فالجواب على دعواه يكون من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن يقال لهم كذلك في قتال المسلمين للتتار يكون الله هو الذي يقاتل التتار، ويكون الواقع أن الله يقاتل الله -تعالى الله عن ذلك-.
وهذا في غاية التناقض والبطلان والعياذ بالله وهو الذي رد به شيخ الإسلام على هذا الاتحادي المحتج بمثل هذا فقال له: «وإن قدر أنهم كما يقولون فالذي يقاتلهم هو الله ويكون الله يقاتل الله، وقول هذا الشيخ لازم لهذا وأمثاله» (١).
وهكذا يلزمهم في كل فعل من أفعال العباد أن ينسبوه للخالق ، ولما احتج بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، على نفي الفعل عن العبد، وأن فعل العبد هو فعل الله في الحقيقة، رد عليه شيخ الإسلام قائلا: «قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، لم يرد به أن فعل العبد هو فعل الله تعالى -كما تظنه طائفة من الغالطين- فإن ذلك لو كان صحيحاً لكان ينبغي أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى، ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب، ويقال للمتكلم: ما تكلمت إذ تكلمت ولكن الله تكلم، ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلي ونحو ذلك. وطرد ذلك: يستلزم أن يقال للكافر ما كفرت إذ كفرت ولكن الله كفر، ويقال للكاذب: ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب. ومن قال مثل هذا فهو كافر ملحد خارج عن العقل والدين» (٢).
وقال كذلك في رده على من احتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠]، على تصحيح هذا القول: «ويلزمك على هذا التقدير أن تقول إن الذين بايعتهم إنما بايعت الله، وطرده أن من قاتل شخصاً فإنما قاتل الله ومن بايعه فإنما بايع الله، بل يلزمهم أقبح من هذا وهو أن من لامسه أو جامعه أو ضاجعه فإنما يفعل ذلك مع الله، فإن أصل هذا القول أن الله لما كان خالقا لأفعال
стр. 282
العباد كان الفعل لهم في الصورة وله في المعنى وهذا عام في كل الأفعال الخير والشر» (١).
وقال ﵀: «وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله أيضًا فيكون الله قد بايع الله؛ إذ الله خالق لهذا ولهذا وكذلك إذا قيل بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد فإنه عام عندهم في هذا وهذا فيكون الله قد بايع الله. وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية الاتحادية حتى إن أحدهم إذا أمر بقتال العدو يقول: أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة» (٢).
الوجه الثاني: يلزم من هذا القول أن لا يكون هناك فرق بين فعل نبي من الأنبياء وفعل كافر من الأشقياء ولا ملك من الملائكة ولا ولي ولا صالح ولا فاسق ولا طالح، بل ولا حتى الحيوانات والجمادات، فإن الكل باعتبار القيومية والتقدير أفعالهم مخلوقة.
قال شيخ الإسلام ﵀: «واعلم أن من قال من النظار: إن أفعال العباد كلها فعل الله فلا فرق عندهم بين أفعال المؤمنين والكفار والبهائم وحركات الجمادات فإن مرادهم أن كل ما سوى الله فهو فعله أي مفعوله، وعلى قول هؤلاء فلا فرق بين فعل الرسول وغيره، وليس في كون الله خالقاً لشيء تفضيل لذلك المخلوق على غيره فإن الله خالق كل شيء» (٣).
ويلزم منه سلب خاصية الأنبياء والملائكة والأولياء وتسويتهم بأفجر الفجار وأكفر الكفار والعياذ بالله، قال شيخ الإسلام: «ومن ظن في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠]، أن المراد به أن فعلك هو فعل الله أو المراد أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو -مع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده- قد سلب
стр. 283
الرسول خاصيته وجعله مثل غيره وذلك أنه لو كان المراد به كون الله فاعلا لفعلك: لكان هذا قدراً مشتركاً بينه وبين سائر الخلق وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله ومن بايع مسيلمة الكذاب فقد بايع الله ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله» (١).
ثالثاً: أن في قولهم هذا تعطيلاً للأمر والنهي وإبطالاً للشرع، قال شيخ الإسلام ﵀: «وهذا يقع فيه كثير ممن يلحظ القيومية الشاملة العامة المتناولة لكل مخلوق وهؤلاء من أكفر الخلق ويجعلون هذا منافياً للأمر والنهي وهم من جنس الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾، إلى قوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام:١٤٨]» (٢).
رابعاً: نفي الفعل عن العبد لا يجوز بإجماع الأمة، قال شيخ الإسلام ﵀: «ومما يبين ذلك أن أفعال العباد لا يجوز أن تنفى عنهم باتفاق المسلمين من قال: إن الله تعالى خالقها، ومن قال إنه لم يخلقها لا يجوز أن يقال: هذا ما أكل ولا شرب ولا قعد ولا ركب ولا طاف ولا ركع ولا سجد ولا صام ولا سعى ولكن الله هو الذي أكل وشرب وقعد وركب وطاف وركع وسجد وصام وسعى، وسواء كانت الأفعال محمودة أو مذمومة، وسواء كانت سبباً لخرق العادة أم لا، فلا يقال: إن موسى ما ضرب بعصاه البحر ولا الحجر ولكن الله ضرب، ولا يقال: إن نوحاً ما ركب في السفينة ولكن الله ركب، ولا يقال: إن المسيح ما ارتفع إلى السماء بل الله ارتفع، ولا يقال: إن محمداً ﷺ ما ركب البراق بل الله ركب وأمثال هذا» (٣).
خامساً: أن "الفعل المختص بالمخلوق لا يضاف إلى الله تعالى إلا على بيان أن الله تعالى خلقه وجعل صاحبه فاعلا كقول الخليل ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وكما قال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً
стр. 284
مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة:٢٤] وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١] ولا يقال: إن الله يقيم الصلاة ويدعو إلى النار ولا إنه قد أسلم وقال تعالى ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج:١٩ - ٢١]، ولا يوصف الله تعالى بالهلع و الجزع، وجماع الأمر أن الله عز و جل لا يوصف بمخلوقاته" (١).
سادساً: أن كون الله هو خالق أفعال العباد لا يقتضي أن العبد هو الله قال ﵀: «أنه لو فرض أن المراد بهذه الآية أن الله خالق أفعال العباد فهذا المعنى حق وقد قال الخليل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] فالله هو الذي جعل المسلم مسلماً، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:١٩ - ٢١]، فالله هو الذي خلقه هلوعاً لكن ليس في هذا أن الله هو العبد؛ ولا أن وجود الخالق هو وجود المخلوق، ولا أن الله حال في العبد.
فالقول بأن الله خالق أفعال العباد حق والقول بأن الخلق حال في المخلوق أو وجوده وجود المخلوق باطل. وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد الربوبية إلى القول بالحلول والاتحاد وهذا عين الضلال والإلحاد» (٢).
سابعاً: يلزم من هذا القول تجويز دعاء غير الله وعبادة غير الله وتصحيح جميع الأديان الكفرية والمعبودات الوثنية، وأن العابد لها ما عبد ولا سجد ولا تقرب إلا لله، قال شيخ الإسلام: «وهذا كثيرا ما يقع فيه هؤلاء الإسماعيلية الاتحادية وأعرف منهم شخصا كان معظمًا وكان له حاجة إلى نصراني فذهب إليه وخضع له وقبل يده ورجله وربما قبل نعله حتى قضى حاجته ثم جعل يقول: ما رأيت إلا الله وما كان ذلك الخضوع والتقبيل إلا لله ، وهؤلاء يصرحون في
стр. 285
كتبهم بأن عباد العجل ما عبدوا إلا الله، وعباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، وعباد المسيح ما عبدوا إلا الله تعالى، وعندهم من عبد كل معبود كان محققاً موحداً وإنما المقصر عندهم من عبد بعض المظاهر دون بعض كالنصارى، وعباد العجل واللات والعزى، وفي كلام ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله من هذا ألوان» (١).
وبهذا يتبين بطلان هذا القول، وشناعة ما يلزمه من لوازم، ويترتب عليه من مفاسد، والله أعلم.
* * *
стр. 286
ملحق
• مناظرته مع بعض الاتحادية في اعتقادهم إن الله هو الناطق في كل شيء:
هذه المناظرة مثال آخر على ما وصل إليه الاتحادية من الإلحاد والكفر، وما يؤول إليه حال كثير منهم من الاضطراب والحيرة، بسبب مناقضة عقيدتهم للشرع والعقل والفطرة، وهي راجعة لعقيدتهم في (وحدة الوجود) وقد سبق عرض أصول شبههم في ذلك والرد عليها.
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام ﵀:
«وهكذا تصرح به (١) هؤلاء الجهمية الاتحادية، كما وجدته في كتبهم وكما شافهني بذلك حذاقهم ومحققوهم وشيوخهم.
ويقولون: إنه هو المتكلم على لسان كل قائل، لا يكتفون بأن يكون هو الذي أنطق كل شيء كما يقول المسلمون.
بل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب والدجال وفرعون يصرحون بأن أقوالهم هي قوله، وخاطبت بذلك بعضهم فذكرت له الدجال. فقال: يكون الدجال مستثنى من ذلك الشرع.
فقلت له: هذا لا يمكن على أصلكم في الوحدة فتحير وبقي في حيرة» (٢).
стр. 287
• مناظرته مع بعض الاتحادية في اعتقادهم أن الله ظهر في صورة الموجودات:
في هذه المناظرة بين شيخ الإسلام فساد اعتقاد أهل الاتحاد والوحدة: أن الله جل وعلا ظهر في صورة الموجودات. وذلك من جهة تناقضهم في المقالة، حيث يقررون وحدة الوجود وأنه ما ثم موجود إلا الله ثم يقررون أنه ظهر بصورة خلقه، وهذا يقتضي إثبات موجودين، واضطراب المقالة وتناقضها أوضح دليل على فسادها
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام ﵀:
«وقول هؤلاء (١) هو في الحقيقة قول الجهمية الذين كفرهم السلف والأئمة، لكن أولئك ظهر عنهم أنهم قالوا: إن الله بذاته في كل مكان. وكل من القائلين للقولين قد يقول مقالة الآخر كما بينته في غير هذا الموضع، فإن هؤلاء يقولون: بالمظاهر وإنه ظهر في الأشياء.
فقلت لبعضهم: فالمظاهر وجود أو عدم؟
قال: وجود.
قلت: فهي غيره أم لا؟ فإن قلتم غيره فقد قلتم بموجودين، وإن قلتم لا، بطل ما قررتموه، فتحير.
ولهذا لما فهم السلف حقيقة قول هؤلاء كفروهم كما قال عبد الله بن المبارك ما ذكره البخاري في كتاب خلق الأفعال قال: "وقال ابن مقاتل سمعت ابن المبارك يقول: من قال ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك» (٢).
стр. 288
الفصل الثاني:
مناظرته مع الصوفية وعباد القبور
ويشتمل على خمس مباحث:
المبحث الأول: مناظرته مع بعض الرفاعية حول ما يدعونه من المخاريق.
المبحث الثاني: مناظرته مع جماعة من الرفاعية فيما يزعمونه من إشارات وأحوال.
المبحث الثالث: مناظرته مع شيخ من شيوخ الرفاعية في تعبدهم بلبس الأغلال.
المبحث الرابع: المناظرة الكبرى مع الرفاعية في قصر الإمارة.
المبحث الخامس: مناظرته مع بعض الرفاعية في دعواه من دخول التنور وعدم الاحتراق بذلك.
المبحث السادس: مناظرته مع بعض من يحسن الظن بالأحجار ويجوزون التبرك بها.
المبحث السابع: مناظرته مع جماعة يستشفون بقبور العبيديين ويعتقدون ولايتهم.
المبحث الثامن: مناظرته مع بعض شيوخ المشرق في جواز دعاء القبور والحديث الموضوع في هذا.
стр. 289
المبحث التاسع: مناظرته مع بعض المشايخ الذين يستغيثون بغير الله ويدَّعون ظهور صورته لهم.
ملحق:
- مناظرته مع بعض المتصوفة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.
- مناظرته مع بعض اليونسية.
- مناظرته مع بعض الصوفية في بعض اعتقادتهم الباطلة.
стр. 290
المبحث الأول: مناظرته مع بعض الرفاعية فيما يدعونه من المخاريق: ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
تمهيد:
لقد جرت لشيخ الإسلام ﵀ وقائع عدة وحوادث كبيرة مع الطائفة الرفاعية والمنتسبين إليها، وذلك لمعايشته لهم، ووجوده بين ظهرانيهم، وانتشار تلك الطريقة في عهده وموطنه انتشارا كبيراً جداً، وتلبيسهم على العوام والأمراء والصغار والكبار والرجال والنساء. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام: «وكانوا لفرط انتشارهم في البلاد، واستحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد لخفاء نور الإسلام، واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام، وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار، ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار، لهم في القلوب موقع هائل ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل» (١)، ولكن هذه الأمور كلها لم تثن شيخ الإسلام عن النطق بالحق، وإنكار ما عند القوم من بدع وخرافات، وكذب وضلالات، فقام بهذا الأمر أفضل قيام، ووقعت له معهم وقائع كثيرة ومناظرات عديدة وجدل ونقاش وحوار، وكان أكبرها ما وقع له من مناظرة معهم
стр. 291
بقصر الإمارة، أمام الأمراء والعلماء والناس والأجناد، أظهر الله فيها الحق وأزهق فيها الباطل.
ولعظم هذه الموقعة، وجلالة قدرها، وكبير أثرها، فقد أفردها ﵀ في رسالة ذكر فيها مجريات هذه المناظرة وما وقع فيها، وقبل ذكره لهذه المناظرة مهد بذكر بعض المجريات التي سبقت هذا المشهد العظيم وكانت سببا لوقوعه، ومن ضمنها ثلاث مناظرات جرت له مع بعض هؤلاء الرفاعية سبقت المناظرة الكبرى أمام السلطان وكانت كالتمهيد لها، ومن الملاحظ في جميع هذه المناظرات: تشابه موضوعاتها، وترابط أحداثها، وتكرر مسائلها. وهاك نص المناظرة الأولى كما حكاها الشيخ ﵀.
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام ﵀: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله رب السموات والأرضين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليماً دائما إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد كتبتُ ما حضرني ذكره في المشهد الكبير بقصر الإمارة والميدان بحضرة الخلق من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم في أمر البطائحيَّة (١)، يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة خمس (٢)؛ لتشوُّف الهمم إلى معرفة ذلك، وحرص الناس على الاطلاع عليه، فإن من كان غائبًا عن ذلك قد يسمع بعض
стр. 292
أطراف الواقعة، ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع.
ومن الحاضرين من سمع ورأى ما لم يسمع غيره ويره؛ لانتشار هذه الواقعة العظيمة، ولما حصل بها من عز الدين وظهور كلمته العليا، وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة، وظهور زيف من خرج عن ذلك من أهل البدع المضلة والأحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين.
وقد كتبت في غير هذا الموضع (١) صفة حال هؤلاء البطائحية وطريقهم، وطريق
الشيخ أحمد بن الرفاعي (٢) وحاله وما وافقوا فيه المسلمين وما خالفوهم؛
стр. 293
ليتبين ما دخلوا فيه من دين الإسلام وما خرجوا فيه عن دين الإسلام؛ فإن ذلك يطول وصفه في هذا الموضع، وإنما كتبت هنا ما حضرني ذكره من حكاية هذه الواقعة المشهورة في مناظرتهم ومقابلتهم.
وذلك أني كنت أعلم من حالهم بما قد ذكرته في غير هذا الموضع، وهو أنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام وطريقة الفقر والسلوك، ويوجد في بعضهم التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع، ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف (١) والتصرف (٢)، ونحو ذلك ما يوجد -فيوجد أيضًا في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر ومن الغلو والبدع في الإسلام والإعراض عن كثير مما جاء به الرسول والاستخفاف بشريعة الإسلام والكذب والتلبيس وإظهار المخارق الباطلة وأكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله ما يوجد.
وقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة بينت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم بعض ما فيهم من حق وباطل وأحوالهم التي يسمونها الإشارات (٣)، وتاب منهم جماعة، وأدب منهم جماعة من شيوخهم، وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق: مثل ملابسة النار والحيات وإظهار الدم واللاذن (٤) والزعفران وماء
стр. 294
الورد والعسل والسكر وغير ذلك، وإن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة وأراد -غير مرة- منهم قوم إظهار ذلك فلما رأوا معارضتي لهم رجعوا ودخلوا على أن أسترهم فأجبتهم إلى ذلك بشرط التوبة، حتى قال لي شيخ منهم في مجلس عام فيه جماعة كثيرة ببعض البساتين لما عارضتهم بأني أدخل معكم النار بعد أن نغتسل بما يذهب الحيلة، ومن احترق كان مغلوبًا، فلما رأوا الصدق أمسكوا عن ذلك.
وحكى ذلك الشيخ: أنه كان مرة عند بعض أمراء التتر بالمشرق وكان له صنم يعبده.
قال: فقال لي: هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى أثر الأكل في الطعام بينا يرى فيه. فأنكرت ذلك.
فقال لي: إن كان يأكل أنت تموت؟ فقلت: نعم.
قال: فأقمت عنده إلى نصف النهار ولم يظهر في الطعام أثر.
فاستعظم ذلك التتري وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل، لكن اليوم بحضورك لم يظهر ذلك.
فقلت لهذا الشيخ: أنا أبين لك سبب ذلك؛ ذلك التتري كافر مشرك ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر في الطعام وأنت كان معك من نور الإسلام وتأييد الله تعالى ما أوجب انصراف الشيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك، وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتتري بالنسبة إلى أمثالك، فالتتري وأمثاله سود وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بلق (١) فيكم سواد وبياض، فأعجب هذا المثل من كان حاضرًا!» (٢).
стр. 295
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة:
اجتمع شيخ الإسلام ﵀ في هذه المناظرة مع جماعة من الرفاعية، وذلك في بعض البساتين، وناقشهم شيخ الإسلام ﵀ في مسألتين اثنتين:
المسألة الأولى: كشف تلبيس الرفاعية في دعواهم: دخول النار وعدم الاحتراق بها:
في هذه المناظرة تحدى شيخ الإسلام جماعة من الرفاعية أن يدخل معهم النار ومن احترق كان مغلوباً؛ وذلك لأن أكبر حججهم وطرقهم التي كانوا يحتجون بها على صحة مسلكهم وطريقتهم، وأنهم من أهل الأحوال الباطنة والكرامات الخارقة، هي قدرتهم على دخول النار دون أن يحترقوا، وقد لبسوا بذلك على خلق من الناس، فسلموا لهم بما قالوه، وصدقوهم فيما ادعوه.
ولما رأى القوم صدق شيخ الإسلام في طلبه، خافوا أن يُكشف حالهم، ويُفضح أمرهم، فأمسكوا عن ذلك، وسكتوا عنه، كعادة كل مبطل عندما تَلزمُهُ الحجة، وتَقطَعُه المحجة.
وقد احتج الرفاعية بهذا الأمر نفسه في المناظرة الكبرى التي وقعت بقصر الإمارة، وحدثت خلالها وقائع أكبر وحوادث أكثر، وبين شيخ الإسلام في ذلك الموضع ما هي الحيل والخدع التي يقومون بها لفعل هذا الأمر، ولذلك كان من الأحرى تأجيل دراسة هذه المسألة إلى ذلك الموضع (١).
المسألة الثانية: في عدم ظهور الأحوال الشيطانية عند أهل الإيمان:
بين شيخ الإسلام ﵀-لأحد شيوخ الرفاعية أن ما يحدث لبعض التتر من رؤية آثار الطعام الذي يقدمونه لأصنامهم التي يعبدونها ويتقربون لها، ونحوها من الأحوال التي قد تحدث عندهم، إنما هي من أفعال الشيطان لتضليلهم وإغوائهم
стр. 296
والتلبيس عليهم، وأن هذه الأحوال لا تظهر عند أهل الإيمان؛ لأن معهم من نور الإسلام والإيمان ما يوجب انصراف الشياطين، عن فعل ذلك بحضورهم.
وبين له شيخ الإسلام أنه كلما كان المرء أبعد عن الشرع، كلما كان تسلط الشيطان عليه أعظم، وتلبيسه عليه أكبر. وأشار شيخ الإسلام بذلك إلى أن الشياطين قد تلبس على هؤلاء الرفاعية وأمثالهم، ممن ابتعد عن هدي الكتاب والسنة، وإن كان تلبيسها على الكفار من التتر وغيرهم أعظم وأكبر، ولكن الشياطين تعجز عن إظهار هذه الأمور أمام أهل الإيمان الخلص، المتبعين للكتاب والسنة؛ لما معهم من نور الإيمان والسنة؛ ولذلك فقد عجز هؤلاء الرفاعية عن معارضة شيخ الإسلام وإظهار خوارقهم أمامه، قال شيخ الإسلام ﵀: «ولهذا من تكون أخباره عن شياطين تخبره، لا يكاشف أهل الإيمان والتوحيد، وأهل القلوب المنورة بنور الله، بل يهرب منهم، ويعترف أنه لا يكاشف هؤلاء وأمثالهم، وتعترف الجن والإنس الذين خوارقهم بمعاونة الجن لهم، أنهم لا يمكنهم أن يظهروا هذه الخوارق بحضرة أهل الإيمان والقرآن، ويقولون: أحوالنا لا تظهر قدام الشرع والكتاب والسنة، وإنما تظهر عند الكفار والفجار؛ وهذا لأن أولئك أولياء الشياطين، ولهم شياطين يعاونون شياطين المخدومين، ويتفقون على ما يفعلونه من الخوارق الشيطانية؛ كدخول النار» (١).
وقال ﵀: «الشياطين يخافون الرجل الصالح أعظم مما يخافه فجار الإنس، فهؤلاء الشياطين إذا كانوا مع جنسهم، الذين لا يهابونهم، فعلوا هذه الأمور. وأما إذا كانوا عند أهل إيمان وتوحيد، وفي بيوت الله التي يذكر فيها اسمه، لم يجترئوا على ذلك، بل يخافون الرجل الصالح أعظم مما يخافه فجار الإنس. ولهذا لا يمكنهم عمل سماع المكاء والتصدية في المساجد المعمورة بذكر الله، ولا بين أهل الإيمان والشريعة المتبعين للرسول. إنما يمكنهم ذلك في الأماكن التي يأتيها الشياطين؛ كالمساجد المهجورة، والمشاهد، والمقابر،
стр. 297
والحمامات، والمواخير (١)» (٢).
وبين ﵀ أن هذه الأحوال تنتشر في الأماكن التي يقل فيها ذكر الله، وتكثر فيها الشياطين، قال ﵀: «فالمواضع التي نهى النبي ﷺ عن الصلاة فيها؛ كالمقبرة، وأعطان الإبل، والحمام، وغيرها، فتكون حال هؤلاء فيها أقوى؛ لأنها مواضع الشياطين: كالمجزرة، والمزبلة، والحمام، ونحو ذلك، بخلاف الأمكنة التي ظهر فيها الإيمان والقرآن والتوحيد، التي أثنى الله على أهلها، وقال فيهم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور:٣٥ - ٣٨]، فهذه أمكنة النور والصالحين والملائكة، لا تتسلط عليها الشياطين بكل ما تريد، بل كيدهم فيها ضعيف، كما أن كيدهم في شهر رمضان ضعيف» (٣).
وبين ﵀ "أن الأحوال نتائج الأعمال. فالأكل من الطيبات والعمل الصالح يورث الأحوال الرحمانية: من المكاشفات والتأثيرات التي يحبها الله ورسوله. وأكل الخبائث وعمل المنكرات يورث الأحوال الشيطانية التي يبغضها الله ورسوله وخفراء التتر هم من هؤلاء وإذا اجتمعوا مع من له حال رحماني بطلت أحوالهم وهربت شياطينهم. وإنما يظهرون عند الكفار والجهال كما يظهر أهل الإشارات عند التتر والأعراب والفلاحين ونحوهم من الجهال الذين
стр. 298
لا يعرفون الكتاب والسنة. وأما إذا ظهر المحمديون أهل الكتاب والسنة فإن حال هؤلاء يبطل والله أعلم" (١). وستأتي دراسة هذه المسألة مستوفاة في المبحث التاسع من هذا الفصل، ونبين هناك أصل شبهة القوم، ومناقشة هذه الشبهة، والجواب عليها، حيث أن شيخ الإسلام قد فصل القول هناك ووضحه وبينه، وضرب عليه عدة أمثلة، وذكر هناك عدة مناظرات جرت له في المسألة ذاتها (٢).
* * *
стр. 299
المبحث الثاني: مناظرته مع جماعة من الرفاعية فيما يزعمونه من إشارات وأحوال
وتشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة .
تمهيد:
ثم عقب شيخ الإسلام بعد ذكر المناظرة الأولى بمناظرة أخرى حدثت له في مجلس آخر، مع جماعة من الرفاعية، وهي قريبة من سابقتها في موضوعها ومحتواها.
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام ﵀: «وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا: تريد أن نظهر هذه الإشارات؟
قلت: إن عملتموها بحضور من ليس من أهل الشأن: من الأعراب والفلاحين أو الأتراك أو العامة أو جمهور المتفقهة والمتفقرة والمتصوفة لم يحسب لكم ذلك.
فمن معه ذهبٌ، فليأت به إلى سوق الصرف، إلى عند الجهابذة الذين يعرفون الذهب الخالص من المغشوش ومن الصفر، لا يذهب إلا عند أهل الجهل بذلك.
فقالوا لي: لا نعمل هذا إلا أن تكون همتك معنا.
стр. 300
فقلت: همتي ليست معكم؛ بل أنا معارض لكم، مانع لكم؛ لأنكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا.
فانقلبوا صاغرين» (١).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
أصل شبهة القوم التي بنوا عليها صحة مذهبهم واستقامة مسلكهم وطريقتهم: هي اغترارهم بتصديق عامة الناس لهم فيما يظهرونه من إشارات وأحوال، فجعلهم هذا يظنوا أنهم على الحق والصواب (٢).
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين لهم شيخ الإسلام، أن العامة وجهلة الناس ليسوا معيارًا في معرفة الحق من الباطل، إذ أن طريقتهم وأحوالهم لا يسلم لهم بها إلا أحد شخصين:
١. جاهل لا يعلم حقيقة ما يقومون به من خُدعٍ وحيل، وذلك كالأعراب والفلاحين والعامة.
٢. عارف عالم، ولكنه منقاد لهم وهمته وهواه معهم.
وأما إن كان الرجل عالماً بدين الله، وهمته فيما وافق الكتاب والسنة، فإنهم لا يستطيعون خداعه بمثل هذه الأمور.
قال شيخ الإسلام ﵀: «وأما الذين يفعلون ما أمر الله به ورسوله من الصلوات الخمس وغيرها ويخلصون دينهم لله فلا يدعون إلا الله ولا يعبدون غيره ولا ينذرون إلا لله ويحرمون ما حرم الله ورسوله؛ فهؤلاء جند الله الغالبون
стр. 301
وحزب الله المفلحون، فإنه يؤيدهم وينصرهم. وهؤلاء يهزمون شياطين أولئك الضالين فلا يستطيعون مع شهود هؤلاء واستغاثتهم بالله أن يفعلوا شيئا من تلك الأحوال الشيطانية بل تهرب منهم تلك الشياطين.
وهؤلاء معترفون بذلك. يقولون: أحوالنا ما تنفذ قدام أهل الكتاب والسنة وإنما تنفذ قدام من لا يكون كذلك من الأعراب والترك والعامة وغيرهم» (١).
وهذا هو ما كان عليه شيخ الإسلام ﵀، فإنهم لما عرفوا أنه ليس من الصنف الأول، طلبوا منه أن يكون من الصنف الثاني، لكي يتقبل ما يظهرونه من إشارات، وما يدعونه من كرامات.
ولكنه بين لهم ﵀ أنه ليس من أحد الصنفين، فانقلبوا بعد ذلك صاغرين، ولم يستطيعوا إظهار شيء من ذلك.
ولتعلق هذه المسألة وارتباطها بسابقتها فسيكون لها -أيضاً- مزيد بحث وتحقيق في المبحث التاسع -إن شاء الله-.
* * *
стр. 302
المبحث الثالث: مناظرته مع شيخ من شيوخ الرفاعية في تعبدهم بلبس الأغلال: ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام ﵀: «فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ البر مطوقين بأغلال الحديد في أعناقهم (١)، وهو وأتباعه معروفون بأمور، وكان يحضر عندي مرات فأخاطبه بالتي هي أحسن، فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار المبتدع الذي يتميزون به عن المسلمين ويتخذونه عبادة ودينا يوهمون به الناس أن هذا لله سر من أسرارهم وإنه سيماء أهل الموهبة الإلهية، السالكين طريقهم -أعني طريق ذلك الشيخ وأتباعه- خاطبته في ذلك بالمسجد الجامع وقلت هذا بدعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ولا فعل ذلك أحد من سلف هذه الأمة ولا من المشايخ الذين يقتدى بهم، ولا يجوز التعبد بذلك ولا التقرب به إلى الله تعالى؛ لأن عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة ولباس الحديد على غير وجه التعبد قد كرهه من كرهه من العلماء
стр. 303
للحديث المروي في ذلك وهو أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- رأى على رجل خاتماً من حديد فقال: (ما لي أرى عليك حلية أهل النار) (١).
وقد وصف الله تعالى أهل النار بأن في أعناقهم الأغلال (٢)، فالتشبه بأهل النار من المنكرات. وقال بعض الناس قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- في حديث الرؤيا قال في آخره: (أحب القيد وأكره الغل، القيد ثبات في الدين) (٣)، فإذا كان مكروهًا في المنام فكيف في اليقظة؟! فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من الكلام أو نحو منه مع زيادة. وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله ونحو ذلك من الكلام الذي نسيت أكثره لبعد عهدي به، وذلك أن الأمور التي ليست مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين ولا التقرب بها إلى الله ولا اتخاذها طريقًا إلى الله وسببًا لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه ولا اعتقاد أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك أو أن اتخاذها يزداد به الرجل خيرًا عند الله وقربة إليه، ولا أن يجعل شعارًا للتائبين المريدين وجه الله الذين هم أفضل ممن ليس مثلهم. فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك دينًا لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها فلا حرام
стр. 304
إلا ما حرمه الله؛ ولا دين إلا ما شرعه الله؛ ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع دينًا لم يأذن الله به ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه، فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات ولهذا كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر فلو نذر الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر طاعة الله أن يطيعه؛ بل عليه كفارة يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره، وعند آخرين لا شيء عليه فلا يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة [طاعة وعبادة]، ونحو ذلك العهود التي تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين كعهود أهل الفتوة (١)، ورماة البندق (٢)، ونحو ذلك ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على وجه الدين والطاعة لله، إلا ما كان ديناً وطاعة لله ورسوله في شرع الله؛ لكن قد يكون عليه كفارة عند الحنث في ذلك؛ ولهذا أمرت غير واحد أن يعدل عما أخذ عليه من العهد بالتزام طريقة مرجوحة أو مشتملة على أنواع من البدع إلى ما هو خير منها من طاعة الله ورسوله واتباع الكتاب والسنة، إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل: إنه قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله؛ وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال إنه قربة وطاعة.
فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ولا التعبد به
стр. 305
ولا اتخاذه دينا ولا عمله من الحسنات فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول ولا بإرادة وعمل.
وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرمًا لا ينهى عنه؛ بل يقال إنه جائز ولا يفرقون بين اتخاذه دينًا وطاعةً وبرًا وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة، ومعلوم أن اتخاذه دينا بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما أو بالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر السيئات، وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يعلم أنها معاصي وسيئات فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة» (١).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:
كان من شعائر القوم البدعية الظاهرة، لبسهم وتقلدهم للأطواق والأغلال والسلاسل حول أعناقهم، وتعبدهم الله بلبس هذه الأغلال وجعلها شعار لهم يميزهم عن بقية الناس، وكان هذا من أعظم ما قام شيخ الإسلام يإنكاره عليهم، وقد ناقش شيخ الإسلام هذه المسألة معهم في مجلسين مختلفين: أولهما في هذه المناظرة، والآخر في المناظرة الكبرى بقصر الإمارة، وستكون مناقشة هذه المسألة من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم في لبس الأغلال:
بين شيخ الإسلام ﵀ أن أصل شبهتهم التي حملتهم على هذا الفعل، هي ما ادعوه من أن لبس هذه الأغلال وتقلد هذه الأطواق سر من أسرارهم التي لا يطلع عليها إلا هم، وهو شعار وسيماء أهل الموهبة الإلهية السالكين طريق شيخهم، وأن الأمور التي لم يأت في الشرع بيان حرمتها فالأصل إباحتها وجواز التعبد لله بها، فلا مانع من التعبد لله بلبس الأغلال، واتخاذها شعاراً لهم يميزهم عن غيرهم (٢).
стр. 306
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام ﵀ في هذه المناظرة بطلان وفساد هذه العادة التي اتخذها هؤلاء القوم قربة وعبادة، وبطلان شبهتهم في ذلك من ستة أوجه:
الأول: أن هذه بدعة لم يشرعها الله ولا رسوله ﷺ ، ومن عبد الله بغير ما شرع فقد وقع في البدعة والضلالة (١).
الثاني: أن هذا الأمر لم يفعله أحد من السلف الصالحين، ولا من مشايخ الدين المقتدى بهم، وإنما هو من إحداث هؤلاء القوم (٢).
الثالث: أن لبس الحديد قد كرهه من كرهه من العلماء لما روي أن النبي ﷺ رأى على رجل خاتما من حديد فقال: (مالي أرى عليك حلية أهل النار) (٣) فقالوا بكراهة لبسه ولو كان لبسه على غير تعبد، فكيف إذا كان تعبدا وديانة (٤)؟!
الرابع: أن هذا الفعل تشبه بأهل النار؛ لأن الله وصفهم بأن في أعناقهم الأغلال، والتشبه بأهل النار من المنكرات (٥).
الخامس: أنه قد جاء في السنة كراهة الأغلال ولو في المنام وذلك في ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث الرؤيا قال في آخره: (أحب القيد وأكره الغل، القيد ثبات في الدين) (٦)، فإذا كان مكروها في المنام فكيف في اليقظة (٧)؟! (٨).
стр. 307
السادس: أن ما ليس مستحبًا في الشرع لا يجوز التعبد به باتفاق المسلمين، ولا اتخاذه طريقًا إلى الله ولا شعارًا لأهل الصلاح (١).
السابع: أنه لا يجوز التدين إلى الله بالأمور المباحة وجعلها مستحبة أو واجبة، فإن المباح إنما يكون مباحا إذا بقي على أصله، أما إذا اتخذ واجبًا أو مستحبًا، كان ذلك دينًا لم يشرعه الله وقد جاء في الوعيد لمن يتخذ دينا لم يشرعه الله الشيء العظيم، فإذا كان هذا في اتخاذ المباحات ديناً فكيف التعبد بالمكروهات والمحرمات؟!
قال شيخ الإسلام ﵀: «ولو سئل العالم عمن يعدو بين جبلين: هل يباح له ذلك؟ قال: نعم. فإذا قيل: إنه على وجه العبادة كما يسعى بين الصفا والمروة. قال: إن فعله على هذا الوجه حرام منكر، يستتاب فاعله، فإن تاب وإلا؛ قُتل.
ولو سئل عن كشف الرأس، ولبس الإزار، والرداء: أفتى بأن هذا جائز، فإذا قيل: إنه يفعله على وجه الإحرام كما يحرم الحاج. قال: إن هذا حرام منكر.
ولو سئل: عمن يقوم في الشمس. قال: هذا جائز. فإذا قيل: إنه يفعله على وجه العبادة. قال: هذا منكر. كما روى البخاري عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقال: (من هذا؟). قالوا: هذا أبو إسرائيل (٢) يريد أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم. فقال النبي ﷺ : (مروه؛ فليتكلم، وليجلس، وليستظل، وليتم صومه) (٣)؛ فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح لم ينه عنه، لكن لما فعله على وجه العبادة نهى عنه.
وكذلك لو دخل الرجل إلى بيته من خلف البيت لم يحرم عليه ذلك، ولكن إذا فعل ذلك على أنه عبادة كما كانوا يفعلون في الجاهلية: كان أحدهم إذا أحرم لم
стр. 308
يدخل تحت سقف؛ فنهوا عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩]، فبين سبحانه أن هذا ليس ببر وإن لم يكن حراماً، فمن فعله على وجه البر والتقرب إلى الله كان عاصياً مذموماً مبتدعاً، والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن العاصي يعلم أنه عاص فيتوب، والمبتدع يحسب أن الذي يفعله طاعة فلا يتوب … فمن فعل ما ليس بواجب ولا مستحب على أنه من جنس الواجب أو المستحب؛ فهو ضال مبتدع، وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب» (١).
الثامن: أنه ليس لأولياء الله لباس أو شعار يختصون به من دون الناس، قال شيخ الإسلام: "وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره، إذا كان مباحا، كما قيل: كم من صدِّيقٍ في قباء، وكم من زنديق في عباء" (٢).
وبهذه الأوجه كلها نقض شيخ الإسلام ما جاء به هؤلاء القوم من بدعة، وما فعلوه من ضلالة، وفند ما ذكره هذا الشيخ من شبهة.
* * *
стр. 309
المبحث الرابع: المناظرة الكبرى مع الرفاعية في قصر الإمارة: ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة .
تمهيد:
لقد كان ما أظهره الرفاعية من الطاعة والامتثال بعد المناظرة السابقة إنما هو كذب وتدليس، فهم لا زالوا على عقائدهم الفاسدة، وإنما أظهروا هذا عندما أعيتهم الحجة، وانقطعت أمامهم المحجة، وعجزوا عن الجواب على الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة التي أوردها شيخ الإسلام ﵀، ولم يجدوا أمام تلك السهام الصائبة إلا التخفي وراء جدار السكوت، وإظهار الطاعة والموافقة، مع مضيهم على ما هم عليه من غي وضلال، وشطحات وبدع وأحوال؛ مما أدى إلى وقوع حوادث أخرى لهم مع شيخ الإسلام، ومع عامة الناس، وكان أعظمها ما جرى في المناظرة الكبرى التي وقعت بينهم وبين شيخ الإسلام في قصر الإمارة أمام السلطان وبمرأى الناس وبحضور العامة والعلماء والأمراء في محفل عظيم.
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام ﵀: «فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة والناس يذكرون عنهم الإصرار على الابتداع في الدين وإظهار ما يخالف شرعة المسلمين ويطلبون الإيقاع بهم، وأنا أسلك مسلك
стр. 310
الرفق والأناة وأنتظر الرجوع والفيئة وأؤخر الخطاب إلى أن يحضر ذلك الشيخ لمسجد الجامع.
وكان قد كتب إلي كتابًا بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار، وعتب وآثار وهو كلام باطل لا تقوم به حجة بل إما أحاديث موضوعة أو إسرائيليات غير مشروعة، وحقيقة الأمر الصد عن سبيل الله وأكل أموال الناس بالباطل.
فقلت لهم: الجواب يكون بالخطاب.
فإن جواب مثل هذا الكتاب لا يتم إلا بذلك، وحضر عندنا منهم شخص فنزعنا الغل من عنقه، وهؤلاء هم من أهل الأهواء الذين يتعبدون في كثير من الأمور بأهوائهم لا بما أمر الله تعالى ورسوله ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]؛ ولهذا غالب وجدهم هوى مطلق لا يدرون من يعبدون، وفيهم شَبه قوي من النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]، ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء، فحملهم هواهم على أن تجمعوا تجمع الأحزاب، ودخلوا إلى المسجد الجامع مستعدين للحراب بالأحوال التي يعدونها للغلاب. فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر الله ورسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، ونتفق على اتباع سبيله، فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة -وكأنهم اتفقوا مع بعض الأكابر على مطلوبهم- ثم رجعوا إلى مسجد الشاغو (١) -على ما ذكر لي- وهم من الصياح والاضطراب على أمر من أعجب العجاب.
فأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة والمعذرة، وطلبًا للبيان والتبصرة ورجاء المنفعة والتذكرة، فعمدوا إلى القصر مرة ثانية وذُكر لي أنهم قدموا من
стр. 311
الناحية الغربية مظهرين الضجيج والعجيج والإزباد والإرعاد واضطراب الرؤوس والأعضاء والتقلب في نهر بردى (١)، وإظهار التوله الذي يخيلوا به على الردى، وإبراز ما يدعونه من الحال والمحال الذي يسلمه إليهم من أضلوا من الجهال.
فلما رأى الأمير ذلك هاله ذلك المنظر! وسأل عنهم؟ فقيل له: هم مشتكون، فقال: ليدخل بعضهم. فدخل شيخهم وأظهر من الشكوى علي، ودعوى الاعتداء مني عليهم كلامًا كثيرًا لم يبلغني جميعه؛ لكن حدثني من كان حاضرًا أن الأمير قال لهم: فهذا الذي يقوله من عنده أو يقوله عن الله ورسوله ﷺ ؟ فقالوا: بل يقوله عن الله ورسوله ﷺ . قال: فأي شيء يقال له؟ قالوا: نحن لنا أحوال وطريق يسلم إلينا. قال: فنسمع كلامه فمن كان الحق معه نصرناه. قالوا: نريد أن تشد منا.
قال: لا ولكن أشد في الحق سواء كان معكم أو معه. قالوا: ولا بد من حضوره؟ قال: نعم. فكرروا ذلك فأمر بإخراجهم فأرسل إلي بعض خواصه من أهل الصدق والدين ممن يَعرف ضلالهم، وعرفني بصورة الحال، وأنه يريد كشف أمر هؤلاء.
فلما علمت ذلك أُلقي في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين وكشف حال أهل النفاق المبتدعين؛ لانتشارهم في أقطار الأرضين، وما أحببت البغي عليهم والعدوان ولا أن أسلك معهم إلا أبلغ ما يمكن من الإحسان، فأرسلت إليهم من عرفهم بصورة الحال وإني إذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال وكثر فيكم القيل والقال، وأن من قعد أو قام قدام رماح أهل الإيمان فهو الذي أوقع نفسه في الهوان.
فجاء الرسول وأخبر أنهم اجتمعوا بشيوخهم الكبار الذين يعرفون حقيقة الأسرار، وأشاروا عليهم بموافقة ما أمروا به من اتباع الشريعة والخروج عما ينكر عليهم من البدع الشنيعة.
стр. 312
وقال شيخهم (١) الذي يسيح بأقطار الأرض كبلاد الترك ومصر وغيرها: أحوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله.
وأنهم نزعوا الأغلال من الأعناق وأجابوا إلى الوفاق.
ثم ذُكر لي أنه جاءهم بعض أكابر غلمان المطاع وذكر أنه لا بد من حضورهم لموعد الاجتماع.
فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته واستنصرته واستهديته، وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك، حتى ألقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك، وأنها تكون برداً وسلاماً على من اتبع ملة الخليل، وأنها تحرق أشباه الصابئة أهل الخروج عن هذه السبيل. وقد كان بقايا الصابئة أعداء إبراهيم إمام الحنفاء بنواحي البطائح منضمين إلى من يضاهيهم من نصارى الدهماء. وبين الصابئة ومن ضل من العباد المنتسبين إلى هذا الدين نسب يعرفه من عرف الحق المبين، فالغالية من القرامطة (٢) والباطنية كالنُصَيرية (٣) والإسماعيلية (٤) يخرجون
стр. 313
إلى مشابهة الصابئة الفلاسفة ثم إلى الإشراك ثم إلى جحود الحق تعالى.
ومن شركهم الغلو في البشر والابتداع في العبادات والخروج عن الشريعة له نصيب من ذلك بحسب ما هو به لائق كالملحدين من أهل الاتحاد والغالية من أصناف العباد.
فلما أصبحنا ذهبت للميعاد وما أحببت أن أستصحب أحدًا للإسعاد، لكن ذهب أيضًا بعض من كان حاضرًا من الأصحاب، والله هو المسبب لجميع الأسباب.
وبلغني بعد ذلك أنهم طافوا على عدد من أكابر الأمراء، وقالوا أنواعاً مما جرت به عادتهم من التلبيس والافتراء الذي استحوذوا به على أكثر أهل الأرض من الأكابر والرؤساء، مثل زعمهم: أن لهم أحوالاً لا يقاومهم فيها أحد من الأولياء وأن لهم طريقًا لا يعرفها أحد من العلماء.
وأن شيخهم هو في المشايخ كالخليفة، وأنهم يتقدمون على الخلق بهذه الأخبار المنيفة، وأن المنكر عليهم هو آخذ بالشرع الظاهر غير واصل إلى الحقائق والسرائر.
وأن لهم طريقًا وله طريق، وهم الواصلون إلى كنه التحقيق، وأشباه هذه الدعاوى ذات الزخرف والتزويق.
وكانوا لفرط انتشارهم في البلاد واستحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد؛ لخفاء نور الإسلام، واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام، وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار، لهم في القلوب موقع هائل، ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل.
قال المخبر: فغدا أولئك الأمراء الأكابر وخاطبوا فيهم نائب السلطان بتعظيم أمرهم الباهر، وذكر لي أنواعًا من الخطاب والله تعالى أعلم بحقيقة الصواب، والأمير مستشعر ظهور الحق عند التحقيق، فأعاد الرسول إلي مرة ثانية، فبلغه أنَّا في الطريق، وكان كثير من أهل البدع الأضداد كطوائف من المتفقهة والمتفقرة وأتباع أهل الاتحاد، مجدين في نصرهم بحسب مقدورهم، مجهزين لمن يعينهم
стр. 314
في حضورهم.
فلما حضرت وجدت النفوس في غاية الشوق إلى هذا الاجتماع، متطلعين إلى ما سيكون، طالبين للاطلاع.
فذكر لي نائب السلطان وغيره من الأمراء بعض ما ذكروه من الأقوال المشتملة على الافتراء، وقال: إنهم قالوا: إنك طلبت منهم الامتحان، وأن يحموا الأطواق نارا ويلبسوها.
فقلت: هذا من البهتان، وها أنا ذا أصف ما كان.
قلت للأمير: نحن لا نستحل أن نأمر أحدًا بأن يدخل نارًا ولا تجوز طاعة من يأمر بدخول النار، وفي ذلك الحديث الصحيح (١).
وهؤلاء يكذبون في ذلك وهم كذابون مبتدعون، قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم.
وذكرت تلبيسهم على طوائف من الأمراء وأنهم لبَّسوا على الأمير المعروف بالأيدمري (٢)، ..................................
стр. 315
وعلى قفجق (١) نائب السلطنة وعلى غيرهما، وقد لبَّسوا أيضا على الملك العادل كتبغا (٢) في ملكه وفي حالة ولاية حماة (٣)، وعلى أمير السلاح أجل أمير بديار مصر، وضاق المجلس عن حكاية جميع تلبيسهم.
فذكرت تلبيسهم على الأيدمري وأنهم كانوا يرسلون من النساء من يستخبر عن أحوال بيته الباطنة، ثم يخبرونه بها على طريق المكاشفة ووعدوه بالملك، وأنهم وعدوه أن يروه رجال الغيب فصنعوا خشبًا طوالاً وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب بأكر الزجاج، فجعلوا يمشون على جبل المِزَّة (٤)، وذاك يرى من بعيد قوما يطوفون على الجبل وهم يرتفعون عن الأرض وأخذوا منه مالا كثيرًا ثم انكشف له أمرهم.
стр. 316
قلت للأمير: وولده هو الذي في حلقة الجيش يعلم ذلك وهو ممن حدثني بهذه القصة.
وأما قفجق فإنهم أدخلوا رجلاً في القبر يتكلم، وأوهموه أن الموتى تتكلم، وأتوا به في مقابر باب الصغير (١) إلى رجل زعموا أنه الرجل الشعراني الذي بجبل لبنان ولم يقربوه منه بل من بعيد لتعود عليه بركته، وقالوا: إنه طلب منه جملة من المال؛ فقال قفجق: الشيخ يكاشف وهو يعلم أن خزائني ليس فيها هذا كله! وتقرب قفجق منه وجذب الشعر فانقلع الجلد الذي ألصقوه على جلده من جلد الماعز فذكرت للأمير هذا؛ ولهذا قيل لي: إنه لما انقضى المجلس وانكشف حالهم للناس كتب أصحاب قفجق إليه كتابًا وهو نائب السلطنة بحماة يخبره بصورة ما جرى.
وذكرت للأمير أنهم مبتدعون بأنواع من البدع مثل الأغلال ونحوها، وأنا نهيناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة فذكر الأمير حديث البدعة وسألني عنه فذكرت حديث العرباض بن سارية وحديث جابر بن عبد الله وقد ذكرتهما بعد ذلك بالمجلس العام كما سأذكره.
قلت للأمير: أنا ما امتحنت هؤلاء، لكن هم يزعمون أن لهم أحوالاً يدخلون بها النار وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك، ويقولون لنا هذه الأحوال التي يعجز عنها أهل الشرع، ليس لهم أن يعترضوا علينا بل يسلم إلينا ما نحن عليه -سواء وافق الشرع أو خالفه- وأنا قد استخرت الله سبحانه أنهم إن دخلوا النار أدخل أنا وهم، ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله وكان مغلوبًا، وذلك بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار (٢).
стр. 317
فقال الأمير ولمَ ذاك؟ قلت: لأنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج (١) وحجر الطلق (٢) وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم، وأنا لا أطلي جلدي بشيء فإذا اغتسلت أنا وهم بالخل والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق، فاستعظم الأمير هجومي على النار وقال: أتفعل ذلك؟ فقلت له: نعم قد استخرت الله في ذلك، وأُلقي في قلبي أن أفعله، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء؛ فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد ﷺ المتبعين له باطنًا وظاهرًا لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله، والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله ﷺ ، ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات. وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم.
فجعل الأمير يخاطب من حضره من الأمراء على السماط بذلك، وفرح بذلك وكأنهم كانوا قد أوهموه أن هؤلاء لهم حال لا يقدر أحد على رده، وسمعته يخاطب الأمير الكبير الذي قدم من مصر الحاج بهادر (٣) وأنا جالس بينهما على
стр. 318
رأس السماط بالتركي ما فهمته منه إلا أنه قال: اليوم ترى حربًا عظيمًا. ولعل ذاك كان جوابًا لمن كان خاطبه فيهم على ما قيل.
وحضر شيوخهم الأكابر فجعلوا يطلبون من الأمير الإصلاح وإطفاء هذه القضية ويترفقون فقال الأمير إنما يكون الصلح بعد ظهور الحق، وقمنا إلى مقعد الأمير بزاوية القصر أنا وهو وبهادر فسمعته يذكر له أيوب الحمال (١) بمصر والمولهين ونحو ذلك، فدل ذلك على أنه كان عند هذا الأمير لهم صورة معظمة وأن لهم فيهم ظنًّا حسنًا والله أعلم بحقيقة الحال؛ فإنه ذُكر لي ذلك.
وكان الأمير أحب أن يشهد بهادر هذه الواقعة ليتبين له الحق؛ فإنه من أكابر الأمراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده وقد قدم الآن وهو يحب تأليفه وإكرامه فأمر ببساط يبسط في الميدان.
وقد قدم البطائحية وهم جماعة كثيرون وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية من الإزباد والإرغاء (٢) وحركة الرؤوس والأعضاء والطفر (٣) والحبو والتقلب ونحو ذلك من الأصوات المنكرات والحركات الخارجة عن العادات، المخالفة لما أمر به لقمان لابنه في قوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان:١٩].
فلما جلسنا وقد حضر خلق عظيم من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء والعامة وغيرهم، وحضر شيخهم الأول المشتكي وشيخ آخر يسمي نفسه خليفة سيده أحمد، ويركب بعلمين وهم يسمونه: عبد الله الكذاب ولم أكن أعرف ذلك.
وكان من مدة قد قدم علي منهم شيخ بصورة لطيفة، وأظهر ما جرت به عادتهم من المسألة فأعطيته طلبته ولم أتفطن لكذبه حتى فارقني، فبقي في نفسي أن هذا
стр. 319
خفي علي تلبيسه إلى أن غاب وما يكاد يخفى علي تلبيس أحد؛ بل أدركه في أول الأمر فبقي ذلك في نفسي ولم أره قط إلى حين ناظرته، ذكر لي أنه ذاك الذي كان اجتمع بي قديمًا فتعجبت من حسن صنع الله أنه هتكه في أعظم مشهد يكون، حيث كتم تلبيسه بيني وبينه.
فلما حضروا تكلم منهم شيخ يقال له حاتم بكلام مضمونه طلب الصلح والعفو عن الماضي والتوبة وإنا مجيبون إلى ما طلب من ترك هذه الأغلال وغيرها من البدع ومتبعون للشريعة.
فقلت أما التوبة فمقبولة قال الله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣]، هذه إلى جنب هذه، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحِجر:٤٩ - ٥٠].
فأخذ شيخهم المشتكي ينتصر للبسهم الأطواق، وذكر أن وهب بن منبه روى: (أنه كان في بني إسرائيل عابد وأنه جعل في عنقه طوقًا) في حكاية من حكايات بني إسرائيل لا تثبت (١).
فقلت لهم: ليس لنا أن نتعبد في ديننا بشيء من الإسرائيليات المخالفة لشرعنا، قد روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال: (أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) (٢)، وفي مراسيل أبي داود أن النبي ﷺ رأى مع بعض أصحابه شيئًا من كتب أهل الكتاب، فقال: (كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أُنزل إلى نبي غير نبيهم) (٣) وأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى
стр. 320
عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١]، فنحن لا يجوز لنا اتباع موسى ولا عيسى فيما علمنا أنه أنزل عليهما من عند الله إذا خالف شرعنا، وإنما علينا أن نتبع ما أنزل علينا من ربنا ونتبع الشرعة والمنهاج الذي بعث الله به إلينا رسولنا كما قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨].
فكيف يجوز لنا أن نتبع عباد بني إسرائيل في حكاية لا تعلم صحتها، وما علينا من عباد بني إسرائيل: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]، هات ما في القرآن وما في الأحاديث الصحاح كالبخاري ومسلم، وذكرت هذا وشبهه بكيفية قوية.
فقال هذا الشيخ منهم يخاطب الأمير: نحن نريد أن تجمع لنا القضاة الأربعة والفقهاء، ونحن قوم شافعية.
فقلت له: هذا غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين؛ بل كلهم ينهى عن التعبد به ويعده بدعة وهذا الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مفتي الشافعية ودعوته، وقلت: يا كمال الدين ما تقول في هذا؟ فقال: هذا بدعة غير مستحبة بل مكروهة أو كما قال. وكان مع بعض الجماعة فتوى فيها خطوط طائفة من العلماء بذلك.
وقلت: ليس لأحد الخروج عن شريعة محمد ﷺ ، ولا الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، وأشك هل تكلمت هنا في قصة موسى والخضر؛ فإني تكلمت بكلام بَعُد عهدي به؟
فانتدب ذلك الشيخ عبدالله ورفع صوته، وقال: نحن لنا أحوال وأمور باطنة