قلت للأمير: وولده هو الذي في حلقة الجيش يعلم ذلك وهو ممن حدثني بهذه القصة.
وأما قفجق فإنهم أدخلوا رجلاً في القبر يتكلم، وأوهموه أن الموتى تتكلم، وأتوا به في مقابر باب الصغير (١) إلى رجل زعموا أنه الرجل الشعراني الذي بجبل لبنان ولم يقربوه منه بل من بعيد لتعود عليه بركته، وقالوا: إنه طلب منه جملة من المال؛ فقال قفجق: الشيخ يكاشف وهو يعلم أن خزائني ليس فيها هذا كله! وتقرب قفجق منه وجذب الشعر فانقلع الجلد الذي ألصقوه على جلده من جلد الماعز فذكرت للأمير هذا؛ ولهذا قيل لي: إنه لما انقضى المجلس وانكشف حالهم للناس كتب أصحاب قفجق إليه كتابًا وهو نائب السلطنة بحماة يخبره بصورة ما جرى.
وذكرت للأمير أنهم مبتدعون بأنواع من البدع مثل الأغلال ونحوها، وأنا نهيناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة فذكر الأمير حديث البدعة وسألني عنه فذكرت حديث العرباض بن سارية وحديث جابر بن عبد الله وقد ذكرتهما بعد ذلك بالمجلس العام كما سأذكره.
قلت للأمير: أنا ما امتحنت هؤلاء، لكن هم يزعمون أن لهم أحوالاً يدخلون بها النار وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك، ويقولون لنا هذه الأحوال التي يعجز عنها أهل الشرع، ليس لهم أن يعترضوا علينا بل يسلم إلينا ما نحن عليه -سواء وافق الشرع أو خالفه- وأنا قد استخرت الله سبحانه أنهم إن دخلوا النار أدخل أنا وهم، ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله وكان مغلوبًا، وذلك بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار (٢).
стр. 317
فقال الأمير ولمَ ذاك؟ قلت: لأنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج (١) وحجر الطلق (٢) وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم، وأنا لا أطلي جلدي بشيء فإذا اغتسلت أنا وهم بالخل والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق، فاستعظم الأمير هجومي على النار وقال: أتفعل ذلك؟ فقلت له: نعم قد استخرت الله في ذلك، وأُلقي في قلبي أن أفعله، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء؛ فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد ﷺ المتبعين له باطنًا وظاهرًا لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله، والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله ﷺ ، ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات. وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم.
فجعل الأمير يخاطب من حضره من الأمراء على السماط بذلك، وفرح بذلك وكأنهم كانوا قد أوهموه أن هؤلاء لهم حال لا يقدر أحد على رده، وسمعته يخاطب الأمير الكبير الذي قدم من مصر الحاج بهادر (٣) وأنا جالس بينهما على
стр. 318
رأس السماط بالتركي ما فهمته منه إلا أنه قال: اليوم ترى حربًا عظيمًا. ولعل ذاك كان جوابًا لمن كان خاطبه فيهم على ما قيل.
وحضر شيوخهم الأكابر فجعلوا يطلبون من الأمير الإصلاح وإطفاء هذه القضية ويترفقون فقال الأمير إنما يكون الصلح بعد ظهور الحق، وقمنا إلى مقعد الأمير بزاوية القصر أنا وهو وبهادر فسمعته يذكر له أيوب الحمال (١) بمصر والمولهين ونحو ذلك، فدل ذلك على أنه كان عند هذا الأمير لهم صورة معظمة وأن لهم فيهم ظنًّا حسنًا والله أعلم بحقيقة الحال؛ فإنه ذُكر لي ذلك.
وكان الأمير أحب أن يشهد بهادر هذه الواقعة ليتبين له الحق؛ فإنه من أكابر الأمراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده وقد قدم الآن وهو يحب تأليفه وإكرامه فأمر ببساط يبسط في الميدان.
وقد قدم البطائحية وهم جماعة كثيرون وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية من الإزباد والإرغاء (٢) وحركة الرؤوس والأعضاء والطفر (٣) والحبو والتقلب ونحو ذلك من الأصوات المنكرات والحركات الخارجة عن العادات، المخالفة لما أمر به لقمان لابنه في قوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان:١٩].
فلما جلسنا وقد حضر خلق عظيم من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء والعامة وغيرهم، وحضر شيخهم الأول المشتكي وشيخ آخر يسمي نفسه خليفة سيده أحمد، ويركب بعلمين وهم يسمونه: عبد الله الكذاب ولم أكن أعرف ذلك.
وكان من مدة قد قدم علي منهم شيخ بصورة لطيفة، وأظهر ما جرت به عادتهم من المسألة فأعطيته طلبته ولم أتفطن لكذبه حتى فارقني، فبقي في نفسي أن هذا
стр. 319
خفي علي تلبيسه إلى أن غاب وما يكاد يخفى علي تلبيس أحد؛ بل أدركه في أول الأمر فبقي ذلك في نفسي ولم أره قط إلى حين ناظرته، ذكر لي أنه ذاك الذي كان اجتمع بي قديمًا فتعجبت من حسن صنع الله أنه هتكه في أعظم مشهد يكون، حيث كتم تلبيسه بيني وبينه.
فلما حضروا تكلم منهم شيخ يقال له حاتم بكلام مضمونه طلب الصلح والعفو عن الماضي والتوبة وإنا مجيبون إلى ما طلب من ترك هذه الأغلال وغيرها من البدع ومتبعون للشريعة.
فقلت أما التوبة فمقبولة قال الله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣]، هذه إلى جنب هذه، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحِجر:٤٩ - ٥٠].
فأخذ شيخهم المشتكي ينتصر للبسهم الأطواق، وذكر أن وهب بن منبه روى: (أنه كان في بني إسرائيل عابد وأنه جعل في عنقه طوقًا) في حكاية من حكايات بني إسرائيل لا تثبت (١).
فقلت لهم: ليس لنا أن نتعبد في ديننا بشيء من الإسرائيليات المخالفة لشرعنا، قد روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال: (أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) (٢)، وفي مراسيل أبي داود أن النبي ﷺ رأى مع بعض أصحابه شيئًا من كتب أهل الكتاب، فقال: (كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أُنزل إلى نبي غير نبيهم) (٣) وأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى
стр. 320
عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١]، فنحن لا يجوز لنا اتباع موسى ولا عيسى فيما علمنا أنه أنزل عليهما من عند الله إذا خالف شرعنا، وإنما علينا أن نتبع ما أنزل علينا من ربنا ونتبع الشرعة والمنهاج الذي بعث الله به إلينا رسولنا كما قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨].
فكيف يجوز لنا أن نتبع عباد بني إسرائيل في حكاية لا تعلم صحتها، وما علينا من عباد بني إسرائيل: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]، هات ما في القرآن وما في الأحاديث الصحاح كالبخاري ومسلم، وذكرت هذا وشبهه بكيفية قوية.
فقال هذا الشيخ منهم يخاطب الأمير: نحن نريد أن تجمع لنا القضاة الأربعة والفقهاء، ونحن قوم شافعية.
فقلت له: هذا غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين؛ بل كلهم ينهى عن التعبد به ويعده بدعة وهذا الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مفتي الشافعية ودعوته، وقلت: يا كمال الدين ما تقول في هذا؟ فقال: هذا بدعة غير مستحبة بل مكروهة أو كما قال. وكان مع بعض الجماعة فتوى فيها خطوط طائفة من العلماء بذلك.
وقلت: ليس لأحد الخروج عن شريعة محمد ﷺ ، ولا الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، وأشك هل تكلمت هنا في قصة موسى والخضر؛ فإني تكلمت بكلام بَعُد عهدي به؟
فانتدب ذلك الشيخ عبدالله ورفع صوته، وقال: نحن لنا أحوال وأمور باطنة
стр. 321
لا يوقف عليها. وذكر كلاماً لم أضبط لفظه: مثل المجالس والمدارس والباطن والظاهر؛ ومضمونه أن لنا الباطن ولغيرنا الظاهر، وأن لنا أمرًا لا يقف عليه أهل الظاهر فلا ينكرونه علينا. فقلت له - ورفعت صوتي وغضبت: الباطن والظاهر والمجالس والمدارس والشريعة والحقائق، كل هذا مردود إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لا من المشايخ والفقراء، ولا من الملوك والأمراء ولا من العلماء والقضاة وغيرهم؛ بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله ﷺ . وذكرت هذا ونحوه.
فقال -ورفع صوته -: نحن لنا الأحوال وكذا وكذا.
وادعى الأحوال الخارقة كالنار وغيرها (١) واختصاصهم بها، وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها.
فقلت -ورفعت صوتي وغضبت-: أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب؛ وربما قلت: فعليه لعنة الله؛ ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار؛ فسألني الأمراء والناس عن ذلك؟ فقلت: لأن لهم حيلا في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء: من دهن الضفادع، وقشر النارنج، وحجر الطلق.
فضج الناس بذلك فأخذ يظهر القدرة على ذلك فقال: أنا وأنت نلف في بارية (٢) بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت.
стр. 322
فقلت: فقم؛ وأخذت أكرر عليه في القيام إلى ذلك فمد يده يظهر خلع القميص فقلت: لا حتى تغتسل في الماء الحار والخل فأظهر الوهم على عادتهم، فقال: من كان يحب الأمير فليحضر خشبًا، أو قال حزمة حطب.
فقلت: هذا تطويل وتفريق للجمع؛ ولا يحصل به مقصود؛ بل قنديل يوقد وأدخل إصبعي وإصبعك فيه بعد الغسل؛ ومن احترقت إصبعه فعليه لعنة الله؛ أو قلت: فهو مغلوب. فلما قلت ذلك تغير وذل، وذُكِرَ لي أن وجهه اصفرَّ.
ثم قلت لهم: ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة ولو طرتم في الهواء؛ ومشيتم على الماء؛ ولو فعلتم ما فعلتم لم يكن في ذلك ما يدل على صحة ما تدعونه من مخالفة الشرع، ولا على إبطال الشرع، فإن الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها تتبعه، ويقتل رجلاً ثم يمشي بين شقيه، ثم يقول له: قم، فيقوم (١). ومع هذا فهو دجال كذاب ملعون لعنه الله، ورفعت صوتي بذلك فكان لذلك وقع عظيم في القلوب.
وذكرت قول أبي يزيد البسطامي (٢): «لو رأيتم الرجل يطير في الهواء، ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند الأوامر والنواهي» (٣)، وذكرت
стр. 323
عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال للشافعي: أتدري ما قال صاحبنا يعني الليث بن سعد؟ قال: «لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به». فقال الشافعي: لقد قصر الليث: «لو رأيت صاحب هوى يطير في الهواء فلا تغتر به» (١). وتكلمت في هذا ونحوه بكلام بعد عهدي به.
ومشايخهم الكبار يتضرعون عند الأمير في طلب الصلح، وجعلت ألح عليه في إظهار ما ادعوه من النار مرة بعد مرة، وهم لا يجيبون، وقد اجتمع عامة مشايخهم الذين في البلد والفقراء المولهون منهم وهم عدد كثير، والناس يضجون في الميدان ويتكلمون بأشياء لا أضبطها.
فذكر بعض الحاضرين أن الناس قالوا ما مضمونه: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٩] وذكروا أيضًا أن هذا الشيخ يسمى عبد الله الكذاب، وأنه الذي قصدك مرة فأعطيته ثلاثين درهما فقلت: ظهر لي حين أخذ الدراهم، وذهب أنه مُلبِّس، وكان قد حكى حكاية عن نفسه مضمونها، أنه أُدخِل النار في لحيته قدام صاحب حماة، ولما فارقني وقع في قلبي أن لحيته مدهونة.
وأنه دخل إلى الروم واستحوذ عليهم، فلما ظهر للحاضرين عجزهم وكذبهم وتلبيسهم وتبين للأمراء الذين كانوا يشدون منهم أنهم مبطلون، رجعوا وتخاطب الحاج بهادر، ونائب السلطان وغيرهما بصورة الحال وعرفوا حقيقة المحال، وقمنا إلى داخل ودخلنا.
وقد طلبوا التوبة عما مضى وسألني الأمير عما تطلب منهم فقلت: متابعة الكتاب والسنة مثل: أن لا يعتقد أنه لا يجب عليه اتباعهما، أو أنه يسوغ لأحد الخروج من حكمهما، ونحو ذلك أو أنه يجوز اتباع طريقة تخالف بعض حكمهما، ونحو ذلك من وجوه الخروج عن الكتاب والسنة التي توجب الكفر.
стр. 324
وقد توجب القتل دون الكفر، وقد توجب قتال الطائفة الممتنعة دون قتل الواحد المقدور عليه.
فقالوا: نحن ملتزمون الكتاب والسنة أتنكر علينا غير الأطواق؟ نحن نخلعها.
فقلت: الأطواق وغير الأطواق ليس المقصود شيئاً معيناً، وإنما المقصود أن يكون جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-.
فقال الأمير فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة؟ فقلت: حكم الكتاب والسنة كثير لا يمكن ذكره في هذا المجلس، لكن المقصود أن يلتزموا هذا التزامًا عامًّا، ومن خرج عنه ضربت عنقه -وكرر ذلك وأشار بيده إلى ناحية الميدان- وكان المقصود أن يكون هذا حكمًا عامًّا في حق جميع الناس، فإن هذا مشهد عام مشهور قد توفرت الهمم عليه فيتقرر عند المقاتلة وأهل الديوان والعلماء والعباد وهؤلاء وولاة الأمور: أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه.
قلت: ومن ذلك الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله، فإن من هؤلاء من لا يصلي، ومنهم من يتكلم في صلاته حتى إنهم بالأمس بعد أن اشتكوا علي في عصر الجمعة جعل أحدهم يقول في صلب الصلاة: يا سيدي أحمد شيء لله.
وهذا مع أنه مبطل للصلاة، فهو شرك بالله ودعاء لغيره في حال مناجاته التي أمرنا أن نقول فيها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وهذا قد فعل بالأمس بحضرة شيخهم، فأمر قائل ذلك لما أنكر عليه المسلمون بالاستغفار على عادتهم في صغير الذنوب، ولم يأمره بإعادة الصلاة! وكذلك يصيحون في الصلاة صياحًا عظيمًا وهذا منكر يبطل الصلاة.
فقال: هذا يغلب على أحدهم كما يغلب العطاس.
فقلت: العطاس من الله، والله يحب العطاس ويكره التثاؤب (١)، ولا يملك
стр. 325
أحدهم دفعه، وأما هذا الصياح فهو من الشيطان وهو باختيارهم وتكلفهم، ويقدرون على دفعه، ولقد حدثني بعض الخبيرين بهم بعد المجلس: أنهم يفعلون في الصلاة ما لا تفعله اليهود والنصارى مثلاً قول أحدهم: أنا على بطن امرأة الإمام، وقول الآخر: كذا وكذا من الإمام، ونحو ذلك من الأقوال الخبيثة، وأنهم إذا أنكر عليهم المنكر ترك الصلاة يصلون بالنوبة، وأنا أعلم أنهم متولون للشياطين، ليسوا مغلوبين على ذلك، كما يغلب الرجل في بعض الأوقات على صيحة أو بكاء في الصلاة أو غيرها.
فلما أظهروا التزام الكتاب والسنة، وجموعهم بالميدان بأصواتهم وحركاتهم الشيطانية يظهرون أحوالهم، قلت له: أهذا موافق للكتاب والسنة؟ فقال: هذا من الله حال يرد عليهم.
فقلت: هذا من الشيطان الرجيم، لم يأمر الله به ولا رسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، ولا أحبه الله ولا رسوله. فقال: ما في السموات والأرض حركة ولا كذا ولا كذا إلا بمشيئته وإرادته. فقلت له: هذا من باب القضاء والقدر، وهكذا كل ما في العالم من كفر وفسوق وعصيان هو بمشيئته وإرادته، وليس ذلك بحجة لأحد في فعله، بل ذلك مما زينه الشيطان وسخطه الرحمن.
فقال: فبأي شيء تبطل هذه الأحوال، فقلت: بهذه السياط الشرعية.
فأعجب الأمير وضحك! وقال: أي والله بالسياط الشرعية تبطل هذه الأحوال الشيطانية، كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد، ومن لم يجب إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية. وأمسكت سيف الأمير، وقلت: هذا نائب رسول الله ﷺ وغلامه، وهذا السيف سيف رسول الله ﷺ ، فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسوله ضربناه بسيف الله، وأعاد الأمير هذا الكلام، وأخذ بعضهم يقول: فاليهود والنصارى يقرون ولا نقر نحن؟!
فقلت: اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم، والمبتدع لا يقر على بدعته، فأفحموا لذلك. وحقيقة الأمر أن من أظهر منكرًا
стр. 326
في دار الإسلام لم يقر على ذلك، فمن دعا إلى بدعة وأظهرها لم يقر، ولا يقر من أظهر الفجور، وكذلك أهل الذمة لا يقرون على إظهار منكرات دينهم، ومن سواهم: فإن كان مسلمًا أخذ بواجبات الإسلام وترك محرماته، وإن لم يكن مسلمًا ولا ذميًّا فهو: إما مرتد، وإما مشرك، وإما زنديق ظاهر الزندقة. وذكرت ذم المبتدعة فقلت روى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه أبي جعفر الباقر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان يقول في خطبته: (إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) (١). وفي السنن عن العرباض بن سارية قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: (أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) (٢)، وفي رواية: (وكل ضلالة في النار) (٣). فقال لي: البدعة مثل الزنا. وروى حديثًا في ذم الزنا، فقلت: هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ ، والزنا معصية والبدعة شر من المعصية، كما قال سفيان الثوري: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها» (٤).
وكان قد قال بعضهم: نحن نُتَوِّب الناس. فقلت: مماذا تتوبونهم؟ قال: من قطع الطريق والسرقة ونحو ذلك. فقلت: حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد
стр. 327
تتويبكم؛ فإنهم كانوا فساقًا يعتقدون تحريم ما هم عليه ويرجون رحمة الله ويتوبون إليه، أو ينوون التوبة فجعلتموهم بتتويبكم ضالين مشركين خارجين عن شريعة الإسلام، يحبون ما يبغضه الله، ويبغضون ما يحبه الله، وبينت أن هذه البدع التي هم وغيرهم عليها شر من المعاصي.
قلت مخاطبًا للأمير والحاضرين: أما المعاصي فمثل ما روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب: أن رجلا كان يدعى حمارًا وكان يشرب الخمر وكان يُضحك النبي ﷺ ، وكان كلما أتي به النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- جلده الحد، فلعنه رجل مرة، وقال: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-!، فقال النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) (١).
قلت: فهذا رجل كثير الشرب للخمر ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله، شهد له النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بذلك ونهى عن لعنه.
وأما المبتدع فمثل ما أخرجا في الصحيحين عن علي بن أبي طالب، وعن أبي سعيد الخدري وغيرهما -دخل حديث بعضهم في بعض-: أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- كان يقسم فجاءه رجل ناتئ الجبين كث اللحية محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود، وقال ما قال، فقال النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-: (يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) (٢)، وفي رواية: (لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل) (٣)، وفي رواية: (شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه) (٤).
قلت: فهؤلاء -مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وما هم عليه من العبادة
стр. 328
والزهادة- أمر النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بقتلهم، وقتلهم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- وذلك لخروجهم عن سنة النبي وشريعته، وأظن أني ذكرت قول الشافعي: «لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى بشيء من هذه الأهواء» (١).
فلما ظهر قبح البدع في الإسلام، وأنها أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنهم مبتدعون بدعًا منكرة، فيكون حالهم أسوأ من حال الزاني والسارق وشارب الخمر.
أخذ شيخهم عبد الله يقول: يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز -يعني أتباع أحمد بن الرفاعي-!
فقلت منكرًا بكلام غليظ: ويحك، أي شيء هو الجناب العزيز، وجناب من خالفه أولى بالعز يا ذو الزَّرْجَنة (٢)، تريدون أن تبطلوا دين الله ورسوله!
فقال: يا مولانا يحرقك الفقراء بقلوبهم.
فقلت: مثل ما أحرقني الرافضة لما قصدت الصعود إليهم، وصار جميع الناس يخوفوني منهم ومن شرهم، ويقول أصحابهم: إن لهم سرًّا مع الله! فنصر الله وأعان عليهم (٣).
وكان الأمراء الحاضرون قد عرفوا بركة ما يسره الله في أمر غزو الرافضة بالجبل.
وقلت لهم: يا شبه الرافضة، يا بيت الكذب! -فإن فيهم من الغلو والشرك والمروق عن الشريعة ما شاركوا به الرافضة في بعض صفاتهم، وفيهم من الكذب ما قد يقاربون به الرافضة في ذلك، أو يساوونهم أو يزيدون عليهم؛ فإنهم من
стр. 329
أكذب الطوائف حتى قيل فيهم: (لا تقولوا: أكذب من اليهود على الله، ولكن قولوا: أكذب من الأحمدية على شيخهم) (١). وقلت لهم: -أنا كافر بكم وبأحوالكم: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود:٥٥].
ولما رددت عليهم الأحاديث المكذوبة، أخذوا يطلبون مني كتباً صحيحة ليهتدوا بها، فبذلت لهم ذلك.
وأُعيد الكلام: أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضُربت عنقه، وأعاد الأمير هذا الكلام واستقر الكلام على ذلك.
والحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (٢).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرات:
المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة:
وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة .
إن أعظم ما كان الرفاعية يحتجون به على تسويغ أحوالهم المنكرة، وهيئاتهم المحرمة، من شرك بالله، ودخول للنيران، وأكل للحيات، وإخراج للزبد من الحلوق، ولبس للسلاسل والأغلال، واضطراب في الحركات، وعويل وصراخ في الصلوات وغيرها من الأمور المنكرات، هي اعتقادهم أنه لا يجب عليهم الالتزام بالكتاب والسنة، بل يجوز لهم الخروج عن حكم الشريعة، وذلك بحجة أن لهم أحوالاً تخصهم لا يطلع عليها غيرهم، وطريقاً خاصاً يُسلم لهم بها، وأن
стр. 330
لهم حقائقَ وأسرارًا وبواطن لا يطلع عليه أهل الشرع الظاهر.
ومن كان عنده علم الحقيقة فلا يجوز الإنكار عليه، بل الواجب الإقرار له بحاله، والتسليم له بطرقه ومكاشفاته؛ لأن ما يكون معصية ومنكراً في علم الشريعة قد يكون طاعة وقربة في علم الحقيقة، وبهذا التقرير يتم سد الطريق أمام كل من حاول الاعتراض عليهم بالنصوص الشرعية، والآيات الجلية والأوامر النبوية.
فهذا باختصار هو أصل شبهتهم التي احتجوا بها لتسويغ أفعالهم المنكرة، وأحوالهم الباطلة، وإقرار بدعهم وخرافاتهم (١)، وهذا قد ظهر واضحاً جلياً في هذه المناظرة، فإنهم ما جاءوا للأمير إلا ليطالبوه بإلزام شيخ الإسلام بالتسليم بطريقتهم وعدم الإنكار عليهم، ولطالما ردد مشايخهم هذه الشبهة خلال هذه المناظرة غير ما مرة، وفي غير ما موضع.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في هذه المناظرة أنه لا يسع أحداً كائناً من كان الخروج عن الشرع وأحكامه، وصاح في وجه مخالفيه مصرحاً بذلك: «الباطن والظاهر والمجالس والمدارس والشريعة والحقائق، كل هذا مردود إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لا من المشايخ والفقراء، ولا من الملوك والأمراء ولا من العلماء والقضاة وغيرهم؛ بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله ﷺ » (٢).
وقد بين ﵀ في غير موضع من كتبه أن محمداً ﷺ بعث برسالة كاملة شاملة عامة لجميع الخلق، ويجب على جميع الخلق الإيمان بما جاء به والالتزام بشرعته وملته، ولا يجوز لأحد الخروج عنها كائنا من كان، فإن الله لا يرضى ديناً سوى دين الإسلام، ولم يرتض طريقاً إلا طريق محمد -عليه أفضل صلاة وسلام-،
стр. 331
قال شيخ الإسلام ﵀: «فمحمد ﷺ أرسل إلى كل أحد من الإنس والجن، كتابيهم وغير كتابيهم، في كل ما يتعلق بدينه، من الأمور الباطنة والظاهرة، في عقائده وحقائقه وطرائقه وشرائعه، فلا عقيدة إلا عقيدته، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا طريقة إلا طريقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا يصل أحد من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته وولايته، إلا بمتابعته باطناً وظاهراً؛ في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة في أقوال القلب وعقائده، وأحوال القلب وحقائقه، وأقوال اللسان وأعمال الجوارح، وليس لله ولي إلا من اتبعه باطناً وظاهراً، فصدقه فيما أخبر به من الغيوب، والتزم طاعته فيما فرض على الخلق من أداء الواجبات وترك المحرمات.
فمن لم يكن له مصدقًا فيما أخبر، ملتزمًا لطاعته فيما أوجب وأمر في الأمور الباطنة التي في القلوب، والأعمال الظاهرة التي على الأبدان، لم يكن مؤمنًا، فضلاً عن أن يكون وليًا لله، ولو حصل له من خوارق العادات ماذا عسى أن يحصل، فإنه لا يكون مع تركه لفعل المأمور وترك المحظور، من أداء الواجبات من الصلاة وغيرها بطهارتها وواجباتها، إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله، المقربة إلى سخطه وعذابه» (١).
وبين ﵀ أنه لا طريق للولاية ولا سبيل لتحصيلها إلا باتباع الرسول ﷺ والالتزام بهديه فـ "كل من بلغه رسالة محمد ﷺ ، لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد ﷺ " (٢).
ومن قال إنه لا يأخذ من الشريعة إلا علم الظاهر، وأما علم الباطن فإنما يأخذه عن مشايخ طريقته، فهو ممن قد آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، قال شيخ الإسلام ﵀: «وكذلك هذا الذي يقول: إن محمدا بعث بعلم الظاهر، دون علم الباطن آمن ببعض ما جاء به، وكفر ببعض، فهو كافر، وهو أكفر من أولئك، لأن
стр. 332
علم الباطن، الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها، هو علم بحقائق الايمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الاسلام الظاهرة. فإذا ادعى المدعي أن محمدا ﷺ إنما علم هذه الأمور الظاهرة، دون حقائق الايمان، وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة؛ فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول، دون البعض الآخر، وهذا شر ممن يقول: أومن ببعض، وأكفر ببعض، ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به، أدنى القسمين» (١).
وبين رحمه الله تعالى أن مثل هذا الأمر من موجبات الردة، ونواقض الملة التي تستوجب قتل صاحبها، قال ﵀: «ومن فضل أحداً من المشايخ على النبي ﷺ أو اعتقد أن أحداً يستغني عن طاعة رسول الله ﷺ استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وكذلك من اعتقد أن أحداً من أولياء الله يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى ﵇، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه؛ لأن الخضر لم يكن من أمة موسى ﵇، ولا كان يجب عليه طاعته، بل قال له: إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه؛ وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. وكان مبعوثاً إلى بني إسرائيل. كما قال نبينا ﷺ : (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) (٢)، ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين: إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله» (٣).
وبهذا يتبين بوضوح فساد شبهتهم، وانحراف طريقتهم، ومخالفتهم للكتاب والسنة والإجماع، بما يوجب الردة عن الإسلام، والمروق عن الشرعة والدين، والله المستعان.
стр. 333
المسألة الثانية: الأحوال والإشارات والمخاريق التي يدعيها الرفاعية:
كانت أكثر محاورات شيخ الإسلام مع أتباع هذه الطريقة هي حول ما يدعونه من هذه المخاريق والأحوال والإشارات؛ وذلك لأن القوم ليسوا أهل علم وأدلة ولا نصوص وبراهين حتى يحتجوا بها على صحة طريقتهم ومعتقدهم، بل إن غاية ما عندهم وأكبر ما لديهم مما يثبتون به ولايتهم وصحة مسلكهم ومذهبهم، هي هذه الأحوال التي يدعونها، والخوارق التي يزعمونها، فيروجونها على ضعاف العقول، وجهلة الناس وعامتهم، بزعم أنها لم تظهر على أيديهم إلا ولهم من الولاية النصيب الأكبر، ومن صحة الطريقة والمسلك الحظ الأوفر، ويوجبون على الناس التسليم لهم، وعدم الاعتراض على طريقتهم، أو إنكار بدعتهم وضلالتهم؛ لأن لهم أحوالاً وأموراً وإشارات وكرامات لا يرتقي لها آحاد الناس، ولما كان أكثر الناس لا يفرقون بين كرامات الأولياء والصالحين، وأحوال الكذبة والمفترين، من السحرة وأهل البدع والمارقين، فقد التبس عليهم الأمر، فحسبوا السراب ماء والورم شحماً والخيال حقيقة، ولكن مثل هذه الأغلوطات لا تنطلي على العلماء العارفين والدعاة الصادقين الذين عرفوا حقيقة الدين، وما جاء به الشرع الكريم، وعلموا ما يناقضه من البدع والمنكرات والأهواء والضلالات، فانبرى شيخ الإسلام ﵀ ليبين حقيقة القوم وما يجري على أيديهم من مخاريق وما يدعونه من أحوال وإشارات، فأزال الغبش وأظهر الحق وأزهق الباطل وبين السنة من البدعة والهدى من الضلالة بالأدلة الدامغة والحجج الساطعة، ففند ما زعموه وأبطل ما أظهروه في هذه المسألة المهمة والقضية الجليلة العظيمة التي هي: "من أعظم المسائل التي يحتاج إليها جميع الناس، فإنه من لم يفرق بين الخوارق التي تكون آيات وبراهين ومعجزات للأنبياء، وتكون مما يكرم الله به الأولياء؛ وبين الخوارق التي تكون للسحرة والكهان وغيرهم من حزب الشيطان، وإلا اشتبه عليه الأنبياء وأتباعهم أولياء الله المتقون بالمنتسبين الكذابين وشبههم الكذابين الضالين، ولهذا اضطرب في هذا
стр. 334
الأصل كثير من أهل النظر والكلام في أصول الدين والعلوم الإلهية، ومن أهل العبادة والزهد والفقراء والصوفية. وأما اشتباه ذلك على عموم الناس، ومن شدا طرفاً من العلم (١)، أو كان له حظ من العبادة، فأعظم من أن يوصف، والله سبحانه بعث رسوله وأنزل كتابه لبيان الفرق بين هذا وهذا، وختمهم بمحمد ﷺ أفضل رسول بعثه بأفضل كتاب إلى أفضل أمة بأفضل شريعة، فرق الله به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، وأولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وجند الله المفلحين وحزب إبليس اللعين" (٢).
وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن هؤلاء الذين تظهر على أيديهم مثل هذه الخوارق هم أحد صنفين، إما أهل حال شيطاني أو مُحال بهتاني، فإما أنهم ممن يستعينون بالجن والشياطين لعمل مثل هذه الخوارق وهم أهل الحال الشيطاني وهم خواص هؤلاء القوم، وإما أنهم يعتمدون في مخاريقهم على الحيل والخداع والكذب والتلبيس، وهم أهل الحال البهتاني، وهم جمهور أهل هذه الطائفة وأكثرهم، قال ﵀: «وكل من أظهر هذه الإشارات البدعية التي هي فشارات، مثل إشارة الدم واللاذن والسكر وماء الورد والحية والنار، فهم أهل باطل وضلال وكذب ومحال، مستحقون التعزير البليغ والنكال، وهم إما صاحب حال شيطاني، وإما صاحب حال بهتاني، فهؤلاء جمهورهم، وأولئك خواصهم» (٣). وقال ﵀: «وهؤلاء إذا أظهر أحدهم شيئا خارقًا للعادة لم يخرج عن أن يكون حالاً شيطانيًا أو حالاً بهتانياً فخواصهم تقترن بهم الشياطين كما يقع لبعض العقلاء منهم وقد يحصل ذلك لغير هؤلاء، لكن لا تقترن بهم الشياطين إلا مع نوع من البدعة: إما كفر، وإما فسق، وإما جهل بالشرع؛ فإن الشيطان قصده إغواء (٤) بحسب قدرته
стр. 335
فإن قدر على أن يجعلهم كفاراً جعلهم كفاراً، وإن لم يقدر إلا على جعلهم فساقاً، أو عصاة، وإن لم يقدر إلا على نقص عملهم ودينهم ببدعة يرتكبونها يخالفون بها الشريعة التي بعث الله بها رسوله ﷺ فينتفع منهم بذلك» (١). وقال ﵀: «وأصحاب هذه الإشارات ليس فيهم ولي لله بل هم بين حال شيطاني ومُحال بهتاني من حال إبليس ومحال تلبيس» (٢).
وهؤلاء الذين وقعت لشيخ الإسلام المناظرة معهم يظهر من حالهم أنهم من جنس أهل التلبيس والأحوال البهتانية؛ ولذلك كان غاية ما عندهم هو الكذب والتلبيس والخداع واستخدام الطرق والأساليب الماكرة من أجل إظهار هذه الأحوال المزيفة والمخاريق الباطلة. فبين شيخ الإسلام ﵀ في مناظراته لهم كثيراً من خداعهم ومكرهم وأحوالهم الكاذبة التي هي في الحقيقة من هذا الباب ومن هذا القبيل، وناقشهم وخاصمهم في أنواع من هذه الحيل وبين أن كل ما يدعونه من مخاريق وأحوال إنما بُني على الكذب والتدليس والخداع والتموية، وذكر أن من أمثلته أنواعاً كثيرة، وهي كالآتي:
أولاً: تلبيسهم فيما يدعونه من مكاشفات: فمن حيلهم التي بينها شيخ الإسلام في ذلك أنهم كانوا يرسلون إلى بيت الأمير الأيدمري من النساء من يستخبر عن الأحوال الباطنة لبيت هذا الأمير، ثم يأتون إليه فيخبرونه بهذه الأحوال بزعم أنهم عرفوا وعلموا عن طريق المكاشفة (٣).
ثانيًا: تلبيسهم فيما يدعونه من القدرة على إظهار رجال الغيب ورؤيتهم: ومن ذلك أنهم وعدوا الأمير الأيدمري أن يروه رجال الغيب، فصنعوا خشباً طوالاً وجعلوا عليها من يمشي، فجعلوا يمشون على جبل المزة والأمير يرى من بعيد
стр. 336
قوما يطوفون على الجبل وهم يرتفعون عن الأرض، وأخذوا على هذه الحيلة أموالاً كثيرة (١).
ثالثًا: تلبيسهم فيما يدعونه من تكلم الموتى: ومن ذلك أنهم ذهبوا بنائب السلطنة قفجق إلى المقابر، وكانوا قد ادخلوا رجلا في القبر يتكلم، ليوهموا نائب السلطنة بقدرتهم على التحدث مع الموتى (٢).
رابعًا: تلبيسهم على الناس بقضية دخول النار دون تأثر بها: وهذه الحيلة تعد من أكبر حيلهم، وأكثرها رواجاً، ولبسوا بها على خلق كثير من الناس، حتى ظنها الكثير خارقة من خوارقهم وكرامة من كرامتهم، وقد رد شيخ الإسلام عليهم وكشف ما يصنعونه من حيلة بدخولهم للنار من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: بيان طريقتهم التي تمكنوا بها من دخول النار دون أذى: فبين ﵀ أن عدم احتراقهم بالنار ليس لكرامة لهم أو ولاية؛ وإنما لأنهم يطلون أجسادهم بأنواع من النباتات والأدوية التي تمنع احتراق الأجساد، من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج وحجر الطلق وغيرها من الأعشاب، وبهذا يخدعون الناس (٣).
الوجه الثاني: تحدي شيخ الإسلام لهم بدخول النار: فتحداهم ﵀ أن يدخل هو وهم النار بعد أن يغتسلوا جميعاً بالخل والماء الحار؛ وذلك لأنهم إن اغتسلوا سيذهب مفعول الأدوية والاعشاب التي طلوا بها أجسادهم خديعة للناس، ولذلك لما رأوا أن شيخ الإسلام قد كشف أمرهم واكتشف حيلتهم وخافوا من عاقبة السوء، أظهروا للأمير طلب الصلح وإطفاء الأمر وإنهائه (٤)،
стр. 337
وتحدى الشيخ مرة أخرى شيخهم عبد الله الكذاب لما أظهر قدرته على دخول النار، أن يدخل أصبعه وأصبع شيخ الإسلام في قنديل بعد غسلها بما ذكر، فتغير وجه هذا الشيخ الضال واصفر وذل وبهت ولم يحر جوابا (١).
الوجه الثالث: بيان أن ظهور مثل هذه الأمور على أيديهم لا تدل على كرامتهم وصحة طريقتهم: بين ذلك شيخ الإسلام بعد توضيحه لطريقتهم، وتحديه لهم، أنهم حتى لو اغتسلوا ودخلوا النار دون تأثر وفعلوا ما فعلوا من الخوارق، فإن هذا كله لا يدل على صحة ما يدعون إليه الناس من مخالفة الشرع، فإن هذه الخوارق وأعظم منها قد تظهر على أيدي أهل السحر والكفر والنفاق، بل إن الدجال يأتي بخوارق أعظم من هذه الخوارق التي يصنعونها بكثير، ومع ذلك فإنه دجال كذاب ملعون، فالخوارق منها ما هو كرامات رحمانية ومنها ما هو خوارق شيطانية، والكرامات لا تكون إلا لأولياء الله المتبعين للكتاب والسنة الملتزمين بالشرع غير المخالفين له، أما ما يحدث للمنابذين للشريعة والحائدين عنها والمخالفين لها من خوارق فإنما هي في الحقيقة أحوال شيطانية فلا يغتر بها ولا بأصحابها، وذكر ﵀ شيئا من نصوص السلف في ذكر هذا الأمر وبيانه (٢).
فهذه بعض الحيل التي أظهر شيخ الإسلام طريقة القوم في القيام بها، وكيفية خداعهم للناس وتلبيسهم عليهم من خلالها.
المسألة الثالثة: التعبد ولبس الأغلال:
قد سبق في المبحث الثالث دراسة هذه المسألة وبيان الشبهة فيها والجواب عليها، وفي هذه المناظرة قام أحد مشايخ الرفاعية -ويدعى بشيخهم المشتكي- بالإنكار على شيخ الإسلام، والاحتجاج بحجج متهافتة على مشروعية ما يفعلونه من لبس الأغلال وتقلد الأطواق، فاحتج بأن وهب بن منبه ﵀ روى: أنه كان
стр. 338
في بني إسرائيل عابد، وأنه جعل في عنقه طوقا (١).
فأجاب شيخ الإسلام على هذه الشبهة من عدة أوجه:
الأول: أنها حكاية من حكايات بني إسرائيل لا تثبت ولا تصح.
الثاني: أنه لا يجوز لنا أن نتعبد الله في ديننا بشيء من الاسرائيليات المخالفة لشرعنا.
الثالث: أنه لا يجوز لنا اتباع موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء ﵈ فيما علمنا وتيقنا أنه قد أنزل عليهم من الله حتى يكون موافقاً لشرعنا، أما إذا كان مخالفاً لشرعنا، فلا يجوز لنا اتباعهم في ذلك، فإذا كان هذا مع الأنبياء، فكيف يجوز لنا أن نتبع عُباد بني إسرائيل في أمر مخالف للشرع، وحكاية لا تعلم صحتها (٢)؟!
ثم احتج هذا الشيخ: بأنهم قوم شافعية، وأن هذا الأمر قد أجازه بعض علماء المذهب (٣).
وأجاب شيخ الإسلام عن هذا الأمر من ثلاثة وجوه:
الأول: أنه ليس لأحد الخروج عن الشريعة ولا عن الكتاب والسنة مهما كان قدره وعلمه، إذ العصمة في الرد لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وإجماع الأمة.
الثاني: أن هذا الأمر غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين، بل كلهم ينهى عن التعبد به ويعده بدعة من البدع المحدثة.
الثالث: أن الشافعية براء من هذا الفعل، وطلب شيخ الإسلام شهادة مفتي الشافعية وقاضيها ابن الزملكاني، فشهد الزملكاني أن هذا الأمر منكر، وأنه بدعة غير مستحبة أمام الملأ، وأخرج بعض الحاضرين فتوى فيها خطوط طائفة من
стр. 339
العلماء بتحريم ذلك، فظهر كذب قولهم، وزيف دعواهم (١).
المسألة الرابعة: إصدار الأصوات المزعجة وصياحهم وصراخهم أثناء الصلوات وفي الميادين والطرقات:
من الأحوال التي طالب الرفاعية شيخ الإسلام بالتسليم لهم بها، وقام شيخ الإسلام بإنكارها وطالبهم بالتوبة منها، ما يحدث منهم أثناء الصلوات وخارجها من صراخ وصياح واستغاثات شركية، وألفاظ بدعية.
وقد بين شيخ الإسلام ﵀-في بعض فتاويه (٢) أن مثل هذه الأحوال إنما يعذر أصحابها في حالين اثنين:
١) إذا لم يتمكن من العلم بحرمتها ومخالفتها للشرع، كأن يكون مجنوناً لا يميز، أو عالماً مجتهداً اجتهد فرأى جواز مثل هذا الفعل.
٢) إذا لم يقدر على دفع هذه الحال؛ بأن غلب عليه الحال، ولم يتعمده ولا قصده، فهذا يعذر إذا لم يكن وقوعها بسبب مباشرته لأسباب محرمة، وكان مغلوباً عليها فلم يقدر على دفعها.
وهذان الصنفان وإن كانوا معذورين في أنفسهم إلا أنه لا يجوز لأحد اتباعهم ولا تقليدهم في هذا، ولا يكون فعلهم حجة في الإباحة ولا الاستحباب لأمر ظهر مخالفته للشرع الكريم.
وأما من لم يكن من أحد الصنفين، وهم أهل التصنع والمكر والكذب والدجل كهؤلاء الرفاعية، ونحوهم ممن عرف عنهم الكذب وتصنع هذه الأمور لكي لا ينكر عليهم أحد، فهؤلاء يجب أن لا يقروا على مثل هذا بل يجب أن ينكر عليهم ويبين كذبهم، ويعاقبوا على فعلهم، قال شيخ الإسلام: «وأما الذي لا يسلم إليه حاله: فمثل أن يعرف منه أنه عاقل يتوله ليسقط عنه اللوم، ككثير من المنتسبة
стр. 340
إلى الشيخ أحمد بن الرفاعي، واليونسية (١) فيما يأتونه من المحرمات ويتركونه من الواجبات، أو يعرف منه أنه يتواجد ويتساكر في وجده ليظن به خيراً، ويرفع عنه الملام فيما يقع من الأمور المنكرة، أو يعرف منه أن الحق قد تبين له وأنه متبع لهواه، أو يعرف منه تجويز الانحراف عن موجب الشريعة المحمدية وأنه قد يتفوه بما يخالفها وأن من الرجال من قد يستغني عن الرسول أو له أن يخالفه أو أن يجري مع القدر المحض المخالف للدين .. أو يسوغ لأحد بعد محمد الخروج عن شريعته كما ساغ للخضر الخروج عن أمر موسى، فإنه لم يكن مبعوثاً إليه كما بعث محمد إلى الناس كافة، فهؤلاء ونحوهم ممن يخالف الشريعة ويبين له الحق فيعرض عنه يجب الإنكار عليهم بحسب ما جاءت به الشريعة من اليد واللسان والقلب. وكذلك أيضاً ينكر على من اتبع الأولين المعذورين في أقوالهم وأفعالهم المخالفة للشرع، فإن العذر الذي قام بهم منتف في حقه فلا وجه لمتابعته فيه» (٢).
وقد ظهر مصداق ما ذكره شيخ الإسلام في هذه المناظرة حيث احتج شيخهم على تبرير فعلهم هذا بأنهم مغلوبون عليه كما يغلب العطاس على صاحبه فلا يستطيع دفعه عن نفسه فهم إذا معذورون فيما يصدر عنهم أو منهم (٣).
وقد رد عليهم شيخ الإسلام وبين أنهم كاذبون فيما يدعون، فهم يتعمدون هذه الأفعال ويتقصدون القيام بها، وقياسهم هذا فاسد غير صحيح، فالمقاس عليه من غير جنس المقيس وذلك من وجهين:
الأول: أن العطاس من الله والله يحب العطاس كما جاء في الحديث
стр. 341
الصحيح، وأما هذا الصراخ والصياح ونحوه، فإنما هو من الشيطان، "وآثار الشيطان تظهر في أهل السماع الجاهلي: مثل الإزباد والإرغاء والصراخات المنكرة، ونحو ذلك مما يضارع أهل الصرع الذين يصرعهم الشيطان، ولذلك يجدون في نفوسهم من ثوران مراد الشيطان بحسب الصوت: إما وجد في الهوى المذموم، وإما غضب وعدوان على من هو مظلوم، وإما لطم وشق ثياب وصياح كصياح المحزون المحروم إلى غير ذلك من الآثار الشيطانية التي تعتري أهل الاجتماع على شرب الخمر إذا سكروا بها؛ فإن السكر بالأصوات المطربة قد يصير من جنس السكر بالأشربة المطربة فيصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، ويمنع قلوبهم حلاوة القرآن وفهم معانيه واتباعه فيصيرون مضارعين للذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله" (١).
ثانيًا: أن العطاس لا يملك المرء دفعه عن نفسه، بخلاف هذا الصراخ والعويل فهو إنما يكون باختيارهم وتكلفهم، وهم قادرون على دفعه (٢).
فظهر بهذا كذبهم واحتيالهم، وتلبيسهم وخداعهم، في تبريراتهم لأحوالهم الكاذبة، وصيحاتهم وصرخاتهم المنكرة.
* * *
стр. 342
المبحث الخامس: مناظرته مع بعض الرفاعية في دعواه دخول التنور وعدم الاحتراق بذلك .
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة .
نص المناظرة:
قال الصفدي ﵀ في ترجمته لسيرة شيخ الإسلام ﵀: «وكان مسلطاً على هؤلاء الفقراء الأحمدية واليونسية (١) والقرندلية (٢) وغيرهم من هؤلاء المبتدعة.
حُكي لي أنه جاء إليه بعض الأحمدية وقال ما يقولونه على العادة في دخول
стр. 343
التنور من بعد ثلاثة أيام من وقود النار فيه.
فقال له: أنا ما أكلفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوافة (١) في ذقنك.
فجزع ذلك الفقير وأبلس.
قلت: وقد نقل الشيخ -رحمه الله تعالى- هذا من قول بعض الشعراء في النار التي يزعم النصارى أنها تنزل يوم سبت النور من السماء إلى القمامة بالقدس (٢):
لقد زعم القِسِّيسُ أنَّ إلههُ … ينزّل نورًا بكرة اليوم أو غدِ
فإن كان نورًا فهو نورٌ ورحمةٌ … وإن كان نارًا أحرقت كلَّ معتدِ
يُقَرِّبُها القسيسُ من شعر ذقْنهِ … فإن لم تحرقها وإلا اقطعوا يدي» (٣)
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:
في هذه المناظرة أراد هذا الرفاعي أن يظهر شيئاً مما يدعونه من مخاريق وكرامات، وأحوال وإشارات، يحتالون فيها بأنواع الحيل ليخدعوا بها العوام والفلاحين، والضعاف والمساكين، والجهلة من الأمراء والمتفقهين، ولكنه فوجئ بجواب شيخ الإسلام الذي أبهته وأسكته، وما ذلك إلا لخبرة شيخ الإسلام بأقوالهم وأحوالهم، كيف لا، وهو القائل: «كل من خالفني في شيء مما كتبته، فأنا أعلم بمذهبه منه» (٤)؟!
فلما عرض عليه هذا الأحمدي قدرته على دخول التنور وعدم الاحتراق به، وذلك بعد ثلاثة أيام من تسجيره واتقاده، رد عليه شيخ الإسلام رداً مفحماً، بأن طلب منه السماح له بما هو أسهل من ذلك وأسرع، وأقل أثراً وضرراً، فإن قدر عليه كانت هذه قرينة على صدقه فيما فوقه، وإن عجز عن هذا الفعل البسيط فهو
стр. 344
عما هو أكبر منه أضعف وأعجز، فاستأذن منه أن يضع الطوافة في ذقنه، فإنه إن كان صادقاً في ما ادعاه من قدرته على دخول النار فلن يتردد في قبول ذلك، وإن خاف وأحجم فهذا دليل واضح على كذبه واحتياله، وهذا ما حدث بالفعل، فإنه لم يستطع الإقدام على ذلك، فظهر كذبه واحتياله، وانكشف أمره وانفضح حاله.
وقد سبق في المناظرة السابقة بيان حقيقة ما يدعيه الرفاعية من دخول النيران وعدم التأثر بها، ودراسة المسألة هناك، وكيف كشف شيخ الإسلام حيلهم وألاعيبهم التي يلبسون بها على الناس، ليصدقوا مثل هذه الأمور، وفي هذه المناظرة يحسن الإشارة إلى ما تطرق له الصفدي من مشابهة هؤلاء الرفاعية في دجلهم وكذبهم، لرهبان النصارى في حيلهم وطرقهم التي يستخدمونها لخداع النصارى وعامة أهل ديانتهم، وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ﵀ في عده مواطن من كتبه وبين كثيراً من حيل الرهبان وطرقهم التي يخدعون بها الناس.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: «وقد صنَّف بعض الناس مصنفًا في حيل الرهبان، مثل الحيلة المحكية عن أحدهم في جعل الماء زيتًا بأن يكون الزيت في جوف منارة، فإذا نقص صب فيها ماء، فيطوف الزيت على الماء، فيظن الحاضرون أن نفس الماء انقلب زيتًا.
ومثل الحيلة المحكية عنهم في ارتفاع النخلة، وهو أن بعضهم مر بدير راهب وأسفل منه نخلة، فأراه النخلة صعدت شيئًا شيئًا حتى حاذت الدير، فأخذ من رُطَبها ثم نزلت حتى عادت كما كانت، فكشف الرجل الحيلة، فوجد النخلة في سفينة في مكان منخفض إذا أرسل عليه الماء امتلأ حتى تصعد السفينة، وإذا صرف الماء إلى موضع آخر هبطت السفينة، ومثل الحيلة المحكية عنهم في التكحل بدموع السيدة، يضعون كحلًا في ماء متحرك حركة لطيفة، فيسيل حتى ينزل من تلك الصورة فيخرج من عينها فيظن أنه دموع. ومثل الحيلة التي صنعوها بالصورة التي يسمونها القونة (١)
стр. 345
بصيدنايا (١)، وهي أعظم مزاراتهم بعد القمامة وبيت لحم، فإن هذه صورة السيدة مريم، وأصلها خشبة نخلة سُقِيت بالأدهان حتى تنعمت وصار الدهن يخرج منها دهنًا مصنوعًا يُظن أنه من بركة الصورة.
ومن حيلهم الكثيرة: النار التي يظن عوامهم أنها تنزل من السماء في عيدهم في قمامة، وهي حيلة قد شهدها غير واحد من المسلمين والنصارى، ورأوها بعيونهم أنها نار مصنوعة يضلون بها عوامهم، يظنون أنها نزلت من السماء، ويتبركون بها، وإنما هي صنعة صاحب مُحَالٍ وتلبيس. ومثل ذلك كثير من حيل النصارى، فجميع ما عند النصارى المبدلين لدين المسيح من الخوارق: إما حال شيطاني، وإما محال بهتاني ليس فيه شيء من كرامات الصالحين، وكذلك أهل الإلحاد المبدلين لدين محمد ﷺ الذين يتخذون دينا لم يشرعه الله ورسوله ويجعلونه طريقا إلى الله وقد يختارونه على الطريق التي شرعها الله ورسوله» (٢).
وقال تلميذه ابن القيم ﵀: «ثم إنك إذا كشفت عن حالهم وجدت أئمة دينهم قد نصبوا حبائل الحيل، ليقتنصوا بها عقول العوالم، ويتوصلوا بالتمويه والتلبيس إلى استمالتهم وانقيادهم لهم واستدرار أموالهم، وذلك أشهر وأكثر من أن يذكر.
فمن ذلك ما يعتمدونه في العيد الذي يسمونه عيد النور -ومحله ببيت المقدس- فيجتمعون من سائر النواحي في ذلك اليوم، ويأتون إلى بيت فيه قنديل معلق، لا نار فيه، فيتلو أحبارهم الإنجيل، ويرفعون أصواتهم، ويبتهلون في الدعاء. فبينما هم كذلك، وإذا نار قد نزلت من سقف البيت، فتقع على ذبالة
стр. 346
القنديل، فيشرق، ويضيء ويشعل، فيصيحون صيحة واحدة، ويصلبون على وجوههم، ويأخذون في البكاء والشهيق.
قال أبو بكر الطرطوشي (١): كنت ببيت المقدس، وكان واليها إذ ذاك رجلاً يقال له: سقمان (٢)، فلما انتهى إليه خبر هذا العيد أنفذ إلى بتاركهم، وقال: أنا نازل إليكم في هذا اليوم، لأكشف عن حقيقة ما تقولون فإن كان حقاً ولم يتضح لي وجه الحيلة أقررتكم عليه، وعظمته معكم، وإن كان مخرفة على عوامكم أوقعت بكم ما تكرهون.
فصعب ذلك عليهم جداً وسألوه ألا يفعل، فأبى وألح في ذلك، فحملوا له مالاً عظيماً فأعرض عنهم.
قال الطرطوشي: ثم اجتمعت بأبي محمد بن الأقدم بالإسكندرية، فحدثني أنهم يأخذون خيطاً دقيقا من نحاس -وهو الشريط- ويجعلونه في وسط قبة البيت إلى رأس الفتيلة التي في القنديل، ويدهنونه بدهن البلسان (٣)، والبيت مظلم، بحيث لا يدرك الناظرون الخيط النحاس.
وقد عظموا ذلك البيت، فلا يمكنون أحدا من دخوله. وفي رأس القبة رجل، فإذا قسسوا ودعوا ألقى على ذلك الخيط النحاس شيئا من نار النفط، فتجري النار
стр. 347
مع دهن البلسان إلى آخر الخيط النحاس، فيلقى الفتيلة فيتعلق بها.
فلو نصح أحد منهم نفسه، وفتش على نجاته لتتبع ذلك، وطلب الخيط النحاس، وفتش رأس القبة، ليرى الرجل والنفط، ويرى أن منبع ذلك النور من ذلك الممخرق الملبس.
وأنه لو نزل من السماء لظهر من فوق، ولم يكن ظهوره من الفتيلة!
ومن حيلهم أيضاً: أنه قد كان بأرض الروم في زمن المتوكل كنيسة، إذا كان يوم عيدها يحج الناس إليها، ويجتمعون عند صنم فيها، فيشاهدون ثدي ذلك الصنم في ذلك اليوم يخرج منه اللبن. وكان يجتمع للسادن في ذلك اليوم مال عظيم. فبحث الملك عنها، فانكشف له أمرها فوجد القيم قد ثقب من وراء الحائط ثقباً إلى ثدي الصنم، وجعل فيها أنبوبة من رصاص، وأصلحها بالجبس ليخفى أمرها، فإذا كان يوم العيد فتحها وصب فيها اللبن، فيجرى إلى الثدي فيقطر منه، فيعتقد الجهال أن هذا سر في الصنم، وأنه علامة من الله تعالى لقبول قربانهم، وتعظيمهم له، فلما انكشف له ذلك أمر بضرب عنق السادن، ومحو الصور من الكنائس، وقال: إن هذه الصور مقام الأصنام. فمن سجد للصورة فهو كمن سجد للأصنام» (١).
وما هذه الأمثلة إلا غيض من فيض وبها يتضح لك أن هذه الخدع الكاذبة والحيل الماكرة ليست مقتصرة على الرفاعية فحسب، بل هي طريقة قديمة استخدمها رهبان النصارى لترويج معتقداتهم الفاسدة، والمكر والخداع لاتباعهم، وأخذ الأموال ظلما وزورا، فبئس السلف لبئس الخلف.
* * *
стр. 348
المبحث السادس: مناظرته مع بعض من يحسن الظن بالأحجار ويجوزون التبرك بها
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
تمهيد:
لم يكن شيخ الإسلام مجاهداً باللسان والقلم فحسب؛ بل قد توج جهاده هذا بالجهاد باليد، فجمع أنواع الجهاد كلها، وقام بمراتب إنكار المنكر كلها، فهو المعلم المرشد، وهو الكاتب المؤلف، وهو المقاتل المبارز، وهو الخطيب الواعظ، ومن أعظم جهاده بيده، تكسيره للصخور والأصنام، والأعمدة والأحجار، التي كانت منتشرة في دمشق ونواحيها، وكان الناس يحسنون الظن بها، ويتقربون لها بشتى القربات، ويصرفون لها أنواع العبادات، ويعتقدون فيها الأباطيل والمنكرات، فقام شيخ الإسلام بتكسيرها وتحطيمها، وتطهير البلاد منها، وأثبت للناس أنها لا تغني عنهم شيئاً، ولا تملك لهم ضراً ولا نفعاً، وقد ذكر كثيراً من هذه الوقائع والأحداث تلميذه ومرافقه الذي خدمه ولازمه إبراهيم بن أحمد الغياني (١) في رسالة لطيفة
стр. 349
له (١) ذكر فيها ما قام به شيخ الإسلام من تكسير للأحجار والأوثان، وضمنها كثيراً من الحوادث التي وقعت لشيخ الإسلام أثناء قيامه بهذه الأمور، ومن ذلك هذه المناظرة التي بين أيدينا، والتي حدثت له مع بعض المدافعين عن هذه الأحجار والمحسنين ظنهم بها.
نص المناظرة:
قال إبراهيم بن أحمد الغياني ﵀:
«﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان:٣]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠]، ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزُّخرُف:٢٢].
وصلى الله على محمد عبده ورسوله، خير الخلق وأكرمهم على الله المصطفى المأمون، صلاة دائمة مادامت الأيام والدهور والسنون.
أما بعد؛ فهذا فصل فيما قام به الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية ﵁ وتفرّد به دون غيره من العلماء ﵃ الذين كانوا قبله وفي زمانه، وذلك بتكسير الأحجار التي كان الناس يزورونها، ويتبركون بها،
стр. 350
ويقبلونها، وينذرون لها النذور، ويلطخونها الخَلُوق (١)، ويطلبون عندها قضاء حاجاتهم، ويعتقدون أنَّ فيها -أوْ لها- سرًّا، وأن من تعرَّض لها بسوء -بقالٍ أو فعال- أصابته في نفسه آفة من الآفات!
فشرع الشيخ يعيب تلك الأحجار، وينهى الناس عن إتيانها، أو أن يُفعل عندها شيء مما ذُكر، أو أن يُحسَنَ بها الظن.
فقال له بعض الناس: إنه قد جاء في حديث أن أم سلمة سمعت النبيَّ ﷺ يقرأ بالتين والزيتون، فأخذت تينة وزيتونة وربطت عليهما وعلقتهما حِرْزًا. وبقيت كلما جاء إليها أحد به مرض تحطه عليه فيبرأ من ذلك المرض. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك، فقالت: سمعتك تقرأ بالتين والزيتون، فقلتُ: ما قرأ رسول الله ﷺ بذلك إلا وفيه سرّ أو منفعة، فعملت تينة وزيتونة لي حرزًا، وأحسنت ظني به، ونفعت بذلك الناسَ. فقال لها النبي ﷺ : (لو أحسن أحدكم ظنَّه بِحَجَرٍ لنفعه الله به) (٢).
فقال الشيخ: هذا الحديث كله -من أوله إلى آخره- كذب مختلق، وإفك مفترى على رسول الله ﷺ وعلى أم سلمة ﵂. والذي صحَّ وثبتَ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه أنه قال: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني … ) (٣) الحديث، و (أنا عند ظن عبدي بي، فليظنَّ بي خيرًا) (٤)، وقال: (لا يموتنَّ أحدُكم إلا ويحسن ظنَّه بالله) (٥) الذي تفرَّد بخلقه، وأوجده من العدم
стр. 351
ولم يكن شيئًا، وبيده ضرُّه ونفعه، كما قال إمامنا وقدوتنا إبراهيم خليل الرحمن: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٢]، فهذا الرب العظيم الكبير المتعال، الذي بيده ملكوت كل شيءٍ، يُحسن العبد به ظنه، ما يحسن ظنه بالأحجار، فإن الكفار أحسنوا ظنهم بالأحجار فأدخلتهم النار، وقد قال الله تعالى في الأحجار وفي من أحسنوا بها الظنَّ حتى عبدوها من دونه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وقال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، وقد أمر النبي ﷺ أن يُسْتجمر من البول بثلاثة أحجار (١)، ما قال أحسنوا ظنكم بها، بل قال: استجمروا بها من البول. وقد كسر النبي ﷺ الأحجار التي أحسن بها الظن حتى عُبدتْ حول البيت وحرَّقها بالنار (٢)» (٣) ا. هـ.
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
كما هو ملاحظ من هذه المناظرة فإن بعض الناس قد احتجوا لتبرير ما يقعون فيه من شرك وصرف لأنواع العبادات المختلفة للأعمدة والأحجار وغيرها من الأوثان، بحديث مختلق مكذوب، اخترعه عباد الأوثان من تلقاء أنفسهم ألا وهو حديث (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه ذلك)، وفي الواقع أن اختراعهم لهذا الحديث لم يأت من فراغ؛ وإنما نشأ عن عقيدة وشبهة مستقرة عندهم، جعلتهم يختلقون مثل هذه الأحاديث لتكون حجة لهم على عقيدتهم الفاسدة.
стр. 352
مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة ، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
إن هذه العقيدة الفاسدة التي اعتقدها هؤلاء القوم في إحسان الظن بالأعمدة والأحجار والقبور، إنما دخلت عليهم من عقائد مشركي الفلاسفة، فإن شركهم كان على نوعين:
النوع الأول: من يعبد الكواكب، ويدعوها ويطلب منها، فتتنزل عليه الشياطين، ويظن أنها روحانية الكواكب نزلت عليه.
النوع الثاني: من يعبدون الكواكب وغيرها من الأوثان، ويقولون: إنه بنفس توجههم وجمع همتهم إلى ما يدعونه ويحبونه، يحصل لهم المقصود، حتى لو لم يعلم الداعي والمتوجه له، أن هذا دعاه أو توجه إليه. وهذا النوع هو الذي وقع فيه هؤلاء القوم.
وحقيقة هذا القول أنهم يقولون: إن الله لا يحدث في العالم شيئاً، وأن الداعي إذا توجه للمدعو وجمع همته عليه تقوى نفسه حتى يحصل لها المطلوب، من غير أن يكون المدعو علم بذلك، أو كان له تأثير في حصول ذلك، بل المؤثر عندهم هي النفس، لكن بتوجهها إلى ذلك حصل لها قوة، ولذلك يقولون إن الإنسان لو جمع همته على أي شيء كان إلهاً أو حجراً أو صنماً أو كوكباً؛ ودعاه وتوجه إليه حصل له المقصود بمجرد دعائه وتوجهه له وجمع همته عليه، حتى إنهم يقولون: لا فرق بين قولك: يا حجر يا حجر، وبين قولك: يا حي يا قيوم يعني لأن المقصود بكليهما جمع الهمّة، فمتى اجتمعت الهمة أجيبت الدعوة لأي شيء كانت! (١) ومن هذا الباب قالوا: إن من أحسن ظنه ولو بحجر فإن ذلك سينفعه، ثم اختلقوا هذا الحديث المكذوب ليكون حجة لهم على ما يقررون،
стр. 353
وهذا هو ما بينه شيخ الإسلام ووضحه في قاعدته العظيمة (قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق) (١).
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام ﵀ في هذه المناظرة، وفي غيرها من المواضع، بطلان هذا القول وما بني عليه من أوجه كثيرة، أهمها ما يلي:
أولا: أن هذا الحديث مختلق مكذوب لا يثبت عن النبي ﷺ (٢):
قال شيخ الإسلام ﵀: «هذا الحديث كله -من أوله إلى آخره- كذب مختلق، وإفك مفترى على رسول الله ﷺ وعلى أم سلمة ﵂» (٣)، وهو من رواية الكذابين. وقال ﵀: «والحديث الذي يرويه بعض الكذابين: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به)، كذب مفترى باتفاق أهل العلم، وإنما هذا من
стр. 354
قول عباد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالحجارة» (١)
وبين ﵀ أن هذا الكلام ليس من كلام أهل الشرك والبهتان، وليس من كلام أهل الإيمان، فضلاً أن يكون من كلام النبي -عليه أفضل صلاة وسلام-، فقال: «وقول القائل: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به) هو من كلام أهل الشرك والبهتان» (٢).
ثانيًا: أن المتعين هو إحسان الظن بالله تعالى، لا بالأحجار والأصنام، وبهذا وردت النصوص ومن ذلك قول النبي ﷺ : (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) (٣) وقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه : (أنا عند ظن عبدي بي، فليظنَّ بي خيرًا) (٤)، وفي صحيح مسلم عن جابر-﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يموتنَّ أحدُكم إلا ويحسن ظنَّه بالله) (٥)؛ وذلك لأن الله هو "الذي تفرَّد بخلقه، وأوجده من العدم ولم يكن شيئًا، وبيده ضرُّه ونفعه، كما قال إمامنا وقدوتنا إبراهيم خليل الرحمن: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٢]، فهذا الرب العظيم الكبير المتعال، الذي بيده ملكوت كل شيءٍ، يُحسن العبد به ظنه، ما يحسن ظنه بالأحجار! " (٦).
ثالثاً: أن إحسان الظن بالأحجار، ليس من طبع المؤمنين بالله العلي العظيم،
стр. 355
وإنما هو من طبع الكفار والمشركين، كما عُرِف ذلك من حالهم (١).
رابعاً: أن الكفار أحسنوا ظنهم بالأحجار فلم تنفعهم ولم تغن عنهم شيئا؛ بل كانت سببا لهلاكهم في الآخرة ودخولهم نار جهنم، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وقال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤].
خامساً: أن النبي ﷺ إنما أمر بالاستجمار بهذه الأحجار ولم يأمر بإحسان الظن بها وعبادتها من دون الله، فحقها أن يستجمر بها، لا أن يستغاث بها، كما يفعله هؤلاء الجهلة (٢).
سادساً: أن النبي ﷺ قام بتكسير الأحجار والأصنام التي كان المشركون يحسنون بها الظن وقام بتحريقها بالنار كذلك، وهذا دليل واضح بين على فساد هذا الظن، ومخالفته لدين الإسلام، وشرع رب الأنام، وأن الواجب في حق مثل هذه الأحجار التي يقدسها الناس ويصرفون لها أنواع العبادات، ويعتقدون فيها أنواع المعتقدات، هو التكسير والتحطيم والإزالة، لا إحسان الظن بها والاعتقاد فيها، كما كان يصنع هؤلاء القوم (٣).
سابعاً: قد دلت النصوص القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن العبادات لا تقبل إلا بإخلاص العمل لله، ويجب فيها اتباع ما شرعه النبي ﷺ لأمته، وكل عمل فقد أحد الشرطين فلا يقبل، وليس لأحد أن يشرع برأيه عبادة لم يأذن بها الله، فكيف بشيء حرمه الشارع ونهى عنه وبين أنه شرك أكبر مخرج