعراء حسان بن ثابت الأنصاري، وبجير بن زهير بن أبي سُلمى المُزْني، وعباس بن مِرْدَاس السُّلمي، وجعدة بن عبد اللَّه الخُزَاعي وبجيد بن عمران الخزاعي (١)، الذي قال: وَقَدْ أَنْشَأ اللَّهُ السَّحاب بنَصْرِنَا … رُكامَ صَحاب الهَيْدَبِ المُتَراكِبِ (٢) وهجْرَتَنَا في أرْضِنَا عِنْدَنَا بِهَا … كتابٌ أتى مِنْ خَيرِ مُمْلٍ وَكَاتِبِ ومِنْ أجْلنا حَلَّتْ بِمَكَّةَ حُرْمَةٌ … لِنُدْرِكَ ثَأرًا بالسيوفِ القواضِبِ (٣) تميم (*) بن أسد الخزاعي عن ابن عباس، قال: دخل رسول اللَّه ﷺ مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرَّصاص، فجعل النبي ﷺ يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: ﴿. . . جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء] فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزاعي في ذلك: وفي الأَصْنَامِ مُعْتَبَرٌ وَعِلْمٌ … لِمَنْ يَرْجُو الثَّوابَ أو العِقَابَا (٤) من المعروف في كتب التاريخ أن خزاعة دخلت في عهد الرسول، وبكر دخلت في عهد قريش وذلك قبل انتصار الدعوة الإسلامية وحسم الموقف لصالح الإسلام، وكان بين القبيلتين ثارات لا تهدأ. وبينما كان تميم بن أسد الخزاعي بمكة يصحبه رجلٌ من قومه يدعى منبه وكان مفئودا أي ضعيف الفؤاد (القلب) أراد جماعة من بكر قتلهما فاعترض بعضهما وقال: "إنَّا قد دخلنا الحرم، إلهكَ إلهكَ" فقال نوفل بن معاوية الديلي من بني بكر وهو يومئذ قائدهم، كلمة عظيمة لا إله له اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثاركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه.

стр. 8244

وشعر منبه بالخطر فقال: يا تميم اُنج بنفسك، فأما أنا فواللَّه إني لميت قتلوني أو تركوني، لقد انبَثَّ فؤادي وانطلق تميم فأفلت، وأدركوا مُنْبَها فقتلوه (١). فقال تميم (٢) يعتذر من فراره عن منبه: لَمَّا رأْيتُ بَنِي نُفاثَةَ أَقْبَلوا … يَغْشَوْنَ كُلَّ وَثيرَة وحِجَابِ (٣) صَخْرًا وَرَزْنًا لا عَريبَ سوَاهُمُ … يُزْجُونَ كُلّ مُقَلَّصٍ خَنَّابِ (٤) وذَكرتُ ذَحلا عِندنَا مُتَقَادِمًا … فيما مَضَى مِن سَالِف الأحْقابِ (٥) ونَشَيْتُ ريحَ المَوَتِ مِنْ تلقَائهم … وَرهِبْتُ وَقْعَ مُهَنَّدٍ قَضَّابِ (٦) وَعَرفتْ أنَّ مَنْ يَثْقَفُوهُ يَتْركُوا … لَحْمًا لمُجرِية وَشِلوَ غُرَابِ (٧) قَوَّمتُ رجْلا لا أخاف عثارَها … وطَرَحتُ بالمَتنِ العَرَاء ثيابِي (٨) ونَجَوتُ لا يَنجو نَجائي أَحْقَبٌ … عِلجٌ أَقَبُّ مُشَمِّر الأَقْرَابِ (٩) تَلْحَى ولو شَهِدَتْ لكان نكيرُها … بَولا يَبُلُّ مَشافرَ القَبْقابِ (١٠) القَومُ أعْلَم ما تَركْتُ مُنَبِّهًا … عن طيب نَفْسٍ فاسْأَلِي أَصْحَابِي (١١)

стр. 8245

وجاء عنه في الطبقات الكبرى: تميم بن أسد بن سُويد بن أسعد بن مشنوء ابن عبد حَبْتَر من خزاعة، وكان شاعرًا، وأمره النبي ﷺ يوم فتح مكة أن يجدد أنصاب الحرم (١). أما في أسد الغابة جاء: تميم بن أسيد وقيل تميم بن أسد بن عبد العُزَّى بن جَعونَة بن عمرو بن القين بن رِزَاح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو الخزاعي. أسلم وولَّاه النبي ﷺ تجديد أنصاب الحرم وإعادتها، نزل مكة. وروى عنه عبد اللَّه بن عباس أنه قال: "دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح فوجد حول البيت ثلاثمائة ونيفًا أصنامًا قد شددت بالرصاص فجعل يشير إليها بقضيب في يده ويقول: ﴿. . . جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء] فلا يشير إلى وجه الصنم إلا وقع لقفاه ولا يشير إلى قفاه إلا وقع لوجهه فقال تميم: وفي الأنْصَابِ مُعْتَبرٌ وَعِلمٌ … لمنْ يَرْجو الثَّوابَ أو العِقَابَا (٢) ثعلبة (*) بن موسى الخزاعي قال في الشيب والتشاؤم منه: قَدْ كُنْتُ أفْزعُ للبيضَاء أُبْصِرُها … من شَعر رأسي وَقَدْ أَيْقَنْتُ بالبَلَقِ (٣) الآنَ حينَ خَضبْتُ الرأسَ زَايَلَنِي … مَا كُنْتُ أَلْتَذُّ من عيشي ومن خُلُقي (٤) إنَّ الشَبابَ إذا ما الشِيبُ حَلَّ بِهِ … كالغُصْنِ يَصْفَرُّ فيه نَاعمُ الوَرَقِ شَيْبٌ تُغيِّبُهُ عَمَّنَ تَغُرُّ بِهِ … كَبَيعك الثوبَ مَطْويًّا على حَرِقِ فإن سَتَرْت مشيبًا أو غَرَرْت به … فليس دَهْرٌ أَكلْناه بِمُسْتَرقِ

стр. 8246

أفْنَى الشَبَابَ الذِي أفْنَيْتَ مَيْعَتَه … مَرُّ الجَديدَين من آتٍ وَمُنْطَلَقِ (١) لم يترُكا مِنْكَ في طُولِ اخْتلافِهمَا … شيئًا يخَافُ عَليهِ لَذْعةَ الحَرَقِ (٢) وقال أيضًا: مَازِلتُ أصْنَعُ للمشببِ أَكيدُهُ … عَنِّي وَأَرْدَعُ لَوْنهُ بخضَابِ فَيَعُودُ ثُمَّ أعُودُ ثُمَّ يَعُودُ لِي … فأَعُودُ ثُمَّ مِلِلتُ من أَتْعَابِي (٣) جَعْدة (*) بن عبد اللَّه الخزاعيُّ شاعر مخضرم أدرك الإسلام وقال يوم فتح مكة: أكَعبَ بن عَمْرو دَعْوةً غَيرَ باطل … لَحيْن لَهُ يَومَ الحديدِ مُتَاحِ (٤) أُتيِحَتْ لَهُ من أَرْضِه وسَمَائه … لَتَقْتُله لَيْلا بغَير سلاحِ وَنَحنُ الأُلَى سَدَّتْ غَزَالَ خُيولُنَا … ولَفْتَا سدَدْنَاهُ وَفَجَّ طَلاحِ (٥) خَطَرْنَا وَرَاءَ المُسْلِمِينَ بِجَحْفَلٍ … ذَوِي عَضُدٍ من خِيلِنَا ورِمَاحِ (٦) وقال جعدة في (أسد بن كُرزْ) وما كان سَنّه في نجدة ابن عمه -جرير بن عبد اللَّه- على شدة ما كان بينهما من تنافر عندما تجهزت قضاعة لمحاربته، وكان جرير قد ارتاع عندما رأى أسدًا وأصحابه في السلاح ظنّا منه أنه قد جاء ليعين عليه، وعندما رآه جاء عونًا له قال جرير: ليت لي بكل بلد ابن عم عاقًا مثل أسد، لجفوة كانت بينهما، فقال جعدة يذكر فعل أسد: تَدَارَكَ رَكضُ المَرْءِ مِنْ آلِ عَبْقرٍ … جَرِيرًا وَقَدْ رَانتْ (٧) عَلَيهِ حَلائِبُهُ

стр. 8247

فَنَفَّسَ واسْتَرْخَى به العِقْدُ بَعْدَمَا … تَغَشَّاهُ يَوْمٌ لا تَوارَى كَواكِبُهْ (١) وَقَاكَ ابنُ كُرزٍ ذُو الفَعَالِ بنَفْسِهِ … وَمَا كُنْتَ وَصَّالا لَهُ إذْ تُحَاربُهْ إلى أسَد يَأْوي الذَّلَيلُ بِبَيته .. . ويَلْجَأُ إِذْ أعْيَتْ عَلَيْه مَذَاهِبُهْ فَتًى لا يَزالُ الدَّهْرُ يَحْمِلُ مُعْظِمًا … إذا المُحْتَدَى المَسْئُولُ ضَنْت رَواجِبُهْ (٢) وقال جعدة بن عبد اللَّه يفخر: ونَحْنُ مَنَعْنَا العَبْدَ إذ صَافَ سَهْمُهُ … منَ القَومِ حَتَّى خُلِّصَ العَبْدُ سَالِمَا (٣) وَقُلتُ لَهُمْ: يا قَوْمَنَا إنَّ خَطْبَهُ … دَقيقٌ ولَكنْ لَيْسَ نُسْلِمُ جَارِمَا وَغَيْطَلَة فيها رمَاحٌ وَخِلَّةٌ … مُقَطَّعَةٌ أَوْسَاطَهَا الدَّمُ جَازمًا (٤) حَبَسْنَا بهَا حَتَّى إذَا ما تَزَيَّلَتْ … نُقَطِّعُ أَوْصالًا بها ومَعَاصِمَا صَبَرْنَا وَلَمْ نَجْزَع على كِلِّ شَرمَحٍ … طَوِيلِ اليَدَيْنِ لا يُقِرُّ المظَالِمَا (٥) وكُنَّا إذا ما الحَربُ شُبَّ وَقُودُهَا … ضَرَبْنَا بأَثْمَان المَخَاضِ الجَمَاجِمَا (٦) أبو جندب (*) بن مرة وحاطم الخزاعي اشتكي أبو جُندَب بن مُرة شَكوى شَديدةً، وكان يُقال له المَشؤوم، وكان له جارٌ من خزاعة يُقال له حاطِمُ بن هاجر بن عبد مناف بن ضاطر، فوقعت به بنو لِحيان فقتلوه، قبل أن يَسْتبل أبو جندب من مرضِه، واستاقوا أمواله وقتلوا امرأته، وقد كان أبو جُندب دعى قومه فَجمعوا له غَنمًا، فلما أفاق من مرضته خرج من أهله حتى قَدِم مكة، ثم جاء يمشي حتى استلمَ الرُّكن وقد شَقَّ عن استِه فعرف النّاسُ أنه يريد الشَّر، ثم صاح فقال:

стр. 8248

إنِّي امرُؤٌ أَبكي عَلَى جاريّه أَبْكي على الكَعْبِيِّ والكَعْبِيه فَلَوْ هَلَكتُ بَكيا عَلَيه كَانَا مَكَانَ الثَّوبِ من حَقْوِيَّه فلمَّا فرغ من طوافِه وقضى حاجته من مكة، خرج في الخُلَعاء من بَكْر وخزاعة فاستجاشهم على بني لحيان، فقتل قتلَى وسَبَى نِساءً من نسائهم وذَراريهم فقال في ذلك سُويد بن عُمير بن عامر بن أسود بن بياضة الخُزَاعيُّ، وكان من الخُلعاء: أفرَدَ جَامِعٌ للقَومِ حَزْنًا … وَعَمْرًا إذْ يَنُوءُ وَلا يَقُومُ (١) أَجُبْنٌ مَا أتَاكَ وأنتَ تُدْعَى … وَقَدْ يَحْنُوِ عَلَى الكُرْه الكَرِيمُ (٢) نَجَوْتَ بِقُوف نَفْسِكَ غَيرَ أَنِّي … أَخَالُ بأَنْ سِتُوِتِمُ أَوْ تُئِيمُ (٣) فإنِّي غيْرَ هاجَيكُمْ وَلَكِنْ … أقُولُ عُرَاكُمْ الحَدَثُ الأَلِيمُ (٤) وقال سويد الخزاعي في ذلك أَيضًا: القَوْمُ أَعْلَمُ لَوْ ثَقفْنَا مَالِكًا … لاصْطَافَ نِسْوَتُهُ وَهنَّ أوَالِي (٥) أفَرَزتَ لَمَّا أَنْ رَأَيْتَ عَدَيَّنَا … وَنَسِيتَ مَا قَدَّمْتَ يَوْمَ غَزَالِ (٦) يَابَا خُصَيْلَةَ لَنْ يُمِيتَكَ بَعْدَمَا … يَابَا خُصَيْلَةَ غَيْرُ شَيْبِ قَذَالِ (٧)

стр. 8249

الجون (*) بن أبي الجون الخزاعي هو الجون بن أبي الجون، أخو بني كعب بن عَمرو الخُزاعي، شاعر من شعراء خزاعة، قال يرد في شعره على الشاعر المخزومي عبد اللَّه بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، الذي هدد في شعره خزاعة بسبب سهم أصاب الوليد بن المغيرة ثم أدى إلى مقتله فقال: إنِّي زَعيمُ أن تَسيرُوا فَتَهربوا .. وأَنْ تَتْركُوا الظَّهران تَعْوي ثعالبُهُ (١) وأَنْ تَتْركُوا ماءً بجزْعَةِ أَطرقَا … وَأَنْ تَسْأَلوا: أيُّ الأراك أَطَايبُهُ؟ (٢) فإنَّا أُنَاسٌ لا تُطَلّ دمَاؤُنَا … ولا يتعالى صَاعدًا مَنْ نُحارِبُهُ (٣) وكانت الظهِرّان والأراك منازل بني كعب من خُزاعة، فأجابه الجَوْنُ بن أبي الجَوْن الخزاعي قائلًا: واللَّهِ لا نُؤْتي الوَليد ظُلامةَ … ولَمَّا تَرَوْا يَوْمًا تَزُولُ كواكَبُهْ وَيُصْرعُ منكم مُسْمِنٌ بعد مُسْمِن … وتُفْتحُ بَعْدَ المَوْت قَسْرًا مشاربُهْ (٤) إذا ما أكَلْتُمْ خُبزَكم وَخَزيركَم … فَكلُكم بَاكي الوَليدَ ونَادِبُهْ (٥) واصطلحت خزاعة وبني مخزوم فقال الجَوْن بن أبي الجون الخزاعي: وَقَائلَةً لمَّا اصْطَلَحْنَا تَعَجُبًا … لما قد حَمَلنَا للوَليدِ وَقَائلِ ألم تُقْسموا تُؤْتوِا الوليد ظُلامةً … وَلمَّا تَروْا يَومًا كثيرَ البَلابلِ (٦) فَنَحْنُ خَلَطْنَا الحرب بالسِّلم فاستوتْ … فأمَّ هواهُ آمنًا كلُّ رَاحِلِ

стр. 8250

ثم لم ينته الجونُ بن أبي الجون حتى افتخر بقتل الوليد، وذكروا أنهم أصابوه، وكان ذلك باطلًا فقال: ألا زَعَم المُغيرةُ أنَّ كَعْبًا … بمكَّةَ منهمُ قَدْرٌ كَثيرُ (١) فلا تَفْخَر مُغيرةُ أنْ تَراها … بها يَمْشِي المُعَلْهِجِ والمَهِيرُ (٢) بها آبَاؤُنا وبها ولدْنُا .. كما أرْسَى بمُشْتَبِه ثَبيرُ (٣) وَمَا قَالَ المُغيرَةُ ذَاكَ إلا … لِيَعْلَمَ شَأنُنا أو يَسْتَشيرُ فَإنَّ دَمَ الوَليدُ طَلُّ إنَّا … نَطُلُ دمَاءً أنْتَ بها خَبيرُ كساهُ الفاتكُ المَيمونُ سَهْمًا … زُعافًا وهو مُمتَلئُ بهيرُ (٤) فَخرَّ ببطن مَكَّةَ مُسْلَحِبًا … كأنَّهُ عنْدَ وجبَتْهُ بَعيرُ (٥) سَيَكفيني مِطَالَ أبي هشَامٍ … صغّارٌ جَعْدةُ الأَوْبَارَ خُورُ (٦) الحسين (*) بن دعبل الخزاعي لقد روى ابن المعتز رواية عن أبي الورد قال: رأيت محمد بن واصل وقد عرض جيشًا من الأعراب من بني تميم بفارس، وكانوا من عشيرته فوجدهم على غاية الرثاثة وقُبْح الهيئة، وانصرف عنهم إلى قوم من عبد القيس من أهل البحرين، فعرضهم فوجدهم أخسّ زيًا وأَردأ ثيابًا، فالتفت إلى الحسين بن دعبل -وكان أتاه زائرًا فأكرمه وقدمه وقَبِلَ شعره ورعي له في أبيه- فقال يا دِعْبليَ، قال: لبيك أيها الأَمير، قال: إن أنشدتني في قرب شبه

стр. 8251

هؤلاء الأَعراب بعضهم ببعض وصَلتُك بعشرة آلاف درهم، قال: أيها الأمير رجوتُ أني قد وُفقِّت لما تريده، هم كما قال حبيب بن أوس الطائي: لئامٌ طَغَامٌ بل كِرامٌ بِزَعْمهم … سواسيةٌ ما أشْبَه الحُولَ بالقُبْلِ (١) قال ابن واصل: أحسنت واللَّه، ما عَدوْتَ ما في نفسي، وأمر له بعشرة آلاف درهم. ومما اخترنا له قوله: دَمعٌ تُصوِّبه الأنفاس والحُرَقُ … من ناظريّ على خديَّ يَستبقُ يَرْقَى إلى مقلتي بالشوق مجتمعًا … من الحشا بزفيرِ ثم يَفتَرِقُ ربيعُ خَدّيَّ من عَينيَّ مُتَّصل … وماءُ عينيّ من فَرْط الهوى غَدَقُ لم أَدرِ أنَّ سبيل النوم منقطع … حتى رأيت جفوني ليس تتَّفقُ وقال في الحارث بن سيما: هذا زئيرُ الليث فاستقيما … ولا تَناما ولا تُنيما سِيرَا حثيثًا ودعا التَّهويما … واستعملا العُنيق والرَّسيما (٢) وقال ابن معتز: والدَّعبليّ مليح الشعر جدا (٣). حنظلة (*) الخزاعي حنظلة من شعراء خزاعة، وقد بلغ به العمر الكِبَر، فرغب ابنه قُرة الهجرة فهاجت قريحة حنظلة الشعرية وعاتب ابنه عتابًا رقيقًا، صوَّرَ فيه حياته بعد فراقه إياه فقال: أقُولُ لقُرَّة إذْ سَوَّلَتْ … له النفسُ تَرك الكَبيرِ اليَفَنْ (٤) أقُرّةُ رَبَّتَما لَيْلةٍ … غَبَقتُكَ فيها صَرِيَحَ اللَّبْنْ (٥)

стр. 8252

أحينَ فَشَا الشَّيْبُ في لَّمتي … وأَفْنَى شَبَابيَ مَرُّ الزَّمَنْ تَروَّحْتَ في النَّفَر الرائحين … وخَلَّيْتَ شَيخَكَ بَادي الحَزَنْ وأَفْردْتَهُ والهًا في الدِّيار … يُصرِّفُهُ الدهرُ فَي كُلِّ فنْ قَليلَ الكلَام بَطيءَ القيَا … مِ يَبْكِي لوَحْدته ذَا شَجن أَرَدْتَ به الأجر فيما زَعَمْتْ … وَتَركُكَ شَيْخك عَينُ الغُبْن (١) دعبل (*) بن علي الخزاعي هو أبو علي دِعبل بن علي بن رزين بن سليمان الخزاعي الشاعر المشهور، وذكر صاحب الأغاني، أنه دِعبل بن علي بن رزين بن سليمان بن تميم بن نهشل وقيل، ابن بهنس بن خراش بن خالد بن دعبل بن أنس بن خزيمة بن سلامان بن أسلم بن أفص بن حارثة بن عمرو بن عامر مزيقيا. وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: هو دِعبل بن علي بن رزين بن عثمان ابن عبد اللَّه بن بديل بن وَرقاء الخزاعي (٢). أصله من الكوفة، ويقال: من قرقيسيا وأقام ببغداد، وقيل إن دِعبلا لَقَبٌ واسمه الحسن، وقيل عبد الرحمن، وقيل محمد، وكنيته أبو جعفر. . .؟. كان شاعرًا مجيدًا، إلا أنه كان بذيء اللسان، مولعًا بالهَجو والحطّ من أقدار الناس وقد هجا الخلفاء ومَنْ هم دونهم.

стр. 8253

جرأة دعبل: ومن الأدلة القاطعة على جرأة دعبل في حياته التي عاشها أنه قال: "لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي، أدور على مَنْ يصلني عليها فما أجد مَن يفعل ذلك". ولم يزل مرهوب اللسان، خائفًا من هجائه للخلفاء، وبقي دهرَه كلَّه متوارٍ هاربًا. ودخل إبراهيم المهدي إلى مجلس المأمون مرة فشكى إليه حاله من هجاء دعبل الذي قال فيه: نَعَرَ ابنُ شكَلة بَالْعِرَاقِ وَأَهْلِهِ … فَهَفَا إليهِ كلُّ أطلَسَ مَائق فقال المأمون: لك أَسوة بي فقد هجاني واحتملته وقال فيَّ: أيَسومُني المأمونِ خُطةَ جَاهلٍ … أَو مَا رأى بالأَمْسِ رأس مُحَمَّدِ إنِّي منَ الْقَومِ الذين سُيوفُهم … قَتَلَتْ أَخَاكَ وشَرَّفَتْكَ بمَقعَدِ شَادُوا بذكرِك بَعدَ طولِ خُمُولِهِ … واستنقَذُوكَ من الحَضِيضَ الأوهَدِ وكان بين دعبل ومسلم بن الوليد الأنصاري اتحاد كثير، وعليه تخرَّج دعبل في الشعر، فاتفق أن وليّ مسلم جهةَ في بعض بلادِ خُراصان هي جرجان، فقصده دعبل لما يعلمه من الصحبة التي بينهما، فلم يلتفت إليه مسلم، ففارقه، وقال فيه: غَشَشْتَ الهَوَى حتَّى تَدَاعَت أُصُولُهُ … بنَا وابتَذَلتَ الوصْلَ حتى تَقَطَّعا وأنْزَلْتَ من بين الجوانحِ والحَشَا … ذَخيرةَ وُدٍّ طالما قد تمنّعَا فَلا تَعْذلَنِّي ليسَ لي فيك مَطمَعُ … تَخَرَّقت حتى لم أجد لك مرقَعَا وهبك يميني استأكلَتْ فَقَطعْتُها … وصَبَّرْتُ قلبي بعدها فتشجعا (١) الهجاء في شعر دعبل: كانت رؤية الشاعر للهجاء نابعة من تجربته، إذ سئل يومًا: من قبل أبي خالد الخزاعي: ويحك يا دعبل قد هجوت الخلفاء والوزراء والقواد، ووترت

стр. 8254

الناس جميعًا، فأنت دهرك كله شريد طريد هارب خائف، فلو كففتَ عن هذا، وصرفت هذا الشعر عن نفسك. فقال دعبل، بل أجاب: ويحك إني تأملت ما أقول، فوجدت أكثر الناس لا يُنقطع بهم إلا على الرهبة، ولا يبالي بالشاعر وإن كان مجيدًا إذا لم يخفْ شرَّه، ولمن يتقيك على عَرضه أكثرُ ممن يرغب إليك في تشريفه، وعيوبُ الناس أكثر من محاسنهم، وليس كل من شرفته بشعر شَرُفْ، ولا كل من وصفته بالجود والمجد والشجاعة ولم يكن ذلك فيه انتفع بقولك، فإذا رآك قد أوجعت عرض غيره وفضحته اتقاك على نفسه، وخاف من مثل ما جرى على الآخر، ويحك يا أبا خالد إن الهجاء المقذع آخذُ بضَبُع الشاعر من المديح المُضرع. قال أبو خالد: فضحكت من قوله وقلت: هذا واللَّه مقال من لا يموت حتف أنفه (١). وهجا دعبل أبا نُضير بن حميد الطوسي فقال: أبَا نُضَير تحلْحَل عن مجالسنا … فإن فيكَ لمن جاراكَ مُنتقَصَا أنت الحمارُ حرونًا إن وقعتَ به … وإن قصدتَ إلى مربوعهِ قمَصا إني هززَتُكَ لا آلوكَ مجتهدًا … لو كنتَ سيفًا ولكني هززتُ عصا (٢) كما هجا الرشيد بعد موته، ولم يترك من محسن أو مسيء إليه إلا هجاه، وقد زار مصر وحمل كتبا إلى المطلب بن عبد اللَّه بن مالك الخزاعي عندما كان واليًا عليها، ثم إن المطلب ولي دعبلًا أسوان، فنالَ المطلبُ منه المدحَ والقدحَ والهجاء المر، وما حمل الهجاء إليه إلا سوء سمعته وكان حتفه في هجائه. وفي حياته مواقف مخزية عندما جنى جناية بالكوفة وهو غلام، فأخذه قائد شرطتها حينذاك منظورُ الأسدي، ثم ضربه ثلاثمائة سوط، فخرج من الكوفة ولم يدخلها إلَّا نادرًا، كما قتل رجلًا صيرفيًا وكل ظنه أن كيسه معه فوجد في كمه رمانًا فهرب (٣).

стр. 8255

وكانت الشُّراة والصعاليك يلقونه فلا يوذونه، ويواكلونه ويشاربونه، ويبرُّونه، وكان إذا لقيهم وضع طعامه وشرابه ودعاهم إليه، ومن الأمثلة على ذلك: أنه دعا بغلاميه ثقيفٍ وشغفٍ وكانا مغنين، فأقعدهما يغنيان، وسقاهم وشرب معهم وأنشدهم، فكانوا قد عرفوه وألفوه لكثرة أسفاره، يواصلونه ويصلونه (١). هجاؤه للمعتصم: وهجا دعبل المعتصم، عندما أبلغه أنه يريد اغتياله فهرب إلى الجبل. وكان المعتصم يكرهه لطول لسانه فقال: بَكَى لِشَتات الدِّين مُكْتئبٌ صَبُّ … وفاضَ بفَرْط الدَّمع من عَيْنِه غَرْبُ (٢) وقَامَ إمَامٌ لَمْ يكنْ ذا هدايةٍ … فليس لهَ دينٌ وليسَ له لُبُّ وما كانت الأنْباءُ تأتى بمثلِهِ … يُمَلَّك يومًا أو تَدينُ له العُرْبُ ولكنْ كما قالَ الذين تَتَابعوا … من السَّلَفِ الماضين إذ عَظُمَ الخطبُ مُلوكُ بني العبَّاسِ في الكُتْب سبعةٌ … ولم تأْتِنَا عن ثامن لهمُ كُتبُ كذلكَ أَهْلُ الكَهْفَ في الكَهْفَ سبعةٌ … كرَامٌ إذا عُدُّوَا وثامنُهم كلْبُ وإنِّي لأُعلي كلبَهَمَ عنك رِفعةٌ … لأنكَ ذو ذَنْب وليس له ذَنْبُ لقد ضاعَ مُلكُ النَّاسِ إذ سَاسَ ملكهُم … وَصيفٌ وأُشناسُ فقد عَظُم الكربُ (٣) وفَضْلُ بني مَرْوَان يُثلم ثَلمةً … يَظَلُّ لها الإسلام ليس له شَعْبُ (٤) المدح: ومن أهم قصائده في المدح القصيدة التائية المشهورة في مدح أهل البيت: مَدَارسُ آيَاتٍ خَلَتْ مِنْ تَلاوةٍ … ومَنْزِلُ وَحِيٍ مُقْفرُ العَرَصَاتِ دِيارُ عليٍّ والحُسَيْنِ وجَعفَرٍ … وحَمزةَ والسجَّادِ ذِي الثَّفِناتِ (٥)

стр. 8256

ديارٌ عَفاها جَورُ كُلِّ مُنابِذٍ … وَلَمْ تعفُ للأيَّامِ والسَّنَواتِ قِفَا نَسْأَلِ الدَارَ التى خَفَّ أَهْلُها … مَتى عَهْدُها بالصَّوِمِ والصَّلَواتِ (١) هَمُ أهلُ ميرَاث النَّبِيِّ إذَا اعْتَنروا … وَهمْ خَيرُ قَادات وخيرُ حُمَاةِ (٢) وَقَدْ كَانَ منهُمْ بالحِجَاز وأَهْلِها … مَغَاويرُ نَحَّارُوَنَ في السَّنواتِ (٣) إذا أَوْرَدُوا خَيلا تَسعَّرُ بالقَنَا … مساعرُ جَمْرِ الموتَ والغَمَراتِ (٤) فَيَا ربِّ زِدْني مِنْ يَقيني بَصيرةً … وَزدْ حُبُّهم يَا ربِّ فِي حَسَنَاتِي تَخيَّرتُهُم رُشْدًا لأَمْري فإنَّهُمْ … علَى كلِّ حَال خيرةُ الخيَراتِ (٥) فَلَولا الَّذِي أَرجُوه في اليومِ أَو غدٍ … تَقطَّعَ قَلْبي إثْرَهمْ حَسَراتِ فيا نَفْسُ طِيبي ثم يا نَفْسُ ابْشِرِي … فَغْيرُ بَعيدٍ كلُّ مَا هَوَ آتٍ (٦) نهاية دعبل: لقد كان هجاء دعبة السوط الذي جُلد به فأدماه وأذله، عندما هجا مالك ابن طوق قائلًا: سألت عنكم يا بني مالك … في نازح الأرض وفي الدانيه طُرّا فلم تُعرف لكم نسبةٌ … حتى إذا قلتُ بنو الزانيه وبلغت مالك الأبيات فطلبه فهرب، فأتي البصرة وعليها إسحاق بن العباس. . . وقد كان بلغه هجاء دعبل وعبد اللَّه بن أبي عُيينة نزارًا، فأما ابن أبي عُيينة فقبض عليه، ودعا بالنَّطع والسيف ليضرب عنقه، فجحد القصيدة وحلف عليها بالطلاق ثلاثًا، وبكل يمين تبرئ من الدين أنه لم يقلها، وإن عدوّا له قالها وجعل يتضرع إليه ويقبّل الأرض ويبكي بين يديه، فرق له وقال: أمّا إذ أعفيتك من القتل فلا بد من أن أشهرك، ثم دعا له بالعصا فضرب بها حتى سلح، وأمر

стр. 8257

به فأُلقي على قفاه وفتح فمه، فردَّ سلحه فيه، والمقارعُ تأخذ رجليه، وهو يحلف ألا يكفَّ عنه حتى يَستوفَيه ويبلعه أو يقتله فما رُفعت عنه حتى بلع سلحه كله، ثم خلاه، فهرب إلى الأهواز، وبعث مالك بن طوق رجلًا حصيفًا مقدامًا أعطاه سمّا وأمره أن يغتاله كيف شاء، وأعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم، فلم يزل يطلبه حتى وجده في قرية من نواحي السوس فاغتاله في وقت من الأوقات بعد صلاة العتمة، فضرب ظهرَ قدمه بعكاز لها زجٌ مسموم، فمات من غد، ودفن بتلك القرية، وقيل: بل حُمل إلى السوس فدفن فيها (١). وكانت ولادة دعبل سنة ثمان وأربعين ومائة، وتوفي سنة ست وأربعين ومائتين بالطيب وهي بلدة بين واسط العراق وكور الأهواز (٢). رزين (*) بن علي الخزاعي هو رزين بن علي بن رزين بن سليمان. . . الخزاعي، شقيق الشاعر دعبل الخزاعي، شاعر مقل، كان يصحب أخاه دعبلًا في بعض أسفاره، ويجتمع بشعراء العصر فيناشدهم الشعر، ولم يسلم من لسان أخيه حينًا، فإن لدعبل فيه مُرّ الهجاء، وقد زار مصر وهو عائد من الحج مع أخيه دعبل. ومن هجاء دعبل لشقيقه قوله فيه (٣): مَهَدْتُ لَهُ وُدّي صَغيرًا ونُصْرَتي … وقَاسَمتُه مالي وبَوَّأتُهُ حِجْرِي وَقَدْ كانَ يَكفيه مِنَ العَيْشِ كُلِّه … رَجاءٌ ويأسٌ يَرْجعان إلى فَقْرِ وفيه عيوبٌ لَيْسَ يُحصَى عدادُها … فأصْغرُها عَيْبًا يَجِلُّ عنِ الكَفْرَ ولو أنَّني أَبديتُ للنَّاسِ بَعْضَها … لأصْبَحِ مِنْ بَصْقِ الأحبَّة في بَحْرِ فَدوتكَ عِرْضِي فَاهجُ حَيّا وإن أمُتْ … فأُقْسِمُ إِلا ما خَرِيتَ علىَ قَبْرِي! ويظهَر أن شقيقه رزين، كان ذا عقل وفهم وروية فلم يرد على دعبل لا بشتيمة ولا هجاء حتى ولا عتاب.

стр. 8258

وإلى جلسة شعرية خرج إبراهيم بن العباس ودعبل بن علي الخزاعي وأخوه رزين في نُظرائهم من أهل الأدب رَجَّالةً إلى بعض البساتين في خلافة المأمون، فلقيهم قوم من أهل السواد من أصحاب الشَّوك "كانت توقد به التنانير في العراق" قد باعوا ما معهم من الشوك، فأعطوهم شيئًا، وركبوا تلك الحمير، فأنشأ إبراهيم يقول: أُعيضَتْ بعد حَمْل الشَّو … ك أحمالًا من الحُرْفِ (١) نشاوى لا من الصَّهْباءِ … بَل مِن شدَّةِ الضُّعْفِ (٢) فقال رزين: فلو كنتم على ذاكَ … تَؤولونَ إلى قَصفِ تَساوتْ حَالُكم فيه … ولم تَبقَّوا على خَسفِ (٣) فقال دعبل: وإذ فَاتَ الذي فَاتَ … فَكُونوا من بني الظَّرْفِ (٤) وَمُرُّوا نَقصَف اليومَ … فإنِّي بَائعٌ خُفّي (٥) فانصرفوا معه فباع خُفَّه وأنفقه عليهم. ولقد وردت ثلاثة أبيات من الشعر نسبت إلى رزين بن علي الخزاعي في الحماسة البصرية وفيها يقول: فَوَاحَسْرَتَا لم أقض منكمْ لبانة … ولم أتمتع بالجوار وبالقربِ يَقُولونَ هذا آخر العهد منهم … فقلت وهذا آخر العَهد من قلبي ألا يا حمام الشعب: شعب مرهق … سَقَتْكَ الغوادي من خمام ومن شَعبِ (٦)

стр. 8259

سليمان (*) بن أبي دباكل الخزاعي شاعر إسلامي عاش في العصر الأموي، وعاصر الشاعر الأحوص بن محمد الأنصاري، ولكنه قليل الشعر أوضاع شعره، وذكرت له قصيدة كانت لها مناسبة. قال عبد اللَّه بن عمَّار بن ياسر: خرجت أنا والأحوص مع عبد اللَّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، إلى الحج، فلما كنا بقُدَيد قلنا لعبد اللَّه بن الحسن: لو أرسلت إلى سليمان بن أبي دُباكِل الخزاعي فأنشدنا من رقيق شعره، فأرسل إليه فأنشدنا قصيدة له يقول فيها: يَا بِيت خَنْسَاءَ الَّذِي أَتَجَنَّبُ … ذَهَبَ الزَّمَانُ وَحُبُّهَا لَا يَذْهَبُ (١) أَصْبَحْتُ أَمْنَحُكَ الصُّدودَ وَإِنَّنِي … قَسْمًا إِلَيْكَ مَعَ الصُّدودَ لِأُجَنِّبُ (٢) مَالِي أَحْنُّ إِذَا جَمَالُكِ قَرَّبَتْ … وَأَصُدُّ عَنْكِ وَأَنْتَ مِنِّي أَقْرَبُ (٣) لِلَّهِ دَرَكٌ! هَلْ لَدَيْكِ مِعْوَّلٌ … لمُتَيَّمٍ أَمْ هَلْ لِوَدِّكَ مَطْلَبُ (٤) فَلَقَدْ رَأَيْتُكَ قَبْلَ ذَاكَ وَإِنَّنِي … لِمُوَكِّلٍ بِهُوَاكَ لَوْ يَتَجَنَّبُ (٥) إِذْ نَحْنُ فِي الزَّمَنِ الرَخيّ وَأَنْتُمْ … مُتَجَاوِرُونَ كَلَامُكُمْ لَا يُرْقُبُ (٦) تَبْكِي الحَمَامَةُ شَجَوْهَا فَتُهِيجُنِي … وَيَرُوحُ عَازِبُ هَمِّي المَتَأوِّبُ (٧) وَتَهُبُّ سَارِيَةُ الرِّيَاحِ مِنْ أَرْضِكُمْ … فَأرَى البِلَادِ لَهَا تُطِلُّ وَتُجْنِبُ (٨) وَأَرَى السَّمِّيَّةَ بِاسْمِكُمْ فَيَزِيدُنِي … شَوْقًا إِلَيْكَ سَمِيُّكِ المُتَغَرِّبُ (٩)

стр. 8260

وَأَرَى الصَّديقَ يُودُّكُمْ فَأُودُهُ … إِنْ كَانَ يُنسَبُ منْك أَوْ يَتَنَسَّبُ (١) وَأُخَالقُ الوَاشِينَ فيك تَجَمُّلا … وَهُمُ عَلَيَّ ذَوُو ضَغَائِنَ دُؤَّبُ (٢) ثُمَّ اتَّخَذتِهمُ عليَّ وَلَيجَةً … حَتَّى غَضِبْتِ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُغْضِبُ (٣) وردت القصيدة في خزانة الأدب. وجاء في أشعار الهذليين زيادة بيتين من الشعر على ما ورد في الخزانة والمنازل والديار وهما: وَأَرَى البلادَ إذا سَكَنْت بِغَيْرِهَا … جَذْبًا وإنِ كَانْتَ تُطَلُّ وَتُخْصبُ (٤) ويَحَلُّ أَهَلي بالمَكَانِ فَلا أَرَى … طَرْفي لِغَيرِكِ مَرَّةً يَتَقَلَّبُ (٥) وقال أيضًا: يَطُولُ اليَوْمَ لا أَلْقَاك فيهِ … وَيَوْمٌ نَلْتَقِي فيه قَصِيرُ (٦) وَقَالوا لا يَضيرُكَ نَأْيُ شَهْرٍ … فَقلتُ لِصَاحِبيَّ فَمَنْ يَضِيرُ (٧) سويد (*) بن عامر الخزاعي هو سويد بن عامر من بني المصطلق من خزاعة، شاعر جاهلي قيل: روي مسلم بن الحارث الخزاعي ثم المُصطلقي، روي يزيد بن عمرو بن مسلم الخزاعي،

стр. 8261

عن أبيه قال: كنت عند رسول اللَّه ﷺ ومنشد ينشد قول سُويد بن عامر المصطلقي: لا تَأمَنَنَّ وإنْ أَمسَيتَ فِي حَرَمٍ … إنَّ المَنَايَا بجَنْبَيْ كُلِّ إِنْسَانِ (١) وَاسْلُك طَرِيقَكَ تَمْشِي غَيْرَ مُخْتَشعٍ … حَتَّى تُلاقَي ما يَمْنِي لَك المَانِي (٢) وَكُلُّ ذي صَاحبِ يَوْمًا مُفَارقُهُ … وكُلُّ زَادٍ وَإِنْ أَبْقَيتَهُ فَاني (٣) وَالخَيَرُ والشَّرُ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنِ … بِكُلِّ ذَلِكَ يَأتِيكَ الجَدِيدَانِ (٤) فقال رسول اللَّه ﷺ : لو أدرك هذا الإسلام لأَسلم، قال: فبكى أبي، فقلت: يا أبت، أتبكي لمشرك مات في الجاهلية؟! فقال: يا بني واللَّه ما رأيت مشركًا خيرًا من سويد بن عامر. عمرو بن هميل الخزاعي (*) أغار بنو لحيان في الجاهلية على خُزاعة وبني بكر وأدركوا ثأرهم وقتلوا منهم قتلى كثيرة، فقال شاعرهم عمرو بن هُميل في هذه الغزوة (يوم غزال) بنيل بني لحيان من خزاعة وبني بكر: أبَانَا بيَوْم العَرْجِ يَوْمًا بِمْثلِهِ … غَدَاةَ غَزَالٍ بالخَليط المُزَيَّلِ (٥) فَقَتْلًا بقَتْلانَا وسُقْنَا بسَبْينَا … نسَاءً وَجِئْنَا بالهجَانَ المُرَعَّل (٦) فأصْبَحْنَ أخْلامَ العِبَادِ عَوانيًا … يُرسِّفْنَ شَتَّى فِي الحديدِ المُسَلْسَلِ (٧)

стр. 8262

وَكُنَّا إِذَا مَا الحَرْبَ ضُرِّسَ نَابُهَا … نَقُوِّمُهَا بالمَشرفيِّ المُقَلَّلِ (١) بَنِيهَا تَرْبَّتِهَا صِغَارًا نُقِيمُهَا … وَنَضْرِبُ رَأْسَ الأَبلَخِ المُتَخَيَّلِ (٢) أَلَمْ يَعْلَمْ التَّيْسُ الخُزَاعِيُّ أَنَّنَا … ثَأَرْنَا أَبَا عَمْرٍو وَأَصْحَابَ جَنْدَلِ (٣) قُتِلْنا بِقَتْلانَا خُزَاعَةَ كُلُّهَا … وَبِكْرًا فَفِي كِلَا الفَرِيقَيْنِ نَعْتَلِي (٤) نَغاوِرُ فِي أَهْلِ الأرَاك وتَارَةً … نُغاوِرُ أَصْرَامًا بِأَكْنَافِ مَجْدَلِ (٥) فأجابه الشاعر سويد بن عُمير عامر الخُزاعي حيث قال: أَلَا أَبْلَغَا أَفْنَاءَ لحَيَان آيَةً … وَكُنْتَ مَتَى تُجْهِلْ خَصيمَكَ يَجْهَلِ (٦) عَجِبْتُمْ لِشَأْنِ الحَرْبِ أَنْ أَعْقَبَتْكُمُ … وَأَيَّةُ أُنْثَى حَامِلٍ لم تُحَوِّلِ (٧) وَتَنْسَى الأُلَى جِئْنَا بِهِمْ فَتَرَكْتَهُمْ … لَدَى خَلَفَ يَسْعَوْنَ فِي كُلِّ مَرْمَلِ (٨) وَكَنَّ يُراكِلْن المُرُوطَ نَوَاعِمًا … يَمْشِّينَ وَسْطَ الدَّارِ فِي كُلِّ مُنْعَلِ (٩) عامر (*) بن عبيد الخزاعي عامر هذا رجل من خزاعة يقال له "مُجَمِّعٌ" واسمه عامر بن عُبيد، وكان سيِّدَ قومه، وإنما سُمِّيَ "مُجَمِّعا" لأنه جمع خزاعة من أفناء القبائل من بطون بني

стр. 8263

كنانة منهم حُلفَاء، فجَمعهم على حِلفٌ بني مُدْلِج، فغَزَّاهم هو وابنُ أخ له في غَزاةٍ عظيمة، حتى صبَّحوا دارُا من بني سهم بن معاوية، ودارًا من بني سعد بن بكر وقُتِلَ عامر بن عُبيد، وقام عنده ابن أخٍ له يرتجز: إنِّي لَعَمرُ طَيْرِكَ الكُنُوسِ (١) وأَمرِك المُلَجْلَجِ الرَّميس (٢) لأرفِعن ذِكْرَ بنِي ضَبِيسِ (٣) بِضَرْبَةٍ أَو طَعْنَةَ خَلُوسِ نَفاخةٍ كذنبِ الشَّمُوسِ وقُتل عامر بن عُبيد مع ابن أخيه وبقيت جثة عامر في العراء، والنسور تأكل منها، وأُخذ رجل من بني سعد بن بكر يقال له: "ابنُ جاع قَملُهُ" كان يصطاد على جيفة عامر النسور، هذا، وقد رثته جَنُوبُ بنت الحَزِن بن مُرَّة فقالت: أَلا يا عينُ مَا جُودِي بهَمْرٍ … على قَتلَى بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرو (٤) أَصَابَتهُمْ قَبائِل مِنْ هُذَيْلٍ … وآدَتْهَا بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرِ (٥) وفي ذلك يقول أُميةُ بن الأَسْكَرِ، أخو بني جُنْدُع بن لَيثٍ، حين أغارت عليهم وعلى بني لحيان خَيلُ رسول اللَّه ﷺ بالكَديد، ودلَّهم عليه رجُلٌ من خزاعة يقال له طارقٌ، فوجَدَت عليه بنو بَكرٍ وبنو لحيان، فقال طارقٌ: واللَّهِ مَا أدْري وإنِّي لَقَائِلٌ. .. إلى أيِّ مَن يَطَّنُني أَتَعذَّرُ (٦) أُعنِّف أَنْ كَانَت زُبَينةُ أُهْلِكَت … وَنَالَ بني لِحْيَان شَرٌّ وَنَفَّرُوا وقال أُمَيَّةُ بن الأسكَرِ: لَعمْرُكَ إِنِّي والخُزَاعيَّ طَارِقًا … كَنَعْجَةِ عَادٍ حَتْفَهَا تَتَحَفَّرُ

стр. 8264

أَثَارت عَلَيْها شَفرةً بكُرَاعهَا … فَباتَتْ بهَا مِنْ آخر اللَّيل تُجْزَرُ وَمَا خلْتُني شَمتُ يَوْمَ بُدَالَةٍ … ولا الشَّجَرَاتِ إذْ تُنْحَّرُ حَبْتَرُ ولا يا بنَ جاعَ قَمْلُهُ عنْدَ عَامرٍ … مُقيتًا عَليه قَاعِدًا يَتَنَسَّرُ (١) فَهَلا أَبَاكُمْ في هُذَيْلٍ وعَمَّكُمْ … ثَأَرْتُمْ وَهُم أَعْدى قُلُوبًا وَأَوْتَرُ وَسَعد بن لَيْث إذْ تَشُل رجالُكُمْ … وكَلَب بن عوف نحَّرُوكم وبَقَّروا (٢) ويَوَم الأَرَاكِ يوم أُردَفَ سَبيَكُمْ … صَمِيمُ سَرَاةِ الدِّيلِ عَبْدٌ وَيَعْمَرُ وقد قتل بنو سَهْم بن معاوية من بني حَبْتَر في تلك الأيَّام أربعين أو خمسين رجُلًا، وكان معقل بنُ خويلد بن واثلة بن مُطحِل قد قتل من خزاعة قبل ذلك عَشرة رهطٍ منهم المُحتطبُ وعامرُ بن أَقرم، فقال عبدُ مناف بن ريعٍ الهُذَليُّ ثم الجُربيُّ، يذكر ذلك: أنِّي أصادفُ مثْلَ يَوْم بُدالَةٍ … ولَقَاءُ مثلَ غَداةِ أَمسِ بَعيدُ شَدَّ الرِّجالُ والحَديِد فأَفْلحُوا … إنَّ المُحاوَلَ لِلعَلاءِ شَديدُ (٣) عبد الغفار (*) الخزاعي قال عبد الغفار الخزاعي يصف الفرس: ذَاكَ وقد أذْعَر الوحوشَ بصَلْـ … ــتِ الخدِّ رَحبٍ لَبَانُه مُجْفَرْ (٤) طويلُ خَمْسٍ قصيرُ أربَعةٍ … عريضُ ستٍ مقلِّصٌ حَشْوَرْ (٥) حَدَّتْ له تسعةٌ وقد عَرِيَت … تسعٌ ففيه لمن رأى منظرْ (٦)

стр. 8265

ثم له تسعةٌ كُسيْنَ وقد … أَرْحَبَ منه اللَّبان والمَنْخَرْ (١) بعيدُ عشرٍ وقد قَرُبن له … عَشْرٌ وخمسٌ طالت ولم تَقْصُرْ (٢) نُقْفيه بالمَحْض دون وِلْدَتِنا … وعضُّهُ في آريِّه ينْثَر (٣) نَصْبُحُهُ تَارةً ونَغْبَقُه … ألبانَ كُوْمٍ رَوُائمٍ أَظْؤُرْ (٤) حتى شَتَا بادنًا يقال ألا … بطوون من بُدنِه وقد أُضْمِرْ (٥) مُوثَّقُ الخَلْق جُرْشُعٌ عَتْدٌ … مُنضَرِجُ الحُضْر حين يُسْتَحضَرْ (٦) خَاظِي الحَمَاتَيْن لحمُهُ زِيَمٌ … نَهْدٌ شديدُ الصِّفَاق والأَبْهَرْ (٧) رقيقُ خَمْسٍ غليظُ أربعةٍ … نائي المَعَدّين ليِّنُ الأَشْعَرْ (٨) عبد اللَّه بن أبي أوفى (*) الخزاعي هو عبد اللَّه بن أبي أوفى، واسم أبي أوفى: علقمة بن خالد بن الحارث ابن أبي أسيد بن رفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم الأسلمي الخزاعي، يكنى أبو معاوية وقيل: أبو إبراهيم، وقيل أبو محمد.
следующие страницы →