← Акыда

Акыда · id 902

المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية

هيثم الحمري

Полный текст (731 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة والجواب عليها: دار النقاش في هذه المناظرة حول شبهة أخرى من شبه النصارى، وهي تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن، وستكون مناقشة هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل هذه الشبهة وسبب إيراد النصارى لها: من المعلوم عند جميع العقلاء أن اتحاد شيئين مختلفين، وصيرورتهما شيئاً واحداً يلزم منه ولا محالة، تغير كل منهما عن ماهيته وتحوله عن حقيقته التي كان عليها، وهذا إيراد يرد على النصارى في عقيدتهم بالاتحاد؛ وذلك لأن من لازم قولهم بالاتحاد استحالة اللاهوت وتغيره عن حقيقته بعد اتحاده بالناسوت، وهم ينكرون هذا؛ لأنه يلزم منه بطلان قولهم، ويقولون بأنهما اتحدا من غير استحالة أو تغير أو تحول. ثم أتوا بهذه الشبهة ليحتجوا بها على إمكانية حدوث ذلك عقلا فقالوا: إن الروح تختلط بالبدن ويكونا معاً إنساناً واحداً، أحدهما ملتحم بالآخر من غير أن تكون النفس تغيرت أو تحولت عن جوهرها أن تكون نفساً، ولا الجسد تغير، واستحال عن طبيعته. وبهذا يتضح سبب إيراد النصارى لهذه الشبهة، وتقريرهم لها (١). الوجه الثاني: بيان بطلان هذه الشبهة والجواب عليها: بين شيخ الإسلام ﵀ بطلان هذه الشبهة، والرد على القائلين بها، من عدة أوجه، منها ما يلي: أولاً: أن هذا القول معلوم الفساد بالضرورة فإن لا يوجد عاقل يقول: إن الجسد قبل وجود النفس فيه وبعد خروجها منه يبقى على صفة واحدة لا يتغير،

стр. 142

ولا تتحول صفاته؟ (١). ثانياً: أن الجسد بعد حلول الروح فيه ينتقل من حال الموت إلى حال الحياة وبعد خروجها منه ينتقل من حال الحياة إلى حال الموت، وأي تغير وتحول أعظم من انتقال الجسد من الموت إلى الحياة؟! (٢) ثالثاً: أن من المتقرر المعلوم عند كل أحد: أن النفس عند اتصالها بالبدن تلتذ بلذته، وتتنعم بنعيمه، كما تتألم بألمه وتتوجع بوجعه، فيلزم من تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن، أن يكون اللاهوت قد تألم وتوجع وتضرر عندما صُلب الناسوت، وهذا لازم لهم لا محالة (٣). رابعاً: أن الروح عند اتصالها بالبدن تتغير وتتبدل صفاتها وأحوالها ويصير لها من الصفات والأفعال ما لم يكن بدون البدن، فيلزم على قولهم هذا: أن يكون الرب قد تغيرت أوصافه وأفعاله لما اختلط بالمسيح كما تتغير صفات النفس وأفعالها عند اتحادها بالبدن (٤). خامساً: أن الروح والبدن شريكان في الأعمال الصالحة والسيئة، ويشتركان في الأوامر والنواهي والثواب والعقاب، فما يفعله البدن هو في ذات الوقت فعل الروح، فالإنسان يصلي بروحه وبدنه ويصوم بروحه وبدنه، وأيضا ما تؤمر به الروح فهو أمر لها وللبدن وما تنهى عنه هو نهيٌ لها وللبدن. فإن كان الرب مع الناسوت كالروح مع البدن فيلزم أن يكون الرب هو المأمور والمنهي بما يأمر به المسيح، ويكون الرب هو المصلي الصائم وبذلك تبطل مقولتهم التي يقرروها، وهي قولهم: «يخلق ويرزق بلاهوته ويأكل ويعبد بناسوته» (٥).

стр. 143

سادساً: قال شيخ الإسلام ﵀: «بل أبلغ من ذلك، أن الجني إذا دخل في الإنسي وصرعه وتكلم على لسانه، فإن الإنسي يتغير، حتى يبقى الصوت والكلام الذي يسمع منه، ليس هو صوته وكلامه المعروف. وإذا ضرب بدن الإنسي، فإن الجني يتألم بالضرب ويصيح ويصرخ، ويخرج من ألم الضرب، كما قد جرب الناس من ذلك ما لا يحصى، ونحن قد فعلنا من ذلك ما يطول وصفه. فإذا كان الجني تتغير صفاته وأحواله لحلوله في الإنسي، فكيف بنفس الإنسان؟ وعندهم اتحاد اللاهوت بالناسوت أتم وأكمل من اتحاد النفس بالجسد. فهل يقول عاقل -مع هذا الاتحاد-: إنهما جوهران، لكل منهما أفعال اختيارية، لا يشركه الآخر فيها. ويقولون -مع قولهم بالاتحاد-: إن الذي كان يصلي ويصوم، ويدعو ويتضرع، ويتكلم ويتألم، ويضرب ويصلب، هو نظير البدن! والذي كان يأمر وينهى، ويخلق ويرزق، هو نظير النفس!» (١). وبهذا يتبين فساد هذه الشبهة التي ذكروها لتمرير باطلهم، وتبرير ضلالهم، والاحتجاج على مذهبهم الفاسد. * * *

стр. 144

المبحث الثالث: مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد في شركهم ومخالفتهم لدين إبراهيم والمسيح ﵉: ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: عرض المناظرة تمهيد: وقعت هذه المناظرة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو في حبس قاعة الترسيم (١)، وذلك في السجن الرابع الذي سجنه الشيخ ﵀، وكانت هذه المناظرة في آخر شهر شوال سنة سبع وسبعمائة إلى أول سنة ثمان وسبعمائة للهجرة النبوية. وذلك أنه لما اختار بعد السجنة الثالثة السفر إلى دمشق بشروط، ردوه من مثاني الطريق يوم ليلة سفره الثامن عشر من شهر شوال سنة سبع وسبعمائة للهجرة بمشورة نصر المنبجي الحلولي (٢)، الذي له مكانة عند الوالي، فعُرض الشيخ على قضاة المالكية فاختلفوا، فلما رأى الشيخ ذلك قال: (أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة) (٣) فعكف عليه الناس زيارة وتعلماً واستفادة، وكان ممن دخل عليه ثلاثة من رهبان النصارى فحصلت بينه وبينهم هذه المناظرة (٤).

стр. 145

• نص المناظرة: قال تلميذ الشيخ إبراهيم بن أحمد الغياني (١) ﵀: «ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار وما هم على الذي كان عليه إبراهيم والمسيح. فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون: أنتم تقولون بالسيدة نفيسة (٢) ونحن نقول بالسيدة مريم وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك. فقال لهم: وأي من فعل ذلك ففيه شبه منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه، فإن الدين الذي كان عليه إبراهيم ﵇ أن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا صاحبة له ولا ولد له ولا نشرك معه ملكاً ولا شمساً ولا قمراً ولا كوكباً ولا نشرك معه نبياً من الأنبياء ولا صالحاً ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]. وأن الأمور التي لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره مثل إنزال المطر، وإنبات النبات، وتفريج الكربات، والهدى من الضلالات، وغفران الذنوب؛ فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك ولا يقدر عليه إلا الله. والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ونصدقهم في جميع ما جاءوا به ونطيعهم. كما قال نوح وصالح وهود وشعيب:

стр. 146

﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣] فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده، والطاعة لهم؛ فإن طاعتهم من طاعة الله، فلو كفر أحد بنبي من الأنبياء وآمن بالجميع ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي، وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكفر بكتاب كان كافراً حتى يؤمن بذلك الكتاب، وكذلك الملائكة واليوم الآخر، فلما سمعوا ذلك منه قالوا: الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه، ثم انصرفوا من عنده» (١). المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة . حوت مناظرة شيخ الإسلام مع هؤلاء الرهبان مسائل عدة، وأهمها ما يلي: المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: بعد أن أوضح شيخ الإسلام لهؤلاء الرهبان خطأ ما يقومون به ويفعلونه من الشرك بالله وأقام لهم الحجج والبراهين على أن فعلهم هذا منافٍ للدين وأنه كفر برب العالمين، بقيت لديهم شبهة رأوها بأعينهم وجعلوها حجة عليه يحتجون بها على شركهم وباطلهم، فقالوا: «نحن نعمل مثل ما تعملون: أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ونحن نقول بالسيدة مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك» (٢). وهذه الشبهة مناقشتها من وجهين اثنين: الوجه الأول: أصل شبهتهم التي قامت عليه: عند التمعن في شبهة القوم المذكورة يتضح للقارئ أنهم قد بنوا شبهتهم على مقدمتين ونتيجة:

стр. 147

المقدمة الأولى: أن كثيراً من المسلمين يعظمون الصالحين ويغلون فيهم ويستغيثون بهم من دون الله. المقدمة الثانية: أن ما يفعلونه ويقومون به من دين الإسلام. النتيجة: لا يجوز الإنكار عليهم؛ لأنه لا فرق بين دين المسلمين ودين النصارى، فكلاهما يوجد فيهما تعظيم القبور والغلو في الصالحين والاستغاثة بهم. الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة: بين شيخ الإسلام ﵀ بطلان هذه الشبهة من وجهين: أولاً: بين ﵀ أن هذه الأعمال ليست من دين الإسلام، ولا من فعل المسلمين، وإنما يفعلها بعض الجهلة ممن ينتسب للإسلام اسماً، ويخالفه فعلاً، وهم في الحقيقة بفعلهم هذا إنما يتشبهون بكم أيها النصارى وبما تقومون به من شرك، وفي هذا التقرير إبطال للمقدمتين، وإذا بطلت المقدمات بطلت نتائجها. ثانياً: بين ﵀ في جوابه أن دين الأنبياء جميعاً، سواء نبينا محمد ﷺ ، أو المسيح عيسى ﵇ أو غيره من الأنبياء وعلى رأسهم إبراهيم ﵇ هو عبادة الله وحده وعدم الإشراك به، وكلهم كانوا يدعون إلى هذا، وينهون عما تصنعونه من شرك وعبادة لغير الله. فمع ما في هذه النقطة من إبطال لدعواهم أن هذه الأفعال من دين الإسلام، ففيها تنبيه لهم أيضاً أنهم مخالفون لما جاء به دينهم وما جاء به المسيح عيسى بن مريم ﵇، وكذلك ما يفعله هؤلاء المنتسبون للإسلام، ليس هو الدين الذي جاء به محمد ﷺ ، بل دين جميع الأنبياء عبادة الله وحده لا غير. وبعد توضيح شيخ الإسلام لهذه الحقيقة أقر بها المخالفون، وعرفوا أن ما هم عليه مخالف في الحقيقة لدين الأنبياء جميعاً، ولذلك قالوا في آخر المناظرة: «الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه» (١).

стр. 148

المسألة الثانية: الأثر السلبي المترتب على انحراف كثير من المنتسبين للإسلام في باب التوحيد: لا شك أن لانحراف كثير من المنتسبين للإسلام في باب التوحيد أثراً سلبياً كبيراً، وأوضح مثال على ذلك، هو ما احتج به هؤلاء الرهبان في مناظرتهم لتصحيح ما هم عليه من شرك فإنهم احتجوا بما يفعله هؤلاء الجهلة المنتسبون للإسلام عند قبر السيدة نفيسة وما يعتقدونه فيها. وذلك أن كثيراً ممن ينتسبون للإسلام قد غلوا فيها غلواً عظيماً تجاوز الحد، ورفعوها إلى مقام الربوبية والألوهية، وقاموا بصرف أنواع العبادات لها؛ حتى إنهم يسجدون لها، ويدعونها من دون الله ويقدمون النذر والقرابين لها ويطوفون حول قبرها، ويتبركون به، ويصرفون أنواع العبادات العملية المختلفة لها، مع صرفهم قبل هذا للعبادات القلبية: من خوف، ورجاء، ومحبة، وخشية، ورغبة، ورهبة لها، ويعتقدون أن الدعاء متقبل عند قبرها، وأنه موضع إجابة للدعاء، ومن صور الغلو فيها أنهم بنوا ضريحاً وقبة على قبرها، وخصصوا زيارات موسمية لهذا الضريح تبركاً واستشفاء به، وأقاموا الحفلات والموالد والأعياد البدعية عند مقامها الشهير هناك. وقد قال ابن كثير ﵀ في وصف ما حدث من كثير من المنتسبين للإسلام من غلو في قبر هذه المرأة: «وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيراً جداً، ولا سيما عوام مصر، فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز» (١). وقال الذهبي ﵀: «ولجهلة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف، ولا يجوز مما فيه من الشرك، ويسجدون لها، ويلتمسون منها المغفرة، وكان ذلك من دسائس دعاة العبيدية» (٢).

стр. 149

وقال الصفدي ﵀: «وللمصريين فيها اعتقاد عظيم» (١). والآثار السلبية المترتبة على مثل هذه الأفعال كثيرة جداً، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ جملة منها: أولاً: أن هذه الأفعال ونحوها تكون حجة للنصارى وغيرهم من المشركين للبقاء على وثنياتهم والاستمرار في شركهم الذي هم عليه، ومحاجة المسلمين بذلك، كما وقع في هذه المناظرة وغيرها، مثل ما حكاه شيخ الإسلام عن بعض النصارى فقال: «وكان بعض النصارى يقول لبعض المسلمين: لنا سيد وسيدة، ولكم سيد وسيدة، لنا السيد المسيح والسيدة المريم، ولكم السيد حسين والسيدة نفيسة» (٢). ثانياً: أن هذه الأفعال تُفرح المشركين والنصارى؛ لأنها توافق ما عندهم قال شيخ الإسلام ﵀: «فالنصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين مما يوافق دينهم ويشابهونهم فيه، ويحبون أن يقوى ذلك ويكثر، ويحبون أن يجعلوا رهبانهم مثل عباد المسلمين وقسيسيهم مثل قضاة المسلمين» (٣). ثالثاً: أن في هذه الأفعال تقوية لدين المشركين. قال شيخ الإسلام-﵀: «والمقصود هنا: أن النصارى يحبون أن يكون في المسلمين ما يشابهونهم به ليقوي بذلك دينهم، ولئلا ينفر المسلمون من دينهم» (٤). رابعاً: أن في هذه الأفعال تحقيقًا لمطلب هؤلاء النصارى وغيرهم من أهل الشرك، قال شيخ الإسلام ﵀: «وقد حصل للنصارى من الجهال كثير من

стр. 150

مطلوبهم، لا سيما من الغلاة من الشيعة، وجهال النساك والغلاة في المشايخ، فإن فيهم شبهاً قوياً بالنصارى في الغلو، والبدع في العبادات ونحو ذلك» (١). خامساً: أن في أفعالهم هذه صداً للناس عن دخول الإسلام واعتناقه، قال ابن القيم ﵀: «ولقد دعونا نحن وغيرنا كثيراً من أهل الكتاب إلى الإسلام، فأخبروا أن المانع لهم ما يرون عليه المنتسبين إلى الإسلام، ممن يعظّمهم الجهال من البدع والظلم والفجور والمكر والاحتيال، ونسبة ذلك إلى الشرع، ولمن جاء به، فساء ظنهم بالشرع وبمن جاء به، فالله طليب قطّاع طريق الله وحسيبهم» (٢). المسألة الثالثة: مخالفة النصارى لدين المسيح ﵇ -: إن ما عليه دين النصارى اليوم من غلو وبدع وشرك هو بلا شك ليس دين المسيح ﵇ الذي بعثه الله به، بل هو مناقض له مخالف له ولدينه، وذلك ناتج عن انحراف النصارى وتبديلهم للدين، قال شيخ الإسلام ﵀ في بيان انحرافهم عن دين عيسى ﵇: «وكان المسيح ﵇ بعث بدين الله الذي بعث به الأنبياء قبله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة كل ما سواه، وأحل لهم بعض ما حرم الله في التوراة، فنسخ بعض شرع التوراة، وكان الروم واليونان وغيرهم مشركين يعبدون الهياكل العلوية والأصنام الأرضية، فبعث المسيح ﵇ رسله يدعونهم إلى دين الله تعالى، فذهب بعضهم في حياته في الأرض، وبعضهم بعد رفعه إلى السماء، فدعوهم إلى دين الله تعالى، فدخل من دخل في دين الله، وأقاموا على ذلك مدة ثم زين الشيطان لمن زين له أن يغير دين المسيح فابتدعوا دينا مركباً من دين الله ورسله: دين المسيح ﵇، ومن دين المشركين. وكان المشركون يعبدون الأصنام المجسدة التي لها ظل، وهذا كان دين الروم

стр. 151

واليونان، وهو دين الفلاسفة أهل مقدونية (١) وأثينة (٢) كأرسطو (٣) وأمثاله من الفلاسفة المشائين (٤) وغيرهم … فلما ظهر دين المسيح ﵇ بعد أرسطو بنحو ثلاثمائة سنة في بلاد الروم واليونان، كانوا على التوحيد إلى أن ظهرت فيهم البدع، فصوروا الصور المرقومة في الحيطان، جعلوا هذه الصور عوضاً عن تلك الصور. وكان أولئك يسجدون للشمس والقمر والكواكب، فصار هؤلاء يسجدون إليها إلى جهة الشرق التي تظهر منها الشمس والقمر والكواكب، وجعلوا السجود إليها بدلا عن السجود لها … وكان من أعظم أسباب عبادة الأصنام تصوير الصور وتعظيم القبور» (٥).

стр. 152

وبين شيخ الإسلام ﵀ أن الذي تقوم به النصارى الآن هو أصل عبادة الأوثان التي كان عليها الوثنيون وهذا باعتراف علمائهم، قال ﵀: «فالذي تفعله النصارى أصل عبادة الأوثان، وهكذا قال عالمهم الكبير -الذي يسمونه فم الذهب (١) وهو من أكبر علمائهم- لما ذكر تولد الذنوب الكبار عن الصغار. قال: وهكذا هجمت عبادة الأصنام فيما سلف، لما أكرم الناس أشخاصاً يعظم بعضهم بعضاً فوق المقدار الذي ينبغي، الأحياء منهم والأموات» (٢). المسألة الرابعة: دين المسيح ﵇ ودين جميع الأنبياء واحد: وضح شيخ الإسلام في هذه المناظرة أن دين المسيح ﵇ هو دين جميع الأنبياء ﵈ وعلى رأسهم إبراهيم ﵇ فكلهم جاءوا بالتوحيد والنهي عن الشرك والتحذير من طرقه ووسائله المفضية إليه، قال شيخ الإسلام ﵀: «ولم يأمر أحد من الأنبياء باتخاذ الصور والاستشفاع بأصحابها، ولا بالسجود إلى الشمس والقمر والكواكب، وإن كان يذكر عن بعض الأنبياء تصوير صورة لمصلحة، فإن هذا من الأمور التي قد تتنوع فيها الشرائع بخلاف السجود لها والاستشفاع بأصحابها، فإن هذا لم يشرعه نبي من الأنبياء، ولا أمر قط أحد من الأنبياء أن يدعى غير الله لا عند قبره، ولا في مغيبه، ولا يشفع به في مغيبه بعد موته، بخلاف الاستشفاع بالنبي ﷺ في حياته ويوم القيامة، وبالتوسل به بدعائه، والإيمان به، فهذا من شرع الأنبياء ﵈، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخرُف:٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا

стр. 153

الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس:١٨]، وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزُّمَر:١ - ٣]» (١).

стр. 154

المبحث الرابع: مناظرته مع بعض معظمي رهبان النصارى في دينهم وشركهم وعكوفهم على التماثيل والقبور وعبادتها، وفيه مطلبان: المطلب الأول: عرض المناظرة: • تمهيد: أورد شيخ الإسلام ﵀ هذه المناظرة في أثناء جوابه لسؤال ورد إليه عن المشهد المنسوب إلى الحسين ﵁ بمدينة القاهرة هل تصح نسبته إليه أم لا؟ فأطال شيخ الإسلام ﵀ في الجواب وذكر -ما محصله- أن هذا المشهد كذب مختلق بلا نزاع بين العلماء، وأن هذا المشهد لم يُبْنَ إلا في عام بضع وأربعين وخمسمائة، وإنما نقل من مشهد بعسقلان (١)، وأن ذلك المشهد الذي بعسقلان هو نفسه إنما أحدث بعد التسعين والأربعمائة، فهو إنما أحدث بعد قتل الحسين ﵁ بأكثر من أربعمائة وثلاثين سنة.

стр. 155

ثم بين ﵀ أن هذا المشهد العسقلاني قد ذكر طائفة أنه قبر بعض الحواريين أو غيرهم من أتباع عيسى بن مريم ﵇ وذكر بعض المشهورين بالعلم أن قبر الحسين الموجود في القاهرة إنما هو قبر نصراني. ثم أوضح ﵀ أن ما ذكر من هذه الأمور غير مستبعد؛ وذلك لأن اليهود والنصارى معروفون بتعظيم القبور وتشييدها والغلو فيها، فلا يستبعد أنهم لبَّسوا على بعض جهال المسلمين أن هذا القبر قبر بعض من يعظمه المسلمون ليوافقوهم على تعظيمه، وأكد شيخ الإسلام هذا الأمر بعدة شواهد ضربها على ذلك. ثم ذكر ﵀ أن الذين يعظمون القبور والمشاهد ممن ينتسبون إلى الإسلام فيهم شبه شديد بالنصارى، ثم ضرب مثالاً على هذا في هذه المناظرة التي وقعت مع بعض رهبان النصارى (١). • نص المناظرة: قال ﵀: «والذين يعظمون القبور والمشاهد: لهم شبهٌ شديد بالنصارى حتى إني لما قدمت القاهرة اجتمع بي بعض معظميهم من الرهبان، وناظرني في المسيح ودين النصارى، حتى بينت له فساد ذلك وأجبته عما يدعيه من الحجة. وبلغني بعد ذلك أنه صنف كتاباً في الرد على المسلمين، وإبطال نبوة محمد ﷺ ، وأحضره إلي بعض المسلمين، وجعل يقرأه علي لأجيب عن حجج النصارى وأبين فسادها. وكان من أواخر ما خاطبت به النصراني: أن قلت له: أنتم مشركون، وبينت من شركهم ما هم عليه من العكوف على التماثيل والقبور وعبادتها والاستغاثة بها. قال لي: نحن ما نشرك بهم ولا نعبدهم وإنما نتوسل بهم كما يفعل المسلمون إذا جاءوا إلى قبر الرجل الصالح فيتعلقون بالشباك الذي عليه ونحو ذلك. فقلت له: وهذا أيضًا من الشرك ليس هذا من دين المسلمين وإن فَعلَهُ الجهال.

стр. 156

فأقر أنه شرك. حتى إن قسيساً كان حاضراً في هذه المسألة، فلما سمعها قال: نعم على هذا التقدير نحن مشركون» (١). المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة: من سياق المناظرة يظهر أنها كانت مناظرة طويلة بين شيخ الإسلام وهذا الراهب النصراني، حيث ذكر ﵀ أنه ناظره في المسيح ﵇ ودين النصارى عموماً، ولم يخصص ﵀ موضوعاً معيناً؛ فدل على طولها وكثرة المباحث التي عرضت فيها. وكان من آخر ما خاطبه به أن النصارى في حقيقة أمرهم مشركون، وبين له شيئاً من مظاهر الشرك التي وقع فيها القوم وذلك: كالعكوف على التماثيل والقبور، وعبادتها، والاستغاثة بها من دون الله. • مناقشة الشبهة التي احتج بها هؤلاء الرهبان: كانت حجة الراهب على تسويغ ما يفعلونه من شرك أمرين اثنين: أولهما: أن ما يفعلونه ليس شركاً ولا عبادة لغير الله، وإنما هو من باب التوسل. وثانيهما: أن ما يفعلونه هو في الحقيقة كفعل المسلمين عند قبور الصالحين. قال شيخ الإسلام ﵀ في رده عليهم: «فقلت لهم: وهذا أيضا من الشرك ليس هذا من دين المسلمين وإن فعله الجهال» (٢). فبين ﵀ أن فعل الجهال ممن ينتسب للإسلام لهذه الأمور لا يعني كونها من دين الإسلام، بل هي شرك مخالف للدين، ونبه بقوله: (جهال) إلى أنهم: جاهلون بحقيقة الإسلام؛ لأن من عرف الإسلام حق المعرفة عرف أن مثل هذه الأفعال

стр. 157

مضادة للدين من كل وجه ومناقضة لأصله الذي قام عليه. وقد تم في المناظرة السابقة تفصيل القول حول هذه الشبهة وذكر ما يتعلق بها (١)، وأما هنا فيحسن بنا أن نقف مع الشبهة الأخرى ونفصل القول فيها وذلك من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل هذه الشبهة عند القائلين بها: حقيقة هذه الشبهة التي احتج بها هؤلاء الرهبان هي: أن ما يقومون به من شرك واستغاثة بغير الله وصرف شتى أنواع العبادات لغيره إنما هو من باب التوسل ليس إلا. وهذه الشبهة هي شبهة مشتركة بين هؤلاء النصارى وبين عباد القبور من الرافضة والمتصوفة وغيرهم ممن ينتسب إلى الإسلام والملة. وقد احتج البكري (٢) في رده على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بهذه الحجة أيضاً وقرر مثل هذا التقرير كما بين ذلك شيخ الإسلام في رده عليه (٣). وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أصل هذه الشبهة في هذا الباب فقال في أثناء رده على البكري الذي احتج بهذه الحجة: «وهو-أي البكري- ظن أن الباب في التوسل كالباب في الاستغاثة وليس كذلك» (٤). وقال أيضاً: «فدخل عليه الخطأ من وجوه، منها أنه جعل المُتوسِل به بعد موته

стр. 158

في الدعاء مستغيثاً به» (١). فبين ﵀ أن أصل هذه الشبهة عندهم هو عدم التفريق بين التوسل وبين الدعاء والاستغاثة، فهما عندهم بمعنى واحد لا فرق بينهما. بل نستطيع التعبير عن حقيقة مذهبهم بصورة أوضح وذلك بأن نقول: إنهم يجعلون عبادة غير الله والشرك به بمعنى التوسل. وقد اتضح من كلام هذا النصراني هذا الأمر حيث سمى ما يقعون فيه من شرك وعكوف على التماثيل والقبور وعبادتها والاستغاثة بها، سماه توسلاً ليس إلا. ولنستعرض أيضاً كلام بعض القبوريين في هذه الشبهة بعينها، ليتضح الأمر ويزول الإشكال، ويظهر بوضوح سبب غلطهم في هذا الباب العظيم ووجه تلبيس الشيطان عليهم. قال أحمد زيني دحلان (٢): «فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أحباء الله تعالى» (٣). وقد قرر هذا قبله جمع منهم تقي الدين السبكي (٤) فقال: «فلا فرق بين أن يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التجوه، أو التوجه .. » (٥).

стр. 159

وتبعه في تقرير هذا القول السمهودي (١) والقسطلاني شارح البخاري (٢)، والهيتمي (٣)، والزرقاني (٤)، وابن جرجيس (٥)، والنبهاني (٦) وغيرهم. وقال محمد بن عبد الوهاب بن داود الهمداني (٧) مقرراً ذلك: «لا فرق أن يعبر

стр. 160

بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التوجه» (١). ويقول بعض علمائهم (٢): «ولا فرق في هذا المعنى بين أن يعبر عنه بلفظ التوسل، أو الاستعانة، أو التشفع، أو الالتجاء، والداعي بالدعاء المذكور وما في معناه متوسل بالنبي ﷺ ؛ لأنه جعله وسيلة لإجابة الله دعائه ومستغيث به» (٣). فإذا علمت هذا علمت معنى التوسل عند عُباد القبور والأضرحة وعرفت وجه احتجاج النصراني بهذه الشبهة على شركهم وعبادتهم لغير الله. ويوضح لنا القضاعي (٤) ما يحويه معنى التوسل عند القبورية من معان بتقسيم سهل وواضح فيقول: «اعلم أن التوسل بالسادة على أنحاء: الأول: أن يدعو الله بهم، كأن يقول: اللهم إني أسألك بأنبيائك، أو بالصالحين، أو بحرمتهم، أو بجاههم، أو بحقهم. الثاني: أن يطلب المستغيث من المستغاث به: أن يشفع له إلى ربه في قضاء حاجته. بأن يقول: ادع لي أن يرد عليّ بصري. الثالث: أن يطلب المستغيث من المستغاث به قضاء حاجته، بأن يقول: يا فلان، ردّ عليّ بصري» (٥).

стр. 161

أما النوع الأول فهو التوسل المحرم الممنوع، وأما النوع الثاني فهو مجمل محتمل، وأما النوع الثالث فهو عين الشرك الصريح الذي لا شك فيه، ومع هذا فقد جعلوه من جملة أنواع التوسل وهذا أصل ضلالهم وشبهتهم. ويبين لنا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (١) ﵀ ما وقع في لفظ التوسل من اشتراك فيقول: «إن لفظ التوسل صار مشتركاً، فعُباد القبور يطلقون التوسل على الاستغاثة بغير الله، ودعائه رغباً ورهباً، والذبح والنذر، والتعظيم بما لم يشرع في حق مخلوق. وأهل العلم يطلقونه على المتابعة والأخذ بالسنة فيتوسلون إلى الله بما شرعه لهم من العبادات، وبما جاء به عبده ورسوله محمد ﷺ وهذا هو التوسل في عرف القرآن والسنة .. ومنهم من يطلقه على سؤال الله ودعائه بجاه نبيه أو بحق عبده الصالح أو بعباده الصالحين وهذا هو الغالب عند الإطلاق في كلام المتأخرين كالسبكي والقسطلاني وابن حجر-أي الهيتمي-» (٢). ويلخص لنا الشيخ شمس الدين الأفغاني (٣) ﵀ جميع ما تقدم فيقول: «الحاصل: أن القبورية قد أدخلوا في مفهوم التوسل الاستغاثة بالأموات، التي ليست بشرك فحسب، بل أم لعدة أنواع من الإشراك بخالق الأرض والسماوات. وحرفوا دين الله أشنع التحريفات بأبشع التبديلات، وغيروا المصطلحات

стр. 162

الشرعية بما هو عين الوثنيات، وفسروا بتوسلاتهم البدعية نصوص الكتاب والسنة، وادعوا إجماع السلف والخلف، فافتروا على أئمة الأمة، بل تقولوا على الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين» (١). ولكن قد يتساءل القارئ ما وجه تشبيههم الاستغاثة بالتوسل؟ والجواب يتضح من إيراد بعض تعليلاتهم في ذلك، يقول القباني (٢) معللاً لهذا الأمر: «فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي ﷺ واسطة بينه وبين المستغيث؛ فهو تعالى مستغاث، والغوث منه خلقاً وإيجاداً، والنبي ﷺ مستغاث، والغوث منه تسبباً وكسباً» (٣). ويقول محمد بن عبد الوهاب الهمداني: «فالطلب في الحقيقة منه تعالى لا من سواه، وإن كان في الظاهر متوجها إلى غيره فلا بأس به في المعنى» (٤) ويقول حسن الشطي (٥): «فإن قلت شبهة من منع التوسل رؤيتهم بعض العوام يطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتاً أشياء لا تطلب إلا من الله، ويجدونهم يقولون للولي افعل لي كذا وكذا، فهذه الألفاظ الصادرة منهم توهم التأثير لغير الله. أجيب بأن الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي، والقرينة عليه

стр. 163

صدوره من موحد، ولذا إذا سئل العامي عن صحة معتقده بذلك فيجيبك بأن الله هو الفعال وحده لا شريك له، وإنما الطلب من هؤلاء الأكابر عند الله تعالى المقربين لديه على سبيل التوسط بحصول المقصود … ولا يصح لنا أن نمنعهم من التوسل والاستغاثة مطلقاً» (١). الوجه الثاني: بيان بطلان هذه الشبهة والجواب عليها: قام شيخ الإسلام ﵀ بتفنيد هذه الشبهة وبيان فسادها من وجوه شتى كما سيتضح ذلك عند نقل كلامه ﵀، ويحسن بنا قبل عرض كلامه ﵀ أن نبين أن هذه الأقوال وتعليلاتها هي عين تعليلات المشركين الأوائل، وأن ما ذكره هؤلاء وغيرهم هو جنس شرك المشركين، وكفى بهذا دليلاً وبرهاناً على بطلانها وفسادها، وذلك أن المشركين لم يكونوا يعتقدوا في آلهتهم خلقاً ولا إيجاداً، وإنما كانوا يتخذونها وسائط يتقربون بها إلى الله ويستشفعون بها كما أخبر الله عن قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر:٣]، وقال سبحانه مخبراً لنا عنهم وعن حقيقة شركهم ودعائهم واستغاثتهم بغير الله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨] والعبرة بالحقائق لا بالألفاظ والتسميات، فتسمية الشرك توسلاً لا تُغَيّر من حقيقته، وكذلك تسميته استشفاعاً أو تقرباً أو تزلفاً أو تبركاً لا يغير من حقيقة الأمر شيئًا، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]، فسمى الله دعاءهم لغيره عبادة وإن كانوا هم يعتقدونه زلفى أو شفاعة أو قربة إلى الله أو توسلاً. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] فسماه الله شركاً.

стр. 164

قال الشيخ ابن سحمان (١) ﵀: «فإنه من المعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد بتغير أسمائها، كتسمية عبادة غير الله توسلاً وتشفعاً، أو تبركاً وتعظيماً للصالحين وتوقيراً، فإن الاعتبار بحقائق الأمور، لا بالأسماء والاصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة، وجوداً وعدماً لا مع الأسماء» (٢). وقد بين شيخ الإسلام ﵀ فساد هذه المقالة في مواضع كثيرة من كتبه، ويمكن ترتيب أهم ردوده ﵀ على الوجه الآتي: أولاً: بيان أن جعلهم الاستغاثة والتوسل بمعنى واحد لم يقل به أحد من الأمم: قال ﵀ في أثناء رده على البكري: «فهذا القول لم يقله أحد من الأمم، بل هو مما اختلقه هذا المفتري وإلا فلينقل ذلك عن أحد من الناس وما زلت أتعجب من هذا القول وكيف يقوله عاقل والفرق واضح بين السؤال بالشخص والاستغاثة به؟» (٣). وقال ﵀: «ولكن لم يسم أحد من الأمم هذا استغاثة» (٤). وقال ﵀: «ولم يقل أحد: إن التوسل بنبي؛ هو استغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان أو بحرمته أو أتوسل إليك باللوح والقلم أو بالكعبة أو غير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور» (٥).

стр. 165

ثانياً: أن هذا القول مخالف لجميع اللغات: قال ﵀: «فدخل عليه الخطأ من وجوه منها أنه جعل المتوسل به بعد موته في الدعاء مستغيثاً به وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازاً» (١). وقال ﵀: «وقول القائل: إن من توسل إلى الله بنبي، فقال: أتوسل إليك برسولك فقد استغاث برسوله حقيقة، في لغة العرب وجميع الأمم قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بني آدم» (٢). ثالثاً: أن هذا القول مخالف لإجماع علماء المسلمين: قال ﵀: «لم يقل أحد من علماء المسلمين: إنه يستغاث بشيء من المخلوقات؛ في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى لا بنبي ولا بملك ولا بصالح ولا غير ذلك» (٣). رابعاً: أن هذا القول مخالف لما علم من دين الإسلام بالضرورة: قال ﵀ بعد حكايته لإجماع العلماء على عدم جواز الاستغاثة بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله «بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام؛ أنه لا يجوز إطلاقه» (٤). خامساً: بين ﵀ الفرق بين الاستغاثة والتوسل من ناحية المعنى واللغة: فقال: «فإن المستغيث بالنبي ﷺ طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعو ولا يطلب منه ولا يسأل، وإنما يطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به» (٥).

стр. 166

وقال: «فإن الاستغاثة به طلب منه لا طلب به» (١)، وقال: «المستغاث به هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به» (٢)، وقال: «فالمستغاث به هو المسؤول، وأما المتوسل به فهو الذي يتسبب به إلى المسؤول» (٣). سادساً: بيان المعنى الشرعي الذي جاءت به النصوص للتوسل: فالتوسل المشروع الذي جاء في الكتاب والسنة هو التوسل إلى الله سبحانه بالأعمال الصالحات، والأسماء والصفات، وكذلك التوسل إلى الله بدعاء النبي - ﷺ وشفاعته في حياته، وبدعاء غيره من الأنبياء والصالحين في حياتهم قال شيخ الإسلام ﵀: «فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧]. فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات. فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرماً أو مكروهاً أو مباحاً.

стр. 167

فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب، وأصلُ ذلك الإيمان بما جاء به الرسول. فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى ذلك إلا ذلك. والثاني لفظ (الوسيلة) في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ : (سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة) (١)» (٢). والكلام في تقرير هذه المسألة طويل جداً، وليس هذا مقامه، وإنما المراد التنبيه على بطلانها من كلام شيخ الإسلام نفسه، وإلا فقد تتابع العلماء على رد هذه الشبهة (٣) وبيان بطلانها في مختلف الكتب والتصانيف (٤)، وفي الحقيقة أن

стр. 168

جميع كتب علماء أهل السنة في باب توحيد الألوهية وخصوصاً كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وكتب علماء الدعوة النجدية وشروحاتها جميعها لا تخلو من تقرير هذا الأمر وتبيينه وتوضيحه. * * *

стр. 169

الفصل الثاني: مناظرته مع بعض التتار في زعمه أفضليتهم بفضل ملكهم. واشتمل على مبحثين: المبحث الأول: عرض المناظرة. المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. * * *

стр. 170

المبحث الأول: عرض المناظرة: • تمهيد: هذه المناظرة ذكرها شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في أثناء جوابه على سؤال ورد إليه عن حكم التتار وحكم قتالهم، وحكم من قاتل معهم من المسلمين؟ وقد أطال ﵀ في جواب هذا السؤال، وبين ﵀ أنه يجب قتالهم وقتال كل طائفة امتنعت عن شرائع الدين الظاهرة، ودلل على هذا بالنصوص وفعل الصحابة ﵃-وإجماع علماء الملة على ذلك، وبين ﵀ كذلك خطأ من جعل قتال هؤلاء من جنس قتال البغاة (١)، ووضح الفروق الظاهرة بينهما، وكشف حال التتار وما هم عليه من مخالفةٍ لشريعة الإسلام من أوجه كثيرة (٢).

стр. 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 172

ثم بين ﵀ أن قتال هؤلاء القوم آكد من قتال الخوارج، وقتال مانعي الزكاة الذين قاتلهم أبوبكر الصديق ﵁، وبين حرمة معاونتهم والقتال معهم، وأن من قاتل معهم فحكمه القتل وقرر ذلك بالأدلة الشرعية وأقوال الأئمة الفقهاء. ثم بين ﵀ خطأ من زعم أن قتالهم من جنس قتال البغاة فقال ﵀: «لكن من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون فقد أخطأ خطأ قبيحاً وضل ضلالاً بعيداً؛ فإن أقل ما في البغاة المتأولين أن يكون لهم تأويل سائغ خرجوا به؛ ولهذا قالوا: إن الإمام يراسلهم، فإن ذكروا شبهة بينها وإن ذكروا مظلمة أزالها. فأي شبهة لهؤلاء المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فساداً الخارجين عن شرائع الدين، ولا ريب أنهم لا يقولون: إنهم أقوم بدين الإسلام علماً وعملاً من هذه الطائفة؛ بل هم مع دعواهم الإسلام يعلمون أن هذه الطائفة أعلم بالإسلام منهم وأتبع له منهم. وكل من تحت أديم السماء من مسلم وكافر يعلم ذلك، وهم مع ذلك ينذرون المسلمين بالقتال فامتنع أن يكون لهم شبهة بينة يستحلون بها قتال المسلمين كيف وهم قد سبوا غالب حريم الرعية الذين لم يقاتلوهم، حتى إن الناس قد رأوهم يعظمون البقعة ويأخذون ما فيها من الأموال، ويعظمون الرجل ويتبركون به ويسلبونه ما عليه من الثياب ويسبون حريمه ويعاقبونه بأنواع العقوبات التي لا يعاقب بها إلا أظلم الناس وأفجرهم، والمتأول تأويلاً دينياً لا يعاقب إلا من يراه عاصياً للدين، وهم يعظمون من يعاقبونه في الدين ويقولون: إنه أطوع لله منهم.

стр. 173

فأي تأويل بقي لهم؟ ثم لو قدر أنهم متأولون لم يكن تأويلهم سائغاً؛ بل تأويل الخوارج ومانعي الزكاة أوجه من تأويلهم: أما الخوارج فإنهم ادعوا اتباع القرآن وإن ما خالفه من السنة لا يجوز العمل به، وأما مانعوا الزكاة فقد ذكروا أنهم قالوا: إن الله قال لنبيه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣]، وهذا خطاب لنبيه فقط فليس علينا أن ندفعها لغيره. فلم يكونوا يدفعونها لأبي بكر ولا يخرجونها له» (١). فبين ﵀ أن البغاة في أقل أحوالهم يكون لهم تأويل سائغ وشبهة يقاتلون من أجلها وبسببها، وأما هؤلاء فليس لهم شبهة في قتالهم للمسلمين ومع ذلك فهم مصرون على قتالهم للمسلمين ومحاربتهم لهم، وحتى لو قدر أنهم متأولون لم يكن تأويلهم سائغاً، بل تأويل الخوارج ومانعي الزكاة على فساده أَوْجَه من تأويلهم. ثم بين ﵀ أنه إذا كانت حالهم هي هذه، فإن مثلهم لا ينبغي أن يناظر أو يجادل على قتاله للمسلمين؛ لأنه ليس لديهم حجة ولا شبهة ولا تأويل. ثم ضرب مثالاً على ما هم عليه من إفلاس في الحجة وخواء في الأدلة بهذه المناظرة التي وقعت بينه وبين أحد هؤلاء القوم. نص المناظرة: قال ﵀: «وأما هؤلاء فلا يناظرون على قتال المسلمين، فلو كانوا متأولين لم يكن لهم تأويل يقوله ذو عقل، وقد خاطبني بعضهم بأن قال: ملكنا ملك ابن ملك ابن ملك إلى سبعة أجداد، وملككم ابن مولى. فقلت له: آباء ذلك الملك كلهم كفار، ولا فخر بالكافر، بل المملوك المسلم خير من الملك الكافر، قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]، فهذه وأمثالها حججهم! ومعلوم أن من كان مسلماً وجب عليه أن يطيع المسلم، ولو كان عبداً ولا يطيع الكافر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 174

(اسمعوا وأطيعوا وإن أُمّر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله) (١). ودين الإسلام إنما يفضل الإنسان بإيمانه وتقواه لا بآبائه، ولو كانوا من بني هاشم أهل بيت النبي ﷺ ؛ فإنه خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان شريفاً قرشياً. وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجُرات:١٣]، وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب) (٢). وفي الصحيحين: عنه أنه قال لقبيلة قريبة منه: (إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين) (٣). فأخبر النبي ﷺ أن موالاته ليست بالقرابة والنسب، بل بالإيمان والتقوى، فإذا كان هذا في قرابة الرسول، فكيف بقرابة جنكيز خان (٤) الكافر المشرك، وقد

стр. 175

أجمع المسلمون على أن من كان أعظم إيمانا وتقوى كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان والتقوى، وإن كان الأول أسود حبشياً، والثاني علوياً أو عباسياً» (١). * * *

стр. 176

المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة والجواب عليها: تعد هذه المناظرة مثالاً واضحاً على ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ من ضعف الحجة عند القوم وخوائها، فهذا المسكين أراد أن يرفع من شأن قومه التتر ويبين أنهم أعظم وأكرم من المسلمين، فاحتج بهذه الحجة الباطلة، التي حقيقتها الاغترار بالملك والدنيا والعصبية والقبلية. ومن بديع جواب شيخ الإسلام عليه أنه لم يشتغل بنقض الشبهة نفسها، وإنما نقض أصل الشبهة التي بنيت عليه، وإذا انتقض أصلها انتقضت هي من باب أولى، فما بُني على باطل فهو باطل، ومن الخطأ في المحاورات والمناظرات أن يُشتغل بنقض الفروع إذا كان الأصل فاسداً، بل يُتوجه مباشرة إلى الأصل بالنقض، وعند ذلك ينتقض كل ما بُني عليه، أما إذا اشتغل المناظر بنقض أحد فروع الأصل، فستبقى فروع أخرى لم تنقض، أو ستبنى فروع جديدة لهذا الأصل، مما يطيل النقاش ولا يزول معه أصل الشبهة من رأس الخصم. ففي هذه المناظرة لم يناقش ابن تيمية خصمه في صحة ما ادعاه من كلام، وهو أن ملكهم ملك ابن ملك إلى سبعة ملوك، ولا ناقشه في صحة ما ادعاه من أن ملك المسلمين إنما هو ابن مولى، بل ذهب مباشرة ليجتث أصل هذه الشبهة من جذورها، فبين له أن المعيار الحقيقي للمفاضلة بين الناس ليست الأموال

стр. 177

ولا الأنساب ولا الأحساب ولا الملك ولا الجاه، وإنما المعيار الحقيقي هو الدين والإيمان والتقوى، فالملك والثروة لا تغني عن صاحبها شيئاً إذا كان كافراً. واستدل شيخ الإسلام على هذا بآيتين وحديثين مع الإجماع. • فأما الآيتان: فالأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]. والثانية: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحُجُرات:١٣]. • وأما الحديثان: فالأول: قوله ﷺ : (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. الناس من آدم وآدم من تراب) (١). والثاني: قوله ﷺ : (إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي؛ إنما وليي الله وصالح المؤمنين) (٢). • وأما الإجماع فقد بينه بقوله: «وقد أجمع المسلمون على أن من كان أعظم إيماناً وتقوى كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان والتقوى، وإن كان الأول أسود حبشياً والثاني علوياً أو عباسياً» (٣). فإذا تقرر أن التفاضل لا يكون إلا بالإيمان، وأن التفاضل بغيره لا يصح، تبين بطلان هذه الشبهة التي احتج بها هذا التتري وفساد احتجاج من يحتج بالأنساب في التفضيل بين الأشخاص والأفراد، وقد بين شيخ الإسلام هذا الأمر في مواضع كثيرة من كتبه وزاده توضيحاً وتفصيلاً، ومن بيانه في ذلك:

стр. 178

أولاً: أن شرف النسب إنما يكون فضيلةً لصاحبه إذا كان مُعيناً له على البر والصلاح التقوى التي هي معيار التفاضل الحقيقي. قال ﵀: «أما الأمور الخارجية عن نفس الإيمان والتقوى، فلا يحصل بها فضيلة عند الله تعالى، وإنما يحصل بها الفضيلة عند الله إذا كانت معينة على ذلك; فإنها من باب الوسائل لا المقاصد، كالمال والسلطان، والقوة والصحة ونحو ذلك، فإن هذه الأمور لا يفضل بها الرجل عند الله إلا إذا أعانته على طاعة الله بحسب ما يعينه. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجُرات:١٣]» (١). ثانياً: أن أفضلية النسب إنما هي أفضلية مظنة وسبب، لا أفضلية تحقق ويقين، قال شيخ الإسلام ﵀: «وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه سئل: أي الناس أكرم؟ فقال: (أتقاهم لله). قيل: ليس عن هذا نسألك، قال: (يوسف نبي الله بن يعقوب نبي الله بن إسحاق نبي الله بن إبراهيم خليل الله)، قيل: ليس عن هذا نسألك. قال: (أفعن معادن

стр. 179

العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) (١). بين لهم أولاً: أن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وإن لم يكن ابن نبي ولا أبا نبي، فإبراهيم النبي ﷺ أكرم على الله من يوسف، وإن كان أبوه آزر، وهذا أبوه يعقوب، وكذلك نوح أكرم على الله من إسرائيل، وإن كان هذا أولاده أنبياء، وهذا أولاده ليسوا بأنبياء، فلما ذكروا أنه ليس مقصودهم إلا الأنساب، قال لهم: فأكرم أهل الأنساب من انتسب إلى الأنبياء، وليس في ولد آدم مثل يوسف; فإنه نبي ابن نبي ابن نبي. فلما أشاروا إلى أنه ليس مقصودهم إلا ما يتعلق بهم، قال: (أفعن معادن العرب تسألوني؟ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)، بين أن الأنساب كالمعادن، فإن الرجل يتولد منه كما يتولد من المعدن الذهب والفضة، ولا ريب أن الأرض التي تنبت الذهب أفضل من الأرض التي تنبت الفضة. فهكذا من عرف أنه يلد الأفاضل، كان أولاده أفضل ممن عرف أنه يلد المفضول. لكن هذا سبب ومظنة وليس هو لازماً؛ فربما تعطلت أرض الذهب، وربما قل نبتها; فحينئذ تكون أرض الفضة أحب إلى الإنسان من أرض معطلة، والفضة الكثيرة أحب إليهم من ذهب قليل لا يماثلها في القدر؛ فلهذا كان أهل الأنساب الفاضلة يظن بهم الخير، ويكرمون لأجل ذلك. فإذا تحقق من أحدهم خلاف ذلك، كانت الحقيقة مقدمة على المظنة. وأما ما عند الله فلا يثبت على المظان ولا على الدلائل، إنما يثبت على ما يعلمه هو من الأعمال الصالحة، فلا يحتاج إلى دليل، ولا يجتزئ بالمظنة. فلهذا كان أكرم الخلق عنده أتقاهم، فإذا قدر تماثل اثنين عنده في التقوى، تماثلا في الدرجة، وإن كان أبو أحدهما أو ابنه أفضل من أبي الآخر أو ابنه، لكن إن حصل له بسبب نسبه زيادة في التقوى كان أفضل لزيادة تقواه» (٢). ثالثاً: أن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب؛ إنما هو حكم من أحكام الجاهلية، قال ﵀ في رده على من علق الفضيلة بالأنساب: «إن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب؛ هو حكم من أحكام الجاهلية، الذين اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجهل؛ فإن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجُرات:١٣]. وقال النبي ﷺ : (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب) (٣)،

стр. 180

ولهذا ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحداً بنسبه، ولا يذم أحداً بنسبه، وإنما يمدح الإيمان والتقوى ويذم بالكفر والفسوق والعصيان. وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح، أنه قال: (أربع من أمر الجاهلية في أمتي لن يدعوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم) (١)» (٢). رابعاً: أن فضيلة النسب إنما هي فضيلة باعتبار الجنس والنوع لا باعتبار الأشخاص والأفراد، فيقال إنَّ جنس العرب أفضل من جنس العجم، وإن جنس الرجال أفضل من جنس النساء، ولكن قد يوجد من النَساء من هي أفضل من ألوف الرجال كمريم وفاطمة وعائشة، وقد يوَجد من العجم ما هوَ أفضلُ من ألوف العرب كصهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي وغيرهم؛ فإنَ كل واحدٍ منهم أفضلُ من آلافٍ من العرب بل أفضلُ من آلافٍ من قريش وبني العباس والأشراف، وهذا باعتبار الأفراد والأشخاص، فشرف النسب إنما هو فضيلة بالنوع، والفضيلة بالنوع لا تستلزم أن يكون صاحبها أفضل مطلقاً (٣). قال شيخ الإسلام ﵀: «الفضيلة بالنسب فضيلة جملة، وفضيلة لأجل المظنة والسبب، والفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية، فالأول يفضل به؛ لأنه سبب وعلامة، ولأن الجملة أفضل من جملة تساويها في العدد. والثاني: يفضل به؛ لأنه الحقيقة والغاية، ولأن كل من كان أتقى لله كان أكرم عند الله، والثواب من الله يقع على هذا، لأن الحقيقة قد وجدت، فلم يعلق الحكم بالمظنة، ولأن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلا يستدل بالأسباب والعلامات» (٤).
следующие страницы →