← Акыда

Акыда · id 902

المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية

هيثم الحمري

Полный текст (731 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ولا يشاهد سوى الله، فيفنى بمشاهدته عن مشاهدة الخلق، ويبلغ به الحال إلى أن يفنى حتى عن شهود نفسه، بل وعن مشاهدة شهوده أيضاً، ولا يبقى إلا الحق، فعند ذلك ينطق بقوله: (أنا الحق) و (سبحاني) و (ما في الجبة إلا الله) (١) وغيرها من العبارات الكفرية التي مدارها على الحلول والاتحاد، وادعاء الربوبية مع الله، ثم يجعلون هذه الأحوال التي يصلون إليها هي غاية التوحيد والتحقيق، قال شيخ الإسلام: «وطائفة من الصوفية المدعين للتحقيق يجعلون هذا تحقيقاً وتوحيداً كما فعله صاحب منازل السائرين (٢) وابن العريف (٣) وغيرهما. كما أن الاتحاد العام جعله طائفة تحقيقاً وتوحيداً: كابن عربي الطائي، وقد ظن طائفة أن الحلاج كان من هؤلاء» (٤). فبين شيخ الإسلام "أن أصل شبهة هؤلاء أنهم جعلوا الاتحاد والحلول توحيداً؛

стр. 247

بل هو عندهم غاية التحقيق والتوحيد ثم ظنوا أن الحلاج وقع في هذا الفناء الذي يسمونه توحيدا (١)؛ ولذلك خرجت منه مثل هذه الكلمات والأقوال الكفرية كقوله: (أنا الحق) ونحوها من العبارات، فحال الحلاج من جنس حال أهل الفناء، فإن العبد قد يفنى عن شهود ذاته، ولا يشهد إلا الحق بأسمائه وصفاته، فيتكلم الحق على لسانه، فيوحد نفسه بنفسه، فيكون الحق هو الناطق على لسان العبد والله هو الموحد لنفسه لا العبد، ويفرقون بين قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وبين قول الحلاج: أنا الحق وسبحاني. فإن فرعون قال ذلك: وهو يشهد نفسه فقال عن نفسه، وأما أهل الفناء فغابوا عن نفوسهم وكان الناطق على لسانهم غيرهم" (٢). قال شيخ الإسلام ﵀ في بيانه لهذا الأمر: «حتى إن كثيراً من أكابر شيوخ المعرفة والتصوف يجعلون هذا نهاية التحقيق والتوحيد، وهو أن يكون الموحّد هو الموحَّد، وينشدون (٣): ما وحد الواحد من واحد … إذ كل من وحده جاحد توحيد من يخبر عن نعته … عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده … ونعت من ينعته لاحد» (٤)

стр. 248

ولما كان هذا هو اعتقادهم أجازوا حلول الله ببعض خلقه ونطقه على لسانه، وجعلوا ما كان يتلفظ به الحلاج من هذا الباب. واحتج هذا الشيخ -أيضاً- لتبرير قوله بحلول الحق في قلب الحلاج ونطقه على لسانه، بحجة أخرى مشاهدة وهي حلول الجني في المصروع ونطقه على لسانه، فجعل هذا من جنس هذا. فهذه هي أصل شبهة هذا الشيخ وأمثاله ممن يعتقدون هذا الاعتقاد، وهي الفهم الخاطئ لمعنى التوحيد، مما أدى للخطأ في تفسير الكلمات الكفرية التي صدرت عن بعض الاتحادية ومنهم الحلاج، وبنوا على هذا أمراً ثالثاً وهو أن كلام النبي ﷺ للصحابة كان من هذا الباب. الوجه الثاني: الجواب عن هذه الشبهة: قد تبين مما سبق أصل الشبهة التي بنى عليها المخالف حجته، وهي الضلال في مفهوم التوحيد، وجعله حقيقة التوحيد هي حلول الله بعبده ونطقه على لسانه، مما يبرر أن ما وقع فيه الحلاج من الأقوال الكفرية هي عين التوحيد؛ وذلك بدعواهم أن الله حل بقلب الحلاج ونطق على لسانه، كما يحل الجان بقلب المصروع وينطق على لسانه، والجواب على هذه الشبهة، يتكون من ثلاثة أمور: أولاً: بيان فساد اعتقادهم فناء الحلاج واتحاد الحق -تعالى الله سبحانه- به: قد بين شيخ الإسلام ﵀ في مختلف مصنفاته فساد هذه الشبهة وفساد ما تفرع عنها من وجوه كثيرة أبرزها ما يلي: الوجه الأول: بين شيخ الإسلام ﵀ أن مدعي الربوبية لأنفسهم من الصوفية لهم أحوال كثر، فمنهم من قد يدعيها لوصلوه إلى حال السكر والفناء فيظن أن ما حوله فني، ويغيب حتى عن نفسه وشهوده، فلا يشاهد إلا الحق، وإنما الذي فني في الحقيقة تصوره للأشياء، وشهوده لها وإلا فالموجودات في نفسها باقية (١)،

стр. 249

ومنهم من قد يتلبس به الشيطان فينطق على لسانه بمثل هذه العبارات الكفرية (١)، ومنهم من الباعث له على ذلك الزندقة والإلحاد ولم يحدث له اصطلام ولا تلبس به جان، والحلاج إنما كان من النوع الثالث كما هو ظاهر من أقواله وأفعاله ومصنفاته قال شيخ الإسلام: ﵀: «وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند الاصطلام فليس كذلك؛ بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر ويقظان» (٢) فلا يصح الاعتذار له بأنه كان من أهل هذه الأحوال. الوجه الثاني: أننا حتى لو سلمنا أن الباعث لنطق الحلاج بمثل هذه الكفريات هو الفناء الذي وصل إليه، والحال الذي غلب عليه، فمثل هذا الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحظور ليست علماً ولا حقاً، بل غايته أنه نقص عقله الذي يفرق به بين هذا وهذا، وغايته أن يعذر، لا أن يجعل قوله توحيدا وتحقيقا (٣)! الوجه الثالث: أن هذا التوحيد الذي يزعمون تحققه للعارف الفاني عن نفسه ووجوده بوجود الله سبحانه، إنما غايته ومنتهاه تحقيق ما أقر به المشركون من توحيد الربوبية، وهذا لا يدل على إسلام ولا إيمان فضلا أن يدل على صلاح وتوحيد وولاية، قال شيخ الإسلام ﵀: «فكذلك طوائف من أهل التصوف المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لاسيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية. فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلماً، فضلاً عن أن يكون ولياً لله أو من سادات

стр. 250

الأولياء» (١)، "وإنما الشأن في توحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل، وأنزلت به الكتب، وتميز به أولياء الله من أعدائه، وهو أن لا يعبد إلا الله، ولا يحب سواه، ولا يتوكل على غيره" (٢). الوجه الرابع: أن مثل هذه الأحوال لا تدل على الكمال ولا على الغاية في التحقيق والتوحيد، بل هي حال ضعف ونقص؛ لأنها إنما تصيب ضعاف العقول وضعاف النفوس (٣)، ولذلك لم تكن هذه الأمور تحدث للرسل الكرام ولا السلف الصالحين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٤). الوجه الخامس: أن غياب العقل والوصول بصاحبه إلى حال كحال المجانين والسكارى ليس فيه مدح لا عقلاً ولا شرعاً ولا عادة، بل يذم من يتعمد ذلك شرعاً وعقلاً وعادة (٥). الوجه السادس: بين شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه أن الفناء ثلاثة أنواع وهي: ١) الفناء عن إرادة ما سوى الله، وهو إخلاص العبادة لله، فيفنى بعبادته عن عبادة ما سواه. ٢) الفناء عن شهود ما سوى الله، وهو الفناء في توحيد الربوبية، وهو الفناء الذي يعنيه هؤلاء المتصوفة. ٣) الفناء عن وجود السوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، فلا يوجد سوى الله، وهو قول أهل الاتحاد والحلول.

стр. 251

فالنوع الأول هو التوحيد الذي جاء به الشرع وهو فناء ديني شرعي، والنوع الثاني فناء صوفي بدعي، وهو طريق موصل للنوع الثالث وهو الفناء الإلحادي الكفري (١). الوجه السابع: إن المعنى الذي ذكروه للتوحيد معنى كفري باتفاق الأمة، فقد أجمعت الأمة على كفر من قال باتحاد الله وحلوله بشيء من خلقه، قال شيخ الإسلام ﵀: «وبالجملة فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر واتحاده به وأن البشر يكون إلها وهذا من الآلهة: فهو كافر مباح الدم وعلى هذا قتل الحلاج. ومن قال: إن الله نطق على لسان الحلاج، وأن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله وكان الله هو القائل على لسانه: أنا الله فهو كافر باتفاق المسلمين؛ فإن الله لا يحل في البشر ولا تكلم على لسان بشر» (٢). الوجه الثامن: أن قولهم من جنس قول النصارى وكفر النصارى معلوم بالضرورة من دين الإسلام؛ لاعتقادهم حلول الله بالمسيح عيسى ﵇ واتحاده به "وهؤلاء حقيقة قولهم من جنس قول النصارى في المسيح يدعون أن حقيقة التوحيد أن يكون الموحِّد هو الموحَّد؛ فيكون الحق هو الناطق على لسان العبد والله الموحد لنفسه لا العبد، وهذا في زعمهم هو السر الذي كان الحلاج يعتقده، وهو بزعمهم قول خواص العارفين" (٣). بل إن قول هؤلاء شر من قول النصارى؛ حيث إن النصارى إنما اعتقدوا حلول الله بالمسيح ﵇، أما هؤلاء فاعتقدوا حلول الله بمن هو دون المسيح ﵇، بل بمن هو من الزنادقة والمجرمين، قال شيخ الإسلام ﵀: «فالنصارى الذين كفرهم الله ورسوله واتفق المسلمون على كفرهم بالله ورسوله: كان من أعظم

стр. 252

دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح ابن مريم فمن قال بالحلول والاتحاد في غير المسيح -كما تقوله الغالية في علي، وكما تقوله الحلاجية (١) في الحلاج، والحاكمية في الحاكم (٢)، وأمثال هؤلاء - فقولهم شر من قول النصارى؛ لأن المسيح ابن مريم أفضل من هؤلاء كلهم» (٣). الوجه التاسع: أن السلف كفروا الجهمية لمجرد تلويحهم بأن الله في كل مكان، فكيف بمن صرح بذلك كالاتحادية هؤلاء، قال شيخ الإسلام ﵀: «وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة؛ يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما، وإنما كانوا يلوحون تلويحا وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان، وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية» (٤). الوجه العاشر: أن إنكار بينونة الله لخلقه هو تكذيب في الحقيقة للكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وتكذيبه كفر بالله وخروج عن الملة، وتقرير هذا الأمر أشهر من أن يذكر، وأوضح من أن يسطر، فهو ضرورة لا يمكن جهلها ولا يسع جحدها، إلا من مكابر معاند، أو ملحد زنديق، وقد كان مما رد به شيخ الإسلام على مناظره في اتحاد الحلاج بالحق أن قال له: «وهو سبحانه بائن عن قلب الحلاج وغيره من المخلوقات، فقلب الحلاج أو غيره كيف يسع ذات الحق؟! … » (٥).

стр. 253

ثانياً: من جهة فساد اعتقادهم في الحلاج: اعتقد الاتحادية في الحلاج اعتقاداً فاسداً؛ حيث غلو فيه حتى بلغوا به درجة الألوهية، وأنه كان يفنى عن ذاته، حتى تتحد به ذات الحق سبحانه، وينطق على لسانه -والعياذ بالله من هذه الأقوال وقائليها-. وحقيقة الأمر كما بينها شيخ الإسلام أن الحلاج ما كان إلا ساحراً زنديقاً؛ قُتِل على الزندقة والإلحاد، ومقالاته مقالات كفرية باتفاق المسلمين، قال شيخ الإسلام ﵀: «الحلاج قتل على الزندقة، التي ثبتت عليه بإقراره وبغير إقراره، والأمر الذي ثبت عليه مما يوجب القتل باتفاق المسلمين، ومن قال: إنه قتل بغير حق فهو إما منافق ملحد، وإما جاهل ضال. والذي قتل به ما استفاض عنه من أنواع الكفر، وبعضه يوجب قتله، فضلا عن جميعه، ولم يكن من أولياء الله المتقين، بل كان له عبادات ورياضات ومجاهدات، بعضها شيطاني، وبعضها نفساني، وبعضها موافق للشريعة من وجه دون وجه، فلبس الحق بالباطل. وكان قد ذهب إلى بلاد الهند، وتعلم أنواعاً من السحر، وصنف كتاباً في السحر معروفاً، وهو موجود إلى اليوم، وكانت له أقوال شيطانية، ومخاريق بهتانية» (١). ولا يعلم أن أحداً من علماء المسلمين أثنى عليه أو ذكره بخير، سوى بعض متقدمي الصوفية الذين لم يتبين لهم حاله، قال شيخ الإسلام: «وما نعلم أحداً من أئمة المسلمين ذكر الحلاج بخير، لا من العلماء ولا من المشايخ؛ ولكن بعض الناس يقف فيه؛ لأنه لم يعرف أمره» (٢)، بل حتى مشايخ المتصوفة لم يعدوه من أهل الطريق وذلك لظهور كفره وزندقته، قال شيخ الإسلام ﵀: «وعند جماهير

стр. 254

المشايخ الصوفية وأهل العلم أن الحلاج لم يكن من المشايخ الصالحين؛ بل كان زنديقاً» (١)، «وقد ذكر أبوعبد الرحمن السلَمي (٢) أن جمهور المشايخ أخرجوه عن الطريق، وكان ساحرًا، وله مصنف في السحر» (٣). ثالثاً: فساد ما ذكروه من مثال لتقرير هذا الأمر: بين شيخ الإسلام ﵀ فساد المثال الذي ذكروه من أن الله حل بقلب الحلاج ونطق على لسانه، كما يحل الجان بقلب المصروع وينطق على لسانه، وقد نقض شيخ الإسلام ذلك من عدة أوجه: الوجه الأول: قياسكم غير صحيح فأنتم تقولون إن الله حل بقلب الحلاج، كما يحل الجن ببدن الإنسان، والجن إذا دخل جسد الإنسان يسري في جميع جسده ويشغل جميع أعضائه، ولا يكون في القلب فحسب (٤). الوجه الثاني: أن القلب إنما تحل وتقوم به الأعراض لا الأعيان القائمة بنفسها، والجن مخلوقات وأعيان قائمة بنفسها وليست أعراض، فكيف تحل بالقلب (٥)؟!. الوجه الثالث: يلزم على قولكم هذا أن ذات الله سبحانه إنما هي عرض من الأعراض، وليست ذاتًا قائمة بنفسها؛ وذلك لأن القلب لا تقوم به إلا الأعراض، -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- (٦).

стр. 255

الوجه الرابع: أن هذا مناقض لما قد علم بالضرورة من الدين والعقل أن الله بائن عن خلقه، فكيف يصح أن يقال إنه حل بالحلاج أو غيره (١)؟! الوجه الخامس: أن الله أعظم وأكبر من جميع خلقه، فكيف يصح أن يقال: أنه حل بقلب الحلاج؟ وكيف يسع قلب الحلاج ونحوه ذات الحق سبحانه (٢)؟!. الوجه السادس: أن دعواهم مخالفة لما هو "معلوم بالاضطرار من العقل والدين أن الله لم يتكلم على لسان بشر، كما يتكلم الجني على لسان المصروع" (٣)، "ولكن يرسل الرسل بكلامه فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم بقوله، كما قال النبي ﷺ : (أما إن الله قال على لسان نبيه سمع الله لمن حمده) (٤)، فإن كل واحد من المرسل والرسول: قد يقال إنه يقول على لسان الآخر، كما قال الإمام أحمد بن حنبل للمروذي: (قل على لساني ما شئت) (٥)، وكما يقال: هذا يقول على لسان السلطان كيت وكيت، فمثل هذا معناه مفهوم، وأما إن الله هو المتكلم على البشر، كما يتكلم الجني على لسان المصروع: فهذا كفر صريح" (٦). الوجه السابع: أن هذا القول مخالف لكمال غناه مستلزم لفقره واحتياجه لما سواه، كقلب يحل فيه، أو لسان ينطق به، كما يقول هؤلاء -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- قال شيخ الإسلام ﵀: «وكل من وقع بنوع من الحلول لزم افتقار الخالق إلى غيره واستغناء غيره عنه» (٧).

стр. 256

وبهذا القدر يتضح فساد ما احتج به هذا المناظر، لتبرير ما وقع به شيخهم الحلاج من ضلالات وكفريات، تناقض الشرع الكريم، وتخالف العقل المستقيم. * * *

стр. 257

المبحث الثالث: مناظرته مع جماعة من الاتحادية العارفين بالفلسفة وغيرها والداخلين في التصوف والزهد في اعتقادهم أن ابن هود هو الله، وهو المسيح ابن مريم: ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: عرض المناظرة: تمهيد: ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه المناظرة أثناء بيانه لحال الاتحادية، حيث بين ﵀ أن أصحاب الحلول والاتحاد هم أحق الناس باتباع المسيح الدجال، حيث لا يمتنع على قولهم بجواز الاتحاد بين الخالق والمخلوق، أن يكون الدجال هو نفسه الله -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-. ثم عَرَجَ شيخ الإسلام ﵀ على تكذيب الرازي وأمثاله للحديث الوارد في علامة الدجال وهو قوله ﷺ : (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور) (١)، بحجة أن أدلة نفي الربوبية عن المسيح أوضح وأكثر من هذا فكيف يحتج على نفي ربوبيته

стр. 258

بالعور فقط؟ وقد أجاب شيخ الإسلام عن هذه الشبهة وبين صحة الحديث وثبوته، من وجوه عدة (١)، ثم شرع ﵀ في ذكر هذه المناظرة التي حدثت له مع صنف آخر ممن لم ينكر الحديث وإنما فهمه على غير معناه ووجهه الصحيح؛ بل جعله دليلا على جواز اتحاد الله بابن هود -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-. ويلاحظ القارئ تفاوت مسلك الفريقين مع الحديث وتناقضه، فالفريق الأول ينكر الحديث ويجحده، والفريق الآخر جعل الحديث مثبتا للاتحاد والحلول. وقد مهد شيخ الإسلام قبل ذكر هذه المناظرة بذكر نبذة عن شخصية هذا الرجل الذي اغتر به الكثير ألا وهو ابن هود (٢)، فذكر أنه كان شيخاً مشهوراً بدمشق، وكان من أعظم الاتحادية زهداً ومعرفة ورياضة، وكان معظماً لابن سبعين ومفضلاً له على ابن عربي، وقد بلغ الحال ببعض مريديه إلى أن ادعوا أنه هو المسيح عيسى ابن مريم، بل وادعو أنه هو الله -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- (٣).

стр. 259

عرض المناظرة: قال شيخ الإسلام: «وقد كان عندنا بدمشق الشيخ المشهور الذي يقال له: ابن هود، وكان من أعظم من رأيناه من هؤلاء الاتحادية؛ زهداً ومعرفة ورياضة، وكان من أشد الناس تعظيماً لابن سبعين ومفضلاً له عنده على ابن عربي وغلامه ابن إسحاق (١)، وأكثر الناس من الكبار والصغار كانوا يطيعون أمره، وكان أصحابه الخواص به يعتقدون فيه أنه الله، وأنه أعني ابن هود هو المسيح بن مريم، ويقولون إن أمه كان اسمها مريم وكانت نصرانية، ويعتقدون أن قول النبي ﷺ : (ينزل فيكم ابن مريم) (٢) هو هذا، وأن روحانية عيسى تنزل عليه. وقد ناظرني في ذلك من كان أفضل الناس إذ ذاك معرفة بالعلوم الفلسفية وغيرها مع دخوله في الزهد والتصوف، وجرى لهم في ذلك مخاطبات ومناظرات يطول ذكرها جرت بيني وبينهم، حتى بينت لهم فساد دعواهم بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى بن مريم، وأن ذلك الوصف لا ينطبق على هذا، وبينت فساد ما دخلوا فيه من القرمطة حتى أظهرت (٣) مباهلتهم (٤)، وحلفت لهم أن ما ينتظرونه من هذا لا يكون ولا يتم، وأن الله لا يتم أمر هذا الشيخ؛ فأبر الله تلك الأقسام والحمد لله رب العالمين. هذا مع تعظيمهم لي بمعرفتي عندهم، وإلا فهم يعتقدون أن سائر الناس محجوبون جهال بحقيقتهم وغوامضهم، وإلا فمن كان عند هؤلاء يصلح أن

стр. 260

يخاطب بأسرارهم؟! إنما الناس عندهم كالبهائم، حتى قال لي شيخ مشهور من شيوخهم لما بينت (١) له حقيقة قولهم، فأخذ يستحسن ويعظم معرفتي بقولهم، وقال: هؤلاء الفقهاء صم بكم عمي فهم لا يعقلون. فقلت له: هب أن الفقهاء كذلك، أبالله (٢) أهذا القول موافق لدين الإسلام؟ فيتحير المجتهدون ويضطربون إذا شبه عليهم؟! وقال لي بعض من كان يصدق هؤلاء الاتحادية، ثم رجع عن ذلك، فكان من أفضل الناس ونبلائهم وأكابرهم: ما المانع من أن يظهر الله في صورة بشر؟ والنبي ﷺ يقول في الدجال: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور)، فلولا جواز ظهوره في هذه الصورة لما احتاج إلى هذا في كلام له. وأخذ يحتج بذلك على إمكان أن يكون ابن هود الله. فبينت له امتناع ذلك من وجوه، وتكلمت معه في ذلك بكلام طال عهدي به، لست أضبطه الآن حتى تبين له بطلان ذلك. وذكرت له أن هذا الحديث لا حجة فيه، والله سبحانه قد بين عبودية المسيح وكفر من ادعى فيه الإلهية بأنواع غير ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] فأكل الطعام لازم لكل بشر. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة:١٧]، وقال تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وأمثال ذلك» (٣).

стр. 261

المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة: المسألة الأولى: بطلان شبهتهم في اعتقاد ألوهية ابن هود: ودراسة هذه المسألة من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل الشبهة: في هذه المناظرة كانت شبهة هذا الرجل الاتحادي شبهة نقلية وهي استدلاله بما جاء في وصف الدجال: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور) (١)، على جواز ظهور الله في صورة بشر، وبالتالي جواز ظهوره في صورة شيخهم ابن هود، وذلك أن النبي ﷺ أخبر أن الآية والعلامة التي يعرف بها كذب المسيح الدجال في ادعائه الألوهية هي العور، فزعموا أن هذا يدل على إمكانية ظهور الله في صورة البشر، وإلا لما احتاج في تقرير نفي ألوهية المسيح الدجال لمثل هذا الكلام (٢). والاستدلال بالنصوص وإن كان ليس من طريقة أهل الاتحاد، إلا أن من عادة أهل الباطل بعد تقرير باطلهم بطرقهم المبتدعة، أن يبحثوا ويفتشوا عما يتعلقون به من نصوص الشرع للاحتجاج به على مذهبهم الذي قرروه، وطريقتهم التي سلكوها، ومن هذا الباب جاء استدلالهم بهذا الحديث. الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة: أجاب شيخ الإسلام عن استشهاد هؤلاء الاتحادية بهذا الحديث من عدة أوجه: أولاً: أن هذا الفهم السيء للحديث إنما دخل عليهم بسبب ظنهم أن ذكر صفة العور في الحديث إنما جاء؛ لأنها هي العلامة الفارقة الوحيدة التي يمكن التمييز بها بين الخالق جل وعلا والمسيح الدجال، والصواب أن ذكر صفة العور في

стр. 262

الحديث الشريف ليس المراد به أنها هي العلامة الفارقة والمميزة الوحيدة، وليس هناك علامة غيرها، بل الحديث ظاهر في أنها إحدى العلامات، وإن كانت هناك علامات أخرى غيرها، ويؤكد ذلك ما يلي: ١. أنه قد جاء في إحدى روايات الحديث، قوله ﷺ : (لأقولن لكم فيه قولاً لم يقله نبي لأمته؛ إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور)، فبين أن سبب تخصيصه لهذه الصفة بالذكر، أنه أول من يبينه ويوضحه من الأنبياء، حيث لم يذكر هذه العلامة أحد قبله. ٢. أنه لو كان هذا هو الدليل الوحيد على كذب هؤلاء لوجب على الأنبياء كلهم أن يبينوا ذلك؛ لوجوب بيان كذبه، وتحذير أمتهم منه، ومع ذلك فقد أخبر في الحديث أنه أول من يبين هذا الأمر وهذا الدليل، فدل على أنها ليست العلامة الوحيدة الفارقة. ٣. أنه قد جاء في الأحاديث نفسها ذكر علامات وأوصاف أخرى للدجال تدل على كذبه في دعواه (١) ومنها أنه (مكتوب بين عينيه كافر (ك ف ر) يقرؤها كل مؤمن) (٢) ومنها: أنه يُرى في الدنيا، وقد أخبر في الحديث: (واعلموا أنّ أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) (٣)، ومنها: أنه يريد أن يقتل ذلك المؤمن الذي قتله أولا فيعجز عن قتله مرة ثانية (٤) (٥).

стр. 263

ثانياً: أنه إنما خص ذكر هذه العلامة؛ لأنها علامة ظاهرة لكل أحد ويعرفها ويقر بها جميع الناس، فإن قيل: أفلا يكفي في بيان بطلان ألوهية المسيح الدجال إثبات أنه بشر من بني آدم، والرب ليس كذلك؟ قيل: إن النبي ﷺ لم يكتف ببيان بشرية المسيح الدجال؛ لأنه علم أن كثيرًا من الخلق سيضل في هذا الباب، فيجيز حلول الله بخلقه وظهوره في صورة البشر وحلوله واتحاده بهم، كما وقع هذا لكثير من الأمم، فالنصارى ادعت اتحاد الله بالمسيح ﵇، وادعى اليهود من بني إسرائيل أن العجل هو إله موسى مع وجود نبي الله فيهم وهو هارون ﵇، وكثير ممن ينتسب إلى الإسلام والقبلة يدعي حلول الله واتحاده ببعض المشايخ والأولياء، بل أصحاب وحدة الوجود يعتقدون أن كل شيء في الوجود هو الله . فلما علم صلوات الله وسلامه عليه، أن هذه العلامة -وهي بيان بشرية المسيح الدجال- لن تكون كافية في بيان المقصود بالنسبة لهؤلاء، ذكر علامة أظهر وأوضح يقر بها الجميع وهي (العور). فإنه لو قال: أن الله ليس ببشر. لما أقر بذلك كثير من الناس ولنازعوا في ذلك، فاحتاج لذكر أمور ظاهرة لا يحتاج فيها إلى ذكر موارد النزاع (١). ثالثاً: يلزمكم إذا جوزتم دعوى الألوهية في ابن هود وغيره ممن ظهرت على أيديهم بعض الخوارق، أن تجوزوا دعوى المسيح الدجال بذلك، بل إن الدجال أولى بدعوى الألوهية ممن ذكرتم وذلك لوجهين: ١. أن جميع خوارق هؤلاء لا تعد شيئا بالنسبة لخوارق الدجال. ٢. أن كثيراً ممن يعتقد فيهم الحلول والاتحاد لم يدَّعو ذلك لأنفسهم بل قد ينكرونه، ومع ذلك جوزتم الحلول لهم، بينما الدجال قد صرح بادعائها لنفسه،

стр. 264

ويأتي بخوارق عظيمة يستدل بها على ذلك، أفلا يكون أحق بجواز اتحاد الله وحلوله به؟! -سبحانه وتعالى عما يشركون-. والخلاصة: أنكم إما أن تعتقدوا صحة دعوى المسيح الدجال للألوهية وهذا هو الكفر بعينه، وإما أن تمنعوها فيه فيكون امتناعها في حق غيره كابن هود وغيره أولى وأحرى (١). رابعاً: أن في الحديث الذي احتجوا به دليل على بطلان قولهم، ونقض عقيدتهم في الاتحاد، وذلك أن النبي ﷺ قال: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت)، فأخبر - ﷺ أن الله لا يراه أحد في الدنيا بعينيه، ومن المعلوم أن كل البشر يمكن رؤيتهم بالعين المجردة، فلو جاز اتحاد الله بالبشر وحلوله بهم، لأمكن رؤيته بالعين، وهذا باطل (٢). المسألة الثانية: بطلان اعتقادهم أن ابن هود هو عيسى بن مريم: من عجيب أمر هؤلاء الاتحادية وتناقضهم، أنهم مع اعتقادهم أن ابن هود هو الله، فإنهم يعتقدون أيضا أنه هو المسيح بن مريم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، ولعل هذا اعتقاد طائفة أخرى من معظمي هذا الشيخ، وقد يكون هو اعتقاد الطائفة نفسها وهذا لا يستبعد لما هو معروف من تناقض القوم وتخليطهم واضطراب أقوالهم ومعتقداتهم، وقد أشار شيخ الإسلام إلى أن مما ساعدهم على مثل هذا الاعتقاد الفاسد هو أن أم ابن هود كان اسمها مريم وكانت نصرانية فزعموا أن قول النبي ﷺ : (ينزل فيكم ابن مريم) (٣)، هو هذا وأن روحانية عيسى تنزل عليه. وهذه الدعوى وإن كانت ظاهرة البطلان ومجرد ذكرها يغني عن بيان بطلانها،

стр. 265

إلا أن شيخ الإسلام ﵀ قد بين في مناظرته لهم بطلان هذه الدعوى واستحالتها وقد اشتمل جوابه لهم على ثلاثة أمور: الأول: احتجاجه بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى ﵇ على فساد دعواهم أن ابن هود هو المسيح، فإن الأوصاف التي جاءت فيها لا تنطبق على ابن هود، قال ﵀: «حتى بينت لهم فساد دعواهم بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى بن مريم، وأن ذلك الوصف لا ينطبق على هذا» (١)، ومن تلك الأوصاف التي جاءت في الاحاديث الصحيحة، (كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل) (٢)، وأنه (رجل مربوع إلى الحمرة والبياض) (٣)، وأما ابن هود فقال الذهبي: «وكان أشقر، أزرق» (٤)، والمسيح ﵇، إنما ينزل فجأة عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في صلاة الصبح، ويقتل المسيح الدجال (٥)، وتحدث قبل نزوله أحداث كثيرة، لا تصدق على حال ابن هود وزمنه. الثاني: حلف لهم شيخ الإسلام أن ما ينتظرونه على يد ابن هود -ظنا منهم أنه هو المسيح- لا يتم بحال ولا يكون. الثالث: طلب منهم المباهلة على هذا إن لم يصدقوه. وقد أبر الله يمين شيخ الإسلام فكشف لهم بطلان دعواهم في هذا الرجل، ولم يحدث لهم شيء مما كانوا يتوقعون، ولا وقع لهم شيء مما كانوا يرجون ويؤملون، فظهر الحق وبطل ما كانوا يعتقدون. * * *

стр. 266

المبحث الرابع: مناظرته مع بعض أكابر الاتحادية في الفرق بين التوحيد والإلحاد: ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: عرض المناظرة: تمهيد: حكى شيخ الإسلام ﵀ في غير موضع من كتبه مناظرة وقعت بينه وبين شيخ من أكابر شيوخ الاتحادية يدعى حسام الدين الكرماني (١)، ويلقبه أصحابه بـ (سلطان الأقطاب)، وهو من المعظمين جداً لابن عربي وابن حمويه (٢)، وقد دار الحوار بينه وبين شيخ الإسلام ﵀ في أمور كثيرة مما يتعلق بالاتحادية وحقيقة مذهبهم ومعتقدهم، وقد استطاع شيخ الإسلام بقوة حجته وحسن منطقه، وغزارة علمه، بعد توفيق الله، أن يقنع الخصم وينقذه من ضلالات الاتحادية وخرافاتهم، حتى رجع عن تعظيم من كان يعظم من الاتحادية، وكفر بما يقوله ابن عربي

стр. 267

من الكفريات، وتبين له ضلال كثير من الفقهاء المنتسبين لمذهب الاتحادية حتى قال: «هؤلاء الفقهاء لا يفهمون هذا، صُمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون» (١)، وقال شيخ الإسلام: «وجَرَتْ لنا معه فصول أظهرَ اللهُ بها الحقَّ وبيَّنَ حالَ التوحيد وتلبيسَ هؤلاء المنافقين» (٢). نص المناظرة: حكى شيخ الإسلام ﵀ هذا المناظرة في عدة مواضع من كتبه نوردها بنصها كما أتت: الموضع الأول: «ولهذا حدثني بعض أكابر هؤلاء الاتحادية (٣) عن صاحب هذه المقالة (٤)؛ أنه كان يقول: ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف. فقلت له: هذا من أبطل الباطل، بل ليس بين مذهبين من الفرق أعظم مما بين التوحيد والإلحاد، وهذا قاله بناء على هذا الخلط واللبس الذي خلطه؛ مثل قوله إن العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله؛ بحيث لا يظهر فيه شيء» (٥). الموضع الثاني: «وهكذا حدثني بعض أكابر مشايخ هؤلاء الاتحادية، وكنتُ لما بينتُ له حقائقَ أمرِهم يتعجبُ من ذلك ويستعظمه ويقول: هؤلاء الفقهاء لا يفهمون هذا، صُمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون، حدثني أن سعد الدين ابن حمويه كان يقول: ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرقٌ لطيف. وهذا حقيقة هذا القول المحكيّ عنه، فإن الإلحاد المحض نفي الصانعِ بالكلية، وأن هذا العالم الموجود ليس له صانع!

стр. 268

فإذا قال القائل: إن هذا العالم الموجود هو الصانع، وهو الصانع المصنوع، فقوله مثل قول الملحدة المحضة في جحود ربّ العالمين؛ لكن ذاك لا يحتاج أن يقول: ظهرَ فيه صانعُه، وهذا يقول: هو صانعُه وما هو غير صانعه، لكن الصانع له ذات، وهو الوجود المطلق المرئي الذي له اسم ولا صفة، وله أسماءٌ وصفات، وهي نسبةُ ذلك الوجود إلى مظاهرِه ومجاليه أو نحو هذه العبارات التي ليس لها حقيقة في الخارج، وإنما كلّ منهم يتخيَّلُ نوعًا من الكفر ويقوله، ويقول: إنه غاية التحقيق ونهاية التوحيد وحقيقة النبوة» (١). الموضع الثالث: «حدثني الشيخ الملقب بحسام الدين القادم السالك طريق ابن حمويه الذي يلقبه أصحابه (سلطان الأقطاب)؛ وكان عنده من التعظيم لابن عربي وابن حمويه؛ والغلو فيهما أمر عظيم، فبينت له كثيراً مما يشتمل عليه كلامهما من الفساد والإلحاد والأحاديث المكذوبة على النبي ﷺ ، وجرى في ذلك فصول؛ لما كان عنده من التعظيم مع عدم فهم حقيقة أقوالهما وما تضمنته من الضلالات» (٢). الموضع الرابع: «وما يروى في هذا الباب من الأحاديث: هو من هذا الجنس مثل كونه [أي النبي ﷺ ] كان نوراً يسبح حول العرش أو كوكباً يطلع في السماء ونحو ذلك … فإن هذا المعنى رووا فيه أحاديث كلها كذب حتى أنه اجتمع بي قديماً شيخ معظم من أصحاب ابن حمويه يسميه أصحابه "سلطان الأقطاب"، وتفاوضنا في كتاب "الفصوص" وكان معظما له ولصاحبه؛ حتى أبديت له بعض ما فيه فهاله ذلك وأخذ يذكر مثل هذه الأحاديث فبينت له أن هذا كله كذب» (٣). الموضع الخامس: «وقد قَدِم علينا أكبر مشايخ تلك البلاد من السعدية حسام الدين الكرماني حاجًّاً، وخاطبتُه في حالِ هؤلاء، وبيّنتُ له من كلام ابن العربي

стр. 269

وغيرِه ما كان طالبًا له، حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله! مع أنه كان من أكثر المشايخ تعظيمًا لابن العربي، وهو من الغلاة في سعد الدين. وجَرَتْ لنا معه فصول أظهرَ اللهُ بها الحقَّ وبيَّنَ حالَ التوحيد وتلبيسَ هؤلاء المنافقين» (١). المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة: المسألة الأولى: مناقشة قول ابن حمويه: (ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف): الوجه الأول: بيان أصل الشبهة: يرى ابن حمويه أن وجود الله بالنسبة لوجود العالم كنور العين بالنسبة للعين، فالله هو نور العين، والعالم العلوي هو الأجفان العلوية للعين، والعالم السفلي هو الأجفان السفلية للعين، والله هو النور الذي يظهر بوجود هذه الأجفان، فإن الأجفان هي التي تحافظ على ظهور النور وهي شرط في ظهوره، وكذلك العالم هو الذي يظهر به الإله، ولولا هذه الأجفان لتفرق نور العين وانتشر بحيث لا يرى شيئاً أصلاً، وكذلك العالم لو عدم لما أمكن ظهور الله لأن وجوده إنما هو وجود مطلق لا يتقيد برسم ولا صفة ولا قيد (٢). وهذا الاعتقاد هو أصل شبهة هذا الرجل والتي بنى عليها قوله بأنه لا يوجد فرق بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف، وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا فقال مبيناً سبب هذه المقولة: «وهذا قاله بناء على هذا الخلط واللبس الذي خلطه؛ مثل قوله إن العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله؛ بحيث

стр. 270

لا يظهر فيه شيء» (١). وتوضيح هذه الشبهة أن يقال: إن ابن حموية وأتباعه اعتقدوا أن الله بالنسبة للعالم كنور العين بالنسبة للعين، وعندهم أن هذا هو غاية التوحيد، وبناءً على هذه المقالة لا يكون بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف، بل لا يكون هناك فرق بينهما أصلاً، وذلك أن أهل الإلحاد إنما يثبتون وجود العالم وينفون وجود الخالق له، وأهل الاتحاد يثبتون الخالق ولكن يجعلون الخالق هو العالم نفسه، أو جزء منه كما أن نور العين جزء من العين، فيكون غاية قولهم هو إثبات العالم فحسب، هذا من وجه. ومن وجه آخر: أن توحيد أهل الاتحاد هو الاعتقاد أن الله هو الوجود المطلق تجلى وظهر بأحكام الممكنات، ولذلك شبهوه هنا بنور العين، وشبهوا العالم بالأجفان العلوية والسفلية للعين، لأنهما يحافظان على ظهور النور فهما شرط في وجود النور وبذهابهما يذهب النور، فإذا ارتفع العالم ارتفعت حقيقة الله، وهذا ما نص عليه التلمساني والقونوي وابن عربي في كثير من كلامه، أن وجود الله هو عين وجود المخلوقات ليس غيرها، وعلى هذا فلا يتصور وجوده مع عدم المخلوقات، كما لا يتصور بقاء النور مع عدم الأجفان، وهذا القول إذا تأملته وجدت أنه لا فرق بينه وبين الإلحاد الذي هو حقيقة هذا المذهب وغايته (٢). وخلاصة قولهم أنهم أقروا بوجود العالم، وأنكروا أن فوقه رب، كما أن أهل الإلحاد أقروا بوجود العالم، وأنكروا أن يكون فوقه ربا، والفرق بينهما أن الملاحدة لم يجعلوا العالم إلها، وهم جعلوه إلها (٣). وبهذا نخلص إلى أن الخطأ الذي وقع فيه ابن حموية كان من جهتين: أولاً: تقريره لمذهب الاتحادية، وأن الله بالنسبة للعالم كنور العين

стр. 271

بالنسبة للعين. ثانياً: ظنه أن حقيقة التوحيد هي القول بالاتحاد المذكور الذي قرره بالشبهة السابقة. وبعد تأمله في حقيقة التوحيد المزعوم وما ضربه عليه من مثال، تبين له أنه شبيهٌ بقول أهل الإلحاد، إلا أن هناك فرقاً يسيراً بينهما، فقال هذه المقولة الفاسدة. الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة: استطرد شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في بيان فساد مذهب ابن حمويه ومن سلك طريقه وذلك من وجوه كثيرة، ويهمنا هنا أن نلقي الضوء على الشبهة التي حملت ابن حمويه على القول بمثل هذه المقولة، فأما خطأه في فهم التوحيد فقد تبين في فصول سابقة حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل وبطلان ما تسميه كثير من الطوائف توحيداً (١)، وأما شبهة ابن حمويه التي بنى عليها مقالته: وهي اعتقاده أن الله بالنسبة للعالم كالنور بالنسبة للعين، والعالم أجفان هذه العين، فقد أجاد شيخ الإسلام وأفاد في رد هذا التصور والاعتقاد، وذلك من وجوه كثيرة أبرزها ما يلي: الوجه الأول: أن هذا الكلام ما هو إلا "دعوى مجردة بلا حجة ولا دليلٍ، وإذا كان من تكلَّم في مسألة من مسائل الاستنجاء أو الإجارة لم يُقبَل منه إلاّ بالحجة والدليل، فمن تكلم في خالقِ الخلق وربّ العالمين بكلامٍ لا يوجَد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ولا قاله أحدٌ من السلف ولا شيخ من المشايخ الذين لهم لسان صدقٍ في عمومه، بل جميعُ أهل العلم والإيمان والمشايخ المقبولون يُكفرون من يقوله، ولم يأتِ عليه لا بحجةٍ ولا دليلٍ، كيف يُقبَل منه؟ " (٢).

стр. 272

الوجه الثاني: أن هذا القول مخالف لمذهب جميع المسلمين، بل وسائر أهل الملل من اليهود والنصارى والمقرِّين بالصانع من أنه سبحانه حق موجود بنفسه، متميز عما سواه، وهو ربّ العالمين وخالق الخلق، وأنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاتِه شيء من ذاته، وأن جميع الكائنات عبادٌ لله فقراءُ إليه، وهو مالكهم وربهم وخالقُهم (١). الوجه الثالث: أن لهذا القول لوازم فاسدة كثيرة، منها: ١) يلزم منه أن يكون الله محتاجًا للعالم مفتقراً له وذلك أن "نور العين مفتقر إلى العين محتاج إليها لقيامه بها فإذا كان الله في العالم كالنور في العين؛ وجب أن يكون محتاجا إلى العالم" (٢). ٢) يلزم منه أن يكون الله مفتقراً في وجوده إلى وجود مخلوقاته وذلك أنه جعل وجود الباري ﵎ مشروطاً بوجود العالم بحيث لولا مخلوقاته لانتشرت ذاته وتفرقت وعدمت، كما أن نور العين مشروط بوجود الأجفان بحيث لولا الأجفان لانتشر نور العين وتفرق وعدم (٣). الوجه الرابع: قال شيخ الإسلام: «فمن يكون في قبضته السموات والأرض، وكرسيه قد وسع السموات والأرض، ولا يئوده حفظهما، وبأمره تقوم السماء والأرض، وهو الذي يمسكهما أن تزولا، أيكون محتاجاً إليهما مفتقرا إليهما؟! إذا زالا تفرق وانتشر؟!» (٤). الوجه الخامس: أن كفر هذا القول من الوضوح بمكان لا يخفى، "وإذا كان المسلمون يكفرون من يقول: إن السماوات تقله أو تظله؛ أو أنه محتاج للعرش لحمله … فكيف بمن يقول إنه مفتقر إلى السموات والأرض وأنه إذا ارتفعت

стр. 273

السموات والأرض: تفرق وانتشر وعدم؟! " (١). الوجه السادس: أن يقال لهؤلاء أنتم بين أمرين: ١. إما أن تقولوا بقدم السماوات والأرض وقدم العالم: وهذا كفر بين. ٢. وإما أن تقولوا بحدوثهما، وعليه فيكون الله قبل خلقهما منتشراً متفرقاً معدوماً ثم لما خلقهما صار موجوداً مجتمعاً؟ وهذا من أقبح الكفر أيضاً! فيكون قولهم دائرا بين نوعين من أنواع الكفر، مع غاية الجهل والضلال (٢). الوجه السابع: قد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال عن ربه: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه) (٣)، فأخبر الصادق المصدوق أن الله لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من السموات والأرض وغيرهما، فمن تكون سبحات وجهه تحرق السموات والأرض لولا الحجاب، أيكون نوره إنما يحفظ بالسموات والأرض (٤)؟!. الوجه الثامن: من المعلوم أن صور العالم ومخلوقاته، تزيد وتنقص وتموت وتحيا، وفيهم الكافر والمؤمن، والبر والفاجر، وقد جعلها ابن حمويه هي أهداب جفن حقيقة الله، ويلزم على هذا ثلاث لوازم فاسدة: الأول: أن تكون أهداب جفن حقيقة الله لا تزال مفرقة كاشرة فاسدة، تزيد وتنقص (٥). الثاني: أن يكون المشركون واليهود والنصارى والفجار من أجفان حقيقة الله! وقد لعن الله من جعلهم أبناءه على سبيل الاصطفاء فكيف بمن

стр. 274

جعلهم من نفسه (١)؟!. الثالث: أنه كلما عدم شيء من مخلوقات الله ينتقص من نور الحق ويتفرق بقدر ما عدم من ذلك، وكلما زاد شيء من ذلك زاده نوره واجتمع (٢). الوجه التاسع: أن كلام ابن حمويه وأضرابه من أئمة الاتحادية في غاية الاضطراب والتناقض، وهذا من أعظم الأدلة على بطلان قولهم، فإن علامة الباطل تناقضه واختلافه، وابن حمويه كان كما أخبر شيخ الإسلام: «أكثرهم تناقضاً وهذياناً» (٣)، قال شيخ الإسلام: «فسعد الدين-مع ما فيه من الإسلام والمتابعة- فيه تخليط كثير، فإنه أحيانًا يتكلم بكلام الاتحادية؟ وأحيانًا يُجرد الاتحادَ تجريدَهم، بل يَسلُك لنفسِه مسلكًا أبلقَ لا أبيضَ ولا أسودَ؛ وأحيانًا يتكلم بكلام أهل الإسلام الموافق للكتاب والسنة؛ وأحيانًا يحتج بأحاديث موضوعة لا أصل لها عن النبي ﷺ » (٤). المسألة الثانية: بيان حال ابن عربي وابن حمويه وغيرهم من أئمة الاتحادية: كان من أعظم ما بينه شيخ الإسلام ﵀ لمناظره الشيخ حسام الدين الكرماني، حال أئمة الاتحادية كابن عربي والتلمساني والقونوي وصدر الدين ابن الرومي وابن حمويه وغيرهم من أصحاب مذهب الاتحاد ووحدة الوجود، حيث كان الشيخ حسام الدين الكرماني ممن يعظمهم ويحسن الظن بهم بل من الغالين في تعظيمهم وتبجيلهم، لعدم فهمه حقيقة أقوالهم وما تضمنته من كفر وضلالات. والناظر في كتب شيخ الإسلام ﵀ يجد أنها قد امتلأت ببيان حال هؤلاء،

стр. 275

وكشف ضلالهم وكفرهم وتلبيساتهم، ولو جمع كلام شيخ الإسلام ﵀ في ابن عربي وطائفته، لبلغ عدة مجلدات، وذلك لكثرة انتشار هذا المذهب في عصره واغترار الناس بهؤلاء وأمثالهم وإحسان الظن بهم، وعدم فهم حقيقة مذهبهم وأقوالهم، وسأكتفي في هذا الموضع ببيان شيء يسير مما ذكره شيخ الإسلام في بيان حقيقة مذهبهم واعتقادهم، وما حواه من كفر عظيم، وإلحاد برب العالمين، وتحريف للشرعة والدين. بين شيخ الإسلام ﵀ أن غاية مذهب الاتحادية هو إنكار وجود الله والإلحاد به وبأسمائه وصفاته، كما سبق توضيح ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل، وكل اعتقاداتهم التي يقررونها في الباري إنما هي أوهام وخيالات لا وجود لها في الحقيقة، ولا تمت للواقع بأي صلة (١)، وحقيقة مذهبهم ترجع للإلحاد برب العالمين، حيث إنه لا فرق في الحقيقة بين ما يذكرونه من توحيد وبين مذهب الملاحدة الذين ينكرون وجود الصانع كما تم توضيح ذلك في المطلب الأول من هذا المبحث، وبين شيخ الإسلام أنهم يجعلون وجود الله نفس وجود الحيوانات والحشوش والأخلية والنجاسات والأقذار! ويجعلون رب العزة سبحانه هو عين المخلوقات ويصفونه بجميع النقائص والآفات التي يوصف بها كل كافر وكل فاجر وكل شيطان وكل سبع وكل حية من الحيات، فتعالى الله عن إفكهم وضلالهم وسبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (٢)، وصرح بعض أئمتهم أن القرآن الذي بين أيدينا كله شرك وأن التوحيد إنما هو في كلامهم وحسب؛ وذلك لأن القرآن يفرق بين الرب والعبد وحقيقة التوحيد عندهم أن الرب هو العبد (٣)، وأنكروا الخلق والملك والربوبية والرزق والرحمة والهداية (٤)، وأشركوا بالله كل

стр. 276

شيء حتى الكلاب والقردة والخنازير جعلوها ألهة معبودة مع الله -والعياذ بالله- (١)، ويفضلون أنفسهم على الأنبياء بل حتى على نبينا محمد - ﷺ (٢)، ويعتقدون أن فرعون كان مؤمناً بل كان موحدا غاية التوحيد وكان قوله: أنا ربكم الأعلى. حق لا مرية فيه، وأن عباد الأصنام ما عبدوا شيئاً إلا الله، وعباد العجل ما عبدوا إلا الله (٣)، ويصححون دين الكفار وكل المذاهب والملل والأديان، ويجوزون للمرء أن يكون يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، لا فرق في ذلك كله؛ لأن كل معبود هو في الحقيقة الله، وينكرون ما جاء في اليوم الآخر والوعيد بالنار وعذابها (٤)، وينكرون القدر، ويحرفون نصوص القرآن على معان باطنية قبيحة، ولا يحرمون فرجاً حتى المحارم، ولذلك لما سئل زعيمهم القبيح التلمساني، فقيل له: فإذا كان الوجود واحداً فلمَ كانت الزوجة حلالاً والأم حراماً؟ فقال: الكل عندنا واحد، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام. فقلنا: حرام عليكم (٥). وغيرها من الأمور الكثيرة التي يستبشعها من كان في قلبه ذرة إيمان، ويستشنعها من كان لديه أدنى مسكة عقل، والتي حكايتها تغني عن ردها وإبطالها فلا يعلم مذهب جمع من الكفريات ولا حوى من الضلالات وشنيع المقالات مثل ما جمعه مذهب هؤلاء الاتحادية، ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: «وهؤلاء إذا قيل في مقالتهم إنها كفر: لم يُفهِم هذا اللفظ حالها؛ فإن الكفر جنس تحته أنواع متفاوتة بل كفر كل كافر جزء من كفرهم» (٦).

стр. 277

قال شيخ الإسلام: «وبيّنتُ له من كلام ابن العربي وغيرِه ما كان طالبًا له، حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله!» (١). * * *

стр. 278

المبحث الخامس: مناظرته مع بعض شيوخ الاتحادية في رفضه قتال التتار لاعتقاده أن هذا قتال لله: ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: عرض المناظرة: تمهيد: يضرب لنا شيخ الإسلام ﵀ في هذه المناظرة مثالاً آخر يظهر من خلاله عظم ما وصل له هؤلاء الاتحادية من الانحراف والضلال، حيث كانت مناظرته هذه مع رجل من هؤلاء الاتحادية، يناقشه فيها عن التتار هل هم الله -سبحانه- أم ليسوا الله؟! وإن تعجب فحق لك أن تعجب من عقول وصل بها الحال إلا أن تعتقد مثل هذا المعتقد المخالف لكل عقل ودين وفطرة سليمة، وبمثل هذا تعلم سبب إكثار شيخ الإسلام ﵀ في نقد هذا المذهب وبيان بطلانه في مختلف رسائله وفتاواه ومصنفاته، وذلك لشدة بشاعته، وعظم شناعته، مع انتشاره عند كثير من الناس في زمانه، وإلى نص المناظرة كما يحيكها شيخ الإسلام ﵀. نص المناظرة: قال شيخ الإسلام ﵀: «وقد خاطبني مرة شيخ من شيوخ هؤلاء الضلال لما قدم التتار آخر قدماتهم وكنت أحرض الناس على جهادهم.

стр. 279

فقال لي هذا الشيخ: أقاتل الله؟! فقلت له: وهم من شر الخلق، هؤلاء إنما هم عباد الله خارجون عن دين الله، وإن قدر أنهم كما يقولون: فالذي يقاتلهم هو الله ويكون الله يقاتل الله. وقول هذا الشيخ لازم لهذا وأمثاله» (١). وقال ﵀: «وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية الاتحادية حتى إن أحدهم إذا أُمر بقتال العدو يقول: أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله! ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة» (٢). المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة والجواب عليها: وذلك من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل الشبهة: رفض هذا الاتحادي وغيره ممن ينتحل مذهبه قتال التتار بحجة أن هؤلاء التتار هم الله، حتى إنهم أنكروا على شيخ الإسلام دعوته لجهادهم ودفعهم عن بلاد المسلمين، فقال هذا الشيخ متعجباً منكراً لتحريض شيخ الإسلام على قتالهم: أقاتل الله؟! وأصل شبهة هؤلاء القوم التي دفعتهم للامتناع عن قتال التتار، ونهي الناس عن ذلك، بل ودفعت ببعضهم لمعاونة التتار والقتال معهم: هي اعتقادهم أن جميع أفعال الخلق إنما هي أفعال الله في الحقيقة، وليست أفعالا للعباد حقيقة وإنما تضاف للعباد على سبيل المجاز لا غير، وأن العارف بالله يغلب عليه شهود القدر والقيومية فلا يرى فرقا بين الأشياء، وينطق برد جميع الأشياء إلى خالقها كما

стр. 280

يزعمون، وعلى هذا فقتال التتار للمسلمين هو في الحقيقة قتال الله نفسه للمسلمين، وليس قتالاً للتتار -تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا-. قال شيخ الإسلام: «فإن أصل هذا القول أن الله لما كان خالقا لأفعال العباد كان الفعل لهم في الصورة وله في المعنى» (١). وقال ﵀: «وقد كثر في كثير من المنتسبين إلى المشيخة والتصوف شهود القدر فقط من غير شهود الأمر والنهي والاستناد إليه في ترك المأمور وفعل المحظور وهذا أعظم الضلال» (٢). الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة: أجاب شيخ الإسلام ﵀ عن هذه الشبهة من وجوه متعددة، وأهمها ما يلي: أولاً: أن هؤلاء التتار هم في الحقيقة من شر خلق الله، وأنهم عباد الله خرجوا عن دينه -سبحانه-، فكيف يكونون هم الله؟ ومضمون هذ الجواب رد القول من أصله وإبطاله، وإذا كان باطلاً فكيف يصح أن يحتج به على الامتناع عن قتال هؤلاء. قال شيخ الإسلام ﵀: «ومن قال إن الرب يُنزل المخلوق منزلة نفسه في الأفعال أو ينزل هو منزلة المخلوق في الأفعال والأوصاف فقد زعم أن الله سبحانه يجعل له نداً وأنه يقيم المخلوق مقامه في الخلق والرزق والإحياء والإماتة وإجابة الدعاء وكونه معبوداً، وأنه يقوم مقام العبد في الصلاة والصيام والطواف وغير ذلك من أفعال العباد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧]» (٣). ثانياً: على فرض التسليم لهذا الشيخ بأن قتال التتار هو في الحقيقة قتال لله؛ لأن الذي يفعل في الحقيقة هو الله، والخلق إنما تضاف لهم الأفعال مجازاً،

стр. 281

فالجواب على دعواه يكون من عدة أوجه: الوجه الأول: أن يقال لهم كذلك في قتال المسلمين للتتار يكون الله هو الذي يقاتل التتار، ويكون الواقع أن الله يقاتل الله -تعالى الله عن ذلك-. وهذا في غاية التناقض والبطلان والعياذ بالله وهو الذي رد به شيخ الإسلام على هذا الاتحادي المحتج بمثل هذا فقال له: «وإن قدر أنهم كما يقولون فالذي يقاتلهم هو الله ويكون الله يقاتل الله، وقول هذا الشيخ لازم لهذا وأمثاله» (١). وهكذا يلزمهم في كل فعل من أفعال العباد أن ينسبوه للخالق ، ولما احتج بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، على نفي الفعل عن العبد، وأن فعل العبد هو فعل الله في الحقيقة، رد عليه شيخ الإسلام قائلا: «قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، لم يرد به أن فعل العبد هو فعل الله تعالى -كما تظنه طائفة من الغالطين- فإن ذلك لو كان صحيحاً لكان ينبغي أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى، ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب، ويقال للمتكلم: ما تكلمت إذ تكلمت ولكن الله تكلم، ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلي ونحو ذلك. وطرد ذلك: يستلزم أن يقال للكافر ما كفرت إذ كفرت ولكن الله كفر، ويقال للكاذب: ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب. ومن قال مثل هذا فهو كافر ملحد خارج عن العقل والدين» (٢). وقال كذلك في رده على من احتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠]، على تصحيح هذا القول: «ويلزمك على هذا التقدير أن تقول إن الذين بايعتهم إنما بايعت الله، وطرده أن من قاتل شخصاً فإنما قاتل الله ومن بايعه فإنما بايع الله، بل يلزمهم أقبح من هذا وهو أن من لامسه أو جامعه أو ضاجعه فإنما يفعل ذلك مع الله، فإن أصل هذا القول أن الله لما كان خالقا لأفعال

стр. 282

العباد كان الفعل لهم في الصورة وله في المعنى وهذا عام في كل الأفعال الخير والشر» (١). وقال ﵀: «وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله أيضًا فيكون الله قد بايع الله؛ إذ الله خالق لهذا ولهذا وكذلك إذا قيل بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد فإنه عام عندهم في هذا وهذا فيكون الله قد بايع الله. وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية الاتحادية حتى إن أحدهم إذا أمر بقتال العدو يقول: أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة» (٢). الوجه الثاني: يلزم من هذا القول أن لا يكون هناك فرق بين فعل نبي من الأنبياء وفعل كافر من الأشقياء ولا ملك من الملائكة ولا ولي ولا صالح ولا فاسق ولا طالح، بل ولا حتى الحيوانات والجمادات، فإن الكل باعتبار القيومية والتقدير أفعالهم مخلوقة. قال شيخ الإسلام ﵀: «واعلم أن من قال من النظار: إن أفعال العباد كلها فعل الله فلا فرق عندهم بين أفعال المؤمنين والكفار والبهائم وحركات الجمادات فإن مرادهم أن كل ما سوى الله فهو فعله أي مفعوله، وعلى قول هؤلاء فلا فرق بين فعل الرسول وغيره، وليس في كون الله خالقاً لشيء تفضيل لذلك المخلوق على غيره فإن الله خالق كل شيء» (٣). ويلزم منه سلب خاصية الأنبياء والملائكة والأولياء وتسويتهم بأفجر الفجار وأكفر الكفار والعياذ بالله، قال شيخ الإسلام: «ومن ظن في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠]، أن المراد به أن فعلك هو فعل الله أو المراد أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو -مع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده- قد سلب

стр. 283

الرسول خاصيته وجعله مثل غيره وذلك أنه لو كان المراد به كون الله فاعلا لفعلك: لكان هذا قدراً مشتركاً بينه وبين سائر الخلق وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله ومن بايع مسيلمة الكذاب فقد بايع الله ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله» (١). ثالثاً: أن في قولهم هذا تعطيلاً للأمر والنهي وإبطالاً للشرع، قال شيخ الإسلام ﵀: «وهذا يقع فيه كثير ممن يلحظ القيومية الشاملة العامة المتناولة لكل مخلوق وهؤلاء من أكفر الخلق ويجعلون هذا منافياً للأمر والنهي وهم من جنس الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾، إلى قوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام:١٤٨]» (٢). رابعاً: نفي الفعل عن العبد لا يجوز بإجماع الأمة، قال شيخ الإسلام ﵀: «ومما يبين ذلك أن أفعال العباد لا يجوز أن تنفى عنهم باتفاق المسلمين من قال: إن الله تعالى خالقها، ومن قال إنه لم يخلقها لا يجوز أن يقال: هذا ما أكل ولا شرب ولا قعد ولا ركب ولا طاف ولا ركع ولا سجد ولا صام ولا سعى ولكن الله هو الذي أكل وشرب وقعد وركب وطاف وركع وسجد وصام وسعى، وسواء كانت الأفعال محمودة أو مذمومة، وسواء كانت سبباً لخرق العادة أم لا، فلا يقال: إن موسى ما ضرب بعصاه البحر ولا الحجر ولكن الله ضرب، ولا يقال: إن نوحاً ما ركب في السفينة ولكن الله ركب، ولا يقال: إن المسيح ما ارتفع إلى السماء بل الله ارتفع، ولا يقال: إن محمداً ﷺ ما ركب البراق بل الله ركب وأمثال هذا» (٣). خامساً: أن "الفعل المختص بالمخلوق لا يضاف إلى الله تعالى إلا على بيان أن الله تعالى خلقه وجعل صاحبه فاعلا كقول الخليل ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وكما قال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً

стр. 284

مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة:٢٤] وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١] ولا يقال: إن الله يقيم الصلاة ويدعو إلى النار ولا إنه قد أسلم وقال تعالى ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج:١٩ - ٢١]، ولا يوصف الله تعالى بالهلع و الجزع، وجماع الأمر أن الله عز و جل لا يوصف بمخلوقاته" (١). سادساً: أن كون الله هو خالق أفعال العباد لا يقتضي أن العبد هو الله قال ﵀: «أنه لو فرض أن المراد بهذه الآية أن الله خالق أفعال العباد فهذا المعنى حق وقد قال الخليل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] فالله هو الذي جعل المسلم مسلماً، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:١٩ - ٢١]، فالله هو الذي خلقه هلوعاً لكن ليس في هذا أن الله هو العبد؛ ولا أن وجود الخالق هو وجود المخلوق، ولا أن الله حال في العبد. فالقول بأن الله خالق أفعال العباد حق والقول بأن الخلق حال في المخلوق أو وجوده وجود المخلوق باطل. وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد الربوبية إلى القول بالحلول والاتحاد وهذا عين الضلال والإلحاد» (٢). سابعاً: يلزم من هذا القول تجويز دعاء غير الله وعبادة غير الله وتصحيح جميع الأديان الكفرية والمعبودات الوثنية، وأن العابد لها ما عبد ولا سجد ولا تقرب إلا لله، قال شيخ الإسلام: «وهذا كثيرا ما يقع فيه هؤلاء الإسماعيلية الاتحادية وأعرف منهم شخصا كان معظمًا وكان له حاجة إلى نصراني فذهب إليه وخضع له وقبل يده ورجله وربما قبل نعله حتى قضى حاجته ثم جعل يقول: ما رأيت إلا الله وما كان ذلك الخضوع والتقبيل إلا لله ، وهؤلاء يصرحون في

стр. 285

كتبهم بأن عباد العجل ما عبدوا إلا الله، وعباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، وعباد المسيح ما عبدوا إلا الله تعالى، وعندهم من عبد كل معبود كان محققاً موحداً وإنما المقصر عندهم من عبد بعض المظاهر دون بعض كالنصارى، وعباد العجل واللات والعزى، وفي كلام ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله من هذا ألوان» (١). وبهذا يتبين بطلان هذا القول، وشناعة ما يلزمه من لوازم، ويترتب عليه من مفاسد، والله أعلم. * * *
следующие страницы →