← Ансаб

Ансаб · id 897

موسوعة القبائل العربية

محمد سليمان الطيب

Полный текст (10 849 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

ويقول في امرأة اسمها قسيمة: قَضَيتَ القَضَاءَ، مِن قَسِيمَةِ فَاذْهَبِ … وَجانَبْتَها، يا لَيْتَ أَنْ لَم تَجَنَّبِ (١) وَأَعْقَبتَها هَجْرًا، وَشَفَّكَ دُونَها … مَناطِقُ رَهْطٍ، في قَسيمَةِ، خُيَّبِ (٢) إِذا استَحْلَفونِي، في قَسيمَةَ، أجْنَحَتْ … يَدايَ، إِلى جَوفِ الرِّتاجِ، المُضَبَّبِ (٣) يَمينًا، بِرَبِّ الرَّاقِصاتِ، عَشِيَّةً … وَإِلا فَأَنْصابٍ، يَمُرْنَ، بِغَبغَبِ (٤) فَوَيلٌ، بِها، لِمَنْ تَكونُ ضَجِيعَهُ … إِذا ما الثُّرَيّا، ذَبْذَبَت كُلَّ كَوكَبِ إِذا اشتَدَّ إِرهامُ النَّدى فَهوَ سَاقِطٌ … خَضولٌ كَظَهرِ البُرجُدِ، المُتَصَبِّبِ (٥) مُبَتَّلَةٌ، بَيضاءُ، تُؤتيكَ شِيمَةً … عَلَى حَصَرٍ، في صَدْرِهَا، وَتَهَيُّبِ (٦) وقال أيضًا: هَلْ يُبلِغَنَّ الجارَتَينِ، تَحِيَّةً … ذَوا سَفَرٍ، قَد أَجْمَعاهُ، كِلاهُما؟ عَلى حُرَّتَينِ، استَعْلَيا كُلَّ قَفرَةٍ … سَديسَينِ، قَد تَنْفي الرِّجالَ ذُراهُما (٧) كأَنَّ القُطُوعَ والأَشِلَّةَ عُلَّقَتْ … على آبِدَينِ، لاحقٍ إِطلاهُما (٨) يَكادانِ بَعدَ الأَينِ، وَالشَّأوِ مِنهُمَا … تَفُضُّ، قُوى نِسعَيهِمَا، زَفْرتاهُما (٩) يَبُوسانِ، لَمْ تَطمِثْهُما كَفُّ حالِبٍ … عَلى السَّوطِ، وَالأَنسَاعِ، كانَ مِراهُما (١٠) كَأَنَّ عَمودَي قامَتَين تَدانَتا … بِمَنزِلَةٍ، أُهوِيَّةٍ، عُنُقاهُما (١١)

стр. 8297

كَأَنَّ مُبيتًا مِن ثَمانٍ مِنَ القَطا … مُناخُهُما، يَنفي الحَصا كَلْكَلاهُما هُما جارَتايَ، لا تَعودانِ هَالِكًا … عَلى سَفَرٍ، فَكُلُّ حَيٍّ يَطاهُما (١) هُما نَعْجَتانِ، مِن نِعاجِ قَصيمَةٍ … إِذا مارَتا يَأتيهِما جُؤذَراهُما (٢) هُما ظَبْيَتانِ مِن ظِباءِ تَبالَةٍ … يُساقِطُ مَردًا، يانِعًا، مِدْرَياهُما (٣) إِذا هَزَّتا قَرنَيهِما، مِن ذُبابَةٍ … يُصيبُ الغُصونَ، الدَّنِيَاتِ، نَساهُما (٤) وقال أيضًا: إِنَّ الفُؤادَ قَد أَمسى هائِمًا، كَلِفًا … قَد شَفَّهُ ذِكرُ سَلمى، اليَومَ، فَانْتَكَسَا عَناهُ ما قَد عَناهُ، مِن تَذَكُّرِها … بَعدَ السُلُوِّ، فَأَمسى القَلْبُ مُخْتَلَسَا وَبَعْدَ ما لاحَ شَيبٌ، في مَفارِقِهِ … وَبانَ عَنهُ الصِّبَا، وَالجَهْلُ فَانمَلَسَا (٥) تَذَكَّرَ الوَصْلَ، مِنها، بَعدَما شَحَطَت … بِها الدِيارُ فَأَمس القَلْبُ مُلْتَبَسا (٦) فَعَدِّ عَنكَ هُمُومَ النَّفسِ إِذ طَرَقَتْ … وَاشدُدْ، بِرَحلِكَ، مِذعانَ السُّرَى سُدُسًا (٧) عَيرانَةً، عَنْتَريسًا، ذاتُ مُعْجَمَةٍ … إِذا الضَّعيفُ وَنى، في السَّيرِ، أَو رَجَسَا (٨) تَجْتابُ كُلَّ مَطًا، ناءٍ مَسافَتُهُ … وَمَهمَه، ما بِهِ حَبْسٌ، لِمَنْ حَبَسَا (٩) إِذا تَرَدَّى السَّرابُ القورُ، فَالتَمَعَت … أَشباهُ بيضٍ، مُلاءٍ، لَم تُصِب دَنَسَا (١٠) خاضَت بِنا غَولَهُ، وَالعيسُ وانِيَةٌ … وَقَدْ تَخَبَّى بِهَا اليَعْفُورُ فَاكْتَنَسَا (١١)

стр. 8298

كَأَنَّها، بَعدَما طالَ النَّجاءُ بِها … مُحاذِرٌ، ظَلَّ يَحدُو ذُبَّلا، عُجُسا (١) أَو مُفرَدٌ، أَسْفَعُ الخَدَّينِ ذُو جُدَد … جادَتْ لَهُ مِن جُمادَى لَيةٌ، رَجَسا (٢) وَباتَ ضَيفًا، لِأَرْطاةٍ، يَلوذُ بِها … في مُرجَحِنٍّ، مَرَئهُ الرِّيحُ، فَانبَجَسا (٣) حَتَّى إِذا لاحَ ضَوءُ الصُّبْحِ باكرَهُ … مُعاوِدُ الصَّيدِ يُشلي أَكْلُبًا، غُبُسا (٤) فَانصاعَ، وَانصَعْنَ أَمثالَ القِداحِ مَعًا … تَخالُ أَكْرُعَها، بِالبيدِ مُرْتَعَسا (٥) كان قيس ابن الحُدادية يهوى نُعم أم مالك بنت ذؤيب الخزاعي، وتوقدت نار حبه وزادت لوعته وفاض حنينه وشوقه، عندما أحس برحيلها مع بطون من خزاعة جالين إلى مصر والشام لأنهم أجدبوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق رأوا البوارق خلفهم، وأدركهم من ذكر لهم كثرة الغيث والمطر وغزارته، فرجع عمرو ابن عبد مناة في ناس كثير إلى أوطانهم، وتقدم قبيصة بن ذؤيب ومعه أخته أم مالك، معشوقة قيس، ومفجرة عواطفه الشعرية في الحب، والشوق والحنين متأثرًا بفراقها، فتدفقت عبقريته الشعرية بقصيدة بث فيها كل أحاسيسه ومشاعره الصادقة حتى أصبحت حديث للجالس فأنشدتها عائشة بنت طلحة في مجلسها، وبعد أن فرغت منها، قالت: من يزيدني فيها بيتًا فله خلعتي فلم تر أحدًا فعل ذلك: أَجِدَّكَ، إن نُعمٌ نَأَت، أَنتَ جازِعُ؟ … قَدِ اقتَرَبَت، لَو أَنَّ ذَلِكَ نافِعُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، لَو أَنَّ في قُربِ دَارِها … جَدَاءً، وَلَكِنْ كُلُّ مَنْ ضَنَّ مَانِعُ (٦) فَإِنْ تَلقَيَن أسماءَ، يَوْمًا فَحَيِّها … وَسَلْ: كَيفَ تُرعى، بِالمَغيبِ، الوَدائِعُ

стр. 8299

فَظَنِّي بِها حِفظٌ لِغَيبي وَرِعيَةٌ … لِما استُرعِيَتْ، وَالظَّنُّ بِالغَيبِ واسِعُ وَقَدْ يَحمَدُ اللَهُ العَزاءَ، مِنَ الفَتى … وَقَدْ يَجْمَعُ الأَمرَ الشَّتيتَ، الجَوامِعُ أَلا قَدْ يُسَلَّى ذُو الهَوى عن حَبيبِهِ … فَيَسْلُو، وَقَدْ تُرْدِي الرِّجَالَ المَطَامِعُ كَمَا قَدْ يُسَلَّى بِالْعِقَالِ، وَبِالْعَصَا … وَبِالقَيدِ، ضِغْنُ الفَحْلِ، إِذْ هُوَ نَازِعُ (١) فَمَا رَاعَني إِلّا المُنادي: أَلا اظْعَنُوا … وإلا الرَّوَاغي، غُدوَةً، وَالقَعَاقِعُ (٢) فَجِئْتُ، كَمَخُفْي السِّرِّ، بَيْنِي وَبَينَها … لأسألَها: أَيّانَ مَن سارَ راجِعُ فَقالَت: لِقاءٌ بَعدَ حَولٍ، وَحِجَّةٍ … وَشَحْطُ نَوًى، إِلّا لِذي العَهدِ قاطِعُ (٣) وَقالَت: متُزَحزِحْ،، لا بنا خِلْتَ خَلَّةً … إِلَيْكَ، وَلا مِنّا لِفَقرِكَ راقِعُ بِحَسبُكَ مِن قُرْبٍ، ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ … وَمِن حَزَنٍ، أَن زادَ شَوقَكَ رابِعُ وَقَد يَلتَقي بَعدَ الشَّتاتِ، أُولو النَّوى … وَيَستَرجِعُ، الحَيَّ، السَّحابُ اللَّوامِعُ (٤) فَمازِلتُ تَحتَ السِّترِ حَتَّى كَأَنَّني … مِنَ الطَّلِّ، ذو طِمرَينِ في البَحْرِ شَارِعُ (٥) وَهَزَّت إِلَيَّ الرَأسَ، مِنّي تَعَجُّبًا … وَعُضِّضَ، مِما قَد أَتَيْتُ، الأَصَابِعُ سَعى، بَينَهُم، واشٍ بِأَفلاقِ بِرمَةٍ … لِيَفجَعَ، بِالأَظغانِ، مَن هُوَ جازِعُ بَكَتْ مِن حَديثٍ بَثَّهُ، وَأَشاعَهُ … وَرَصَّفَهُ واشٍ، مِنَ القَومِ راصِعُ بَكَتْ عَينُ مَن أَبكاكَ، لا يَعرِفُ البُكى … وَلا تَتَخالَجكِ الأُمورُ، النَّوازِعُ فَلا يَسمَعَنْ سِرِّي، وَسِرَّكِ، ثالِثٌ … ألا كُلُّ سِرٍّ، جاوَزَ اثنَينِ، شائِعُ وَكَيفَ يَشيعُ السِّرُّ، مِنِّي، وَدُوْنَهُ … حِجابٌ، وَمِن دونِ الحِجابِ الأَضالِعُ؟ وَحُبَّ لِهَذا الرَّبْعِ، يَمضي، أَمامَهُ … قَليلُ العَلَى، مِنهُ جَليلٌ وَرادِعُ! لَهوتُ بِهِ، حَتّى إِذا خِفتُ أَهلَهُ … وَبَيَّنَ مِنهُ لِلحَبيبِ، المُخادِعُ نَزَعتُ، فَما سِرِّي لِأَوّلِ سائِلٍ … وَذُو السِّرِّ، ما لَمْ يَحفَظِ السِّرَّ مَاذِعُ وما إنْ خَذُولٌ، نازَعتْ حَبَلَ حابِلٍ … لِتَنْجُوَ، إلا استَلَمتَ وَهِيَ ظالِعُ (٦)

стр. 8300

بأحسنَ مِنها، ذَاتَ يَوْمٍ، لَقِيتُها … لهَا نَظَرٌ نَحوِي، كَذِي البَثِّ خاشِعُ رَأَيتُ لَها نارًا، تُشَبُّ، وَدونَها … طَوِيلُ القَرا، مِنْ رَأسِ ذَروَةَ فارِعُ (١) فَقُلتُ لِأَصحابي: اصطَلوا النَّارَ، إِنَّها … قَريبٌ فَقالُوا: بَلْ مَكَانُكَ نَافِعُ (٢) فَيا لَكَ مِن حادٍ، حَبَوت مُقَيَّدًا … وَأَنْحَى عَلى عِرنَين أَنفِكَ جَادِعُ (٣) أَغَيظًا، أَرَدَت أَنْ تُخِبَّ جِمالَها … لِتَفْجَعَ، بِالأَضعانِ مَن أَنْتَ فاجِعُ (٤) فَما نُطفَةٌ بِالطَّودِ، أَو بِضَرِيَّةٍ … بَقِيَّةُ سَيلٍ، أَحرَزَتها الوَقائِعُ (٥) يُطيفُ بِها، حَرّانُ، صادٍ، وَلا يَرى … إِلَيها سَبيلًا، غَيرَ أَن سَيُطالِعُ (٦) بِأَطيَبَ مَن فيها، إِذا جِئتَ طارِقًا … مِنَ اللَّيلِ، وَاخضَلَّتْ عَلَيكَ المَضَاجِعُ (٧) وَقَدْ جَاوَرتْنَا، فِي شُهُورٍ، كَثيَرَةٍ … فَما تَوَّلَتْ، واللَّهُ رَاءٍ، وسَامِعُ فَجِئتُ كَأَنِّي مُستَضيفٌ وَسائِلٌ … لِأُخْبِرَها كُلَّ الَّذي أَنَا صَانِعُ فَأَيُّهُما ما أَتبَعَنَّ فَإِنَّنِي … حَزينٌ عَلى إِثرِ الَّذي أَنَا وادِعُ بَكى مِن فِراقِ الحَيِّ قَيسُ بنُ مُنقِذٍ … وَإِذ راءُ عَينَي مِثلِهِ الدَّمعُ شائِعُ بِأَربَعَةٍ تَنهَلُّ لَمّا تَقَدَّمَتْ … بِهِم طُرقٌ شَتَّى وَهُنَّ جَوامِعُ وَما خِلتُ بَينَ الحَيِّ حَتَّى رَأَيْتُهُم … بِبَينُونَةَ السُّفلى وَهَبَّت سَوافِعُ كَأَنَّ فُؤادي بَينَ شِقَّينِ مِن عَصًا … حِذارَ وُقُوعِ البَينِ، وَالبَينُ واقِعُ يَحُثُّ بِهِم حادٍ، سَريعٌ نَجاؤُهُ … وَمُعْرًى عَنِ السَّاقَينِ، وَالثَّوبُ واسِعُ فَقُلتُ لَها: يا نُعمَ، حُلِّي مَحَلَّنَا … فَإِنَّ الهَوَى يا نُعمُ، وَالعَيشُ جامِعُ فَقُلتُ لَها تَاللَّهِ يَدري مُسافِرٌ … إِذا أَضمَرَتهُ الأَرضُ، ما اللَّهُ صَانِعُ فَشَدَّت عَلى فِيهَا اللِّثَامَ وَأَعرَضَتْ … وَأَمْعَنَ بِالكُحْلِ السَّحِيقِ المَدامِعُ

стр. 8301

وَإِنّي لِعَهدِ الوُدِّ راعٍ وَإِنَّنِي … بِوَصْلِكَ، ما لَمْ يَطوِنِي المَوْتُ طامِعُ (١) إن الشاعر قيس ابن الحدادية يذكر بألم ولوعة فراق نعم أم مالك له ويصور حاله بعدها وما قد يصيبه إذا ما صروف الليالي مستها بسوء، فهو شغوف يحبها حتى ملت عليه حياته، فهو كثير الوقوف على الأطلال وفي هذه القصيدة يقول: سَقى اللَهُ أَطْلالا بَنُعمٍ تَرادَفَتْ … بِهِنَّ النُوى حَتَّى حَلَلنَ المَطالِيا (٢) فَإِنْ كَانَتِ الأَيَّامُ يا أُمَّ مالِكٍ … تُسَلِّيكُمُ عَنِّي وَتُرضي الأَعادِيا فَلا يَأْمَنَنَّ بَعْدِي امرِؤٌ فَجْعَ لَذَّةٍ … مِنَ العَيشِ أَو فَجْعَ الخُطُوبِ العَوافِيا (٣) وَبُدِّلْتُ مِن جَدْواكِ يا أُمَّ مالِكٍ … طَوارِقُ هَمٍّ يَحتَضِرْنَ وَسَادِيَا (٤) وَأَصْبَحْتُ بَعْدَ الأُنْسِ لابِسَ جُبَّةً … أُساقِي الكُماةَ الدَّارِعينَ العَوالِيا (٥) فَيَوماي يَوْمٌ في الحَديدِ مُسَرْبَلًا … وَيَوْمٌ مَعَ البيضِ الأَوَانِسِ لاهِيا فَلا مُدْرِكًا حَظًّا لَدَى أُمِّ مَالِكٍ … وَلا مُسْتَريحًا في الحَيَاةِ فَقَاضِيَا (٦) خَليلَيَّ إنْ دَارَتْ عَلَى أُمِّ مَالِكٍ … صُرُوفُ اللَّيالِي فَابعَثَا لِيَ نَاعِيا وَلا تَتْرُكَانِي لا لخَيْرٍ مُعَجَّلٍ … وَلا لِبَقاءٍ تَنْظُرانِ بَقائِيا وَإِنَّ الَّذِي أَمَّلَتُ مِنْ أُمِّ مَالِكٍ … أَشَابَ قَذَالِي وَاسْتَهَامَ فُؤادِيا (٧) فَلَيْتَ المَنَايا صَبَّحَتْنِي غُدَيَّةً … بِذَبحٍ وَلَمْ أَسْمَعْ لِبَيْنٍ مُنَادِيَا (٨)

стр. 8302

نَظَرتُ وَدُونِي يَذْبُلٌ وَعِمَايَةٌ … إِلى آلِ نُعمٍ مَنْظَرًا مُتَنائِيَا (١) شَكَوتُ إِلى الرَّحْمَنِ بُعدَ مَزارِهَا … وَمَا حَمَّلَتْنِي وَانْقِطَاعَ رَجَائِيَا وَقُلْتُ وَلَمْ أَمْلِكْ أَعَمرو بنُ عامِرٍ … لِحَتْف بِذَاتِ الرَّقْمَتَينِ يَرى لِيَا (٢) وَقَدْ أَيْقَنَت نَفْسي عَشِيَّةَ فارقُوا … بِأَسْفَلَ وادي الدَّوْحِ أَنْ لا تَلاقِيا إِذَا مَا طَواكِ الدَّهْرُ يَا أُمَّ مَالِكٍ … فَشَأنُ المَنَايا القَاضِياتِ وَشَانِيَا (٣) مقتل قيس ابن الحدادية: كان من خبر مقتل قيس ابن الحدادية أنه لقي جمعًا من مزينة يريدون الغارة على بعض من يجدون منه غرّة، فقالوا له: استأسر، فقال: وما ينفعكم مني إذا استأسرتُ وأنا خليع؟ واللَّه لو أسرتموني ثم طلبتم بي من قومي عنزًا جرباء جَذماء (٤) ما أعطيتموها، فقالوا له: استأسر لا أم لك! فقال: نفسي عليّ أكرم من ذاك، وقاتلهم حتى قتل وهو يرتجز ويقول: أَنَا الَّذي تَخْلعُهُ مَواليه … وَكُلُّهُمُ بَعدَ الصفاءِ قالِيه (٥) وَكُلُّهُم يُقسِمُ لا يُبَالِيَه … أَنَا إِذَا الموتُ يَنُوبُ غَالِيه (٦) مُخْتَلِطٌ أَسْفَلُهُ بِعالِيَه … قَدْ يَعْلَمُ الفِتيان أَني صَاليه إِذَا الحَديدُ رَفَعَتْ عَوالِيَه ويروى أنه كان يتحدث إلى امرأة من بني سُليم، فأغاروا عليه وفيهم زوجها فأفلت ونام في ظل وهو لا يخشى الطلب، فاتبعوه فوجدوه، فقاتلهم، فلم يزل يرتجز وهو يقاتلهم حتى قُتل (٧).

стр. 8303

كثير (*) عزة الخزاعي هو كُثَيِّر بن عبد الرحمن بن الأسود بن عويمر بن مخلد بن سعيد بن سبيع ابن جعثمة بن سعد بن مليح (١). . . الخزاعي. . . بن الصَّلت بن النضر بن كنانة وفي ذلك يقول: أَلَيسَ أبِي بالنَّضر أم ليسَ والدي … لكلِّ نَجِيبٍ من خُزاعةَ أَزْهَرَا ويكنى أبا صخر واشتهر بكُثَيِّر عَزَّة (٢)، وعَزَّة هذه محبوبته، وغالب شعره تشبيب بها. نشأة كُثَيِّر: نشأ كُثَيِّر وشب في حجر عمِّ له صالح، فلما بلغ الحُلُم أشفق عليه أن يسفه، وكان غير جيد الرأي ولا حسن النظر في عواقب الأمور، فاشترى له عمه قطيعًا من الإبل وأنزله فرش ملل (٣) فكان به، ثم ارتفع فنزل فرع المِسوَر بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف من جبل جُهَيْنة الأصغر، وكان قبل المِسوَر لبني مالك بن أفصي، فضيَّقوا على كُثَيِّر وأساءوا جواره فانتقل عنهم وقال: أبَتْ إبلي مَاءَ الرِّداهِ وَشَفَّها … بنو العَمِّ يحمونَ النّضيحَ المبرَّدا وَمَا يَمْنَعُونَ المَاءَ إلا ضَنَانَةً … بأصْلابِ عُسْرَى شَوْكُها قَدْ تَخَدَّدَا فَعَادَتْ فَلَمْ تَجْهَدْ عَلى فَضْلِ مَائِهِ … رِياحًا ولا سُقيا ابنِ طَلقِ بنِ أَسْعَدَا

стр. 8304

ويروى أنه أول شعر قاله (١). شخصية كُثَيِّر وشعره: قال الوقاص: رأيت كُثَيِّرًا يطوف بالبيت، فمن حدثك أنه يزيد على ثلاثة أشبار فكذبه، وكان إذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول له: طأطئ رأسك لا يصبه السقف (٢). وقال جرير لكُثَيِّر: أي رجلٍ أنت لولا دمامتك. فقال كُثَيِّر: إن أك قَصْدًا في الرِّجالِ فإنَّنِي … إذَا حَلَّ أمرٌ سَاحتي لَطَوِيلٌ (٣) وقيل لكُثَيِّر: يا أبا صخر كيف تصنع إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال: أطوف بالرِّباع المُخْليَة (٤) والرِّياض المُعشبة، فيسهل عليَّ أرصنه ويسرع إليَّ أحسنه. وقيل له أيضًا: ما بقي من شعرك؟ فقال: ماتت عَزَّةُ فما أطرب، وذهب الشباب فما أعجب، ومات ابن ليلى فما أرغب -يعني عبد العزيز بن مروان- وإنما الشعر بهذه الخلال (٥). وكان لكُثَيِّر في التشبيب نصيب وافر، وجميل مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب جميعًا، وله في فنون الشعر ما ليس بجميل، وكان جميل صادق الصبَّابة. بينما كان كُثَيِّر يتقول ولم يكن عاشقًا، وكان راوية جميل (٦). عقوقه لأبيه: كان أبوه قد أصابته قرحة في أصبع من أصابع يده فقال له كُثَيِّر: أتدري لم أصابتك هذه القرحة في أصبعك؟ قال: لا أدري. قال: ما ترفعها إلى اللَّه في يمين كاذبة (٧).

стр. 8305

وقيل في شعره: قدم كُثَيِّر على عبد الملك بن مروان الشَّام فأنشده والأخطل عنده، فقال عبد الملك: كيف ترى يا أبا مالك! قال: أرى شعرًا حجازيًا مقرورًا لو ضغطه بَرْدُ الشَّام لاضْمحل (١). وقيل أيضًا: ما قصد القصيد ولا نعت الملوك مثل كُثَيِّر (٢). وسئل من أشعر الناس؟ فقيل كُثَيِّر بن أبي جمعة، هو أشعر من جرير والفرزدق والراعي وعامتهم (يعني الشعراء) ولم يدرك أحد في مديح الملوك ما أدرك كُثَيِّر. وجاء عنه أيضًا: كان كُثَيِّر شاعر أهل الحجاز، وهو شاعر فحل، ولكنه منقوص حظه بالعراق، وقيل: أشعر أهل الإسلام. وكان كُثَيِّر يستقصي المديح، وكان فيه مع جودة شعره خُطلٌ وعُجب وقالوا: أيضًا: ما ضرَّ من يروي شعر كُثَيِّر وجميل ألا تكون عنده مغنيتان مطربتان (٣). معرفة كُثَيِّر بعَزَّة: نسب كُثَيِّر إلى عزَّة لكثرة تشبيبه بعزَّة الضَّمرية، وعُرف بها وقيل كُثَيِّر عزَّة وأول عشق كُثَيِّر لها، أنه مر بنسوة من بني ضمرة ومعه جَلَبُ غنم، فأرسلن إليه عزَّة وهي صغيرة، فقالت له: يقلن لك النسوة: بعنا كبشًا من هذه الغنم وأنسنا بثمنه إلى أن ترجع، فأعطاها كبشًا وأعجبته، فلما رجع جاءته امرأة منهن بدراهمه، فقال: وأين الصبية التي أخذت مني الكبش؟ قالت: وما تصنع بها! هذه دراهمك. قال: لا آخذ دراهمي إلا ممن دفعت الكبش إليها وخرج وهو يقول: قَضَى كلُّ ذِي دَينٍ فوّفى غَريمه … وَعزَّةُ مَمْطُولٌ مُعنَّى غَرِيمُها (٤) وهناك رواية ثانية تؤدي المعنى نفسه، فلما تأبي كُثَيِّر أن يأخذ الثمن إلا من عزَّة فقال لهن: عزَّة غريمي، ولست أقتضي حقي إلا منها، فمزحن معه وقلن:

стр. 8306

ويحك! عزَّة جارية صغيرة وليس فيها وفاء لحقك فأحله على إحدانا، فإنها أملأ به منها وأسرع له أداء. فقال: ما أنا بمحيل حقي عنها. ومضى لوجهه، ثم رجع إليهن حين فرغ من بيع جلبه فأنشدهن فيها: نَظَرْتُ إليها نَظْرَةً وهي عَاتِقٌ … على حين أن شَبَّتْ وَبَانَ نُهُودُهَا وَقَدْ درَّعُوهَا وهي ذَاتُ مُؤَصَّد … مَجوبٍ ولمَّا يَلبَسُ الدّرعُ رِيدُهَا (١) منَ الخَفِراتِ البيض وَدّ جليسُها … إذا ما انْقَضَتْ أحْدُوثةٌ لو تُعيدُها (٢) فقلت له: أبيت إلا عزَّة! وأبرزنها إليه وهي كارهة، ثم أحبتَّه عزَّة بعد ذلك أشد من حبه إياها (٣). وصف عزة: عن قسيمة بنت عياض بن سعيد الأسلمية، وكنيتها أم البنين قالت: سارت علينا عزَّة في جماعة من قومها بين يدي يربوع وجُهينة، فسمعنا بها فاجتمعت جماعة من نساء الحاضر أنا فيهن، فجئنا فرأينا امرأة حلوة حُميراء نظيفة فتضاء لنا لها، ومعها نسوة كلهن لها عليهم فضل من الجمال والخلق إلى أن تحدثت ساعة فإذا هي من أبرع الناس وأحلاهم حديثًا، فما فارقناها إلا ولها علينا الفضل في أعيننا، وما نرى في الدنيا امرأة تروقها جمالا وحسنًا وحلاوة (٤). الشك في عشق كُثَيِّر: قال ابن سَلام: كان كُثَيِّر مدعيًا ولم يكن عاشقًا، وكان جميل صادق الصبابة والعشق. . . عن أبي عبيدة قال: كان جميل يصدق في حبه وكان كُثَيِّر يكذب.

стр. 8307

أنه نظر إلى عزَّة ذات يوم وهي متنقبة تميس في مشيتها، فلم يعرفها كُثَيِّر وقال: يا سيدتي! قفي حتى أكلمك فإني لم أر مثلك قط، فمن أنت ويحك؟ قالت: ويحك! وهل تركت عزَّة فيك بقيةً لأحد؟ قال: بأبي أنت! واللَّه لو أن عزَّة أمة لي لوهبتها لك. قالت: فهل لك في المخاللة؟ قال: وكيف لي بذلك؟ قالت: أني وكيف بما قلت في عزَّة؟! قال: أقلبه فاحوله إليك. فسفرت عن وجهها ثم قالت: أغدرًا يا فاسق وإنك لهكذا! فأبلس (١) ولم ينطق وبهت، فلما مضت أنشأ يقول: ألا ليتني قبل الذي قلتُ شيبَ لي … من السُّمِّ جَدْحَاتٌ بماءِ الذَّرَارحِ (٢) فمتُّ ولم تعلمَ عليَّ خَيانَةً … وكم طالبٍ للربح ليس برابح أبوءُ بذنبي إنني قد ظَلَمْتُها … وَإنِّي بباقِي سِرِّها غيرُ بائِحِ (٣) لقاء عزَّة وكُثَيِّر: . . . عن أبي عمرو الجُهنيّ عن أبيه قال: سارت علينا عزَّة في جماعة من قومها، فتزلت حيالنا، فجاءني كُثَيِّر ذات يوم فقال لي: أريد أن أكون عندك اليوم فاذهب إلى عزَّة، فصرت به إلى منزلي، فأقام عندي حتى كان العشاء، ثم أرسلني إليها وأعطاني خاتمه وقال: إذا سلَّمت، فَستَخرُج إليك جارية، فادفع إليها خاتمي وأعلمها مكاني، فجئت بيتها فسلَّمت فخرجت إليَّ الجارية فأعطيتها الخاتم فقالت: أين الموعد؟ قلت: صَخَراتُ أبي عُبيد الليلةَ، فواعدتها هناك، فرجعت إليه فأعلمتُه فلما أمسى قال لي: انهض بنا، فنهضنا فجلسنا هناك نتحدث حتى جاءت من الليل فجَلَسَتْ فتحدَّثا فأطالا،

стр. 8308

فذهبت لأقوم، فقال لي: إلى أين تذهب؟ فقلت: أخليكما ساعةً لعلكما تتحدثان ببعض ما تكتُمان. فقال لي: اجلس! فواللَّه ما كان بينا شيءٌ قطُّ، فجلستُ وهما يتحدثان وإن بينهما لَثُمامةً عظيمة هي من ورائها جالسة حتى أسْحَرْنَا، ثم قامت فانصرفت، وقمت أنا وهو، فظلّ عندي حتى أمسى ثم انطلق (١). عتاب عزَّة لكُثَيِّر: . . . عن سائب رواية كُثَيِّر قال: خرجتُ معه نريد مصر فمررنا بالماء الذي فيه عزَّة فإذا هي في خباء، فسلّمنا جميعًا فقالت عزَّة: وعليك السلام يا سائب، ثم أقبلت على كُثَيِّر فقالت: ويحك! ألا تتَّقي اللَّه! أرأيتَ قولك: بآيةِ ما أَتَيتُكِ أُمَّ عمرِو … فَقُمتِ لِحَاجَتِي والبيتُ خَالِي أخَلوتُ معك في بيت أو غير بيت قطُّ؟! قال: لم أَقُله، ولكنني قلتُ: فأُقسمُ لو أَتَيتُ البحرَ يومًا … لأشربَ ما سَقَتْني من بِلالِ وَأقسمُ إنَّ حُبَّك أمَّ عمرِو … لَداءٌ عند منقطع السُّعالِ قالت: أمَّا هذا فَنَعمْ. وقال سائب: ثم أتينا عبد العزيز بن مروان بمصر وعدنا، فقال كُثَيِّر عليكِ السلام يا عزَّة. قالت عليك السلام يا جملُ، فقال كُثَيِّر: حيتك عزَّة بعد الهجر فانصرفت … فحي ويحك من حياك يا جَملُ لو كُنْتَ حيَّيتَها ما زلتَ ذا مقَةٍ … عندي ومَا مَسْك الإدْلاجُ والعَمَلُ (٢) ليتَ التحيَّةَ كانت لي فاشْكُرهَا … مَكَانَ يَا جَملٌ حُيِّيتَ يا رَجُلُ (٣)

стр. 8309

عزَّة وغلام كُثَيِّر: كان لكُثَيِّر غلام تاجرٌ، فباع من عزَّة بعض سلعه، ومطلته مُدة وهو لا يعرفها فقال لها يومًا: أنت واللَّه كما قال مولاي: قَضَى كلُّ ذِي دَينٍ فَوَّفَى غَرِيمه … وَعَزَّةُ مَمطُولٌ معنًى غَريمُهَا فانصرفت عنه خَجلة. فقالت له امرأة: أتعرف عزَّة؟ قال: لا واللَّه! قالت: فهذه واللَّه عزَّة. فقال: لا جَرَم واللَّه لا آخذ منها شيئًا أبدًا ولا أقتضيها ورجع إلى كُثَيِّر فأخبره بذلك، فأعتقه ووهب له المال الذي كان في يده (١). عزَّة وبثينة: قالت عزَّةُ لبُثينةَ: تصدَّي لكُثَيِّر واطمعيه في نفسك حتى أسمع ما يجيبك به فأقبلت إليه وعزة تمشي وراءها مختفيةً، فعرضت عليه الوصل، فقاربها ثم قال: رَمَتْني على عَمْدٍ بُثينَةُ بعْدَمَا … تولَّى شَبابِي وارْجَحَنَّ شَبَابُهَا فكشفت عزَّةُ عن وجهها، فبادرها الكلامَ ثم قال: ولكنَّما تَرمينَ نَفْسًا مَريضةً … لِعَزَّة منها صَفُوها ولُبَابُها فضحكت ثم قالت: أولى لك بها قد نجوت، وانصرفتا تتضاحكان (٢). عزَّة وسكينة بنت الحسين: خرج كُثَيِّر في الحاجّ بجمل له يبيعه، فمرَّ بسُكينة بنت الحسين ومعها عزَّة وهو لا يعرفها، فقالت سُكينة: فسُومُوه بالجمل، فساموه فاستام مائتي درهم فقالت: ضَعْ عنَّا فأبى، فدعت له بتمر وَزُبد فأكل، ثم قالت له: ضع كذا وكذا

стр. 8310

(لشيء يسير) فأبى، فقالوا له: قد أكلت يا كُثَيِّر بأكثر مما نسألك! فقال: ما أنا بواضع شيئًا، فقالت سكينة: اكشفوا عنها وعن عزَّة، فلما رآهما استحيا وانصرف وهو يقول: هو لكم هو لكم (١). عائشة بنت طلحة وكُثَيِّر: بعثت عائشة بنت طلحة إلى كُثَيِّر فقالت له: يا ابن أبي جمعة ما الذي يدعوك إلى ما تقول من الشعر في عزَّة وليست على ما تصف من الحسن والجمال؟ لو شئت صرفت ذلك إلى غيرها ممَّن هو أولى به منها، أنا أو مثلي، فأنا أشرف وأوصل من عزَّة (وإنَّما جرَّبته بذلك) أي أرادت اختبار صدق حبه لعزَّة: فقال: إذا مَا أَرَادَتْ خُلَّةٌ أن تَزيلنَا … أَبْينا وَقُلنَا الحَاجبيَّةُ أوَّلُ (٢) سَنُوليك عُرفًا إنْ أرَدْتِ وصَالنَا … وَنَحْنُ لِتلك الحاجَبيَّةِ أَوْصَلُ لها مَهْلٌ لا يُسْتَطَاعُ دِرَاكُهُ … وسَابِقَةٌ فِي الحُبِّ ما تَتَحوَّلُ (٣) فقالت عائشة واللَّه لقد سميتني لك خُلَّةً وما أنا لك بخُلَّة وعرضت علي وَصْلك وما أريد ذلك وإن أردت، ألا قلت كما قال جميل: ولَرُبَّ عارضَةٍ عَلَيْنَا وَصْلَهَا … بالجِدِّ تَخْلُطُه بقولِ الهَازِلِ فأجَبْتُها فِي الحُبِّ بعد تَسَتُّرٍ … حُبِّي بُثَينَةً عن وصالك شاغلي (٤) أم الحويرث وكُثَيِّر: . . . عن إبراهيم المهدي قال: قدم على هشام بن محمد الكلبي فسألته عن العشاق يومًا فقال: تَعَشَّق كُثَيِّر امرأة من خزاعة يقال لها أم الحويرث فنسب بها،

стр. 8311

وكرهت أن يسمع بها ويفضحها، كما سمع بعزة، فقالت له: إنك رجل فقير لا مال لك فابتغ مالا يُعفي عليك، ثم تعال فاخطبني كما يخطب الكرام، قال لها: فاحلفي لي ووثقي أنك لا تتزوجين حتى أقدم عليك، فحلفت، ووثقت له، فمدح عبد الرحمن بن إبريق الأزدي، فخرج إليه، فلقيته ظباء سوانح ولقي غرابًا يفحص التراب بوجهه، فتطير من ذلك حتى قدم على حي من لهب (١) فقال: أيكم يزجر؟ فقالوا: كلنا فمن تريد؟ قال: أعلمكم بذاك. قالوا: ذاك الشيخ المنحني الصلب، فأتاه فقص عليه القصة، فكره ذلك وقال له: قد توفيت أو تزوجت رجلًا من بني عمها فأنشأ يقول: تيمَّمتُ لهبًا أبتغي العلمَ عنْدَهم … وَقَدْ رُدَّ علمُ العائفينَ إلى لهبِ تَيمَّمتُ شيخًا منهمُ ذَا بَجالةٍ … بَصيِرًا بِزَجْرِ الطَير مُنْحَنَى الصُّلبِ (٢) فَقُلتُ لَهُ مَاذا تَرَى في سَوانِحٍ … وَصَوتَ غُرابٍ يَفْحَصُ الوَجْهَ بالتُّرَبِ فَقَالَ جَرى الطَّيرُ السَّنيح ببَيْنَها … وَقَالَ غُرابٌ جَدَّ مُنْهَمِرَ السَّكبِ فَإِلا تَكُنْ مَاتتْ فَقَدْ حَال دُونَهَا … سِواكَ خَليلٌ باطنٌ من بَنِي كَعْبِ فمدح الرجل الأزدي ثم أتاه فأصاب منه خيرًا كثيرًا، ثم قدم عليها فوجدها قد تزوجت رجلًا من بني كعب، فأخذه الهلاس (٣) فكشح (٤) جنباه بالنار، فلما اندمل (٥) من علته وضع يده على ظهره فإذا هو برقمتين فقال: ما هذا؟ قالوا له: إنه آخذك الهلاس وزعم الأطباء أنه لا علاج لك إلا الكشح بالنار فكشحت بالنار، فأنشأ يقول: عَفَا اللَّهُ عَنْ أُمُّ الحُويرث ذَنْبَها … عَلامَّ تُعنِّيني وَتكمي (٦) دَوائيَا فَلَو آذَنُوني قَبْلَ أن يرقُمَوا بِهَا … لَقُلْتُ لَهُمْ أُمُّ الحُوَيرث دَائِيَا

стр. 8312

وجاء كُثَيِّر إلى عبد اللَّه بن جعفر وقد نحل وتغير، فقال له عبد اللَّه: ما لي اراك متغيرًا يا أبا صخر؟ قال: هذا ما عملت بي أم الحويرث، ثم ألقى قميصه فإذا به قد صار مثل القش وإذا به آثار من كي (١). كُثَيِّر (٢) في الكوفة: وصل كُثَيِّر إلى الكوفة، فأتى إلى مسجد بارق، فقالوا له: أنت من أهل الحجاز؟ قال: نعم. فقالوا: فأخبرنا عن رجل شاعر ولد زنا يدعى كُثَيِّر. قال: سبحان اللَّه أما تسمعون أيها المشايخ ما يقول الفتيان! قالوا: هو ما قاله لنفسه. فانسل منهم وجاء إلى والي الكوفة حسَّان بن كيسان، فطيره على البريد. وقال عمر بن شبَّة في خبره: أن سُراقة (٣) البارقي هو المخاطب له بهذه الشتيمة وإنه عرفه وقال له: إن قلت هذا على المنبر قتلتك قحطان وأنا أولهم، فانصرف إلى منزله ولم يعد إلى عبد الملك بن مروان بالشَّام. كُثَيِّر في مصر: خرج كُثَيِّر إلى مصر وعزَّة بالمدينة فاشتاق إليها فقام إلى بغلة له فأسرجها وتوجه نحو المدينة لم يعلم به أحد، فبينا هو يسير في التيه بمكان يقال له فيفاء خريم إذ هو بعير قد أقبلت من ناحية المدينة في أوائلها محامل فيها نسوة وكُثَيِّر متلثِّم بعمامة له وفي النسوة عزَّة فلما نظرت إليه عرفته وأنكرها فقالت لقائد قُطارها (٤): إذا دنا منك الراكب فاحبس: فلما دنا كُثَيِّر حبس القائد القطار فابتدرته عزَّة فقالت: من الرجل؟ قال: من الناس. قالت: أقسمتُ؟ قال: كُثَيِّر.

стр. 8313

قالت: فأين تريد في هذه المفازة؟ قال: ذكرت عزَّة وأنا بمصر فلم أجد أن خرجت نحوها على الحال التي ترين. قالت: فلو أن عزَّة لقيتك فأمرتك بالبكاء أكنت تبكي؟ قال: نعم. فنزعت عزَّة اللثام عن وجهها وقالت: أنا عزَّة فإن كنت صادقًا فافعل ما قلت، فأفحم. فقالت للقائد: قد قطارك فقاده وبقي كُثَيِّر مكانه لا يحير (١): ولا ينطق حتى توارت، فلما فقدها سالت دموعه وأنشأ يقول: وَقَضَّين ما قَضَّيْنَ ثم تَرَكْتَنِي … بِفَيْفَا خُرَيْمٍ قائمًا أتَلدَّدُ (٢) تَأَطَّرْنَ حتَّى قلْتُ لسْنَ بَوَارِحًا … وَذُبْنَ كما ذابَ السديفُ المسَرهَدُ (٣) أقُولُ لماء العين أَمْعِنْ لَعَلَّهُ … لما لا يُرى من فائب الوِجْد يشْهَدُ فَلَم أَرَ مثَلَ العينَ ضَنَّت بِمَائِهَا … عَليَّ ولا مثْلي على الدَّمْع يَحْسُدُ وبَينَ التَّراقِي واللَّهاةِ حَرارَةٌ … مَكَانَ الشَّجَى ما إن تَبُوحَ فَتبرُدُ وعادت عزَّة إلى مصر وخرج كُثَيِّر يريد مصر فوافاها والناس ينصرفون عن جنازتها (٤). كُثَيِّر والحزين الدّيليّ: التقى كُثَيِّر والحزين الدّيليّ بالمدينة في دار ابن ازهر في سوق الغنم، فضمهما المجلس، فقال كُثَيِّر للحزين: ما أنت بشاعر يا حزين، إنما توصل الشيء. فقال له الحزين: أتأذن لي أن أهجوك؟ قال: نعم.

стр. 8314

وكان كُثَيِّر قبل ذلك وهو ينتسب إلى بني الصلت (١) بن النضر بن كنانة وقال: أَليسَ أبي بالنَّضرِ أو ليس إخوتي … بِكلِّ هجانٍ من بني الصَّلت أَزْهَرًا فإن لم تكونوا من بني الصَّلت فاتركوا … أرَاكًا بَأذيالَ الخمائل أَخْضَرا (٢) فلما أذن كُثَيِّر للحزين أن يهجوهن قال الحزين: لَقَدْ عَلقَتْ زُبَّ الذُّبابِ كُثَيِّرًا … أسَأودُ لا يُطنينه وَأَراقمُ (٣) قَصيرُ القَميصِ فَاحشٌ عندَ بيته … بَعَضُّ القُرادُ باسْتِهِ وهو قَائِمُ فقام كُثَيِّر فحمل عليه فلكزه، وكان الحزين طويلًا أيّدًا، فقال له الحزين: أنت عن هذا أعجز، واحتمله فكان في يده مثل الكرة، فضرب به الأرض، فخلصه منه الأزهريون، فبلغ ذلك أبا الطُّفيل عامر بن واثلة وهو بالكوفة، فأقسم لئن ملأ عينيه من كُثَيِّر ليضربنه بالسيف أو ليطعنته بالرمح، وكان خندف الأسدي صديقًا لأبي الطفيل، فطلب إلى أبي الطفيل في كُثَيِّر واستوهبه إياه فوهبه له، والتقيا بمكة وجلسا جميعًا مع عمر بن علي بن أبي طالب، فقال: أما واللَّه لولا ما أعطيت خندفًا من العهد لوفيت لك، ولقد رثي كُثَيِّر خندفًا بقصيدة مطلعها: يَنَالُ رجالًا نفعه وهو منهمُ … بعيدٌ كَعيُّوقِ الثرَيَّا المُحَلِّقِ (٤) ولم يخطر بفكر كُثَيِّر بأن الحزين الديلي سيبلغ منه ما بلغ في هجائه له ببيت واحد، وهو من الهجاء المقذع المر: قَصيرُ القَميصِ فَاحشٌ عندَ بيته … يَعَضُّ القُرادُ باسْتِهِ وهو قَائِمُ وهذا ما أثار حفيظته وانتهى الأمر إلى تدارك الموقف بينهما؟

стр. 8315

مذهب كُثَيِّر: ورد عنه "كان كُثَيِّر شيعيًا غاليًا يزعم أن الأرواح تتناسخ ويحتج بقول اللَّه تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار]. "وكان كُثَيِّر كيسانيًا يرى الرجعة". كان كُثَيِّر يتشيع، ويزعم أن محمد ابن الحنفية لم يمت وقال في ذلك: أَلا إِنَّ الأئمَّة من قُريشٍ … وُلاةُ الحقِّ أربعةٌ سواءُ عليٌّ والثَّلاثَةُ من بَنيه … همُ الأسباطُ ليس بهم خَفَاءُ فَسبْطٌ سبطُ إيمان وبرٍّ … وسبطٌ غَيَّبته كَربَلاءُ وَسبطٌ لا تراه العينُ حتَّى … يَقُود الخَيلَ يقدُمها اللِّواءُ تَغيَّب لا يُرَى عنهم زمَانًا … برَضْوَى عنده عسلٌ وماءُ (١) ولقد وردت روايات طريفة حول ما قاله كُثَيِّر في مثل هذه الأمور لابد من ذكرها لاكتمال صورة البحث التي تتعلق به: دخل عبد اللَّه بن حسن على كُثَيِّر يعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال له كُثَيِّر: ابشر! فكأنك بي بعد أربعين ليلة قد طلعت عليك على فرس عتيق. فقال له عبد اللَّه بن حسن: مالك عنيف لعنة اللَّه! فواللَّه لئن مت لا أشهدك ولا أعودك ولا أكلمك أبدًا. ورواية ثانية: كان أبو هاشم عبد اللَّه بن محمد بن علي قد وضع الأرصاد على كُثَيِّر فلا يزال يؤتى بالخبر من خبره، فيقول له إذا لقيه: كنت في كذا وكنت في كذا إلى أن جرى بين كُثَيِّر وبين رجل كلام فأتي به أبو هاشم: فأقبل به على أدراجه فقال له أبو هاشم: كنت الساعة مع فلان فقلت له كذا وكذا وقال لك كذا وكذا، فقال له كُثَيِّر: أشهد أنك رسول اللَّه (٢). ورواية ثالثة وقعت له مع عمته: كان كُثَيِّر يدخل على عمة له برزة فتكرمه وتطرح له وسادة يجلس عليها، فقال لها يومًا: لا واللَّه ما تعرفيني ولا تكرمينني حق كرامتي!

стр. 8316

قالت: بلى واللَّه إني لأعرفك. قال: فمن أنا؟ قالت: ابن فلان، وابن فلانة، وجعلت تمدح أباه وأمه. فقال: قد عرفت أنك لا تعرفيني. قالت: فمن أنت؟ قال: أنا يونس بن متى (١). والروايات كثيرة عن كُثَيِّر ومنها عن. . . عن طلحة بن عبد اللَّه قال: ما رأيت قط أحمق من كُثَيِّر، دخلت عليه يومًا في نفر من قريش، وكنا كثيرًا ما نتهزأ به، وكان يتشيع، فقلت له: كيف تجدك يا أبا صخر؟ وهو مريض. فقال: أجدني ذاهبًا. فقلت له: كلا! فقال: هل سمعتم الناس يقولون شيئًا؟ فقلت: نعم! يتحدثون أنك الدَّجال. قال: أنا لئن قلت ذاك إني لأجد في عيني ضعفًا منذ أيام (٢). أخباره مع الأمويين: المقابلة الأولى بين عبد الملك وكُثَيِّر. دخل كُثَيِّر على عبد الملك بن مروان، فقال عبد الملك: أأنت كُثَيِّر عزَّة؟ قال: نعم. قال: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. فقال: يا أمير المؤمنين، كل عند محله رحب الفناء، شامخ البناء عالي السناء، ثم أنشأ يقول:

стр. 8317

تَرَى الرِّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهُ … وَفي أَثْوَابَهُ أَسَدٌ هَصُورُ (١) وَيُعْجِبُكَ الطَّريرُ إِذَا تَرَاهُ … فَيُخَلِفُ ظَنَّكَ الرَّجُلُ الطَّريرُ (٢) بُغَاثُ الطَّيرِ أَطْوَلُهَا رِقَابًا … وَلَمْ تَطُلِ البُزَاة وَلَا الصُّقُورُ (٣) خِشَاشُ الطَّيْرِ أَكْثرُهَا فِراخًا … وأُمُّ الصَّقْرِ مِقْلاةٌ نَزُورُ (٤) ضِعافُ الأُسْدِ أَكثَرُهَا زَئيرًا … وأَصْرَمُها اللواتي لا تَزِيرُ وَلَقَدْ عَظُمَ البَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ … فَلَمْ يَسْتَغْنِ بِالعَظْمِ البَعِيرُ يُنَوَّخ ثُمَّ يَضْرِبُ بالهَرَاوَى … فَلَا عُرْفٌ لَدَيْهِ وَلَا نكيرُ (٥) يُقَوِّده الصَّبِيُّ بِكُلِّ أرضٍ … ويَنْحَرُه عَلَى التُّرَبِ الصغيرُ (٦) فقال عبد الملك: للَّه دره، ما أفصح لسانه، وأضبط جنانه، وأطول عنانه! واللَّه إني لأظنه كما وصف نفسه. من خلال مسار الحديث أرى أن هذه هي المقابلة الأولى لكُثَيِّر مع عبد الملك ابن مروان حتى قال له: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، ورد كُثَيِّر بالشعر عليه. لم ينظر الأمويون إلى كُثَيِّر نظرة عدائية لاعتناقه مذهبًا يخالف مذهبهم، ولتظاهره بحب الإِمام علي بن أبي طالب وأولاده وأحفاده، بل كانوا لا يصدقونه بمسألة ما، إلا إذا اقسم لهم به، لأنهم يعرفون مدى إخلاصه له، فكان يأتي ولد حسن بن حسن فيهب الدراهم لهم، ثم يأتي إلى معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر فيقبله ويقول له: أنت من الأنبياء الصغار ورب الكعبة.

стр. 8318

مع كل مودته تلك، كان كُثَيِّر ينتسب إلى الأمويين ويمدحهم بشعره وينال أعطياتهم، وهم يدركون بأن كُثَيِّرًا لا يشكل عليهم أية أخطار متوقعة، فهو مجرد شاعر قزم الشخصية لا يزيد طوله على ثلاثة أشبار، يبحث عن العشق والغرام وينشد أشعاره حوله، ومنظره يوحي إلى السخرية والتندر فهم أحبوا شعره وعطفوا عليه، ومدحهم وكان صادقًا في مدحه إياهم. كُثَيِّر وعبد الملك بن مروان: دخل كُثَيِّر على عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين، إن أرضًا لك يقال لها غُرَّب ربما أتيتها وخرجت إليها بولدي وعيالي فأصبنا من رطبها وتمرها بشراء مرة وطعمة مرة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعمرنيها فعل؟ فقال له عبد الملك: ذاك لك. فندمه الناس وقالوا له: أنت شاعر الخليفة ولك عنده منزلة، فهلا سألت الأرض قطيعة! فأتى الوليد فقال: إن لي إلى أمير المؤمنين حاجة فأجلسني قريبًا من البرذون فلما استوى عليه عبد الملك قال له: إيه! وعلم أن له إليه حاجة، فقال كُثَيِّر: جَزَتْكَ الجَوازِي عن صَديقكَ نَظرةً … وَأَدْنَاكَ رَبِّي في الرَّفِيق المُغرَّبِ فإِنَّكَ لا يُعَطِى عَليكَ ظُلامةً … عَدوٌ ولا تَنْأَى عن المُتَقرِّبِ وإِنَّك مَا تَمْنَع فَإِنَّك مَانعٌ … بحقٍّ وَمَا أَعْطَيتَ لَمْ تَتَعَقَّبِ فقال له: أترغب غربًا (١)؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: اكتبوها له ففعلوا (٢). وروى أن عبد الملك بن مروان قال له: ويحك! الحق بقومك من خزاعة فأخبر أنه من كنانة قريش وأنشد كُثَيِّر قوله:

стр. 8319

أَلَيْسَ أَبِي بِالصَّلْتِ أَم ليس إخوتي … بكل هجانٍ مِنْ بَنِي النَّضْرِ أَزْهَرَّا فَإِنْ لمْ تَكُونُوا مِنْ بَنِي النَّضْرِ فَاتْرُكُوا … أَرَاكًا بِأَذْنَابِ القَوابل أَخْضَرَا أُبِيَتْ الَّتِي قَدْ سُمَتني ونَكْرتُها … ولو سُمتَها قبلِي قَبيصَةَ أَنْكَرَا لَبسْنَا ثيابَ العَصْبِ فاخْتَلطَ السَّدَى … بِنَا وَبِهِمْ وَالْحَضْرَمِيَّ المخَصّرا (١) فقال له عبد الملك: لابد أن تنشد هذا الشعر على منبري الكوفة والبصرة، وحمله وكتب إلى العراق في أمره، فأجابته خزاعة الحجاز إلى ذلك وقال فيه الأحوص، ويقال: بل سراقة البارقي: لَعَمْري لقَدْ جَاءَ العِراقَ كُثَيِّرٌ … بِأحْدُوثةٍ مِن وَحيه المُتكَذَّبِ أيزعمُ أني من كِنَانةَ أوّلي … وَمَاليَ من أُمُّ هُناكَ وَلا أبِ وأجابه كُثَيِّر وقيل أبي علقمة الخزاعي فقال: أبَا خُبَثٍ أكرمْ كِنَانَةَ أنَّهم … مَواليك إنْ أمرٌ سَما بِكَ مُعَلقُ ورد عليه الأحوص في قصيدة نذكر منها: فإنَّكَ لا عمرًا أبَاكَ حَفظْتُهُ … ولا النَّضَر إن ضَيَّعتَ شَيخَكَ تَلْحَقُ وَلَم تُدرِك القَومَ الذينَ طَلَبْتَهُمْ … فَكُنْتَ كَمَا كَانَ السِّقاءُ المُعَلَّقُ (٢) خرج عبد الملك بن مروان لحرب مصعب بن الزبير فنظر إلى كُثَيِّر في ناحية من عسكره يسير مطرقًا، فدعا به وقال: لأعلم ما أسكتك وألقى عليك بثك، قال كُثَيِّر فإن أخبرتك عنه أتصدقني؟ قال نعم: قال: قل وحق أبي تراب لتصدقني. قال: واللَّه لأصدقنك. قال: لا أو تحلف به، فحلف به. فقال تقول: رجلان من قريش أحدهما صاحبه فيحاربه، القاتل والمقتول في النار، فما معني سيري مع أحدهما إلى الآخر ولا آمن سهمًا عاثرًا لعله أن يصيبني فيقتلني فأكون معهما!

стр. 8320

قال: واللَّه يا أمير المؤمنين ما أخطأت (١). قال: فارجع من قريب. وأمر له بجائزة. بين عبد الملك وكُثَيِّر: سأل عبد الملك بن مروان وكُثَيِّرًا: من أشعر الناس اليوم يا أبا صخر؟ قال من يروي أمير المؤمنين شعره، فقال عبد الملك: أما إنك لمنهم. وقال كُثَيِّر لعبد الملك: كيف ترى شعري يا أمير المؤمنين؟ قال: أراه يسبق السحر ويغلب الشعر. وكان عبد الملك بن مروان يخرج شعر كُثَيِّر إلى مؤدب ولده مختومًا يرويهم إياه ويرده (٢). عبد الملك بن مروان وكُثَيِّر: دخل كُثَيِّر على عبد الملك بن مروان فقال له: نشدتك بحق علي بن أبي طالب هل رأيت أحدًا قط أعشق منك؟ قال يا أمير المؤمنين لو نشدتني بحقك أخبرتك؟ فقال: نشدتك بحقي إلا أخبرتني؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، بينا أنا أسير في بعض الفلوات فإذا أنا برجل قد نصب حباله فقلت له: ما أجلسك ههنا؟ قال: أهلكني وأهلي الجوع. فنصبت حبالتي هذه لأصيب لهم ولنفسي ما يكفينا ويعصمنا يومنا هذا. قلت: أرأيت إن أقمت معك فأصبت صيدًا أتجعل لي منه جزأ؟ قال: نعم، فبينا نحن كذلك وقعت فيها ظبية، فخرجنا نبتدر، فبدرني إليها فحلها، وأطلقها فقلت: ما حملك على هذا؟

стр. 8321

قال: دخلتني لها رقة لشبهها بليلى. وأنشأ يقول: أيا شبه ليلي لا تَراعي فإنَّني … لكِ اليومَ من وحْشيَّةٍ لصَديقُ (١) أَقُولُ وقَدْ أَطْلقْتُهَا من وِثَاقِها … فَأَنْتِ للَيْلَى إنْ شَكَرْتِ عتيقُ (٢) كُثَيِّر وأعجب أخباره: سأل عبد الملك كُثَيِّرًا عن أعجب خبر له مع عزَّة؟ فقال: حججت سنة من السنين وحج زوج عزَّة بها، ولم يعلم أحد منا بصاحبه، فلما كنا ببعض الطريق أمرها زوجها بابتياع سمن تصلح به طعامًا لأهل رفقته، فجعلت تدور الخيام خيمة خيمة حتى دخلت إلي وهي لا تعلم أنها خيمتي، وكنت أبري أسهمًا لي، فلما رأيتها جعلت أبري وأنا انظر إليها ولا أعلم حتى بريت عظامي مرات ولا أشعر به والدم يجري، فلما تبينت ذلك دخلت إلي فأمسكت يدي وجعلت تمسح الدم عنها بثوبها، وكان عندي نحي من سمن فحلفت لتأخذنه، فأخذته وجاءت إلى زوجها بالسمن، فلما رأى الدم سألها عن خبره فكاتمته، حتى حلف لتصدقنه، فضربها وحلف لتشتمنيه في وجهي. فوقفت علي وهو معها فقالت لي: يا بن الزانية وهي تبكي، ثم انصرفا فذلك حين أقول: يُكَلِّفُهَا الخِنزيرُ شَتْمي وَمَا بهَا … هَواني ولكنْ للْمَليكِ اسْتَذلَّتِ (٣) يجوز أنه جرح نفسه، أما أنه بري عظامه وهو لا يشعر، فهذه رواية مبالغ فيها؟ عزَّة وعبد الملك بن مروان: دخلت عزَّة على عبد الملك بن مروان وقد عجزت، فقال لها أنت عزَّة كُثَيِّر؟ فقالت: أنا عزَّة بنت حُميل.

стр. 8322

قال: أنت التي يقول لك كُثَيِّر: لِعَزَّة نَارٌ ما تَبوخُ كأنها … إذا ما رَمَقْتَاها من البُعْدِ كوكَبُ (١) فما الذي أعجبه منك؟ قالت: كلا يا أمير المؤمنين! فواللَّه لقد كنت في عهده أحسن من النار في الليلة القرة. وفي رواية ثانية: فقالت له: أعجبه مني ما أعجب المسلمين منك حين صيروك خليفة. فضحك حتى بدت له سن سوداء كان يخفيها، فقالت له: هذا الذي أردت أن أبديه. فقال لها: هل تروين قول كُثَيِّر فيك: وقد زَعَمت أني تَغيَّرتُ بَعْدَها … ومَن ذا الذي يا عزُّ لا يتغيَّرُ تغيَّر جسمي والخَليقَةُ والتي … عَهدْتِ ولم يُخَبرْ بسرِّك مُخْبَرُ قالت لا! ولكني أروي قوله: كَأنِّي أُنَادِي صَخْرَةً حِينَ أَعْرَضْت … مِنْ الصُّمِّ لَوْ تَمْشِي بِهَا العُصْمُ زَلَّتِ صُفُوحًا فَمَا تَلْقَاكِ إِلَّا بَخِيلَةٌ … فَمِنْ مَلَّ مِنْهَا ذلكَ الوصْلَ مَلْتِ (٢) فأمر بها فأدخلت على عاتكة بنت يزيد، وفي رواية ثانية: أنها أدخلت على أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان - فقالت لها: أرأيت قول كُثَيِّر: قضى كلُّ ذي دَينٍ فوَّفّي غَريمَة … وعزَّة ممطولٌ مُعنَّى غَريمُها ما هذا الذي ذكره؟ قالت: قبلة وعدته إياها. قالت: أنجزيها وعلي إثمها (٣).

стр. 8323

عبد العزيز بن مروان وكُثَيِّر عزَّة: دخل كُثَيِّر على عبد العزيز بن مروان وهو مريض وأهله يتمنون أن يضحك فلما وقف عليه قال له: واللَّه أيها الأمير لولا أن سرورك لا يتم بأن تسلم وأسقم لدعوت ربي أن يصرف ما بك إليَّ، ولكني أسأل اللَّه أيها الأمير العافية ولي في كنفك النعمة، فضحك وأمر له بمال: وأنشد له: ونَعودُ سيِّدَنا وسيِّد غيْرنَا … ليْتَ التَشَكِّي كان بالعُوَّاد لو كاَن يَقبَلُ فِدْيةً لفدَيْتُهُ … بالمُصْطفَى من طارِفي وتَلادِي (١) يزيد بن عبد الملك وكُثَيِّر: وقدم كُثَيِّر على يزيد بن عبد الملك وقد مدحه بقصائد جياد مشهورة، فأعجب بهن يزيد، وقال له: احتكم. قال: وقد جعلت ذلك إلي! قال: نعم. قال: مائة ألف. قال: ويحك! مائة ألف!! قال: على جود أمير المؤمنين أبقي أم على بيت المال؟ قال: ما بي استكثارها، ولكني أكره أن يقول الناس: أعطى شاعرًا مائة ألف ولكن منها عروض؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. وكان كُثَيِّر يحضر سَمَر يزيد ويدخل عليه، فقال له ليلة: يا أمير المؤمنين ما يعني الشماخ بقوله: إذَا عَرِقَتْ مغابنُها وَجَادَتْ … بدرَّتِها قِرَى جحِنٍ قَتينِ (٢)

стр. 8324

فسكت عنه يزيد فقال: بَصْبَصنَ إذ حُدين! ثم أعاد، فسكت عنه يزيد، فقال: بَصْبَصنَ إذ حُدين! فقال له يزيد وما على أمير المؤمنين أن لا يعرف هذا؟ هو القراد أشبه الدواب بك، وكان كُثَيِّر قصيرًا متقارب الخلق، فحجب عن يزيد فلم يصل إليه، فكلم مسلمة بن عبد الملك يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، مدحك؟ قال: بكم مدحنا؟ قال بسبع قصائد: قال: سبعمائة دينار، واللَّه لا أزيده عليها. نهاية كُثَيِّر: قال لما حضرته الوفاة: بُرِّئْتُ إِلَى الإِلَهِ مِنْ ابْنِ أَرْوَى … وَمِنْ دَيْنِ الخَوارجِ إِجْمَعِينَا وَمِنْ عَمْرٍ بَرِئْتُ وَمِنْ عَتِيقٍ … غداة دُعي أَميرَ المومنينا (١) بكى بعض أهل كُثَيِّر عليه وهو في رمقه الأخير يودع الحياة، فقال كُثَيِّر: لا تبك فكأنك بي بعد أربعين ليلة تسمع خشفة نعلي من تلك الشعبة راجعًا إليكم. مات كُثَيِّر وعكرمة مولى ابن عباس في يوم واحد فاجتمعت قريش في جنازة كُثَيِّر ولم يوجد لعكرمة من يحمله، وذلك في سنة خمس ومائة. فقال الناس: مات اليوم أفقه الناس، وأشعر الناس. وجاء أيضًا: فما تخلفت امرأة بالمدينة ولا رجل عن جنازتيهما، وغلب النساء على جنازة كُثَيِّر يبكينه ويذكرون عزَّة في ندبتهن له، وقد جاوز ثمانين سنة، بسنة أو اثنتين. وكانت وفاته في خلافة يزيد بن عبد الملك (٢). وكان كُثَيِّر متزوجًا وله أولاد، ولكن العشق عنده فجر قريحته وله قصيدة جميلة نذكر منها عدة أبيات ويمكن العودة إلى ديوانه: خليليَّ هذا ربعُ عُزَّة فاعْقِلا … قلوصَيكما ثمّ أبكيا حيثُ حلَّتِ وما كنتُ أدري قبلَ عَزَّةَ ما البكا … ولا موجعات القلب حتى تولَّتِ فقلتُ لهَا يا عزَّ كلُّ مصيبة … إذا وُطِّنَت يومًا لها النَّفسُ ذَلَّتِ وواللَّهِ ثُمَّ اللَّهِ ما حلَّ قبلها … ولا بَعْدَها من خُلَّةٍ حيث حَلَّتِ (٣)

стр. 8325

محمد (*) أبو الشيص الخزاعي هو محمد بن رزين بن سليمان، وأبو الشيص لقب غلب عليه، وهو عم دعبل (١) الخزاعي، وورد عنه أيضًا "هو أبو الشيص محمد بن علي بن رزين الخزاعي" من أهل الكوفة شاعر مطبوع، سريع البديهة، وبارع في وصف الشراب، وأبو الشيص لقب وكنيته أبو جعفر، توفي سنة (١٩٦ هـ) (٢). وجاء عنه أيضًا هو محمد بن عبيد اللَّه. . . أبو الشيص الخزاعي" (٣). وقال عنه أبو تمام: كان أبو الشيص شاعرًا إسلاميًا متوسط المحل من شعراء عصره غير نابه الذكر لوقوعه بين مسلم بن الوليد وأشجع وأبي نواس، فخمل ذكره وعمي في آخر عمره وله مراث في عينيه قبل ذهابهما وبعده وهو سريع الهاجس جدًّا، والشعر عنده أهون عليه من شرب الماء على العطشان، ويعتبر من أوصف الناس للشراب وأمدحهم للملوك (٤). وقال صاحب الأغاني عنه هو "محمد بن رزين بن سليمان بن تميم بن نهشل، وقيل ابن نهيس بن خراش بن خالد بن عبد بن دعبل بن أنس بن خزيمة ابن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر بن ثعلبة (٥). كان أبو الشيص يقول عن قصيدته هذه "إنها أجمل ما قلت" وأثنى عليها الشعراء كأبي نواس: وَقَفَ الهَوَى بِي حَيثُ أَنْتِ فَليس لي … مُتأخَّرٌ عَنه ولا مُتقَدَّمُ (٦)

стр. 8326

أجدُ المَلامَةَ في هَوَاك لَذيذَةً … حُبّا لذكْرِك فَلْيَلُمْني اللُوَّمُ (١) أَشْبهت أعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمْ … إذْ كَانَ حَظِّي مِنْكَ حَظِّي منهُمُ (٢) وَأَهْنتنِيَ فأهَنْتُ نَفْسِي صَاغِرًا … مَا مَنْ يَهُونُ عَليكِ مِمَّنْ أُكرِمُ (٣) انقطع أبو الشيص إلى عُقبة بن جعفر بن الأشعث الخزاعي وكان أميرًا على الرَّقة فمدحه بأكثر شعره، فقلما يروى له في غيره، وكان عُقبة جوادًا فأغناه عن غيره، ولأبي الشيص ابن يقال له عبد اللَّه شاعر أيضًا صالح الشعر، وكان منقطعًا إلى محمد بن طالب، فأخذ منه جامع شعر أبيه، ومن جهته خرج إلى الناس، وكان أبو الشيص سريع الهاجس جدًّا فيما ذكر عنه، ولأبي الشيص كغيره من الشعراء الرثاء والغزل والهجاء والمديح. قال أبو الشيص: لما مدحت عقبة بن جعفر بقصيدتي التي أولها: لا تَنْكري صدي ولا إعراضي … ليس المُقِلُّ عن الزمان بِراضِ أمر بأن تعد وأعطاني لكل بيت ألف درهم (٤)، إذ قال: أبقى الزمانُ به ندوب عضَاضَ … وَرَمَى سوادَ قُرونه بياضِ (٥) نَفَرتْ به كأسُ النديم وأغمضتْ … عنه الكواعبُ أيَّما إغماضِ (٦) ولربما جُعلتْ محاسن وجهه … لجفونها غَرضًا من الأغراضِ حَسرَ المشيبُ قِناعه عن رأسهِ … فرميتَه بالصدِّ والإعراض إثنان لا تصبو النساء إليهما … ذو شيبة وَمُحالف الإنفاضِ (٧)

стр. 8327

فوعودهِنَّ إذا وعدنكَ باطل … وَبُرُوقُهن كواذب الإيماضِ (١) لا تُنكري صَدِّى ولا إعراضي … ليس المقلُّ على الزمان براضِ حُلّي عِقال مطيتي لا عن قلًى … وامضي فإني يا أميمة ماضِ عُوِّضت عن بُرْد الشباب مُلاءَةً … خَلَقًا وبئس معوضَةُ المعتاضِ أيَّام أفراسُ الشباب جوامحٌ … تأبي أعنَّتها على الرُّوَّاضِ وركائب صرفتْ إليك وجوهَهَا … نَكبَاتُ دهر للفتى عضَّاضِ شَدُّوا بأعواد الرِّحال مَطيّهم … من كل أهوجِ للحصَى رَضَّاض يرمينَ بالمرءِ الطريقَ وتَارة … يَحْذفن وَجْه الأرضِ بالرضاضِ (٢) قَطعُوا إليكَ رياض كل تَنُوفِةٍ … ومهامه مُلْس المنون عراضِ (٣) أكلَ الوجيفُ لحُومَها ولحومَهمْ … فأتوك أنْقاضًا على أنقَاضِ (٤) ولقد أَتتك على الزمانِ سواخطًا … فرجعن عنك وهنَّ عنه رواضِ إن الأمانَ من الزَمَانِ وريبه … يا عُقْبَ شَطًّا بحركِ الفيّاضِ بحر يلوذ المُعْتَفُونَ بنَيْله … فَعمْ الجداول مُترَع الأحواضِ (٥) ثَبْت المقام إذا التوى بعدّوه … لم يخش مِنْ زَللٍ ولا إدخاضِ (٦) غيث توشَّحت الرياض عِهاده … ليثٌ يطوفُ بغابةٍ وغياضِ (٧) ومشمّرٍ للموت ذيل قميصه … قَاني القَنَاة إلى الردى خوَّاضِ (٨) لأبي محمّدٍ المرجَّى راحتا … مَلكٍ إلى أعلى العُلا نهَّاضِ فَيَدٌ تدفَق بالندى لوليِّه … ويدٌ على الأعداء سمٌّ قاضِ وجناح مقصوص تحيَّفَ ريشه … ريبُ الزمان تحيُّف المِقْراضِ أنْهَضْتَه ووصلت ريش جناحه … وجبرته يا جابر المُنْهاضِ (٩)

стр. 8328

نفسي فداؤك أيّ ليث كتيبةٍ … يُرمَى بِها بين القنا المرفاضِ (١) وما طرأ لأبي الشيص في الدنيا وسارت به الركبان هذه القصيدة وهي من عيون شعره إذ قال: أَشاقكَ والليلُ مُلْقي الجِرانِ … غُرابٌ يَنوحُ على غُصْنِ بَانِ أحمُّ الجَناح شديد الصِّياح … يُبكِّي بعينين لا تَهْمُلانِ (٢) وفي نَعَباتِ الغرابِ اغترابٌ … وفي البَانِ بَيْنٌ بعيدُ التَّدانِ (٣) لعَمْري لئنْ فَزعَتْ مُقلتا؛ … إلى دمعةٍ قَطْرُها غيرُ وانِ (٤) فَحُقَّ لعينيك أَلا تجفَّ … دموعُهما وهما طَرِفانِ (٥) ومن كان في الحيِّ بالأَمْس منك … قريبَ المكان بعيدُ المكانِ فهل لك يا عيشُ من رَجْعةٍ … بأيَّامِك المُونقاتِ الحسانِ فيا عيشَنا، والهوى مُورق … له غُصنٌ أخضرِ العود دانِ (٦) لعلَّ الشباب ورَيْعانَهُ … يُسَوِّدُ ما بيّضَ القادمانِ وهيهات يا عيش من رجعة … بأغْصَانِكَ المائلات الدَّوَاني لقد صَدَعَ الشيبُ ما بيننا … وبينك صَدْعَ الرِّداءِ اليماني عليك السلام فكم ليلة … جموحٍ دليلٍ خَليعِ العنانِ (٧) قَصَرْتُ بك اللَّهوَ في جانبيه … بِقَرْعِ الدُّفوفِ وعَزَفِ القَيانِ وعَذْراءَ لمْ تَفْتَرِعْها السُّقَاةُ … ولا اسْتَامها الشَّرْبُ في بيتِ حانِ ولا احْتَلَبَتْ دَرَّها أَرْجُلٌ … ولا وَسَمَتْها بنارٍ يَدانِ (٨)

стр. 8329

ولكن غَذَتْهَا بألبانِها … ضُروُعٌ يَحُفُّ بها جدولانِ (١) إلى أن تحوّل عنها الصِّبا … وأَهدى الفطامَ لها المرضعانِ فلم تَزَلْ الشمسُ مَشْغُولةً … بصبغتها في بطون الدِنانِ (٢) تُرَشحها لِلثَامِ الرجال … إلى أن تصدّى لها الساقيانِ فَفَضَّا الخواتِيم عن جَوْنِةِ … صَدوفٍ عن الفحلِ بكرٍ عَوَانِ (٣) عَجُوزِ غذا المسكُ أَصْدَاغَها … مُضمَّخة الجلدِ بالزعفرانِ يطوفُ علينا بها أحورٌ … يَداهُ مِنَ الكأسِ مَخْضُوبَتانِ لياليَ تُحْسَبُ لي من سِنيَّ … ثمان وواحدةٌ واثنتانِ غلامٌ صغير أُخو شِرَّةٍ … يَطيرُ معي للهوى طَائرانِ جَرُور الإزارِ خَليل العِذَارِ … عليَّ لِعهد الصِّبا بُرْدتانِ (٤) أُصيب الذنوبَ ولا أتقي … عُقوبةَ مَا يَكْتبُ الكاتبانِ تَنَافَسُ فيَّ عيونُ الرجال … وتعثر بي في الحجُولِ الغواني فأقْصَرتُ لما نَهاني المشيبُ … وأَقصَر عَن عذلي العاذلانِ وعافتْ عُيوف وأترابها … رُنُوِّي إليها وملَّت مَكاني وراجعتُ لما أطارَ الشباب … غرابان عن مفرقي طائرانِ رأَت رجلًا وَسَمتْه السِّنونَ … بريْبِ المشيب وريبِ الزمانِ (٥) فَصَدتْ وقالتْ: أخو شيبة … عديمٌ. ألا بِئْسَتِ الحالتانِ فقلت: كذلكَ من عَضَّه … من الدَهرِ ناباه والمخلبانِ وعُجْتُ إلى جملٍ بازلٍ … رحيبٍ رَحى الزور فَحل هجانِ (٦) سَبوحُ اليدين طموحِ الجرانِ … غَؤول لأنساعه والبطانِ (٧)

стр. 8330

فعضَّيت أَعواد رحلي به … وناباه من زمعٍ يضربان (١) فلما استقلَّ بأَجْرانهِ … ولانَ على السَّيْرِ بعضَ اللِّيانِ قَطعتُ بهِ من بلادِ الشامِ … خُرُوقًا يضَلُّ بها الهاديانِ (٢) إلى مَلكٍ من بني هاشمٍ … كريم الضرائب سبط البنانِ إلى عَلمِ البأسِ في كفِّه … من الجود عينان نضَّاختانِ (٣) ومن قلائد أبي الشيص قصيدته التي مدح بها عقبة بن الأشعث الخزاعي فقال: مَرَتْ عَيْنَهُ للشَّوقِ فالدمْعُ مُنْسَكِبْ … طُلولُ ديارِ الحيِّ والحيُّ مغترِبْ (٤) كسا الدّهرُ بُرْدَيْهَا البِلى ولرُبّما … لَبسْنا جديديْها وأعلامنا قُشُبْ (٥) فغيَّر مغناها ومحَّتْ رسُومَها … سَماءٌ وأرواحٌ ودهرٌ لها عَقَبْ (٦) تَبدَّلتِ الظُّلْمانِ بعد أَنيسها … وَسُودًا من الغِربانِ تبكي وتنتحبْ (٧) وعهدي بها غنَّاء مخضَرَّة الرُّبا … يَطيبُ الهوى فيها ويستحسن اللَّعب وفي عَرصَات الحيِّ أَظْبٍ كأنَّها … موائِدُ أغْصانٍ تأَوَّدُ في كُثُبْ (٨) عَفائفُ لم يكشفن سِترًا لِغَدْرَةٍ … ولم تَنْتحِ الأطرافُ منهنَّ بالرِّيبْ فأدْرجَهم طيُّ الجديدينِ فانطَوَوْا … كذاك انصداعُ الشَّعْب ينأَى ويقترب وكأسٍ كسا الساقي لنا بعْد هَجَعَة … حواشَيها ما مَجَّ من ريقهِ العنبْ (٩) كُمَيْت أَجادتْ جمرةُ الصيفِ طَبْخَها … فآبَتْ بلا نار تُحَشُّ ولا حَطَبْ (١٠) لَطيمة مِسكٍ فُتَّ عَنْهَا خِتامُها … معتَّقة صَهْباءُ حِيريَّة النَّسَبْ (١١)

стр. 8331

ربيبةُ أحقابٍ جلا الدهرُ وجْهَها … فليس بها -إلا تلالؤها- ندبْ (١) إذا فُرُجاَتُ الكأس منها تُخيِّلتْ … تأَمَّلتَ في حَافَاتِها شُعَل اللَّهَبْ كأنَّ اطِّرادَ الماءِ في جَنَباتِها … تَتبَّعُ ماءُ الدَّرّ في سُبُكِ الذَّهَبْ سَقَاني بها والليلُ قد شَابَ رأسُه … غَزالٌ بحنَّاءَ الزّجاجة مُخْتَضَبْ يَكادُ إذا ما ارْتَجَ ما في إزَارَه … مَالتْ أعاليه من اللين يَنْقضِبْ تَرَبَّعَ في أطلالها بعد أهْلِها … زَمانٌ يُشِتُّ الشَمْلَ، في صرفِهِ عَجَبْ عَواتقُ قد صَانَ النَّعيمُ وُجُوهها … وخَفَّرها خَفْرُ الحواضن والحُجُبْ لطيفُ الحشى عَبْلُ الشَّوَى مُدْمَجُ القَرَى … مريضُ جُفونِ العين في طيِّهِ قَبَبْ (٢) أَميلُ إذا قائد الجهل قادني … إليه وتلقاني الغواني فَتَصْطَحِبْ فورَّعني بعد الجهالة والصِّبَا … عن الجهل عهدٌ بالشبيبة قد ذَهَبْ وأَحداثُ شَيْبِ يَفْتَرعْنَ عن البِلى … ودهرٌ -تَهِرُّ الناس أيَّامُهُ- كَلبْ فأَصبحتُ قد نكَّبْتُ عن طُرُق الصِّبا … وَجَانَبتُ أحداثَ الزُّجاجة والطَّرَبْ يحطَّان كأسًا للنديم إذا جَرَتْ … عليّ وإنْ كانت حَلالا لمن شَرِبْ ولو شِئْتُ عاطَاني الزجاجة أحورٌ … طويلٌ قَناةِ الصُّلْبِ مُنْحَزِلُ العَصَبْ ليالينَا بالطَّفِّ إذْ نحنُ جيرةٌ … وإذْ للهوى فينا وفي وَصْلِنا أَزَبْ ليالي تسعى بالمدامةِ بيننا … بناتُ النَّصارى في قلائدها الصُّلُب تُخالسني اللذاتِ أيدي عَواطلٍ … وجُوفٌ من العبدان تبكي وتَصْطَخِبْ (٣) إلى أَنْ رَمى بالأربعين مُشِبُّهًا … ووقَّرني قرع الحوادث والنَّكَبْ (٤) وكْفْكَفَ من غربي مَشيبٌ وَكَبْرَةٌ … وأحكمني طولُ التجارب والأدبْ (٥) وبحرٍ يحارُ الطرفُ فيه قطعته … بِمَهنُوءَةٍ من غير غُرٍّ ولا جربْ (٦)

стр. 8332

مُلاحكة الأضلاع محبوكة القَرى … مُدَاخلة الرَّايات بالقار والخشبْ (١) مُوَثَّقة الألواح لم يُدْمِ متنَهَا … ولا صفحتيها عَقْدُ رَحْلِ ولا قَتَبْ (٢) عريضةُ زَوْرِ الصدر دَهمْاء رَسْلة … سنَادٌ خَليعُ الرأس مزمومة الذَّنَبْ (٣) جَموحُ الصَّلا موارة الصدر جَسْرَةٌ … تَكَادُ من الإِغْراقِ في السير تَلْتَهِبْ (٤) مُجفَّرة الجنبين جَوفَاءَ جَونْة … نَبيلةُ مجرى العرْض في ظهرهَا حَدَبْ (٥) مُعلَّمةٌ لا تَشْتكي الأَيْنَ والوَجى … ولا تَشْتَكي عَضَّ النُّسوعِ ولا الدَّأَبْ (٦) ولم يَدْمَ من جَذْبِ الخشَاشة أَنفُها … ولا خَانَها رَسْمُ المنَاسب والنَّقَبْ (٧) مُرَقَّقَةُ الأخْفَافِ صُمٌّ عِظامُها … شَديدة طَيِّ الصُّلْب معصوبةُ العَصَبْ يَشقُّ حُبابَ المَاءِ حَدُّ جِرانِها … إذا ما تَفَرَّى عن منَاكبها الحَبَبْ إِذا اعْتَلَجَتْ والريحُ في بَطْن لُجَّةٍ … رأَيتَ عَجاجَ الموتِ من حولِها يَثِبْ تَرامى بها الخُلْجانُ من كلِّ جانبٍ … إلى مَتنٍ مُقتِّر المَسَافة مُنجذبْ (٨) وَمَثقُوبة الأخفاف تَدْمَى أُنُوفها … معرَّقة الأصلاب مطويّة القُرُبْ (٩) صَوَارِعُ للشَّعْبِ الشديد التيامُهُ … شَواعبُ للصَّدْعِ الذي ليسَ يَنْشَعِبْ (١٠)

стр. 8333

ومن قلائد أبي الشيص المبالغة السائرة في الأرض قوله: يا دَارُ مَالَكِ ليس فيكِ أَنيسُ … إلا معالم آيُهنُ دُرُوسُ (١) الدهرُ غَالَكِ أمْ عراك من البِلى … بعدَ النَّعيم خُشُونةٌ ويُبُوسُ (٢) ما كانَ أخْصَبَ عيشَنَا بكِ مرَّة … أَيامَ رَبْعُكِ آهِلٌ مَأنُوسُ فَسَقَاكِ يا دارَ البِلى مُتَجرّفٌ … فيه الرَّواعِدُ والبروق هجوسُ دارٌ جَلا عنها النعيم فَرَبْعُها … خلَقٌ تمرُّ به الرياحُ يبيسُ طَلَلٌ مَحتْ أيُّ السماِء رُسُومَهِ … فكأنَّ باقي مَحْوهنَّ دروسُ ما اسْتَحلَبتْ عينيك إلا دِمْنَةٌ … ومَخرَّبٌ عنه الشَّرى مَنْكُوسُ ومخيَّسٌ في الدار يَنْدبُ أهْلَهُ … رثُّ القلادة في الترابِ دَسيسُ (٣) أَنس الوحوشُ بها فليسَ بربعها … إلا النعامُ تَرُودُه وتَحَوسُ (٤) رَبْعٌ تَربَّعَ في جَوانبه البِلى … وَعَفَتْ مَعَالِمُه فَهُنّ طُموسُ (٥) يَدْعُو الصَّدَى في جَوفهِ فيُجِيبهُ … رُبْدُ النعام كأنَّهُنَّ قُسوسُ (٦) ولربّما جرَّ الصَّبَا لي ذَيلَهُ … فيه، وفيه مأنَفٌ وأَنيسُ من كُلِّ ضامرة الحشَا مهضومة … لحبالهَا بحبالنا تَلْبيسُ مُتستّراتٌ بالحياء لوابسٌ … حُلَلَ العَفَاف عن الفواحش شُوسُ (٧) وسبيئةٌ من كَرْمها حِبريَّةٌ … عذراءُ منْ لَمسِ الرِّجَال شَموسُ (٨) لم يَفْتقِ النُّعمان عُذْرتَها ولم … يَرْشفْ مُجَاجَة كَاسهَا قَابُوسُ (٩) كَتبَ اليهودُ على خَواتمِ دَنّها … يَا دنّ أنتِ على الزمَانِ حَبيسُ

стр. 8334

ذِمِّيةٌ صلَّى وزَمْزَمَ حَولَها … من آل بَرمكَ هَرْبدٌ ومَجُوسُ (١) تَجَلُو الكَئُوسَ - إذا جلَتْ عن وَجهِهَا … شمسًا غَذَاهَا الشَمْسَ فَهِي عَروسُ عَكَفَتْ بها عُفْرُ الظبَاء كأنَّها … بأَكفهنَّ كواكبٌ وشموسُ (٢) من كلِّ مرتَجِّ الرَّوادف أَحورٍ … كِسْرى أَبوه وأمه بَلْقيسُ رَخُو العِنان، إذا ابتديت فخادم … وإذا صبوت إليه فهو جَليسُ يَسْعَى بإبريقٍ كأَنَّ فِدَامَهُ … من لونها في عصفرٍ مَغموسُ (٣) يسقيكَ ريقَ سبيئةٍ حِيريَّة … مما اسْتَبَاهُ لفصْحِه القسيس بين الخَورْنقِ والسَّدير مَحِلَّة … لِلَّهْوِ فيهَا منزلٌ مَطْمُوسُ (٤) فالنَّدُّ من ريحانها مُتَضَوِّعٌ … والظَّهر من غزلانِهَا مَدْحُوسُ (٥) نَحِسَ الزَّمانُ بأهْلِهَا فَتَصَدَّعُوا … إنَّ الزَمَان بأَهْلِهِ لَنَحُوسُ كُنَّا نَحُلُّ به ونحنُ بغبطةٍ … أيامَ للأَيَّامِ فيه حَسيسُ فَبَنَى عَليهِ الدهرُ أَبْنية البلى … فَعَلَى رَبَاه كآبةٌ وعبوسُ وَصَريع كأس بتُّ أرقبهُ وَقَدْ … نَهَشَتْهُ من أَفْعَى المدامِ كَئوُسُ عَقلَ الزُّجَاجُ لسَانَه وَتَخَاذَلَتْ … رِجْلاهُ فهو كأنَّه مَطسُوسُ (٦) سَطَتِ العُقارُ به فَرَاحَ كأنَّما … مَجَّ الرَّدَى في كأسِهِ الفَاعُوسُ (٧) ومما يستحسن له قوله: نَهَى عَنْ خُلِّةِ الخَمْرِ … بَياضٌ لاحَ في الشَّعْرِ وَقَد أَغْدو وعَينُ الشمـ … ـسِ في أثوابِها الصُّفْرِ عَلَى جَرْداءَ قَبَّاءَ الـ … ــحَشا مُلْهِبة الحُضْرِ (٨)

стр. 8335

بِسيفٍ صَارِمٍ الحَدِّ … وزقٍّ أَحْدَبَ الظَّهْرِ وَظَبْي يَعْطِف الأُزْرَ … وَيثْنِيها على الخَصْرِ على أَلْطفِ ما شُدّتْ … عليه عُقَدُ الأُزْرِ مَهَاةٌ تَرْتَمي الألبا … بِ عَنْ قَوْسٍ مِنَ السِّحْرِ لها طَرْفٌ يَشوبُ الخمـ … ــــــرَ للنُّدْمان بالخَمْرِ عَفيفُ اللَّحظ والأَعضا … ءِ في الصَّحْو وفي السُّكْر (١) عَلَى عَذْراءَ لَمْ تُفْتَق … بنارٍ لا ولا قِدْرِ عَجُوزٌ نَسَجَ الماءُ … لَها طَوْقًا من الشَّذْرِ (٢) كأنَّ الذَّهبَ الأحمـ … ـــــرَ في حَافَاتِها يَجْرِي وَليلٍ تَرْكَبُ الرُكبَا … نُ في أَجوافِه الخُضْرِ بأرضٍ تُقَطعُ الحَيْرَ … ةُ فيها بالقَطَا الْكُدرِ (٣) تمسَّكتُ على أَهْوَا … لِها باللَّه والصَبْرِ وإعمال بنات الريـ … ــحِ في المَهْمَهِ والقَفْرِ شماليلَ يُصافحن … مُتُونَ الصِّخْرِ بالصَّخْرِ بإيجافٍ يَقُدّ الليـ … ــــــــلِ عَنْ نَاصيةِ الفَجْرِ (٤) أنشد لعدد من الشعراء في مجلس المأمون مثل بشار ومسلم ابن الوليد ونظرائهما فلم يهش لشيء من ذلك، وفضل عليهم أبا الشيص الخزاعي لقصيدته التي يقول فيها: جَلا الصبحُ أوْنيَّ (٥) الكرَى عَنْ جُفُونِهِ … وفِي (٦) صَدْرِهِ مثلُ السِّهَامِ الَقواصِدِ تَمَكَّنَ من غِرَّاتِه الحبُّ فانْتَحَى … عَليهِ بأَيْدٍ أَيِّداتٍ حواشدِ (٧)
следующие страницы →