← Акыда

Акыда · id 902

المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية

هيثم الحمري

Полный текст (731 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة والجواب عليها: تعد هذه المناظرة مثالاً واضحاً على ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ من ضعف الحجة عند القوم وخوائها، فهذا المسكين أراد أن يرفع من شأن قومه التتر ويبين أنهم أعظم وأكرم من المسلمين، فاحتج بهذه الحجة الباطلة، التي حقيقتها الاغترار بالملك والدنيا والعصبية والقبلية. ومن بديع جواب شيخ الإسلام عليه أنه لم يشتغل بنقض الشبهة نفسها، وإنما نقض أصل الشبهة التي بنيت عليه، وإذا انتقض أصلها انتقضت هي من باب أولى، فما بُني على باطل فهو باطل، ومن الخطأ في المحاورات والمناظرات أن يُشتغل بنقض الفروع إذا كان الأصل فاسداً، بل يُتوجه مباشرة إلى الأصل بالنقض، وعند ذلك ينتقض كل ما بُني عليه، أما إذا اشتغل المناظر بنقض أحد فروع الأصل، فستبقى فروع أخرى لم تنقض، أو ستبنى فروع جديدة لهذا الأصل، مما يطيل النقاش ولا يزول معه أصل الشبهة من رأس الخصم. ففي هذه المناظرة لم يناقش ابن تيمية خصمه في صحة ما ادعاه من كلام، وهو أن ملكهم ملك ابن ملك إلى سبعة ملوك، ولا ناقشه في صحة ما ادعاه من أن ملك المسلمين إنما هو ابن مولى، بل ذهب مباشرة ليجتث أصل هذه الشبهة من جذورها، فبين له أن المعيار الحقيقي للمفاضلة بين الناس ليست الأموال

стр. 177

ولا الأنساب ولا الأحساب ولا الملك ولا الجاه، وإنما المعيار الحقيقي هو الدين والإيمان والتقوى، فالملك والثروة لا تغني عن صاحبها شيئاً إذا كان كافراً. واستدل شيخ الإسلام على هذا بآيتين وحديثين مع الإجماع. • فأما الآيتان: فالأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]. والثانية: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحُجُرات:١٣]. • وأما الحديثان: فالأول: قوله ﷺ : (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. الناس من آدم وآدم من تراب) (١). والثاني: قوله ﷺ : (إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي؛ إنما وليي الله وصالح المؤمنين) (٢). • وأما الإجماع فقد بينه بقوله: «وقد أجمع المسلمون على أن من كان أعظم إيماناً وتقوى كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان والتقوى، وإن كان الأول أسود حبشياً والثاني علوياً أو عباسياً» (٣). فإذا تقرر أن التفاضل لا يكون إلا بالإيمان، وأن التفاضل بغيره لا يصح، تبين بطلان هذه الشبهة التي احتج بها هذا التتري وفساد احتجاج من يحتج بالأنساب في التفضيل بين الأشخاص والأفراد، وقد بين شيخ الإسلام هذا الأمر في مواضع كثيرة من كتبه وزاده توضيحاً وتفصيلاً، ومن بيانه في ذلك:

стр. 178

أولاً: أن شرف النسب إنما يكون فضيلةً لصاحبه إذا كان مُعيناً له على البر والصلاح التقوى التي هي معيار التفاضل الحقيقي. قال ﵀: «أما الأمور الخارجية عن نفس الإيمان والتقوى، فلا يحصل بها فضيلة عند الله تعالى، وإنما يحصل بها الفضيلة عند الله إذا كانت معينة على ذلك; فإنها من باب الوسائل لا المقاصد، كالمال والسلطان، والقوة والصحة ونحو ذلك، فإن هذه الأمور لا يفضل بها الرجل عند الله إلا إذا أعانته على طاعة الله بحسب ما يعينه. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجُرات:١٣]» (١). ثانياً: أن أفضلية النسب إنما هي أفضلية مظنة وسبب، لا أفضلية تحقق ويقين، قال شيخ الإسلام ﵀: «وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه سئل: أي الناس أكرم؟ فقال: (أتقاهم لله). قيل: ليس عن هذا نسألك، قال: (يوسف نبي الله بن يعقوب نبي الله بن إسحاق نبي الله بن إبراهيم خليل الله)، قيل: ليس عن هذا نسألك. قال: (أفعن معادن

стр. 179

العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) (١). بين لهم أولاً: أن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وإن لم يكن ابن نبي ولا أبا نبي، فإبراهيم النبي ﷺ أكرم على الله من يوسف، وإن كان أبوه آزر، وهذا أبوه يعقوب، وكذلك نوح أكرم على الله من إسرائيل، وإن كان هذا أولاده أنبياء، وهذا أولاده ليسوا بأنبياء، فلما ذكروا أنه ليس مقصودهم إلا الأنساب، قال لهم: فأكرم أهل الأنساب من انتسب إلى الأنبياء، وليس في ولد آدم مثل يوسف; فإنه نبي ابن نبي ابن نبي. فلما أشاروا إلى أنه ليس مقصودهم إلا ما يتعلق بهم، قال: (أفعن معادن العرب تسألوني؟ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)، بين أن الأنساب كالمعادن، فإن الرجل يتولد منه كما يتولد من المعدن الذهب والفضة، ولا ريب أن الأرض التي تنبت الذهب أفضل من الأرض التي تنبت الفضة. فهكذا من عرف أنه يلد الأفاضل، كان أولاده أفضل ممن عرف أنه يلد المفضول. لكن هذا سبب ومظنة وليس هو لازماً؛ فربما تعطلت أرض الذهب، وربما قل نبتها; فحينئذ تكون أرض الفضة أحب إلى الإنسان من أرض معطلة، والفضة الكثيرة أحب إليهم من ذهب قليل لا يماثلها في القدر؛ فلهذا كان أهل الأنساب الفاضلة يظن بهم الخير، ويكرمون لأجل ذلك. فإذا تحقق من أحدهم خلاف ذلك، كانت الحقيقة مقدمة على المظنة. وأما ما عند الله فلا يثبت على المظان ولا على الدلائل، إنما يثبت على ما يعلمه هو من الأعمال الصالحة، فلا يحتاج إلى دليل، ولا يجتزئ بالمظنة. فلهذا كان أكرم الخلق عنده أتقاهم، فإذا قدر تماثل اثنين عنده في التقوى، تماثلا في الدرجة، وإن كان أبو أحدهما أو ابنه أفضل من أبي الآخر أو ابنه، لكن إن حصل له بسبب نسبه زيادة في التقوى كان أفضل لزيادة تقواه» (٢). ثالثاً: أن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب؛ إنما هو حكم من أحكام الجاهلية، قال ﵀ في رده على من علق الفضيلة بالأنساب: «إن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب؛ هو حكم من أحكام الجاهلية، الذين اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجهل؛ فإن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجُرات:١٣]. وقال النبي ﷺ : (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب) (٣)،

стр. 180

ولهذا ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحداً بنسبه، ولا يذم أحداً بنسبه، وإنما يمدح الإيمان والتقوى ويذم بالكفر والفسوق والعصيان. وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح، أنه قال: (أربع من أمر الجاهلية في أمتي لن يدعوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم) (١)» (٢). رابعاً: أن فضيلة النسب إنما هي فضيلة باعتبار الجنس والنوع لا باعتبار الأشخاص والأفراد، فيقال إنَّ جنس العرب أفضل من جنس العجم، وإن جنس الرجال أفضل من جنس النساء، ولكن قد يوجد من النَساء من هي أفضل من ألوف الرجال كمريم وفاطمة وعائشة، وقد يوَجد من العجم ما هوَ أفضلُ من ألوف العرب كصهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي وغيرهم؛ فإنَ كل واحدٍ منهم أفضلُ من آلافٍ من العرب بل أفضلُ من آلافٍ من قريش وبني العباس والأشراف، وهذا باعتبار الأفراد والأشخاص، فشرف النسب إنما هو فضيلة بالنوع، والفضيلة بالنوع لا تستلزم أن يكون صاحبها أفضل مطلقاً (٣). قال شيخ الإسلام ﵀: «الفضيلة بالنسب فضيلة جملة، وفضيلة لأجل المظنة والسبب، والفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية، فالأول يفضل به؛ لأنه سبب وعلامة، ولأن الجملة أفضل من جملة تساويها في العدد. والثاني: يفضل به؛ لأنه الحقيقة والغاية، ولأن كل من كان أتقى لله كان أكرم عند الله، والثواب من الله يقع على هذا، لأن الحقيقة قد وجدت، فلم يعلق الحكم بالمظنة، ولأن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلا يستدل بالأسباب والعلامات» (٤).

стр. 181

وقال ﵀: «فالفضيلة بنوع لا تستلزم أن يكون صاحبها أفضل مطلقاً. ولهذا كان في الأغنياء من هو أفضل من جمهور الفقراء، وفي الفقراء من هو أفضل من جمهور الأغنياء; فإبراهيم وداود وسليمان ويوسف وأمثالهم أفضل من أكثر الفقراء، ويحيى وعيسى ونحوهما أفضل من أكثر الأغنياء. فالاعتبار العام هو التقوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجُرات:١٣]، فكل من كان أتقى كان أفضل مطلقاً، وإذا تساوى اثنان في التقوى استويا في الفضل، سواء كانا -أو أحدهما- غنيين أو فقيرين، أو أحدهما غنياً، والآخر فقيراً، وسواء كانا -أو أحدهما- عربيين أو أعجميين، أو قرشيين أو هاشميين، أو كان أحدهما من صنف والآخر من صنف آخر. وإن قدر أن أحدهما له من سبب الفضيلة ومظنتها ما ليس للآخر، فإذا كان ذاك قد أتى بحقيقة الفضيلة كان أفضل ممن لم يأت بحقيقتها، وإن كان أقدر على الإتيان بها، فالعالم خير من الجاهل، وإن كان الجاهل أقدر على تحصيل العلم، والبر أفضل من الفاجر، وإن كان الفاجر أقدر على البر، والمؤمن الضعيف خير من الكافر القوي، وإن كان ذاك يقدر على الإيمان أكثر من المؤمن القوي. وبهذا تزول شبه كثيرة تعرض في مثل هذه الأمور» (١). * * *

стр. 182

الفصل الثالث: مناظرته مع بعض المنجمين في فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بها. ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: عرض المناظرة. المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. * * *

стр. 183

المبحث الأول: عرض المناظرة: تمهيد: هذه المناظرة أوردها شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في معرض جوابه على سؤال ورد إليه عن الكواكب وتأثيرها في الوجود وعلاقتها بسعادة بني آدم وشقاوتهم، وبعض الشبه التي يوردها من يعتقد فيها ذلك. فذكر ﵀ في جوابه أن النجوم آية من آيات الله التي سخرها لعباده وجعل فيها أنواعاً من المنافع، وذكر أن حركة الكواكب قد تكون تخويفاً من الله لعباده كما يحصل في الكسوف والخسوف وأن الواجب عند ذلك فعل أسباب الخير من الأعمال الصالحة التي يدفع الله بها البلاء عن الناس، كما أمر النبي ﷺ باللجوء إلى الصلاة عند الكسوف والخسوف. وبين ﵀ حكم السحر، وأنه محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وأن السحر في الحقيقة لا ينفع صاحبه وإنما يكون سبباً لفساد دنياه وآخرته. ثم بين ﵀ أن أحكام المنجمين (١) مبنية على الظن والتخمين والتخرصات،

стр. 184

وأن الكذب في أخبار المنجمين أضعاف أضعاف ما فيها من الصدق. ثم ذكر ﵀ هذه المناظرة كشاهد على ما ذكره من كذب المنجمين وفساد صنعتهم (١). نص المناظرة: قال شيخ الإسلام: «وأخبر أن الله إذا قضى بالأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خَضَعَاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وأن كل أهل سماء يخبرون أهل السماء التي تليهم حتى ينتهي الخبر إلى سماء الدنيا، وهناك مسترقة السمع بعضهم فوق بعض، فربما سمع الكلمة قبل أن يدركه الشهاب، بعد أن يلقيها، قال ﷺ : (فلو أتوا بالأمر على وجهه ولكن يزيدون في الكلمة مائة كذبة) (٢)، وهكذا المنجمون، حتى إني لما خاطبتهم بدمشق وحضر عندي رؤساؤهم، وبينت فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها، قال لي رئيس منهم: والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة» (٣). وجاء في مختصر الفتاوى المصرية: «ولما ناظرت بدمشق من حضرني من رؤسائهم وبينت له فساد صناعتهم بالأدلة قال: والله إنا لنكذب مائة كذبة حتى نصدق في واحدة. وذلك أن مبني علمهم على أن الحركات العلوية هي السبب في الحوادث والعلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب، وهذا إنما يكون إذا علم السبب التام، وهؤلاء أكثر ما يعلمون -إن علموا- جزءاً يسيراً من جملة الأسباب الكثيرة» (٤).

стр. 185

المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة: المسألة الأولى: مناقشة أصل الشبهة عند المنجمين، وذلك من وجهين اثنين: الوجه الأول: بيان أصل الشبهة: بين شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في هذه المناظرة كذب المنجمين وفساد صناعتهم، وأقام الحجة عليهم بذلك، وبين أصل انحرافهم واغترارهم بصناعتهم، "وذلك أن مبنى علمهم على أن الحركات العلوية هي السبب في الحوادث، والعلم بالسبب يوجب العلم بالمُسبَب" (١)؛ فلما اعتقدوا أن حركات النجوم والكواكب العلوية هي السبب في ما يقع من حوادث أرضية، وأنها مستقلة بالتأثير، ظنوا أن الاشتغال بتعلم حركات الكواكب وحساب النجوم يعرف من خلاله ما سيحدث ويقع في مستقبل الأيام والشهور من حوادث ووقائع تحدث لبني آدم. الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة: قد دل العقل والنقل على فساد هذه الشبهة وبطلان هذه الصنعة، أما الأدلة النقلية فكل حديث دل على كذب المنجمين ودجلهم، والوعيد لمن ذهب إليهم أو صدقهم، فهو دليل على فساد صنعتهم وسوء مذهبهم وبطلان طريقتهم، وكل نص

стр. 186

في القرآن أو في السنة يدل على انفراد الله بالتدبير والخلق ففيه رد على هؤلاء وبرهان على فساد صنعتهم، وكذلك كل آية تدل على انفراده سبحانه بعلم الغيب فهي دليل على هذا أيضاً، وكذلك كل نص دل على أن الكواكب مسخرة بأمر الله وتقديره فهي أيضاً رد عليهم. ويهمنا هنا أن نلقي الضوء على ما احتج به شيخ الإسلام على هؤلاء المنجمين من الأدلة العقلية على فساد هذه المقولة التي ذكروها، والشبهة التي قرروها، فقد بين ﵀ ذلك من وجوه عدة، وهو وإن لم يذكر في المناظرة إلا وجهاً واحداً -وذلك لأنه إنما حكى ما حدث على سبيل الاختصار والإجمال لا التفصيل والاسترسال-، إلا أنه قد بين في مواضع كثيرة من كتبه أدلة أخرى على فساد هذه الشبهة خصوصاً، وفساد صناعة المنجمين عموماً، وسأذكر ما وقفت عليه منها وهي كالآتي: أولاً: بين شيخ الإسلام ﵀ أنه حتى ولو كان لهذه الكواكب سبب وتأثير، فإنما هي جزء من السبب المؤثر وليست مؤثراً تاماً بنفسها "بل تأثير الأرواح وغيرها من الملائكة أشد من تأثيره، وكذلك تأثير الأجسام الطبيعية التي في الأرض، وكذلك تأثير قلوب الآدميين بالدعاء وغيره من أعظم المؤثرات باتفاق المسلمين" (١) قال شيخ الإسلام: «هؤلاء أكثر ما يعلمون -إن علموا- جزءاً يسيراً من جملة الأسباب الكثيرة ولا يعلمون بقية الأسباب» (٢). ثم ضرب مثالاً على هذا فقال: «مثل من يعلم أن الشمس في الصيف تعلو الرأس حتى يشتد الحر فيريد أن يعلم من هذا -مثلاً- أنه حينئذ أن العنب الذي في الأرض الفلانية يصير زبيباً؛ على أن هناك عنباً وأنه ينضج وينشره صاحبه في الشمس وقت الحر فيتزبب، فهذا وإن كان يقع كثيراً؛ لكن أخذ هذا من مجرد حرارة الشمس جهل عظيم إذ قد يكون هناك عنب وقد لا يكون؛ وقد يثمر ذلك

стр. 187

الشجر إن خدم وقد لا يثمر، وقد يؤكل عنباً وقد يعصر، وقد يسرق وقد يزبب وأمثال ذلك» (١). ثانياً: أن يقال حتى لو فرضنا أنه سبب مستقل فالعلم به غير ممكن وذلك لسرعة حركته؛ "لأن سرعة الفلك عظيمة جداً، حتى قالوا: إن الفرس شديد العدو إذا رفع رجله ووضعها يكون الفلك قد تحرك ثلاثة آلاف ميل، فإن كان كذلك فمن الوقت الذي ينفصل فيه الجنين عن بطن أمه إلى أن يأخذ المنجم الإسطرلاب (٢) وينظر في الفلك قد تحرك مسافات بعيدة جداً " (٣). ولأن العلم به إما أن يكون بالخبر أو بالحس أو بالعقل وهذه كلها منتفية غير موجودة، وإما أن يكون بالتجربة وهي التي يحتجون بها، وفي الواقع لا يمكن وقوعها؛ لأن من شرطها التكرار، وهم يقررون أن الكوكب المعين إذا كان في موضع معين من الفلك، فإن ذلك الوضع المعين بحسب الدرجة والدقيقة لا يعود إلا بعد الآف السنين، وعمر الإنسان كله لا يفي بذلك (٤). ثالثاً: أننا "وإن فرضنا أنه سبب مستقل وسلمنا أيضا بإمكانية العلم به، فمحل تأثيره في الحقيقة لا ينضبط؛ إذ ليس تأتي خسوف الشمس في الإقليم الفلاني بالأولى من الإقليم الآخر" (٥). وبهذه الحجة احتج علي بن أبي طالب ﵁ على المنجمين عندما قيل له لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم والقمر في العقرب؟! فقال ﵁: فأين قمرهم؟

стр. 188

وكان ذلك في آخر الشهر (١). قال القرطبي (٢) ﵀: «انظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها وما فيها من المبالغة في الرد على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم» (٣). رابعاً: أننا لو سلمنا بكونها سبباً مستقلاً بالتأثير، أو سلمنا باجتماع الأسباب مع إمكان العلم بها، وتحقق شروط التأثير فيها، فإنه لا بد مع هذا من زوال الموانع، فإن اجتماع الشروط غير كاف حتى تزول الموانع، قال شيخ الإسلام ﵀: «فلا ريب أن ما يصغر من الأعمال الصالحة من الصلاة والزكاة والصيام والحج وصلة الأرحام ونحو ذلك مما أمرت به الشريعة يعارض مقتضى ذلك السبب؛ ولهذا أمرنا النبي ﷺ بالصلاة والدعاء والاستغفار والعتق والصدقة عند الخسوف (٤)، وأخبر أن الدعاء والبلاء يلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض (٥). والمنجمون يعترفون بذلك حتى قال كبيرهم بطليموس (٦): ضجيج الأصوات في

стр. 189

هياكل العبادات بفنون الدعوات من جميع اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات. فصار ما جاءت به الشريعة إن حدث سبب خير كان ذلك الصلاة والزكاة يقويه ويؤيده وإن حدث سبب شر كان ذلك العمل يدفعه وكذلك استخارة العبد لربه إذا هم بأمر كما أمر النبي ﷺ بقوله: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين) (١) الحديث. فهذه الاستخارة لله العليم القدير خالق الأسباب والمسببات خير من أن يأخذ الطالع فيما يريد فعله؛ فإن الاختيار غايته تحصيل سبب واحد من أسباب النجاح إن صح، والاستخارة أخذ للنجاح من جميع طرقه، فإن الله يعلم الخيرة، فإما أن يشرح صدر الإنسان وييسر الأسباب أو يعسرها ويصرفه عن ذلك» (٢). وقال ﵀: «وهكذا قد اعترف رؤساء المنجمين من الأولين والآخرين أن أهل الإيمان أهل العبادات والدعوات يرفع الله عنهم ببركة عباداتهم ودعائهم وتوكلهم على الله ما يزعم المنجمون أن الأفلاك توجبه ويعترفون أيضاً بأن أهل العبادات والدعوات ذوي التوكل على الله يعطون من ثواب الدنيا والآخرة ما ليس في قوى الأفلاك أن تجلبه» (٣).

стр. 190

المسألة الثانية: بيان كذب المنجمين: كذِبُ المنجمين وتخرصاتهم الباطلة أمر أثبتته الشريعة، وظهر بالتجربة، ونقل بالتواتر، وأقر به المنجمون أنفسهم كما أقر أحد رؤوساء هؤلاء المنجمين الذين ناظرهم شيخ الإسلام بهذا فقال: «والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة» (١). وهذا الأمر قد بينه النبي ﷺ غاية البيان كما في حديث عائشة ﵂-قالت: سأل رسول الله ﷺ ناس عن الكهان. فقال: (ليسوا بشيء) فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحياناً بشيء فيكون حقاًّ. فقال رسول الله ﷺ : (تلك الكلمة من الحق يحفظها من الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة) (٢).

стр. 191

وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن الأمور الغيبية التي يخبر بها المنجمون، ويسمونها أحكام النجوم، هي من جنس أخبار الكهان التي حكم عليها النبي ﷺ بأنها ليست بشيء (١). ومن الأدلة التي استدل بها شيخ الإسلام ﵀ على هذا حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض -وصف سفيان بكفه فحرفها، وبدد بين أصابعه -فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من- تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء) (٢). وما أجمل كلام قتادة بن دعامة السدوسي (٣) ﵀ عندما قال: «إن الله تعالى إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها نهتدي بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد أخطأ حظه، وقال برأيه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وإن ناساً جهلة بأمر الله تعالى قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من النجوم نجم إلا يولد به الطويل والقصير، والأحمر والأبيض، والحسن والذميم، قال: وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب، وقضى الله أنه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي

стр. 192

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥]، ولعمري لو أن أحداً علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله تعالى بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه الجنة فأكل منها رغداً حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة، فما زال به البلاء حتى وقع بما نهي عنه، ولو كان أحد يعلم الغيب لعلمه الجن حين مات نبي الله سليمان ﵇، فلبث الجن يعملون له حولاً في أشد العذاب، وأشد الهوان، لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤] قال: قد كانت تقول قبل ذلك: إنا نعلم. فابتلاهم الله تعالى، وجعل موت سليمان للجن والإنس عبرة» (١). ومما استدل به شيخ الإسلام ﵀ على كذبهم اعتراف كثير من زعمائهم بأن هذه الصناعة تقوم على الخرص والتوهم ومن ذلك قول أبي نصر الفارابي (٢): «واعلم أنك لو قلبت أوضاع المنجمين فجعلت السعد نحساً، والنحس سعداً، والحار بارداً، والبارد حاراً، والذكر أنثى، والأنثى ذكراً، ثم حكمت لكانت أحكامك من جنس أحكامهم تصيب تارة وتخطئ تارة» (٣).

стр. 193

ومن أعظم ما يدل على كذبهم وأن علمهم قائم على التخرصات حكم كل فريق منهم بفساد أصول الفريق الآخر، ونقض كل جماعة منهم لأقوال من سبقهم (١). وبين شيخ الإسلام أن مما يدل على هذا معرفة الخاصة والعامة بكذبهم وتواتر الناس على تكذيبهم على مر العصور (٢).

стр. 194

وأما ثبوت كذبهم بالواقع والتجربة فهو أشهر من أن يذكر وأكثر من أن يحصر، ومما يدل على صريح كذبهم القصص الكثيرة التي جزموا فيها بحصول أمر معين فوقع الأمر بخلاف ما جزموا به، قال شيخ الإسلام: «ولهذا قد علم الخاصة والعامة بالتجربة والتواتر أن الأحكام التي يحكم بها المنجمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق» (١)، وضرب مثالاً لذلك فقال: «ولهذا لا تزال أحكامهم كاذبة متهافتة حتى إن كبير الفلاسفة الذي يسمونه "فيلسوف الإسلام" يعقوب بن إسحاق الكندي (٢) عمل تسييرا لهذه الملة: زعم أنها تنقضي عام ثلاث وتسعين وستمائة، وأخذ ذلك منه من أخرج (مخرج الاستخراج) من حروف كلام ظهر في الكشف لبعض من أعاده ووافقهم على ذلك من زعم أنه استخرج بقاء هذه الملة من حساب الجمل الذي للحروف التي في أوائل السور، وهي مع حذف التكرير أربعة عشر حرفاً. وحسابها في الجملة الكثير ستمائة وثلاثة وتسعون. ومن هذا أيضا ما ذكر في التفسير أن الله لما أنزل ﴿الم﴾، قال بعض اليهود: بقاء هذه الملة إحدى وثلاثون فلما أنزل بعد ذلك ﴿الر﴾، و ﴿الم﴾، قالوا. خلط علينا» (٣).

стр. 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 196

وبين شيخ الإسلام ﵀ أن مما يدل على ظهور كذبهم تناقض أحكامهم، قال ﵀: «وكذلك دعوى المدعي أن نجم النبي ﷺ كان بالعقرب والمريخ وأمته بالزهرة وأمثال ذلك: هو من أوضح الهذيان المباينة لأحوال النبي ﷺ لما

стр. 197

يدعونه من هذه الأحكام فإن من أوضح الكذب قولهم: إن نجم المسلمين بالزهرة ونجم النصارى بالمشترى، مع قولهم إن المشترى يقتضي العلم والدين والزهرة تقتضي اللهو واللعب. وكل عاقل يعلم أن النصارى أعظم الملل جهلا وضلالة، وأبعدهم عن معرفة المعقول والمنقول، وأكثر اشتغالا بالملاهي وتعبدا بها. والفلاسفة متفقون كلهم على أنه ما قرع العالم ناموس أعظم من الناموس الذي جاء به محمد ﷺ وأمته أكمل عقلاً وديناً وعلماً باتفاق الفلاسفة حتى فلاسفة اليهود والنصارى فإنهم لا يرتابون في أن المسلمين أفضل عقلاً وديناً … ، فإذا كان المسلمون باتفاق كل ذي عقل أولى أهل الملل بالعلم والعقل والعدل وأمثال ذلك مما يناسب عندهم آثار المشترى والنصارى أبعد عن ذلك وأولى باللهو واللعب وما يناسب عندهم آثار الزهرة كان ما ذكروه ظاهر الفساد» (١). وبهذه الأوجه كلها يتبين بوضوح فساد صناعتهم شرعاً وعقلاً، وحقيقة ما هم عليه من الكذب والدجل والتناقض. * * *

стр. 198

الفصل الرابع: مناظرته مع بعض الفلاسفة ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: عرض المناظرة. المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة. * * *

стр. 199

المبحث الأول: عرض المناظرة: تمهيد: تعتبر حجة نفي التجسيم عن الله وتنزيهه عن الحيز والجهة والمكان، أبرز الحجج التي يحتج بها نفاة الصفات من الأشاعرة ومن سبقهم من أهل الكلام، وقد حاول الرازي (١) في كتابه (أساس التقديس)، أن يقرر هذا الأمر بشتى السبل ومختلف الطرق، وكان من عجيب ما استدل به على نفي الجسمية والحيز والجهة عن الله -جل وعلا-؛ استدلاله بسورة الإخلاص، وخصوصاً بما جاء من وصف الله فيها أنه (أحد). وقد قام شيخ الإسلام بالرد عليه فيما افتراه على آي الكتاب، وما حرفه من معان ولبَّس فيه من جواب، وبين أن ما احتج به إنما هي حجة عليه لا له، ودليل على بطلان قوله لا صحته، وبين شيخ الإسلام ﵀ خطأ ما فسر به الرازي توحيد الله سبحانه وبطلان ما فسر به اسم (الأحد)، وأن هذا الانحراف في تفسير

стр. 200

التوحيد ليس مقتصراً على الرازي فقط، بل هو مشترك بين طوائف المعطلة، مستمد من أقوال الفلاسفة، وحكى هذه المناظرة التي تبين فساد تصورهم لتوحيد الله ، وقلبهم لمفهومه بما يخالف العقول المستقيمة والفطر السليمة واللغة العربية والنصوص الجلية (١). نص المناظرة: قال شيخ الإسلام ﵀: «ولهذا خاطبني بعض الأعيان من الفضلاء المتفلسفين وأخذ يقول: إن الفلاسفة يوحدون وأنهم من أعظم الناس توحيدًا ويفضلهم على النصارى في التوحيد. فبينت له أن الأمر ليس كذلك بل النصارى في التوحيد خير منهم، وأنهم مشركون لا موحدون. فقلت: الفلاسفة الذين تذكرهم: إما مشركون يوجبون الشرك ويوالون عليه ويعادون، وإما صابئون (٢) يسوغون الشرك ويجوزون عبادة ما سوى الله وكتبهم مشحونة بهذا؛ ولهذا كان أحسن أحوالهم أن يكونوا صابئة أو هم علماء الصابئة، وهل كان نمرود وقومه وفرعون وقومه وغير هؤلاء إلا منهم؟ وهل عبدت الكواكب وبنيت لها الهياكل وأصنامها إلا برأي هؤلاء المتفلسفة؟ بل وهل عبد الصالحون وعكف على قبورهم ومثلت صورهم إلا بآرائهم؟ حتى الذين كانوا متظاهرين

стр. 201

بالإسلام منهم قد صنفوا في الإشراك بالله وعبادة الكواكب والأصنام، وذكروا ما في هذا الشرك من الفوائد وتحصيل المقاصد، وبالاضطرار يعلم من عرف دين الرسل محمد وغيره أنهم إنما بعثوا بالنهي عن هذا الإشراك، وجميع الرسل بعثوا بذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخرُف:٤٥]، وقال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقد اتفق المسلمون على أن دين أهل الكتاب من اليهود والنصارى خير من دين من لا كتاب له من المشركين والصابئين وغيرهم، والعلماء على تنوع أصنافهم من الفقهاء والمفسرين والمتكلمين وأرباب المقالات، وإن اختلفوا في الصابئين فلتنوعهم؛ ولهذا كان للفقهاء فيهم طريقان: أحدهما أن في كونهم من أهل الكتاب قولين للشافعي وأحمد، والطريق الثاني: أنهم صنفان فمن تدين منهم بدين أهل الكتاب كان منهم وإلا فلا. هذا هو المختار عندهم، وأما الشرك الذي في النصارى فإنما ابتدعوه تشبهًا بأولئك فكان فيهم قليل من شرك أولئك، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠] كالذين قالوا الملائكة أولاد الله كما يقوله هؤلاء المتفلسفة الصابئون فإنهم كانوا قبل النصارى. قلت: وأما التوحيد الذي يذكر عن الفلاسفة من نفي الصفات فهو مثل تسمية المعتزلة لما يقولونه توحيدًا وهذا في التحقيق تعطيل مستلزم للتمثيل والإشراك، وأما النصارى فهم لا يقولون إن ثم إلهين متباينين بل يقولون قولاً متناقضًا حيث يجعلون الثلاثة واحدًا ويجعلون الواحد هو المتحد بالمسيح دون غيره مع عدم إمكان تميز واحد عن غيره وهذا الكفر دون كفر الفلاسفة بكثير وتكلمت في ذلك بكلام بعد عهدي به. وفساد هذا وتناقضه أعظم حتى لقد قال عبد الله بن المبارك: «إنا لنحكي قول

стр. 202

اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية» (١)، وهذا يتبين بما نقوله: وهو أن ما فسر به هؤلاء اسم الواحد من هذه التفاسير التي لا أصل لها في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة باطل بلا ريب شرعًا وعقلاً ولغة. أما في اللغة: فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب ولا يرى منه شيء دون شيء إذ القرآن وغيره من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار من لغة العرب وسائر اللغات أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسمًا؛ إذ المخلوقات: إما أجسام، وإما أعراض عند من يجعلها غيرها، وزائدة عليها، وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدًا امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم، وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء، وسيأتي بيان هذا ونذكر ما في اللغة من ذكر الواحد مع كونه موصوفًا ذا مقدار، بل لا يوجد في اللغة اسم واحد إلا على ذي صفة ومقدار كقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزُّمَر:٦]، وقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدَّثر:١١]، وقال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١] وسئل النبي ﷺ يصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: (أوَ لكلكم ثوبان؟) (٢) وقال: (لا يصلِّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء) (٣). وسيأتي بسط هذا -إن شاء الله-.

стр. 203

وأما العقل فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة إنه أمر لا يعقل ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شيء عن شيء بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولا يحاط به وإن سماه المسمي جسمًا. وأيضًا فإن التوحيد إثبات لشيء هو واحد فلابد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها ويتميز بها عما سواه حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية ولا مجرد عدم المثل، إذا لم يفد ثبوت أمر وجودي كان صفة للعدم فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو على حقيقة يستحق بها واحدًا ولهذا فسر ابن كلاب (١) وغيره الواحد بأنه المنفرد عن غيره المباين له وهذا المعنى داخل في معنى الواحد في الشرع، وإن لم يكن إياه. ولذلك أهل الإثبات من أهل السنة والحديث يصنفون كتب التوحيد يضمنونها ثبوت الصفات التي أخبر بها الكتاب والسنة؛ لأن تلك الصفات في كتابه تقتضي التوحيد ومعناه. وأما الشرع فنقول مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم يُعرّف مسميات تلك الأسماء حتى يعطوها حقها ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة ولا عن صاحب ولا أئمة المسلمين» (٢).

стр. 204

المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل الشبهة: إن ما قرره المخالف من تعظيم قول الفلاسفة في التوحيد، وجعلهم أعظم الناس توحيداً، إنما هو نتيجة محتمة للشبهة المتقررة في ذهن معطلة الصفات ونفاتها ممن خاض غمار الكلام والفلسفة، وغاص في لججها، ونهل من مشربها، من أن توحيد الله إنما يكون بنفي صفاته واسمائه وخصائصه الواجبة له سبحانه في ذاته وعظيم صفاته وتعطيله عن نعوته وكماله، وكلما زاد المرء في درجات التعطيل كلما ارتقى عندهم في سلم التوحيد، حتى صار عندهم أكثر الناس جحداً وتعطيلاً، هو أعظم الناس فقهاً وتوحيداً، ولما كانت الفلاسفة من أكثر الطوائف تعطيلاً لذات الله، ووصفاً له بالسلبيات، ونفياً لما يستحقه من النعوت والصفات، فقد تقرر عند هذا الرجل أنهم أعظم الناس وأفضلهم توحيداً. وإنما أُتي هذا الرجل وأضرابه من تسميتهم للأشياء بغير مسمياتها الشرعية، وجعلهم المسميات الشرعية علماً على معتقداتهم الباطلة وآرائهم المنحرفة، وإدخالهم في مسمى التوحيد ما ليس منه حيث جعلوا نفي الصفات داخلاً في التوحيد، وإثبات الصفات منافياً للتوحيد ومناقضاً له، وجعلوا إثباتها تشبيهاً وتجسيماً، بل جعلوه شركاً وتنديداً، فألحدوا في أسماء الله وآياته وحرفوا الكَلِم

стр. 205

عن مواضعه، ولبسوا الحق بالباطل. وعرفوا الواحد بأنه: ما لا صفة له ولا قدر ولا يعلم منه شيء دون شيء ولا يرى ولا يشار إليه (١). وهذا القول هو محصل تعريفات الفلاسفة للتوحيد والواحد وإن اختلفت عباراتهم في ذلك، فأرسطو، وهو المعلم الأول للفلاسفة يرى أن الإله والذي يعبر عنه بـ (المحرك الأول) واحد من جميع الوجوه، ووحدته تعني بساطة ماهيته في التصور الذهني، بمعنى أنه غير مركب أصلاً؛ وذلك لأنه ليس بجسم (٢). والفارابي يرى أن الواحد: ما لا ينقسم بالعدد، ولا ينقسم بالأجزاء (٣)، وابن سينا (٤) يعبر عن الواحد بأنه: ما لا ينقسم في المعنى ولا في الكم، وهو الذي لا فصل له ولا ند ولا عرض له، ولا يشار إليه، ولا يكون خارج العالم ولا داخله ولا أين له ولا متى (٥). ومن تعبيرات المتكلمين في تعريف الواحد: هو ما ليس بمنقسم ولا مركب وما لا حد له ولا غاية (٦). ومنها أيضاً: ما ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا في جهة ولا يشار إليه

стр. 206

بحس ولا يتميز منه شيء من شيء ونحوها من العبارات التي مؤداها واحد وهو تعطيل ذات الله وإرجاع وجوده إلى الوجود الذهني المجرد من كل صفة، وعن كل ما يؤدي -في نظرهم- للتقسيم والكثرة (١). ومبنى شبهتهم أن الصفات أعراض يستلزم إثباتها لله التكثر والتعدد في ذاته، والتعدد يستلزم التركيب، والتركيب ممتنع في حق واجب الوجود، وسبب ذلك -كما بينه شيخ الإسلام- أن الفلاسفة يجعلون أخص وصف لله هو وجوب وجوده بنفسه، وإمكان ما سواه، والتركيب المذكور يوجب افتقاره لغيره وهذا يمنع من كونه واجبا بنفسه (٢). قال شيخ الإسلام: ﵀: «وأصل هذا كله ما ادعوه من أن إثبات الصفات تركيب ممتنع، وهذا أخذوه عن المعتزلة ليس هذا من كلام أرسطو وذويه … ، ثم بنوا هذا على أن الواحد لا يكون فاعلاً وقابلاً؛ لأن ذلك يستلزم التركيب وأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ لأن صدور اثنين يقتضي تعدد المصدر فمصدر (ج) غير مصدر (ب) وذلك يستلزم التركيب الممتنع، فمدار كلامهم في التوحيد والصفات كله على لفظ التركيب» (٣). وهذه الشبهة في فهم التوحيد وتفسير معناه، ليست مقتصرة على الفلاسفة وحسب، بل هي شبهة مشتركة بين الفلاسفة والجهمية والمعتزلة وغيرهم من أهل الكلام، وقد ذكر شيخ الإسلام في الموضع السابق أن شبهة التركيب إنما استفادها متأخرو الفلاسفة كابن سينا وأمثاله من المعتزلة، وليس هذا من كلام أرسطو ومن معه (٤)، وذلك أن الفلاسفة المنتسبين للإسلام لم يسلكوا في إثبات وجود (واجب الوجود) طريقة أرسطو، وإنما سلكوا طريقاً مركبة من طريقة

стр. 207

المتكلمين وطريق سلفهم من الفلاسفة المشائين (١). وقد كان معنى التوحيد وتفسيره مما ناظر به الإمام أحمد المعتزلة في عصره قال ﵀: «قلنا: لا نقول إن الله لم يزل وقدرته، ولا نقول ولم يزل ونوره. ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره لا متى قدر؟ ولا كيف قدر؟ فقالوا: لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء (٢). فقلنا: نحن نقول قد كان الله ولا شيء، ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟ … » (٣) إلى آخر ما أجاب به الإمام أحمد عن شبهتهم، مما ليس هذا موضع إيراده، وإنما المراد الإشارة إلى قِدم هذه الشبهة وجذورها الفاسدة (٤). الوجه الثاني: الجواب على الشبهة: بين شيخ الإسلام ﵀ فساد قول المنازع وضعف ما احتج به على قوله الفاسد ويمكن إجمال ردوده في طرق أربع: أولاً: بيان المفهوم الصحيح للتوحيد: من عظيم ما اعتنى به شيخ الإسلام ﵀ في معظم مصنفاته ورسائله بيان حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب، ويعتبر هذا المسلك من أهم المسالك في الرد على مثل هذه الشبه والأباطيل وبيان زيفها وانحرافها، وذلك أنه إذا اتضح طريق الصواب وعرفت معالمه وتبينت حدوده وملامحه،

стр. 208

عرف بذلك كل طريق يخالفه ويناقضه، فإذا عرف الناس مفهوم التوحيد الصحيح الذي جاءت الشريعة به، عرفوا بذلك بطلان كل مفهوم يخالفه أو يباينه أو يناقضه أو يعارضه، وعلى رأس ذلك هذه الأقاويل الباطلة والشبه المنحرفة التي جعلت التوحيد هو النفي والتعطيل مخالفة للمعاني الدينية والمصطلحات الشرعية، قال شيخ الإسلام ﵀: «وهم يفسرون الواحد والتوحيد بما ليس هو معنى الواحد والتوحيد في كتاب الله وسنة رسوله، وليس هو التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، وهذا أصل عظيم تجب معرفته» (١). وبين شيخ الإسلام ﵀ في مواضع كثيرة من كتبه أن التوحيد الذي جاءت به الرسل يتناول أمرين: ١) التوحيد العلمي القولي (٢): وهو التوحيد في العلم والخبر، وهو توحيد الله في ربوبيته واسمائه وصفاته. ٢) توحيد القصد والطلب (٣): وهو توحيد الألوهية والعبادة فلا يعبد إلا الله وحده لا شريك له. وكثيراً ما يمثل لهما شيخ الإسلام بسورتي الإخلاص والكافرون، فسورة الإخلاص جاءت بالتوحيد العلمي وسورة الكافرون جاءت بالتوحيد العملي. (٤) ويبين شيخ الإسلام ترابط هذين النوعين من التوحيد وتلازمهما فيقول: «الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما

стр. 209

اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل» (١). وقد اعتنى شيخ الإسلام ﵀ ببيان توحيد الألوهية؛ لأنه التوحيد الذي خالفت فيه أكثر الطوائف، وبعثت الرسل للدعوة إليه ومحاربة ما ناقضه من الشرك والخرافات، قال ﵀ مبيناً حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل ومفهومه في الكتاب والسنة: «وذلك أن توحيد الرسل والمؤمنين هو عبادة الله وحده، فمن عبد الله وحده لم يشرك به شيئا فقد وحده، ومن عبد من دونه شيئا من الأشياء فهو مشرك به، ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان مع ذلك قائلاً بهذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد» (٢)، وقال ﵀: «أما التوحيد الذى ذكره الله في كتابه، وأنزل به كتبه، وبعث به رسله، واتفق عليه المسلمون من كل ملة فهو كما قال الأئمة: شهادة أن لا اله الا الله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما بين ذلك بقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]، فأخبر أن الإله إله واحد، لا يجوز أن يتخذ إله غيره فلا يعبد الا إياه، كما قال في السورة الأخرى: وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١]، وقال: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]- إلى قوله: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]، وكما قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزُّمَر:٣]، وكما قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨]، والشرك الذي ذكره الله في كتابه إنما هو عبادة غيره من المخلوقات، كعبادة الملائكة أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء أو تماثيلهم، أو قبورهم، أو غيرهم من الآدميين ونحو ذلك مما هو كثير في

стр. 210

هؤلاء الجهمية ونحوهم ممن يزعم أنه محقق في التوحيد وهو من أعظم الناس إشراكاً» (١). وكلام شيخ الإسلام في هذا الباب كثير مبثوث في جل كتبه ومؤلفاته مع تركيزه على بيان ما يضاد التوحيد من الشرك وأنواعه ووسائله، وقد أفرد ذلك في كتب مستقلة ﵀ وغفر له- (٢). ثانياً: بيان فساد تفسيرهم وتعريفهم للتوحيد ، وذلك من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: بيان فساده لغة: بين شيخ الإسلام ﵀ بطلان تفسيرهم للتوحيد والواحد بأنه الذي لا ينقسم ولا يتجزأ وليس بجسم ولا يشار إليه ولا يرى، من عدة وجوه: أولأ: أن أهل اللغة مجمعون على بطلان هذا المعنى، قال شيخ الإسلام ﵀: «فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب ولا يرى منه شيء دون شيء، إذ القرآن وغيره من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار من لغة العرب وسائر اللغات أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسمًا … وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدًا امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء» (٣). ثانياً: أن من المعروف في لغة العرب واصطلاحهم أنهم يطلقون على كثير من المخلوقات أنه واحد، وهو جسم من الأجسام التي يشار إليه وتثبت له الصفات،

стр. 211

وهذا مما «هو معلوم بالاضطرار من لغة العرب وسائر اللغات أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسمًا» (١) بل «لا يوجد في لغة العرب، بل ولا غيرهم من الأمم استعمال الواحد، الأحد، الوحيد إلا فيما يسمونه هم جسما ومنقسما» (٢)، وكان ذا صفة ومقدار. وضرب شيخ الإسلام أمثلة كثيرة على ذلك مما جاء في الكتاب والسنة ومن ذلك: أ -قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزُّمَر:٦]. ب -وقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدَّثر:١١]. ت -وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١]. ث -وقال النبي ﷺ : (لا يصلين أحدكم في ثوب واحد وليس على عاتقه منه شيء) (٣). ج -قال ﷺ : (لا يَمْشي أحدكم في نعل واحد) (٤). ح -والعرب وغيرهم من الأمم يقولون: رجل ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وفرس واحد وجمل واحد، ودرهم واحد، وثوب واحد. وكل هذه الموصوفات إنما هي أجسام مشار إليها، وهي تدل على استخدام الواحد فيما هو جسم خلافا لما يزعمه هؤلاء، "فكيف يجوز أن يقال إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام؟! " (٥).

стр. 212

ثالثاً: أن تفسير النصوص الشرعية من الصفات وغيرها، إنما يرجع فيه إلى لغة الذين خوطبوا به، وفهمهم لهذه النصوص، أما أن تحمل على المصطلحات الكلامية والفلسفية المحدثة المبتدعة، فهذا باطل، ومخالف لكون القرآن هدى للناس، وبياناً لكل شيء، وأنه بلسان عربي مبين، ولتنذر به قومك ومن بلغ، قال شيخ الإسلام ﵀: «إن الاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها، وقد نزل بلغة قريش كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، فليس لأحد أن يحمل ألفاظ القرآن على غير ذلك من عرف عام واصطلاح خاص، بل ولا يحمله إلا على معانٍ عنوها بها، إما أخص من المعنى اللغوي أو أعم، أو مغايراً له، لم يكن له أن يضع القرآن على ما وضعه هو، بل يضع القرآن على مواضعه التي بينها الله لمن خاطبه بالقرآن بلغته، ومتى فعل غير ذلك كان ذلك تحريفاً للكلام عن مواضعه، ومن المعلوم أنه ما من طائفة إلا وقد تصطلح على ألفاظ يتخاطبون بها، كما أن من المتكلمين من يقول: الأحد هو الذي لا ينقسم، وكل جسم منقسم، ويقول: الجسم هو مطلق المتحيز القابل للقسمة، حتى يدخل في ذلك الهواء وغيره، لكن ليس له أن يحمل كلام الله وكلام رسوله إلا على اللغة التي كان النبي ﷺ يخاطب بها أمته، وهى لغة العرب عموما ولغة قريش خصوصا» (١). فلا يجوز أن تكون هذه المصطلحات الحادثة هي المرجع في تفسير نصوص الكتاب والسنة التي نزلت قبل أن تنشأ هذه المصطلحات بدهور، فكيف إذا كانت هذه المصطلحات تصادم المعنى الحق الذي دلت عليه النصوص؟! الوجه الثاني: بيان فساده عقلاً: ١) أن هذا المعنى الذي ذكروه للواحد إنما هو أمر مقدر في الذهن لا وجود له في الخارج، قال شيخ الإسلام: «فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر

стр. 213

العقلاء وأهل الفطر السليمة إنه أمر لا يعقل ولا له وجود في الخارج وإنما هو أمر مقدر في الذهن ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شيء عن شيء بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولايحاط به وإن سماه المسمي جسمًا» (١). ٢) أن "التوحيد إثبات لشيء هو واحد، فلابد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها ويتميز بها عما سواه حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية … ، فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو على حقيقة يستحق بها واحدًا" (٢). ٣) أن قولهم بأن الواحد ما لا صفة له، فوق منافاته لما جاء من وصف الله في الكتاب والسنة فهو مستلزم أيضا لعدمه (٣)، بل ويمتنع على هذا أن يكون في الوجود شيء يطلق عليه بأنه واحد (٤). ٤) أن لازم قول هؤلاء جحد وجود الخالق -جل وعلا-، وهذا هو منتهى قولهم وغاية تحقيقهم الإلحاد بالله سبحانه، وإنكار أن يكون في السماء رب يعبد، أو إله يصلى له ويسجد (٥). ٥) يلزم من قولهم أن أي موجود فُرض في الوجود فهو أكمل من رب العالمين؛ وذلك لأنهم جعلوا وجوده مشروطاً بنفي وسلب جميع الأمور الثبوتية عنه، فيكون وجود أدنى مخلوق أكمل من وجوده (٦)!

стр. 214

الوجه الثالث: بيان فساده شرعاً: ١) إن هذا التوحيد المذكور لا يوجد في كتاب ولا سنة، ولا دلت عليه الآيات الكريمة ولا الأحاديث الشريفة ولا فهمه سلف الأمة من الصحابة فمن بعدهم، قال شيخ الإسلام ﵀: «ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة ولا عن صاحب ولا أئمة المسلمين» (١)، وقال: «وكل من سمع ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله، ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه الأمور، ولا كان أصحاب رسول الله ﷺ عليها، فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول الله ﷺ والصحابة والتابعون، بل يعلم بالاضطرار أن الذى جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيدا، ولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك» (٢). ٢) إن أقوالهم هذه غير كافية في تحقيق التوحيد الشرعي، ولا يعتبر من جاء بها موحداً "وذلك أن توحيد الرسل والمؤمنين هو عبادة الله وحده، فمن عبد الله وحده لم يشرك به شيئا فقد وحده، ومن عبد من دونه شيئاً من الأشياء فهو مشرك به، ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان مع ذلك قائلا بهذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد" (٣). ٣) أن هذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد يخالفهم فيها أئمة السلف وعلماؤهم، بل حتى أئمة المتكلمين ومتقدموهم يخالفونهم في مسمى الواحد

стр. 215

وتعريفه كما جاء ذلك عن ابن كلاب وغيره (١). ٤) أن الشرع إنما جاء في توحيد الله واسمائه وصفاته، بالنفي المجمل والإثبات المفصل، وطريقتهم هذه عكس طريقة الشرع الكريم فهي عبارة عن نفي مفصل وإثبات مجمل أو لا يكاد يكون هناك إثبات أصلا. قال شيخ الإسلام: «والله بعث رسله بإثبات مفصَّل، ونفي مجمل، فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، قال أهل اللغة: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم:٦٥]: أي نظيرًا يستحق مِثْل اسمه، ويقال مُسامِيًا يُسامِيه (٢). وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس: (هل تعلم له مِثْلاً أو شبيهًا) (٣) … وأما الإثبات المفصَّل، فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، الآية بكمالها، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ [الإخلاص:١ - ٣]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٤ - ١٦]، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] … إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله
следующие страницы →