← Акыда

Акыда · id 902

المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية

هيثم الحمري

Полный текст (731 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أعظم تقريراته أن أهل السنة يعلمون الحق، ويرحمون الخلق (١)، فقد حقق ذلك والتزمه في جميع مناظراته ومناقشاته لخصومه ومخالفيه. وغيرها من النماذج الكبيرة التي تدل على هذا وتبرهن عليه. ١٦) التدرج مع المخالف في بيان الباطل وتقرير الحق: من حسن صنيع العالم في مناظرته للمخالف، أن يتدرج معه في النقاش والحوار حتى يوصله للمطلوب المراد دعوته إليه وبيانه له، وهذه الطريقة أقرب لقبول المدعوين وأجلب لقلوبهم، وقد كان شيخ الإسلام حريصًا على مثل هذا الأمر وعلى كل أمر ييسر قبول الخصم للحق ورجوعه عن الباطل، ومن تطبيقات شيخ الإسلام لهذا المسلك، ما فعله مع مناظره الرافضي حيث ابتدأ شيخ الإسلام ببيان مذهب الرافضة في الإمامة وتقرير معتقدهم في ذلك حتى أقر له الرافضي بما ذكر من اعتقادهم وشهد بأنه قرر مذهبهم على أكمل وجه، ثم بدأ معه شيخ الإسلام بنقض مذهبهم وبيان ما في قولهم من فساد وضلال (٢). وفي مناظرة الرسالة المدنية تدرج شيخ الإسلام مع مناظره في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الصفات وذكر أقوال المخالفين، ثم ذكر له أمهات المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة، قال «فقلت له: نبدأ بالكلام على مسألة تأويل الصفات، فإنها الأم والباقي من المسائل فرع عليها» (٣) وكان يورد المسألة تلو المسألة، وقرر شروط التأويل المقبول، ثم طبق ما قرره بمثال واضح، وهكذا بأسلوب بديع في التدرج مع المدعو، حتى سلم له مناظره وعرف الحق وأظهر التوبة والإنابة (٤).

стр. 107

١٧) البدء بنقض شبهة الخصم ومعتقده الفاسد، قبل تقرير الحق والمعتقد الصحيح: من كمال التدرج المطلوب مع الخصم: أن يبدأ المناظر بنقض شبهة الخصم ومعتقده الفاسد، ثم يقرر له الحق والمعتقد الصحيح الذي يجب اعتقاده، وهذه الطريقة يطلق عليها بعض العلماء: (التخلية قبل التحلية)، أو (التصفية قبل التربية)، وكانت هذه من أهم المسالك التي يعتني شيخ الإسلام بسلوكها وتطبيقها، ويعلل ذلك فيقول: «إن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، متى ذكرت له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه، لِما قام في نفسه من الشبهة، فينبغي إذا كان المناظر مدعياً أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه وإلا فما دام معتقداً نقيض الحق لم يدخل الحق إلى قلبه، كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل، امحه أولاً، ثم اكتب فيه الحق» (١). وهذا من كمال فقه شيخ الإسلام وتمام علمه بمسالك المناظرات وطرقها المفضية إلى إقناع الخصم. ومن تطبيقات شيخ الإسلام لهذا الأمر ما تجده في مناظرته مع نفاة الرؤية حيث قام ﵀ بتلخيص شبهة نفاة الرؤية في مقدمتين ونتيجة، ثم قام بنقض هذه الشبهة وبيان بطلانها، وبعد ذلك قام بتقرير الحق في ذلك بالنصوص الشرعية والآثار الصحيحة التي تدل على ثبوت الرؤية، فابتدأ بنقض الأصل الفاسد، ثم أتبعه بتقرير الحق (٢)، وذلك لأن «الدليل إن لم تقرر مقدماته ويجاب عما يعارضها لم يتم» (٣). ١٨) التنزل مع الخصم أدعى لقبوله الحق: كان شيخ الإسلام حريصاً أشد الحرص على بيان الحق للناس، وكشف ما

стр. 108

علق بأذهانهم من آراء فاسدة، بُنيت على شُبهٍ باطلة وأدلة واهية مخالفة للثوابت الشرعية والنصوص القطعية من الكتاب والسنة، ولذلك فقد يتنزل شيخ الإسلام مع مناظره شيئا ما ليكون أدعى لقبوله الحق وإن كان شيخ الإسلام على يقين تام ببطلان قوله وفساد معتقده قال ﵀: «فإنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزل إليهم، كما نتنزل إلى اليهودي والنصراني في مناظرته، وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله، اتباعاً لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]. وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول، ويصدون به أهل الإيمان عن سواء السبيل، وإن جعلوه من المعقول بالبرهان، أعظم من أن يبسط في هذا المكان» (١). وفي مناظرته مع بعض النصارى قال: «ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية» (٢). ومن هذا الباب ما فعله شيخ الإسلام في مناظرته الرفاعية، فبعد أن بين حيلتهم في دخول النار، تنزل معهم وجاراهم في مخاريقهم فتحداهم في دخول النار بعد الاغتسال بالخل والماء الحار، وقال: «أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب» (٣) أو قال: «فعليه لعنة الله» (٤). ولما استعظم الأمير ذلك وقال: أتفعل ذلك؟ فقال له شيخ الإسلام مبيناً سبب إقدامه على مثل هذا الفعل: «نعم قد استخرت الله في ذلك، وأُلقي في قلبي أن أفعله، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء؛ فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد ﷺ المتبعين له باطنًا وظاهرًا لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله،

стр. 109

والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات» (١)، وقال: «وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم» (٢). والتنزل للخصوم في المناظرات من تمام الإنصاف، وفيه دعوة لطيفة لأهل الانحراف. فكم مُبْطل وافاه يَبْغِي جداله … فأنصفه فِي الْبَحْث من غير عدوانِ ويكشف عَنهُ شُبْهَة بعد شُبْهَة … إِلَى أَن يبين الْحق أحسن تبيانِ فَيُصْبِح عَن تِلْكَ الْمقَالة معرضًا … وَلَو كَانَ من أَحْبَار سوء وَرُهْبَانِ (٣) ١٩) الحرص على إفهام الخصم والإتيان بالعبارات الواضحة: لم يكن شيخ الإسلام يبخل على خصمه بالبيان والتوضيح والشرح والتفصيل، ليتضح له الحق، وينكشف أمامه الباطل، ويتبين له الهدى من الضلال، ولم يكن هذا الحرص على المخالفين المنتسبين للإسلام والملة فحسب، بل وحتى مع غير المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم من الكافرين، وقد يردد الكلام ويعيده على الخصم حتى يستوعبه ويفهمه حق الفهم، ومن ذلك ما فعله في مناظرته لبعض النصارى حيث قال: «وجعلت أردد عليه هذا الكلام؛ وكان في المجلس جماعة حتى فهمه فهمًا جيدًا، وتبين له وللحاضرين أن قولهم باطل لا حقيقة له» (٤).

стр. 110

وإذا رأى أن تفسير العبارات المجملة لا يحقق المقصود من هداية المخالف وبيان الحق له، فإنه يترك ذلك ويأتي بالعبارات البينة الواضحة، قال ﵀: «قد لا يتأتى في المناظرات تفسير المجملات، خوفاً من لدد الخصم، فيؤتى بالواضحات» (١). ٢٠) الاحتجاج بكتب المخالف وأقوال شيوخه الذين يعظمهم: لقد جبل كثير من أهل البدع على تعظيم مشايخهم وكتبهم ومؤلفاتهم، حتى أن كثيراً منهم ونظراً للتعصب المقيت الذي انتشر بينهم قد يرد الآية أو الحديث، ولكنه يهاب من رد قول شيخه أو مخالفته ولو في أوضح المسائل، وقد كان من حسن صنيع شيخ الإسلام مع مخالفيه، احتجاجه عليهم بكتبهم التي يعظمونها، ونصوص علماءهم ومشايخهم الذين ينتسبون إليهم ويرجعون إليهم في فهم النصوص والعمل بها، وقد استخدم شيخ الإسلام هذا الأسلوب في عدة مناظرات ومن أجلى ذلك وأظهره ما قام به في مناظرة العقيدة الواسطية قال ﵀: «وقد أحضرت في الشام أكثر من خمسين كتاباً: من كتب الحنفية والمالكية والشافعية وأهل الحديث، والمتكلمين والصوفية كلها توافق ما قلته بألفاظه؛ وفي ذلك نصوص سلف الأمة وأئمتها، ولم يستطع المنازعون مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه أن يخرجوا ما يناقض ذلك عن أحد من أئمة الإسلام وسلفه» (٢).

стр. 111

وبين شيخ الإسلام أن نفع مثل هذه الطريقة ليس مقتصراً على الخصم فقط بل يعود نفعه على كثير من أهل الحق الذين يخشون من الصدع به، قال شيخ الإسلام: «وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن أبين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة والأشعري وأكابر أصحابه على ما ذكرته؛ فإنه قبل المجلس الثاني: اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية، وغيرهم ممن عَظُمَ خوفهم من هذا المجلس، وخافوا انتصار الخصوم فيه، وخافوا على نفوسهم أيضًا من تفرق الكلمة، فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته، أو لم يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها، لصارت فرقة، ولصعب عليهم أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم بما في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم. فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك، وقامت عليه الحجة، وبان أنه مذهب السلف: أمكنهم إظهار القول به مع ما يعتقدونه في الباطن من أنه الحق» (١). ٢١) تنوع أساليبه وطرقه في إبطال مقالة الخصم: تنوعت أساليب شيخ الإسلام في إفساد مقالة الخصم خلال مناظراته ومنها على سبيل المثال لا الحصر: أ -بيان فساد المقالة بفساد دليلها: ومنه بيان شيخ الإسلام في مناظرته مع الصوفية فساد اعتقادهم نفع الأحجار، بفساد دليلهم الذي اعتمدوا عليه وهو

стр. 112

حديث: (لو أحسن أحدكم ظنَّه بِحَجَرٍ لنفعه الله به) (١)، حيث بين أنه كذب موضوع. وبيانه في مناظرة أخرى كذب الحديث الذي استندوا عليه في تجويزهم دعاء القبور (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور) (٢). وبيانه في مناظرته للنصارى عدم صحة احتجاجهم على ألوهية المسيح بتشبيهه بالشعاع الذي للشمس أو النور للنار، وغيرها من الأمثلة كثير (٣). ب -بيان فساد المقالة بفساد لازمها: ومن ذلك إلزامه للنصارى -في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن- أن يكون الإله قد تألم وتوجع بصلب المسيح ووجعه، كما تتألم الروح بألم البدن ووجعه (٤). وبيانه في مناظرته لبعض الاتحادية فساد قول من اعتقد حلول الله بقلب الحلاج بذكر اللوازم الفاسدة المترتبة على هذا القول (٥). ت -بيان فساد المقالة بإظهار تناقضها واضطرابها: ومن ذلك بيانه في مناظرة الفلاسفة لفساد مقالتهم ببيان تناقضها واضطرابها، وبيانه في المناظرة الواسطية تناقض ابن الوكيل وعدم استقراره على مقالة واحدة (٦)، وبيانه في مناظرته مع بعض منكري العلو مناقضة عقيدته لفطرته وفعله (٧)، وقد قرر ﵀ قاعدة عامة في ذلك فقال: «وكل من نصر قولًا ضعيفًا فلا بد له من أحد أمرين: إما أن يتناقض، وإما أن يلتزم لوازم ظاهرة الفساد» (٨).

стр. 113

ث -بيان فساد المقالة بفساد ما بنيت عليه: ومن ذلك بيانه في مناظرة المنجمين فساد صناعتهم بنقض مبناها الذي بنيت عليه، وهو أن الحركات العلوية هي السبب المؤثر في الحوادث الأرضية (١). وبيانه في مناظرته لبعض الاتحادية فساد مقالته: أنه لا فرق بين التوحيد والالحاد، وذلك ببيان فساد ما بنيت عليه هذه المقالة، وتفرعت عنه (٢). وفي مناظرة نفاة الرؤية: ذكر شيخ الإسلام أن جميع شبههم مبنية على مقدمتين، ثم شرع في بيان فساد هاتين المقدمتين التي بُني عليهما هذا القول (٣). ج -بيان فساد المقالة بكذب أصحابها وتحايلهم: ومن ذلك كشفه لحال الأحمدية وما انطوت عليه أقوالهم وأحوالهم من الكذب والحيل والتلبيس والخداع، قال شيخ الإسلام: «وهم كذابون مبتدعون، قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم» (٤) ح -بيان فساد المقالة ببيان كذبها وعدم ثبوتها: ومن ذلك ما افتراه الرفاعية على شيخ الإسلام من أنه أمرهم بلبس الأطواق ودخول النار. قال الشيخ: «فقلت: هذا من البهتان، وها أنا ذا أصف ما كان. قلت للأمير: نحن لا نستحل أن نأمر أحدًا بأن يدخل نارًا ولا تجوز طاعة من يأمر بدخول النار، وفي ذلك الحديث الصحيح. وهؤلاء يكذبون في ذلك» (٥). خ -بيان فساد المقالة بإظهار عجز صاحبها: ومن ذلك ما جاء في مناظرته مع بعض الأحمدية ممن يزعم القدرة على دخول النار وعدم الاحتراق بها، فقال له: «أنا ما أكلفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوافة في ذقنك. فجزع ذلك

стр. 114

الفقير وأبلس» (١). د -بيان فساد المقالة بفقدها الدليل الشرعي الذي تستند إليه: ومن ذلك ما فعله شيخ الإسلام ﵀ في المناظرة الواسطية من تشديد على عدم وجود مستند شرعي لدى المخالفين على بطلان شيء من اعتقاده، وقال لهم متحديًا: «وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) يخالف ما ذكرته، فأنا أرجع عن ذلك» (٢) وأعاد هذا الكلام وكرره وأكد عليه ليبين ضعف اعتراضهم وأن مبناه على الأهواء والظنون وليس الأدلة والنصوص. ٢٢) قلب دليل الخصم دليلاً عليه: قال شيخ الإسلام ﵀: «ما احتج أحد بدليل سمعي أو عقلي على باطل إلا وذلك الدليل إذا أعطي حقه وميز ما يدل عليه مما لا يدل تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به؛ وأنه دليل لأهل الحق وأن الأدلة الصحيحة لا يكون مدلولها إلا حقا والحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضا» (٣)، وقال ﵀: «وقد كنت قديماً ذكرت في بعض كلامي أني تدبرت عامة ما يحتج به النفاة من النصوص، فوجدتها على نقيض قولهم أدل منها على قولهم» (٤)، وقال أيضاً: «جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية إنما تدل على الحق، لا تدل على قول المبطل وهذا ظاهر يعرفه كل أحد، فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق، لا على باطل .... والمقصود هنا أن نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا أعطي حقه وتميز ما فيه من حق وباطل، وبين ما يدل

стр. 115

عليه، تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه. وهذا عجيب قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية فوجدته كذلك» (١). ومن ذلك مناظرته لبعض القبورية حين استدلوا على ولاية العبيديين بأن الخيل تُشفى عند قبورهم، فقام شيخ الإسلام بقلب دليلهم دليلاً عليهم، وبين أن شفاء الخيل بسبب ما تسمعه من عذابهم في القبور، لا بسبب ولايتهم وصلاحهم (٢). ٢٣) عدم الجدال والمناظرة في البديهيات والضروريات: لم يكن شيخ الإسلام يتوقف في نقاش خصومه ومجادلتهم مادام أن موضوع البحث يمكن أن يكون محلا للبحث والنقاش والمجادلة، أما إذا وصل الأمر إلى المناقشة في البديهيات، والجدال في الضروريات التي لا يمكن أن يختلف فيها اثنان، فإن هذه إمارة واضحة على انقطاع الخصم وإفلاسه من الدليل والحجة، وهذه الطريقة يلجأ لها كثير من المعاندين للحق بعد تبينه لهم، والمستكبرين عن قبوله بعد ظهوره لهم، ولذلك لم يكن شيخ الإسلام يجاريهم، ومن ذلك ما وصل له شيخ الإسلام في مناظرته مع ابن المرحل، حيث قال له بعد إصراره على الجدال في مثل هذه الأمور: «الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتم، وكون الحب والبغض أمراً وجودياً معلوم بالاضطرار؛ فإن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خالياً عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية، فإذا صار محباً فقد تغير الموصوف، وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب، وهو يحس ذلك من نفسه، يجده كما يجد شهوته ونفرته ورضاه وغضبه ولذته وألمه» (٣)، وقرر ﵀ أن المناظرة في البديهيات، والمجادلة في المسلمات ما هو إلا ضرب من السفسطة، قال ﵀ في مناظرته لابن المرحل: «وفي الجملة: فكون الحب والبغض صفة ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة، فلا يقبل فيه نزاع

стр. 116

ولا يناظر صاحبه إلا مناظرة السوفسطائية» (١) ٢٤) الرحمة بالمخالف والإشفاق عليه، والحرص على هدايته: لم تكن غاية شيخ الإسلام من مناظراته إقامة الحجة على المخالف وقطعه وإسكاته فحسب، بل كان شيخ الإسلام حريصًا أشد الحرص على هداية المخالفين وإرجاعهم للحق، وإنقاذهم من الضلال. والناظر في مناظرات الشيخ يجد كثيرًا منها قد تحقق فيها مراد الشيخ من إقناع الخصم وهدايته للحق، وتوبته من الباطل. فمع ما قام به الرفاعية من أذى للشيخ وكذب عليه ووشاية به عند السلاطين والأمراء، فإن شيخ الإسلام كان في المقابل حريصاً على هدايتهم مشفقاً عليهم، لم يسع لأذاهم أو إيقاع الضرر بهم، مع كونه أقدر على ذلك منهم، وأرسل لهم المرة تلو المرة لعلهم يراجعوا أنفسهم ويتركوا بدعهم وضلالتهم قال الشيخ ﵀: «فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونتفق على اتباع سبيله، فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة … فأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة والمعذرة وطلبا للبيان والتبصرة ورجاء المنفعة والتذكرة» (٢)، وقال: «وما أحببت البغي عليهم والعدوان ولا أن أسلك معهم إلا أبلغ ما يمكن من الإحسان، فأرسلت إليهم من عرَّفهم بصورة الحال وإني إذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال وكثر فيكم القيل والقال، وأن من قعد أو قام قدام رماح أهل الإيمان فهو الذي أوقع نفسه في الهوان» (٣). ولما ناظره أحد شيوخ الرافضة أحسن إليه وترّفق به، فوصفه بأنه من فضلاء

стр. 117

شيوخهم، وأجاب طلبه في الخلوة والكلام معه في مسألة الإمامة، كما بيّن شيخ الإسلام مذهب الرافضة بكل إنصاف، حتى أقرّ الرافضي بأن هذا البيان على غاية الكمال، وكان ابن تيمية في غاية التجرد للحق، والنصح لمخالفه، حيث قال: «فأنا وأنت طالبان للعلم والحق» (١). فالباعث من تلك المناظرة المناصحة والرحمة، لا المغالبة والظهور (٢) ونماذج ذلك من حياة الشيخ ومناظراته أشهر من أن تذكر. ٢٥) مراعاته لقاعدة الجدل والمناظرة: (إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل): هذه القاعدة من القواعد التي اعتنى بتقريرها شيخ الإسلام وكان كثيراً ما يعبر عنها بقوله: «العلم إما نقل مصدق وإما استدلال محقق» (٣). أو قوله: «والعلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم» (٤). وقد طبقها شيخ الإسلام عمليا في مناظراته، فلا تكاد تخلو مناظرة من مناظراته ﵀ إلا وهو يستدل فيها بالأدلة النقلية والعقلية الصحيحة، ولا يدعي ﵀ أمرا إلا ويقيم عليه الدليل والبرهان، وكثيرا ما يطالب خصومه بإقامة الأدلة على ما ادعوه من مذاهب وآراء فيظهر عند ذلك عجزهم وضعفهم، ومن أوضح ذلك ما فعله في المناظرة الواسطية فقد تحداهم أن يأتوا بدليل أو أثر -بل وحتى حرف- عن القرون المفضلة يدل على صحة اعتراضهم ودعواهم (٥). ويبين شيخ الإسلام ﵀ أنه لا عبرة بالدعاوى وإنما العبرة بالأدلة والبراهين، قال ﵀: «ولا عبرةَ بكثرةِ الدعاوي وتعدُّدِها وإنما العبرةُ بقوة

стр. 118

الأدلة وتعدُّدِها» (١)، وفي مناظرته مع الرافضي ادعى الرافضي عصمة الأئمة فطالبه شيخ الإسلام بالدليل على دعواه هذه (٢)، وفي الواسطية طالب من نسب لأصحاب الإمام أحمد بعض الآراء الباطلة أن يسمي له من كان يتبنى هذا القول منهم (٣). ولما رمى ابن المطهر الحلي المسلمين بأنهم حشوية ومجسمة، قال شيخ الاسلام في معرض الرد عليه: «ومن أراد أن ينقل مقالة عن طائفة فليسم القائل والناقل، وإلا فكل أحد يقدر على الكذب، فقد تبين كذبه فيما نقله عن أهل السنة» (٤). ٢٦) عدم رد الباطل بباطل: لطالما نبه شيخ الإسلام إلى خطأ كثير من المتصدين للرد على أهل البدع ومناظرتهم، وذلك من جهة ما يقوم به بعضهم من رد الباطل بباطل مثله، ورد البدعة ببدعة، ويرى شيخ الإسلام ﵀ أن هذا الفعل هو من أعظم أسباب استطالة أهل الباطل على أهل الحق والهدى، وضرب على ذلك مثالاً بما فعله المتكلمون حين حاولوا الرد على الفلاسفة فردوا على باطلهم بباطل، قال ﵀: «والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وبين باطل، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم، في مسألة حدوث العالم ونحوها، استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق، التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها … » (٥)، ونبه على أن هذا الأمر كثيرا ما يقع فيه المتصدون لمناظرة أهل البدع، مع نهي السلف عنه وذمهم لأصحابه، قال ﵀: «والذين ناظروا هؤلاء من أهل الإثبات ربَّما زادوا في المناظرة نوعًا

стр. 119

من الباطل، وإن كانوا في الأكثر على الحق، فكثيرًا ما يردُّ مُناظِرُ المبتدعِ باطلًا عظيمًا بباطلٍ دونَه، ولهذا كان أئمة السنة ينهون عن ذلك، ويأمرون بالاقتصاد ولزوم السنة المحضة، وأن لا يُردَّ باطلٌ بباطلٍ دونَه» (١)، وقال ﵀ مبيناً عدم ثمرة مثل هذا النوع من المناظرة والجدال: «الجدل الباطل لا يُفلِحُ فيه مَن سَلكَه استدلالاً وسؤالاً وانفصالاً؛ فإن من استدلَّ بالباطل فهو مُبطِلٌ، ومن ردَّ الباطلَ بالباطل ولم يُبيِّن أن الدليل باطل فهو مُبطِلٌ، ومن أجابَ عن الباطل بباطلٍ ولم يُبيِّن أن السؤالَ باطل فهو مُبطِل، وكلُّ مبطلٍ فإنه يكون منقطعًا إذا بُيِّن بطلانُه والله أعلم» (٢). ٢٧) مراعاة عوارض الأهلية - كالجهل والتأوّيل ونحوهما -: من تمام عدل شيخ الإسلام مع مخالفيه مراعاته لأحوالهم من علم وجهل وتأويل، فكان لا يحكم على شخص بعينه بحكم إلا بعد قيام الحجة وتوافر الشروط وانتفاء الموانع قال ﵀: «كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة، والذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم، أنا لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال … » (٣). وفي المناظرة الواسطية لما اعترض الخصوم بأن من خالف شيئاً من عقيدة الفرقة الناجية يلزم هلاكه. أجاب عنهم قائلاً: «وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا؛ فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد

стр. 120

ضده فقد يكون ناجيا، وقد لا يكون ناجيا، كما يقال: (من صمت نجا)» (١). وقال ﵀: «وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت. قال خشيتك: فغفر له) (٢)، فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا» (٣). ولما علم ما عليه كثير من معظمي مذهب الاتحادية ومشايخهم من جهل وقلة فهم وبصيرة، حرص على بيان الحق لهم بالعلم والحجة وبكل رفق وعناية، معتذرا لهم بجهلهم بحقيقة هؤلاء ومذهبهم (٤). ٢٨) استخدام أسلوب الترغيب والترهيب عند الحاجة إليه: كما يحتاج المناظر لاستخدام أسلوب الوعظ والتذكير، فإنه يحتاج في بعض الأحيان لاستخدام أسلوب الزجر والوعيد، ومن مظاهر ذلك ما قام به شيخ الإسلام مع مخالفيه في المناظرة الرفاعية، فإنه مع استخدامه لأسلوب الوعظ والتوجيه والنصح والبيان والإرشاد، إلا أنه لم يغفل الجانب الآخر عند الحاجة إليه، ومن ذلك ما حكاه من فعله مع كبير مشايخ الرفاعية حيث قال: «وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة، وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله» (٥).

стр. 121

٢٩) استخدام أسلوب الردع والزجر عند الحاجة لذلك: كان شيخ الإسلام ﵀ بشراً يعتريه ما يعتري البشر من غضب وحدة أحياناً، وخصوصاً عند معاندة المخالف للشرع، ورفضه الانصياع للدين والحق، ولذلك لما استطال خصومه من الرفاعية على شرع الله وتلاعبوا في دين الله، غضب عليهم أشد الغضب، ولما أخذ شيخهم يقول: «يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز يعني أتباع أحمد بن الرفاعي!» (١)، قال شيخ الإسلام: «فقلت منكرًا بكلام غليظ: ويحك، أي شيء هو الجناب العزيز، وجناب من خالفه أولى بالعز يا ذو (٢) الزَّرْجَنة (٣)، تريدون أن تبطلوا دين الله ورسوله!» (٤)، ولما تمادوا في الكذب والاحتيال شدد عليهم شيخ الإسلام في الخطاب، وكان مما دعاهم به: «يا شبه الرافضة، يا بيت الكذب!» (٥)، ولما أغضبه صفي الدين الهندي بكلامه فيما لا يعلم، وتخطئته للشيخ بغير وجه حق، ومخالفته للإجماع، قال الشيخ: «فغضبت عليه وقلت: أخطأت، وهذا كذب مخالف للإجماع. وقلت له: لا أدب ولا فضيلة، لا تأدبت معي في الخطاب، ولا أصبت في الجواب» (٦). ولما أغضبه مرة أخرى بنقله كذب الرازي على أئمة الحنابلة بأنهم يقولون بالجسمية والحشو صاح عليه شيخ الإسلام ورفع صوته مغضبًا: «سمهم قل لي منهم؟ من هم؟! أبكذب ابن الخطيب (٧) وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين؟!! وانزعج الشيخ انزعاجاً عظيماً على نائب

стр. 122

المالكي والصفي الهندي وأسكتهما سكوتاً لم يتكلما بعده بما يذكر» (١). ويعلل شيخ الإسلام لجوءه إلى مثل هذا المسلك في جوابه لمن أرسل إليه ناصحاً بلين الكلام ولطف الخطاب: «ما ذكرتم من لين الكلام والمخاطبة بالتي هي أحسن: فأنتم تعلمون أني من أكثر الناس استعمالا لهذا، لكن كل شيء في موضعه حسن، وحيث أمر الله ورسوله بالإغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة: فنحن مأمورون بمقابلته، لم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتي هي أحسن» (٢). ويقول ﵀ في موضع آخر: «ولما كانت المحاجة لا تنفع إلا مع العدل قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦]، فالظالم ليس علينا أن نجادله بالتي هي أحسن» (٣) وذلك أن «الظالم باغ مستحق للعقوبة، فيجوز أن يقابل بما يستحقه من العقوبة» (٤). وصدق من وصفه قائلاً (٥): حليمٌ كريمٌ مُشفِقٌ بَيْدَ أنَّهُ … إذا لم يُطَعْ في الله، للهِ يَغْضَبِ (٦) ٣٠) جواز استعمال المصطلحات الحادثة للحاجة: بين شيخ الإسلام أنه يجوز للمناظر أن يخاطب أهل الاصطلاح باصطلاحهم إذا كانت هناك حاجة تدعو لذلك وكانت المعاني التي تدل عليها تلك

стр. 123

المصطلحات معان صحيحة. قال شيخ الإسلام ﵀: «وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعُرفهم فإنَّ هذا جائزٌ حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتاجوا إليه» (١)، وقد استخدم شيخ الإسلام هذه الطريقة في مخاطبته مع الفلاسفة وغيرهم من أصحاب المصطلحات الحادثة، كما تجد ذلك مبثوثاً في مناظراته، وبين شيخ الإسلام أهمية ذلك عند الحاجة فقال: «ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات كالسلاح في المحاربات. فإذا كان عدو المسلمين -في تحصنهم وتسلحهم-على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس والروم: كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع وهو الأصلح في الدنيا والآخرة. وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك لا لفضل قوته وشجاعته ولكن لمجانسته لهم كما يكون الأعجمي المتشبه بالعرب - وهم خيار العجم - أعلم بمخاطبة قومه الأعاجم من العربي وكما كون العربي المتشبه بالعجم - وهم أدنى العرب - أعلم بمخاطبة العرب من العجمي» (٢). أثر منهج شيخ الإسلام في نتائج المناظرات: لقد كان لمنهج شيخ الإسلام الذي اتبعه في محاورة ومناظرة مخالفيه وخصومه، عظيم الأثر في نتائج مناظراته، فالمتأمل في مناظرات شيخ الإسلام يجد لمناظراته كبير النفع والفائدة لمن ناظرهم، ولغيرهم ممن حضر هذه المناظرة أو قرأها أو نُقلت إليه وسمعها، فلم تكن مناظراته كحال كثير من المناظرات السقيمة التي تنتهي للسفسطة والجدل العقيم، ويخرج منها أطرافها بدون أي ثمرة

стр. 124

أو نفع أو فائدة، بل كانت أكثر محاورات شيخ الإسلام لخصومه تنتهي بظهور الحق بأنصع صوره للموافق والمخالف والرائي والسامع، ولذلك فقد انتهت كثير من مناظراته برجوع خصومه عن مقالتهم وتوبتهم من باطلهم واعترافهم بالحق الذي بينه شيخ الإسلام وقرره، فإن لم يرجع الخصم عن مقالته ويعلن انصياعه للحق وقبوله، فإنه لا يجد محيصاً من الانقطاع أمام شيخ الإسلام، بحيث يظهر للناس المحق من المبطل وداعية الهدى من داعية الضلال، ويظهر ضعف الشبه الشيطانية، أما الحجج والأدلة الربانية. وسأستعرض شيئاً مما يبرهن على ما ذكرته، ويؤيد ما قلته وسطرته، من وقائع أبرز المناظرات ونتائجها، وخاتمتها ونهايتها: -ففي مناظرته مع بعض النصارى بين له شيخ الإسلام ولمن كان معه اللوازم الفاسدة التي تلزم من مقالتهم واعتقادهم «فاعترف هو وغيره بلزوم ذلك» (١). -وفي مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد انتهت المناظرة باعترافهم وقولهم: «الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه» (٢). -وفي مناظرته الأخرى مع أحد معظمي الرهبان، اعترف بعد سماعه حجة شيخ الإسلام، أن ما يقومون به شرك "حتى إن قسيساً كان حاضراً في هذه المسألة، فلما سمعها قال: نعم على هذا التقدير نحن مشركون" (٣). -وفي مناظرته مع المنجمين، انتهت باعتراف رئيسهم بما قرره شيخ الإسلام من كذبهم وتخرصهم "فقال رئيسهم: والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة" (٤). -وفي مناظرته مع أحد حذاق الاتحادية، أفحمه شيخ الإسلام بقوة حجته

стр. 125

حتى بُهِتَ ولم يجد جوابا فنازع في المسلمات، حتى ضحك منه الشيخ وظهر للناس فساد كلامه (١). -وفي مناظرته مع بعض معظمي الاتحادية والغالين في مشايخهم، بين له شيخ الإسلام حقيقة أقوالهم ومذهبهم "حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله! " (٢). -وفي مناظرته مع جمع من الرفاعية انتهت المناظرة بتوبة جماعة منهم (٣). -وفي المناظرة الكبرى للرفاعية عند قصر الإمارة، انتهت المناظرة بظهور شيخ الإسلام عليهم، وطلبهم الصلح والتوبة مما مضى، وإلزام السلطان لهم باتباع الكتاب والسنة وعدم الخروج عنهما (٤). -وفي مناظرته مع أحد مشايخ الرفاعية عندما أراد إظهار قدرته على دخول النار، قال له الشيخ: «أنا ما أكلفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوافة في ذقنك. فجزع ذلك الفقير وأبلس» (٥). -وانتهى المجلس الأول من المناظرة الواسطية وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة: ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة (٦). -وانتهت مجالس المناظرة الواسطية باعتراف الحاضرين جميعا بصحة ما جاء في العقيدة (٧).

стр. 126

-وفي المناظرة المدنية، تبين للرجل ما كان عليه من باطل واقتنع بما قرره شيخ الإسلام من الحق فـ «أظهر الرجل التوبة وتبين له الحق» (١). -وفي مناظرته مع بعض منكري العلو، تاب الرجل واستغفر الله، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم (٢). فهذه أبرز المناظرات وأشهرها، وهذه نتائجها وثمرتها، وهي تبرز بوضوح عظيم أثر منهج شيخ الإسلام الذي اتبعه في نتائج هذه المناظرات، وضرورة التزام كل داعية يواجه أهل الباطل ويناظرهم ويخاصمهم ويجادلهم بمثل هذا المنهج العظيم، والمسلك القويم، الذي يثمر أفضل النتائج وأنفعها، وخير الثمار وأينعها. * * *

стр. 127

الباب الأول مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع غير المسلمين ويشتمل على أربعة فصول: الفصل الأول: مناظراته مع النصارى. الفصل الثاني: مناظرته مع التتار. الفصل الثالث: مناظرته مع المنجمين. الفصل الرابع: مناظرته مع الفلاسفة. * * *

стр. 128

الفصل الأول مناظرته مع النصارى. ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: مناظرته مع بعض علماء النصارى في تأليه المسيح دون غيره من الأنبياء. المبحث الثاني: مناظرته مع بعض النصارى في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن. المبحث الثالث: مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد في شركهم ومخالفتهم لدين إبراهيم والمسيح ﵉. المبحث الرابع: مناظرته مع بعض معظمي رهبان النصارى في دينهم وشركهم وعكوفهم على التماثيل والقبور وعبادتها.

стр. 129

المبحث الأول: مناظرته مع بعض علماء النصارى في تأليه المسيح دون غيره من الأنبياء: وفيه مطلبان: المطلب الأول: عرض المناظرة: • تمهيد: ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه المناظرة في معرض رده على القائلين بوحدة الوجود، حيث إن بعضهم قد شبه ما يدعيه من اتحاد الله به، بالظل وصاحبه، فبين شيخ الإسلام أن هذا مناقض للوحدة، وأن الظل مغاير لصاحب الظل، فيلزم منه إثبات شيئين لا شيء واحد. ثم بين شيخ الإسلام أن ما ذكره هذا الرجل من التشبيه هو مثل تشبيه من شبه اتحاد المخلوق بالخالق بالشمس وشعاعها أو السراج وضوئه. وذكر ﵀ (١) أن هذه هي طريقة النصارى وأنهم يشبهون الاتحاد (٢)

стр. 130

والحلول (١) بهذا، ثم أورد ﵀ هذه المناظرة التي حصلت بينه وبين جماعة منهم ممن احتج بهذه الحجة وأتى بهذه الشبهة. • نص المناظرة: قال ﵀: «وقلت لمن حضرني منهم وتكلم بشيء من هذا: فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي للشمس والنار، والخالق بالنار والشمس، فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره، فإن كل ما سوى الله -على هذا- هو بمنزلة الشعاع والضوء فما الفرق بين المسيح وبين إبراهيم وموسى؟ بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا؟

стр. 131

وجعلت أردد عليه هذا الكلام؛ وكان في المجلس جماعة حتى فهمه فهما جيداً، وتبين له وللحاضرين أن قولهم باطل لا حقيقة له، وأن ما أثبتوه للمسيح إما ممتنع في حق كل أحد، وإما مشترك بين المسيح وغيره؛ وعلى التقديرين فتخصيص المسيح بذلك باطل. وذكرت له أنه ما من آية جاء بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم منها؛ فإن المسيح ﷺ وإن كان جاء بإحياء الموتى، فالموتى الذين أحياهم الله على يد موسى أكثر كالذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة:٥٥] ثم بعثهم الله بعد موتهم كما قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة:٥٦] وكالذي ضرب ببعض البقرة وغير ذلك. وقد جاء بإحياء الموتى غير واحد من الأنبياء، والنصارى يصدقون بذلك. وأما جعل العصا حية: فهذا أعظم من إحياء الميت فإن الميت كانت فيه حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة، وأما جعل خشبة يابسة حيواناً تبتلع العصي والحبال: فهذا أبلغ في القدرة وأندر، فإن الله يحيي الموتى ولا يجعل الخشب حيات. وأما إنزال المائدة من السماء: فقد كان ينزل على قوم موسى كل يوم من المن (١) والسلوى (٢) وينبع لهم من الحجر من الماء: ما هو أعظم من ذلك، فإن الحلوى أو اللحم دائماً هو أجل في نوعه وأعظم في قدره مما كان على المائدة؛ من الزيتون والسمك وغيرهما. وذكرت له نحوا من ذلك؛ مما يبين أن تخصيص المسيح بالاتحاد ودعوى الإلهية ليس له وجه وأن سائر ما يذكر فيه إما أن يكون مشتركاً بينه وبين غيره من

стр. 132

المخلوقات، وإما أن يكون مشتركا بينه وبين غيره من الأنبياء والرسل، مع أن بعض الرسل كإبراهيم وموسى: قد يكون أكمل في ذلك منه. وأما خلقه من امرأة بلا رجل: فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك؛ فإنه خلق من بطن امرأة، وهذا معتاد بخلاف الخلق من ضلع رجل، فإن هذا ليس بمعتاد. فما من أمر يذكر في المسيح ﷺ إلا وقد شركه فيه أو فيما هو أعظم منه غيره من بني آدم، فعلم قطعا أن تخصيص المسيح باطل، وأن ما يدعونه له إن كان ممكناً فلا اختصاص له به، وإن كان ممتنعاً فلا وجود له فيه ولا في غيره» (١). وقال: «ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية فلا يجدون فرقاً، بل أبين لهم أن ما جاء به موسى من الآيات أعظم فإن كان حجة في دعوى الإلهية؛ فموسى أحق، وأما ولادته من غير أب فهو يدل على قدرة الخالق؛ لا على أن المخلوق أفضل من غيره» (٢). المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة: المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل الشبهة: تشبيههم لاتحاد المسيح بالله باتحاد الشمس وشعاعها؛ إنما جاء لأنهم يعتقدون أن المسيح هو (الكلمة) وروح القدس هو (الحياة) فهي في الحقيقة كالصفات عند المسلمين، ولكن عندهم أن الصفات يجوز أن تكون مباينة للموصوف ومتصلة به في آن واحد. ويمثلون على ذلك ببعض صفات الشمس، كالشعاع والحرارة والضياء، فهي

стр. 133

صفات مباينة ومنفصلة عن الموصوف (الشمس) وهي مع ذلك متصلة به (١). وبهذا يتبين أصل شبهتهم، ومن أين دخلت عليهم، ووجه هذا التشبيه والتمثيل الذي ذكروه. الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة: إن الناظر في كتب شيخ الإسلام ﵀ يجد أنه قد اعتنى في بيان بطلان هذه الشبهة وأجاب عنها من عدة أوجه، أهمها ما يلي: أولاً: أن القول بأن الصفات يجوز أن تكون مباينة للموصوف ومتصلة به في آن واحد قول باطل؛ لأنه جمع بين النقيضين (٢). ثانياً: أن الشعاع والضوء والحرارة منه: أ - ما هو قائم بذات الشمس؛ فيكون صفة لها قائم بها لم يحل بغيرها ولم يتحد بغيرها. ب -ما هو بائن عن الشمس قائم بغيرها كالشعاع القائم بالهواء والأرض، فهذه ليست هي الشمس ولا من صفاته، وإنما هي أعراض منفصلة عنها قائمة بغيرها، فهي آثار حاصلة في غير الشمس بسبب الشمس. وعلى هذا فليس هناك اتحاد بين اللاهوت والناسوت (٣) كما لم تتحد الشمس ولا صفاتها القائمة بها بالهواء والأرض التي حصل بها الشعاع والحرارة. ويكون غاية قولهم إنه لا يوجد في الناسوت شيء من اللاهوت وإنما فيه آثار حكمته وقدرته.

стр. 134

فيكون الذي حل في المسيح إنما هو آثار حكمة الإله وعلمه وقدرته وعلى هذا فلا يكون للمسيح اختصاص بذلك، بل هذا مشترك بينه وبين غيره من الأنبياء، بل وعموم الخلق كلهم (١). وهذا هو معنى قول شيخ الإسلام: «فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي للشمس والنار، والخالق بالنار والشمس، فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره، فإن كل ما سوى الله -على هذا- هو بمنزلة الشعاع والضوء فما الفرق بين المسيح وبين إبراهيم وموسى؟ بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا؟» (٢). ثالثاً: أنكم تقولون الإله (لا يتبعض ولا يتجزأ) وهذا مناقض لما ذكرتم من التشبيه بشعاع الشمس؛ لأن شعاع الشمس متجزئ متبعض فالشعاع قائم بالأرض والهواء وكل منهما متجزئ متبعض وما قام بالمتبعض فهو متبعض فإن الحال يتبع المحل وذلك يستلزم التبعض والتجزؤ فيما قام به، وهذا يناقض قولكم السابق (٣) .. رابعاً: قال شيخ الإسلام ﵀: «إن الشمس نفسها لم تحل في الأرض ولا النور الذي قام بها فارقها وانتقل إلى الأرض ولكن إذا قابلتها الأجسام انعكس عليها شعاعها فالشعاع الحاصل على الأرض ليس هو عين ما قام بالشمس، بل حدث بسبب المقابلة، كما أن السراج إذا كان في البيت حصل على الارض والحيطان والسقف نور ينعكس من شعاع السراج ونفس النار الخارجة من السراج لم ينفصل منها شيء ولا قامت صفتها بغيرها، وتلك النار عين قائمة بنفسها والضوء الذي على الحيطان صفة وعرض وكذلك الشعاع الذي على الأرض صفة من الصفات وعرض من الأعراض» (٤).

стр. 135

خامساً: أن الشعاع والحرارة والضياء القائمة بالأرض أو الهواء أعراض وأنتم تقولون إن الكلمة وروح القدس جوهران وليسا عرضان فتبين تناقض قولكم وبطلان استدلالكم (١). سادساً: أن قولكم هذا يقتضي كون الخالق -جل وعلا- محتاجاً مفتقراً للمخلوق، قال شيخ الإسلام ﵀: «والمثل الذي ضربوه له، يقتضي أن يكون مفتقرًا إلى غيره، وغيرهُ مستغنٍ عنه، كالمثل الذي ضربه النصارى له، لما مثلوه بشعاع الشمس مع محله، فإن محل الشعاع مستغن عن الشعاع، والشعاع مفتقر إلى محله. فمقتضى هذا التمثيل، أن الإله محتاج إلى الإنسان، والإنسان مستغن عن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا» (٢). وبهذه الأوجه يتبين بطلان شبهتهم، وضعف قولهم، وبطلان حجتهم، وتناقض مذهبهم. المسألة الثانية: في ذكر قاعدة مهمة تبطل ما ادعاه النصارى من ألوهية المسيح: إن من أهم ما قرره شيخ الإسلام في هذه المناظرة تقريره لقاعدة مهمة تبطل جميع ما ادعاه النصارى في المسيح من الاتحاد والألوهية. والقاعدة هي: أن سائر ما يذكر في الاستدلال على ألوهية المسيح إما أن يكون مشتركاً بينه وبين غيره من المخلوقات أو الأنبياء وإما أن يكون ممتنعا في حق كل أحد. وقد مثل شيخ الإسلام ﵀ على ما يستدل به النصارى على ألوهية المسيح، وهو في الحقيقة مشترك بينه وبين غيره من المخلوقات بعدة أمثلة منها ما يلي:-

стр. 136

أولاً: استدلالهم بإحيائه الموتى: بين ﵀ أنه لا يمكن الاستدلال بمثل هذا على ألوهية المسيح؛ لأن هذا الأمر لم يكن مختصا بالمسيح وحده، بل قد حدث لغيره وذكر على سبيل المثال لا الحصر: ما جاء عن نبي الله موسى ﵇ من إحياء للموتى قال ﵀: «فالموتى الذين أحياهم الله على يد موسى أكثر كالذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة:٥٥] ثم بعثهم الله بعد موتهم كما قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة:٥٦] وكالذي ضرب ببعض البقرة وغير ذلك» (١). وأيضاً جعله للعصا حية، قال شيخ الإسلام: «فهذا أعظم من أحياء الميت؛ فإن الميت كانت فيه حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة، وأما جعل خشبة يابسة حيوانا تبتلع العصي والحبال فهذا أبلغ في القدرة وأندر» (٢).

стр. 137

ثانياً: استدلالهم بإنزال المائدة من السماء: بين شيخ الإسلام ﵀ أن هذا الأمر أيضا قد حدث لموسى ﵇ مع قومه حيث كان ينزل عليهم كل يوم المن والسلوى، وينبع لهم من الحجر من الماء ما هو أعظم من المائدة، فإن الحلوى واللحم أجل في نوعه وأعظم في قدره مما كان على المائدة من الزيتون والسمك وغيرهما (١). ثالثاً: استدلالهم بخلقه من امرأة بلا رجل: بين شيخ الإسلام ﵀ أن هذا الأمر أيضا لم يختص به المسيح دون غيره فقال ﵀: «فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك؛ فإن عيسى خلق الله من بطن امرأة وهنا معتاد بخلاف الخلق من ضلع الرجل فإن هذا ليس بمعتاد» (٢). رابعاً: استدلاهم بجعله الطين على هيئة الطير ونفخه فيه فيكون طيراً بإذن الله: وهذه أيضًا لم تكن خصيصة لعيسى ﵇ قال شيخ الإسلام ﵀: «وكذلك الملك يخلق النطفة في الرحم بإذن الله» (٣). وهكذا كل دليل يحتج به النصارى على ألوهية المسيح ﵇ فهو لا يخرج عن هذه القاعدة، فإما أن يكون مشتركاً بينه وبين سائر الخلق وإما أن يكون ممتنعاً في حق كل أحد، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام ﵀ أوضح بيان (٤).

стр. 138

المبحث الثاني: مناظرته مع بعض النصارى في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن وفيه مطلبان: المطلب الأول: عرض المناظرة . • تمهيد: أورد شيخ الإسلام ﵀ هذه المناظرة في أثناء إبطاله لدعوى النصارى: اتحاد اللاهوت بالناسوت، وبالتحديد في الوجه الثاني عشر من ذلك، ولعل مما يحسن بنا هنا قبل عرض المناظرة أن نذكر ملخصاً لأهم هذه الأوجه التي ذكرها شيخ الإسلام الدالة في إبطال عقيدة الاتحاد، وهي كالآتي: أولاً: أن هذا الأمر ممتنع عقلاً. ثانياً: أن الأخبار الإلهية صريحة بأن المسيح عبد لله وليس رباً. ثالثاً: أن يقال: إن المتحد بالمسيح إما أن يكون هو الكلام مع الذات، وإما أن يكون الكلام بمفرده، والأول ممتنع وباطل باتفاق النصارى وسائر أهل الملل؛ لأنه يلزم منه أن يكون المسيح هو نفسه الأب وهذا خلاف ما يقولونه.

стр. 139

وإن كان المتحد هو الكلام أو الكلمة وحدها، فهذا باطل أيضًا؛ لأن الكلام صفة والصفة لا تقوم بنفسها، ولا تملك ولا تخلق ولا تستقل بالفعل. رابعاً: أنه بعد اتحاد اللاهوت بالمسيح، إما أن يتحدا ويبقيا بعد الاتحاد ذاتين أو يصبحا ذاتا وجوهراً واحداً. فإذا كان الأول فهذا لا يسمى اتحادًا، وإن كان الثاني فيلزم منه استحاله اللاهوت وتبدل حقيقته وصفته، وهذا ممتنع مرفوض. خامساً: أن قول النصارى باطل على جميع الأقوال التي قالها الناس في الكلام؛ فإن مرجع أقوال الناس في الكلام إلى ثلاثة أقوال: أ -القول بنفي الكلام، وأنه مجاز أو هو ما تفيض به النفوس، ونحوه من العبارات التي مرجعها إلى القول بنفي الكلام، وهذا مخالف لقولهم. ب -أن الكلام مخلوق لله بائن عنه، وعلى هذا القول يكون المسيح مخلوقاً وليس بإله. ت -أن الكلام صفة من صفات الله، والصفة من المعلوم أنها قائمة بالموصوف ليست مباينة له ولا تستقل بفعل، ولا تنفرد بخلق ولا تدبير، كما يقول النصارى في المسيح ﵇. سادساً: أن المسيح خُلق بالكلمة وليس هو الكلمة، وعلى هذا دلت النصوص. سابعاً: أنهم يقرون بأن من الممتنع أن يكلم الله بشرًا إلا وحيًا أو من وراء حجاب، فإذا كان هذا ممتنعاً، فامتناع أن يتحد به أو يحل فيه من باب أولى. ثامناً: أنهم يقرون بأن رؤية البشر لله في الدنيا ممتنعة، وبذلك جاءت التوراة عندهم، فإذا كانت الرؤية ممتنعة فالاتحاد من باب أولى. تاسعاً: أنه لو كان اتحاد الله وحلوله في البشر ممكناً -تعالى الله عما يقولون- لما اختص عيسى ﵇ بذلك دون سائر الأنبياء والناس، بل كما جاز أن يتحد به

стр. 140

فيجوز أن يتحد بغيره (١). هذه هي أهم الأوجه التي ذكرها ﵀، ثم إنه في الوجه الثاني عشر رد على شبهة يطرحها بعض النصارى للاحتجاج بها على إمكانية اتحاد اللاهوت بالناسوت، وهي تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن. نص المناظرة: قال ﵀: «الوجه الثاني عشر: أنهم يشبهون اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن، كما شبهوا هنا ظهوره فيه بظهور الروح في البدن، وحينئذ فمن المعلوم أن ما يصيب البدن من الآلام تتألم به الروح، وما تتألم به الروح يتألم به البدن، فيلزمهم أن يكون الناسوت لما صلب وتألم وتوجع الوجع الشديد، كان اللاهوت أيضا متألماً متوجعا» (٢). وبعد تقريره لهذا الأمر وجوابه على هذه الشبهة، أورد ﵀ هذه المناظرة فقال: «وقد خاطبت بهذا بعض النصارى فقال لي: الروح بسيطة، أي لا يلحقها ألم. فقلت له: فما تقول في أرواح الكفار بعد الموت، أمنعمة أو معذبة؟ فقال: هي في العذاب. فقلت: فعلم أن الروح المفارقة تنعم وتعذب، فإذا شبهتم اللاهوت في الناسوت بالروح في البدن لزم أن تتألم إذا تألم الناسوت كما تتألم الروح إذا تألم البدن. فاعترف هو وغيره بلزوم ذلك» (٣).

стр. 141

المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة والجواب عليها: دار النقاش في هذه المناظرة حول شبهة أخرى من شبه النصارى، وهي تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن، وستكون مناقشة هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل هذه الشبهة وسبب إيراد النصارى لها: من المعلوم عند جميع العقلاء أن اتحاد شيئين مختلفين، وصيرورتهما شيئاً واحداً يلزم منه ولا محالة، تغير كل منهما عن ماهيته وتحوله عن حقيقته التي كان عليها، وهذا إيراد يرد على النصارى في عقيدتهم بالاتحاد؛ وذلك لأن من لازم قولهم بالاتحاد استحالة اللاهوت وتغيره عن حقيقته بعد اتحاده بالناسوت، وهم ينكرون هذا؛ لأنه يلزم منه بطلان قولهم، ويقولون بأنهما اتحدا من غير استحالة أو تغير أو تحول. ثم أتوا بهذه الشبهة ليحتجوا بها على إمكانية حدوث ذلك عقلا فقالوا: إن الروح تختلط بالبدن ويكونا معاً إنساناً واحداً، أحدهما ملتحم بالآخر من غير أن تكون النفس تغيرت أو تحولت عن جوهرها أن تكون نفساً، ولا الجسد تغير، واستحال عن طبيعته. وبهذا يتضح سبب إيراد النصارى لهذه الشبهة، وتقريرهم لها (١). الوجه الثاني: بيان بطلان هذه الشبهة والجواب عليها: بين شيخ الإسلام ﵀ بطلان هذه الشبهة، والرد على القائلين بها، من عدة أوجه، منها ما يلي: أولاً: أن هذا القول معلوم الفساد بالضرورة فإن لا يوجد عاقل يقول: إن الجسد قبل وجود النفس فيه وبعد خروجها منه يبقى على صفة واحدة لا يتغير،

стр. 142

ولا تتحول صفاته؟ (١). ثانياً: أن الجسد بعد حلول الروح فيه ينتقل من حال الموت إلى حال الحياة وبعد خروجها منه ينتقل من حال الحياة إلى حال الموت، وأي تغير وتحول أعظم من انتقال الجسد من الموت إلى الحياة؟! (٢) ثالثاً: أن من المتقرر المعلوم عند كل أحد: أن النفس عند اتصالها بالبدن تلتذ بلذته، وتتنعم بنعيمه، كما تتألم بألمه وتتوجع بوجعه، فيلزم من تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن، أن يكون اللاهوت قد تألم وتوجع وتضرر عندما صُلب الناسوت، وهذا لازم لهم لا محالة (٣). رابعاً: أن الروح عند اتصالها بالبدن تتغير وتتبدل صفاتها وأحوالها ويصير لها من الصفات والأفعال ما لم يكن بدون البدن، فيلزم على قولهم هذا: أن يكون الرب قد تغيرت أوصافه وأفعاله لما اختلط بالمسيح كما تتغير صفات النفس وأفعالها عند اتحادها بالبدن (٤). خامساً: أن الروح والبدن شريكان في الأعمال الصالحة والسيئة، ويشتركان في الأوامر والنواهي والثواب والعقاب، فما يفعله البدن هو في ذات الوقت فعل الروح، فالإنسان يصلي بروحه وبدنه ويصوم بروحه وبدنه، وأيضا ما تؤمر به الروح فهو أمر لها وللبدن وما تنهى عنه هو نهيٌ لها وللبدن. فإن كان الرب مع الناسوت كالروح مع البدن فيلزم أن يكون الرب هو المأمور والمنهي بما يأمر به المسيح، ويكون الرب هو المصلي الصائم وبذلك تبطل مقولتهم التي يقرروها، وهي قولهم: «يخلق ويرزق بلاهوته ويأكل ويعبد بناسوته» (٥).

стр. 143

سادساً: قال شيخ الإسلام ﵀: «بل أبلغ من ذلك، أن الجني إذا دخل في الإنسي وصرعه وتكلم على لسانه، فإن الإنسي يتغير، حتى يبقى الصوت والكلام الذي يسمع منه، ليس هو صوته وكلامه المعروف. وإذا ضرب بدن الإنسي، فإن الجني يتألم بالضرب ويصيح ويصرخ، ويخرج من ألم الضرب، كما قد جرب الناس من ذلك ما لا يحصى، ونحن قد فعلنا من ذلك ما يطول وصفه. فإذا كان الجني تتغير صفاته وأحواله لحلوله في الإنسي، فكيف بنفس الإنسان؟ وعندهم اتحاد اللاهوت بالناسوت أتم وأكمل من اتحاد النفس بالجسد. فهل يقول عاقل -مع هذا الاتحاد-: إنهما جوهران، لكل منهما أفعال اختيارية، لا يشركه الآخر فيها. ويقولون -مع قولهم بالاتحاد-: إن الذي كان يصلي ويصوم، ويدعو ويتضرع، ويتكلم ويتألم، ويضرب ويصلب، هو نظير البدن! والذي كان يأمر وينهى، ويخلق ويرزق، هو نظير النفس!» (١). وبهذا يتبين فساد هذه الشبهة التي ذكروها لتمرير باطلهم، وتبرير ضلالهم، والاحتجاج على مذهبهم الفاسد. * * *

стр. 144

المبحث الثالث: مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد في شركهم ومخالفتهم لدين إبراهيم والمسيح ﵉: ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: عرض المناظرة تمهيد: وقعت هذه المناظرة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو في حبس قاعة الترسيم (١)، وذلك في السجن الرابع الذي سجنه الشيخ ﵀، وكانت هذه المناظرة في آخر شهر شوال سنة سبع وسبعمائة إلى أول سنة ثمان وسبعمائة للهجرة النبوية. وذلك أنه لما اختار بعد السجنة الثالثة السفر إلى دمشق بشروط، ردوه من مثاني الطريق يوم ليلة سفره الثامن عشر من شهر شوال سنة سبع وسبعمائة للهجرة بمشورة نصر المنبجي الحلولي (٢)، الذي له مكانة عند الوالي، فعُرض الشيخ على قضاة المالكية فاختلفوا، فلما رأى الشيخ ذلك قال: (أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة) (٣) فعكف عليه الناس زيارة وتعلماً واستفادة، وكان ممن دخل عليه ثلاثة من رهبان النصارى فحصلت بينه وبينهم هذه المناظرة (٤).

стр. 145

• نص المناظرة: قال تلميذ الشيخ إبراهيم بن أحمد الغياني (١) ﵀: «ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار وما هم على الذي كان عليه إبراهيم والمسيح. فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون: أنتم تقولون بالسيدة نفيسة (٢) ونحن نقول بالسيدة مريم وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك. فقال لهم: وأي من فعل ذلك ففيه شبه منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه، فإن الدين الذي كان عليه إبراهيم ﵇ أن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا صاحبة له ولا ولد له ولا نشرك معه ملكاً ولا شمساً ولا قمراً ولا كوكباً ولا نشرك معه نبياً من الأنبياء ولا صالحاً ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]. وأن الأمور التي لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره مثل إنزال المطر، وإنبات النبات، وتفريج الكربات، والهدى من الضلالات، وغفران الذنوب؛ فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك ولا يقدر عليه إلا الله. والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ونصدقهم في جميع ما جاءوا به ونطيعهم. كما قال نوح وصالح وهود وشعيب:
следующие страницы →