← Акыда

Акыда · id 902

المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية

هيثم الحمري

Полный текст (731 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهذا مما «هو معلوم بالاضطرار من لغة العرب وسائر اللغات أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسمًا» (١) بل «لا يوجد في لغة العرب، بل ولا غيرهم من الأمم استعمال الواحد، الأحد، الوحيد إلا فيما يسمونه هم جسما ومنقسما» (٢)، وكان ذا صفة ومقدار. وضرب شيخ الإسلام أمثلة كثيرة على ذلك مما جاء في الكتاب والسنة ومن ذلك: أ -قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزُّمَر:٦]. ب -وقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدَّثر:١١]. ت -وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١]. ث -وقال النبي ﷺ : (لا يصلين أحدكم في ثوب واحد وليس على عاتقه منه شيء) (٣). ج -قال ﷺ : (لا يَمْشي أحدكم في نعل واحد) (٤). ح -والعرب وغيرهم من الأمم يقولون: رجل ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وفرس واحد وجمل واحد، ودرهم واحد، وثوب واحد. وكل هذه الموصوفات إنما هي أجسام مشار إليها، وهي تدل على استخدام الواحد فيما هو جسم خلافا لما يزعمه هؤلاء، "فكيف يجوز أن يقال إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام؟! " (٥).

стр. 212

ثالثاً: أن تفسير النصوص الشرعية من الصفات وغيرها، إنما يرجع فيه إلى لغة الذين خوطبوا به، وفهمهم لهذه النصوص، أما أن تحمل على المصطلحات الكلامية والفلسفية المحدثة المبتدعة، فهذا باطل، ومخالف لكون القرآن هدى للناس، وبياناً لكل شيء، وأنه بلسان عربي مبين، ولتنذر به قومك ومن بلغ، قال شيخ الإسلام ﵀: «إن الاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها، وقد نزل بلغة قريش كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، فليس لأحد أن يحمل ألفاظ القرآن على غير ذلك من عرف عام واصطلاح خاص، بل ولا يحمله إلا على معانٍ عنوها بها، إما أخص من المعنى اللغوي أو أعم، أو مغايراً له، لم يكن له أن يضع القرآن على ما وضعه هو، بل يضع القرآن على مواضعه التي بينها الله لمن خاطبه بالقرآن بلغته، ومتى فعل غير ذلك كان ذلك تحريفاً للكلام عن مواضعه، ومن المعلوم أنه ما من طائفة إلا وقد تصطلح على ألفاظ يتخاطبون بها، كما أن من المتكلمين من يقول: الأحد هو الذي لا ينقسم، وكل جسم منقسم، ويقول: الجسم هو مطلق المتحيز القابل للقسمة، حتى يدخل في ذلك الهواء وغيره، لكن ليس له أن يحمل كلام الله وكلام رسوله إلا على اللغة التي كان النبي ﷺ يخاطب بها أمته، وهى لغة العرب عموما ولغة قريش خصوصا» (١). فلا يجوز أن تكون هذه المصطلحات الحادثة هي المرجع في تفسير نصوص الكتاب والسنة التي نزلت قبل أن تنشأ هذه المصطلحات بدهور، فكيف إذا كانت هذه المصطلحات تصادم المعنى الحق الذي دلت عليه النصوص؟! الوجه الثاني: بيان فساده عقلاً: ١) أن هذا المعنى الذي ذكروه للواحد إنما هو أمر مقدر في الذهن لا وجود له في الخارج، قال شيخ الإسلام: «فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر

стр. 213

العقلاء وأهل الفطر السليمة إنه أمر لا يعقل ولا له وجود في الخارج وإنما هو أمر مقدر في الذهن ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شيء عن شيء بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولايحاط به وإن سماه المسمي جسمًا» (١). ٢) أن "التوحيد إثبات لشيء هو واحد، فلابد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها ويتميز بها عما سواه حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية … ، فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو على حقيقة يستحق بها واحدًا" (٢). ٣) أن قولهم بأن الواحد ما لا صفة له، فوق منافاته لما جاء من وصف الله في الكتاب والسنة فهو مستلزم أيضا لعدمه (٣)، بل ويمتنع على هذا أن يكون في الوجود شيء يطلق عليه بأنه واحد (٤). ٤) أن لازم قول هؤلاء جحد وجود الخالق -جل وعلا-، وهذا هو منتهى قولهم وغاية تحقيقهم الإلحاد بالله سبحانه، وإنكار أن يكون في السماء رب يعبد، أو إله يصلى له ويسجد (٥). ٥) يلزم من قولهم أن أي موجود فُرض في الوجود فهو أكمل من رب العالمين؛ وذلك لأنهم جعلوا وجوده مشروطاً بنفي وسلب جميع الأمور الثبوتية عنه، فيكون وجود أدنى مخلوق أكمل من وجوده (٦)!

стр. 214

الوجه الثالث: بيان فساده شرعاً: ١) إن هذا التوحيد المذكور لا يوجد في كتاب ولا سنة، ولا دلت عليه الآيات الكريمة ولا الأحاديث الشريفة ولا فهمه سلف الأمة من الصحابة فمن بعدهم، قال شيخ الإسلام ﵀: «ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة ولا عن صاحب ولا أئمة المسلمين» (١)، وقال: «وكل من سمع ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله، ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه الأمور، ولا كان أصحاب رسول الله ﷺ عليها، فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول الله ﷺ والصحابة والتابعون، بل يعلم بالاضطرار أن الذى جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيدا، ولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك» (٢). ٢) إن أقوالهم هذه غير كافية في تحقيق التوحيد الشرعي، ولا يعتبر من جاء بها موحداً "وذلك أن توحيد الرسل والمؤمنين هو عبادة الله وحده، فمن عبد الله وحده لم يشرك به شيئا فقد وحده، ومن عبد من دونه شيئاً من الأشياء فهو مشرك به، ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان مع ذلك قائلا بهذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد" (٣). ٣) أن هذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد يخالفهم فيها أئمة السلف وعلماؤهم، بل حتى أئمة المتكلمين ومتقدموهم يخالفونهم في مسمى الواحد

стр. 215

وتعريفه كما جاء ذلك عن ابن كلاب وغيره (١). ٤) أن الشرع إنما جاء في توحيد الله واسمائه وصفاته، بالنفي المجمل والإثبات المفصل، وطريقتهم هذه عكس طريقة الشرع الكريم فهي عبارة عن نفي مفصل وإثبات مجمل أو لا يكاد يكون هناك إثبات أصلا. قال شيخ الإسلام: «والله بعث رسله بإثبات مفصَّل، ونفي مجمل، فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، قال أهل اللغة: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم:٦٥]: أي نظيرًا يستحق مِثْل اسمه، ويقال مُسامِيًا يُسامِيه (٢). وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس: (هل تعلم له مِثْلاً أو شبيهًا) (٣) … وأما الإثبات المفصَّل، فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، الآية بكمالها، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ [الإخلاص:١ - ٣]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٤ - ١٦]، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] … إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله

стр. 216

به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل -صلى الله عليهم أجمعين-. وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب، ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية، والقرامطة الباطنية (١)، ونحوهم فإنهم على ضد ذلك، يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان، فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلاً يستلزم نفي الذات» (٢). ثالثاً: بيان فساد شبهة التركيب: فصل شيخ الإسلام جواب هذه الشبهة من عدة أوجه، وفي عدة مواضع من كتبه واكتفي هنا بأبرز ما ينقض هذه الشبهة ويظهر فسادها، وتناقض القائلين بها: أولاً: بين شيخ الإسلام أن المركب في اللغة والمعقول من كلام بني آدم إنما يطلق على: ما ركبه غيره، وعلى ما كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمعت، وعلى ما يقبل مفارقة بعضه بعضاً، فهذا هو التركيب بمعناه اللغوي، وما يفهم من كلام الناس، وهذه الأنواع الثلاثة منتفية عن رب العالمين باتفاق المسلمين. وأما المعنى الذي يذكره أهل الفلسفة والمنطق فهو مخالف للغة وما يعقله بنو آدم من معنى التركيب بالفطرة الأولى (٣). ثانياً: أن التركيب بالمعنى الذي يذكره الفلاسفة والمتكلمون إنما هو أمر

стр. 217

اعتباري ذهني ليس له وجود في الخارج (١). ثالثاً: أن اتصاف الذات بصفاتها اللازمة لها لا يسمى تركيباً ولا يقتضي تعدداً لغةً ولا شرعاً، "وإنما هي ذات قائمة بنفسها مستلزمة للوازمها التي لا يصح وجودها إلا بها؛ وليست صفة الموصوف أجزاء له ولا أبعاضاً يتميز بعضها عن بعض أو تتميز عنه؛ حتى يصح أن يقال هي مركبة منه " (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: «وأما تسمية الواحد الموصوف بصفاته مركباً كتسمية الحي العالم القادر الموصوف بالحياة والعلم والقدرة مركباً فهذا اصطلاح لهم لا يعرف شيء من الشرائع ولا اللغات ولا عقول جماهير العقلاء جعلوا هذا تركيباً» (٣). رابعاً: أننا لو سلمنا بتسمية هذا الأمر تركيباً، فإن هذا التركيب لا يلزم منه الحدوث والإمكان. قال شيخ الإسلام ﵀: «لو فرض أن هذا يسمى مركباً: فليس هذا مستلزماً للإمكان ولا للحدوث. وذلك أن الذي علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون الرب تعالى فقيراً إلى خلقه؛ بل هو الغني عن العالمين، وقد علم أنه حي قيوم بنفسه وأن نفسه المقدسة قائمة بنفسه وموجودة بذاته وأنه أحد صمد غني بنفسه ليس ثبوته وغناه مستفاداً من غيره وإنما هو بنفسه لم يزل ولا يزال حقاً صمداً قيوماً، فهل يقال في ذلك إنه مفتقر إلى نفسه أو محتاج إلى نفسه؛ لأن نفسه لا تقوم إلا بنفسه؟ فالقول في صفاته التي هي داخلة في مسمى نفسه هو القول في نفسه. فإذا قيل صفاته ذاتية، وقيل إنه محتاج إليها، كان بمنزلة قول القائل إنه محتاج إلى نفسه، فإن صفاته الذاتية هي ما لا تكون النفس بدونها. وكذلك إذا قلنا: ذاته موجبة لوجوده، أو هو واجب بنفسه، أو هو مقتض لوجوبه. فلو قال قائل: يلزم أن يكون معلولاً، والمعلول مفتقر، قيل له: ليست العلة هنا غير المعلول والمنتفي افتقاره إلى غيره وكونه معلولاً لسواه. وأما قيامه بنفسه فحق.

стр. 218

ثم هذه العبارات التي توهم معنى فاسداً: إن أطلقت باعتبار المعنى الصحيح أو لم تطلق بحال: لم يضر ذلك إذا كان المعنى الصحيح معلوماً لا يندفع. فهذا المعنى الشريف يجب التفطن له فإنه يزيل شبهاً خيالية أضلت خلقاً كثيراً .... فليس وصف الموصوف وجزء المركب -الذي لا تقوم ذاته إلا به- إلا بمنزلة ذاته، وليس في قولنا هو مفتقر إلى نفسه ما يرفع وجوبه بنفسه فكذلك هذا. فظهر الخلل في كل المقدمتين وهو أن الصفات مستلزمة للتركيب وأن التركيب مستلزم للحاجة إلى الغير وإذا كان كل من المقدمتين باطلة: بطل هذا بالكلية» (١). خامساً: بين شيخ الإسلام ﵀ تناقضهم فيما يطلقون عليه مسمى التركيب، قال ﵀: «إن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع. قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ وملتذ ولذة، أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟، فهذه معان متعددة متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدًا. فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبًا ممتنعًا. قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو تركيبًا ممتنعًا» (٢). ويحسن بنا هنا أن نذكر كلام الإمام أحمد ﵀ في مناظرته للجهمية في تفسير التوحيد، وبيانه لهم أن إثبات الصفات لا يناقض التوحيد، ولا يقتضي تعدداً ولا كثرة قال ﵀: «فقلنا نحن نقول قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟

стр. 219

وضربنا لهم مثلاً في ذلك فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكَرَب وليف وسَعَف وخُوص وجُمَّار واسمها اسم شيء واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد لا نقول إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق قدرته والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم حتى خلق له علماً فعلم والذي لا يعلم هو جاهل، ولكن نقول لم يزل الله عالمًا قادرًا مالكًا لا متى ولا كيف، قال: وسمى الله رجلاً كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدَّثر:١١]، وقد كان الذي سماه وحيدًا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، وقد سماه وحيدًا بجميع صفاته فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد» (١). رابعاً: بيان شرك الفلاسفة وأنهم من أعظم الناس شركاً: بين شيخ الإسلام ﵀ لمن ناظره أن الفلاسفة أبعد الناس عن التوحيد، فهم لا يأمرون بالتوحيد ولا يفعلونه، ولا ينهون عن الشرك ولا يحذرون منه، بل إنهم إما مشركون يوجبون الشرك ويوالون ويعادون عليه، أو صابئة يجوزون الشرك ويسوغونه، فهم في الحقيقة الآمرون بالشرك والفاعلون له، ومن لم يأمر بالشرك منهم، فقد أجازه ولم ينه عنه (٢). بل قد قرر شيخ الإسلام أن كل شرك في العالم فإنما حدث برأيهم، قال ﵀: «بل كل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم إذ بنوه على ما في الأرواح والأجسام من القوى والطبائع وإن صناعة الطلاسم والأصنام والتعبد لها يورث منافع ويدفع مضار» (٣). وقد كان أرسطو واتباعه المشائين وهم الذين انتقلت فلسفتهم للعالم

стр. 220

الإسلامي ولاقت الرواج والشهرة فيه، كانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب ويبنون لها هياكل في الأرض، ويصورون لها أصناماً، ويجعلون لها طلاسم، ويتقربون لها بأنواع العبادات (١). وقد ظهر هذا حتى على الفلاسفة المنتسبين للإسلام كابن سينا والفارابي وغيرهم، فإنهم كانوا يسوغون الشرك ويجيزونه، بل حتى متصوفة الفلاسفة كابن عربي وابن سبعين وغيرهم يجوزون أن يكون الرجل يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً، ويجوزون له التمسك بأي ناموس كان ولا يوجبون اتباع نبي بعينه كما قد سبق بيانه (٢). بل قد وصل الحال ببعض المتفلسفة المنتسبين إلى الإسلام إلى تصنيف مصنفات في الإشراك بالله وعبادة الكواكب والأصنام، وذكروا ما في ذلك من الفوائد وتحصيل المقاصد على حد زعمهم (٣). قال شيخ الإسلام ﵀: «وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الكواكب والملائكة وعبادة الأنفس المفارقة -أنفس الأنبياء وغيرهم- ما هو أصل الشرك. وهم إذا ادعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول، لا بالعبادة والعمل. والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله. وعبادته وحده لا شريك له، وهذا شيء لا يعرفونه، والتوحيد الذي يدعونه: إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات وفيه من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك، فلو كانوا موحدين بالقول والكلام -وهو أن يصفوا الله بما وصفته به رسله- لكان معهم التوحيد دون العمل، وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة بل لا بد من أن يعبد الله وحده ويتخذ إلها؛ دون ما سواه، وهو معنى قول: (لا إله إلا الله) فكيف وهم في القول والكلام معطلون جاحدون؛ لا موحدون

стр. 221

ولا مخلصون؟» (١). وبين ﵀ أن الفلاسفة أعظم شركاً من النصارى فقد أجمع المسلمون على أن دين أهل الكتاب خير من دين غيرهم من المشركين والصائبة، وأن النصارى في التوحيد خير منهم، وشرك النصارى الذي وقعوا فيه إنما جاء من تشبههم بهؤلاء الصابئة الفلاسفة قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠]، ومعلوم أن صابئة الفلاسفة هم الذين كانوا قبل النصارى، وهم الذين ادعوا أن الملائكة أولاد الله، وغيرها من الكفريات التي حذا حذوهم فيها النصارى وغيرهم ممن جاء بعدهم (٢)، بل النصارى بعد أن غيروا دين المسيح وبدلوا هم أقرب إلى الهدى ودين الحق من أولئك الفلاسفة الذين كانوا مشركين، وشرك أولئك الغليظ هو مما أوجب إفساد دين المسيح كما ذكره طائفة من أهل العلم» (٣). وبين كذلك ﵀ في مواضع من كتبه أن شركهم أعظم من شرك مشركي العرب من وجوه عديدة (٤). فتبين بهذا كله بعد القوم عن التوحيد وأنهم أهل كفر وشرك وإلحاد بل هم من أعظم الناس في ذلك، فكيف يسوغ بعد هذا كله أن يقال: إنهم أعظم الناس توحيدا (٥)؟!.

стр. 222

الباب الثاني: مناظرته مع الطوائف المنتسبة للإسلام ويشتمل على ستة فصول الفصل الأول: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الاتحادية. الفصل الثاني: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الصوفية وعباد القبور. الفصل الثالث: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع الرافضة. الفصل الرابع: مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع المتكلمين. الفصل الخامس: مناظرته مع بعض الجبرية الإباحية المحتجين بالقدر. الفصل السادس: مناظرته مع ابن الوكيل الشافعي في نسبته قول المرجئة لأهل السنة والجماعة ودفاعه عن ذلك. * * *

стр. 223

الفصل الأول: مناظرته مع الاتحادية، ويشتمل على خمس مباحث: المبحث الأول: مناظرته مع بعض حذاق الاتحادية في قولهم بأن الإحاطة هي الوجود المطلق، وفي أن أصل قولهم يرجع إلى القول بالوجود المطلق الذي لا حقيقة له في الأعيان. المبحث الثاني: مناظرته مع شيخ من شيوخ الاتحادية في اعتقاده فناء الحلاج واتحاد الحق سبحانه به. المبحث الثالث: مناظرته مع جماعة من الاتحادية العارفين بالفلسفة وغيرها والداخلين في التصوف والزهد في اعتقادهم أن ابن هود هو الله وهو المسيح ابن مريم. المبحث الرابع: مناظرته مع بعض أكابر الاتحادية في الفرق بين التوحيد والإلحاد. المبحث الخامس: مناظرته مع بعض شيوخ الاتحادية في رفضه قتال التتار لاعتقاده أن هذا قتال لله. ملحق: مناظرته مع بعض الاتحادية في اعتقادهم إن الله هو الناطق في كل شيء. مناظرته مع بعض الاتحادية في اعتقادهم أن الله ظهر في صورة الموجودات. * * *

стр. 224

تمهيد: بين يدي هذا الفصل: في هذا الفصل نقف مع خمس مناظرات حدثت لشيخ الإسلام مع طائفة الاتحادية بصنفيها: القائلين بالاتحاد الخاص، والقائلين بالاتحاد العام (١) -أعني أصحاب وحدة الوجود- وقبل الشروع في المناظرات يجدر التنبيه إلى أن قول هذه الطائفة مع أنه من أشنع وأبشع وأقبح الأقوال الكفرية، إلا أنه أيضًا من أشدها غموضاً، وأعقدها عبارة، وأصعبها فهماً، وأكثرها اضطراباً واختلافاً وتناقضاً؛ ولذلك فإن من الصعوبة بمكان معرفة مرادهم، وتصور أقوالهم على حقيقتها، وفهمها فهماً واضحاً، وهذا الأمر يجده كل قارئ في مذهبهم وعقائدهم وأقوالهم، وقد اعترف بذلك شيخ الإسلام ﵀ وقال كالمعتذر للقارئ عندما لا يجد صورة واضحة لما ينقله شيخ الإسلام عنهم: «واعلم أن المذهب إذا كان باطلاً في نفسه لم يمكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور تصوراً حقيقياً؛ فإن هذا لا يكون إلا للحق» (٢). وإذا كانوا هم أنفسهم -أعني الاتحادية- لا يفهمون حقيقة ما يقولونه ويقصدونه كما بين ذلك شيخ الإسلام ﵀ في غير ما موضع (٣)، فكيف لغيرهم أن يفهم مذهبهم على حقيقته؟ ويوصله لغيره على أوضح صورة؟! وبسبب عدم فهمهم لأقوالهم افترقوا إلى فرق مختلفة

стр. 225

وهم مع هذا -ولصعوبة مذهبهم- لا يهتدون إلى التمييز بين فرقهم مع استشعارهم بأنهم مفترقون! (١)؛ ولذلك فإن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم لما فيه من الألفاظ المجملة المشتركة (٢)، ولأنه كما ذكر شيخ الإسلام مذهب متخيل لا حقيقة له عند التحقيق (٣)، وليس هو في الوقت نفسه مستمد من وحي ولا كتاب ولا سنة. وقد بذلت جهدي في عرض أقوالهم وشبههم وتوضيح عباراتهم قدر المستطاع، ولي فيما ذُكِرَ آنفاً عذر عند القارئ الكريم فيما يجده من عبارات مستعصية أو ألفاظ غامضة، أو صعوبة فهم، أو عسر إدراك، وإذا وجدت فيما أحكيه عنهم تناقضا او اضطرابا فلا تظن أنه من الكاتب، بل هكذا مذهبهم وهذه طريقتهم فهم كما أخبر شيخ الإسلام ﵀: «من أكثر الخلق تناقضًا، وهم مُخلِطون تخليطًا عظيمًا» (٤). * * *

стр. 226

المبحث الأول: مناظرته مع بعض حذاق الاتحادية في قولهم بأن الإحاطة هي الوجود المطلق، وفي أن أصل قولهم يرجع إلى القول بالوجود المطلق الذي لا حقيقة له في الأعيان . ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: عرض المناظرة: تمهيد: لقد اعتنى شيخ الإسلام ﵀ ببيان فساد عقيدة الاتحاد والرد على القائلين به، وبيان عظم ما وقعوا فيه من كفر وانحلال، وشرك وضلال، وما ذلك إلا لانتشاره في وقته بين كثير من الخواص والعوام مع جهلهم بحقيقة أمره وعظيم خطره قال ﵀: «لكن هؤلاء -أي الاتحادية- التبس أمرهم على من لم يعرف حالهم، كما التبس أمر القرامطة الباطنية لما ادعوا أنهم فاطميون وانتسبوا إلى التشيع فصار المتبعون مائلين إليهم غير عالمين بباطن كفرهم؛ ولهذا كان من مال إليهم أحد رجلين: إما زنديقاً منافقاً، وإما جاهلاً ضالاً. وهكذا هؤلاء الاتحادية: فرؤوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم ولا تقبل توبة أحد منهم إذا أخذ قبل التوبة؛ فإنه من أعظم الزنادقة الذين يظهرون الإسلام ويبطنون أعظم الكفر، وهم الذين يفهمون قولهم ومخالفتهم لدين المسلمين، ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم أو

стр. 227

ذب عنهم أو أثنى عليهم أو عظم كتبهم أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم أو كره الكلام فيهم أو أخذ يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدري ما هو أو من قال إنه صنف هذا الكتاب وأمثال هذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق؛ بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم ولم يعاون على القيام عليهم فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء وهم يسعون في الأرض فساداً ويصدون عن سبيل الله. فضررهم في الدين: أعظم من ضرر من يفسد على المسلمين دنياهم ويترك دينهم كقطاع الطريق وكالتتار الذين يأخذون منهم الأموال ويبقون لهم دينهم ولا يستهين بهم من لم يعرفهم فضلالهم وإضلالهم: أعظم من أن يوصف، وهم أشبه الناس بالقرامطة الباطنية ولهذا هم يريدون دولة التتار ويختارون انتصارهم على المسلمين إلا من كان عامياً من شيعهم وأتباعهم فإنه لا يكون عارفاً بحقيقة أمرهم؛ ولهذا يقرون اليهود والنصارى على ما هم عليه، ويجعلونهم على حق كما يجعلون عباد الأصنام على حق، وكل واحدة من هذه من أعظم الكفر، ومن كان محسناً للظن بهم - وادعى أنه لم يَعرِف حالهم - عُرِّفَ حالهم، فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلا أُلحِقَ بهم وجعل منهم. وأما من قال: لكلامهم تأويل يوافق الشريعة؛ فإنه من رءوسهم وأئمتهم؛ فإنه إن كان ذكياً فإنه يعرف كذب نفسه فيما قاله، وإن كان معتقداً لهذا باطناً وظاهراً فهو أكفر من النصارى، فمن لم يكفر هؤلاء وجعل لكلامهم تأويلاً كان عن تكفير النصارى بالتثليث والاتحاد أبعد. والله أعلم» (١). ولما كانت هذه الطائفة بهذا الخطر، فقد اعتنى شيخ الإسلام ببيان ضلالهم وكشف زيفهم بشتى الطرق ومختلف السبل من موعظة ومكاتبة ومحاورة ومناظرة وغيرها من السبل التي كشف من خلالها سترهم وفضح أمرهم وحذر الناس منهم. وكان مما وقع له معهم، هذه المناظرة التي جرت له مع بعض من يعتقد بعقيدة

стр. 228

وحدة الوجود، ذكرها ﵀ في معرض بيانه لفساد عقيدة وحدة الوجود، وتأثر أهلها بعقائد الفلاسفة وأقوالهم. نص المناظرة: قال شيخ الإسلام ﵀: «ولما اجتمع بي بعض حذاقهم، وعنده أن هذا المذهب هو غاية التحقيق الذي ينتهي إليه الأكملون من الخلق ولا يفهمه إلا خواصهم، وذكر أن الإحاطة هو: الوجود المطلق (١). قلت له: فأنتم تثبتون أمركم على القوانين المنطقية، ومن المعروف في قوانين المنطق أن المطلق لا يوجد في الخارج مطلقاً، بل لا يوجد إلا معيناً، فلا يكون الوجود المطلق موجوداً في الخارج، فَبُهِتَ. ثم أخذ يفتش لعله يظفر بجواب فقال: نستثني الوجود المطلق من الكليات. فقلت له: غُلِبتَ، وضَحِكتُ؛ لظهور فساد كلامه؛ ١. وذلك أن القانون المذكور لو فرق فيه بين مطلق ومطلق لفسد القانون. ٢. ولأن هذا فرق بمجرد الدعوى والتحكم. ٣. ولأن ما في القانون صحيح في نفسه، وإن لم يقولوه، وهو يعم كل مطلق، فإنا نعلم بالضرورة أن الخارج لا يكون فيه مطلق كلي أصلاً» (٢). توضيح المناظرة: اجتمع هذا الرجل من القائلين بوحدة الوجود مع شيخ الإسلام ﵀، وكانت عقيدته التي يعتقدها أن الله هو الوجود المطلق الذي لا يتقيد بقيد، وهو ما يسمونه بمصطلحهم (الإحاطة).

стр. 229

فبين له شيخ الإسلام ﵀ أن الوجود المطلق إنما هو أمر كلي، ومعلوم أن الكليات إنما هي أمور تتصور في الذهن ولا وجود لها في الخارج إلا مقيدة معينة، فالوجود المطلق الذي لا يتقيد بقيد ولا يتعين، إنما هو في الحقيقة أمر ذهني لا وجود له في الواقع ولا حقيقة، فكل وجود في الخارج فهو معين ومقيد، ولا يوجد في الخارج وجود مطلق، وهذا معروف حتى في قوانين المنطق الذي يحتكمون له ويرجعون إليه، وبهذا الجواب ينبه شيخ الإسلام مُناظِره إلى أن حقيقة قولهم هي نفي وجود الله إلا في الذهن، وهذا هو الإلحاد. وبعد هذا الجواب من شيخ الإسلام، بُهت هذا الاتحادي وخرس. ولما لم يجد جواباً قال: نستثني الوجود المطلق من الكليات، أي أن الكليات جميعها إنما توجد في الذهن إلا الوجود المطلق فيمكن وجوده في الخارج، ولا يخفى أن هذا الجواب إنما هو مجرد تحكم وتخرص ليس إلا؛ فإنه قد أقر أن الوجود المطلق من الكليات ثم لما ألجمه شيخ الإسلام بالحجة والبرهان، عاد فاستثنى الوجود المطلق من الكليات بلا دليل ولا حجة، وإنما سفسطة ومكابرة وعدم إذعان للحق واعتراف به، كحال أهل المراء والجدال، ولذلك ضحك من كلامه شيخ الإسلام ﵀؛ لأنه كلام المغلوب الذي لا حجة له. المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة: لقد اعتنى شيخ الإسلام غاية الاعتناء بفهم مذهب هؤلاء الاتحادية ومحاولة توضيحه وتبيينه مع غموض عباراته وصعوبة مصطلحاته، حتى كان أحذق به من كثير من أهله والمنتسبين إليه، قال ﵀: «ولهذا لما بينت لطوائف من أتباعهم ورؤسائهم حقيقة قولهم وسر مذهبهم صاروا يعظمون ذلك، ولولا ما أقرنه بذلك من الذم والرد، لجعلوني من أئمتهم وبذلوا لي من طاعة نفوسهم وأموالهم ما يجل عن الوصف كما تبذله النصارى لرؤسائهم، والإسماعيلية لكبرائهم، وكما بذل آل فرعون لفرعون» (١)، وترى فَهم شيخ الإسلام لحقيقة مذهبهم جلياً واضحاً

стр. 230

فيما جرى له من مناظرات معهم وفيما طرح له من مسائل عنهم، ومن ذلك هذه المناظرة التي أفحم فيها مخالفه، وحاكمه إلى قوانينه ومنطقه، فأظهر تناقضه واضطرابه، وقد دار موضوع المناظرة عن اعتقادهم أن الله هو الوجود المطلق. مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين: الوجه الأول: أصل الشبهة: أصل شبهتهم في القول بالوجود المطلق، ووحدة هذا الوجود أمران اثنان: الأمر الأول: إنكارهم مباينة الله لخلقه. الأمر الثاني: عدم تفريقهم بين الوجود الواجب والوجود الممكن، أو قل: جعلهم الوجود جنساً واحداً وشيئاً واحداً غير منقسم ولا متعدد. فأما الأمر الأول: فإنهم لما نفوا علو الله على خلقه، واعتقدوا أنه غير مباين لهذا العالم، صاروا بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: إما أن يقولوا بأنه معدوم لا وجود له: وهذا وإن كان هو حقيقة قولهم ولكنهم لم يجترئوا على التصريح به؛ لأنه يكشف مذهبهم ويفضحهم. وإما أن يقولوا إنه هو عين هذا العالم وهذا الوجود: وهذا هو مذهبهم الذي اعتقدوه، وطريقتهم التي سلكوها؛ لأنهم رأوا أنها خير من إنكار وجوده، والحكم عليه بأنه معدوم صراحة، ففروا إلى هذا القول وهذا المذهب (١). قال شيخ الإسلام ﵀: «وأصل ضلالهم إنكارهم مباينة الصانع للعالم وصارت قلوبهم تطلب موجوداً، وهي تأبى أن يكون مبايناً للعالم فصاروا يطلبونه في العالم أو يجعلون وجوده هو وجود العالم: فيجعلونه إما العالم، وإما جزءا منه، وإما صفة له، وإما أن يقولوا هو العالم وليس هو العالم، فيجمعوا بين

стр. 231

المتناقضين» (١)، وقال -رحمه لله-: «وأصل ضلال هؤلاء: أنهم لم يعرفوا مباينة الله لمخلوقاته وعلوه عليها وعلموا أنه موجود، فظنوا أن وجوده لا يخرج عن وجودها؛ بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أنه الشمس نفسها (٢)» (٣). وعلى هذا الأصل الفاسد بنوا قولهم: "أن وجود المخلوقات والمصنوعات، حتى وجود الجن والشياطين والكافرين والفاسقين، والكلاب والخنازير والنجاسات، والكفر والفسوق والعصيان: عين وجود الرب، لا أنه متميز عنه منفصل عن ذاته، وإن كان مخلوقاً له مربوباً مصنوعاً له قائماً به" (٤). وأما الأمر الثاني: وهو قولهم بأن الوجود شيء واحد لا ينقسم ولا يتجزأ؛ فإنهم نظروا للقدر المشترك بين الأعيان وهو مسمى "الوجود" فرأوا أنه واحد في الذهن لا يتعدد، وظنوا أنه يلزم من اتفاق الخالق والمخلوق في مسمى (الوجود) أن يكون وجودهما واحداً فقالوا بـ (وحدة الوجود) أي أن الوجود واحد، فلا وجود إلا (الوجود المطلق) أو (الوجود الواجب) الذي هو وجود الله، فكل موجود فهو الله لا غير، وليس هناك للمخلوقات والممكنات وسائر الموجودات وجود يختص بها وتتميز به، وإنما هي (وجود واجب) ظهر وتجلى على هيئة (وجود الممكن) وإن كان في الحقيقة واجبًا وليس ممكنًا، فالصورة صورة (الممكن) والحقيقة حقيقة (الواجب)، لأنه ما ثم وجود سوى الوجود الواجب وهذا هو معنى عبارتهم المشهورة «الله هو الوجود الواجب تجلى لذاته بأحكام الممكنات» (٥) فليس

стр. 232

عندهم وجود حادث مطلقاً، بل كل الوجود قديم، ولا وجود ممكن، بل كل الوجود واجب وهو هو وجود الله، الذي ظهر لذاته (١) بأحكام الممكنات -تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا- (٢). قال شيخ الإسلام ﵀ مبيناً أصلهم هذا: «فأما أصل ابن عربي (٣) فهو أن الوجود واحد، وأن الوجود الواجب هو عين الوجود الممكن … فوجود كل شيء عين وجود الحق عنده» (٤). وقال ﵀: «ثم بعد هذا يجعل هذا الوجود هو وجود كل موجود فليس عنده وجودان: أحدهما واجب والآخر ممكن. ولا أحدهما خالق والآخر مخلوق؛ بل عين الوجود الواجب هو عين الوجود الممكن» (٥). وقال ﵀: «ومنشأ ضلال هؤلاء كلهم أنهم يأخذون القدر المشترك بين الأعيان، وهو الجنس اللغوي، فيجدونه واحداً في الذهن، فيظنون أن ذلك هو وحدة عينية، ولا يميّزون بين الواحد بالجنس، والواحد بالعين، وأن الجنس

стр. 233

العام المشترك لا وجود له في الخارج، وإنما يوجد في الأعيان المتميزة» (١). وإذا تقررت هذه الأصول الفاسدة التي بنى عليها الاتحادية مقالتهم في الوجود المطلق، فما منشأ هذه الأصول الفاسدة؟ والجواب: إن القول الذي تبناه هؤلاء الاتحادية هو في الحقيقة مأخوذ من ثلاثة طوائف: الجهمية، والصوفية، والفلاسفة، فقولهم مركب من تعطيل الجهمية، وشطحات الصوفية، وضلالات الفلاسفة. قال شيخ الإسلام ﵀ مبيناً هذا الأمر ومقرراً له: «مذهب هؤلاء الاتحادية كابن عربي وابن سبعين (٢)، والقونوي (٣)، والتلمساني (٤)، مركب من ثلاثة مواد: سلب الجهمية وتعطيلهم، ومجملات الصوفية وهو ما يوجد في كلام بعضهم من الكلمات المجملة المتشابهة، وأيضاً كلمات المغلوبين على عقلهم الذين تكلموا في حال سكر، ومن الزندقة الفلسفية التي هي أصل التجهم، وكلامهم في الوجود المطلق، والعقول والنفوس والوحي والنبوة والوجوب والإمكان، وما في ذلك من حق وباطل. فهذه المادة أغلب على ابن سبعين والقونوي، والثانية أغلب على ابن عربي،

стр. 234

ولهذا هو أقربهم إلى الإسلام، والكل مشتركون في التجهم، والتلمساني أعظمهم تحقيقاً لهذه الزندقة والاتحاد التي انفردوا بها، وأكفرهم بالله وكتبه ورسله وشرائعه واليوم الآخر» (١). والناظر في كلام القوم لا يشك فيما ذكره شيخ الإسلام من تأثرهم بهذه المذاهب وخصوصاً الفلاسفة؛ فإنهم في الواقع هم المصدر الرئيس لشبه القوم وضلالاتهم، وأما تعطيل الجهمية وسلبهم فهو في الحقيقة مستمد كذلك من الفلاسفة وأقوالهم ونظرياتهم، وأما مجملات الصوفية وكلامهم الموهم للوحدة والاتحاد، فما هو إلا تطبيق عملي وأثر من آثار تأثرهم بمذاهب الفلاسفة. فكان المصدر الرئيس في هذا كله هي الفلسفة الذي كان التصوف في مراحله الأخيرة مستمداً منها وراجعاً إليها (٢)، وشبهتهم هذه ما هي إلا مثال واقعي لمدى تأثرهم بالمذاهب الفلسفية، فإن قولهم بالوجود المطلق (الإحاطة) مأخوذ في الحقيقة من هؤلاء الفلاسفة، كما بين ذلك شيخ الإسلام ﵀ فقال: «فلما كان

стр. 235

منتهى الفلاسفة الصابئة وأعلى علمهم هو الوجود المطلق، وكان أصل التجهم وتعطيل صفات الرب إنما هو مأخوذ عن الصابئة وكان هؤلاء الاتحادية في الأصل جهمية، وأنه بما فيهم من النصرانية -المشاركة للصابئة صار بينهم وبين الصابئة نسب- صار معبودهم وإلههم هو الوجود المطلق، وزعموا أن ذلك هو الله مضاهاة لما عليه خلق من قدماء الفلاسفة من تعطيل الصانع وإثبات الوجود المطلق» (١). وقال ﵀: «ولكن هؤلاء أخذوا مذهب الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا وأمثاله الذي دخل كثير منها في كلام صاحب الكتب (المضنون بها على غير أهلها) (٢) وأمثاله فأخرجوها في قالب الإسلام بلسان التصوف والتحقيق» (٣). وخلاصة الأمر أن من تقررت لديه حقيقة الأصول الفاسدة التي بنى عليها الاتحادية مقالتهم، ومنبعهم الذي استقوا منه ضلالاتهم، تبين له دون أدنى شك ضلال هؤلاء وبعدهم عن الحقائق الشرعية والعقلية والفطرية، بل صارت تلك المعرفة كافية في الرد عليهم ونقض مقالتهم. الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة: الجواب على هذه الشبهة من وجوه متعددة وأهمها ما يلي:

стр. 236

أولا: أن حقيقة قولهم نفي وجود الله تعالى؛ وذلك لأن الوجود المطلق لا يوجد إلا في الأذهان وليس له وجود في الخارج: فهو أمر يفرضه الذهن ولا وجود له في الحقيقة إلا مقيداً معيناً، وعلى هذا فتكون حقيقة قولهم نفي وجود الله تعالى إلا في الذهن، وهذا غاية التعطيل والكفر، وقد قرر شيخ الإسلام هذا الأصل في مواطن كثيرة من كتبه وردوده عليهم (١)، وبهذا الوجه رد على مُناظِره من الاتحادية وبين له فساد قوله بالقوانين المنطقية التي احتكموا إليها؛ فنبهه على أن (المطلق) عندهم هو: الذي لا يوجد في الخارج مطلقاً، بل لا يوجد إلا معيناً، فلا يكون الوجود المطلق موجوداً في الخارج، وهذا يعني نفي وجود الله ، وقال له موضحا هذا: «فأنتم تثبتون أمركم على القوانين المنطقية، ومن المعروف في قوانين المنطق أن المطلق لا يوجد في الخارج مطلقا بل لا يوجد إلا معينا، فلا يكون الوجود المطلق موجودا في الخارج» (٢). إذا فهم لا يثبتون إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان، وذلك أن من قال: إن وجود الحق هو الوجود المطلق دون المعين: فحقيقة قوله إنه ليس للحق وجود أصلاً (٣). قال شيخ الإسلام: «وتلخيص النكتة: أنه لو عنى به المطلق بشرط الإطلاق فلا وجود له في الخارج فلا يكون للحق وجود أصلاً، وإن عنى به المطلق بلا شرط، فإن قيل بعدم وجوده في الخارج فلا كلام، وإن قيل بوجوده فلا يوجد إلا معيناً فلا يكون للحق وجود إلا وجود الأعيان. فيلزم محذوران: أحدهما: أنه ليس للحق وجود سوى وجود المخلوقات.

стр. 237

والثاني: التناقض وهو قوله إنه الوجود المطلق دون المعين» (١). وبين ﵀ أن غاية معتقد أصحاب وحدة الوجود وجماع أمرهم هدم الدين وأصوله وعلى رأس ذلك الإيمان بالله سبحانه فقال ﵀: «وجماع أمر صاحب الفصوص وذويه: هدم أصول الإيمان الثلاثة؛ فإن أصول الإيمان: الإيمان بالله، والإيمان برسله، والإيمان باليوم الآخر. فأما الإيمان بالله: فزعموا أن وجوده وجود العالم ليس للعالم صانع غير العالم. وأما الرسول فزعموا أنهم أعلم بالله منه ومن جميع الرسل ومنهم من يأخذ العلم بالله -الذي هو التعطيل ووحدة الوجود- من مشكاته وأنهم يساوونه في أخذ العلم بالشريعة عن الله. وأما الإيمان باليوم الآخر فقد قال: فلم يبق إلا صادق الوعد وحده … وبالوعيد الحق عين تعاين وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم … على لذة فيها نعيم يباين وهذا يذكر عن بعض أهل الضلال قبله أنه قال: إن النار تصير لأهلها طبيعة نارية يتمتعون بها وحينئذ: فلا خوف ولا محذور ولا عذاب؛ لأنه أمر مستعذب. ثم إنه في الأمر والنهي: عنده الآمر والناهي والمأمور والمنهي: واحد؛ ولهذا كان أول ما قاله في الفتوحات المكية التي هي أكبر كتبه: الرب حق والعبد حق … يا ليت شعري من المكلف؟ إن قلت عبد فذاك رب … أو قلت رب أنى يكلف؟ وفي موضع آخر (فذاك ميت) رأيته بخطه. وهذا مبني على أصله فإن عنده ما ثم عبد ولا وجود إلا وجود الرب فمن المُكلَّف؟ وعلى أصله هو المُكلِّف والمُكلَّف كما يقولون: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولًا» (٢). ثانياً: أن اشتراك الخالق والمخلوق في مسمى الوجود لا يعني أن وجودهما واحد، فالاشتراك في المسمى لا يلزم منه الاشتراك في الحقيقة: قال شيخ

стр. 238

الإسلام مبيناً هذا: «فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى (الوجود) أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصّه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الاضافة والتقييد والتخصيص ولا في غيره، فلا يقول عاقل -إذا قيل: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود-، إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى (الشيء) و (الوجود)؛ لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنى مشتركاً كلياً هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود، فوجود كلّ منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما، ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمّى صفاته بأسماء، فكانت تلك الاسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمّى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما واتحاده عند الاطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص لا اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلاً عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص، فقد سمّى الله نفسه حيًّا، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:٢]، وسمّى بعض عباده حيًا، فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام:٩٥]، وليس هذا الحيّ مثل هذا الحي؛ لأن قوله: (الْحَيُّ) اسم لله مختص به، وقوله ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أُطلقا وجُرِّدا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمّى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيّد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق» (١)؛ وذلك لأن "كل موجودين قائمين بأنفسهما، فحينئذ لابد أن يجمعهما اسم عام يدل على معنى عام، لكن المعنى العام لا يوجد عاماً إلا في الذهن لا في الخارج.

стр. 239

فإذا قيل: هذا الموجود، وهذا الموجود مشتركان في مسمى الوجود، كان ما اشتركا فيه لا يوجد مشتركاً إلا في الذهن لا في الخارج، وكل موجود فهو يختص بنفسه وصفات نفسه، لا يشركه غيره في شيء من ذلك في الخارج، وإنما الاشتراك هو نوع من التشابه والاتفاق، والمشترك فيه الكلي لا يوجد كذلك إلا في الذهن، فإذا وجد في الخارج لم يوجد إلا متميزاً عن نظيره، لا يكون هو إياه، ولا هما في الخارج، مشتركان في شيء في الخارج" (١). قال شيخ الإسلام: «فمن فهم هذا انحلّت عنه إشكالات كثيرة يعثر فيها كثير من الأذكياء الناظرين في العلوم الكلية والمعارف الإلهية» (٢). فبين شيخ الإسلام ﵀ أن في الوجود وجودين: أحدهما: أزلي واجب الوجود نفسه. الثاني: محدث ممكن الوجود، موجود بغيره. ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يتفقا في خصائصه، فإن وجود الواجب يخصه، ووجود المحدث يخصه: وجود الخالق: واجب أزلي ممتنع الحدوث، أبدي ممتنع الزوال. ووجود المخلوق: ممكن حادث بعد العدم قابل للزوال (٣). ثالثاً: أن قولهم بعدم التفريق بين واجب الوجود وممكن الوجود ظاهر البطلان "وذلك أنه قد عُلم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه، إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد عُلم بالاضطرار أن المحدَث لا بد له من محدِث، والممكن لا بد له من واجب، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون

стр. 240

لأنفسهم تعين أن لهم خالقا خلقهم" (١). وقولهم هذا معلوم البطلان بالضرورة؛ لأنه مخالف للكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس والفطرة، فكلها تشهد بالتفريق بين الخالق والمخلوق وبين واجب الوجود وممكن الوجود، ومما يدل على بطلان قولهم ما يلزم عليه من وصف الله بالعدم ووصفه بكل نقص وعيب فإنه "إذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب، كان وجود كل مخلوق -يُعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه- هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي، الذي لا يقبل العدم، وإذا قدّر هذا، كان الوجود الواجب موصوفًا بكل تشبيه وتجسيم، وكل نقص وكل عيب" (٢)، وهذا القول على بشاعته هو حقيقة مذهبهم، بل ويصرحون به في كتبهم ومقالتهم. رابعاً: الإجماع على كفر هذه المقولة ومخالفتها للعقل: لاشك أن النصوص متظافرة والإجماع منعقد على كفر القائلين بهذه المقالة وخروجهم من ملة الإسلام، وقد نقل شيخ الإسلام عن جملة من العلماء تكفير وتقبيح هذه المقالة ومن قال بها (٣)، وقال ﵀: «أما كون وجود الخالق هو وجود المخلوق؛ فهذا كفر صريح باتفاق أهل الإيمان؛ وهو من أبطل الباطل في بديهة عقل كل إنسان، وإن كان منتحلوه يزعمون أنه غاية التحقيق والعرفان وهذا مبسوط في غير هذا الموضع» (٤)، وبين شيخ الإسلام ﵀ أن قولهم وكفرهم أكبر وأقبح من كفر اليهود والنصارى وذلك من وجهين: «من جهة أن أولئك قالوا: إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين وهؤلاء يقولون: ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره. والثاني: من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح وهؤلاء جعلوا

стр. 241

ذلك ساريًا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] الآية. فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس والأنتان وكل شيء؟! وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، وقال لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] الآية، فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ليسوا غيره ولا سواه؟! ولا يتصور أن يعذب الله إلا نفسه، وأن كل ناطق في الكون فهو عين السامع … وأن الناكح عين المنكوح؟! … » (١). خامساً: تناقضهم الواضح دليل على بطلان مذهبهم وفساده: أما تناقضهم واضطرابهم فهو مقام واسع جدا يطول بيانه وذكر أمثلته، ولكننا نكتفي بذكر مثال بديع ضربه شيخ الإسلام على تناقض قولهم وفساده، وذلك أنهم يقولون بأن المحجوبين عن حقيقة التوحيد لا يرون الوجود واحداً بل يرون التعدد والكثرة في الوجود؛ لأنهم حجبوا عن الحقيقة التي أدركها هؤلاء، قال شيخ الإسلام مفحماً لهم ومظهراً لتناقضهم: «فإذا كان ما ثم غير ولا سوى، فمن المحجوب؟ ومن الحاجب؟ ومن الذي ليس بمحجوب وعم حُجب؟ فقد أثبتوا أربعة أشياء: قوم محجوبون، وقوم ليسوا بمحجوبين، وأمر انكشف لهؤلاء، وحجب عن أولئك. فأين هذا من قولهم: ما ثم اثنان ولا وجودان؟!! كما حدثني الثقة أنه قال للتلمساني: فعلى قولكم لا فرق بين امرأة الرجل وأمه وابنته؟ قال: نعم الجميع عندنا سواء؛ لكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم، فقيل لهم: فمن المخاطب للمحجوبين أهو هم أم غيرهم؟ فإن كانوا هم فقد حرم على نفسه لما زعم أنه حرام عليهم دونه، وإن كانوا غيره

стр. 242

فقد أثبت غيرين وعندهم ما ثم غير» (١). فهذه بعض الأوجه في الرد على أصل شبهة هؤلاء وضلالهم وأوجه الرد عليهم كثيرة، وإن كان قولهم مما ترفضه الفطر ابتداء، وترده العقول السليمة، وتنكره جميع الشرائع والملل، فمجرد حكايته وبيانه تغني عن إظهار بطلانه: وليس يصح في الأذهان شيءٌ … إذا احتاج النهار إلى دليلِ (٢)! * * *

стр. 243

المبحث الثاني: مناظرته مع شيخ من شيوخ الاتحادية في اعتقاده فناء الحلاج واتحاد الحق سبحانه به. وتحته مطلبان: المطلب الأول: عرض المناظرة: تمهيد: ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه المناظرة في رسالة أرسلها إلى الحلولي نصر المنبجي (١) بين له فيها حقيقة مذهب الاتحادية والحلولية وما كان عليه ابن عربي ومن جاء بعده كالصدر الرومي (٢) وابن سبعين (٣)، وأنه وصل الحال ببعضهم لادعاء الألوهية لنفسه أو لشيخه، وإجازة حلول الله واتحاده بخلقه، ومنهم من يقول بالاتحاد العام في كل شيء وهم أصحاب الوحدة، ومنهم من يقول بالاتحاد الخاص وهو اتحاد الله ببعض خلقه، ومن هؤلاء من يصرح بذلك، ومنهم من يشير ويرمز إليه ولا يبوح أو يصرح. وقد كانت المناظرة السابقة مع أحد القائلين بالاتحاد المطلق (وحدة الوجود) وفي هذه المناظرة يناقش شيخ الإسلام صنفاً آخر من أصناف الاتحادية ألا وهم

стр. 244

الاتحادية القائلون بالاتحاد المقيد المعين لا المطلق، فيناقش شيخاً من شيوخهم يعتقد أن الله قد نطق على لسان الحلاج (١) بعد فنائه عن نفسه واتحاد الحق سبحانه به. نص المناظرة: قال شيخ الإسلام ﵀: «وقد خاطبني مرة شيخ من هؤلاء في مثل هذا، وكان ممن يظن أن الحلاج قال: (أنا الحق)؛ لكونه كان في هذا التوحيد. فقال: الفرق بين فرعون والحلاج: أن فرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وهو يشير إلى نفسه. وأما الحلاج فكان فانياً عن نفسه، والحق نطق على لسانه. فقلت له: أفصار الحق في قلب الحلاج ينطق على لسانه كما ينطق الجني على لسان المصروع؟! وهو سبحانه بائن عن قلب الحلاج وغيره من المخلوقات، فقلب الحلاج أو غيره كيف يسع ذات الحق؟! ثم الجني يدخل في جسد الإنسان ويشغل جميع أعضائه، والإنسان المصروع لا يحس بما يقوله الجني ويفعله بأعضائه، لا يكون الجني في قلبه فقط، فإن القلب كل ما قام به فإنما هو عرض من الأعراض، ليس شيئاً موجوداً قائماً بنفسه، ولهذا لا يكون الجني بقلبه الذي هو روحه» (٢). وقال ﵀ أيضاً: «وجاء إلينا شخص كان يقول: إنه خاتم الأولياء فزعم أن الحلاج لما قال: (أنا الحق)، كان الله تعالى هو المتكلم على لسانه، كما يتكلم الجني على لسان المصروع، وأن الصحابة لما سمعوا كلام الله تعالى من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان من هذا الباب؛ فبينت له فساد هذا، وأنه لو كان كذلك كان

стр. 245

الصحابة بمنزلة موسى بن عمران، وكان من خاطبه هؤلاء أعظم من موسى؛ لأن موسى سمع الكلام الإلهي من الشجرة وهؤلاء يسمعون من الجن الناطق. وهذا يقوله قوم من الاتحادية لكن أكثرهم جهال لا يفرقون بين الاتحاد العام المطلق الذي يذهب إليه الفاجر التلمساني وذووه، وبين الاتحاد المعين الذي يذهب إليه النصارى والغالية وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة؛ يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله بن المبارك (١) والبخاري (٢) وغيرهما، وإنما كانوا يلوحون تلويحاً، وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان. وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية، ولكن السلف والأئمة أعلم بالإسلام وبحقائقه؛ فإن كثيراً من الناس قد لا يفهم تغليظهم في ذم المقالة حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى، فلما اطلع السلف على سر القول نفروا منه» (٣). المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة: مناقشة شبهة فناء الحلاج واتحاد الحق -سبحانه- به: وستكون دراستها من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل الشبهة: بين شيخ الإسلام ﵀ أن بعض المتصوفة قد تغلب عليه الواردات والأحوال، حتى تستولي على قلبه وفكره، فيفنى (٤) عن كل موجود في نظره،

стр. 246

ولا يشاهد سوى الله، فيفنى بمشاهدته عن مشاهدة الخلق، ويبلغ به الحال إلى أن يفنى حتى عن شهود نفسه، بل وعن مشاهدة شهوده أيضاً، ولا يبقى إلا الحق، فعند ذلك ينطق بقوله: (أنا الحق) و (سبحاني) و (ما في الجبة إلا الله) (١) وغيرها من العبارات الكفرية التي مدارها على الحلول والاتحاد، وادعاء الربوبية مع الله، ثم يجعلون هذه الأحوال التي يصلون إليها هي غاية التوحيد والتحقيق، قال شيخ الإسلام: «وطائفة من الصوفية المدعين للتحقيق يجعلون هذا تحقيقاً وتوحيداً كما فعله صاحب منازل السائرين (٢) وابن العريف (٣) وغيرهما. كما أن الاتحاد العام جعله طائفة تحقيقاً وتوحيداً: كابن عربي الطائي، وقد ظن طائفة أن الحلاج كان من هؤلاء» (٤). فبين شيخ الإسلام "أن أصل شبهة هؤلاء أنهم جعلوا الاتحاد والحلول توحيداً؛

стр. 247

بل هو عندهم غاية التحقيق والتوحيد ثم ظنوا أن الحلاج وقع في هذا الفناء الذي يسمونه توحيدا (١)؛ ولذلك خرجت منه مثل هذه الكلمات والأقوال الكفرية كقوله: (أنا الحق) ونحوها من العبارات، فحال الحلاج من جنس حال أهل الفناء، فإن العبد قد يفنى عن شهود ذاته، ولا يشهد إلا الحق بأسمائه وصفاته، فيتكلم الحق على لسانه، فيوحد نفسه بنفسه، فيكون الحق هو الناطق على لسان العبد والله هو الموحد لنفسه لا العبد، ويفرقون بين قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وبين قول الحلاج: أنا الحق وسبحاني. فإن فرعون قال ذلك: وهو يشهد نفسه فقال عن نفسه، وأما أهل الفناء فغابوا عن نفوسهم وكان الناطق على لسانهم غيرهم" (٢). قال شيخ الإسلام ﵀ في بيانه لهذا الأمر: «حتى إن كثيراً من أكابر شيوخ المعرفة والتصوف يجعلون هذا نهاية التحقيق والتوحيد، وهو أن يكون الموحّد هو الموحَّد، وينشدون (٣): ما وحد الواحد من واحد … إذ كل من وحده جاحد توحيد من يخبر عن نعته … عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده … ونعت من ينعته لاحد» (٤)

стр. 248

ولما كان هذا هو اعتقادهم أجازوا حلول الله ببعض خلقه ونطقه على لسانه، وجعلوا ما كان يتلفظ به الحلاج من هذا الباب. واحتج هذا الشيخ -أيضاً- لتبرير قوله بحلول الحق في قلب الحلاج ونطقه على لسانه، بحجة أخرى مشاهدة وهي حلول الجني في المصروع ونطقه على لسانه، فجعل هذا من جنس هذا. فهذه هي أصل شبهة هذا الشيخ وأمثاله ممن يعتقدون هذا الاعتقاد، وهي الفهم الخاطئ لمعنى التوحيد، مما أدى للخطأ في تفسير الكلمات الكفرية التي صدرت عن بعض الاتحادية ومنهم الحلاج، وبنوا على هذا أمراً ثالثاً وهو أن كلام النبي ﷺ للصحابة كان من هذا الباب. الوجه الثاني: الجواب عن هذه الشبهة: قد تبين مما سبق أصل الشبهة التي بنى عليها المخالف حجته، وهي الضلال في مفهوم التوحيد، وجعله حقيقة التوحيد هي حلول الله بعبده ونطقه على لسانه، مما يبرر أن ما وقع فيه الحلاج من الأقوال الكفرية هي عين التوحيد؛ وذلك بدعواهم أن الله حل بقلب الحلاج ونطق على لسانه، كما يحل الجان بقلب المصروع وينطق على لسانه، والجواب على هذه الشبهة، يتكون من ثلاثة أمور: أولاً: بيان فساد اعتقادهم فناء الحلاج واتحاد الحق -تعالى الله سبحانه- به: قد بين شيخ الإسلام ﵀ في مختلف مصنفاته فساد هذه الشبهة وفساد ما تفرع عنها من وجوه كثيرة أبرزها ما يلي: الوجه الأول: بين شيخ الإسلام ﵀ أن مدعي الربوبية لأنفسهم من الصوفية لهم أحوال كثر، فمنهم من قد يدعيها لوصلوه إلى حال السكر والفناء فيظن أن ما حوله فني، ويغيب حتى عن نفسه وشهوده، فلا يشاهد إلا الحق، وإنما الذي فني في الحقيقة تصوره للأشياء، وشهوده لها وإلا فالموجودات في نفسها باقية (١)،

стр. 249

ومنهم من قد يتلبس به الشيطان فينطق على لسانه بمثل هذه العبارات الكفرية (١)، ومنهم من الباعث له على ذلك الزندقة والإلحاد ولم يحدث له اصطلام ولا تلبس به جان، والحلاج إنما كان من النوع الثالث كما هو ظاهر من أقواله وأفعاله ومصنفاته قال شيخ الإسلام: ﵀: «وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند الاصطلام فليس كذلك؛ بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر ويقظان» (٢) فلا يصح الاعتذار له بأنه كان من أهل هذه الأحوال. الوجه الثاني: أننا حتى لو سلمنا أن الباعث لنطق الحلاج بمثل هذه الكفريات هو الفناء الذي وصل إليه، والحال الذي غلب عليه، فمثل هذا الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحظور ليست علماً ولا حقاً، بل غايته أنه نقص عقله الذي يفرق به بين هذا وهذا، وغايته أن يعذر، لا أن يجعل قوله توحيدا وتحقيقا (٣)! الوجه الثالث: أن هذا التوحيد الذي يزعمون تحققه للعارف الفاني عن نفسه ووجوده بوجود الله سبحانه، إنما غايته ومنتهاه تحقيق ما أقر به المشركون من توحيد الربوبية، وهذا لا يدل على إسلام ولا إيمان فضلا أن يدل على صلاح وتوحيد وولاية، قال شيخ الإسلام ﵀: «فكذلك طوائف من أهل التصوف المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لاسيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية. فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلماً، فضلاً عن أن يكون ولياً لله أو من سادات

стр. 250

الأولياء» (١)، "وإنما الشأن في توحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل، وأنزلت به الكتب، وتميز به أولياء الله من أعدائه، وهو أن لا يعبد إلا الله، ولا يحب سواه، ولا يتوكل على غيره" (٢). الوجه الرابع: أن مثل هذه الأحوال لا تدل على الكمال ولا على الغاية في التحقيق والتوحيد، بل هي حال ضعف ونقص؛ لأنها إنما تصيب ضعاف العقول وضعاف النفوس (٣)، ولذلك لم تكن هذه الأمور تحدث للرسل الكرام ولا السلف الصالحين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٤). الوجه الخامس: أن غياب العقل والوصول بصاحبه إلى حال كحال المجانين والسكارى ليس فيه مدح لا عقلاً ولا شرعاً ولا عادة، بل يذم من يتعمد ذلك شرعاً وعقلاً وعادة (٥). الوجه السادس: بين شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه أن الفناء ثلاثة أنواع وهي: ١) الفناء عن إرادة ما سوى الله، وهو إخلاص العبادة لله، فيفنى بعبادته عن عبادة ما سواه. ٢) الفناء عن شهود ما سوى الله، وهو الفناء في توحيد الربوبية، وهو الفناء الذي يعنيه هؤلاء المتصوفة. ٣) الفناء عن وجود السوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، فلا يوجد سوى الله، وهو قول أهل الاتحاد والحلول.
следующие страницы →