وقال الرحالة (بركهارت) (١): والخيول الأصلية القلية الموجودة في مكة والتي تم شراؤها من البدو، يتم إرسالها في الربيع عادة لبعض مضارب البدو، لترعى عشب الصحراء الطيب المغذِّي، ويمتلك الشريف يحيى فرسا رمادية من مجموعة أفراس الشريف غالب، قدر ثمنها بعشرين كيسا، وهي من أجمل المخلوقات التي رأيتها، وهي الفرس الوحيدة التام جمالها، التي رأيتها في الحجاز وبدو الحجاز -خاصة من كان منهم حول مكة- لا يمتلكون إلا قليلا جدا من الخيول، إذ لا يمتلك إلا قلة من شيوخ البدو بعضا منها، فالمراعي نادرة، كما أن الحصان يستلزم مصروفا يوميا قدره ثلاثة قروش.
وفي السهل الشرقي، خلف الطائف نجد الخيول أكثر عددا، وإن كانت أعدادها في هذا السهل لا تصل إلى أعدادها في نجد وبادية الشام نتيجة الندرة النسبية في الحبوب.
وقال أيضًا (٢): وكان عند شريف مكة (الشريف غالب) مجموعة ممتازة من الخيل، إذ كانت أحسن فحولها تجلب من نجد لتباع في البلدة المقدسة، وقد أصبح معتادا بين نساء البدو اللاتي ياتين إلى مكة لأداء الحج أن يحضرن ومعهن فحول خيل أزواجهن هدية إلى الشريف، فيتلقين منه مقابل ذلك ملابس حريرية، ومجوهرات ونحوها. انتهى
وتجدر الإشارة إلى أن الأشراف لهم فروع كثيرة متفرقة، في (تهامة) وفي (الجوف) شرق اليمن، ولسكان هذه المنطقة عناية بالخيل الأصلية وترجع إليهم بعض أصولها القديمة كأصل (كحيلة كروش) وأصول بعض خيل (آل مرة) و (بني هاجر) كما ورد في كتاب (الأصول) (٣).
стр. 9557
وقال الدكتور أحمد مبروك خبير الخيل بعد زيارته للحجاز ومشاهدة الخيل في هذه المنطقة سنة ١٣٥٥ هـ (١٩٣٦ م) (١): (وكل ما هو موجود في الحجاز الآن هو بضع مئات من الأفراس ونتاجها، معظمها يملكه الأمير فيصل وحرسه، والشيخ عبد اللَّه السليماني والجيش، وإني لأذكر من الأسف أنه وإن وجد بعض الأفراس الجميلة نوعا ما فإن التأكد من نسبها غير مستطاع لسببين:
الأول: أنها مستوردة لم تولد في المكان الذي يعثر عليها فيه.
والثاني: انتقاء وجود كتاب للنسب، حتى إن الأمير فيصل يأبى أن يعطي شهادة بنسب الأفراس النازحة، مهما يبدو عليها من محاسن الخيول العربية، وإنما يستطيع ذلك للخيول التي يعرفها معرفة شخصية ويعرف أنها ولدت وتربت في نجد وهي قليلة العدد جدا. انتهى
ما ذكره العلَّامة والباحث المعروف الشريف محمد بن علي الحسني في العقود اللؤلؤية عن قبائل الأشراف بالمملكة العربية السعودية:
قال الشريف محمد الحسني عن الإمام الحسن بن علي ﵄ الذي تنتسب إليه معظم الأشراف بالمملكة بالوقت الحاضر:
ريحانة الرسول ﷺ (٢).
الحسن بن علي، ريحانة الرسول ﷺ ، ولد في النصف من شهر رمضان بالمدينة المنورة سنة ثلاث من الهجرة.
стр. 9558
قالت أم الفضل: يا رسول اللَّه رأيت كأن عضوا من أعضائك في بيتي.
قال: رأيت خيرًا تلد فاطمة غلاما فترضعينه بلبن قثم، فولدت الحسن فأرضعته بلبن قثم (ابنها).
قال علي بن أبي طالب ﵁:
"لما ولد الحسن جاء رسول اللَّه ﷺ فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ قلت سميته "حربا" قال: بل هو "حسن" فلما ولد الحسين سميناه حربا، قال: بل هو "حسين" فلما ولد الثالث، جاء النبي ﷺ فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ قلت: سميته حربا، قال: هو محسن.
قال أبو أحمد العسكري: سماه النبي ﷺ الحسن وكناه "أبا محمد" ولم يكن يعرف هذا الاسم في الجاهلية.
وبلغ من فرح الرسول بمولد هذا الطفل الميمون أن أمر بحلق رأسه، وأن يتصدق بزنة شعره فضة كما أمر بنحر كبشين وزعت لحومهما على الفقراء.
ولد الحسن في هذه البيئة الطاهرة العامرة بالتقوى والإيمان، وفي هذا البيت المتواضع الذي أسس على الفضيلة وخشية اللَّه تعالى فكأن عينيه قد تفتحتا على أكرم المشاهد وأعزها عند المسلمين عامة.
ما كاد الحسن يشب عن الطوق حتى أخذ الرسول ﷺ يعلمه مما علمه اللَّه، وينشئه على خير ما تنشأ الأولاد. روى عن الحسن أنه قال: "علمني رسول اللَّه ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت".
وقد أخذ الرسول ﷺ يبث في قلب الحسن الغض حب الحق والعدل والإيثار، وينفخ في روح الصبي القناعة والرضى. فقد روى عن الحسن أنه قال: أذكر من
стр. 9559
رسول اللَّه أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فتركتها في فمي فنزعها بلعابها، وجعلها في تمر الصدقة فقيل: يا رسول اللَّه، ما كان عليك من هذه التمرة؟
قال: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة".
وكان يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الكذب ريبة والصدق طمأنينة".
اختار الرسول ﷺ الرفيق الأعلى والحسن لم يجاوز الثامنة من عمره، ولكنه رغم هذه السن الغضة، وعى الشيء الكثير وتأدب بآداب الرسول الكريم وتخلق بأخلاقه (١).
ثم بويع أبو بكر الصديق ﵁ بالخلافة وكان الحسن ما زال في ميعة الصبا ولم يذكر التاريخ شيئًا عن حياته في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر بن الخطاب، وإن كنا نعتقد أنه كان ينشأ كما ينشأ فتية الصحابة وأبناؤهم بحفظ القرآن، ويروي الحديث ويتأدب بآداب السنة الشريفة.
فلما آلت الخلافة إلى عثمان بن عفان ﵁ كان الحسن قد بلغ العشرين واكتملت رجولته وبلغ في الأدب وسمو الخلق الغاية وأشرف في العلم على النهاية، فلما هَمَّ عثمان بفتح طبرستان أعد لذلك جيشا بقيادة سعيد بن العاص فاتخرط الحسن في سلكه ومعه من جلة الصحابة -رضوان اللَّه عليهم-: عبد اللَّه بن العباس، وعمرو بن العاص، والزبير بن العوام؛ لأنه أحب أن ينال ثواب الغزو في سبيل اللَّه وأجر السعي لإعلاء كلمة الحق. وقد اضطر ملك جرجان إلى طلب الصلح من سعيد بن العاص، وعاد الجيش ظافرا، وآب الحسن إلى المدينة يحيا حياته الأولى، من إقبال على القرآن والحديث والتفقه فيهما.
ثم امتحن المسلمون بفتنة عثمان وحوصر في داره بالمدينة، فبعث علي بن أبي طالب ﵁ بالحسن إلى دار عثمان ليحميه ويشترك مع شباب قريش في الدفاع عنه، ولكن عثمان قُتل واجتاحت الفتنة العالم الإسلامي، وبويع علي بالخلافة
стр. 9560
وانتقل إلى الكوفة. ولا شك أن الحسن والحسين قد رحلا إلى هذه المدينة ليكونا بجوار أبيهما.
لم تصرف الخلافة وأبهتها عليا بن أبي طالب عن أخذ الناس بالسوية، لا فرق في ذلك بين قريب أو بعيد. فقد كان لا يعطي ولديه الحسن والحسين أكثر من حقهما، فكانا يعيشان في الكوفة عيشة الزاهد المتقشف بعدا عن الدنيا، وإيثارًا للآخرة وثوابها.
يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب" (١):
"كان علي إذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئًا إلا قسمه، ولا يترك في بيت المال منه إلا ما يعجز عن قسمته في يومه ذلك. ولم يكن يستأثر من الفيء شيئًا ولا قريبًا ولا يخص به حميما ولا يخص بالولايات إلا أهل الديانات والأمانات".
فلما قُتل علي بن أبي طالب ﵁ لثلاث عشرة بقيت من رمضان سنة أربعين للهجرة بايع أهل العراق ولده الحسن بن علي، وبقي نحو سبعة أشهر خليفة للعراق وما يليه من خرأسان والحجاز واليمن وغيرها. ولم تثبت خلافة الحسن أمام قوة معاوية بن أبي سفيان، فآثر أن يتنازل عن الخلافة حقنا لدماء المسلمين. وكان يقول: ما أحببت أن إلى أمر أمة محمد على أن يهراق في ذلك محجمة دم.
روي عن الحسن أنه قال لعبد اللَّه بن جعفر ﵄:
- إني رأيت رأيا أحب أن تتابعني عليه.
- ما هو؟
- رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي الأمر لمعاوية، فقد طالت الفتنة، وسفكت الدماء وقطعت السبل.
- جزاك اللَّه خيرًا عن أمة محمد.
стр. 9561
وقد خطب الحسن في وفود أهل العراق فقال:
"إنكم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا وأطيعوا"!!
أصبح معاوية صاحب السلطان في العالم الإسلامي كله وقد أُثر عن الحسن أنه قال يوم دخل معاوية الكوفة في شهر ربيع الثاني سنة ٤١ هـ:
"ألا إن أكيس الكيس التقي وإن أعجز العجز الفجور. وإن هذا الأمر الذي اختلفت أنا ومعاوية فيه، إما أن يكون أحق به مني وإما أن يكون حقي تركته للَّه لإصلاح أمة محمد وحقن دمائكم" ثم التفت إلى معاوية وقال:
- ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾ (الأنبياء).
كان الحسن ورعًا، ذا سكينة ووقار وحشمة يكره الفتن وإراقة الدماء ما سمعت منه كلمة فحش قط.
دعاه ورعه وفضله إلى ترك الملك والدنيا رغبة فيما عند اللَّه تعالى، وكان لا يحج إلا ماشيا وكان يقول:
- إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته.
وكان جوادا تقيا يصوم النهار ويقوم الليل.
وصفه أخوه محمد ابن الحنفية وصفا دقيقا فقال:
- "أنت عقبة الهدى وخلف أهل التقوى وخامس أصحاب الكساء غذتك بالتقوى أكف الحق، وأرضعتك ثدي الإيمان، وربيت في حجر الإسلام".
ورث الحسن والحسين معا جدهما وأباهما فصاحة اللسان، وقوة الجنان وحضور البديهة والحلم والكرم (١).
стр. 9562
سأله رجل صدقة ولم يكن عنده ما يسد به فاستحى أن يرده فقال:
ألا أدلك على شيء يحصل لك منه بر؟ قال: بلى، فما هو؟ قال: اذهب إلى الخليفة فإن ابنته توفيت وانقطع عليها وما سمع من أحد تعزية فعزه بقولك له:
"الحمد اللَّه الذي سترها بجلوسك على قبرها ولا هتكها بجلوسها على قبرك"، فذهب الرجل وفعل ما قال له: فذهب عن الخليفة حزنه وأمر له بجائزة وقال له أكلامك هذا؟ قال: لا بل كلام فلان.
قال: صدقت فإنه معدن الكلام الفصيح، وأمر له بجائزة أخرى.
إن من يلوذ بأهل البيت، لا يرد خائبا بل ينال كما يريد وفوق ما يريد، فإنهم منبع الكرم والجود والإحسان، قد كان في استطاعة الحسن أن يعتذر لمن سأله بأنه ليس لديه شيء يعطيه ويكون عذره وقتئذ مقبولا، ولكنه التمس له طريقة يفرج بها غرب السائل فأشار عليه بما تقدم فنال الخير الكثير.
خرج الحسن والحسين وعبد اللَّه بن جعفر، ﵃ حجاجا. فلما كانوا ببعض الطريق جاءوا وعطشوا وقد فاتتهم أثقالهم، فنظروا إلى خباء فقصدوه فإذا فيه عجوز، فقالوا: هل من شراب؟ فقالت نعم، فأناخوا بها وليس عندها إلا شويهة، فقالت: احلبوها واشربوا لبنها ففعلوا ذلك. فقالوا لها: هل من طعام؟ قالت: هذه الشويهة ما عندي غيرها، فأنا أقسم عليكم باللَّه إلا ما ذبحها أحدكم حتى أهيئ لكم الحطب فاشووها وكلوا، ففعلوا ذلك وأقاموا عندها حتى أبردوا. فلما ارتحلوا من عندها، قالوا لها: يا هذه، نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين، فألمي بنا فإنا صانعون بك خيرا إن شاء اللَّه تعالى. ثم ارتحلوا. وأقبل زوجها فأخبرته فغضب وقال: ويحك أتذبحين شاتنا لقوم لا نعرفهم ثم تقولين نفر من قريش!
ثم بعد دهر طويل أصابت المرأة وزوجها السنة فاضطرتهم الحاجة إلى دخول المدينة فدخلا يلتقطان البعر فمرت العجوز في بعض سكك المدينة معها مكتلها تلتقط فيه البعر، والحسن ﵁ جالس على باب داره، فنظر إليها فعرفها فناداها
стр. 9563
وقال لها: يا أمة اللَّه هل تعرفينني؟ فقالت: لا، فقال: أنا أحد ضيوفك يوم كذا، سنة كذا في المنزل الفلاني (١). . . إلخ.
ققالت: بأبي أنت وأمي لست أعرفك!
قال: فإن لم تعرفينني، فأنا أعرفك. فأمر غلامه فاشترى لها من غنم الصدقة ألف شاة وأعطاها ألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى أخيه الحسين ﵁ فلما دخل بها على أخيه الحسين عرفها، وقال: بكم وصلها أخي الحسن؟ فأخبره فأمر لها بمثل ذلك ثم بعث بها مع الغلام إلى عبد اللَّه بن جعفر ﵄، فقال: واللَّه لو بدأت بي لأتعبتهما وأمر لها بألفي شاة وألفي دينار. فرجعت وهي أغنى الناس.
كان الحسن ﵁ حاد الذكاء حاضر البديهة، قوي الحجة معدن الفهم، وينبوع العلم اغتسل ﵁ وخرج من داره في بعض الأيام وعليه حلة فاخرة ووفرة ظاهرة ومحاسن سافرة فعرض له في طريقه شخص من فقراء اليهود وعليه مسح من جلود، وقد أنهكته العلة، وركبته القلة والذلة، وشمس الظهيرة قد شوت شواه وهو حامل جرة ماء على قفاه.
فاستوقف الحسن ﵁، وقال: يا ابن رسول اللَّه، سؤال.
قال: ما هو؟
قال: جدك يقول: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر". وأنت مؤمن وأنا كافر فما أرى الدنيا إلا جنة لك تنعم بها، وما أراها إلا سجنا علي قد أهلكني ضيرها وأجهدني فقرها.
قال الحسن: "يا هذا لو نظرت إلى أعده اللَّه لي في الآخرة لعلمت أني في هذه الحالة بالنسبة إلى تلك سجن. ولو نظرت إلى ما أعد اللَّه لك في الآخرة من العذاب لرأيت أنك الآن في جنة واسعة" (٢).
стр. 9564
عُرف اليهود منذ زمن الرسول ﷺ بالدس وصنع الأكاذيب والترهات وتشكيك المسلمين في عقائدهم وقد حاربهم الرسول ﷺ في المدينة وأجلاهم عنها لخيانتهم ونقضهم العهود والمواثيق. وقد أسلم بعضهم عن عقيدة صحيحة لكن بقي أكثرهم حانقا على المسلمين. وكان رأس المنافقين عبد اللَّه بن أبي بن سلول الذي راح يبث الفتنة، ويدبر المؤامرات ضد الرسول ﷺ والذين آمنوا معه وعبد اللَّه بن سبأ الذي صار ينتقل في البلدان وينشر الدعاية ضد عثمان بن عفان ﵁ ويحض على الثورة.
وفي هذه القصة التي ذكرناها نجد أن هذا اليهودي يعترض على الحسن لما رآه يرتدي ملابس فاخرة ويذكر له حديث الرسول ﷺ "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" فكيف يتنعم الحسن في الدنيا وهو مؤمن ويشقى اليهودي وهو كافر؟ ولماذا لا يكون حالهما بالعكس إذا كان حديث رسول اللَّه ﷺ صادقا؟ سؤال يريد به إحراج الحسن من جهة وتشكيكه في حديث الرسول من جهة أخرى. ولكن الحسن ﵁ كان حاضر البديهة، فأجاب بجواب مقنع مفحم حيث أوضح له أن حالته التي يشكوا منها هي كالجنة بالنسبة لعذاب الآخرة الذي أُعد للكافرين وأن حالة الحسن التي ظنها نعيما إنما هي كالسجن بالنسبة لنعيم الجنة الذي أعد للمتقين.
توفي الحسن سنة تسع وأربعين، وقيل سنة خمسين، وقيل إنه مات مسموما، دخل الحسين على الحسن ﵄ في مرضه فقال:
- يا أخي إني سقيت السم ثلاث مرات، فلم اْسق مثل هذه المرة، إني لفظت كبدي.
قال الحسين: من سقاك يا أخي؟
- ما سؤالك عن هذا؟ تريد أن تقاتلهم؟، كِلْهُم إلى اللَّه.
وقد اختلف المؤرخون في سبب موت الحسن، فزعم قوم أنه زج ظهر قدمه في الطواف بزج مسموم، وقال آخرون. إن معاوية دس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس الكِنْدي أن تسم الحسن ويزوجها يزيد، فسممته وقتلته، واللَّه أعلم بحقيقة الأمر.
стр. 9565
فقال لها معاوية: إن يزيد منا بمكان، وقد يصلح له من لا يصلح لابن رسول اللَّه! وعوضها عنه مائة ألف درهم.
ولما حضرت الحسن الوفاة قال لأخيه الحسين:
قد كنت طلبت إلى عائشة إذا مت أن تأذن لي فأدفن في بيتها مع رسول اللَّه ﷺ . فأطلب ذلك إليها. فإن طابت نفسها فادفني في بيتها. وما أظن إلا القوم سيمنعونك إذا أردت ذلك فإذا فعلوا فلا تراجعهم في ذلك وادفني في بقيع الغرقد (١).
فلما مات الحسن أتى الحسين عائشة ﵂ فطلب ذلك إليها فقالت: نعم وكرامة، فبلغ ذلك مروان: فقال: واللَّه لا يدفن هناك أبدا، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة ويريدون دفن الحسن في بيت عائشة، وكادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أمية، لولا كلمة من عبد اللَّه بن جعفر لابن عمه الحسين، قال:
- عزمت عليك بحقي ألا تكلم بكلمة.
ومضى بابن عمه الحسين إلى البقيع حيث ثوت أمه السيدة فاطمة الزهراء.
حدث ثعلبة بن أبي مالك قال:
- شهدت الحسن يوم مات ودفن في البقيع، فلقد رأيت البقيع، ولو طرحت فيه إبرة ما وقعت إلا على رأس إنسان.
عاش الحسن بن علي زاهدا، ومات زاهدا، طيب اللَّه ثراه وجعل الجنة مثواه (٢).
وقال عن الحسن المثنى ﵁ (٣).
стр. 9566
نسبه:
الحسن المثنى ابن الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمه خولة بنت منظور بن زيان بن سيار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن سمي بن مازن بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
نشأته:
نشأ في كنف والده الإمام السبط الحسن بن علي ﵃ فرضع في هذا البيت الكريم هدي جده الرسول محمد بن عبد اللَّه ﷺ .
ولقد كان له الأسوة الحسنة في أهل بيته الكرام.
ولادته:
ولد سنة ٤٤ هـ تقريبا.
كان سيدًا جليلا رئيسا فاضلا ومطاعا ورعا وهو وصي أبيه ووالي الصدقات بعده. حضر كربلاء مع عمه الحسين بن علي ﵁ وشهد الطف والمأساة وعاد إلى المدينة مع أهل البيت ﵃.
رئاسته (١):
تولى ﵁ صدقات أهل البيت بعد أبيه سيدنا الإمام الحسن بن علي ومعروف أن من يتولى صدقات علي بن أبي طالب -كرم اللَّه وجهه- يكون أيضا رئيس آل البيت جميعا.
تروي مصادر التاريخ التي وصلتنا أن علي زين العابدين ابن الحسين قد نازع الحسن المثنى في الصدقة ثم سلمها له.
стр. 9567
وإن صح ذلك فإن هذه ميزة عظيمة للحسن المثنى لأن زين العابدين بذلك يكون قد رضي بالحسن المثنى رئيسا لصدقات جده الإمام علي -كرم اللَّه وجهه- وهو كفء لذلك.
كذلك في زمن الحجاج نازعه عمر بن علي في أن يشركه معه فيها فأبى عليه وقال واللَّه لا أغير شرطا اشترطه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
مهابته:
تدخل الحجاج في أمر الصدقات في زمن عبد الملك بن مروان. فذهب الحسن المثنى إلى الشام فمكث بباب عبد الملك بن مروان شهرًا لا يؤذن له فذكر ذلك ليحيى ابن أم الحكم وهي بنت مروان. وقال له سأستأذن لك وأرفدك عنده ثم دخل يحيى على عبد الملك بن مروان فاندهش من رجوعه فسأله عبد الملك فقال:
لأمر لم يسعني تأخيره دون أن أخبر به أمير المؤمنين.
قال وما هو؟
قال هذا الحسن بن الحسن بن علي بالباب له مدة شهر لا يؤذن له وإن له ولأبيه وجده شيعة يرون أن يموتوا عن آخرهم ولا ينال أحد منهم ضر ولا أذى.
ثم أمر عبد الملك بإدخاله في الحال.
ودخل فأعظمه وكرمه وأجلسه معه على سريره ثم قال:
لقد أسرع الشيب إليك يا أبا محمد فقال يحيى:
وما يمنعه من ذلك أماني أهل العراق يرد عليه الوفد بعد الوفد يمنونه بالخلافة فغضب الحسن من كلام يحيى وقال له:
بئس الرفد رفدت: ليس كما زعمت ولكن قوم تقبل علينا نساؤنا فيسرع إلينا الشيب.
стр. 9568
فقال له عبد الملك: ما الذي جاء بك يا أبا محمد؟
فذكر له أمره مع الحجاج.
فكتب عبد الملك إلى الحجاج كتابا أن لا يعارض الحسن بن الحسن في صدقات جده.
ثم ختم الكتاب وسلمه إليه وأمر له بجائزة وصرفه مكرما، فلما خرج من عند عبد الملك لحقه يحيى ابن أم الحكم فقال له الحسن: بئس واللَّه الرفد رفدت ما زادت علي أن أغريته بي. فقال له يحيى: واللَّه ما عدوتك نصيحة ولا يزال يهابك بعدها أبدا ولولا هيبتك ما قضى لك حاجة.
وليس ما يهابه به عبد الملك والحسن المثنى هو أشبه الناس في زمنه بجده رسول اللَّه ﷺ خلقا وأدبا وسمتا (١).
زواجه:
خطب إلى عمه الحسين بن علي ﵁ إحدى بناته فأبرز إليه فاطمة وسكينة.
وقال:
يا ابن أخي اختر أيهما شئت، فاستحى الحسن وسكت فقال الحسين: قد زوجتك فاطمة فإنها أشبه الناس بأمي فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ فكانت ثمرة هذا الزواج المبارك ثلاثة أولاد هم:
عبد اللَّه المحض، الحسن المثلث، إبراهيم الغمر.
ونشأوا تربية علوية صالحة عرفوا في التاريخ بالعلم الغزير والأدب الجم والخبرة الصائبة والمعرفة السديدة والعقيدة الراسخة.
стр. 9569
قطعوا في حياتهم أشواطا في سبيل الجهاد والكفاح ضد الأعداء وسيوف العباسيين مصلتة فوق رؤوسهم وسياطهم تلهب ظهورهم وأبواب السجون مفتوحة في وجوه بني الحسن وعوائلهم وهم في كل هذه المحن كانوا أصلب عودا وأقوى شكيمة وأشد مراسا وأقوى إيمانا وأكثر صبرا.
روايته للحديث (١):
روى ﵁ كثير من الأحاديث عن طريق أبيه عن جده ﵈.
(١) روى عن أبيه عن جده مرفوعا "من عال أهل بيت من المسلمين يومهم وليلتهم غفر اللَّه ذنوبه".
(٣) روى عن عبد اللَّه بن جعفر عن علي زين العابدين عن الحسن عن علي بن أبي طالب.
دعاء الكرب هو:
"لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم لا إله إلا اللَّه العلي العظيم لا إله إلا اللَّه رب السموات السبع ورب العرش العظيم".
وروى عن زوجته فاطمة بنت الحسين.
(٣) عن الحسن المثنى عن زوجته فاطمة بنت الحسين عن فاطمة الزهراء ﵍ قالت:
"كان رسول اللَّه ﷺ : إذا دخل المسجد قال: بسم اللَّه والحمد للَّه وصلى اللَّه على رسوله، اللهم اغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: مثل ذلك إلا أنه يقول اللهم اغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب رحمتك وفضلك.
(٤) عن الحسن المثنى عن زوجته فاطمة بنت الحسين عن أبيها عن أمه فاطمة الزهراء بنت رسول اللَّه ﷺ وعلى آله وسلم قالت:
стр. 9570
قال رسول اللَّه ﷺ : "ما التقى جندان ظالمان إلا تخلى اللَّه عنهما ولم يبال أيهما غلب، وما التقى جندان ظالمان إلا كانت الدبرة على أعتاهما".
(٤) عن الحسن المثنى عن زوجته فاطمة بنت الحسين عن فاطمة الزهراء بنت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم قالت: قال رسول اللَّه:
"لا يلومن إلا نفسه من بات وفي يده غمر" (١).
وقد روى عنه ابنه عبد اللَّه المحض وجماعة من المتحدثين.
مبايعته بالإمامة والخلافة:
دعا إليه عبد الرحمن ابن الأشعث الكِنْدي عندما خرج على الأمويين وبايعه الخلافة.
تم توارى الحسن المثنى عند فشل حركة ابن الأشعث ومقتله.
وظل متواريا عن الأمويين حتى سنة ٩٧ هـ حين دس إليه السم سليمان بن عبد الملك.
استشهاده (٢):
استشهد الحسن المثنى ﵁ سنة ٩٧ هـ وعمره ٥٣ سنة وذلك عن طريق دس السم له من قبل دولة الأمويين ﵀ رحمة واسعة.
وخلف من الأبناء ستة رجال وهم:
عبد اللَّه المحض، والحسن المثلث، وإبراهيم الغمر.
وأمهم فاطمة بنت الحسين بن علي ﵄، وداود وجعفر وأمهما أم ولد رومية تدعي حبيبة ﵃ أجمعين، وابن آخر هو محمد بن الحسن المثنى، وبنتان رقية وفاطمة وأمهما رملة بنت سعد بن زيدى بن نفيل العدوي القُرشي.
стр. 9571
وقال الشريف محمد علي الحسني عن عبد اللَّه المحض (١):
أبو محمد عبد اللَّه بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ المدني التابعي.
أمه فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب -كرم اللَّه وجهه- وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد اللَّه.
وسمي المحض لأن أباه الحسن بن الحسن، وأمه فاطمة بنت الحسين.
والإمام عبد اللَّه المحض ﵁ هو ثمرة أول التقاء بين الفرعين المباركين الحسني والحسيني.
وهو أول هاشمي يجتمع فيه الحسن والحسين.
نشأته:
نشأ وتربى تربية علوية خالصة في كنف والده الإمام الحسن بن الحسن السبط ووالدته السيدة فاطمة بنت الحسين السبط. متجمعة في هذا الوليد صفات وسمات الحق الخالص.
تلقى تعاليم الإسلام الحقه منذ نعومة أظفاره، وشب عليها، حفظ القرآن الكريم ورضع أحاديث جده الرسول ﷺ وعلى آله وسلم وسيرته الفاضلة الكريمة فتربى على تلك المثل الكريمة. ثم كان له إلمام كبير بمأساة كربلاء حيث إن جده الحسين أبا أمه، وقد ربت أمه فيه الصبر عند الابتلاء والتحمل، وكان لهذه التربية من هذه السيدة العظيمة أعظم الأثر في تكوين شخصية عبد اللَّه المحض خلال دولة العباسيين.
стр. 9572
ولادته:
ولد سنة ٧٠ هـ، وكان شيخ بني هاشم والمقدم فيهم وذا الكثير منهم فضلا وعلما وكرما.
وكان يقال: من أحسن الناس؟ فيقال: عبد اللَّه بن الحسن. ويقال: من أفضل الناس؟ فيقال: عبد اللَّه بن الحسن. ويقال: من أقول الناس؟ فيقال: عبد اللَّه بن الحسن.
وكان يقول: أنا أقرب الناس من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم ولدني رسول اللَّه مرتين. وقد ولدني بيت فاطمة بنت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
رئاسته:
كان ﵁ شيخ بني هاشم في عصره ومن سادات أهل المدينة وعُبَّادها وعلمائها. وكان له شرف وهيبة في نفوس الناس وكان من المقربين للخليفة عمر بن عبد العزيز.
في بلاط الخليفة (١):
روى سعيد بن أبان القرشي قال:
كنت عند عمر بن عبد العزيز فدخل عليه عبد اللَّه بن الحسن وهو يومئذ شاب في إزار ورداء فرحب به وأدناه وحياه، وأجلسه إلى جنبه وضاحكه ثم غمز عكنة من عكن بطنه وليس في البيت يومئذ إلا أموي فلما قام قالوا له:
ما حملك على غمز بطن هذا الفتى؟
قال: إني أرجو بها شفاعة محمد صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
ثم قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ للأمويين:
стр. 9573
إن الثقة حدثني حتى كأني أسمعه من في رسول اللَّه ﵌:
"إنما فاطمة بضعة مني يسرني ما يسرها" وأنا أعلم أن فاطمة لو كانت حية لسرها ما فعلتُ بابنها.
قالوا: فما معنى غمزك بطنه وقولك ما قلت؟ قال: إنه ليس لأحدٍ من بني هاشم إلا وله شفاعة. هذا وروي عن عبد اللَّه بن الحسن ﵁ قال:
أتيت باب عمر بن عبد العزيز في حاجة فقال لي: إذا كانت لك حاجة فأرسل إلي أن أكتب فإني أستحي من اللَّه أن أراك على بابي.
ولا يستغرب هذا من فقيه الفقهاء في عصره وخامس الخلفاء الراشدين عمر ابن عبد العزيز ﵁ فهو الذي منع سب الإمام علي بن أبي طالب -كرم اللَّه وجهه- وفاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ من على المنابر، كذلك إعطاء بني هاشم (١). فلقد وزع عليهم سهم ذوي القربى وهو خمس الفيء فقسمهُ بينهم بالتساوي رجالًا ونساء صغارا وكبارا.
كذلك شجع هذا الخليفة العادل الفقهاء ورواة الحديث على إظهار الأحاديث الصحيحة التي في آل البيت ومنع المدسوسة على آل البيت التي وضعها سابقوه من بني أمية؛ لكرههم وحقدهم على بني هاشم.
زواجه (٢):
زوج ﵁ ثلاث زيجات أثمرت ذرية مباركة أنارت للأمة طريق الحق ووقفت أمام الباطل مرافعة باللسان والبنان حتى ذهب كثيرًا منهم في سبيل الحق إلى جنات النعيم.
стр. 9574
الزواج الأول:
من هند بنت أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن ربيعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب.
فأنجبت من عبد اللَّه المحض ذرية طيبة مباركة أضاء بهم الزمن وبقوا منارات هدى للناس يضيئون لهم الحياة ويأخذون بأيديهم إلى طريق الحق والسعادة وهما:
(١) محمد ذي النفس الزكية.
(٢) إبراهيم قتيل باحمري.
(٣) موسى الجون.
الزوجة الثانية:
قرينة ركيح بن أبي عبيدة وهي بنت أخ هند بنت عبيدة.
فأنجبت: السيد الإمام يحيى صاحب الديلم.
الزوجة الثالثة (١):
عاتكة بنت عبد اللَّه المخزومية.
فأنجبت: سليمان وإدريس.
فمن سلالة محمد بن سليمان ملوك تلمسان ببلاد الجزائر (المغرب الأوسط)، كما أسس الإمام إدريس بن عبد اللَّه بن الحسن المثنى دولة في بلاد المغرب وعرفت باسم دولة الأدارسة وهو ﵁ الجد المؤسس للأشراف الأدارسة.
أدخل الإمام إدريس قبائل البربر في الإسلام وأنشأ دولة إسلامية قوية لأكثر من قرنين امتدت حتى الأندلس وهو بحق كما لقَّبهُ الخليفة العباسي هارون الرشيد "صقر بني هاشم".
стр. 9575
وأسس كذلك الإمام يحيى بن عبد اللَّه بن حسن دولة في المشرق الإسلامي يوصف بصاحب الديلم حيث إنه أنشأ دولة في بلاد الديلم.
أما محمد النفس الزكية فقد ورث كثير من الصفات في هذه الأسرة الهاشمية من حب العلم والورع والتعبد حتى إنه لُقِّب بالنفس الزكية.
ومن سلالة محمد النفس الزكية ملوك المغرب بالوقت الحاضر.
واتصفت هذه الأسرة الهاشمية بالكرم والسخاء والمروءة والشهامة جعلت الناس ميل إليهم حتى غالوا فيهم.
ولذلك إذا كانت الصفات الخَلْقية والخُلُقية تنقل إلى الأبناء والأحفاد فهي أوضح ما تكون في الأسرة الطالبية الهاشمية فكلهم يجابهون الخصوم مجابهة علنية ولا يعولون كثيرا على أسلوب المكر والدهاء.
وأصدق دليل على ذلك: عندما طلب عبد اللَّه بن عباس ﵁ من سيدنا علي ﵁ أن يرسله إلى معاوية ليعرف كيف يتعامل معه فيقول له سيدنا علي - كرم اللَّه وجهه: "لست من مكرك ومكر معاوية في شيء ولا أعطيه إلا السيف حتى يغلب الحق على الباطل".
ويظفر علي ﵁ بعمرو بن العاص في صفين ثم يتركه مروءة وشهامة.
وكذلك فعل ابنه محمد ابن الحنفية عندما ظفر بمروان بن الحكم الأموي في معركة الجمل تركهُ، وقد سألة مروان القرابة والرحم.
هذه المجابهة للخصوم هي التي سنراها في تصرفات محمد وأخيه إبراهيم الغمري اللذين استشهدا ضد جيوش المنصور العباسي آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ضد جيوش الطغيان.
أما موسى الجون ابن عبد اللَّه المحض فقد أسس بنوه فيما بعد إمارة الحجاز التي استمرت فيهم متوارثة جيلًا بعد جيل حتى توحيد المملكة العربية السعودية
стр. 9576
في القرن الماضي ومن ثم انتقل مُلكهم من الحجاز شرق الأردن حتى الوقت الحاضر (١).
مناقبه وفضله (٢):
عبد اللَّه المحض ابن الحسن المثني ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي تابعي روى عن أبيه وأمه فاطمة بنت الحسين وعن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب وغيرهم.
وروى عنه جماعة منهم سفيان الثوري والدواردي ومالك:
كان مُعظَّم عند العلماء، وكان عابدًا كبير القدر، وكان ﵁ شيخ بني هاشم والمقدم فيهم وذا الكثير منهم فضلًا وعلمًا وكرمًا.
روى علي بن أحمد الباهلي قال سمعت مصعبا الزبيري يقول:
انتهى كل حسني إلى عبد اللَّه بن الحسن. وكان يقال: من أحسن الناس؟ فيقال: عبد اللَّه بن الحسن ويقال: من أفضل الناس؟ فيقال: عبد اللَّه بن الحسن ويقال: من أقوى الناس؟ فيقال: عبد اللَّه بن الحسن.
روى عباد بن يعقوب قال حدثنا تليد بن سليمان قال: رأيت عبد اللَّه بن الحسن وسمعته يقول: "أنا أقرب الناس من رسول اللَّه ﵌ ولدني رسول اللَّه ﵌ مرتين".
كذلك روى عبد اللَّه بن موسى الجون، قال:
أول من اجتمعت له ولادة الحسن والحسين عبد اللَّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
روى بندقة بن محمد بن حجارة قال:
стр. 9577
رأيت عبد اللَّه بن الحسن فقلت: هذا واللَّه سيد الناس كان ملبسا نورا من قرنه إلى قدميه.
كذلك روى أحمد بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن الحسن قال: حدثني عيسى بن عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قال: ولد عبد اللَّه بن الحسن في بيت فاطمة بنت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في المسجد. قال عنه يحيى بن معين: كان ثقه صدوقًا.
روايته للحديث (١):
روى عبد اللَّه بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين.
عن فاطمة ﵍ قالت: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم إذا دخل المسجد قال: بسم اللَّه الحمد للَّه وصلى اللَّه على رسوله اللهم اغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال مثل ذلك، إلا أنه يقول: اللهم اغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب رحمتك وفضلك.
عن عبد اللَّه بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن أبيها عن أمه فاطمة الكبرى بنت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم قال: قال رسول اللَّه: "لا يلومن إلا نفسه من بات وفي يده غمر".
روى عبد اللَّه بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن أبيها عن أمه فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ قالت: قال رسول اللَّه: "ما التقى جندان ظالمان إلا تخلى اللَّه عنهما ولم يبال أيهما غلب وما التقى جندان ظالمان إلا كان الدبرة على أعتاهم".
محنة عبد اللَّه بن الحسن ﵁ في سجن المنصور وآل بيته الكرام (٢).
سنة ١٤٤ هـ حج بالناس أبو جعفر المنصور العباسي فتلقاه الناس وكان من ضمن من تلقاه عبد اللَّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃
стр. 9578
فأجلسه المنصور على السماط، ثم جعل يحادثه بإقبال زائد وسأله عن ابنيه إبراهيم ومحمد فحلف عبد اللَّه بن الحسن أنه لا يدري أين صارا من أرض اللَّه. وصدق في ذلك، ثم ألح المنصور على عبد اللَّه في طلب ولديه. فغضب عبد اللَّه من ذلك وقال: واللَّه لو كانا تحت قدمي ما دللتك عليهما، فغضب المنصور وأمر بسجنه وأمر ببيع رقيقه وأمواله. فلبث في السجن ثلاث سنين.
ثم لم يكف هذا المنصور العباسي قطيعة الرحم مع بني عمومته من البيت الهاشمي بل تجاوز من ظلمه وتعسفه أن أمر بسجن جميع آل الحسن بدون جريمة اقترفوها وهم:
عبد اللَّه بن حسن، والحسن بن الحسن، ومحمد بن عبد اللَّه بن عثمان بن عفان أخوه لأمه، ومحمد بن إبراهيم بن الحسن، وإبراهيم بن الحسن، وعلي بن الحسن بن حسن، والحسن بن الحسن بن الحسن.
ثم نقلهم من سجنهم هذا إلى سجن آخر بالكوفة من أرض العراق.
وقد أركبهم في محامل ضيقة وعليهم القيود والأغلال، فاجتاز بهم المنصور وهو في هودجة.
فناداه عبد اللَّه بن الحسن: واللَّه يا أبا جعفر ما هكذا صنعنا بأسراكم يوم بدر (١).
فأخسأ ذلك المنصور وقفل عليه ونفر عنهم، وقد جعلهم المنصور في سجن لا يسمعون فيه أذانا ولا يعرفون فيه وقتًا للصلاة إلا بتلاوة أجزاء من القرآن كان يقرأها الحسن بن الحسن يعرف بهذا وقت الصلاة.
عقب ابن كثير على تعذيب آل الحسن ووفاتهم في سجن المنصور فقال: فعل المنصور ما يستحقه من عذاب اللَّه ولعنته.
стр. 9579
روى عبد اللَّه بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين ﵂ قالت: سمعت أبي يقول: يقتل منك أو يصاب منك نفر بشط الفرات ما سبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون.
روى عبد اللَّه بن الحسن قال: قالت: أمي فاطمة بنت الحسين ﵂:
رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم في النوم فقال لي: "يا بنية لا تخسري ميزانك وأقيمي وزنه وثقليه بقراءة آية الكرسي فما قرأها من أهلي أحد إلا ارتجت السموات والأرض بملائكتها وقدسوا بزجل التسبيح والتهليل والتقديس والتحميد ثم دعوا بأجمعهم لقارئها يغفر له كل ذنب ويجاوز عنه كل خطيئة".
روى عبد اللَّه بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ورضي عنهما قالت:
أنسيتم قول رسول اللَّه ﷺ يوم غدير خم: "من كنت مولاه فعلي مولاه" وقوله صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة" (١).
روى عبد اللَّه بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن أمه فاطمة بنت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم قالت:
قال رسول اللَّه ﷺ : "كل بني آدم ينتمون إلى عصبتهم إلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وأنا عصبتهم".
هذا ما تيسر جمعه على شح المصادر التي بين يدي ولا شك أن هناك أحاديث أخرى في الكتاب التي لم تصل إلى أيدينا تليق بمكانة شيخ بني هاشم.
استشهاده (٢):
أستشهد عبد اللَّه المحض ابن الحسن المثني في سجن المنصور العباسي وكثير من أهل بيته بعد أن لاقى صنوف العذاب على يد جلاوزة بني العباس.
стр. 9580
يقول ابن كثير: "إنه قتل في السجن عمدا وكان يوم مات عمره خمس وسبعون سنة وصلى عليه أخوه الحسن بن الحسن المثنى".
أبناؤه:
كما تقدم معنا فإن عبد اللَّه المحض أنجب ذرية طيبة مباركة نشرت الإسلام ودافعت عن الآخرين آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر.
استشهد كثير منهم في تحقيق هذا الهدف السامي وهم:
(١) محمد النفس الزكية.
(٢) إبراهيم قتيل بأخمري.
(٣) موسى الجون.
(٤) يحيى صاحب الديلم (إمام الديلم).
(٥) سليمان.
(٦) إدريس إمام المغرب.
موسى الجون:
موسى بن عبد اللَّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: يكنى أبو الحسن، أمه هند بنت أبي عبيدة بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى (١).
نشأته:
يتضح من نسبه أنه ولد عبد اللَّه بن الحسن شيخ بني هاشم وسيدهم وعالم المدينة.
стр. 9581
فلقد نشأ موسى بن عبد اللَّه في كنف والده وتربى تربية هاشمية علوية.
ولقد عانى موسى كثيرًا خلال حياته وتعلم من فواجع آل بيته السابقين الكثير الذي أثر في شخصيته بعد ذلك.
صفاته:
كان أسود اللون ولقبته أمه هند (الجون) حيث كانت ترقصه وهو طفل وتقول:
إنك أن تكون جون أفرغا … يوشك أن تسودهم وتبرعا
وتسلك العيش طريقا مهيعا … فردا من الأصحاب أو مشيعا
محنته وابتلاؤه من قبل أبي جعفر المنصور العباسي:
روى موسى بن عبد اللَّه الشيخ الصالح ابن موسى الجون قال:
لما صرنا بالربذة أرسل أبو جعفر إلى أبي أن أرسل إلي أحدكم وأعلم أنه غير عائد إليكم أبدًا فابتدره بنو إخوته يعرضون أنفسهم عليه فجزاهم خيرًا وقال لهم:
"أنا أكره أن أفجعهم بكم ولكن اذهب أنت يا موسى" (١).
نعم يا لتسامي النفوس عندما تلتحم مع بعض وتتحد.
إن هؤلاء العلويين من بني هاشم يعرضون أنفسهم للموت وهم يعرفون ذلك مسبقا. يدل لك على شجاعتهم ومحبتهم لبعض. ولكن كذلك الشيخ الرئيس عبد اللَّه ابن الحسن من عظمته لا يريد فجيعتهم بل يرسل ابنه!
قال موسى: فذهبت وأنا يومئذ حديث السن فلما نظر إليَّ المنصور قال:
стр. 9582
لا أنعم اللَّه بك علينا، السياط يا غلام، قال فضربت -واللَّه- حتى غشي علي فما أدري بالضرب ثم رفعت السياط عني واستدعاني فقربت منه فقال أتدري ما هذا؟ هذا فيض فاض مني فأفرغت عليك منه سجلا، لم أستطع رده ومن ورائه واللَّه الموت أو تفتدي منه.
ثم إنه أطلقه على شرط أن يأتي بأخويه.
فذهب ولم يفعل وجعل المنصور العيون والجواسيس عليه، حتى مسكه مرة ثانية وسجنه، ثم أمر بضربه خمسمائة سوط فصبر عليها.
فقال المنصور لعيسى بن علي: عذرت أهل الباطل في صبرهم، ما بال هذا الغلام المنعم الذي لم تره الشمس، فكان رد موسى بن عبد اللَّه:
يا أمير المؤمنين، إذا صبر أهل الباطل على باطلهم فأهل الحق أولى.
انظر أخي القارئ لهذا الرد من هذا الفتى الذي لم يرهبه السلطان وتعذيبه في صموده على الحق الذي يعتقده.
وذلك الجواب المسكت من موسى الجون يدل على علو فهمه وإيمانه وثباته في الحق.
فازداد أبو جعفر غضبا وأمر جلاوزته بضربه. فلما فرغوا من ضربه أخرجوه فقال له الربيع وزير الخليفة: يا فتى قد كان بلغني أنك من نجباء أهلك وقد رأيت خلاف ما بلغني.
فقال له موسى: وماذاك؟
قال: رأيتك بين يدي عدوك تحب أن تبلغ في مكروهك وتزيد في مساءتك وأنت تماحكه في جلدك كأنك تصبر على جلد غيرك.
فقال له موسى الجون:
стр. 9583
إني من القوم الذي تزيدهم … قسوا وصبرا شدة الحدثان
زواجه:
تزوج موسى الجون من أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ وهي من عمود نسبها يتضح أنها حفيدة خليفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم سيدنا أبو بكر الصديق رضي اللَّه تعالى عنه.
أولاده (١):
أنجب موسى الجون من زوجته ذرية طيبة مباركة علوية هاشمية تعرف الحق وتدعمه وتنهى عن المنكر.
فلقد أنجب اثنى عشر ولدًا منهم تسع بنات وهن:
زينب: تزوجت محمد بن جعفر الجعفري.
وفاطمة: تزوجت ابن أخي المنصور العباسي.
وأم كلثوم: تزوجت ابن أخي المنصور كذلك.
ورقية: تزوجت إسماعيل بن جعفر الجعفري.
وخديجة وصفية وأم الحسن أمهن طلحة ومليكة وقد تزوجن بأبناء أعمامهن.
أما الرجال فهم:
(١) محمد: درج ولم يعقب.
(٢) وعبد اللَّه الشيخ الصالح.
(٣) إبراهيم.
стр. 9584
يتضح لك أخي الكريم تزويج موسى الجون بناته كلهن إلى الهاشميين منهم أبناء أخي المنصور العباسي رغم عداوة العباسيين لآل علي بن أبي طالب ﵁.
مما يدل على أن السادة الهاشميين الأول كانوا لا يكافئوا الهاشمية سوى بالهاشمي مثلها في النسب (١) وكذلك اليوم فإن هناك هاشميين يأخذون للغير الرأي رغم معارضة كثير لهم في ذلك.
مناقبه:
لقد روى موسى الجون الحديث عن أهله الكرام وروى عنه مشايخ كثير.
وكان ﵁ شاعرا مجيدا.
كتب إلى زوجته يستدعيها للخروج إلى العراق.
لا تتركيني بالعراق فإنها … بلاد بها أس الخيانة والغدر
فإني ملئ أن أجئ بضرة … مقابلة الأجداد طيبة النشر
كذلك من شعره:
لئن طال ليلى بالعراق لقد مضت … علي ليال بالنظم قصائر
إذا الحي منداهم معلاه فاللوي … فمعشر منهم متنزل فقراقر
إذا لا يريم البئر بئر سويقة … قطين بها والحاضر المتجاور
كان رئيس صدقات سيدنا علي بن أبي طالب وخليفة أبيه عبد اللَّه بن الحسن ولقد عارضته فيها عاتكة بنت عبد الملك بن مروان الأموي حيث قال موسى إنه لا يحكم إلا بحكم عبد اللَّه بن الحسن.
فقيل له إن هذا إن بلغ السلطان قبض الأموال.
стр. 9585
فقال: واللَّه لقبضها أحب إلى من تغيير شروط عبد اللَّه.
فكتب إلى أبي جعفر بذلك. فأمر أن يرد ويقسم على حكم عبد اللَّه. كذلك زائدة.
كذلك روى عبد اللَّه بن موسى عن أبيه قال:
دخلت على السفاح العباسي وأنا غلام حديث السن فالتفت إلى أبي فقال: لعل ابنك هذا يروي لامية أبي طالب (١) قال له نعم يا أمير المؤمنين قال: مره لينشدها فقال لي: قم فأنشده إياها فقمت فأنشدته إياها وأنا قائم.
كذلك: دخل موسى يومًا على الرشيد ثم خرج من عنده فعثر بالبساط فسقط فضحك الخدم وضحك الجند فلما قام التفت إلى هارون وقال: يا أمير المؤمنين إنه "ضعف صوم لا ضعف سكر" (٢):
يا للشجاعة عندما تنطق بالدين والحكمة من هذا الرجل في بلاط السلطان حيث لم يجامل السلطان أو يخجل وإنما يضع النقاط على الحروف ويبين موقفه. . . لكي لا يلتبس على أصحاب الأهواء المريضة الفهم.
كان له عبائر وهوماء والسويق - ينبع النخل.
موته:
مات بسويقة بعد أن أفرج عنه أبو جعفر المنصور ورد له اعتباره الخلفاء من بعده، ﵀ رحمة واسعة (٣).
وقال الشريف محمد بن علي الحسني عن عبد اللَّه بن موسى:
стр. 9586
نسبه (١):
عبد اللَّه الشيخ الصالح لقبًا ابن موسى الجون ابن عبد اللَّه المحض ابن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي ﵃.
أمه أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄.
نشأته:
نشأ وتربى في كنف أبيه وحفظ القرآن ثم أحاديث جده رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
حتى لقب بالشيخ الصالح لصلاح حاله وزهده في الدنيا.
عاش متواريا أيام المأمون العباسي ثم بويع من قبل المأمون بولاية العهد بعد علي الرضا ابن موسى الكاظم.
ودعاه المأمون للظهور وبايع له على ذلك.
فأجابه عبد اللَّه الرضا برسالة طويلة يقول فيها:
فبأي شيء تغرني؟ ما فعلته بأبي الحسن ﵁ بالعنب الذي أطعمته إياه فقتلته.
واللَّه ما يقعدني عن ذلك خوف من الموت ولا كراهة له، ولكن لا أجد لي فسحة في تسليطك على نفسي ولولا ذلك لأتيتك حتى تريحني من هذه الدنيا الكدره. . .
ويقول: هبني لا ثأر لي عندك وعند آبائك المستحلين لدمائنا الآخذين حقنا الذين جاهروا في أمرنا فحذرناهم وكنت ألطف حيلة منهم بما استملته من الرضى بنا والتستر لمحننا واحدًا فواحد منا ولكن كنت أمرءًا حبيب إلى الجهاد كما حبب إلى
стр. 9587
كل امرئ بغيته فشحذت سيفي وركبت سناني على رمحي واستفرهت فرسي لم أدر أي العدو أشد ضررا على الإسلام فعلمت أن كتاب اللَّه يجمع كل شيء فقرأته فإذا فيه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ (التوبة).
فما أدري من يلينا منهم فأعدت النظر فوجدته يقول: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. . . (٢٢)﴾ (المجادلة).
فعلمت أن علي أن أبدأ بما قرب مني فتدبرت فإذا أنت أضر على الإسلام والمسلمين من كل عدو لهم؛ لأن الكفار خرجوا منه وخالفوه فحذرهم الناس وقاتلوهم، وأنت دخلت فيه ظاهرًا فأمسك الناس، وطفقت تنقض عراه عروة عروة، فأنت أشد أعداء الإسلام ضررا عليه (١). فأنت ختلت المسلمين بالإسلام وأسرر الكفر، فقتلت بالظنة، وعاقبت بالنقمة، وأخذت المال من غير حله فانفقته في غير حله، وشربت الخمر الحرمة صراحا، وأنفقت مال اللَّه على الملهين، وأعطيته المغنين، ومنعته من حقوق المسلمين، فغششت بالإسلام وأحطت بأقطاره إحاطة أهله، وحكمت فيه للمشرك وخالفت اللَّه ورسوله في ذلك خلافة المضاد المعاند، فإن يسعدني الدهر ويعني اللَّه عليك بأنصار الحق أبذل نفسي في جهادك بذلا يرضيه مني، وإن يمهلك ويؤخرك ليجزيك بما تستحقه في منقلبك أو تخرمني الأيام قبل ذلك فعسى من سعي ما يعلمه اللَّه من نيتي والسلام (٢).
تدل هذه الرسالة من عبد اللَّه الرضا أو الشيخ الصالح على الآتي:
أولًا: فصاحة سيدنا عبد اللَّه الرضا وقوة صحته.
ثانيًا: تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وجه الحكام الظلمة حتى لو كانوا من بني هاشم.
стр. 9588
ثالثا: تأكيده على حقه في الخلافة وإمامة المسلمين دون بني العباس.
رابعًا: تدينه وزهده في الدنيا.
خامسًا: ندرة أنصار الحق في زمنه.
روايته للحديث (١):
روى الحديث عن أبيه عن جده. . . عن رسول اللَّه ﷺ .
خلف من الأبناء:
وعقبه أكثر ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب عددًا وأشدهم بأسًا وأحماهم ذماما.
أعقب من خمسة رجال:
١ - موسى الثاني.
٢ - سليمان.
٣ - أحمد المسوَّر.
٤ - يحيى السويقي.
٥ - صالح.
وفاته:
عاش متواريا طيلة حكم خلافة المأمون إلى أن تولى المتوكل:
روى محمد بن سليمان الزينبي قال:
نعي عبد اللَّه بن موسى للمتوكل العباسي صبيح أربع عشرة ليلة من يوم مات أي بعد أربع عشر ليلة من موته ﵁.
ففرح بذلك المتوكل، لأنه كان يخافه خوفًا شديدًا ويحذر حركته لما يعلمه من فضله وتعلق أنصاره به، وطاعتهم له، ولو أراد الخروج عليه لفعل وانتزع سلطانه.
стр. 9589
وكان عبد اللَّه بن موسى يقول شيئًا من الشعر (١).
وقال عن موسى بن عبد اللَّه بن موسى الجون:
نسبه (٢):
هو موسى الثاني ابن عبد اللَّه الرضى ابن موسى الجون ابن عبد اللَّه المحض ابن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي.
أمه:
أمامة بنت طلحة بن صالح بن عبد اللَّه بن عبد الجبار بن منظور بن زيان بن سيار الفزاري من غطفان من قيس عيلان من مُضَر العدنانية.
سيرته ونشأته:
نشأ على المعالي في كنف والده الشيخ الصالح عبد اللَّه الرضى فغرس فيه مكارم وأخلاق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم.
فحفظه القرآن الكريم وأحاديث المصطفى ﷺ .
يكنى أبا عمر.
وكان سيدا راويا للحديث النبوي الشريف.
روى عنه عمر بن شبة أبو زيد النميري البصيري ومحمد بن الحسن بن مسعود الرزقي ويحيى بن الحسن بن جعفر العلوي وجماعة غيرهم.
ذكر المسعودي المؤرخ في كتابه مروج الذهب (٣):
أن سعيدا الحاجب حمل موسى بن عبد اللَّه ﵁ من المدينة في خلافة المعتز العباسي وكان من الزهاد، ومعه ابنه إدريس بن موسى، فلما صار سعيد بناحية
стр. 9590
زبالة من العراق اجتمع خلق كثير من العرب من بني فزارة أخواله وغيرهم لأخذ موسى بن عبد اللَّه من يده، فسمه سعيد ومات هناك، وخلصت العرب بنو فزارة ابنه إدريس "مات سنة ٢٥٦ هـ".
أولاده (١):
أنجب ثمانية عشر ولدًا ذكر ويقال لهم الموسويون نسبة إليه وفيهم كانت إمرة الحجاز وهم:
(١) عيسى.
(٢) إبراهيم.
(٣) الحسين الأكبر.
(٤) سليمان.
(٥) إسحاق
(٦) الحسين الأصغر.
(٧) الحسن.
(٨) عبد اللَّه.
(٩) أحمد.
(١٠) حمزة.
(١١) إدريس.
(١٢) يوسف.
(١٣) محمد الأصغر.
(١٤) يحيى.
(١٥) صالح.
(١٦) علي.
(١٧) داود.
(١٨) محمد الأكبر.
وقال الشريف محمد علي الحسني عن محمد الأكبر ابن موسى الثاني .
نسبه (٢):
محمد الأكبر ابن موسى الثاني ابن عبد اللَّه الرضا ابن موسى الجون ابن عبد اللَّه المحض ابن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي ﵃، ويقال له الثائر.
стр. 9591
نشأته:
تربى في كنف والده موسى الثاني فنشأ وتربى على تربية أمثاله من الحسنيين العلويين ملتجأ طريق الحق حافظًا للقرآن راويا للأحاديث عارفًا بالتاريخ وعلوم النسب.
خرج على الخليفة العباسي بالمدينة المنورة؛ ولذلك لقب بالثائر لثورته على دولة بني العباس، وقد تحقق له ولأبنائه إمرة الحجاز وانفصالها عن دولة بني العباس.
أولاده:
أنجب خمسة رجال وهم:
(١) عبد اللَّه الأكبر.
(٢) الحسين الأمير.
(٣) علي.
(٤) القاسم الحراني.
(٥) الحسن الحراني.
وقال الشريف محمد علي الحسني عن عبد اللَّه الأكبر ابن محمد الثائر:
يكنى أبا محمد، ولد بالحجاز وتربى تربية علوية هاشمية.
روي أحاديث مرسلة عن أبيه عن جده (١).
أولاده:
أنجب ثلاثة رجال أمهم بنت رجال السُّلَمي من بني سُلَيْم بن منصور من قيس عيلان من مُضَر العدنانية.
стр. 9592
(١) أبو جعفر محمد ثعلب.
(٢) أحمد.
(٣) علي.
وقال الشريف محمد علي الحسني عن علي بن عبد اللَّه الأكبر ابن محمد الثائر:
نشأته:
نشأ في كنف والده عبد اللَّه الأكبر ابن محمد الثائر في الحجاز وتربى تربية علوية هاشمية.
ثم إن علي بن عبد اللَّه تزوج وأنجب: سليمان (١).
وقال عن سليمان بن علي بن عبد اللَّه بن محمد الثائر (٢):
أنجب من الأولاد التالي ذكرهم:
(١) الحسين بن سليمان بن علي بن عبد اللَّه الأكبر ابن محمد الثائر.
(٢) عيسى بن الحسين بن سليمان بن علي بن عبد اللَّه الأكبر ابن محمد الثائر.
(٣) عبد الكريم بن عيسى بن الحسين.
(٤) مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين.
نسبه:
هو مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين بن سليمان بن علي بن عبد اللَّه الأكبر ابن محمد الثائر ابن موسى الثاني ابن عبد اللَّه الرضى ابن موسى الجون ابن
стр. 9593
عبد اللَّه المحض ابن الحسن المثنى ابن الحسن البسط ابن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي.
نشأته:
نشأ في العلقمية في كنف والده وأعمامه وتربى في مضارب قومه وتعلم ما يليق به من علوم الكلام بعد أن حفظ كتاب اللَّه ثم تعلم الفروسية في بادية الحجاز.
زواجه:
تزوج مطاعن بن عبد الكريم ورزقه اللَّه ذرية كريمة أنارت للعلويين من بني هاشم وهيأت لهم مُلك الحجاز فيما بعد.
أولاده:
أنجب من الأولاد:
إدريس - ثعلبة.
أما إدريس من ذريته القتادات حكام مكة سابقًا:
وأما ثعلبة فمن ذريته الأشراف الثعالبة وهم يقطنون جنوبي جدة على ساحل البحر الأحمر وينسبون إلى الشريف ثعلبة بن مطاعن السابق الذكر.
والثعالبة الآن يسكنون جدة ولهم بها حي يعرف بحي الثعالبة، وكذلك في المجيرمة وهي باديتهم ومركزهم، والغالة، وفي الليث، وبمدينة القنفذة يوجد منهم كذلك، وهم اليوم فروع كثيرة منهم الأفخاذ الآتية (١):
١ - ذوي مسعود (كبيرهم الشريف محمد بن العود).
٢ - الطواحرة (كبيرهم الشريف حمود بن ناشئ).
стр. 9594
٣ - ذوي لفَّاي (كبيرهم الشريف لويفي بن نامي).
٤ - المسافرة (كبيرهم الشريف ذيبان بن حماد).
٥ - الدهالكة (كبيرهم الشريف علي بن ناصر آل مطلق الدهلكي الثعلبي) (١).
٦ - ذوي أحمد وتسكن هذه الأفخاذ حول المجيرمة والغصن.
٧ - العسوم.
٨ - القراريص.
٩ - ذوي مكمل.
١٠ - الحجازية.
١١ - الضبسة.
١٢ - الفواضلة.
يجمعهم بطن العسلة وشيخهم عزيز بن عبد العزيز الثعلبي.
وهذه الأفخاذ تسكن شمال الليث فيما حول الغالة، ولقد رأيت عند الشريف محمد الثعلبي (٢) صورة الأراضي المسماة الآن الخمرة حتى حدود المجيرمة من عهد الشريف غالب بن مساعد آل زيد عندما كان في إمرة الحجاز.
وكذلك رأيت على نفس الأمر مباركة الشريف الحسين بن علي العبدلي على ما وهبه الشريف غالب بن مساعد آل زيد للثعالبة.
والأشراف الثعالبة كرام الأنفس وينتسبون إلى الشريف ثعلبة بن مطاعن بن عبد الكريم. . . إلخ (تقدم سابقًا).
وقد أنجب ثعلبة:
١ - أحمد.
٢ - محمد.
ومحمد أنجب كلا من:
стр. 9595
١ - سعد.
٢ - مسعود.
فأحمد هو جد ذوي أحمد وشيخهم اليوم هو الشريف الكريم عارف بن عمر بن لافي الثعلبي وهو من الطواحرة، وهم من ذوي سعيد.
وقال الشريف محمد علي الحسني عن إدريس بن مطاع بن عبد الكريم (١):
نشأته:
نشأ في كنف والده وتربى تربية دينية محافظة علوية هاشمية؛ بالعلقمية من أعمال الحجاز ثم ما لبث أن بز في أقرانه وتفوق عليهم حتى كانت له الرئاسة على قومه.
زواجه:
تزوج إدريس بن مطاعن وأثمر زواجه عن نابغة بني الحسن وهو الشريف قتادة.
أولاده:
١ - الإمام قتادة.
٢ - عيسى.
وقال الشريف محمد علي الحسني عن قتادة بن إدريس:
نسبه (٢):
هو قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين بن سليمان بن علي بن عبد اللَّه الأكبر ابن محمد الثائر ابن موسى الثاني ابن عبد اللَّه الرضى ابن