← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

عن أبيه قال: كنت عند رسول اللَّه ﷺ ومنشد ينشد قول سُويد بن عامر المصطلقي: لا تَأمَنَنَّ وإنْ أَمسَيتَ فِي حَرَمٍ … إنَّ المَنَايَا بجَنْبَيْ كُلِّ إِنْسَانِ (١) وَاسْلُك طَرِيقَكَ تَمْشِي غَيْرَ مُخْتَشعٍ … حَتَّى تُلاقَي ما يَمْنِي لَك المَانِي (٢) وَكُلُّ ذي صَاحبِ يَوْمًا مُفَارقُهُ … وكُلُّ زَادٍ وَإِنْ أَبْقَيتَهُ فَاني (٣) وَالخَيَرُ والشَّرُ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنِ … بِكُلِّ ذَلِكَ يَأتِيكَ الجَدِيدَانِ (٤) فقال رسول اللَّه ﷺ : لو أدرك هذا الإسلام لأَسلم، قال: فبكى أبي، فقلت: يا أبت، أتبكي لمشرك مات في الجاهلية؟! فقال: يا بني واللَّه ما رأيت مشركًا خيرًا من سويد بن عامر. عمرو بن هميل الخزاعي (*) أغار بنو لحيان في الجاهلية على خُزاعة وبني بكر وأدركوا ثأرهم وقتلوا منهم قتلى كثيرة، فقال شاعرهم عمرو بن هُميل في هذه الغزوة (يوم غزال) بنيل بني لحيان من خزاعة وبني بكر: أبَانَا بيَوْم العَرْجِ يَوْمًا بِمْثلِهِ … غَدَاةَ غَزَالٍ بالخَليط المُزَيَّلِ (٥) فَقَتْلًا بقَتْلانَا وسُقْنَا بسَبْينَا … نسَاءً وَجِئْنَا بالهجَانَ المُرَعَّل (٦) فأصْبَحْنَ أخْلامَ العِبَادِ عَوانيًا … يُرسِّفْنَ شَتَّى فِي الحديدِ المُسَلْسَلِ (٧)

стр. 8262

وَكُنَّا إِذَا مَا الحَرْبَ ضُرِّسَ نَابُهَا … نَقُوِّمُهَا بالمَشرفيِّ المُقَلَّلِ (١) بَنِيهَا تَرْبَّتِهَا صِغَارًا نُقِيمُهَا … وَنَضْرِبُ رَأْسَ الأَبلَخِ المُتَخَيَّلِ (٢) أَلَمْ يَعْلَمْ التَّيْسُ الخُزَاعِيُّ أَنَّنَا … ثَأَرْنَا أَبَا عَمْرٍو وَأَصْحَابَ جَنْدَلِ (٣) قُتِلْنا بِقَتْلانَا خُزَاعَةَ كُلُّهَا … وَبِكْرًا فَفِي كِلَا الفَرِيقَيْنِ نَعْتَلِي (٤) نَغاوِرُ فِي أَهْلِ الأرَاك وتَارَةً … نُغاوِرُ أَصْرَامًا بِأَكْنَافِ مَجْدَلِ (٥) فأجابه الشاعر سويد بن عُمير عامر الخُزاعي حيث قال: أَلَا أَبْلَغَا أَفْنَاءَ لحَيَان آيَةً … وَكُنْتَ مَتَى تُجْهِلْ خَصيمَكَ يَجْهَلِ (٦) عَجِبْتُمْ لِشَأْنِ الحَرْبِ أَنْ أَعْقَبَتْكُمُ … وَأَيَّةُ أُنْثَى حَامِلٍ لم تُحَوِّلِ (٧) وَتَنْسَى الأُلَى جِئْنَا بِهِمْ فَتَرَكْتَهُمْ … لَدَى خَلَفَ يَسْعَوْنَ فِي كُلِّ مَرْمَلِ (٨) وَكَنَّ يُراكِلْن المُرُوطَ نَوَاعِمًا … يَمْشِّينَ وَسْطَ الدَّارِ فِي كُلِّ مُنْعَلِ (٩) عامر (*) بن عبيد الخزاعي عامر هذا رجل من خزاعة يقال له "مُجَمِّعٌ" واسمه عامر بن عُبيد، وكان سيِّدَ قومه، وإنما سُمِّيَ "مُجَمِّعا" لأنه جمع خزاعة من أفناء القبائل من بطون بني

стр. 8263

كنانة منهم حُلفَاء، فجَمعهم على حِلفٌ بني مُدْلِج، فغَزَّاهم هو وابنُ أخ له في غَزاةٍ عظيمة، حتى صبَّحوا دارُا من بني سهم بن معاوية، ودارًا من بني سعد بن بكر وقُتِلَ عامر بن عُبيد، وقام عنده ابن أخٍ له يرتجز: إنِّي لَعَمرُ طَيْرِكَ الكُنُوسِ (١) وأَمرِك المُلَجْلَجِ الرَّميس (٢) لأرفِعن ذِكْرَ بنِي ضَبِيسِ (٣) بِضَرْبَةٍ أَو طَعْنَةَ خَلُوسِ نَفاخةٍ كذنبِ الشَّمُوسِ وقُتل عامر بن عُبيد مع ابن أخيه وبقيت جثة عامر في العراء، والنسور تأكل منها، وأُخذ رجل من بني سعد بن بكر يقال له: "ابنُ جاع قَملُهُ" كان يصطاد على جيفة عامر النسور، هذا، وقد رثته جَنُوبُ بنت الحَزِن بن مُرَّة فقالت: أَلا يا عينُ مَا جُودِي بهَمْرٍ … على قَتلَى بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرو (٤) أَصَابَتهُمْ قَبائِل مِنْ هُذَيْلٍ … وآدَتْهَا بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرِ (٥) وفي ذلك يقول أُميةُ بن الأَسْكَرِ، أخو بني جُنْدُع بن لَيثٍ، حين أغارت عليهم وعلى بني لحيان خَيلُ رسول اللَّه ﷺ بالكَديد، ودلَّهم عليه رجُلٌ من خزاعة يقال له طارقٌ، فوجَدَت عليه بنو بَكرٍ وبنو لحيان، فقال طارقٌ: واللَّهِ مَا أدْري وإنِّي لَقَائِلٌ. .. إلى أيِّ مَن يَطَّنُني أَتَعذَّرُ (٦) أُعنِّف أَنْ كَانَت زُبَينةُ أُهْلِكَت … وَنَالَ بني لِحْيَان شَرٌّ وَنَفَّرُوا وقال أُمَيَّةُ بن الأسكَرِ: لَعمْرُكَ إِنِّي والخُزَاعيَّ طَارِقًا … كَنَعْجَةِ عَادٍ حَتْفَهَا تَتَحَفَّرُ

стр. 8264

أَثَارت عَلَيْها شَفرةً بكُرَاعهَا … فَباتَتْ بهَا مِنْ آخر اللَّيل تُجْزَرُ وَمَا خلْتُني شَمتُ يَوْمَ بُدَالَةٍ … ولا الشَّجَرَاتِ إذْ تُنْحَّرُ حَبْتَرُ ولا يا بنَ جاعَ قَمْلُهُ عنْدَ عَامرٍ … مُقيتًا عَليه قَاعِدًا يَتَنَسَّرُ (١) فَهَلا أَبَاكُمْ في هُذَيْلٍ وعَمَّكُمْ … ثَأَرْتُمْ وَهُم أَعْدى قُلُوبًا وَأَوْتَرُ وَسَعد بن لَيْث إذْ تَشُل رجالُكُمْ … وكَلَب بن عوف نحَّرُوكم وبَقَّروا (٢) ويَوَم الأَرَاكِ يوم أُردَفَ سَبيَكُمْ … صَمِيمُ سَرَاةِ الدِّيلِ عَبْدٌ وَيَعْمَرُ وقد قتل بنو سَهْم بن معاوية من بني حَبْتَر في تلك الأيَّام أربعين أو خمسين رجُلًا، وكان معقل بنُ خويلد بن واثلة بن مُطحِل قد قتل من خزاعة قبل ذلك عَشرة رهطٍ منهم المُحتطبُ وعامرُ بن أَقرم، فقال عبدُ مناف بن ريعٍ الهُذَليُّ ثم الجُربيُّ، يذكر ذلك: أنِّي أصادفُ مثْلَ يَوْم بُدالَةٍ … ولَقَاءُ مثلَ غَداةِ أَمسِ بَعيدُ شَدَّ الرِّجالُ والحَديِد فأَفْلحُوا … إنَّ المُحاوَلَ لِلعَلاءِ شَديدُ (٣) عبد الغفار (*) الخزاعي قال عبد الغفار الخزاعي يصف الفرس: ذَاكَ وقد أذْعَر الوحوشَ بصَلْـ … ــتِ الخدِّ رَحبٍ لَبَانُه مُجْفَرْ (٤) طويلُ خَمْسٍ قصيرُ أربَعةٍ … عريضُ ستٍ مقلِّصٌ حَشْوَرْ (٥) حَدَّتْ له تسعةٌ وقد عَرِيَت … تسعٌ ففيه لمن رأى منظرْ (٦)

стр. 8265

ثم له تسعةٌ كُسيْنَ وقد … أَرْحَبَ منه اللَّبان والمَنْخَرْ (١) بعيدُ عشرٍ وقد قَرُبن له … عَشْرٌ وخمسٌ طالت ولم تَقْصُرْ (٢) نُقْفيه بالمَحْض دون وِلْدَتِنا … وعضُّهُ في آريِّه ينْثَر (٣) نَصْبُحُهُ تَارةً ونَغْبَقُه … ألبانَ كُوْمٍ رَوُائمٍ أَظْؤُرْ (٤) حتى شَتَا بادنًا يقال ألا … بطوون من بُدنِه وقد أُضْمِرْ (٥) مُوثَّقُ الخَلْق جُرْشُعٌ عَتْدٌ … مُنضَرِجُ الحُضْر حين يُسْتَحضَرْ (٦) خَاظِي الحَمَاتَيْن لحمُهُ زِيَمٌ … نَهْدٌ شديدُ الصِّفَاق والأَبْهَرْ (٧) رقيقُ خَمْسٍ غليظُ أربعةٍ … نائي المَعَدّين ليِّنُ الأَشْعَرْ (٨) عبد اللَّه بن أبي أوفى (*) الخزاعي هو عبد اللَّه بن أبي أوفى، واسم أبي أوفى: علقمة بن خالد بن الحارث ابن أبي أسيد بن رفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم الأسلمي الخزاعي، يكنى أبو معاوية وقيل: أبو إبراهيم، وقيل أبو محمد.

стр. 8266

شهد الحديبية، وبايع بيعة الرضوان، وشهد خيبر وما بعدها من المشاهد ولم يزل بالمدينة حتى قُبض رسول اللَّه ﷺ ثم تحول إلى الكوفة، وهو آخر من بقي بالكوفة من أصحاب النبي ﷺ . قال عبد اللَّه: غزونا مع الرسول ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد وقيل ست غزوات. وروى عنه عمرو بن مرة، وإسماعيل بن أبي خالد، والشعبي، وعبد الملك ابن عمير وأبو إسحاق الشيباني، والحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وغيرهم. توفي عبد اللَّه بن أبي أوفى الخزاعي سنة ست وثمانين وقيل سنة ثمان وثمانين وكف بصره في آخر حياته. قال عبد اللَّه بن أبي أوفى شعرًا في امرأته، ويظهر لنا من خلاله أن حياته الزوجية كانت قلقة فبث همومه قائلًا: نكَحْتُ ابنةَ المُنتَصَى نَكْحَةً … عَلَى الكُرْه ضَرَّتْ وَلَمْ تَنْفَعِ (١) وَلَمْ تُغْن من فَاقَة مُعْدِمًا … وَلَمْ تُجْدِ خَيرًا وَلَمْ تَجْمَعِ (٢) مُنْجَّذَةً مثل كَلْبِ الهِراشِ … إذا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ تَهجَعِ (٣) مُفرِّقةً بَيْنَ جِيرانِها … وَمَا تَسْتَطِعْ بَيْنَهُمْ تَقْطَعِ (٤) بِقَوْل رَأيْتُ لِمَا لا تَرَى … وَقِيلَ سَمِعْتُ وَلَمْ تَسْمَعِ (٥) فإنْ تَشْربِ الزِّقَّ لا يُرْوها … وإنْ تأكلِ الشَّاة لا تَشْبَعِ (٦)

стр. 8267

ولَيْسَتْ بِتَارِكَةٍ مَحْرَمًا … وَلَوْ حُفَّ بالأسَلِ الشُّرَّعِ (١) ولو صَعدَت في ذُرَى شاهِق … تَزلُّ بها العُصْمُ لمْ تُصْرَعِ (٢) فَبئسَتْ قِعادُ الفَتَى وَحْدَها … وَبئسَتْ مُوفَيِّةُ الأَرْبَعِ (٣) عبد اللَّه بن بديل (*) الخزاعي هو عبد اللَّه بن بُديل بن ورقاء بن عبد العُزَّى الخُزاعي، أسلم مع أبيه قبل الفتح، وقال ابن إسحاق: إن قريشًا يوم فتح مكة لجأوا إلى دار بُديل بن ورقاء الخزاعي، وشهد بديل وابنه عبد اللَّه، حُنينًا والطائف وتبوك. وقتل عبد اللَّه وشقيقه عبد الرحمن بصفين مع الإِمام علي ﵁، وكان على الرَّجَّالة، وهو من أفاضل أصحاب عليّ وأعيانهم. وهو الذي صالح أهل أصبهان مع عبد اللَّه بن عامر، في خلافة عثمان سنة تسع وعشرين (٤). وعبد اللَّه صحابي، كان من الدهاة الفصحاء، انتهت إليه السيادة في خزاعة ويعتبر عبد اللَّه من دهاة العرب (٥). كان بصفين وعليه درعين ويحمل سيفين، ولم يزل يضرب حتى انتهى إلى معاوية فأزاله عن موقفه فتكاثر عليه أصحاب معاوية، فقتلوه. فكان يقول قبل قتله:

стр. 8268

لم يَبْقَ إلا الصَّبْرُ وَالتَّوَكُّلُ … ثُمَّ التَّمَشِّى فِي الرَّعيلِ الأَوَّلِ مَشَى الجِمَالِ فِي حِيَاضِ المَنْهَلِ … وَاللَّه يَقْضِيَ مَا يَشَاءُ وَيَفْعَلَ فلما رآه معاوية قال: واللَّه لو استطاعت نساءُ خزاعة لقاتلننا فضلًا عن رجالها، وتمثل بقول حاتم: كَليث هزبرٍ كَانَ يُحَمي ذمَارَهُ … رَمَتْهُ المَنَايَا قَصْدُهَا فَتَقَطَّرا أَخُو الحَرْبِ أَنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبَ عَضَّهَا … وَإِنَّ شَمَّرا يَوْمًا بِهِ الحَرْبُ شَمَّرَا (١) وكانت صفين سنة سبع وثلاثين بعد الهجرة. وفي كتاب وقعة صفين جاء الشعر الذي قاله عبد اللَّه بن بديل على خلاف ما جاء في كتاب أسد الغابة كما ورد في تقديم العجز على الصدر: لم يَبْقَ إلا الصَّبْرُ وَالتَّوَكُّلُ … وأَخْذُكَ التّرْسَ وسَيفًا مِقْصَلْ (٢) ثُمَّ التَّمَشِّي فِي الرَّعيل الأَوَّلِ … مَشِيَ الجَمَالِ فِي حِيَاضِ المَنْهَلْ (٣) وَاللَّهُ يَقْضِيَ مَا يَشَاءُ وَيَفْعَلَ (٤) عبد اللَّه (*) بن أبي الشيص الخزاعي والده الشاعر محمد بن رزين بن سليمان الخزاعي، وذكر صاحب الأغاني فقال: "ولأبي المشيص ابنٌ يقال له عبد اللَّه شاعر أيضًا، صالح الشعر، وكان منقطعًا إلى محمد بن طالب (٥). كان أبو سعد المخزومي يدخل إلى المأمون فينشده هجاء دعبل له وللخلفاء ويحرضه وينشده جوابه، فلم يجد عند المأمون ما أراده فيه، وكان يقول: الحق في

стр. 8269

يدك والباطل في يد غيرك، والقول لك ممكن، فقل ما تكذبه به، فأمَّا القتل فإني لست أستعمله إلا فيمن عَظُم ذنبه أفأستعمله في شاعر؟ فاعترض بينهما ابن أبي الشيص، فقال يهجو أبا سعد: أنا بَشرْتُ أبا سعـ … ــد فأعطاني البشارَهْ بأبٍ صِيد له بالأمـ … ــسِ في دار الإمارَهْ فهو يومًا من تَميمٍ … وهو يومًا من فَزارَهْ كل يوم لأبي سعـ … ـــد على الأنساب غَارَهْ خَزَمَتْ مَخْزمُ فَاه .. فادَّعاها بالإشَارَهْ (١) وقال فيه أيضًا: أبا سعدٍ بحق الخَمس … والمفروض من صَومِكْ أقُلت الحقَّ في النسبة … أمْ تَحلمُ في نومِكْ أين لي أيها المغرو … ر ممَّنْ أنت في يومكْ فَولَّى قَائلًا لو شئتَ … قد أقْصرت من لومكْ ودعني أكُ من شئتُ … إذا لم أك من قَوْمِكْ (٢) يقول ابن معتز: حدثني النَّوْفليّ قال: كنا بواسط ومعنا ابن أبي الشيص، فتجارينا أمر الشعراء، ففضلنا بعضًا على بعض، فقال ابن أبي الشيص: أنا أشعر الناس، وكان أشعر منِّي أبي ومن جميع من مضى ومن بقي، فقلت له: كذبت في نفسك خاصَّةً، فأما أبوك فلعمري إنه كان أشعر اهل زمانه. وكانت بابن أبي الشيص لُوثة، لأنَّ السوداء غلبتْ عليه، فاختَلَطَ واشتاط (٣) وخرق ثيابه، ثم زجّ نفسه في دجلة وكان فينا جماعة يسبحون فأخرجناه وهو لا يعقل لما به من البرد -وكان يوم شديد البرد- فَدثّرناه حتى تماسك وقوي قليلًا، فلما أصبح مات ومما يستحسن له:

стр. 8270

أظن الدهر قد آلى فبرا … بأن لا يكسب الأموال حُرَّا كأنَّ صفائح الأحرارِ أَرْدَتْ … أباه فحارب الأبرار طُرَّا وأمكنَ منِ رقَاب المال قَومًا … وملَّكهم بها نَفعًا وضَرَّا وأصبحَ كِلُّ ذي شَرفٍ رَكُوبًا … لأعنَاق الدُّجَى بحرًا وبَرَّا يُهتِّك جَيبَ درعْ الليل عنه … إذا مَا جَيبُ درع الليل ذُرَّا يُراقب للغنى وجهًا ضحوكًا … ووجهًا للمنية مكفهِّرًا ليكْسِبَ من أقَاصِي الأرض مالًا … يَحُلُّ به المحلَّ المُشْمَخِرَّا ومن جَعل الظلَامَ له قَعُودا … أصاب به الدُّجَى خيرًا وشرَّا وله أيضًا: كفى حزَنًا أني أرى من أحبه … [لدي] (١) صريعًا لا أُطيق له نفعا سوى أنني أدعو له اللَّه مخلصًا … وأُذرى على خدّي بمصرعه دمعا (٢) وقال عبد اللَّه أيضًا: حَذِرْتُ الهوَى حتى رُميتُ مِنَ الهوَى … بأَصْرَد سَهمٍ في قِسيِّ الحَوَاجِبِ رَمَينَ فَأَصْمَيَّنَ القلوبَ مَكَانها … وَتُخْطيَ يَدُ الرامي له في المغايب (٣) وقال أيضًا: جَعَلَتْ تُواصِلُ بالدمُوع دُموعا … جَزَعًا ولَم تَكُ قَبْلَ ذاك جَزُوعا وَجَرى لَهَا دَمْعٌ يُعصْفرُهُ دَمٌ … في صَحنِ وَجْنتها فَعَادَ نَجيعا فَكَأنَّهُ خَرَزُ العَقيقِ مُفَصّلا … بالدُّر يُحسَبُ سِلْكُهُ مَقْطُوعَا (٤) وقال أيضًا: ومُعرِضة تَظنُ الهجرَ فَرضَا … تَخَالُ لِحاظَها للضَّعْفِ مَرْضِى كَأني قَتَلتُ لها قَتِيلا … فَمَا مني بغيرِ الهَجْرِ تَرْضَى (٥)

стр. 8271

عبد اللَّه (*) بن طاهر الخزاعي هو عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين بن مُصعب بن رزُيق بن ماهان الخزاعي أبو العباس، وعبد اللَّه وقومه خُزَاعيون بالولاء، إذ كان جدهم رزيقًا مولى لطلحة الطلحات الخزاعي والي سجستان، وأصل عبد اللَّه من "بادغيس" بخراسان، كان أبو العباس عبد اللَّه بن طاهر سيِّدًا نبيلًا عالي الهمة شهمًا، فهو وأهله نشأوا في ظل القيادة العباسية، وأخلصوا لها؛ لذلك كان الخليفة المأمون كثير الاعتماد عليه حسن الالتفات إليه لذاته، ورعاية الحق والده وما أسلفه من الطاعة في خدمته. ولد عبد اللَّه بن طاهر سنة اثنتين وثمانين ومائة، وتأدب في صغره وقرأ العلم والفقه وسمع من وكيع وعبد اللَّه المأمون، وروى عنه إسحاق بن راهويه وهو أكبر منه، ونصر بن زياد وخَلْقٌ سواهم. وكان بارعا في الأدب حسن الشِّعر وتقلَّد الأعمال الجليلة، ولَّاه المأمون الشام حربًا وخراجًا فخرج من بغداد إليها واحتوى عليها، ثم ولَّاه مصر ودخلها في يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرةً ومائتين فقمع المفسدين بها ومهَّدَ البلادَ ورتب أحوالها وأقام على إمرة مصر سنة واحدة وخمسة وعشرة أيام وخرج منها لخمس بقين من شهر رجب سنة اثنتي عشرة ومائتين بعد أن طرد منها عُبيد اللَّه بن السري واستخلف على مصر عيسى بن يزيد الجُلُودي، وركب البحر وتوجه إلى العراق، فلما قارب بغداد تلقاه العباس ولدُ الخليفة المأمون والمعتصم محمد أخو المأمون وأعيان الدولة وقدم عبد اللَّه بغداد وبين يديه المنغلبون على الشام ومصر مثل ابن أبي الجمل وابن أبي أسقر وورد (الصقر) وغيرُهما، فأكرمه المأمون ثم ولَّاه بعد ذلك خُراسان وفي خُراسان كسّرَ الملاهي وعمر الرِّباطات ووقف لها الوقوف وافتدى الأسرى من الترك بنحو ألفي درهم، وكانت سيرته محببًا عادلًا عظيم الهيبة حسن المذهب شجاعًا مقدامًا، ولما مات خلّف في بيت ماله أربعين ألف ألف درهم سوى ما في بيت مال العامة وكانت وفاته بمرو في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين ومائتين وله ثمان وأربعون سنة (١).

стр. 8272

حروبه: لما خرج بابك الخُرّميُّ على خُراسان وأوقع الخوارج بأهل قرية الحمراء من أعمال نيسابور، وأكثروا فيها الفساد واتصل الخبر بالمأمون بعث إلى عبد اللَّه وهو بالدَّيَنورِ يأمره بالخروج إلى خراسان، فخرج إليها في النصف من شهر ربيع الآخر سنة (٢١٣ هـ) وحارب الخوارج وقدم نيسابور في رجب سنة (٢١٥ هـ) (١). شاعريته: أعطى المأمون عبد اللَّه بن طاهر مال مصر لسنة خراجها وضياعها فوهبه كله وفرقه في الناس ورجع صفرًا من ذلك فغاظ المأمون فعله، فدخل إليه يوم مقدمه فأنشده أبياتًا قالها في هذا المعنى: نَفسي فداؤُكَ والأعنَاق خاضعةٌ … للنَّائباتِ أبيّا غير مُهتَضمِ إليكَ أَقْبَلَت من أرضٍ أَقَمْتُ بها … حَولَين بَعدك في شوقٍ وفي أَلمِ أَقْفو مساعيك اللاتي خُصصتَ بها … حَذوَ الشِّراك على مَثَل من الأدمِ فكان فضليَ فيها أنني تَبَعٌ … لما سننتَ من الإنعامِ والنِّعمِ ولو وُكِلتُ إلى نفسي غَنيتُ بها … لَكن بَدأتَ فلم أَعجز ولم أُلَمِ (٢) فضحك المأمون وقال: واللَّه ما نَفِسْتُ عليك مكرُمةٌ نلتها ولا أُحدوثة حَسُن عنك ذكرها، ولكن هذا شيء إذا عوَّدتَه نفسك افتقرتَ ولم تقدر على لَمَّ شَعَثِك وإصلاح حالك، وزال ما كان في نفسه. قصته مع محمد بن يزيد الأموي: قال عبد اللَّه بن طاهر قصيدنه التي يفخر فيها بمآثر أبيه وأهله ويفخر بقتلهم المخلوع (الأمين) عارضه محمد بن يزيد الأموي الحصني، وكان رجلًا من ولد مسلمة بن عبد الملك، فأفرط في السَّب وتجاوز الحد في قبح الرد، وتوسط بين القوم وبين بني هاشم فأربى في التوسط والتعصب، فكان مما قال فيه:

стр. 8273

يا بنَ بيتِ النار موقدُها … ما لجاذَيهِ سَراويلُ (١) من حُسينٌ من أَبوك وَمَن … مُصعبُ! غالتكم غولُ نسبٌ في الفخر مُؤتَشبٌ … وأُبواتٌ أراذيلُ (٢) قَاتلُ المَخلوعِ مَقْتولٌ … وَدَمُ المقتول مطلولُ (٣) وبعد ذلك ظفر عبد اللَّه بن طاهر بالأموي وصفح عنه، بعد أن كان يعيش في قلق واضطراب وخوف دائم من أن يلقى حتفه على يد عبد اللَّه بعد أن ولي مصر ورُدَّ إليه تدبير الشام، واعتذر الأموي اعتذارًا شديدًا وقبل منه عبد اللَّه بن طاهر ذلك، ثم عاش بعدها بأمان. وفي خراسان زاره دعبل ونادمه، وكان دعبل على صلة بأسرة طاهر يدُل عليها بخزاعة، إن أعطوه مدحهم، وإن منعوه ذمهم وهجاهم، وقد نال على يد عبد اللَّه وحده أموالًا طائلة، ولعبد اللَّه ظن في دعبل شديد القبح وكان يخاف لسنه، ولكنه أحب الأدب والنغم والشعر والشعراء وعطف عليهم، وإلى أولاده انتهت رياسة آل طاهر. وقال دعبل حينما دخل مجلس عبد اللَّه بن طاهر ببغداد: جئتُ بلا حُرمةٍ ولا سَبَبٍ … إليك إلا بحُرمَةِ الأدَبِ فاقض ذِمامي فإنني رَجُلٌ … غيرُ مُلحٍّ عليك في الطَلبِ (٤) وقال يذكر عبد اللَّه بن طاهر وقد وعده غلامًا فأخلف. يا جواد اللِّسان مِنْ غير فِعلٍ … ليت في راحَتَيْك جُودَ اللِّسانِ عَيْنَ (مهْرانَ) قَد لَطَمْت مِرارًا … فاتَّق ذا الجَلال في (مِهْران) (٥) عُرْتَ عَيْنًا، فَدَعْ (لِمَهْرانَ) عَيْنًا … لا تَدَعْهُ يَطوفُ في العُمْيانِ (٦)

стр. 8274

عبيد اللَّه (*) بن عبد اللَّه الخزاعي أبو أحمد عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر بن الحُسين بن مُصعب بن رُزَيق ابن ماهان الخُزاعي بالولاء، كان لأبيه وجده علو المنزلة عند المأمون فولاهما خراسان وغيرها، وكان عبيد اللَّه أميرًا ولي الشرطة ببغداد خلافةً عن أخيه محمد ابن عبد اللَّه، ثم استقل بها بعد موت أخيه، وكان سيدًا، وإليه انتهت رياسة أهله، وهو آخر من مات منهم رئيسًا. وله محمل من الأدب والتصرُّف في فنونه ورواية الشعر وقوله، والعلم باللغة وأيام الناس وعلوم الأوائل من الفلاسفة والموسيقى والهندسة، وله صنعة في الغناء حسنةٌ متقنة وتوصل إلى ما عجز عنه الأوائل من جمع النغم كلها في صوت واحد، وكان على علاقة طيبة بالمعتضد باللَّه الذي أظهر له المودة وتفقده بالصلات لما اختلت حال عبيد اللَّه، وقيل عنه: كان مترسلًا شاعرًا لطيفًا حسن المقاصد جيد السبك رقيق الحاشية. ومن شعره: واحَربَا من فِرَاقِ قَومٍ … هُمُ المصَابيحُ والحُصُونُ والأُسدُ والمزنُ والرواسي … والأمنُ والخَفضُ والسكونُ لم تَتَنكَر لَنَا الليالي … حتَّى توفَّتهُمُ المَنُونُ فَكُلُّ نَارٍ لَنَا قُلُوَبٌ … وَكُلُّ مَاءٍ لَنَا عُيونُ (١) وقوله: إنَّ الأميرَ هو الذي … يُضحي أميرًا يومَ عَزلِهِ إن زَالَ سُلطانُ الوَلا … ية لم يزلْ سلطانُ فَضْلِهِ وقوله: اقْضِ الحوائجَ ما استطعـ … ــــتَ وكنْ لهمِّ أَخِيكَ فَارِجَ فَلَخَيرُ أيامِ الفتى … يومٌ قضَى فيه الحوائجَ

стр. 8275

وقال وهو ينظر إلى قبور أهله: النفسُ تَرقَى بحزنٍ في تراقيها .. ودَمْعَةُ العين تجري فيها مآقيها لبقعةٌ ما رأتْ عيني كقِلّتِها … ولا ككثرةِ أحبابٍ ثَوَوْا فيها مؤلفاته: ومن الكتب المصنفة له - الإشارة في أخبار الشعراء - ورسالة في السياسة الملوكية، وكتاب مراسلاته لعبد اللَّه بن المعتز، وكتاب البراعة والفصاحة. وكانت حياته مليئة بالشعر والأدب والسياسة والفن، ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وكانت وفاته ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلثمائة ببغداد ودفن بمقابر قريش (١). علي (*) بن إبراهيم الخزاعي هو علي بن إبراهيم الخزاعي يكنى أبو الحسن، نشأ في بادية خزاعة بالحجاز وقدم العراق فصحب إسماعيل بن بلبل، فقدمه على سائر شعراء زمانه ومدح عبيد اللَّه بن سليمان وابنه القاسم ومحمد بن داود بن الجراح مديحًا كثيرًا. وتوفي في سنة ثلاث وثمانين وقيل: في سنة خمس وثمانين ومائتين، وهو القائل: لَجَّ الفُؤَادُ فَليسَ يَنْفَعَهُ … عَذلٌ وَلا النَكَباتُ تَرْدَعَهُ (٢) أَوْهَى مَعاقدَ صبرِه كلَفٌ … لَمْ يُوهه يومًا تَمَنَّعُهُ (٣) بمُمَنَّعٍ تمَّتْ مَحَاسنُهُ … يُخْفَى بِهَا بَدْرًا وَيُطلِعُهُ (٤)

стр. 8276

عمرو (*) بن المبارك الخزاعي كُوفي طَيِّبُ قال يصف الحالة التي وصل إليها: مَنْ لأُذْني بمَلامِ … وبِكفِّي بمُدَامِ (١) رَقَّ عَظمُ الجَهْلِ مِنِّي … وانْحَنَى مَتْنُ عُرامَي (٢) وَتَمَشَّ الفَذُّ من شَيْبِي … إلى الشَّيْبِ التُّوم (٣) نَظْمَكَ الدُّرُ إلى الدُّرَّ … ةِ في سِلْلِ النِّظَامِ (٤) ومن قوله: لَم يَنْتَظرْنَ فَتَسْتَبلَّ قُلوبُ … حَتَّى رَمَيْنَ فَرَشْقُهُنَّ مُصِيبُ (٥) نُجْلٌ يُتَبِّعْنَ السِّهامَ لأسْهُمِ … فَلَهُنَّ من بَعْدِ النُّدوبِ نُدَوبُ (٦) وله أيضًا: أمَا يُحْسِنُ من يُحسِنُ … أنْ يَغْضَبَ أنْ يَرْضَى أَمَا يَرْضَى بأنْ صِرْتُ … على الأَرْضِ له أرْضَى! (٧) عمرو بن جنادة (*) الخزاعي كان من شأن عمرو بن جنادة الخزاعي، هجاء الناس، وكان ذَرِبَ اللسان، وكان شبيهًا له شاعر من بني لَحْيَان بن هُذيل فاحش القول سليط اللسان يقال له

стр. 8277

عمرو بن هُميل، فذكر لعمرو بن جُنادة، فبينا هو بسوق مني لم يجد إلا رجلا قد أخذ بمنكبه ثم قال له: من أنت، قال: أنا رجل من بني لحيان من هذيل وأنا عمرو بن هُميل. قال الخزاعي: مرحبًا بك، وقد ذكرت لي، وقد أحببت أن أكسوك ردائي هذا لبُرْدٍ له مَطْوِيٌّ جديد. ولا يريد الخُزاعي إلا أن يهجوه، قال اللحياني: أحسنت جزاك اللَّه خيرًا، فقد كنت أريد أن أشتري رداءً، ثم أخذ البرد، فجعله على منكبيه ثم رجع به إلى منزل أهله، فلما رأوه قالوا له: ما هذا الثوب يا عمرو بن هُميل؟ قال: هذا ثوب كسانيه رجل صالح لقيته. قالوا: ما اسمه؟ قال: زعم أنه عمرو بن جُنادة قالوا: ففي الخيبة سقطت! فذلك أفحش الناس وأموته على الشيء! أي أحرصه، يستميت على الشيء. قال: فماذا تأمرونني أن أفعل؟ قالوا: أطو هذا الثوب عندك حتى يعلم أنك قد أبليته، ثم تسمع! فواللَّه لتسمعن منه أذى! ففعل، فبينما هو قاعدٌ لم يفجأه إلا رجل يتغنى بهجائه فخرج عمرو بن هُميل بالبرد حتى جاء به ساحة الدار التي فيها عمرو بن جُنادة، فربطه بين شجرتين وترك الريح تضرب به، فأصبحوا فرأوا الثوب فقالوا له: هذا الثوب الذي كسوت عمرو بن هميل، واللَّه ليقطعنا وإياك بالهجاء، ولا واللَّه ما علا جلده حين أخذه! فقال عمرو بن جُنادة: فَلا واللَّه لا أكْسُو غُلامًا … دَعَا لحْيان يَوْمًا ما حَييتُ وقَالُوا خَيْرنُا عَمْرٌو فَلمَّا … كَسَوْتُ الثَّوب خَيْرَهُمُ لُحيتُ (١) لَقَدْ أسْرَفْتُ حين كَسَوتُ ثَوبِي … مَزَابِدَ بالحجَاز لها كَتيتُ (٢) يَظلُّ رئيسُهُمْ بالسَّيْفِ صَلْتًا … إذا ما قيلَ قد ضَحِي الحَميتُ (٣) ولقد رد عمرو بن هُميل ردًّا مقذعًا عليه ومن قصيدة له يقول فيها: أَلَا مَنْ مبِلْغُ الكَعبيَّ عنِّي … رسُولًا أَصْلُهَا عِندِي ثَبيتُ (٤)

стр. 8278

فلا واللَّه أَلْبَسُ ثَوْبَ عَمْرٍو … وَلَوْ قَلَّ الثِّيَابُ وَلَوْ عَريتُ (١) تَعَلَّمْ أَنَّ شَرَّ فَتًى أُناسٍ … وَأَرْضَعهُ خُزاعيٌ كَتيتُ (٢) ويمنَعُكَ الوَلاءَ وأَنْتَ عَبْدٌ … وأُمْنَعُ حَيْثُ كُنْتُ إذا لُقِيتُ (٣) ويستطرد بالهجاء تارة وبالفخر تارة أخرى. . . عمرو (*) بن الحارث الخزاعي هو عمرو بن الحارث الخزاعي، شاعر جاهلي، يقول في ولاية خزاعة للبيت: وَنَحْنُ وَلينَا البَيْتَ من بَعْد جُرْهُم … لنَمْنَعَهُ من كُلِّ بَاغٍ وآثِمِ (٤) وَنَتْرُكَ ما يُهْدَى له لَا نَمَسُّه … نَخَافُ عِقَابَ اللَّهِ عِنْدَ المَحَارِمِ (٥)

стр. 8279

عمرو (*) بن سنة الخزاعي قال في عُبيد اللَّه بن زياد: عبيدُ اللَّه لا أخشاكَ إنِّي … أبى لِي مَنصبي وأَبَى بَيَانِي فمَا لكَ قد حَليتَ بذكر عَمْرو … كَمَا حَليَ اللِّسان بِهِذْرِيَانِ (١) ومن قوله: لا عِشْتُ إنْ لَمْ أَتَّخِذ بَواقِرَا … حُمْرَ الفُروعِ صُيَّبًا خنَاجِرَا (٢) عمرو (**) بن عبد مناة الخزاعي هو عمرو بن مناة الخزاعي، ويقال هو ابن عبد مناف. جاهلي، وذكر عنه بأنه أول عاشق في العرب، وهو القائل في ليلى بنت عيينة الخزاعية: أَرَى العَهْد مِنْ لَيْلَى حَديثًا وَنَائِيًا … هو النَّأيُ لا ينأى الحبيبُ لياليَا (٣) هو النأي لا أن تَشْحُطَ الدارَ مَرَّةً … ولكنَّ نأي الدهرُ أن لا تَلاقيَا (٤)

стр. 8280

وجاء في كتاب من اسمه عمرو (١) من الشعراء رواية ثانية تقول: أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة، عن أبي عبد الرحمن الغلابي عن علي بن صالح، عن ابن داب قال: كان أول عاشق في العرب، صدق في عشقه، عمرو بن عبد مناة، وكان مذكورًا بحسن الحديث وجودة الشعر، فرأى ليلى ابنة عُيينة الخُزاعية تجتازُ إلى بيت لها فعشقها، وهام حتى كان النوم قد امتنع عليه إلا بحيث يرى بيوت أهلها وفي ذلك يقول: أُوَسَّدُ أَحْجَارًا وَدَقْعاءَ نَائِمًا … مَبِيتَ عَسيف الحيِّ غيرِ المُكَرَّمِ أرَى بَيْتَ لَيْلَى حينَ أُغْلِقَ بَابُهُ … أَلَذَّ وأَشهَى من مِهَادٍ مُقَرَّمِ وليلى كانت متزوجة، مما دفع زوجها الذي كان يحبها ويغار عليها إلا أن يقتل عمرًا الخزاعي، وبذلك أنهى الحب حياة الشاعر. عمرو (*) المتنكب الخزاعي هو عمرو بن جابر بن كعب من بني عدي بن عمرو. شاعر قديم، لقب بالمتنكب لقوله: تنكبْتُ للْحَربِ العَضوضِ التي أَرَى … ألا مَنْ يُحارَب قَومهُ يَتنكَّبِ (٢) هذا في رواية ابن دريد وأبي العباس الأحول. وقال الهيثم بن عدي ولقيط: سُميّ بذلك لقوله: فإن يَخْرجُوا في الحَربِ أَفْرَحْ بِخَرْجهمْ … وإن يَنكبُوا يومًا من الدهرِ أَنكُبِ (٣) وذكر محمد بن الهيثم عن أبيه أنه سمي المتنكب لقوله: فَإنْ يَخْرُجُوا في القومِ أَفْرَحْ بِخَرْجِهِم … وأن يَنْكُثُوا يَوْمًا من الدَّهْرِ أَنكُثِ (٤)

стр. 8281

عمير (*) بن الجعد الخزاعي خرج عُمَير بن الجَعْد بن القَهْد الخزاعي من ذي غُلائل، بمائة من كعب بن عمرو حتى صبحوا بني لحيان بالحُشاش، يوم حُشاش، فوجدوا الناس غَيْر مُفترقين، وعُمير صاحب الرَّاية، فاقتتلوا، فقتلتهم بنو لحيان، ولم ينج منهم أحد إلا عمير، وعمير صاحب الراية، تلفَّت حين رأى أصحابه قد قُتلوا ثم قال: من ذو حاجة في أهل غلائل؟ ثم رمى بالراية وأعجز، فقال في ذلك عمير بن الجعد حين أعجز: صَدَفَتْ أُمَيمَةُ لاتَ حينَ صُدُوفِ … عَنِّي وآذَنَ صُحْبَتي بخُفُوفِ (١) أأَمَيْمَ هَلْ تَدْرينَ أَنْ رُبَّ صَاحبٍ … فَارَقتُ يَوْمَ حُشَاشِ غَيْرِ ضَعيفِ يَسَرٍ إذَا كَانَ الشِّتَاءُ وَمُطَعِم … للَّحْمِ غَيرِ كُبُتَّة عُلْفُوفَ (٢) يُرْوي النَّدِيمَ إذَا تَنَاشَى صَحْبُه … أُمُّ الصَّبيِّ وَثَوْبُهُ مخْلُوفُ (٣) لَمَّا رَأَيْتُهُمُ كَأنَّ نِبَالَهُمْ … بالجزْعِ منْ نَقَرَى نِجَاءُ خَرِيفٍ (٤) وَعَرَفْتُ أَنْ مَنْ يَثْقفُوهُ يَترُكُوا … للضَّبْعِ أَوْ يَصْطَفْ بشَرِّ مَصيفٍ أَيْقَنْتُ أَنْ لا شَيْءَ يُنْجى منْهُمُ … إِلَّا تَفَاوُتُ جَمِّ كُلِّ وَظيفِ (٥) رَفَّعْتُ رِجْلا لا أخَافُ عِثَارَهَا … ونَجَوْتُ مِنْ كَثَبٍ نَجَاءَ خَذُوفِ (٦)

стр. 8282

وإذَا أَرَى شَخْصًا أَمَامي خِلْتُهُ … رَجُلًا فَحُلْتُ كَميلَة الخُذْرُوفِ (١) عُمير (*) بن الصماء الخزاعي وعمير هو من الذين نسب إلى أمه والصماء أمه، وهو عمير بن عياض أحد بني مشنوء بن عبد حَبْتَر بن عدي بن سلول، وهو القائل في حرب كانت بينهم وبين كنانة في الجاهلية: ألا تُعَاجلْني المنيَّة أَستقَدْ … مقادَ جيادي من عُميرٍ وَمَعْبَدِ ولو أدْرَكَتْ خيلي عُميرًا ومعبدًا … ونُعمان ما آبوا بنافِلةٍ بَعْدي لكانوا بأطرافِ القنا أو تنازعوا … إلى الحيِّ أعناقَ المطيِّ المَعضَّدِ (٢) وقال أيضًا: فلما أن تفرَّق آلُ ليلى … جَرَت بيني وبينهم الظباءُ جَرتْ سُنُحًا فَقلتُ لها أَجِبري … نوًى مَشمُولةً فمتَى اللقاءُ (٣) عوف بن محلم (**) الخزاعي "أبو المنهال " قال عنه ياقوت في معجمه: أحد العلماء الأدباء، والرواة الفهماء، والندامى الظرفاء والشعراء الفصحاء، كان صاحب أخبار ونوادر، وله معرفة بأيام الناس،

стр. 8283

اختصه طاهر بن الحسين بن مصعب لمنادمته، واختاره لمسامرته، وكان لا يخرج في سفر إلا أخرجه معه، وجعله زميله وأنيسه وعديله، لحبه إياه وإعجابه بشخصه وكان طاهر من قادة الدولة العباسية في زمن الخليفة المأمون وكذلك ابنه عبد اللَّه ابن طاهر. وأصله من حران، فبقي مع طاهر ثلاثين سنة لا يفارقه، وكان يستأذنه في الانصراف إلى أهله ووطنه فلا يأذن له ولا يسمح به، ولا يجيبه إلى ذلك، وجمع من الأموال حتى أصبح من أهل الثروة والغنى، فلما مات طاهر، ظن عوف أنه قد تخلص وأنه سيرجع إلى وطنه، ولكنه عبد اللَّه بن طاهر، قربه من نفسه وأنزله منزلته من أبيه، وكان عبد اللَّه أديبًا فاضلًا عالمًا بأخبار الناس، فلما وقف عبد اللَّه على أدب عوف وفضله تمسك به وأفضل عليه كثير ما له وحسن حاله، وتلطف بجهده أن يأذن له عبد اللَّه في العود إلى وطنه فلم يكن إلى ذلك سبيل، وحفزه الشوق إلى أهله، فاتفق أن خرج عبد اللَّه من بغداد يريد خُراسان، فصير عوفًا عديله يستمتع بمسامرته ويرتاح إلى محادثته إلى أن دنا من الري، فلما شارفها سمع صوت عندليب يغرد بأحسن تغريد وأشجى صوت، فأعجب عبد اللَّه بصوته والتفت إلى عوف بن محلم فقال له: يا ابن محلم هل سمعت قط أشجى من هذا الصوت وأطرب منه؟ فقال: لا واللَّه أيها الأمير وإنه لحسن الصوت شجيُّ النغمة مطرب التغريد فقال عبد اللَّه: قاتل اللَّه أبا كبير حيث يقول: ألا يا حمامَ الأيك إلفُكَ حاضرٌ … وَغُصنُكَ مَيَّادٌ فَفِيمَ تَنوحُ أَفِق لا تَنُحْ من غيرِ شيءٍ فإنَّني … بَكيتُ زَمَانًا والفؤادُ صَحِيحُ فقال عوف: أحسن واللَّه أبو كبير وأجاد، ثم قال: أصلح اللَّه الأمير، إنه كان في الهذليين مائة وثلاثون شاعرًا ما فيهم إلا مفلق، وما كان فيهم مثل أبي كبير، فإنه يبدع في شعره، ويفهم آخر قوله أوله، وما شيء أبلغ في الشعر من الإبداع فيه.

стр. 8284

قال عبد اللَّه بن طاهر: أقسمت عليك إلا أجزت شعر أبي كبير. قال عوف: أصلح اللَّه الأمير قد كبر سني وفني ذهني وأنكرت كل ما كنت أعرفه. قال عبد اللَّه: سألتك بحق طاهر إلا فعلت، وكان لا يسأل بحق طاهر شيئًا إلا ابتدر إليه لما كان يوجبه له. وكانت قريحة عوف الشعرية فياضة تدفقت بما تجيش به نفسه واختلج به صدره وتحركت عواطفه، ورمضت لواعج شوقه فبادر الأمير بقوله: أفي كلِّ عام غُربةٌ وَنُزوحُ … أمَا للنَّوَى مِنْ وَنْيَةٍ فَتُريحُ (١) لَقَدْ طَلَّحَ البَين المُشِتُّ رَكائبي … فَهَلْ أَرَيَنَّ البَيْنَ وهو طَليحُ (٢) وأرَّقَني بالرّيِّ نَوحُ حَمامة … فَنُحتُ وَذو البَثِّ الغَريب يَنُوحُ (٣) على أنَّها نَاحَتْ ولَمْ تُذْر دَمعة … وَنُحتُ وأَسرابُ الدمُوعِ سُفُوحُ (٤) وَنَاحتْ وفَرخاها بحيثُ تَراهُما … ومَنْ دون أَفراخي مَهامِهُ فيحُ أَلا يا حمام الأيْك إلفُكَ حَاضرٌ … وَغُصنَكَ مَيَّادٌ فَفِيمَ تَنوحُ عَسَى جُودُ عبد اللَّه أَنْ يَعكسَ النَّوى … فَتُلْقَى عَصَا التَّطوافِ وَهِي طَريحُ (٥) فإنَّ الغِنَى يُدْنَي الفَتَى مِنْ صَديقِهِ … وَعُدْمُ الغِنَى بالمُقتِرينَ طَرُوحُ (٦) فاستعبر عبد اللَّه ورق له وجرت دموعه وقال له: واللَّه إني لضنين بمفارقتك شحيح على الفائت من محاضرتك، ولكن واللَّه لا أعملت معي خُفًّا ولا حافرًا إلا راجعًا إلى أهلك ثم أمر له بثلاثين ألف درهم.

стр. 8285

فقال عوف يمدح عبد اللَّه وأباه: يا ابْنَ الَّذي دَانَ لَهُ المشْرقَانِ … وأُلْبسَ الأمْنَ بهِ المغْربَانْ (١) إنَّ الثَّمأنِينَ وبُلِّغْتُهَا … قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تُرْجُمَانْ وأبدلتني بالشَّطَاط أنحْنا … وكُنْتُ كالصَّعْدَةِ تحت السِّنَانْ (٢) وَعَوَّضتني من زمَاعِ الفَتَى … وَهِمّتي هَمَّ الهجان الهدَانْ (٣) وقَارَبَتْ منِّي خُطًى لَمْ تَكُنْ … مُقَاربَاتٍ وثَنَتْ مِنْ عنَانْ (٤) وأَنْشأَتْ بَيني وَبَيْنَ الوَرَى … عَنَانَةً مِنْ غَيْرِ نَسْجِ العَنَانْ (٥) ولَم تَدَعْ فِيَّ لُمسْتَمْتعٍ … إلا لِسَانِي وبَحَسْبي لِسَانْ أَدْعُو بِهِ اللَّهَ وأُثْني بِهِ … عَلَى الأَمِيرِ المُصْعَبيِّ الهَجَانْ (٦) وَهِمْتُ بالأوطَانَ وَجْدًا بها … وبالغَوانِي أَيْنَ منِّي الغَوَانْ (٧) فَقَرِّبانِي بأَبي أَنْتُما … منْ وطَني قَبْل اصْفرَار البَنَانْ (٨) وقَبْلَ مَنْعَاي إلى نِسْوة … أَوْطانُها حَرَّانُ والرَّقَّتَانْ (٩) سَقَى قَصُورَ الشاذياخِ الحَيَا … منْ بَعْدِ عَهْدِي وقُصُور الميَانْ (١٠) فَكَمْ وكَمْ مِنْ دَعْوَةٍ لِي بِها … أَنْ تَتَخَطَّاها صُرُوفُ الزَّمَانْ (١١)

стр. 8286

بعد هذه القصيدة الشعرية التي لامست مشاعر عبد اللَّه، أطلق سراح شاعره الذي كانت أشعاره تخبر الأمير بأن عوف بن محلم يدنو من أجله، قرباني من وطني قبل اصفرار البنان، ولكن الموت عاجله في طريق عودته وقبل أن يصل إلى وطنه وأهله. وعلم الأمير بالخبر فاشتد ذلك عليه وجزع له. وكان عوف بن محلم سخيًّا على الطعام جدًّا، صاحب لهو وشراب وخلاعة، وكان له إخوان يتمتع بهم ومعهم، ويعاشرهم ويفضل عليهم، وكان الشعراء الأصاغر يقصدونه ويمدحونه، فيعطيهم ويصلهم، ويتوسلون به إلى طاهر فيشفع لهم ويخرج جوائزهم (١). كانت وفاته على وجه التقريب كما ذكر صاحب الأعلام ٢٢٠ هـ/ ٨٣٥ م (٢). فاطمة (*) بنت الأحجم الخزاعة هي فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، كان أبوها أحد سادات العرب في الجاهلية وهو زوج خالدة بنت هاشم بن عبد المطلب، وفاطمة هذه تعد في الصحابة قالت شعرًا تمثلته فاطمة الزهراء، أو عائشة أم المؤمنين ﵄ يوم وفاة الرسول ﷺ : يا عَين بَكِّي عِنْدَ كُلّ صَباحِ … جُودي بأرْبَعةٍ عَلَى الجَرَّاحِ (٣) قدْ كُنْتَ لِي جَبَلا ألُوذُ بظِلِّهِ … فَتَركْتَني أضْحَى بِأجْرَدَ ضَاحِ (٤)

стр. 8287

قَدْ كُنْتُ ذَاتَ حميةٍ ما عِشْتَ لي … أمْشي البَرازَ وكُنْتَ أنْتَ جَناحِي (١) فاليَوْمَ أخْضَعُ للذَّلِيلَ وأتَّقي … منهُ وأدْفَعٌ ظالمي بالرَّاحِ (٢) وأغُضُّ من بَصَري وأَعْلَمُ أنَّهُ … قَدْ بَانَ حَدِ فَوارِسي ورِمَاحِي (٣) وَإِذَا دَعَتْ قُمْريَّةٌ شَجَنًا لَهَا … يومًا عَلَى فَنَنٍ دَعَوتُ صَبَاحِي (٤) وقالت فاطمة أيضًا: إخَوتَي لا تَبعدُوا أَبَدًا … وَبَلَى واللَّهِ قَدْ بَعدُوا (٥) لَوْ تَمَلَّتهُمْ عَشِيرَتُهُمْ … لاقْتِنَاءَ العزِّ أَوْ وَلَدُوا (٦) هانَ منْ بَعْضِ الرَّزيَّةِ أَوْ … هانَ مِنْ بَعْضِ الَّذي أجِدُ (٧) كُلُّ مَا حَيٍّ وَإِنْ أمِرُوا … وارِدُوا الحوضِ الَّذِي ورَدُوا (٨)

стр. 8288

الفضلُ (*) بن العباس الخزاعي هو الفضل بن العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث الخزاعي الكوفي. له أشعارٌ كثيرة، وذكر أنه ولي بَلْخَ وطُخارستانَ من كُور خُراسان فغزا كابُلَ، وكان له بها أثر حسن، فقال في ذلك: إنَّا على الثَّغْرِ نَحميه وَنَمْنَعُه … بنُصْرَةِ اللَّه، والمنصورُ مَنْ نَصَرَا كم وقعة بحمَى إسْكينَ مُشْعَلَة … وبالمنوحار أُخْرَى تَقْدَحُ الشَّرَرَا (١) يا أَهْلَ كَابل هَلا عَاذَ عَائذُكُم … بالبُدِّ يَمْنعُ مِنَّا من به انْتَصَرَا لو كانَ يَدْفَعُ ضَيْمًا عَنكُمْ لَدَرَا … عَنْه القسيَّ التي غَادَرْنَه كَسَرا تَصِبُنا نقْمَةٌ للَّه بالغةٌ … رضْوَانَّه فاصْبرُوا لا تَهْلَعُوا ضَجَرَا بِاللَّهِ يَطْلُب ثَأرَ الدِّين طالبُنَا … وبالرَّسُولِ وبالفُرْقَان إذ نُشِرا لا نَمْنَعُ الوَارِدِينَ الوِرْدَ مَا نَهَلُوا … إلى اللِّقَاءِ ولكن نَمْنَعُ الصَّدَرَا (٢) والعباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث الخزاعي صاحب الإيغار (٣) الذي يسقي الفرات من عمل كُوثي والفلُّوجة، أجراه الرشيد كما أجرى المنصور بقطين بن موسى وقاطعه عنه، فصار عملا مفردًا، وكان قد قلده خُراسان، وصير محمد الأمين في حجره، واستخلفه بمدينة السلام في وقت خروجه عنها. وكان الرشيد لا يقيم بمدينة السلام من السنة إلا شهرًا أو شهرين، ومنزل جعفر بن محمد بن الأشعث بالباب المحوَّل من الجانب الغربي بإزاء الميل. ولقد نال الفضل ثقة المأمون، فولاه جرجان وطوس وعراق المعجم، ولقد تأدب الفضل في مدرسة دعبل الخزاعي لصلته الجيدة بوالده العباس، وقد ساءت العلاقة بين دعبل والفضل حينًا فذكره دعبل بفضله عليه وتهدده وأوشك أن يهجوه. واعتبر ابن النديم في الفهرست (٢٣٦) أن الفضل من الشعراء المقلين، وقال: إن له رسائل مروية كثيرة. الفهرست (١٧٦).

стр. 8289

قيس ابن الحُدادية (*) الخزاعي هو قيس بن مُنقذ بن عمرو بن عبيد بن ضاطر بن صالح بن حبيشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة وهو خزاعة. والحُدادية أمه وهي امرأة من مُحارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مُضَر من قبيلة منهم يقال لهم: بنو حداد. شاعر من شعراء الجاهلية، وكان فاتكًا شجاعًا صُعلوكًا خليعًا، خلعته خزاعة بسوق عكاظ، وأشهدت على نفسها بخلعها إياه، فلا تحتمل جريرة له، ولا تطالب بجريرة يجرها أحدٌ عليه. أغار على بني قمير وقتل ابن عش: جمع قيسٌ شُذَّاذًا (١) من العرب وفُتَّاكًا من قومه، وأغار عليهم بهم، وقتل منهم رجلًا يقال له ابن عُش، واستاق أموالهم، فلحقه رجل من قومه، كان سيدًا وكان ضلعه (٢) من قيس فيما جرى عليه من الخلع، يقال له ابن محرّق، فأقسم عليه أن يرد ما استاقه، فقال: أما ما كان لي ولقومي فقد أبورت قسمك فيه وأما ما اعتورته (٣) أيدي هذه الصعاليك فلا حيلة لي فيه، فرد سهمه وسهم عشيرته وقال في ذلك: فَأقْسِمُ لَولا أسهم ابن مُحرِّقٍ … مع اللَّه ما أكْثَرتُ عَدَّ الأقَارِبِ (٤) تَرَكْتُ ابن عُشٍ يَرْفَعُونَ برَأْسِه … يَنُوءُ بساقٍ كعبها غير رَاتِبِ (٥) وأنْهَاهُمُ خَلْعي على غَرِ ميرةٍ … مِنَ اللَّحْمِ حتى غُيِّبوا في الغَوَائِبِ (٦)

стр. 8290

ثم أغارت هوازن وأصابت، رعاء لبني ضاطر بن حبيشية من خزاعة، فقتلوا منهم رجلًا وسبوا منهم سبيًا كثيرًا واستاقوا أموالهم وقد قال مالك بن عوف النصري في ذلك: تَلقَّطنَ ضَبطاري خُزاعة بعدما … أَبَرْنَ بصَحْراءِ الغَميمِ الملوَّحا (١) قَتَلْنَاهُمُ حَتَّى تَرَكْنَا شريدهم … نِساءً وأيتامًا ورَجُلًا مُسدَّحا (٢) ثم أغار قيس على هوازن وقتل أبا زيد وعروة: فلما صنعت هوازن ببني ضاطر ما صنعت جمع قيس بن الحُدادية قومه، فأغار على جُموع هوازن، فأصاب سبيًا ومالا، وقتل يومئذ من بني قشير: أبا زيد وعروة وعامرًا ومُروحًا، وأصاب أبياتًا من كلاب خُلوفًا (٣)، واستاق أموالهم وسبيًا ثم انصرف وهو يقول: نحنُ جَلبنَا الخَيلَ قُبّا بُطُونها … تَرَاهَا إلى الدَّاعي المُثوِّب جُنَّحا (٤) بكلِّ خُزَاعيٍّ إذا الحرب شمَّرتْ … تَسَرْبَلَ فيها بُرْدُهُ وَتَوشَّحَا قَرَعْنَا قُشيرًا في المحَلِّ عشيَّةً … فَلَمْ يَجدُوا في واسِعِ الأرْضِ مَسْرَحا قَتَلْنَا أَبَا زَيد وزَيدًا وعَامرًا … وَعروةَ أقْصَدنَا بهَا ومروَّحا (٥) وأُبنا بإبلِ القوم تحدى، ونسوةٍ … يبكّينَ شلوًا أو أسيرًا مُجَرَّحا (٦) غَداةَ سَقينا أرضهم مِنْ دِمَائِهم … وأُبْنَا بأُدَمٍ كُنَّ بالأَمْسِ وضَّحا (٧)

стр. 8291

وَرُعْنَا كِلابًا قَبلَ ذَاكَ بغَارَةٍ … فَسُقْنَا جلادًا في المُبَاركِ قُرَّحَا (١) لَقَدْ عَلَمَت أفْنَاءُ بكر بن عَامرٍ … بأنَّا نَذُودُ الكاشِحَ المُتَزَحزِحَا (٢) وأنَّا بِلا مهرٍ سوَى البيضِ والقَنَا … نُصيبُ بأفْنَاءِ القبائل مَنْكَحَا قيس بن عيلان وخزاعة: هذا، وقد زعموا أن قيس بن عيلان رغبت في البيت، وخزاعة يومئذ تليه، وطمعوا أن ينزعوه منهم، فساروا ومعهم قبائل من العرب ورأسوا عليهم عامر بن الظرَّب العدواني، فساروا إلى مكة في جمع لُهام (٣) فخرجت إليهم خزاعة فاقتتلوا، فهزمت قيس، ونجا عامرٌ على فرس له جواد (٤)، فقال قيس بن الحُدادية في ذلك: لَقَدْ سُمتَ نَفْسِكَ يا بنَ الظَّرِبْ … وَجَشَّمتهمِ مَنزِلًا قَدْ صَعُبْ (٥) وَحَمَّلتَهُم مَركَبًا بَاهِظًا … منَ العبء إذ سُقْتَهم للشَّغبْ (٦) بِحَربِ خُزَاعَةَ أهلِ العُلا … وَأهلِ الثَّنَاء وأهلِ الحَسَبْ هم المانعو البيت والذائدون … عن الحرمات جميعِ العَرَبْ نَفَوا جُرهُمًا ونَفَوا بَعْدهم … كَنَانَة غصبًا ببيضِ القُضَبْ وَسُمر الرماح وَجُرد الجيادِ … عليها فوارسِ صدقٍ نُجَبْ وهم ألحقُوا أسَدًا عَنوةً … بأحياء طيءٍ وَحَازوا السلَبْ (٧) خُزاعةُ قومي فإن أَفْتَخرْ … بِهِمْ يَزُكُ مُعْتَصَري وَالنَسَبْ (٨)

стр. 8292

هُمُ الرَأسُ والنَّاسُ مِنْ بَعْدهمْ … ذُنَابي، وَمَا الرَأسُ مثلَ الذَنَبْ (١) يُواسَى لدَى المَحْلُ مَولاهَمِ … وَتُكْشَفُ عَنْهُ غمُومُ الكَرَبْ (٢) فجَارهمُ آمنٌ دَهْرَهُ … بهم أن يُضَامَ وأن يغْتَصَبْ يُلبُّونَ في الحَربِ خَوفَ الهِجَاء … ويَبَرُونَ أَعْدَاءَهم بالْحَربْ وَلَوْ لَمْ يَنجّكَ مِنْ كَيَدِهِمْ … أمينُ الفصوصِ شديدُ العَصَبْ (٣) لَزُرْتَ المنَايَا فَلَا تَكْفَرَن … جَوادكَ نُعمَاهُ يا بنَ الظَّرَبْ فإِنْ يَلْتَقُوكَ يَزُرْكَ الحِمام … أَو تَنْجُ ثَانيةً بالهَرَبْ (٤) قال أبو الفرج: هذه القصيدة مصنوعة والشعر بَيِّن التوليد. ثم أعادت هوازن الكرة وأغارت على خزاعة وهم بالمحصَّب من مِنى، فأوقعوا ببطن منهم يقال لهم بنو العنقاء، وبقوم من بني ضاطر، فقتلوا منهم عبدًا، وعوفًا، وأقرم، وغبشان فقال ابن الأحب العدواني يفخر بذلك: غَداة التَقَينَا بالمحصَّبِ مِنْ مِنًى … فَلاقَت بَنُو العنقاء إحدى العَظَائِمِ (٥) تَرَكْنَا بها عَوفًا وَعَبْدًا وأقرمًا … وغبشان سُؤرًا للنُّسورِ القَشَاعِمِ (٦) فأجابه قيس بن الحدادية فقال يعيره أن فخر بيوم ليس لقومه: فَخَرْتَ بيَومٍ لَمْ يَكُنْ لكَ فَخْرُهُ … أحَادِيثَ طَسمٍ إنَّما أَنْت حَالمُ (٧) تُفَاخرُ قَومًا أطْرَدَتْكَ رِمَاحُهُم … أكعب بن عمرو: هل يُجَابُ البَهَائِمُ (٨) فَلَو شَهِدَت أمُ الصبيَّيَنَ حَمْلَنَا .. وَرَكْضهم لأبْيَضَّ منهَا المقَادِمُ غداة تَولَّيتُمْ وَأَدْبَرَ جَمْعُكُمْ … وأُبْنَا بأَسْرَاكُمْ كأنَّا ضَرَاغِمُ (٩)

стр. 8293

وقد كان ابن الحدادية أصاب دمًا في قوم من خُزاعة هو وناس من أهل بيته، فهربوا فنزلوا في فراس بن غنم، ثم لم يلبثوا أن أصابوا أيضًا منهم رجلًا، فهربوا ونزلوا في بجيلة على أسد بن كرز، فآواهم وأحسن إلى قيس وتحمل عنهم ما أصابوا في خزاعة وفي فراس، فقال قيس بن الحدادية يمدح أسد بن كرز: لا تَعْذِليني سَلْمَى اليوِمَ وانتظري … أن يجمعَ اللَّهُ شَملًا طَالَمَا افْتَرَقَا إنْ شَتَّتَ الدَّهْرُ شَمْلًا بَينَ جيرتكم … فَطَالَ في نعْمَةٍ يَا سَلمُ مَا اتَفَقَا وَقَدْ حَلَلْنَا بِقَسْريٍّ أخي ثقَةٍ … كالْبَدرَ يَجْلو دُجَى الظلماء والأفُقَا لا يَجْبُرُ النَّاسُ شيئًا هَاضَهُ أَسَدٌ … يَومًا لَا يَرتَقُونَ الدَهْرَ مَا فَتَقَا (١) كَمْ مِن ثَنَاءٍ عَظِيمٍ قَدْ تَدَارَكَهُ … وَقَدْ تَفَاقَمَ فيهِ الأَمْرُ وانْخَرَقَا قال صاحب الأغاني: هذه الأبيات من رواية أصحابنا الكوفيين، وغيرهم أنها مصنوعة، صنعها حمَّاد الراوية لخالد القسري (٢) في أيام ولايته، وأنشده إياه فوصله، والتوليد بيّن فيها جدًّا. غزا الضريس القشيري بني ضاطر في جماعة من قومه، فثبتوا له وقاتلوه حتى هزموه، وانصرف ولم يفز بشيء من أموالهم، فقال قيس بن الحدادية في ذلك: فدًى لبني قيسٍ وَأفْنَاءَ مَالكٍ … لدَى الشّمعِ مِن رِجْلي إلى الفَرقِ صَاعِدَا (٣) غَداة أتَى قومُ الضَّريس كَأنَّهُمْ … قَطَا الكُدر من ودَّانَ أَصْبَحَ وَارِدَا (٤) فَلَمْ أرَ جَمْعًا كانَ أَكرمَ غَاليًا … وأَحْمَى غُلامًا يَومَ ذَلكَ أطردَا (٥) رَمَينَاهُمُ بالحوّ والكُمتِ والقَنَا … وَبيضٍ خِفَافٍ يَخْتَلِينَ السَوَاعِدَا (٦)

стр. 8294

مديح قيس لبني عدي بن عمرو من خزاعة: لما خلعت خزاعة قيسًا، تحول عن قومه، ونزل عند بطن من خزاعة، يقال لهم بنو عدي بن عمرو بن خالد، فآووه وأحسنوا إليه وقال يمدحهم: جَزَى اللَّهُ خَيرًا عنِ خَليعٍ مُطَّردٍ … رِجالًا حَموهُ آلُ عمرو بن خَالد فَلَيسَ كَمِنْ يَغزو الصَديق بنَوكه .. وهَمته في الغَزْوِ كَسب المَزَاوِدِ (١) عليكُمْ بِعَرصات الديار فإنني … سواكُمُ عَديدٌ حينَ تُبلى مَشَاهِدي (٢) ألاوَذتمُ حَتَّى إذا مَا أَمِنْتُمُ … تَعَاورتُمُ سَجْعًا كَسَجْع الهَداهِدِ (٣) تجنَّى عليَّ المَازِنَانِ كِلاهُمَا … فَلا أَنَا بالمغضي وَلا بالمُسَاعَدِ (٤) وَقَدْ حَدَبتْ عمرو عَلَيَّ بِعزِّهَا … وأبْنَائها من كَلِّ أرْوَعَ مَاجِدِ (٥) مَصَاليتُ يومِ الرَّوع كسبهمُ العُلا … عِظامُ مقيلَ الهام شعرُ السواعدِ (٦) أولئكَ إخوانِي وجُلُّ عَشِيرَتِي … وَثروتهم والنصر غير المحارِدِ (٧) خزاعة واليمامة: أغارت خزاعة على اليمامة (٨)، فلم يظفروا منها بشيء فهزموا وأسر منهم أسرى فلما كان أوان الحج، أخرجوهم من أسرهم إلى مكة في الأشهر الحرم

стр. 8295

ليبتاعهم قومهم، فغدوا جميعًا إلى الخلصاء (١)، وفيهم قيس بن الحدادية، فأخرجوهم وجعلوهم في حظيرة ليحرقوهم، فمر بهم عدي بن نوفل فاستجاروا به فابتاعهم وأعتقهم، فقال قيس يمدحه: دَعَوتُ عَديًا والكبولُ تَكبُّنِي … ألا عَديُّ يَا عَديُّ بنُ نَوفَلِ (٢) دَعَوتُ عَديًّا والمنَايَا شَوَارِعٌ … ألا يَا عَديُّ الأسيرُ المُكَبَّلِ (٣) فَمَا البحرُ يَجرى فى السَّفينِ إذَا غَدَا … بأجودَ سيبًا مِنْهُ في كُلِّ مَحْفَلِ (٤) تَدارِكَت أَصْحُابَ الحظيَرةَ بَعْدَمَا … أصَابَهُم مِنَّا حَريقُ المُحَلَّلِ (٥) وَأَتْبَعْتَ بينَ المشعَرَينِ سَقَايَةً … لحجَّاجِ بيتِ اللَّهِ أكَرَمَ مَنْهَلِ (٦) شوق وحنين: قال قيس بن الحُدادية: بانَتْ سُعادُ وأَمْسَى القَلبُ مُشتاقا … وَأقْلَقَتهَا نَوَى الإزْمَاعِ، إقْلاقَا وَهَاجَ بالبَين، منها، مهْجَسٌ فَجِعٌ … قَدْ كَانَ، قدْمًا، بفَجْعِ البَينِ نَعَّاقَا أضْحَتْ مَنَازِلُهَا، بالْقَاعِ، دارِسةً … إِلَّا نُئيّا، كَوَشْمِ الجَفْنِ، أخْلاقَا (٧) أَدْنَى الإماءُ جَمالاتٍ قُراسيةً … كَوُمَ الذُّرَى، مُوَّر الأعضاد، أَفْنَاقَا (٨) أنَّى أُتِيحَ، لَهَا، حِرْبَاءُ تَنْضُبَةٍ … لا يُرْسِلُ السَّاقَ، إِلَّا مُمْسِكًا سَاقَا (٩)

стр. 8296

ويقول في امرأة اسمها قسيمة: قَضَيتَ القَضَاءَ، مِن قَسِيمَةِ فَاذْهَبِ … وَجانَبْتَها، يا لَيْتَ أَنْ لَم تَجَنَّبِ (١) وَأَعْقَبتَها هَجْرًا، وَشَفَّكَ دُونَها … مَناطِقُ رَهْطٍ، في قَسيمَةِ، خُيَّبِ (٢) إِذا استَحْلَفونِي، في قَسيمَةَ، أجْنَحَتْ … يَدايَ، إِلى جَوفِ الرِّتاجِ، المُضَبَّبِ (٣) يَمينًا، بِرَبِّ الرَّاقِصاتِ، عَشِيَّةً … وَإِلا فَأَنْصابٍ، يَمُرْنَ، بِغَبغَبِ (٤) فَوَيلٌ، بِها، لِمَنْ تَكونُ ضَجِيعَهُ … إِذا ما الثُّرَيّا، ذَبْذَبَت كُلَّ كَوكَبِ إِذا اشتَدَّ إِرهامُ النَّدى فَهوَ سَاقِطٌ … خَضولٌ كَظَهرِ البُرجُدِ، المُتَصَبِّبِ (٥) مُبَتَّلَةٌ، بَيضاءُ، تُؤتيكَ شِيمَةً … عَلَى حَصَرٍ، في صَدْرِهَا، وَتَهَيُّبِ (٦) وقال أيضًا: هَلْ يُبلِغَنَّ الجارَتَينِ، تَحِيَّةً … ذَوا سَفَرٍ، قَد أَجْمَعاهُ، كِلاهُما؟ عَلى حُرَّتَينِ، استَعْلَيا كُلَّ قَفرَةٍ … سَديسَينِ، قَد تَنْفي الرِّجالَ ذُراهُما (٧) كأَنَّ القُطُوعَ والأَشِلَّةَ عُلَّقَتْ … على آبِدَينِ، لاحقٍ إِطلاهُما (٨) يَكادانِ بَعدَ الأَينِ، وَالشَّأوِ مِنهُمَا … تَفُضُّ، قُوى نِسعَيهِمَا، زَفْرتاهُما (٩) يَبُوسانِ، لَمْ تَطمِثْهُما كَفُّ حالِبٍ … عَلى السَّوطِ، وَالأَنسَاعِ، كانَ مِراهُما (١٠) كَأَنَّ عَمودَي قامَتَين تَدانَتا … بِمَنزِلَةٍ، أُهوِيَّةٍ، عُنُقاهُما (١١)

стр. 8297

كَأَنَّ مُبيتًا مِن ثَمانٍ مِنَ القَطا … مُناخُهُما، يَنفي الحَصا كَلْكَلاهُما هُما جارَتايَ، لا تَعودانِ هَالِكًا … عَلى سَفَرٍ، فَكُلُّ حَيٍّ يَطاهُما (١) هُما نَعْجَتانِ، مِن نِعاجِ قَصيمَةٍ … إِذا مارَتا يَأتيهِما جُؤذَراهُما (٢) هُما ظَبْيَتانِ مِن ظِباءِ تَبالَةٍ … يُساقِطُ مَردًا، يانِعًا، مِدْرَياهُما (٣) إِذا هَزَّتا قَرنَيهِما، مِن ذُبابَةٍ … يُصيبُ الغُصونَ، الدَّنِيَاتِ، نَساهُما (٤) وقال أيضًا: إِنَّ الفُؤادَ قَد أَمسى هائِمًا، كَلِفًا … قَد شَفَّهُ ذِكرُ سَلمى، اليَومَ، فَانْتَكَسَا عَناهُ ما قَد عَناهُ، مِن تَذَكُّرِها … بَعدَ السُلُوِّ، فَأَمسى القَلْبُ مُخْتَلَسَا وَبَعْدَ ما لاحَ شَيبٌ، في مَفارِقِهِ … وَبانَ عَنهُ الصِّبَا، وَالجَهْلُ فَانمَلَسَا (٥) تَذَكَّرَ الوَصْلَ، مِنها، بَعدَما شَحَطَت … بِها الدِيارُ فَأَمس القَلْبُ مُلْتَبَسا (٦) فَعَدِّ عَنكَ هُمُومَ النَّفسِ إِذ طَرَقَتْ … وَاشدُدْ، بِرَحلِكَ، مِذعانَ السُّرَى سُدُسًا (٧) عَيرانَةً، عَنْتَريسًا، ذاتُ مُعْجَمَةٍ … إِذا الضَّعيفُ وَنى، في السَّيرِ، أَو رَجَسَا (٨) تَجْتابُ كُلَّ مَطًا، ناءٍ مَسافَتُهُ … وَمَهمَه، ما بِهِ حَبْسٌ، لِمَنْ حَبَسَا (٩) إِذا تَرَدَّى السَّرابُ القورُ، فَالتَمَعَت … أَشباهُ بيضٍ، مُلاءٍ، لَم تُصِب دَنَسَا (١٠) خاضَت بِنا غَولَهُ، وَالعيسُ وانِيَةٌ … وَقَدْ تَخَبَّى بِهَا اليَعْفُورُ فَاكْتَنَسَا (١١)

стр. 8298

كَأَنَّها، بَعدَما طالَ النَّجاءُ بِها … مُحاذِرٌ، ظَلَّ يَحدُو ذُبَّلا، عُجُسا (١) أَو مُفرَدٌ، أَسْفَعُ الخَدَّينِ ذُو جُدَد … جادَتْ لَهُ مِن جُمادَى لَيةٌ، رَجَسا (٢) وَباتَ ضَيفًا، لِأَرْطاةٍ، يَلوذُ بِها … في مُرجَحِنٍّ، مَرَئهُ الرِّيحُ، فَانبَجَسا (٣) حَتَّى إِذا لاحَ ضَوءُ الصُّبْحِ باكرَهُ … مُعاوِدُ الصَّيدِ يُشلي أَكْلُبًا، غُبُسا (٤) فَانصاعَ، وَانصَعْنَ أَمثالَ القِداحِ مَعًا … تَخالُ أَكْرُعَها، بِالبيدِ مُرْتَعَسا (٥) كان قيس ابن الحُدادية يهوى نُعم أم مالك بنت ذؤيب الخزاعي، وتوقدت نار حبه وزادت لوعته وفاض حنينه وشوقه، عندما أحس برحيلها مع بطون من خزاعة جالين إلى مصر والشام لأنهم أجدبوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق رأوا البوارق خلفهم، وأدركهم من ذكر لهم كثرة الغيث والمطر وغزارته، فرجع عمرو ابن عبد مناة في ناس كثير إلى أوطانهم، وتقدم قبيصة بن ذؤيب ومعه أخته أم مالك، معشوقة قيس، ومفجرة عواطفه الشعرية في الحب، والشوق والحنين متأثرًا بفراقها، فتدفقت عبقريته الشعرية بقصيدة بث فيها كل أحاسيسه ومشاعره الصادقة حتى أصبحت حديث للجالس فأنشدتها عائشة بنت طلحة في مجلسها، وبعد أن فرغت منها، قالت: من يزيدني فيها بيتًا فله خلعتي فلم تر أحدًا فعل ذلك: أَجِدَّكَ، إن نُعمٌ نَأَت، أَنتَ جازِعُ؟ … قَدِ اقتَرَبَت، لَو أَنَّ ذَلِكَ نافِعُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، لَو أَنَّ في قُربِ دَارِها … جَدَاءً، وَلَكِنْ كُلُّ مَنْ ضَنَّ مَانِعُ (٦) فَإِنْ تَلقَيَن أسماءَ، يَوْمًا فَحَيِّها … وَسَلْ: كَيفَ تُرعى، بِالمَغيبِ، الوَدائِعُ

стр. 8299

فَظَنِّي بِها حِفظٌ لِغَيبي وَرِعيَةٌ … لِما استُرعِيَتْ، وَالظَّنُّ بِالغَيبِ واسِعُ وَقَدْ يَحمَدُ اللَهُ العَزاءَ، مِنَ الفَتى … وَقَدْ يَجْمَعُ الأَمرَ الشَّتيتَ، الجَوامِعُ أَلا قَدْ يُسَلَّى ذُو الهَوى عن حَبيبِهِ … فَيَسْلُو، وَقَدْ تُرْدِي الرِّجَالَ المَطَامِعُ كَمَا قَدْ يُسَلَّى بِالْعِقَالِ، وَبِالْعَصَا … وَبِالقَيدِ، ضِغْنُ الفَحْلِ، إِذْ هُوَ نَازِعُ (١) فَمَا رَاعَني إِلّا المُنادي: أَلا اظْعَنُوا … وإلا الرَّوَاغي، غُدوَةً، وَالقَعَاقِعُ (٢) فَجِئْتُ، كَمَخُفْي السِّرِّ، بَيْنِي وَبَينَها … لأسألَها: أَيّانَ مَن سارَ راجِعُ فَقالَت: لِقاءٌ بَعدَ حَولٍ، وَحِجَّةٍ … وَشَحْطُ نَوًى، إِلّا لِذي العَهدِ قاطِعُ (٣) وَقالَت: متُزَحزِحْ،، لا بنا خِلْتَ خَلَّةً … إِلَيْكَ، وَلا مِنّا لِفَقرِكَ راقِعُ بِحَسبُكَ مِن قُرْبٍ، ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ … وَمِن حَزَنٍ، أَن زادَ شَوقَكَ رابِعُ وَقَد يَلتَقي بَعدَ الشَّتاتِ، أُولو النَّوى … وَيَستَرجِعُ، الحَيَّ، السَّحابُ اللَّوامِعُ (٤) فَمازِلتُ تَحتَ السِّترِ حَتَّى كَأَنَّني … مِنَ الطَّلِّ، ذو طِمرَينِ في البَحْرِ شَارِعُ (٥) وَهَزَّت إِلَيَّ الرَأسَ، مِنّي تَعَجُّبًا … وَعُضِّضَ، مِما قَد أَتَيْتُ، الأَصَابِعُ سَعى، بَينَهُم، واشٍ بِأَفلاقِ بِرمَةٍ … لِيَفجَعَ، بِالأَظغانِ، مَن هُوَ جازِعُ بَكَتْ مِن حَديثٍ بَثَّهُ، وَأَشاعَهُ … وَرَصَّفَهُ واشٍ، مِنَ القَومِ راصِعُ بَكَتْ عَينُ مَن أَبكاكَ، لا يَعرِفُ البُكى … وَلا تَتَخالَجكِ الأُمورُ، النَّوازِعُ فَلا يَسمَعَنْ سِرِّي، وَسِرَّكِ، ثالِثٌ … ألا كُلُّ سِرٍّ، جاوَزَ اثنَينِ، شائِعُ وَكَيفَ يَشيعُ السِّرُّ، مِنِّي، وَدُوْنَهُ … حِجابٌ، وَمِن دونِ الحِجابِ الأَضالِعُ؟ وَحُبَّ لِهَذا الرَّبْعِ، يَمضي، أَمامَهُ … قَليلُ العَلَى، مِنهُ جَليلٌ وَرادِعُ! لَهوتُ بِهِ، حَتّى إِذا خِفتُ أَهلَهُ … وَبَيَّنَ مِنهُ لِلحَبيبِ، المُخادِعُ نَزَعتُ، فَما سِرِّي لِأَوّلِ سائِلٍ … وَذُو السِّرِّ، ما لَمْ يَحفَظِ السِّرَّ مَاذِعُ وما إنْ خَذُولٌ، نازَعتْ حَبَلَ حابِلٍ … لِتَنْجُوَ، إلا استَلَمتَ وَهِيَ ظالِعُ (٦)

стр. 8300

بأحسنَ مِنها، ذَاتَ يَوْمٍ، لَقِيتُها … لهَا نَظَرٌ نَحوِي، كَذِي البَثِّ خاشِعُ رَأَيتُ لَها نارًا، تُشَبُّ، وَدونَها … طَوِيلُ القَرا، مِنْ رَأسِ ذَروَةَ فارِعُ (١) فَقُلتُ لِأَصحابي: اصطَلوا النَّارَ، إِنَّها … قَريبٌ فَقالُوا: بَلْ مَكَانُكَ نَافِعُ (٢) فَيا لَكَ مِن حادٍ، حَبَوت مُقَيَّدًا … وَأَنْحَى عَلى عِرنَين أَنفِكَ جَادِعُ (٣) أَغَيظًا، أَرَدَت أَنْ تُخِبَّ جِمالَها … لِتَفْجَعَ، بِالأَضعانِ مَن أَنْتَ فاجِعُ (٤) فَما نُطفَةٌ بِالطَّودِ، أَو بِضَرِيَّةٍ … بَقِيَّةُ سَيلٍ، أَحرَزَتها الوَقائِعُ (٥) يُطيفُ بِها، حَرّانُ، صادٍ، وَلا يَرى … إِلَيها سَبيلًا، غَيرَ أَن سَيُطالِعُ (٦) بِأَطيَبَ مَن فيها، إِذا جِئتَ طارِقًا … مِنَ اللَّيلِ، وَاخضَلَّتْ عَلَيكَ المَضَاجِعُ (٧) وَقَدْ جَاوَرتْنَا، فِي شُهُورٍ، كَثيَرَةٍ … فَما تَوَّلَتْ، واللَّهُ رَاءٍ، وسَامِعُ فَجِئتُ كَأَنِّي مُستَضيفٌ وَسائِلٌ … لِأُخْبِرَها كُلَّ الَّذي أَنَا صَانِعُ فَأَيُّهُما ما أَتبَعَنَّ فَإِنَّنِي … حَزينٌ عَلى إِثرِ الَّذي أَنَا وادِعُ بَكى مِن فِراقِ الحَيِّ قَيسُ بنُ مُنقِذٍ … وَإِذ راءُ عَينَي مِثلِهِ الدَّمعُ شائِعُ بِأَربَعَةٍ تَنهَلُّ لَمّا تَقَدَّمَتْ … بِهِم طُرقٌ شَتَّى وَهُنَّ جَوامِعُ وَما خِلتُ بَينَ الحَيِّ حَتَّى رَأَيْتُهُم … بِبَينُونَةَ السُّفلى وَهَبَّت سَوافِعُ كَأَنَّ فُؤادي بَينَ شِقَّينِ مِن عَصًا … حِذارَ وُقُوعِ البَينِ، وَالبَينُ واقِعُ يَحُثُّ بِهِم حادٍ، سَريعٌ نَجاؤُهُ … وَمُعْرًى عَنِ السَّاقَينِ، وَالثَّوبُ واسِعُ فَقُلتُ لَها: يا نُعمَ، حُلِّي مَحَلَّنَا … فَإِنَّ الهَوَى يا نُعمُ، وَالعَيشُ جامِعُ فَقُلتُ لَها تَاللَّهِ يَدري مُسافِرٌ … إِذا أَضمَرَتهُ الأَرضُ، ما اللَّهُ صَانِعُ فَشَدَّت عَلى فِيهَا اللِّثَامَ وَأَعرَضَتْ … وَأَمْعَنَ بِالكُحْلِ السَّحِيقِ المَدامِعُ
следующие страницы →