ما كنت لأسبق ربي تعالى:
فهبط جبريل ﵇ يقرأ على النبي السلام من اللَّه الجليل، وقال له:
سم هذه المولودة زينب فقد اختار اللَّه لها هذا الاسم.
ورويت روايات حول مولد زينب حفيدة المصطفى ﷺ ، روايات إن لم يكن لها موضع في كتب التاريخ المحققة تحقيقا علميا، إلا أنها لها أثرها في الوجدان.
فقد تحدثوا أنه ذاعت نبوءة عند مولدها، وروى أن سلمان الفارسي ﵁ أقبل على علي بن أبي طالب ﵁. يهنئه بالمولودة الجديدة، فوجده حزينا واجما، وحدثه عما ستلقاه يوم كربلاء.
وفي سنن الإمام أحمد بن حنبل أن جبريل أخبر المصطفى ﷺ بمصرع الحسين ﵁ وأهل البيت في كربلاء.
وروى أيضًا أن زينب بنت الزهراء كانت تتلوا يومًا بعض آيات القرآن الكريم، ثم توجهت تسأل أباها تفسير بعض هذه الآيات، فأجابها ﵁. ثم استطرد يلمح لها الدور الخطر الذي ستلقاه، فأجابته ﵂:
أعرف ذلك يا أبي، أخبرتني به أمي كيما تهيئتني لغدي!
ودهش الإمام علي، إذ كانت ابنته تعلم من أمها فاطمة الزهراء ما ينتظرها من أحداث دامية فأطرق وجهه صامتا، وقلبه يخفق رحمة وحنانا وشفقة على ابنته الحبيبة.
عاشت زينب منذ مولدها في المهد الحزين، الذي لفته النبوءة المؤلمة. . ولقد لقيت من جدها الأعظم كل عطف وحنان ومحبة، وأسبغ عليها نور النبوة والحكمة، ودرجت تلك الدرة اليتيمة، في بيت الرسالة، ورضعت لبان الوحي من ثدي الزهراء البتول، وغذيت بغذاء الكرامة من كف ابن عم الرسول ﷺ ، فنشأت نشأة قدسية، ربيت تربية روحانية، متجلببة جلابيب الجلال والعظمة، مرتدية رداء العفاف والحشمة.
стр. 9942
وقد فقدت السيدة زينب جدها ﷺ وهي بنت خمس، وفقدت أمها الزهراء بعد ذلك بشهور قليلة لا تتجاوز السنة، فحزنت لفقدهما حزنا عميقا جعلها أنضج إدراكا وأرهف حسا، فتحملت وهي صبية صغيرة، عبء إدارة بيت أبيها ورعاية شئون أخواتها.
شبت زينب الطاهرة عن الطوق، ونها عودها أفضل ناء، وزكا نباتها الطيب في روضة النبوة، ودوحة الرسالة، وجمَّلها ربها بدنا وروحا، وطبعا وخلقا، وعندما بلغت مبلغ الزواج تهافت عليها الطلاب من شباب بني هاشم وقريش، ذوي الرفعة والشرف. لكن علي بن أبي طالب - كرم اللَّه وجهه، اختار لفتاته، عبد اللَّه بن جعفر.
أبوه جعفر بن أبي طالب، ابن عم الرسول ﷺ ، وأخو علي بن أبي طالب لأبويه، وكان أشبه الناس بالمصطفى ﷺ خلقا وخُلُقًا.
وصفه أبو هريرة ﵁ فقال:
"ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول اللَّه ﷺ خير من جعفر بن أبي طالب".
وكان الرسول يكنيه أبا المساكين.
هاجر بدينه إلى الحبشة إبان عداوة قريش لدعوة الحق الذي جاء به محمد ﷺ من عند ربه ﷻ ، ثم رجع مع من رجع من المسلمين، وصادف وصوله إلى المدينة المنورة فتح خيبر فالتزمه الرسول ﷺ ، وجعل يقبله بين عينيه ويقول:
"ما أدري بأيها أنا أشد فرحا، بقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟ ".
وأنزله الرسول الأعظم ﷺ إلى جنب المسجد.
سار مع كتيبة الإيمان التي توجهت إلى بلاد الروم في السنة الثامنة للهجرة، وقد جعل الرسول ﷺ لواء ذلك الجيش لزيد بن حارثة، فإن أصيب، فجعفر بن أبي طالب على الناس.
стр. 9943
ومضت كتيبة الإيمان حتى إذا كانت بتخوم البلقاء، لقيتهم جيوش "هرقل" فانحاز المسلمون إلى قرية "مؤتة" ودارت معركة رهيبة، قاتل فيها "زيد" براية الرسول الكريم ﷺ حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر بن أبي طالب؛ فقاتل بها حتى إذا الجمه القتال عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام فرسه.
وروي أن الرسول الكريم ﷺ لما أتاه نعي جعفر، دخل على امرأته أسماء بنت عميس، فعزاها فيه ودخلت فاطمة الزهراء ﵂ وهي تبكي وتقول: واعماه!
فقال رسول اللَّه ﷺ : على مثل جعفر فلتبك البواكي.
ودخله من ذلك حزن شديد حتى أتاه جبريل، فأخبره أن اللَّه قد جعل لجعفر جناحين مضرجين بالدم يطير بها مع الملائكة في الجنة (١).
وكان عبد اللَّه بن جعفر أول مولود في الإسلام في هجرة الحبشة، وبايع الرسول ﷺ وهو ابن سبع سنين، وزاد حبه له وعطفه عليه بعد موت أبيه جعفر، حتى إنه مسح على رأسه وقال:
"اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك في صفقة يمينه -قالها ثلاث- وفيه - وأنا وليهم في الدنيا والآخرة".
كان عبد اللَّه كريمًا جوادا حليمًا، يسمى بحر الجود. وقد وصفه ابن عباس ﵄ فقال: "كان للَّه ذكورا، ولنعمائه شكورا، وعن الخنا زجورا، جواد كريم، وسيد حليم، إن ابتدأ أصاب، وإن سُئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا فحاش عياب، حل من قريش في كريم النصاب كالهزبر الضرغام، الجرئ المقدام، ليس يدعى لدعي، ولا يدنو لداني".
стр. 9944
ولما مات سنة ثمانين هجرية، شهد جنازته أهل المدينة كلهم، ورثاه الكثيرون ومنهم أبان بن عثمان أمير المدينة الذي وقف على حافة قبره، ودموعه تسيل على خديه، وهو يقول:
كنت واللَّه خيرًا لا شر فيك، وكنت واللَّه شريفًا واصلًا برا.
وقال هشام المخزومي: أجمع أهل الحجاز والبصرة والكوفة على أنهم لم يستمرا بيتين أحسن مما كتب على قبر عبد اللَّه وهما:
مقيم إلى أن يبعث اللَّه خلقه … لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
تزيد بلى في كل يوم وليلة … وتنسى كما تبلى وأنت حبيب
هذا هو الذي اختاره الإمام علي بن أبي طالب زوجًا لابنته الطاهرة زينب، التي بلغت من تعلق أبيها بها، إن أبقاها معه، حتى إذا ولي أمر المسلمين وانتقل إلى الكوفة، انتقلت وزوجها فعاشا في مقر الخلافة في رعاية أمير المؤمنين.
معركة كربلاء ونجاة علي زين العابدين مؤسس السلالة الحسينية:
خرجت السيدة زينب مع الحسين وبقية أهل البيت إلى كربلاء، حيث استشهد الحسين ﵁ (١).
تحرك موكب الأسرى والسبايا من أهل البيت النبوي الكريم، وما كاد الركب يمر على ميدان المعركة، حتى صاحت النساء، ولطمن خدودهن، وصاحت زينب:
يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء مرمل بالدماء مقطع الأعضاء، يا محمداه هذه بناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا.
فأبكت كل عدو وصديق.
ودخل الموكب الحزين الكوفة.
стр. 9945
وتجمع أهل الكوفة يبكون، فقالت لهم زينب، مبكتة مؤدبة، مقومة مهذبة:
"يا أهل الكوفة"
أتبكون؟! فلا سكنت العبرة، ولا هدأت الرنة!.
إنها مثلكم مثل الذي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألا ساء ما تزرون!
أي واللَّه، فابكوا كثيرًا، واضحكوا قليلًا، فقد ذهبتم بعارها وشنارها، فلن ترحضوها لن تغسلوها أبدًا.
وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، ومدار حجتكم، ومنار محجتكم وهو سيد شباب أهل الجنة!
لقد أتيتم بها خرقاء شوهاء!
أتعجبون لو أمطرت دمًا؟
ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم، أن سخط اللَّه عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.
أتدرون أي كيد فريتم، وأي دم سفكتم، وأي كريمة أبرزتم، لقد جئتم شيئًا إدا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا.
ضج الناس بالبكاء والعويل وفزعوا من هول ما سمعوا، وسقط في أيديهم، وبلغ بهم الأسف مبلغه، ووجفت القلوب، واقشعرت الأجساد من هول تلك المحنة الدهماء.
وعندما أدخل أهل البيت النبوي الكريم إلى حيث عبيد اللَّه بن زياد والي الكوفة، تذكرت السيدة زينب ﵂ تلك القاعة التي كان يجلس فيها -من قبل- أبوها الإمام علي بن أبي طالب، دخلتها هذه المرأة وقلبها متصدع مما مر بها
стр. 9946
من أحداث جسام، ولكنها لاذت بكل كبريائها وعزة نفسها وكرامة محتدها، معتزة بعلو حسبها ونسبها الشريف، ملتفة بجلال النبوة، وجلست منتحية ناحية من القاعة تحف بها إماؤها.
فتساءل ابن زياد عن هذه المنحازة وحدها ومعها نساؤها.
فقال بعض إمائها:
هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ وبنت الإمام علي كرم اللَّه وجهه.
فقال متشفيا فيها:
الحمد للَّه الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم!!
فردت عليه السيدة زينب بكل إباء وشمم:
الحمد للَّه الذي أكرمنا بنبيه ﷺ وطهرنا من الرجس تطهيرا، إنما يفتضح الفاجر ويكذب الفاسق وهو غيرنا.
فلم يصبر ابن زياد على قولها، بل رد عليها قائلًا:
كيف رأيت صنع اللَّه في أهل بيتك وأخيك؟
هنا تتجلى أسمى معاني الإيمان العميق والصبر الجميل والشجاعة النادرة في قولها له:
ما رأيت إلا خيرًا. هؤلاء قوم كتب اللَّه عليهم القتال فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع اللَّه بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلاح يومئذ ثكلتك أمك يا ابن مرجانة!
فأثار هذا الرد الحازم حفيظة ابن زياد، فقال لها وهو في أشد حالات الغيظ:
لقد شفى اللَّه قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المَرَدَة من أهل بيتك.
стр. 9947
فقالت له: لعمري لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثت أصلي فإن كان في هذا شفاؤك فلقد أشفيت.
أثار هذا النقاش بينها وبين ابن زياد حماس وغيرة علي بن الحسين ﵄ على عمته، فانبري صائحا يا بن زياد:
إلى كم تهتك عمتي بين من يعرفها ومن لا يعرفها؟
فالتفت إليه وقال: من أنت؟
فرد عليه في ثبات: أنا علي بن الحسين (١).
قال ابن زياد: أليس اللَّه قتل علي بن الحسين؟
قال علي: كان لي أخ يسمى عليًا قتله الناس بأسيافهم.
فقال ابن زياد: بل قتله اللَّه.
قال علي في إيمان عميق: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لم تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ. . . (٤٢)﴾ (الزمر).
فيسأله ابن زياد في دهشة و عجب: أوبك جرأة على جوابي وفيك بقية للرد؟ ثم صاح بغلانه أن يذهبوا به فيضربوا عنقه.
فتعلقت به عمته السيدة زينب وقالت:
يا ابن زياد حسبك من دمائنا ما ارتويت وسفكت، وهل أبقيت أحدًا غير هذا؟ واللَّه لا أفارقه فإن قتلته فاقتلني معه.
وقال علي: اسكتي يا عمة حتى أكلمه، والتفت إليه قائلًا: أبالقتل تهددني، أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا من اللَّه الشهادة؟ (٢)
стр. 9948
فنظر ابن زياد إليها فترة ثم قال:
عجبًا للرحم، واللَّه إني لأظنها ودت لو أني قتلتها معه، دعوه فإني أراه لما به مشغولًا.
ولما أصبح ابن زياد أمر برأس الحسين ﵁ فطيف به على رمح في الكوفة، ثم أنفذوه مع رؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية، وأمر بنسائه وصبيانه، فجهزوا وحملوا على الأقتاب وسرح بهم إلى دمشق، وعلي بن الحسين مقيد بغلول اليدين.
فلما مثلوا بين يدي يزيد وأمامه الرأس الشريف، تطاولت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين ﵃ ينظران إلى الرأس والدموع هاطلة، والأفئدة واجمة، والقلوب مضطربة، وأحس يزيد بذلك، فاضطرب وجعل يتطاول بدوره ليستر الرأس الشريف عنها.
وكان في مجلس يزيد رجل شامي ضخم الجثة أحمر الوجه، ظل يحدق في فاطمة بنت علي وكانت شابة وضيئة - ويلتهمها بنظرات جشعة، فأجفلت منه خائفة مشمئزة، وقام الرجل إلى يزيد فقال:
هب لي هذه.
خافت فاطمة، وأخذت بثياب أختها زينب، فقالت السيدة زينب:
كذبت واللَّه ولؤمت! ما ذلك لك وله.
فغضب يزيد، وقال:
كذبت واللَّه، إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت.
قالت زينب:
كلا واللَّه، ما جعل اللَّه ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا.
стр. 9949
فاستطار يزيد غضبا وقال:
إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك!؟
فقالت زينب: بدين اللَّه ودين أخي ودين جدي اهتديت أنت وأبوك وجدك.
قال يزيد:
كذبت يا عدوة اللَّه؟!!
قالت زينب:
أنت أمير مسلط، تشتم ظالمًا، وتقهر بسلطانك.
فاستحى يزيد وسكت عنها.
وعاد الشامي يقول:
يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية.
فقال يزيد:
اغرب، وهب اللَّه لك حتفا قاضيًا!
كشف يزيد عن رؤوس الشهداء وانثنى يعبث بقضيب في يده، بثنايا الحسين ﵁ ويقول شامتًا متشفيًا:
يا غراب البين أسمعت، فقل … إنما تذكر شيئًا قد فعل
ليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع "الخزرج" من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحا … ثم قالوا يا "يزيد" لا تشل
فانبرت له السيدة زينب في ثقة وإيران، وثبات وجنان، وجعلت تردعه وتزجره، وتلطم غروره بهذه اللطمات، قالت:
стр. 9950
(الحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه على رسوله وآله أجمعين، صدق اللَّه سبحانه حيث يقول: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ (الروم).
أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى، أن بنا هوانا على اللَّه وبك عليه كرامة، وإن ذلك لعظيم خطرك عنده، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك تضرب أصدريك (١) فرحا، وتنفض مذوريك (٢) مرحا جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلًا مهلا أنسيت قول اللَّه تعالى:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ (آل عمران).
أَمِنَ العدل يا ابن الطُلَقاء (٣) تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول اللَّه ﷺ سبايا قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، الدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولي ولا من حماتهن حمي، وكيف يرتجي مراقبة من لفظ فوه أكباد الأذكياء ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطئ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنان، والإحن والأضغان ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:
لا هلوا واستهلوا فرحا … ثم قالوا يا يزيد لا تشل
منحنيا على ثنايا أبي عبد اللَّه سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية محمد ﷺ ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم، فلتردن وشيكًا موردهم ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما
стр. 9951
فعلت، اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا، فواللَّه يا يزيد ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك، ولتردن على رسول اللَّه ﷺ بما تحملت من دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع اللَّه شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (آل عمران).
وحسبك باللَّه حاكمًا وبمحمد ﷺ خصيما وبجبريل ظهيرا (١). وسيعلم من سول لك وأمكنك من رقاب المسلمين -بئس للظالمين بدلا- أيكم شر مكانا وأضعف جندا، ولئن جرت على الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبري، والصدور حرَّى، ألا فالعجب كل العجب لقتلى حزب اللَّه النجباء، بحزب الشيطان المطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل (الذئاب)، وتعفرها أمهات الفراءل (الضباع)، ولئن اتخذتنا مغنا لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد وإلى اللَّه المشتكى وعليه المعول، فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فواللَّه لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا تدحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند (كذب)، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بهدد يوم ينادي المنادي ألا لعنة اللَّه على الظالمين، فالحمد للَّه رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، نسأل اللَّه أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل".
لم يستطع يزيد مع ما هو عليه من سلطان وملك وهيبة يخشاها أكثر الناس، أن يقاطع كلام السيدة زينب، أو يمنعها من الاستمرار فيه، مع أنه من لاذع القول، رغم وجودها في ذلة الأسر دامية القلب دامعة العين مما مر بها من أحداث جسام.
стр. 9952
وأراد يزيد بن معاوية أن يخرج من هذا المأزق الذي وقع فيه والحرج الشديد الذي أصابه من افتضاح حقيقة أمره، فلم يستطع أن ينطق بغير هذه الكلمة:
يا صيحة تحمد من صوائح … ما أهون النوح على النوائح
وأراد يزيد أن يُكفِّر ولو بعض الشيء عن سوء صنيعه وشنيع فعلته، فعرض على السيدة زينب الأموال الكثيرة التي نهبت منها وكذلك غيرها لتأخذها عوضًا عن الحسين ﵁ وأنصاره فقالت:
يا يزيد ما أقسى قلبك، تقتل أخي وتعطيني المال، واللَّه لا كان ذلك أبدًا.
وأمر يزيد النعمان بن بشير أن يجهزهم يا يصلحهم في رحلتهم إلى المدينة المنورة وأن يصحبهم في ركبهم إليها، فخرج ومعه رجاله ومنهم بشر بن حذام، فأحسنوا الصحبة طوال الطريق إلى المدينة، وكان بشر محبًا للَّه ولرسوله ولآل البيت النبوي الكريم، على خوف من بني أمية وكان لسان حاله يقول:
أحب الحسين ولكنما … لساني عليه وقلبي معه
حبست لساني عن مدحه … ضرار أمية أن تقطعه
إذا الفتنة اضطرمت في البلاد … ورمت النجاة فكن إمعه
ولما بلغوا مشارف المدينة المنورة قالت فاطمة بنت علي لأختها زينب:
يا أخية، لقد أحسن هذا الرجل إلينا في صحبتنا فهل لك أن نصله؟
أجابت السيدة زينب:
واللَّه ما معنا شيء نصله إلا حلينا.
وأخرجتا سوارين لها ودملجين، فبعثتا به إلى الرجل، معتذرتين إليه عن ضآلة الهدية ولكن الرجل رد إليهما الحلي قائلًا:
стр. 9953
لو كان الذي صنعت إنها هو للدنيا كان حليكن ما يرضيني ودونه، ولكن واللَّه ما فعلته إلا للَّه، ولقرابتكم من رسول اللَّه ﷺ .
تولى على المدينة ذهول عميق، وروعة عظيمة، عندما سمعت بشر بن حذام يرفع صوته بالبكاء وينشد قائلًا:
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها … قُتِل الحسين فادمعي مدرارا
الجسم منه بكربلاء مضرج … والرأس منه على القناة يدارا
ثم نادي: هذا علي بن الحسين مع عماته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه.
أترجو أمة قتلت حسينا … شفاعة جده يوم الحساب
فخرج الجميع رجالًا ونساء ولم ير أكثر من ذلك اليوم باكيًا أو باكية وهم يستقبلون ذلك الركب الكريم.
واندفعت زينب بنت عَقِيل بن أبي طالب، ومعها نساؤها وهي حاسرة تلوي بثوبها وتصرخ:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم … ماذا فعلتم، وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي … منهم أساري، ومنهم ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم … أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
ولما سمع والي المدينة عمرو بن سعد (١) أصواتهم وصعد المنبر فأعلم الناس بمقتل الحسين ﵁.
ولما بلغ عبد اللَّه بن جعفر قتل ابنيه، استرجع، فدخل عليه أحد مواليه والناس يعزونه فقال له:
стр. 9954
هذا ما لقينا من الحسين.
فحذفه ابن جعفر بنعله وقال:
يا ابن اللخناء، اللحسين تقول هذا؟ واللَّه لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى أُقتل معه، واللَّه إنه لما يهون على المصاب بها أنها أصيبا مع أخي وابن عمي، مواسين له، صابرين معه، وإن لم تكن است الحسين يدي، فقد آساه ولداي.
كان وجود السيدة زينب في المدينة المنورة كافيًا، لأن تلهب المشاعر وتؤلب الناس على الطغاة، فقد راحت تخطب الجماعات مظهرة عدوان يزيد بن معاوية وبغي عبد اللَّه بن زياد وطغيان أعوانها على أهل البيت النبوي الكريم، فأثارت الثائرة وهيجت الألباب، ولفتت أنظار الأحرار إلى الدم المسفوك، والثأر المضيع، حتى كاد الأمر يفسد على بني أمية، فكتب عمرو بن سعد والي المدينة ليستنجد بيزيد ويقول له: "إن وجودها بين أهل المدينة مهيج للخواطر، وإنها فصيحة عاقلة لبيبة، وقد عزمت هي ومن معها على القيام للأخذ بثأر الحسين".
فأمره يزيد أن يفرق البقية الباقية من أهل البيت النبوي الكريم في الأقطار والأمصار، وطلب الوالي إلى السيدة زينب أن تخرج من المدينة فتقيم حيث تشاء. وقد عز ذلك وعظم عليها أن ترحل من أرض الآباء والأجداد، ومهبط الوحي، حيث توجد أعظم العترات لآلها وقالت:
قد علم اللَّه ما صار إليه أمرنا، قتل خيرنا، وسيق الباقون كما تساق الأنعام، وحملنا على الأقتاب، فواللَّه لا خرجنا وإن أريقت دماؤنا.
واجتمع عليها نساء بني هاشم وتلطفن معها في الكلام وواسينها وحبذن لها الخروج، وقالت لها زينب بنت عقيل بن أبي طالب:
يا بنت عماه، قد صدقنا اللَّه وعده وأورثنا الأرض نتبوأ منها حيث نشاء فطيبي نفسا وقري عينا، وسيجزي اللَّه الظالمين، ارحلي إلى أي بلد آمن.
стр. 9955
وقد اختارت السيدة زينب ﵂ (مصر) دارا لإقامتها لما سمعته عن أهلها وحبهم الشديد لآل البيت النبوي الكريم.
وما كاد خبر رحيل السيدة زينب يبلغ والي مصر إذ ذاك مسلمة بن مخلد الأنصاري، حتى توجه ومعه جماعة من أصحابه ورهط كبير من أعيان مصر وعلمائها ووجهائها وتجارها ليكونوا في شرف استقبالها فاستقبلوها عند قرية على طريق مصر والشام شرقي بلبيس عرفت فيما بعد بقرية العباسة نسبة للعباسة (١) ابنة أحمد بن طولون.
وقد تقدم مسلمة من السيدة زينب وعزاها في خشوع وخضوع، وبكيى فبكت، وبكى الحاضرون ثم قالت: ﴿. . . هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ (يس).
وقد وافق دخول السيدة زينب مصر، بزوغ هلال شعبان سنة إحدى وستين هجرية الموافق ٢٦ إبريل سنة ٦٨١ ميلادية، وكان قد مضى على استشهاد الحسين ﵁ ستة أشهر وأيام.
وقد أنزلها الوالي هي ومن معها في داره بالحمراء القصوى ترويجا لهم، إذ كانت تشكو من أثر ما مر بها. فنزلت بتلك الدار معززة مكرمة، وبقيت فيها موضع إجلال المصريين وتقديرهم، حيث كانوا يفدون إلى منزلها الكريم ملتمسين بركتها ودعواتها، مستمعين إلى ما ترويه من الأحاديث النبوية الشريفة والأدب الديني الرفيع.
وبقيت السيدة زينب بتلك الدار أقل من عام بقليل، فلم تر خلال مدة إقامتها إلا عابدة متبتلة متهجدة صوامة قوامة تالية لآي القرآن المجيد وانتقلت -رضوان اللَّه عليها- إلى الرفيق الأعلى عشية يوم الأحد لأربع عشرة مضين من رجب عام ٦٢ هـ، فمهدت لها الأرض الطاهرة مرقدا لينا في مخدعها في دار مسلمة (٢) حيث أقامت
стр. 9956
وحيث اختارت أن تكون ضجعتها الأخيرة ﵂ وأرضاها وأسكنها الفردوس الأعلى مع جدها المصطفى ﷺ .
ما قاله ابن شدقم الحسيني عن بني الحسين:
مؤسس السلالة الإمام الشهيد السبط أبو عبد اللَّه الحسين ﵁ سيد شباب أهل الجنة وابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -كرم اللَّه وجهه- وعقبه منحصر في الإمام الحبر الزاهد (علي زين العابدين) أمه شاه زنان وقيل جيهان شاه أو شهربانو بنت كسرى يزدجرد ملك فارس سبيت في فتح المدائن في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ ونقلها للحسين ﵁.
ثم الإمام زين العابدين ﵁ أعقب ستة بنين: الإمام النحرير محمد الباقر ﵇، وزيد الشهيد، وعمر الأشرف، وعبد اللَّه، وعلى الأصغر، وللكل عقب، والحسين الأصغر، وهو جد الأشراف المدنيين قاطبة، إلا جماعة قليلة ترجع إلى أخويه الباقر وزيد.
قلت: سادس البنين ذكره المؤلف طاب ثراه في الجملة ولم يذكره في التفصيل، وهو عبد اللَّه الباهر أخو الباقر لأبويه، وله عقب وأمهما فاطمة بنت الحسن السبط، وأم الحسين أم ولد اسمها سعادة، والباقون أمهم أم ولد اسمها جيدا، قاله في (العمدة) انتهى.
فها هنا ثلاث دوحات:
(الدوحة الأولى) عقب الحسين الأصغر.
قلت: كان عفيفا محدثا فاضلًا قاله في (العمدة) انتهى.
فالحسين أعقب خمسة بنين: عبد اللَّه وعليا وأبا محمد الحسن وسليمان وعبيد اللَّه الأعرج، وللكل عقب.
قلت: أم الأخير أم خالد بنت حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام، قاله (المجدي) انتهى.
стр. 9957
(ثم) عبيد اللَّه الأعرج أعقب أربعة بنين: محمد الجواني وعليا الصالح وحمزة مختلس الوصية وجعفر الحجة، وللكل عقب.
قلت: أم الأخير جُمحية، وكان فصيحا، قاله (المجدي) انتهى. ثم جعفر الحجة أعقب ابنين الحسين والحسن ولها عقب، ثم الحسن أعقب يحيى النسَّابة وحده.
قلت: كان فاضلًا قاله (المجدي) انتهى. ثم يحيى النسَّابة أعقب سبعة بنين: أبا العباس عبد اللَّه، وأبا إسحاق إبراهيم، ومحمد الأكبر العالم، وعليا، وطاهرا، وجعفرا، وأحمد الأعرج، ولكل عقب.
قلت: كلام المؤلف طاب ثراه مطابق (للعمدة) وخالفه (المجدي) فأسقط ابنين جعفرا وأحمد الأعرج، وذكر أن أحمد هذا أخوه يحيى النسَّابة وأنه خلَّف جعفران كان قاضيًا عفيفا انتهي، فهنا غصنان:
الفصل الأول (عقب عبد اللَّه بن يحيى):
فعبد اللَّه خلف مسلم ثم مسلم خلف ابنين عبد اللَّه وعليا وعقبهما فنان.
(الفن الأول) عقب عبد اللَّه بن مسلم، فعبد اللَّه خلف ذويبا ثم ذويب خلف عبد الملك، ثم عبد اللَّه خلف حسنًا، ثم حسن خلف سلطانا، ثم سلطان خلف حسنًا، ثم حسن خلف عليًا النقيب، ثم علي خلف سلطانا، فمنهم بادية حول المدينة النبوية يقال لهم النقباء.
(الغصن الثاني) عقب علي بن مسلم، فعلي خلف يحيى الطامي جد الطمات بالمدينة الشريفة.
قلت: هم بادية حولها وفي هذين الفنين وشبههما من الأشراف بحث سيأتي في الخاتمة إن شاء اللَّه تعالى، انتهى.
стр. 9958
الفصل الثاني (عقب طاهر بن يحيى النسَّابة)
قلت: كان محدثا فاضلًا جليل القدر، قاله في (العمدة) انتهي، وطاهر أعقب ستة بنين: أبا عبد اللَّه الحسين، وأبا علي عبد اللَّه، وأبا محمد الحسن، وأبا جعفر محمدًا، وأبا يوسف يعقوب، وأبا الحسين يحيى، وللكل عقب، وعقب الأخيرين قليل، وعقب الأولين فنان:
(الفن الأول) عقب الحسين بن طاهر، فالحسين خلف عبد اللَّه المُلَّقب بعرفة، ويقال لولده العرفات، منهم بادية حول المدينة الشريفة، ومنهم بنو جلال بن محيا بن عبد اللَّه بن محمد بن حسين بن إبراهيم بن علي بن محمد بن عرفة، المذكور.
قلت: بنو جلال جماعة بالحلة، قاله في (العمدة) وتوقف المؤلف في حاشية الكتاب في بقائهم إلى هذا الزمان، انتهى.
(الفن الثاني) عقب عبيد اللَّه بن طاهر.
فعبيد اللَّه أعقب ثلاثة بنين: أبا جعفر مسلمًا وأبا الحسن إبراهيم، والأمير أبا أحمد القاسم، وللكل عقب، فعقب إبراهيم بالحلة يقال لهم بنو الحريق.
قلت: كان مسلم أميرًا شريفًا جم المحاسن، سيد الناس بمصر والحجاز، وقطن بمصر وكان قريبًا من السلطان محتشمًا، وحبسه الفاطمي الإسماعيلي، قيل هلك في حبسه! وقيل هرب وهلك في بعض بوادي الحجاز، وعقبه قليل منهم الحسن بن طاهر بن مسلم المذكور، قاله في (العمدة). انتهى.
وأما الأمير أبو أحمد القاسم فأعقب خمسة بنين: أبا الفضل جعفر، وعبيد اللَّه وموسي، وأبا محمد الحسن، والأمير أبا هاشم داود، ثم الأمير أبو هاشم داود أعقب أربعة بنين: أبا محمد هانيا واسمه سليمان، والحسين، والحسن الزاهد، والأمير أبا عمارة المهنا الأكبر، وعقبهم ثلاث ثمرات:
стр. 9959
(الثمرة الأولى) عقب الحسين بن داود ابن الأمير أبي أحمد القاسم، فالحسين خلف الحسن، ثم الحسن خلف إسماعيل، ثم إسماعيل خلف ابنين: محمدًا وسالما.
أما محمد فخلف عبد اللَّه، ثم عبد اللَّه خلف عليًا.
وأما سالم فخلف محمودا، ثم محمود قطيبا، فهؤلاء يقال لهم المخايطة، وقد انقرضوا من المدينة المنورة.
قلت: ووردوا العراق سنة ثلاث وسبعمائة بأهلهم وسكنوا الكوفة بمحلة سدة النجار بدرب الطحان، نقله صاحب (العمدة)، ثم قال: وقد سكنوا المشهد الغروي بعد خراب الكوفة ولهم بقية إلى الآن، انتهى.
(الثمرة الثانية) عقب الحسن الزاهد بن داود ابن الأمير أبي أحمد القاسم، فالحسن خلف داود، ثم داود خلف ابنين عيسى والحسين.
أما عيسى فكان له عقب بالمدينة الشريفة آخرهم علي رآه المؤلف في ظنه، وقد سافر إلى الشام وغاب خبره.
وأما الحسين فخلف يحيى، ثم يحيى خلف حسنًا، ثم حسن خلف حسينا، ثم حسين خلف كثيرًا، ثم كثير خلف عبد العزيز، له عقب بالمدينة الشريفة يقال لهم الكثرا، منهم جربوع سيد لا بأس به، ومفلح ابن عمه بدوي مع شواوي المدينة، ثم خلف مفلح ابنين سليمان وثنيان، وبنتين ثنيه وسلمى، انتهى.
ومنهم جماعة في تشتر عند الشرفاء، وكانوا لا يعتبرونهم إلى زمن وصول محمد ابن عرمة الحمزي إليهم فأخبرهم بحقيقة أمرهم، فصاروا يعتبرونهم، نقلة المؤلف عن محمد المذكور وغيره.
(الثمرة الثالثة) عقب الأمير أبي عمارة المهنا الأكبر ابن داود، فالمهنا أعقب ثلاثة بنين: الأمير شهاب الدين الحسين، وشبيعا، وعبد الوهاب، وعقبهم ثلاثة شعوب.
стр. 9960
الشعب الأول
عقب الحسين بن مهنا الأكبر، فالحسين أعقب الأميرين مالكا، ومنها الأعرج وعقبهما قبيلتان.
(القبيلة الأولى) عقب مالك بن الحسين، فيالك أعقب الأمير عبد الواحد جد الوحاحدة وهم طائفة بالمدينة الشريفة كثرهم اللَّه تعالى، يسكنون محلة سويقة غربي المسجد النبوي.
ومنهم طائفة بريف مصر في قرية موقوفة عليهم تسمى بفهنة (١)، وآخرون بوادي الفرع وهو قرى كثيرة النخل قبلي المدينة الشريفة على أربع مراحل منها، ويقال أنه في أول قرية مارت إسماعيل وأمه هاجر التمر بمكة، ثم عبد الوهاب أعقب ابنين عليا ومحمدا وعقبها فخذان.
قلت: تخليف عبد الواحد لهذين الابنين لم يصرح به المؤلف طاب ثراه، ولكنه مفهوم كلامه في صدر الكتاب، وخالفه في وسطه وعجزه، فإنه لما ساق الكلام في عقب المهنا الأكبر ووصل إلى عبد الواحد وذكر أنه جد الواحدة قال: وقد انقسموا على ساقين المناصير؛ ولد منصور بن محمد بن عبد الواحد، والحمزات ولد حمزة بن علي بن عبد الواحد، والمتبادر من إسناد بنوة محمد وعلي إلى عبد الواحد أنها ابناه بلا فصل، إن إصالة عدم الواسطة والحكم ثابت في علي بلا إشكال، وإنما الإشكال في محمد، فإنه طاب ثراه لما وصل بعد ذلك إلى نسب المناصير.
قال: وولد منصور بن محمد بن عبد اللَّه منيفا، فجعل محمدًا ابنا لعبد اللَّه وسيطا العبد الواحد. هذا الاختلاف في نسخ (العمدة) والمشجرات ولا قاطع على أحد الوجهين، والذي يقتضيه التأمل في الجمع بين النسخ مع تعارضها العمل بنسخة الزيادة وإثبات الواسطة وهو عبد اللَّه، لأن العمل بنسخة النقصان يقتضي إهمال نسخة الزيادة، بخلاف العمل بنسخة الزيادة فإنه يقتضي العمل بها معا لحصول بنوة محمد العبد الواحد على التقديرين، وذلك لصدق اسم الابن علي السبط شرعا وعرفا.
стр. 9961
قال اللَّه تعالى: (يا بني اسرائيل، يا بني آدم) ومن المعلوم أنهم أسباط الأسباط. وقال تعالى في آية المباهلة: ﴿. . . فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا. . . (٦١)﴾ (آل عمران) والمراد بها الحسنان، وهما سبطان لا ابنان بلا فصل.
ثم لما وصل المؤلف في عجز الكتاب إلى نسب آل منصور من القبيلة الثانية قال: منصور بن جماز أمه بنت منصور بن عبد اللَّه بن عبد الواحد، فهنا أيضًا جعل عبد اللَّه ابنا لعبد الواحد، ولكنه جعل منصورا ابنا لعبد اللَّه، وأسقط محمدًا من بينها والكلام في سقوطه هنا كالكلام في سقوطه هنا كالكلام في سقوط عبد اللَّه أولًا، فثبت الواسطتان انتهى.
(الفخذ الأول) عقب علي بن عبد الواحد، فعلي أعقب حمزة، ويقال لولده الحمزات، ثم حمزة أعقب ابنين توبه وبه يكنى، وشبانة.
قلت: زاد المؤلف طاب ثراه ثالثا وهو أحمد الثليل، والظاهر أنه من زيغ القلم لأنه بعد ذلك لما وصل إلى نسب الثللا جعله ابنا لشبانة وجدا للثللا، انتهى. والحمزات حيان.
(الحي الأول) عقب توبة بن حمزة فتوبة أعقب لكيئة واسمه ترك المؤلف هنا بياضا للاسم ولم يبينه (ظ) - والموجود في مؤلفه بخطه في نكيثة أنه بالنون قبل الكاف، وفي غيره بخطه وخط غيره بالميم، ولعله الصواب نظرا إلى معناه اللغوي، والتفاؤل بخير التسمية وكونه مؤنث المكيث كأمير وهو الرزين، واسم لبعض الصحابة وأما نكيثة بالنون فهو النفس والخلف وأقصى المجهود، وخطة صعبة ينكث فيها القوم، والطبيعة والقوة، ولا يظهر للتفاؤل بأحد هذه المعاني وجه إلا الأخير فمحتمل. انتهى.
ثم مكيثة أعقب عرمة، ثم عرمة أعقب ابنين محمدًا وعليا، وعقبهما بطنان، قال في (العمدة). فمن الحمزات فهيد بن صليلة بن فضل بن حمزة المذكور -كان دليلًا- خريتا في طريق الحجاز.
стр. 9962
قلت: هذه الأسماء الثلاثة مجهولة مستغربة غير معهودة في نسبنا، والعقب من حمزة إلى عرمة منحصرون في ستة رجال: توبة ومكيثة وعرمة ومن بإزائهم من آباء الثللا، وهم شبانة وأحمد وثابت.
وحينئذ فهؤلاء المذكورون في (العمدة) إما أنهم كانوا قوما من الحمزات، وانقرضوا أو أن تلك الأسماء إنما هي أساء لأحد هذين الحيين المشهورين، ويكون للرجل الواحد منهم اسران، وكأنها بآل توبة أنسب لاختصاصهم بغرابة الأسماء كمكيثة وعرمة، بخلاف آل شبانة فإن أسماءهم متداولة انتهى.
(البطن الأول) عقب محمد بن عرمة، فمحمد أعقب ابنين: ضامنا وقاسما، وعقبهما عمارتان.
العمارة الأولى
عقب ضامن بن محمد، فضامن أعقب ابنين: عسكرًا وشدتها، وعقبهما بيتان. البيت الأول - عقب عسكر بن ضامن، فمنهم ذياب بن عفر بن عسكر المذكور أمه فوز بنت شدقم المذكور، وكان فارسًا بطلا ربا رد الجمع وحده، وكان له دم في أربع طوايف واستوفاه وقتل واحدًا منهم بين قومه، قتل ﵀ ودمه في آل نبهان من بني لام (١)، وأعقب ابنا له عشر ليال اسمه خليفة، وهو خليفة أبيه في السطوة والشجاعة والصلابة، ويقول الشعر وولي المدينة الشريفة نائبًا، قُتل ﵀ في طريق مصر.
قلت: فعسكر منقرض انتهى.
(البيت الثاني) عقب شدقم بن ضامن ويقال لهم الشداقمة، فشدقم أعقب عليًا وبنتين فوزا وغنيمة، ثم علي أعقب ثلاثة بنين حسنًا وزويحما وسعدا وبنتا اسمها عتيقة أما زويحم فأعقب خميسا -بالتصغير-.
стр. 9963
قلت: كان خميس مشهورًا بالجود والشجاعة وصغر النفس والدعابة، ومات منقرضا إلا عن بنت اسمها حزوي، واللَّه المستعان، انتهى.
(الحزب الأول) عقب الحسن بن علي .
قلت: قد غلبت نسبة الشدقمية عليهم، ولا ينصرف الذهن عند إطلاقها إلا اليوم، انتهى.
فالحسن أعقب ابنين: عليًا النقيب وحمدينًا.
أما حمدين فأعقب ابنين محمدًا وخليفة وبنتين صالحة وتركية.
قلت: كان خليفة ذا حماسة ونفسًا سمحة ويدًا صغري، ومات ﵀ بالمدينة سنة .. ولا عقب له، وكان أخوه محمد فقيها فاضلًا ورعًا شهما ذا صلابة في الدين وحماسة على المعتدين، نور اللَّه ضريحه وجعل من النشر في الضريح ريحه، ولم يعقب إلا بنتين فاطمة وزينب، واللَّه المستعان فنعم المولى ونعم النصير وإياه سبحانه أسال أن ذكرنا وإياه يا رزقنا من أسباطه، ويظلنا بدعائهم سحاب رحمته مثبتين على صراطه إنه سميع مجيب، انتهى.
وأما على النقيب بن الحسن فأعقب الحسن.
قلت: ثم الحسن أعقب ثلاثة بنين محمدًا وتأريخه (حاز الخير أجمع) وعليا وتأريخه (فضل اللَّه) وحسينا وتأريخ ولادته سنة (ظمج) وثلاث بنات: برود أمها أم ولد تركية وتأريخ ولادتها سنة (ظسو) وفاطمة وتأريخ ولادتها سنة (ظسط) وأم الحسن وتأريخ ولادتها سنة (ظعد) أمها وأم البنين فتحشاه بنت برهان نظام شاه من أكبر ملوك الدكن (١) ملكا وأطولهم في الملك سلسلة، وينتمي إلى مذهب أهل البيت ﵈ (٢).
стр. 9964
أما محمد بن الحسن فأعقب ابنين سليمان ومحسنا، وخمس بنات: ثريا ودلال وروضة ورشاش وخريمة.
وأما أخوه علي بن الحسن فهو جامع هذه الرسالة (١) -سامحه اللَّه تعالى- ولي أربعة بنين: المرتضى وتأريخه (فضل الدين) وشدقم يكنى أبا شبل وتأريخه (قاضي الدين) وتقي وتأريخه (حفيظي) وأبو القاسم وأربع بنات، كثرهم اللَّه في طاعته، ثم ولد لي سنة ست وعشرين حسين.
وأما أخوهما حسين بن حسن فأنسل أربعة بنين حسنًا وأحمد وإدريس وموسى وبنتين، اللهم اجعل هذا الحزب ممنوحا منك بالتأييد والتخليد، موهوبا انتشار العقب والنسل الرشيد، محبوا تقواك وعلم دينك القويم السديد، مشدودا بك عضده على الجبار العنيد، مؤيدا منصورا من لدنك على العدو القريب والبعيد انتهى.
(فصل) كان جدي طاب ثراه عفيفا كاملا في ورعه وتقواه، فقيها صالحا عالمًا بفنون العلم، عاملًا لآخرته وعقباه، ثم عزل نفسه عن منصب النقابة زهدا وقلاه ولم يفارق حرم جدهـ ﷺ منذ نشأ إلا مرة إلى حرم اللَّه الأمين، تحصيلا للعلم الشريف، ومرة أخرى إلى بلاد الدكن سنة (ظعد) قاصدا ملكها الأعظم جدي برهان نظام شاهـ - تغمدهما اللَّه برحمته ورضوانه، فأكرمه غاية الإكرام وأنعم عليه نهاية الإنعام وتلقاه فرسخًا عن البلاد، وحصل له فيه أتم الاعتقاد حتى التمس منه الإطلاع على خزاينه ووضع أياديه المباركة فيها ففعل، فلم يمض إلا مدة يسيرة وقد ملك من الممالك ما شاء اللَّه، ثم رجع إلى وطنه سنة (ظعو) فكان جميع غيبته سنتين ودخوله إلى وطنه يوم خروجه منه.
وله طاب ثراه جملة كرامات، فمنها ما مر.
ومنها أنه دخل الحاج الشامي المدينة وعليه دين كثير وامتنع عن التردد لورم حدث برجليه ذلك اليوم، ولما كان اليوم الثالث عند رحيل الحاج جاءه العبد وأخبره بأن
стр. 9965
بالباب رجلًا خراسانيا (١)، فأذن له فدخل، فسقط على رجليه وقبلهما وسأله عن دينه، فأخبره: بكميته، فأخرج من جيبه كيسا بقدر ذلك الدين من غير زيادة ولا نقصان.
ومنها - أنه طاب ثراه لما عاد من الهند وكان في بندر جدة متهيئا للخروج إلى المدينة جاءه العشار وقال: باق لنا عندك مائة أشرفي بل أزيد؟ فقال: ليس لك شيء فتكلم العشار وقال: لابد من إعطائي ذلك؟ فقال: أدعو اللَّه أن يسلط عليك جور السلطان فلم يمض إلا مدة يسيرة وقد ظهر أن المعشر المذكور سرق بساطا كبيرًا لشريف مكة وقطعه قطعا، فأمر الشريف بتقطيع يديه كما قطع البساط، فحصل فيه شفاعة فخسر مالًا عظيمًا.
ومنها أنهـ -طاب ثراه- كان بحضرموت في بلدة يقال لها ظفار (٢)، وبها رجل يؤذيه ويريد السعي به إلى سلطانها، وكان ظالمًا ينهب التجار، إذا جاءوا إلى بلدة، جميع أموالهم فلما سمع بمجيئه ولم يره أرسل إلى واليه بالتوصية وعدم التعدي عليه وأمر له بسفينة يركبها إلى مكة فدعا عند ذلك على الذي كان يؤذيه وقال له: لا أقر اللَّه للبعيد عينا بولده، وكان له ولد مسافر، فلما أصبح جاءه الخبر بغرق ولده فحصل له فيه اعتقاد تام.
ومنها -أنه طاب ثراه- سعى به رجل إلى حاكم بالمدينة رومي (٣) ظالم، فقال: إن هذا السيد جاء من عند نظام شاه بمال جزيل صدقة للعباد، ومعي بذلك خط قاسم بيك من أعيان تلك البلاد، فسأل جدي: فأنكر ذلك، فأمر الحاكم طمعًا بحبس النمام قائلًا أجمع قضاة البلد والأكابر وأراجع النظر وأفحص عن حقيقة الخبر، فراقب المحبوس الفرصة ومال إلى النكصة فهرب ولزم شباك رسول اللَّه
стр. 9966
- ﷺ فتنصل له من جريمته وتبرأ إليه من نميمته، وقال يشهد اللَّه وهذا النبي ببهتانه وخطيئته، وكانت وفاته ﵀ بالمدينة تاسع رجب الفرد سنة (ظس) وعمره خمس وأربعون سنة.
ومن الأخبار المتواترة أنه طاب ثراه كان واسع الجود والإنعام، عظيم الصدر للقرابة والأرحام، غوثًا جميع الحمزات على التمام، كافلا للصغير منهم واليتيم، بارا للكبير فيهم والزعيم، ضاعف اللَّه أجره ورفع في الملأ الأعلى قدره.
وأما والدي طاب ثراه فكان تابعا أباه سالكا سبيل هداه، وكان نقيبا ذا عفة وفصاحة، وبلاغة وساحة، ونظم وتأليف ودرس وتصنيف. متصفًا بالذلة للضعفاء المهتدين، وبالعزة على الكبراء المعتدين، ولا يرى الجود في مائدة العشاء والغداء، بل النعمة الموجبة للغناء، كما تولى النقابة بعد والده، بلى ذلك مما لا أشك فيه خبره، وبه نطقت بعض صكوك أملاكه، وإنما لم يشتهر بها لعقد مدته فيها، فإنه مكث، بها مدة يسيرة وخلع نفسه منها وله في ذلك أسوة بجده الحسن السبط ﵇ حيث مكث، في الخلافة مدة يسيرة ونُزعت منه ولم يشتهر بها إلا عند الخواص القليلين. ثم دخل الهند من المدينة الشريفة سنة (ظسب) وافدا على سلطانها خالي حسين نظام شاه، ثم منها إلى بلاد المعجم فزار ثامن الأئمة الكرام، وارث علوم سيد الأنام علي ابن موسى الرضا وقابل السلطان الأعظم الشاه طهماسب الموسوي الحسيني سنة (ظسد)، ثم رجع إلى الهند وتزوج بها والدتي رحمهما اللَّه، وأقام بها مكرما معظما وبيده من السلطان قرى عظيمة ونعم جسيمة، وإذا أدخل إليه نزل عن سريره وجلس إلى جنبه، ولم يتعلق بشيء من أمور الدولة والديوان، ثم لما مات السلطان عاد بأولاده وأمهم إلى وطنه سنة (ظعو) وأقام مدة، ثم رجع إلى الهند في دولة سلطانها شاه مرتضى ابن حسين نظام شاه المذكور سنة (ظصب) وأقام بها تمام العمر على حاله المعهود، حتى احتجب السلطان بلوغ المولود، فتنازى على ملكهـ الفرود وتفادى أذى خلة الحسود، وتعالى الوضيع وساد الموسود، فكبر همه وكثر غمه، واستولى المرض واستعلى العرض وتوفي ﵀ بخيبو من أرض الدكن، ودفن هناك، وذلك يوم الرابع عشر من
стр. 9967
صفر سنة (ظعح) ثم نقل بوصية منه ودفن مع والدتي في قبرها بالمدينة سنة (ظعح) وعمره سبع وخمسون سنة.
وأما والدتي -قدس اللَّه روحها- فإنها مع صغر سنها وكونها من سلالة الملوك وذوي السلطنة والرياسة، المجبولين على حب الدنيا وبهجتها والتفاخر بها وبنضرتها، كانت مجانية لسبيلهم ومؤالفها، معرضة عن زينة الدنيا وزخارفها، سالكة سك الأتقياء والعلماء، ناسكة نسك الأولياء والصلحاء، قالية اللهو واللعب، تالية للقرآن والكتب مكبة على الدعاء والقيام محبة للطاعة والصيام، وكانت وفاتها بالمدينة بعد ما ولدت حسينا بستة أو سبعة أيام، ودفنت في أزج عند عتبة الأئمة الأربعة سلَّام اللَّه عليهم أجمعين.
وأما محمد أخي فسلك نهج أبيه وجده، وكان حافظا للقرآن من بعده، ورام
النقابة ثم عزف عنها لزهده، ثم التجأ إلى حرم اللَّه مهموما مذعورا مغموما، وتوفي هناك ودُفن في مكة بالمعلاة بإزاء خديجة الكبرى ﵍ سابع جمادي الثاني سنة ثمان وألف.
وأما حسين أخي فله في الفقه مطالعة وإليه مراجعة.
وأما سليمان ومحسن ابنا أخي محمد فيحفظان القرآن العزيز.
وأما جامع هذي الرسالة (١) فخير عملي الإيمان باللَّه ورسوله، وما ثبت من خبره ومقوله، وولاية أخيه وبني بتوله، والرجاء في واسع العفو والإنعام للحوق بآبائي العظام، بنيه وذرية خير الأنام، وثوقا بوعد في الطور، والوفا صفة الكرام، انتهى.
(الحزب الثاني) عقب سعد بن علي .
فسعد أعقب أحمد النقيب وثلاث بنات: غنيمة وفوز ورشاش، ثم أحمد النقيب أنسل خمسة بنين: محمدًا وعليا وحسنا وعجلا ويسمى سينا وسليمان، وخمس بنات: سلمى وسليمى وغنيمة وغريسة وعتيقة.
стр. 9968
قلت: توفي أحمد النقيب وأعقب هؤلاء المذكورين إلا سلمى فاتت قبله ومن عقبه بنت خامسة اسمها عامرة ولمحمد بن أحمد بنت اسمها شمسية، ولأخيه علي بنت اسمها جمال، ولأخيه حسن بنت اسمها مزنة، ومات أخوه سليمان بالمدينة منقرضا سنة (غنح).
(فصل) كان أحمد النقيب يتيما لجدي علي النقيب، أواه وكفله وأجاد رباه وبالنعم وصله، ثم اقتفاه والدي فكانت صلاته من الهند عليه تترى، وطالت حسناته من البعد إليه تُجرى، وكان جميع إرث والدي من جدي منقولا وعقارا قد تركهـ والدي حين سفره إلى الهند بيد زوجته رشاش، فيات في غيبته واستولى أخوها أحمد المذكور عليه بجملته فغنم المنقول معلا، واتخذ البيوت مسكنا، واستغل النخيل أزمنا حتى رجع والدي فزاده نعما ومننا، ولم يؤذه بالمطالبة ولم يكلفه بالمحاسبة ويحق لجدي أن يقول لعمه سعد ما قاله رسول اللَّه ﷺ لعمه العباس: ويل لولدي من ولدك يا عم.
ولعمري لو ملكوا ما ملك بنو العباس لاقتدوا بهم نافين عنه اليأس، فذبحوا وطردوا ونحروا وشردوا (١)!!
ثم صار أحمد نقيبا خادمًا لسلطان البيت الحرام، مسموع الكلم لديه على الخاص والعام، فكان على السلطان اعتاده وإليه ركونه، وبه انتشر ماله وعلت خطوبه وشئونه وما خالفه مخالف إلا كبرت مصائبه وشجونه، ولي السياسة والصولة، والرياسة والدولة، نافذ القول عند القضاة والأروام (٢)، ماضي الأمر على الأمراء والحكام متفردا بشراء صدقات أشراف البادية قبل الاقتسام، لم يشاركه فيه أحد من أقاربه وجنسه، إلا بإذنه وطيب نفسه، لمن كان منهم خادمًا له وصاحب أنسه، وبنظره ومباشرته عمرت بين مسجد الشجرة التي بناها وزير السلطان العثماني، فكان قيمًا على عمارتها وبرأيه نصب بالمدينة الحاكم الحسني، بعد أن كانت الحكومة لإمارتها، ومن
стр. 9969
نعم السلطان الحسني عليه إخاوة بعض بادية المدينة، فكان له مكسهم، وغزا عنزة (١) بأهل ينبع فظفر بهم وغنمهم، ثم غزاهم في خيبر بأميري المدينة وينبع، وجنودهما وطبولها، وكان هو سيد القوم، وزعيمهم ذلك اليوم إليه انتهى الرأي والأمر وعليه يعول في الأسارى والأسر (فإما منا بعد، وإما فداء، وزاد في هذا الدار علاء) فأحيا حول المدينة الشريفة أراضي مبتكرة، وغرس فيها نخيلا مكتثرة.
فمنها في العصبة غربي مسجد قباء، وشربها من آبار حفرها بها.
ومنها شراؤه أحياء في البركة الكائنة بالقرب من جبل أحد لبني حسين وغيرهم، وشرب البركة من عين المدينة، وكانت قديمًا مقسومة لأهلها أربع عشرة وجبة، تدور دوران الأسبوع، فدبر ونزع منها الأرض قسطا وجعلها تدور على ست عشرة وجبة، كذلك بلغنا وما كنا يومئذ في سن الإدراك، وشفع منصب النقابة بمنصبين آخرين لم يسبق إليها، وله نائب فيها وصارا تبعًا للنقابة وجودا وعدما، وهما بيت مال الموتي والغياب الشامل اللقطة والضالة والأرض الموات، والكل للبيع، ومصرفه مصالح الدولة الحسينية، ما لم يثبت مالك حاضر.
وأصاب من تركة معصوم بيك وزير سلطان المعجم المقتول مع قومه في الخبت حجيجا مائة ألف دينار، سلمها إلى السلطان الحسني ونحله منها ألفي دينار.
رواه لي ولده محمد، ومكث في النقابة نحو خمس وعشرين سنة وتوفي بالمدينة الشريفة وفن عند عتبة الأئمة بالبقيع، وذلك سلخ ربيع الثاني سنة (ظمح).
ولقد رذلت بعده النقابة ولبست ثوبي الحزن والكآبة، ووهنت بعد بنائها المشيد كالخرابة.
ويحسن أن يقال له ما قال الإمام الباقر ﵁ لابن عمه المنصور العباسي حيث قال: "وليتلقى هذا الملك صبيانكم فيلعبون به كما يلعب بالكرة"، ثم تولى مناصبه الثلاثة ولد محمد ثلاث مرات، يتخللها عزلتان، وهو رجل عظيم
стр. 9970
الخيل والمكر، شديد الخديعة والغدر، لسن بمباهته من يشاء بالعدوان، فطن بطرق التعدليل والتوجيه لجروح اللسان، لحن بوجوه التبديل والتمويه لفعله الذي كان كالسنان، حلو الكلام والنطق، ذاق اللسان بالخضوع والرفق يخاله العدو صديقا ويحسبه الجاهل مخلصا شفيقا، ولو أدركهـ عمرو بن العاص (١) لاشتد حياؤه من مقابلته، وسارع إلى الإذعان بسيادته، وبادر إلى الإقرار بأستاذيته، ولم يتم أمره بصفين إلا بإعانته، ثم عز عن النقابة ثالثا ونهض غازيا على بادية ظفير (٢) مع الدولة الحسينية من أهل أشوارها وأكبر أنصارها وغنم منهم ما غنم.
وقتل وذلك بالقرب من جبل شمّر بموضع يقال له وسمة، وكفن كفنا جديدا ودفن هناك في كهف بغير غسل ولا صلاة، مقولا أنه شهيد، ثم صلى عليه أخواه بالمدينة صلاة الغائب تقليدًا لمن يقول بها، ضاعف اللَّه جزاه، ولم يعقب إلا بنته المذكورة سابقًا، وكان موته يوم الأربعاء عاشر صفر سنة (غيو) انتهى.
العمارة الثانية (عقب قاسم بن محمود بن عرمة)
فقاسم أعقب معرعرا ثم معرعر أعقب ابنين: محمدًا وأحمد وعقبهما بنتان.
(البيت الأول) عقب محمد بن معرعر، فمحمد أعقب وانقرض، ومن عقبه ثلاث بنات: جمال ودلال وفاطمة بنات حسين بن محمد المذكور.
(البيت الثاني) عقب أحمد بن معرعر.
قلت: زاد المؤلف طاب ثراه هنا واسطة بين أحمد ومعرعر وهي محمد.
стр. 9971
ولعلها زيغ من القلم؛ لأن الذي ذكره أولًا أنها ابنان لمعرعر، لكنه قال هناك في الحاشية: هنا موضع تحقيق، وهو يشعر بتردده، إلا أنه غير مبرهن أهو بالنسبة إلى سقوط هذه الواسطة أو بالنسبة إلى أولاد محمد بن معرعر الذين انقرضوا وقد عدهم ثلاثة: حسينا وعليا ومحيميدا ووسيما بنتا، وظني أن مراده الثاني وتردده في توسط واسطة بين محمد وأولاده المذكورين وعدمه؛ لأن الظاهر أنهم ليسوا أولاد محمد بلا فصل، بل بينهما - على ما سيأتي في نسب العرمات، أن حسين المعرعري ابن علي، واللَّه تعالى أعلم، انتهى.
فأحمد أعقب ثلاثة بنين: ناصر الدين ومجليا وجبرانا.
أما ناصر الدين فأعقب ثلاثة بنين: عليًا وحسينا وفرج اللَّه، أمهم ثليلية.
أما علي فله ولد، وأما حسين فيات عن بنت، وأما فرج اللَّه فأنسل ابنين ناصر الدين وقاسما وبنتين زينب وفاطمة.
وأما جبران فله ابنان: غزي ومحيل وثلاثة بنات، وهؤلاء يسكنون عند المشعشعين بنواحي تستر التي يقال لها الآن تشتر بالمعجمة، إلا فرج اللَّه فإنه كان بالتلنك وثم بأحمد مكها ولاده.
قلت: ثم جاء بهم مع جنازة المؤلف طاب ثراه إلى المدينة النبوية وسكنها قليلًا ثم سافر إلى العراق ومات هناك سنة (غ) وعقبه هؤلاء المذكورون مع بنت ثالثة، وماتت الأوليان بالمدينة، انتهى:
(البطن الثاني) عقب علي بن عرمة .
قلت: ويقال لهم العرمات مختصين بإطلاق العرمية عليهم دون البطن الأول انتهى.
فعلي أعقب حسينا ثم حسين أعقب عليًا، كان عالي الهمة كثير الأسفار إلى صاحب جاه وحشمة ومواساة بالأهل. انتهى.
стр. 9972
ثم علي أعقب حسنا لا غيره، ثم حسن أعقب ابنين: عليا ومحمدا وعقبهما عمارتان.
العمارة الأولى
عقب علي بن حسن.
فعلي وكان نقيبا بعد جدي (١)، ذا حشمة وجاه عند القضاة والأمراء، أعقب ثلاثة بنين: مباركا يلقب جديعا وبديوي يلقب مجادعا وإبراهيم وبنتا اسمها مصباح.
أما جديع فأنسل عليا.
وأما بديوي فأنسل ابنا اسمه وادي وبنتين نجمة وبريكة.
وأما إبراهيم فهو بأرض الهند.
قلت: مات هناك منقرضا ومات أخوه جديع بالمدينة وأعقب ابنه المذكور، وكان بديوي المذكور في نقابة أحمد بن سعد الشدقمي معرفا لا يعار الأشراف عند تقسيم الصدقات ونال مالا غير قليل، ثم لما تولى النقابة وتابعها ولده محمد بن أحمد مكث كذلك معه مدة، ثم تنازعا فسعى بديوي في مناصبته ببذل المال، فانتزعها منه في الحال. ومكث نقيبا أمينا على بيتي المال حولا واحدا ثم مات ﵀ سنة (غب) وأعقب ابنه وبنتيه المذكورين ثم مات ابنه وادي بالمدينة مراهقا سنة (غي) ولم يذكر المؤلف طاب ثراه عامرا مع علمه به نقيبا وهو أسن من وادي كثيرا خلفه بديوي المذكور ابنا لغويا أمه أمة هندية، والله سبحانه أعلم بحاله. انتهى.
العمارة الثانية
عقب محمد بن حسن، فمحمد وكان ذا حلم وكرم وصيانة ولسان غدي وجنان قوي، أعقب أربعة بنين حسينا وحمزة وأبا طالب وعبد الله.
أما حسين فأنسل ثلاثة بنين: حسنا وخليفة وعليا وبنتين درويشة وأخرى.
стр. 9973
قلت: اسم البنت الثانية مريم، ومات حسين بجدة سنة (ظصه) وأعقب هؤلاء المذكورين، ثم مات ابناه خليفة بالمدينة وحسن بالهند ولم يعقبا وأخوهما علي سافر إلى الهند وتوفي هناك منقرضا.
وأما أبو طالب بن محمد فمات بالهند منقرضا إلا عن بنت اسمها سالمة.
وأما حمزة بن محمد فتولى النقابة وتابعها بعد ابن عمه بديوي بن علي سنة (غب) ثم عزله منها محمد بن أحمد بن سعد الشدقمي وتولاها بعد تعاهد وتوامن بينهما بأن لا يأخذ منصبه على ما اشتهر منها وحكياه لي جميعا، وذلك سنة (غو) ثم عزله حمزة وتولاها ثانيا سنة (غح) ومكث بها تمام العمر وكان عظيم التدبير والضبط لها شديد النصح لولي نعمته الذي ألبسه ثوبها لا تأخذه فيه لومة لائم، شريفًا كان أو ذميما ولا يراعي في مصلحته مخلوقًا، جنبًا كان أو حميما، حريصا على حبه ومرضاته ساعيا في إشكال المصالح في سائر أوقاته، وفي زمانه ابتكر بالمدينة الرسم على القبان، واستيذان أمين بيت المال لدفن الميت وحفر قبره وتوقفها على إذنه، وكان يرعى ولاية البله والمجاذيب من أهل السنة والجماعة وله فيهم اعتقاد عظيم ويلتجئ إليهم في مهماته ويستند عليهم في ملماته واشتهر عنه تقبيل أيديهم في كثير من أوقاته، ومات بالمدينة ثامن صفر سنة (غيح) وعقبه حسين لا غير.
وأما عبد الله بن محمد فموجود وليس له إلى غايتنا هذه ولد انتهى.
(الحي الثاني) عقب شبانة بن حمزة، فشبانة أعقب أحمد الثليل ويقال لولده الثللا، ثم أحمد أعقب ثابتا ثم ثابت أعقب سعدا ثم سعد أعقب جعفرا ثم جعفر أعقب ابنين حزيما وزايدا وعقبهما بطنان.
(البطن الأول) عقب حزيم بن جعفر ويقال لهم آل حزيم، فحزيم أعقب سعدا ثم سعد أعقب نصرا ثم نصر أعقب ابنين حزيما وسعدا.
أما حزيم فأعقب ابنين: نصر الله ومنصورا، وهذا البطن يسكنون العراق بقرية قرب الحلة يقال لها بنشة لهم بها أملاك وبعضهم يسكن مع آل معرعر والشرفاء من
стр. 9974
آل مقبل بتستر قرب المشعشعين، فمنصور ورد المدينة حاجا سنة (ظسح) ورجع إلى العراق.
قلت: وأما سعد فأنسل ثلاثة بنين طلاعا ومرعيا ونصرا، حكاه لي فرج الله ابن ناصر الدين المعرعري.
وقال: قريتهم اسمها غطالا بنشه، انتهى.
(البطن الثاني) عقب زايد بن جعفر ويقال لهم آل زايد. فزايد أعقب ملعبا ثم ملعب أعقب ثابتا ثم ثابت أعضب ابنين حزيما ومحمدا وبنتا اسمها حزوى هي أم والدي أمهم ريا بنت قناع بن محمد الرميحي.
أما حزيم قُتل في سفر له من المدينة يوما أو يومين فأعقب موسى.
وأما محمد فأعقب وانقرص، وكانت ريا عظيمة الصلاح كثيرة التعبد صلاة وصوما وكانت تسلسل أمهاتما إلى خمس عشرة، أما كلهن علويات حسنيات ويستشفي الناس لذلك بريقها على الملسوع، وشاهده المؤلف طاب ثراه، وكانت وفاتها -رحمها الله- سنة (ظعه).
قلت: سافر موسى حزيم قديما إلى الهند شابا فسكن به عمرا طويلا ونال منه مالا جزيلا بكد يده وبذل جهده في التجارة برا وبحرا، ثم قضى الله له بالإياب إلى حرمه الأمين سنة (غب) فحج البيت الحرام وقضى نسكه بالمقام ومات في شهره منقرضا ودُفن بالمغالاة ذات الاحترم بالقرب من أخي محمد -تغمدهما الله بالرحمة والإكرام- واستولى على جمع تركته بالتمام هنا رمكة رأس أمناء السلطة الحسنية تلك الأيام، مهلك الأرامل والأيتام مبطل شريعة خير الأنام ناسخ ما في القرآن من آيات الإرث والأحكام لعبد الرحمن بن عتيق الحضرمي بلدا المكي منشأه، ثم جاءه من العراق منصور الثللي المذكور آنفا حاجا مطالبا بهذا الإرث.
والمشهور أن مثمون التركة فوق لك ونصف من الدنانير وصالحه منها ابن عتيق بنحو ثلاثمائة دينار بعد شهادة نقيب الأشراف يومئذ حمزة بن محمد العربي بأن منصورا هو الوارث الشرعي تمسكا بالعصبة انتهى.
стр. 9975
(الفخذ الثاني) عقب عبد الله بن عبد الواحد.
فعبد الله خلف محمدا ثم محمد خلف منصورا ويقال لولده المناصير، ثم منصور خلف ابنين: منيفا وخرسانا وعقبهما حيان.
الحي الأول
عقب منيف بن منصور، فمنيف خلف شدادا ثم شداد خلف راجحا ثم راجح خلف منبها ثم منبه خلف شبيبا ثم شبيب خلف سرحان له عقب يقال لهم السراحين، منهم براج بن منبه بن سرحان المذكور، ومنهم رسام بن مبارك بن سرحان، أنسل ابنا اسمه سبع أمه نجلا بنت علي بن تامر الوحادي، ثم سبع خلف حمزة وتوفيا بمصر ومنهم علي بن شهوان بن مليح بن سرحان المذكور أعقب بمصر ولدا.
قلت: المعروف من عقبه محمد بن علي المذكور، وورد المدينة من مصر مرتين، وتوفى بالمدينة سنة (غط) انتهى.
أما السماعلة أولاد سمعل فمنهم علي بن محمد بن عامر ويقال هم آل بقرة، نسبة إلى أم لهم اسمها ذلك، وقد انقرضوا، ومنهم حسن وعلى ابنا هيتمي وهما أيضا أنسلا وانقرضا، ومنهم محمد بن عتيق بن رميح أنسل ابنين أحدهما فايز يُلقَّب فازانا وكان بمصر في قرية تفهنه الأشراف.
قلت: بلغني وفاته في تأريخ هذه الرسالة ولم يعلم له عقب انتهى.
وثانيهما جار الله مات في حياة أبيه عن بنت كانت بأحمد نكر، ومات محمد بن عتيق في بندر جيول وقبره قرب مسجد بساحلها يقال له مسجد الصحابة وذلك سنة (ظفط) وعقبه أربعة بنين: جماعة وسليمان وحمزة وجار الله ثانيا وبنت اسمها دلال تقلب درويشة.
أما جماعة فمات ودفن في قرية تبعد عن أحمد نكر نحو أربعة فراسخ يقال لها البيت بالباء الموحدة أخت الفاء قيل الياء المثناه التحتية.
стр. 9976
قلت: تسمية الولد الرابع بجار الله زيغ من قلم المؤلف طاب ثراه، وإنما اسمه حيدر، ثم جماعة خلف ثلاثة بنين: أحمد وجار الله ومحمد شريف، سكنوا المدينة بعد الهند مدتهم وأعمامهم الثلاثة المذكورون وبنت عمهم جار الله وماتت البنت بالمدينة وكذا مات بها محمد شريف قاصرا لم يعقب، ورجع سليمان وأخوه إلى الهند، وكذا جار الله ابن أخيهما جماعة، وبقى أحمد بالمدينة رشيدا فالحًا، انتهى.
ومن السماعلة في جبل عاملة (١) جماعة يؤخذ نصيبهم من وقف تفهنه بمصر. قلت: يعرفون بالجبابيل ولم يعلم لهم هناك بقية سوى امرأة واحدة، حكاه لي بعض ثقاة الشام انتهى.
الحي الثاني
عقب خراسان بن منصور.
فخراسان خلف ثلاثة بنين: مرشدا وعامرا وأبا القاسم، وعقبهم ثلاثة بطون
(البطن الأول) عقب مرشد بن خراسان، فمنهم زين بن عيران بن درَّاج بن علاس بن حسيس بن مالك بن مرشد المذكور وليس لزين غير فاطمة.
(البطن الثاني) عقب عامر بن خراسان، فمنهم الحميضات ومن الحميضات مقبل بن محمد بن أحمد بن هاشم بن تركي بن مذكور بن عامر بن خراسان، ثم مقبل ويقال لولده آل مقيل خلف ابنين محمدا وسرداحا وعقبهما عمارتان.
العمارة الأولى
عقب محمد بن مقبل، فمحمد خلف ابنين: ثانيا وزايدا.
قلت: ومقبلا ثالثا انتهى، وعقبهم ثلاثة بيوت.
(البيت الأول) عقب ثابت بن محمد، فثابت خلف ابنين محمدا سيدا ورعا لا بأس به، وأحمد، وبنتا اسمها تركية.
стр. 9977
أما محمد فخلف صقرا وبنتان ثم صقر خلف محمدا يُلقَّب دبيكلا.
وأما أحمد فخلف ابنين: عليا يُلقَّب بنية، مات دارجا سنة (ظصح) وسليمان بلقب حنفرا.
قلت: مات حنفر بالمدينة سنة (ظصح) منقرضا إلا عن بنتين درجتا بعده وتوفي دبيكل بالفرع منقرضا سنة (غيج) وكان ﵀ ذا مروة ونفس سمحة وجنان ثابت وفهم وذكاء ونظم وبحث في العلم طبيعي من غير قراءة، فهذا البيت منقرض، والله الباقي.
(البيت الثاني) عقب زايد بن محمد.
فزايد خلف عليا ثم علي مات بالروم (١) وخلف منصورا وبنتا، ثم منصور خلف ابنا.
قلت: بل خلف ابنين عليا درج بالغًا، وإبراهيم والبنت اسمها مريم انتهى.
(البيت الثالث) عقب مقبل بن محمد، فمقبل خلف ابنين: زايدا وحسنا.
أما زايد فأنسل ثلاثة بنين: مقبلا وعبد الله وعليا وغرق مقبل في إحدى بركتي الحاج بالمعلاة بمكة المشرفة وخلف ابنا اسمه جريبيع.
قلت: توفي زايد المذكور بالمدينة سنة (غح) وخلف ابنيه المذكورين عبد الله مخترم العقل له بنت اسمها مريم وعليا له ولدان حسين وإبراهيم انتهى.
وأما حسن بن مقبل فخلف المقداد وبنتا.
قلت: اسم البنت ثريا وقد رام المقداد النقابة بعد موت النقيب حمزة بن محمد العربي وتوجه إلى ساحة السيد الشريف سلطان الحرم المنيف إدريس بن حسن بن أبي نمي الحسني، فولاه نقيبا ومكث كذلك بفريقه أربعة أيام ثم تعاجز نفسه عن واجب
стр. 9978
النقابة للديوان، فرجع إلى المدينة معزولا، وكانت مدة ولايته كورد الإبل، وتولاها بعده محمد بن أحمد بن سعد الشدقمي وللمقداد ابن اسمه هاشم انتهى.
العمارة الثانية
عقب سرداح بن مقبل، فسرداح بن مقبل خلف ثلاثة بنين: شاهينا وأحمد وعليا وعقبهم ثلاثة بيوت.
(البيت الأول) عقب شاهين بن سرداح.
فشاهين وكان زعيم العشيرة عظيما في الدهاء وصلابة الرأي وكان أمير المدينة باز بن فارس الزياني يقتدي بآرائه ويصدر عن أشواره، حلف ابنين راضيا وعامرا.
أما راضي فخلف محمدا ودلال بنتا، ثم محمد خلف فويجلا وفاطمة، وتوفي العم وابن أخيه متقاربين سنة (ظص).
قلت: فويجل -وله إلينا تردد ومعاشرة ولنا معه تودد ومحبة ظاهرة مذكور بصفاء الجنان محبور بذلاقة اللسان، وربما غار على الأخلاء والأخدان كالسهم النافذ والسنان- أنسل ابنين: شاهينا وجعفر وثلاث بنات: نجمة وجمال ونبيه انتهى.
وأما عامر بن شاهين فخلف عليا وفوزا.
قلت: ثم علي وله قراءة ومعرفة في الفقه وحظ في المطالعة والنبه لديه تقوى وديانة وسكينة وصيانة، أنسل ابنا اسمه عامر وبنتا اسمها دلال وبنتا أخرى اسمها شمسية. انتهى.
(البيت الثاني) عقب أحمد بن سرداح.
فأحمد خلف عميرة يلقَّب درازا، كان في ريف مصر ثم سكن المدينة الشريفة، وله بنات أمهن عامية مصرية ريفية.
стр. 9979
قلت: اسمها شما وبناتها ثلاثة: روزة وفاطمة وغنيمة، وقد مات عميرة بالمدينة سنة (غي) وخلف هؤلاء البنات وحسنا أمه غبية بنت أحمد بن قناع الوحادي وله بنت رابعة ماتت قبله مزوجة اسمها حورية أمها شريفة انتهى.
(البيت الثالث) عقب علي بن سرداح.
فعلي خلف إناثا ثلاثا.
قلت: وظاهر كلام المؤلف إنقراضه. انتهى.
(البطن الثالث) عقب أبي القاسم بن خراسان، فمنهم محمد بن رملي بن قداح بين سحيل بن وهبان بن هميان بن أبي القاسم المذكور، ثم محمد وكان عالي الهمة يتعاطى أمور أمير المدينة النبوية وتقتدي الأمراء برأيه، مات سنة (ظن) خلف قناعا وبنتين مريم وباشة، وبنتين أخريين جمال ونجمة.
ثم قناع وكان سيدا عالي الهمة كريم النفس، وفد على سلطان عراقي العرب والعجم الشاه طهاسب الموسوي الحسيني وفدتين وأكرمه إكرامتين، ومات بالمدينة الشريفة سنة (ظعط) خلف أحمد ثم أحمد له عدة أولاد وبنات.
قلت: هم ثلاثة بنين: محمد ورملي وعيران وبنت اسمها غبية، ومات أبوهم وخلف هؤلاء البنين ومات بعده ابنه رملي بالمدينة منقرضا انتهى.
ومن هذا البطن محمد بن رمال مولده بالمدينة ومنشئه ببلاد العجم كان كريما ذا همة، لازم الشاه المذكور وأباه الشاه إسماعيل قبل ثم جاء إلى المدينة وعاد إلى العجم ثم الدكن، وأكرمه سلطانها نظام شاه ثم رجع إلى العجم على طريق السند، وقتل هناك منقرضا إلا عن بنتين كانتا باللار في سنة (ظسز).
ومنهم بلول بن غياث خلف ابنين: محمدا وعليا، أنكر عليه سلوكه عدل من أهل السنة واستبعد في نفسه أن يكون مثله سيدا، فرأى في المنام فاطمة الزهراء ﵍ وهي تقول: أتنكر عليَّ ولدي.
стр. 9980
فلما أصبح جاء إلى جدي علي بن الحسن -رحمهما الله- وقص عليه القصة، فكان كثير الإحسان إليه لذلك.
أما محمد فخلف درويشا وحجيحة بنتا.
وأما علي فخلف درويشا أيضا.
قلت: سعى درويش بن علي بأهل المدينة إلى سلطان الحرمين الشريف الحسني متهما أن عندهم من أموال الغياب وميراث بيت المال أموالا كثيرة عقارا ومنقولا، ملتمسا منه أن يجعله ناظرا على أمين بيت المال ليحصل له ما اتهمهم به، فولاه هذا المنصب.
فمكث به مدة قليلة ثم شكاه القاضي إلى الشريف بأنه يجبر الموتى عن الدفن ويعطلهم بعدم الالتفات إليهم والملازمة لهم حتى إن امرأة ماتت ولم تدفن إلا بعد ثلاثة أيام فعزله الشريف، وكتب إلى حاكمه بالمدينة: أن هذا الفعل ما سمع به أحد إلا في زمان فرعون.
ثم سافر إلى الهند ومات بها منقرضا سنة (غيد) انتهى.
ومنهم حسنة بن معطى -بالغين المعجمة والطاء المهملة- بنى مسجد الجَحفَة، وكان يسكن الفرع وله بها أملاك، وكان من الكرم على غاية، حتى كان له مناد ينادي يا جوعان يا عطشان، وهو منقرض أيضا.
ومنهم محمد بن معلى بن غرا، مات عن بنت، فهو أيضا منقرض.
ومنهم جماعة بمصر في قريتهم تفهنه.
ومنهم جماعة آخرون يسكنون الفرع.
ومنهم مبارك بن علي بن تامر خلف ثلاثة بنين: زيالع وأحمد، ماتا دارجين، وحزيما قتل دارجا، والثوامر منقرضون.