ولم يكن شيئًا، وبيده ضرُّه ونفعه، كما قال إمامنا وقدوتنا إبراهيم خليل الرحمن: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٢]، فهذا الرب العظيم الكبير المتعال، الذي بيده ملكوت كل شيءٍ، يُحسن العبد به ظنه، ما يحسن ظنه بالأحجار، فإن الكفار أحسنوا ظنهم بالأحجار فأدخلتهم النار، وقد قال الله تعالى في الأحجار وفي من أحسنوا بها الظنَّ حتى عبدوها من دونه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وقال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، وقد أمر النبي ﷺ أن يُسْتجمر من البول بثلاثة أحجار (١)، ما قال أحسنوا ظنكم بها، بل قال: استجمروا بها من البول. وقد كسر النبي ﷺ الأحجار التي أحسن بها الظن حتى عُبدتْ حول البيت وحرَّقها بالنار (٢)» (٣) ا. هـ.
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
كما هو ملاحظ من هذه المناظرة فإن بعض الناس قد احتجوا لتبرير ما يقعون فيه من شرك وصرف لأنواع العبادات المختلفة للأعمدة والأحجار وغيرها من الأوثان، بحديث مختلق مكذوب، اخترعه عباد الأوثان من تلقاء أنفسهم ألا وهو حديث (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه ذلك)، وفي الواقع أن اختراعهم لهذا الحديث لم يأت من فراغ؛ وإنما نشأ عن عقيدة وشبهة مستقرة عندهم، جعلتهم يختلقون مثل هذه الأحاديث لتكون حجة لهم على عقيدتهم الفاسدة.
стр. 352
مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة ، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
إن هذه العقيدة الفاسدة التي اعتقدها هؤلاء القوم في إحسان الظن بالأعمدة والأحجار والقبور، إنما دخلت عليهم من عقائد مشركي الفلاسفة، فإن شركهم كان على نوعين:
النوع الأول: من يعبد الكواكب، ويدعوها ويطلب منها، فتتنزل عليه الشياطين، ويظن أنها روحانية الكواكب نزلت عليه.
النوع الثاني: من يعبدون الكواكب وغيرها من الأوثان، ويقولون: إنه بنفس توجههم وجمع همتهم إلى ما يدعونه ويحبونه، يحصل لهم المقصود، حتى لو لم يعلم الداعي والمتوجه له، أن هذا دعاه أو توجه إليه. وهذا النوع هو الذي وقع فيه هؤلاء القوم.
وحقيقة هذا القول أنهم يقولون: إن الله لا يحدث في العالم شيئاً، وأن الداعي إذا توجه للمدعو وجمع همته عليه تقوى نفسه حتى يحصل لها المطلوب، من غير أن يكون المدعو علم بذلك، أو كان له تأثير في حصول ذلك، بل المؤثر عندهم هي النفس، لكن بتوجهها إلى ذلك حصل لها قوة، ولذلك يقولون إن الإنسان لو جمع همته على أي شيء كان إلهاً أو حجراً أو صنماً أو كوكباً؛ ودعاه وتوجه إليه حصل له المقصود بمجرد دعائه وتوجهه له وجمع همته عليه، حتى إنهم يقولون: لا فرق بين قولك: يا حجر يا حجر، وبين قولك: يا حي يا قيوم يعني لأن المقصود بكليهما جمع الهمّة، فمتى اجتمعت الهمة أجيبت الدعوة لأي شيء كانت! (١) ومن هذا الباب قالوا: إن من أحسن ظنه ولو بحجر فإن ذلك سينفعه، ثم اختلقوا هذا الحديث المكذوب ليكون حجة لهم على ما يقررون،
стр. 353
وهذا هو ما بينه شيخ الإسلام ووضحه في قاعدته العظيمة (قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق) (١).
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام ﵀ في هذه المناظرة، وفي غيرها من المواضع، بطلان هذا القول وما بني عليه من أوجه كثيرة، أهمها ما يلي:
أولا: أن هذا الحديث مختلق مكذوب لا يثبت عن النبي ﷺ (٢):
قال شيخ الإسلام ﵀: «هذا الحديث كله -من أوله إلى آخره- كذب مختلق، وإفك مفترى على رسول الله ﷺ وعلى أم سلمة ﵂» (٣)، وهو من رواية الكذابين. وقال ﵀: «والحديث الذي يرويه بعض الكذابين: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به)، كذب مفترى باتفاق أهل العلم، وإنما هذا من
стр. 354
قول عباد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالحجارة» (١)
وبين ﵀ أن هذا الكلام ليس من كلام أهل الشرك والبهتان، وليس من كلام أهل الإيمان، فضلاً أن يكون من كلام النبي -عليه أفضل صلاة وسلام-، فقال: «وقول القائل: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به) هو من كلام أهل الشرك والبهتان» (٢).
ثانيًا: أن المتعين هو إحسان الظن بالله تعالى، لا بالأحجار والأصنام، وبهذا وردت النصوص ومن ذلك قول النبي ﷺ : (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) (٣) وقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه : (أنا عند ظن عبدي بي، فليظنَّ بي خيرًا) (٤)، وفي صحيح مسلم عن جابر-﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يموتنَّ أحدُكم إلا ويحسن ظنَّه بالله) (٥)؛ وذلك لأن الله هو "الذي تفرَّد بخلقه، وأوجده من العدم ولم يكن شيئًا، وبيده ضرُّه ونفعه، كما قال إمامنا وقدوتنا إبراهيم خليل الرحمن: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٢]، فهذا الرب العظيم الكبير المتعال، الذي بيده ملكوت كل شيءٍ، يُحسن العبد به ظنه، ما يحسن ظنه بالأحجار! " (٦).
ثالثاً: أن إحسان الظن بالأحجار، ليس من طبع المؤمنين بالله العلي العظيم،
стр. 355
وإنما هو من طبع الكفار والمشركين، كما عُرِف ذلك من حالهم (١).
رابعاً: أن الكفار أحسنوا ظنهم بالأحجار فلم تنفعهم ولم تغن عنهم شيئا؛ بل كانت سببا لهلاكهم في الآخرة ودخولهم نار جهنم، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وقال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤].
خامساً: أن النبي ﷺ إنما أمر بالاستجمار بهذه الأحجار ولم يأمر بإحسان الظن بها وعبادتها من دون الله، فحقها أن يستجمر بها، لا أن يستغاث بها، كما يفعله هؤلاء الجهلة (٢).
سادساً: أن النبي ﷺ قام بتكسير الأحجار والأصنام التي كان المشركون يحسنون بها الظن وقام بتحريقها بالنار كذلك، وهذا دليل واضح بين على فساد هذا الظن، ومخالفته لدين الإسلام، وشرع رب الأنام، وأن الواجب في حق مثل هذه الأحجار التي يقدسها الناس ويصرفون لها أنواع العبادات، ويعتقدون فيها أنواع المعتقدات، هو التكسير والتحطيم والإزالة، لا إحسان الظن بها والاعتقاد فيها، كما كان يصنع هؤلاء القوم (٣).
سابعاً: قد دلت النصوص القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن العبادات لا تقبل إلا بإخلاص العمل لله، ويجب فيها اتباع ما شرعه النبي ﷺ لأمته، وكل عمل فقد أحد الشرطين فلا يقبل، وليس لأحد أن يشرع برأيه عبادة لم يأذن بها الله، فكيف بشيء حرمه الشارع ونهى عنه وبين أنه شرك أكبر مخرج
стр. 356
من الملة فكيف تجوز عبادة الله به (١).
ثامناً: أن هذا الفعل لم يفعله أحد من صحابة رسول الله ﷺ ولا فعله أحد من التابعين، بل ولا حتى عامة المؤمنين الصادقين، وإنما هو من فعل الكفرة والمشركين (٢)؛ بل إن عمر بن الخطاب ﵁ لما قبل الحجر الأسود خير الأحجار وأفضلها، وهو الحجر الأسود قال: (والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك لما قبلتك) (٣).
تاسعاً: دعواهم أن النفس هي المؤثرة في حصول المطلوب دعوى باطلة، فإن النفس ضعيفة عاجزة عن التأثير، وكل من علق نفسه بغير الله وظن أن له تأثيراً دون الله، فقد علق نفسه بضعيف عاجز قال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١ - ٤٣]، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨٢] (٤).
عاشراً: ظَنُ بعضهم أن النفس لها تأثير لبعض ما يشاهده أو يجده من حصول بعض مطلوبه عند جمع همته، وتفريغ قلبه، ظَنٌ فاسد باطل، فإن الشياطين هي التي
стр. 357
تفعل هذا "فإذا اجتمعت الهمّة على ذلك الشيء، وتفرغ القلب لما يلقى فيه، تمكن منه الشيطان، فألقى في قلوبهم ما يلقيه، وتمثل لهم، وقضى بعض حوائجهم، والمتفلسفة الذين لا يعرفون الجنّ، يقولون: هذا كله من قوى النفس، ولكن جمهور الناس الذين قد عرفوا حقيقة الأمر، يعرفون أن الشياطين تفعل من ذلك ما لا تفعل النفس" (١). وقد قال شيخ الإسلام ﵀ مبيناً هذا الأمر: «وهذا موجود في كثير من أهل زماننا، كما كان بعض الناس يقول لمريديه: توجه إلى قلبك وقل: لا إله إلا الله، وليس المقصود الذكر، إنما المقصود أن يجتمع قلبك، فإذا اجتمع قلبه تنزلت عليه الشياطين، فيخيل إليه أنه صعد إلى السماء، وألوان أخر، ويقول أحدهم: حصل لك ما لم يحصل لموسى بن عمران، ولا لمحمد ليلة المعراج، وشخص آخر من كبارهم كان يقول: لا فرق بين قولك: يا حجر يا حجر، وبين قولك: يا حي يا قيوم، يعني أن المقصود بكليهما جمع الهمّة، فهذا وأمثاله من أسرار هؤلاء المشركين.
ومن هؤلاء من يدعو بعض الكواكب، أو بعض الموتى من الأنبياء، والصالحين، أو بعض الملائكة، أو بعض الأوثان، فيرى صورًا: إما صورة بشر، وإما غير صورة بشر، فإنهم يرون أنواعًا من الصور تخاطبهم، وتقضي بعض حوائجهم، فيقولون: هذه روحانية الكوكب، أو سر الشيخ، أو رفيقته، أو نحو ذلك، وإنما ذلك شيطان يضلهم كما كانت الشياطين تضل عبّاد الأوثان، وإلى اليوم، وكانت الشياطين تكلمهم أحيانًا من الأصنام، وأحيانًا يرونها، قال ابن عباس ﵄: (في كل صنم شيطان يتراءى للسدنة فيتكلمون) (٢). وقال أبي بن
стр. 358
كعب ﵁: (مع كل صنم جنيّة) (١)» (٢).
الحادي عشر: اختلافهم وتناقضهم دليلٌ واضح على فساد قولهم، قال شيخ الإسلام ﵀: «ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون، عند قبر أو غيره، كل منهم قد اتخذ وثنا أحسن به الظن، وأساء الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده، ولا يستجاب عند غيره، فمن المحال إصابتهم جميعا، وموافقة بعضهم دون بعض تحكم، وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد» (٣).
وبهذه الأوجه كلها، يظهر فساد مذهب القوم، وسوء معتقدهم، وبطلان كلامهم، وضعف حجتهم.
* * *
стр. 359
المبحث السابع: مناظرته مع جماعة يستشفون بقبور العبيديين ويعتقدون ولايتهم
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة .
تمهيد:
كان شيخ الإسلام ﵀ غاية في الذكاء والفطنة، وسرعة البديهة وقوة الحجة، ولا غرو في ذلك ولا عجب؛ فهو ذلك البحر الزخار، والموج الهدار، الذي نال من العلوم النصيب الأوفر، ومن العقل والدهاء الحظ الأكبر، وكان من عجيب شأنه أنه لا يدع حجة لمحتج تخالف الشريعة إلا فندها، وأزال ما تحويه من شبهة وأبطلها، بل بلغ به الشأن أن يقلب حجة الخصم حجة عليه، ويجعل برهانه الذي استدل به برهانا عليه، وأمثلة ذلك كثيرة وعديدة، ومن أبرزها هذه المناظرة التي يحكيها لنا تلميذه وصاحبه، ورفيقه وخادمه، إبراهيم بن أحمد الغياني، فقد أورد في رسالته (١) التي حوت كثيرا من قصص شيخ الإسلام وأحواله وجهده في الدعوة وجهاده، ومناظرته لخصومه وأعدائه، الشيء النفيس الجليل، ومن تلك الحوادث التي ذكرها هذه الحادثة التي وقعت لشيخ الإسلام أثناء وجوده في بلاد
стр. 360
مصر، وقبل هذا قد ذكرها الشيخ نفسه أثناء رده على ما زعمه البكري (١): من أن منع الاستغاثة بغير الله من الأنبياء والملائكة والصالحين يعتبر انتقاصاً لهم وتقليلاً من شأنهم وحطاً من قدرهم ومكانتهم، فبين شيخ الإسلام ﵀ أن الأمر على نقيض هذا، فإن ترك الشرك بالله وعدم الغلو في الصالحين هو من تعظيمهم وتبجيلهم وطاعتهم فيما جاءوا به وأمروا به، وبين أن المستغيثين بهم والغالين فيهم هم المنتقصون لهم في الحقيقة، وأن دعاءهم لهم واستغاثتهم بهم ليس نابعاً في الحقيقة من تعظيمهم ومعرفة قدرهم، ويدل على ذلك أنهم لو ظفروا بمقصودهم، وما يرجونه ويطلبونه من أمور دنياهم عند غيرهم لفعلوه عندهم، حتى لو كان هذا المرجو ممن لا يعرف باستقامة وصلاح بل قد يكون من أهل الكفر والفسوق، كما ثبت عنهم استغاثتهم بأمثال هؤلاء إن وجدوا منفعة في ذلك، بل إنهم قد يذهبون عند قبور الكافرين والمنافقين إذا حصل لهم المقصود بذلك، ووجدوا ما أرادوا هنالك، وضرب شيخ الإسلام على أفعالهم هذه عدة أمثلة ووقائع منها هذه الواقعة التي جرت له مع جماعة منهم كانوا يذهبون إلى قبور الكفرة من العبيدين (٢) ونحوهم طلباً للسلامة والشفاء (٣).
نص المناظرة:
قال إبراهيم الغياني ﵀: «سمعت الشيخ يحكي غير مرة في مجالسه يقول: زرت يوما المارستان المنصوري (٤)، فجاء إلي أناس فقالوا لي: تصدق وزر
стр. 361
المارستان العتيق فرحت معهم أزوره.
فقالوا لي: ألا تزور قبور الخلفاء -يعنون بني عبيد-؟
فرحت معهم إلى قبورهم، فوجدت قبورهم إلى القطب الشمالي.
فتكلم عليهم وعلى مذاهبهم.
[وكان بالبلد جماعة كثيرون يظنون بالعبيديين أنهم أولياء الله تعالى صالحون]
[فلما ذكرت لهم أن هؤلاء كانوا منافقين زنادقة، وخيار من فيهم الرافضة جعلوا يتعجبون ويقولون]: نحن نعتقد أن هؤلاء قوم صالحون، لأنّا إذا مغلت (١) عندنا الخيل نجيء بها إلى قبور هؤلاء فتبرأ، فلولا أنهم صالحون ما برأت الدواب من المغل عند قبورهم.
[فقلت لهم: هذا من أعظم الأدلة على كفرهم] وهو حجة أيضا على صحة ما أقوله فيهم.
[وطلبت من طائفة من سياس الخيل (٢)، فقلت: أنتم بالشام ومصر إذا أصاب الخيل المغل أين تذهبون بهم؟
فقالوا: في الشام يذهب بها إلى قبور اليهود والنصارى، وإذا كنا في أرض
стр. 362
الشمال يذهب بها إلى القبور التي ببلاد الإسماعيلية كالعليقة والمنقية (١) ونحوهما، وأما في مصر فيذهب بها إلى دير هناك للنصارى، ونذهب بها إلى قبور هؤلاء الأشراف، وهم يظنون أن العبيديين شرفاء لما أظهروا أنهم من أهل البيت. فقلت: هل يذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين، مثل قبر الليث بن سعد، والشافعي، وابن القاسم (٢) وغير هؤلاء؟
فقالوا: لا.
فقلت لأولئك: اسمعوا؛ إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار والمنافقين؛
وبينت لهم سبب ذلك قلت: لأن هؤلاء يعذبون في قبورهم، والبهائم تسمع أصواتهم كما ثبت في الحديث الصحيح؛] وكان النبي ﷺ يوماً راكباً على بغلته فحادت حتى كادت تلقيه عن ظهرها، فقالوا: ما شأنها يا رسول الله؟ فقال: (إنها سمعت أصوات يهود تعذب في قبورها) (٣).
стр. 363
فإذا جيء بها إلى قبور اليهود والنصارى في الشام، وإلى قبور المنافقين كالقرامطة والإسماعيلية والنصيرية، فإن الدواب إذا سمعت أصوات المعذبين في قبورهم تفزع، فيحصل لها حرارة تذهب بالمغل الذي حصل لها؛ فإن المغل من برد يحصل للدواب، [فإذا سمعت ذلك فزعت؛ فبسبب الرعب الذي يحصل لها؛ تنحل بطونها فتروث؛ فإن الفزع يقتضي الإسهال] وقال الشيخ: إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم، فما يروح أصحاب الدواب بها إلى قبر الشافعي ولا إلى قبر أشهب (١) فإن عند قبورهم تنزل الرحمة (٢) [فيعجبون من ذلك!
وهذا المعنى كثيراً ما كنت أذكره للناس، ولم أعلم أحداً قاله، ثم وجدته قد ذكره بعض العلماء] (٣).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
من المعلوم المستقر عند علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين أن
стр. 364
الخلفاء العبيديين كانوا زنادقة ملحدين، خارجين عن الشرائع والدين، وأنهم قد جمعوا من أصناف الكفر والضلال والزندقة، ما لم يجتمع لدى اليهود والنصارى وغيرهم من الفرق المارقة، ومع وضوح أمرهم، واتضاح حالهم، فإن هؤلاء القوم الذين ناظرهم شيخ الإسلام كانوا على نقيض هذا المقال، حيث كانوا يعتقدون أن العبيديين من أولياء الله، وأنهم من أهل الصلاح والولاية، والفضل والديانة، حتى إنهم تعجبوا من شيخ الإسلام عندما بين لهم حقيقة هؤلاء القوم، وما هم عليه من كفر ونفاق وزندقة.
وكان أصل شبهة هؤلاء القوم التي دخل عليهم منها هذا الاعتقاد الفاسد، والظن الخائب -غير الصائب-؛ هو أنهم وجدوا أن الخيل إذا أصابها المغل في بطونها، وذهبوا بها إلى قبور هؤلاء العبيديين، شفيت مما كان فيها من مرض وبلاء، وتعافت وزال عنها ما كان فيها من أذى، فظنوا أن حدوث هذا الأمر عند قبور هؤلاء؛ دليل على صلاحهم وولايتهم، وفضلهم وديانتهم، وأنه كرامة لهم، وجعلوا ما حدث دليلاً على هذا وحجة عليه (١).
فقلب عليهم شيخ الإسلام الحجة، وأزال الشبهة، وبين المحجة، كما سيتضح في الجواب على هذه الشبهة.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
قال شيخ الإسلام ﵀: «نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا أعطى حقه، وتميز ما فيه من حق وباطل، وبين ما يدل عليه؛ تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه» (٢)، وقال ابن القيم ﵀: «وقال لي -شيخ الإسلام-: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله» (٣)، وهذا كان من عجائب صنيع
стр. 365
شيخ الإِسلام ﵀ فإنه كان لا يترك للمخاصم حجة إلا فندها، بل بلغت فيه القوة في الحجة، أن يقلب دليل الخصم دليلا عليه، كما كان صنيعه في هذه المناظرة، فقد بين لهم شيخ الإسلام ﵀ أن هذا الدليل الذي استدللتم به على ولاية القوم وصلاحهم، هو في الحقيقة دليل على كفرهم وزندقتهم، وعذاب الله لهم في قبورهم.
وذلك أنه قد ثبت بالسنة الصحيحة أن الكفار يعذبون ويعاقبون في قبورهم، وأن البهائم تسمع أصواتهم وهم يعذبون، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂، قالت: دخلت علي عجوزان من عجز يهود المدينة، فقالتا لي: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فكذبتهما، ولم أُنْعِمْ (١) أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل علي النبي ﷺ ، فقلت له: يا رسول الله، إن عجوزين، وذكرت له، فقال: (صدقتا، إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم كلها) (٢)، وعن أم مبشر ﵂ (٣) قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ، وأنا في حائط من حوائط بني النجار، فيه قبور منهم، قد ماتوا في الجاهلية، فسمعهم وهم يعذبون، فخرج وهو يقول: (استعيذوا بالله من عذاب القبر)، قالت: قلت: يا رسول الله، وإنهم ليعذبون في قبورهم؟ قال: (نعم، عذاباً تسمعه البهائم) (٤).
فإذا ثبت هذا، فإن البهائم إذا سمعت أصوات المعذبين فزعت، وبسبب الرعب الذي يحصل لها تحدث لها حرارة؛ تذهب بالمغل الذي يحصل لها بسبب البرد، وتنحل بطونها فتروث فيذهب المغل الذي حصل لها، فإن الفزع يقتضي
стр. 366
الإسهال، فتشفى بطونها بسبب ذلك.
ويدل على هذا وأن ما يحصل لها إنما هو بسبب سماع أصوات المعذبين أن أصحاب هذه الخيول لا يذهبون بها إلى قبور الأنبياء والصالحين؛ ولا إلى قبور عموم المسلمين، ولا يذهبون بها إلى قبر الشافعي وأشهب وغيرها من قبور الصالحين بالديار المصرية، وإنما يذهبون بها إلى قبور هؤلاء المعذبين في قبورهم (١).
وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن هذه عادة معروفة لهؤلاء القوم وأمثالهم "إذا أصاب الخيل مغل ذهبوا بها إلى قبور النصارى بدمشق، وإن كانوا بمساكن الإسماعيلية والنصيرية ونحوهما، ذهبوا بها إلى قبورهم، وإن كانوا بمصر ذهبوا بها إلى قبور اليهود والنصارى، أو لهؤلاء العبيديين" (٢) ونحوهم. ومما يؤكد كفر هؤلاء القوم، وأن ما يحدث للخيل هو بسبب سماع صوت عذابهم في القبور، أن قبورهم ليست إلى قبلة المسلمين وإنما هي موجهة إلى غير القبلة، بخلاف قبور سائر المسلمين والمؤمنين (٣).
المسألة الثانية: بيان حال العبيديين الفاطميين وكفرهم وزندقتهم:
لقد أحسن هؤلاء القوم الظن بالعبيدين بناء على الشبهة المذكورة التي سبق بيانها، وبناء على ما أشاعه العبيديون حول أنفسهم من انتسابهم إلى بيت النبوة، فلهذا اعتقد فيهم جماعة كبيرة من الناس أنهم كان من الأولياء الصالحين ومن السادة المنتجبين، بل لقد غلا البعض في الاعتقاد بهم حتى جعلوهم أئمة معصومين (٤)، وهذا القول شر بكثير من قول الرافضة بعصمة أئمتهم "فإن الرافضة ادعت ذلك فيمن لا شك في إيمانه وتقواه بل فيمن لا يشك أنه من أهل الجنة:
стр. 367
كعلي والحسن والحسين ﵃ ومع هذا فقد اتفق أهل العلم والإيمان على أن هذا القول من أفسد الأقوال" (١)، وأن من ادعى عصمة هؤلاء السادة المشهود لهم بالإيمان والتقوى والجنة فهو في غاية الضلال والجهالة، فكيف بمن ادعى العصمة لقوم مشهورين بالكفر والالحاد والزندقة؟! (٢)، بل قد بلغ الحال بطائفة من اتباعهم إلى ادعاء الألوهية فيهم -والعياذ بالله- (٣).
وقد بين شيخ الإسلام في هذه المناظرة لمن حاوره منهم أن العبيديين ما كانوا إلا زنادقة منافقين، خارجين عن الشرعة والدين، والناظر في مصنفات شيخ الإسلام ﵀ يجد أنه أبان الكثير من حالهم ومعتقداتهم وضلالهم وانحرافاتهم، ويمكن إجمال أهم ما ذكره شيخ الإسلام عن الفاطمية العبيدين مما يتعلق بانحرافهم في العقيدة بالأمور التالية:
-تظاهرهم بالرفض وإبطانهم الكفر والزندقة والالحاد: "فهم يظهرون التشيع لمن يدعونه، وإذا استجاب لهم نقلوه إلى الرفض والقدح في الصحابة، فإن رأوه قابلا نقلوه إلى الطعن في علي وغيره ثم نقلوه إلى القدح في نبينا وسائر الأنبياء وقالوا: إن الأنبياء لهم بواطن وأسرار تخالف ما عليه أمتهم" (٤)، فيصبح بعد ذلك ملحداً زنديقاً، ولقد كان شيخ الإسلام كثيراً ما ينقل -عند ذكرهم -كلمة أبي حامد الغزالي: «ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض» (٥).
-اعتقادهم الباطني: فقد ادعوا أن للشريعة باطنا وظاهراً وأنهم أصحاب العلم الباطن، وهذا العلم كفر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى؛ بل أكثر المشركين على أنه كفر أيضاً؛ فإن مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله
стр. 368
واليوم الآخر؛ وأن للكتب الإلهية بواطن تخالف المعلوم عند المؤمنين (١)، بل هو كما قال شيخ الإسلام: «جامع لكل كفر» (٢)، وبهذه الطريقة هدموا كل أصول الشرعية وتعاليمها، وقالوا إن لنصوص الشريعة بواطن تخالف الظاهر الذي يعلمه المسلمون منها "في الأوامر والنواهي والأخبار:
أما الأوامر: فإن الناس يعلمون بالاضطرار من دين الإسلام أن محمدا ﷺ أمرهم بالصلوات المكتوبة والزكاة المفروضة وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق.
وأما النواهي: فإن الله تعالى حرم عليهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن يقولوا على الله ما لا يعلمون كما حرم الخمر ونكاح ذوات المحارم والربا والميسر وغير ذلك. فزعم هؤلاء أنه ليس المراد بهذا ما يعرفه المسلمون ولكن لهذا باطن يعلمه هؤلاء الأئمة الإسماعيلية الذين انتسبوا إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الذين يقولون إنهم معصومون وإنهم أصحاب العلم الباطن" (٣)، وضرب شيخ الإسلام بعض النماذج على هذا منها:
- تحريفهم للمراد بأعظم شعائر الدين العملية من صلاة وزكاة وصيام وحج، فقالوا أما الصلاة فالمراد بها: معرفة أسرارنا "والصيام: كتمان أسرارنا. ليس هو الإمساك عن الأكل والشرب والنكاح. والحج: زيارة شيوخنا المقدسين" (٤).
وأما النواهي والمحرمات الشرعية فهم لا يحرمونها "بل يستحلون الفواحش ما ظهر منها وما بطن ونكاح الأمهات والبنات وغير ذلك من المنكرات" (٥).
стр. 369
"وأما الأخبار: فإنهم لا يقرون بقيام الناس من قبورهم لرب العالمين؛ ولا بما وعد الله به عباده من الثواب والعقاب؛ بل ولا بما أخبرت به الرسل من الملائكة؛ بل ولا بما ذكرته من أسماء الله وصفاته" (١).
فهذه هي عقيدتهم الباطنية الخبيثة التي هدموا بها الدين أصوله وفروعه -والعياذ بالله رب العالمين-.
-اعتقادهم سقوط الشرائع عنهم: قال شيخ الإسلام: "ويقولون إن الله أحل كل ما نشتهيه من الفواحش والمنكرات وأخذ أموال الناس بكل طريق؛ ولم يجب علينا شيء مما يجب على العامة: من صلاة وزكاة وصيام وغير ذلك؛ إذ البالغ عندهم قد عرف أنه لا جنة ولا نار؛ ولا ثواب ولا عقاب" (٢).
-الاستهزاء بالله وشرعه: قال شيخ الإسلام: «ويستهينون بذكر الله واسمه حتى يكتب أحدهم اسم الله واسم رسوله في أسفله؛ وأمثال ذلك من كفرهم كثير» (٣).
-عبادتهم للكواكب، وتعظيمهم للمشاهد والقبور فقد "بنوا أرصاداً على الجبال وغير الجبال يرصدون فيها الكواكب يعبدونها ويسبحونها ويستنزلون روحانياتها التي هي شياطين تتنزل على المشركين الكفار كشياطين الأصنام ونحو ذلك" (٤) "وهم من أشد الناس تعظيما للمشاهد ودعوة الكواكب ونحو ذلك من دين المشركين وأبعد الناس عن تعظيم المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وآثارهم في القاهرة تدل على ذلك" (٥).
-اعتقادهم أن إمامهم محمد بن إسماعيل جاء بشرع ناسخ لشرع
стр. 370
نبينا محمد ﷺ (١).
-تكذيبهم وجحدهم باليوم الآخر والبعث والنشور والحشر (٢).
-اتهام الرسل بالكذب والقول بأنهم "فيما أخبروا به وأمروا به لم يأتوا بحقائق الأمور؛ ولكن أتوا بأمر فيه صلاح العامة وإن كان هو كذبا في الحقيقة" (٣).
-جحدهم بأسماء الله وصفاته وتعطيلهم لها وقولهم في ذلك "أخبث من قول الجهمية وشر منه" (٤).
-مجاهرتهم بسب الصحابة ولعنهم حيث "كانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينار وإردب (٥). وكان بالجامع الأزهر عدة مقاصير يلعن فيها الصحابة؛ بل يتكلم فيها بالكفر الصريح" (٦).
-منعهم التحديث بأحاديث رسول الله ﷺ وقتلهم العلماء والمحدثين على ذلك، قال شيخ الإسلام: «وكان في أثناء دولتهم يخاف الساكن بمصر أن يروي حديثاً عن رسول الله ﷺ فيُقتلْ، كما حكى ذلك إبراهيم بن سعد الحبال (٧)
стр. 371
صاحب عبد الغني بن سعيد (١) وامتنع من رواية الحديث خوفاً أن يقتلوه» (٢).
-نبذهم لعلوم الشريعة وتدريسها، قال شيخ الإسلام ﵀: «وكانوا لا يدرسون في مدرستهم علوم المسلمين؛ بل المنطق والطبيعة [والهيئة] (٣) ونحو ذلك من مقالات الفلاسفة» (٤).
-معاداتهم للإسلام وأهل الإسلام، قال شيخ الإسلام ﵀: «ومن علم حوادث الإسلام وما جرى فيه بين أوليائه وأعدائه الكفار والمنافقين: علم أن عداوة هؤلاء المعتدين للإسلام الذي بعث الله به رسوله أعظم من عداوة التتار وأن علم الباطن الذي كانوا يدعون حقيقته هو إبطال الرسالة التي بعث الله بها محمداً؛ بل إبطال جميع المرسلين؛ وأنهم لا يقرون، بما جاء به الرسول عن الله ولا من خبره ولا من أمره؛ وأن لهم قصداً مؤكداً في إبطال دعوته وإفساد ملته وقتل خاصته وأتباع عترته. وأنهم في معاداة الإسلام؛ بل وسائر الملل أعظم من اليهود والنصارى» (٥).
-تقريبهم لليهود والنصارى وبناء معابدهم، قال شيخ الإسلام: «وقد عرف العارفون بالإسلام أن الرافضة تميل مع أعداء الدين. ولما كانوا ملوك القاهرة،
стр. 372
كان وزيرهم مرة يهودياً، ومرة نصرانياً أرمنياً (١)، وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرمني، وبنوا كنائس كثيرةً بأرض مصر (٢)، في دولة أولئك الرافضة والمنافقين … وفي أيامهم أخذت النصارى ساحل الشام من المسلمين» (٣).
-بين شيخ الإسلام أن مذهبهم لا يستند على عقل ولا نقل ولا أثر ولا قياس: «ومعلوم عند كل من عرف دين الإسلام أن المصريين -بني عبيد الباطنية- … من أعظم الناس نفاقاً وإلحاداً في الإسلام، وأبعد الناس عن الرسول ﷺ نسباً وديناً، بل وأبعد الناس عن صريح المعقول وصحيح المنقول، فليس لهم سمع ولا عقل» (٤).
-ودينهم مركب من مذهب الفلاسفة والمجوس والرافضة، قال شيخ الإسلام: «وهم ملاحدة في الباطن أخذوا من مذاهب الفلاسفة والمجوس ما خلطوا به أقوال الرافضة فصار خيار ما يظهرونه من الإسلام دين الرافضة، وأما في الباطن فملاحدة شر من اليهود والنصارى» (٥).
-كذبهم في انتسابهم لبيت النبوة ودعواهم أنهم من الأشراف، وقد بين شيخ
стр. 373
الإسلام ﵀ كذبهم فيما ادعوه من انتساب لبيت النبوة، وقد زعموا أنهم "من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر (١)؛ ولم يكونوا من أولاده؛ بل كان جدهم يهودياً ربيبياً لمجوسي" (٢). وتسموا بالفاطميين نسبة إلى فاطمة ﵂ "مع اتفاق أهل العلم بالأنساب أنهم بريئون من نسب رسول الله ﷺ وأن نسبهم متصل بالمجوس واليهود" (٣) و"هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف: من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث وأهل الكلام وعلماء النسب والعامة وغيرهم" (٤)، وذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم، و"ما ظهر عنهم من الزندقة والنفاق ومعاداة ما جاء به الرسول ﷺ دليل على بطلان نسبهم الفاطمي؛ فإن من يكون من أقارب النبي ﷺ القائمين بالخلافة في أمته لا تكون معاداته لدينه كمعاداة هؤلاء؛ فلم يعرف في بني هاشم ولا ولد أبي طالب ولا بني أمية: من كان خليفة وهو معاد لدين الإسلام؛ فضلا عن أن يكون معادياً كمعاداة هؤلاء؛ بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم فيكون فيهم نوع حمية لدين آبائهم وأسلافهم فمن كان من ولد سيد ولد آدم الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق كيف يعادي دينه هذه المعاداة؟! " (٥).
-سوء سيرتهم في الملك، فقد كانت سيرتهم في الملك من أقبح السير، "وأكثرها ظلماً وانتهاكاً للمحرمات، وأبعدها عن إقامة الأمور والواجبات،
стр. 374
وأعظم إظهاراً للبدع المخالفة للكتاب والسنة وإعانة لأهل النفاق والبدعة" وظهرت فيهم "الفواحش والمنكرات والظلم والبغي والعدوان والعداوة لأهل البر والتقوى من الأمة، والاطمئنان لأهل الكفر والنفاق" (١).
وبهذا كله يتضح مدى ما وصل إليه حال هؤلاء القوم من كفر وإلحاد وزندقة، وقد حكى شيخ الإسلام إجماع العلماء واتفاقهم على كفر هؤلاء القوم وإلحادهم وزندقتهم (٢)، ولظهور هذا الأمر ووضوحه لم يكن بيانه مقتصراً على أئمة السنة فحسب، بل "حتى الشيعة والمعتزلة ونحوهم فإنهم متفقون على تكفيرهم، كما اتفق على تكفيرهم أئمة السنة» (٣)، وقد صنف العلماء من مختلف المذاهب مصنفات عديدة في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وبيان انحرافهم وقبح معتقداتهم (٤).
"ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتي سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان حتى قالت فيها العلماء: إنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب" (٥).
فهذه هي حقيقة حال هؤلاء العبيدين، وما ذكر إنما هو بعض من مظاهر كفرهم بالله، وعدائهم لشرعه ومحاربتهم لأهل الإيمان والقبلة، وفسقهم وفجورهم، وسوأتهم أكبر من هذا وأكثر، ولكن المراد بيان فساد اعتقاد هؤلاء القوم فيهم، فمن كانت هذه حاله، فكيف يكون مؤمناً؟! فضلاً عن أن يكون ولياً أو صالحاً تقياً (٦)؟!
стр. 375
المبحث الثامن: مناظرته مع بعض شيوخ المشرق في جواز دعاء القبور والحديث الموضوع في هذا
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة .
تمهيد:
قل أن تجد طائفة من طوائف أهل الضلال إلا وهي تستند في تقوية باطلها إلى أحاديث ضعيفة، وروايات مكذوبة، وحكايات باطلة.
وتعد طائفة القبورية من أشد الطوائف تعويلاً على هذا واستناداً إليه، وذلك من أجل تبرير عقائدهم الشركية ومعتقداتهم الوثنية، من تشييد القبور والبناء عليها وعبادتها واللجوء إليها، وقد وقعت لهم مع شيخ الإسلام وقائع عدة، أبطل فيها ما احتجوا به من شبهات نقلية كانت أو عقلية، وكانت هذه المناظرة التي وقعت له مع شيخ من شيوخ المشرق نموذجاً لما يحتج به هؤلاء القوم من روايات مكذوبة جعلوها حجة نقلية يستندون عليها لتجويز الشرك بالله ودعاء الأضرحة والقبور.
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام أثناء حديثه عن دعاء الأموات: «وقد قدم بعض الشيوخ المشرق، وتكلم معي في هذا [أي في دعاء الأموات].
فبينت له فساد هذا.
стр. 376
فقال: أليس قد قال النبي ﷺ : (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور).
فقلت: هذا مكذوب باتفاق أهل العلم، لم يروه عن النبي ﷺ أحد من علماء الحديث» (١).
وقال ﵀ في موضع آخر: «وإن كان بعض الناس من المشايخ المتبوعين يحتج بما يرويه عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور أو فاستعينوا بأهل القبور)» (٢).
وقال في موضع آخر: «وإن كان بعض المشايخ المبتدعين يحتج بما يرويه عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور) أو قال: (فاستغيثوا بأهل القبور) فهذا الحديث كذب مفترى على رسول الله ﷺ بإجماع العارفين بحديثه؛ لم يروه أحد من العلماء ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة (٣)» (٤).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
لما كانت عقيدة القبورية في دعاء الأموات، والاستغاثة بالقبور ومن تحت
стр. 377
الرفات، عقيدة باطلة فاسدة مناقضة لدين الإسلام، وجميع الشرائع والأديان، لا يدل عليها نقل صحيح ولا عقل سليم، قام عباد القبور وسدنتها، باختلاق أحاديث مكذوبة، نسبوها للنبي ﷺ كذبا وزورا، لتمرير عقائدهم الباطلة وأفعالهم الفاسدة، من شرك ودعاء واستغاثة بغير الله، وأكثروا من ذكرها في مواعظهم وخطبهم، وكتبهم ومصنفاتهم، حتى اشتهرت عند العامة، فظنوها أحاديثَ صحيحة وحججاً مقبولة، كما هو ظاهر من مناظرة شيخ الإسلام لهذا الشيخ، حيث إن أصل شبهة هذا الشيخ وتجويزه للاستغاثة بالقبور ودعائها والالتجاء إليها، هذا الحديث المختلق المكذوب: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور)؛ وبناء عليه أنكر هذا الرجل على شيخ الإسلام إنكاره دعاء القبور والاستغاثة بها ظاناً أن ما احتج به حجة صحيحة قطعية مقبولة! فقال سائلاً مستنكراً: «أليس قد قال النبي ﷺ : (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور)؟!
فتبين بهذا أن أصل شبهة هذا الشيخ وأمثاله هي هذا الحديث، وقد بين شيخ الإسلام أن هذا الحديث هو عمدة هؤلاء القوم في استدلالهم، قال ﵀: «ولهم حديث مشهور بينهم سألني عنه غير واحدٍ من أعيان الشيوخ وكبراء الناس، فكانوا يعتمدون عليه، وهو قوله: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور)» (١). الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام ﵀ بطلان الاحتجاج بهذا الحديث من وجوه كثيرة أهمها ما يلي:
أولاً: أن هذا الحديث مختلق مكذوب لا يصح عن النبي ﷺ (٢):
стр. 378
بين شيخ أن هذا الحديث من الأساطير المفتعلة الموضوعة، والروايات المختلقة المصنوعة، في مواضع كثيرة من كتبه، وبعبارات منوعة مختلفة، فقال عنه: «هذا كذب منكر» (١).
وبين أن سبب وضعه فتح باب الشرك، وإقامة دين المشركين فقال ﵀: «وإنما هذا الحديث من الأكاذيب التي وضعت ليقام بها دين أهل الشرك» (٢)، وقال: «وإنما هذا وضع من فتح باب الشرك» (٣). وبين اتفاق أهل العلم على كذبه وافترائه فقال ﵀: «فهذا الحديث كذب مفترى على النبي ﷺ ، بإجماع العارفين بحديثه» (٤).
ثانياً: أن هذا الحديث لا يوجد في شيء من مصادر المسلمين، ولا ذكره أحد من علماء الإسلام، فكيف يكون مثل هذا حجة مستساغة، أو دليلاً مقبولاً؟!
قال شيخ الإسلام: «ليس هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة في الحديث، ولا ذكره أحدٌ من علماء الإسلام، ولا إمام من أئمة المسلمين» (٥).
ثالثًا: لم يقتصر شيخ الإسلام ﵀ في بيانه لوضع هذا الحديث وكذبه على نقد السند فحسب، بل بين ضعف الحديث ووضعه من خلال المتن أيضاً، فمتن الحديث ونصه ظاهر في بيان كذبه ووضعه، وقد بين ذلك شيخ الإسلام من وجوه:
١) أن ما جاء في هذا الحديث من الأمر بدعاء القبور والاستغاثة بها من دون
стр. 379
الله هو"مما يعلم بالاضطرار في دين الإسلام أنه غير مشروع" (١)، فالإسلام قائم على إخلاص الدين لله تعالى، وقد قرر هذا المعنى شيخ الإسلام في غير موضع، وقال في ثنايا مناظرته لمن اعتمد على هذا الحديث: «وقد قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله ديناً غيره من الأولين والآخرين» (٢).
٢) أن الإسلام قد جاء بالنهي عما هو دون الدعاء من الأعمال التي تفعل عند القبور فتكون ذريعة لدعائها والشرك بالله، وذلك كاتخاذها مساجد والصلاة عندها ونحو ذلك من الأمور المفضية للشرك، فإذا كان التحذير والنهي بل واللعن قد جاء في مثل هذه الأمور لكونها مفضية لدعاء القبور والشرك بالله، فكيف بالدعاء نفسه؟! (٣).
٣) أن ما جاء به هذا الحديث المكذوب "هو أصل عبادة الأصنام أيضاً فإن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين في قوم نوح ﵊، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم اتخذوا الأصنام على صورهم كما ذكر ذلك ابن عباس وغيره من العلماء" (٤).
٤) أن ما جاء في هذا الحديث كما أنه مخالف لشريعة الإسلام فهو كذلك مخالف لجميع الشرائع والأديان كما جاء في التوراة "أن موسى ﵇ نهى
стр. 380
بني إسرائيل عن دعاء الأموات وغير ذلك من الشرك، وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة الله لمن فعله" (١)، وبهذا جاء جميع الأنبياء قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
المسألة الثانية: الاستدلال بالأحاديث الضعيفة والموضوعة:
لاشك أن الله تعبدنا بما شرعه لنا في كتابه، وما صح من سنة رسوله ﷺ ، وأما الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة، فلا يستدل بها، ولا تؤخذ العقائد منها، ولا تجوز نسبتها إلى النبي ﷺ إلا على وجه يُبَيَّن فيه أنها ضعيفة، وإذا كان هذا هو حال الأحاديث الضعيفة، فكيف بالأحاديث الموضوعة المكذوبة عليه ﷺ ؟
وقد أجمع علماء الإسلام على عدم جواز روايتها ونسبتها للنبي ﷺ فضلاً عن الاحتجاج بها والاستناد عليها- إلا على سبيل التنبيه على كذبها وبيان وضعها والتحذير منها (٢)؛ لقوله ﷺ : (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) (٣).
ولا ريب أن فيما ثبت عنه ﷺ من السنة الغُنْية والكفاية والخير كله، فلا حاجة لغيره من الضعيف والموضوع، ولا تتوقف معرفة الدين على الوقوف عليه، وأما أهل الأهواء فاستدلوا بالغثّ والضعيف والواهي والموضوع الذي فيه النصّ على ما يريدونه من الباطل والضلال، فامتلأت أقوالهم ومصنَّفاتهم من الاستدلال بهذا النوع المردود من الحديث، حتى صارت مصنَّفاتهم من مظانّ الحديث المردود.
وليس هذا المسلك بمستغرب على أهل الأهواء من القبورية ومن سار على منوالهم؛ فقد دلّت النصوص الشرعية على أن هذه طريقة متبعة عند أهل الهوى
стр. 381
والضلال قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣]، وواقعهم ومنهجهم في الاستدلال يصدق هذا ويؤكد عليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وكل من خالف الرسول لا يخرج عن الظن وما تهوى الأنفس؛ فإن كان ممن يعتقد ما قاله وله فيه حجة يستدل بها كان غايته الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً، كاحتجاجهم بقياس فاسد، أو نقل كاذب، أو خطاب ألقي إليهم اعتقدوا أنه من اللّه وكان من إلقاء الشيطان، وهذه الثلاثة هي عمدة من يخالف السنة بما يراه حجة ودليلا … ، وإن تمسك المبطل بحجج سمعية، فإما أن تكون كذبًا على الرسول، أو تكون غير دالة على ما احتج بها أهل البُطُول، فالمنع إما في الإسناد وإما في المتن ودلالته على ما ذكر» (١)، وقال أيضاً: «وأما أهل الأهواء ونحوهم فيعتمدون على نقل لا يعرف له قائل أصلا لا ثقة ولا معتمد وأهون شيء عندهم الكذب المختلق وأعلم من فيهم لا يرجع فيما ينقله إلى عمدة بل إلى سماعات عن الجاهلين والكذابين وروايات عن أهل الإفك المبين» (٢).
فاعتماد أهل الأهواء والبدع على الروايات الضعيفة أو الموضوعة أمر ظاهر، ويبالغ بعضهم فيجعل من الأثر الضعيف دليلاً لا يصل إليه أدنى شك، بل قد يحارب دليلاً صحيحاً بآخر لا أصل له، ويجعلون من الروايات التي لا أصل لها ولا سند مصدراً للأحكام الشرعية والأمور الفقهية، ومعرفة الراجح من المسائل التي وقع الخلاف فيها بين الأئمة، فكان لذلك المصدر أخطر الآثار على العقيدة الإسلامية لاشتهار الروايات الضعيفة والموضوعة عند العامة الذين لا يميزون واعتقادهم بصحتها وسلامتها من الأخطاء.
والمقصود أنه لا يجوز سلوك مسلك القبورية في الاستدلال، والتحديث بالأحاديث الكاذبة، فضلاً عن الاعتقاد بما تقتضيه وتدل عليه تلك الأحاديث من اعتقادات فاسدة زائغة، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (سيكون في آخر أمتي
стр. 382
أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) (١)، وفي رواية: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم) (٢)، وفي لفظ: (يأتونكم ببدع من الحديث) (٣).
* * *
стр. 383
المبحث التاسع: مناظرته مع بعض المشايخ الذين يستغيثون بغير الله ويدَّعون ظهور صورته لهم:
واشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
تمهيد:
لم تزل العداوة قائمة بين الشيطان وبني آدم مذ أخرج إبليس من الجنة؛ بسبب إبائه واستكباره عن امتثال أمر ربه بالسجود لآدم ﵇، ومنذ ذلك الحين والشيطان مترصد لبني آدم لاغوائهم وإضلالهم بشتى السبل ومختلف الطرق، وقد أقسم على هذا: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٧]، ومن أعظم الطرق الشيطانية التي لبَّس بها الشيطان على كثير ممن ينتسب للإسلام والملة، تصوره وتشكله لعامة الناس بصور الصالحين والأولياء، والمشايخ والعلماء الذين يبجلونهم ويعظمونهم، فتظهر لهم الشياطين بصور أولئك الصالحين، فتنة لهم وصداً عن سبيل الله، ولربما أغاثوا من استغاث بهم، ونصروا من استنصرهم، وأجابوا من دعاهم، وهو -في ذلك كله- يحسب أن الشيخ أو الولي الصالح هو الذي أغاثه أو نصره وأعانه، وما ذاك إلا شيطان تمثل بصورة الشيخ الصالح وتشكل على هيئته.
стр. 384
وبهذه الطريقة أضل الشيطان خلقاً من عباد الله، وشجعهم على صرف العبادة لغير الله، فعكفوا عند قبور الأنبياء والأولياء داعين لها مستغيثين بها، متعلقين بأستارها رجاء أن تحقق لهم نفعاً أو تدفع عنهم ضراً.
وغالباً ما يكون ذلك بعد موت هؤلاء الصالحين وأحياناً في حياتهم، وقد يغتر بذلك الرجل الصالح نفسه، فيظن أن ما يتصور للناس إنما هو ملك من الملائكة ظهر على صورته كرامة له، فيقوم بحث الناس على أفعالهم الشركية، وصرفهم الدعاء له أو لغيره.
وقد افتتن بهذا خلق كثير ممن حاد عن الطريق المستقيم وخالف الشرع القويم، فزادهم الشيطان ضلالا إلى ضلالتهم، وغواية إلى غوايتهم.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ من هذا نماذج كثيرة جداً، ومنها ما جرى له في هذه المناظرة مع بعض من استغاث بغير الله فحدث له مثل هذا، فاغتر بما حصل له، حتى بين له شيخ الإسلام حقيقة الأمر، وتوضيح الحال.
• نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام ﵀: «وكثير ممن يستغيث بالمشايخ فيقول: يا سيدي فلان! أو: يا شيخ فلان! اقض حاجتي، فيرى صورة ذلك الشيخ يخاطبه ويقول: أنا أقضي حاجتك، أو أطيب قلبك، فيقضي حاجته أو يدفع عنه عدوه، ويكون ذلك شيطاناً قد تمثل في صورته لما أشرك بالله فدعا غيره.
وأنا أعرف من هذا وقائع متعددة، حتى إن طائفة من أصحابي ذكروا أنهم استغاثوا بي في شدائد أصابتهم، أحدهم كان خائفاً من الأرمن، والآخر كان خائفاً من التتر، فذكر كل منهم أنه لما استغاث بي رآني في الهواء وقد دفعت عنه عدوه، فأخبرتهم أني لم أشعر بهذا، ولا دفعت عنكم شيئاً، وإنما هذا شيطان تمثل لأحدهم فأغواه لما أشرك بالله تعالى.
وهكذا جرى لغير واحد من أصحابنا المشايخ مع أصحابهم، يستغيث أحدهم بالشيخ، فيرى الشيخ قد جاء وقضى حاجته، ويقول ذلك الشيخ: إني لم أعلم
стр. 385
بهذا، فيتبين أن ذلك كان شيطاناً.
وقد قلت لبعض أصحابنا؛ لما ذكر لي: أنه استغاث باثنين كان يعتقدهما، وأنهما أتياه في الهواء وقالا له: طيب قلبك نحن ندفع عنك هؤلاء ونفعل ونصنع.
قلت له: فهل كان من ذلك شيء؟
فقال: لا. فكان هذا مما دله على أنهما شيطانان، فإن الشياطين وإن كانوا يخبرون الإنسان بقضية أو قصة فيها صدق فإنهم يكذبون أضعاف ذلك، كما كانت الجن يخبرون الكهان.
ولهذا من اعتمد على مكاشفته التي هي من أخبار الجن كان كذبه أكثر من صدقه؛ كشيخ كان يقال له الشياح (١) توبناه وجددنا إسلامه، كان له قرين من الجن يقال له: (عنتر) يخبره بأشياء فيصدق تارة ويكذب تارة، فلما ذكرت له: إنك تعبد شيطاناً من دون الله، اعترف بأنه يقول له: يا عنتر لا سبحانك إنك إله قذر، وتاب من ذلك في قصة مشهورة.
وقد قتل سيف الشرع من قتل من هؤلاء، مثل الشخص الذي قتلناه سنة خمس عشرة، وكان له قرين يأتيه ويكاشفه فيصدق تارة ويكذب تارة، وكان قد انقاد له طائفة من المنسوبين إلى أهل العلم والرئاسة فيكاشفهم حتى كشف الله أمره، وذلك أن القرين كان تارة يقول: أنا رسول الله، ويذكر أشياء تنافي حال الرسول، فشهد عليه أنه قال: إن الرسول يأتيني ويقول لي كذا وكذا، من الأمور التي يكفر من أضافها إلى الرسول. فذكرت لولاة الأمور أن هذا من جنس الكهان، وأن الذي يراه شيطان، ولهذا لا يأتيه في الصورة المعروفة للنبي ﷺ بل يأتيه في صورة منكرة، ويذكر عنه أنه يخضع له ويبيح له أن يتناول المنكر وأمورا
стр. 386
أخرى، وكان كثيرا من الناس يظنون أنه كاذب فيما يخبر به من الرؤية، ولم يكن كاذبا في أنه رأى تلك الصورة، لكن كان كافرا في اعتقاده أن ذلك رسول الله، ومثل هذا كثير.
ولهذا تحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه من مراد الشيطان، فكلما بعدوا عن الله ورسوله ﷺ وطريق المؤمنين قربوا من الشيطان، فيطيرون في الهواء والشيطان طار بهم، ومنهم من يصرع الحاضرين، وشياطينه صرعتهم، ومنهم من يحضر طعاماً وإداماً ويملأ الإبريق ماء من الهواء، والشياطين فعلت ذلك، فيحسب الجاهلون أن هذه كرامات أولياء الله المتقين، وإنما هي من جنس أحوال السحرة والكهنة وأمثالهم» (١).
وقال ﵀: «فكثير من المنتسبين إلى الإسلام يستغيث بشيخه، ويرى من جاء راكبًا، أو طائرًا في الهواء، أو غير ذلك؛ فيظنه شيخه. وقد يأتي في صورته إن كان يعرف صورة شيخه فيظن هذا شيخه. وهذا قد وقع لخلق كثير، ووقع لغير واحدٍ من أصحابنا معي، لكن لما حكوا لي أنهم رأوني بينت لهم أني لم أكن إياه، وإنما كان شيطانًا تصور في صورتي ليضلهم، فسألوني: لم لا يكون ملكًا؟ قلت: لأن الملائكة لا تجيب المشركين، وأنت استغثت بي فأشركت» (٢).
وقال ﵀: «وقد جرى مثل هذا لي ولغيري ممن أعرفه ذكر غير واحد أنه استغاث بي من بلاد بعيدة وأنه رآني قد جئته ومنهم من قال: رأيتك راكبا بلباسك وصورتك ومنهم من قال: رأيتك على جبل ومنهم من قال: غير ذلك فأخبرتهم أني لم أغثهم وإنما ذلك شيطان تصور بصورتي ليضلهم لما أشركوا بالله ودعوا غير الله» (٣).
стр. 387
وقال ﵀: «كما جرى مثل هذا لي كنت في مصر في قلعتها وجرى مثل هذا إلى كثير من الترك من ناحية المشرق وقال له ذلك الشخص: أنا ابن تيمية. فلم يشك ذلك الأمير أني أنا هو، وأخبر بذلك ملك ماردين (١)، وأرسل بذلك ملك ماردين إلى مصر رسولاً وكنت في الحبس فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس، ولكن كان هذا جنياً يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم لما جاؤوا إلى دمشق كنت أدعوهم إلى الإسلام فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم ما تيسر فعمل معهم مثل ما كنت أعمل وأراد بذلك إكرامي ليظن ذاك أني أنا الذي فعلت ذلك. قال لي طائفة من الناس: فلم لا يجوز أن يكون مَلَكاً؟ قلت: لا؛ إن الملك لا يكذب، وهذا قد قال: أنا ابن تيمية، وهو يعلم أنه كاذب في ذلك» (٢).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
كما ترى في هذه النصوص المذكورة، فإن هؤلاء القوم اغتروا بما حصل لهم من مشاهدة من استغاثوا بهم عياناً أمامهم، وربما رأوهم يطيرون في السماء أمام أعينهم، ويجيبون دعوتهم.
وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن أصل شبهة هؤلاء وسبب اشتباه الأمر عليهم عدة أمور بني بعضها على بعض، وهي كالآتي:
أولاً: ظنهم أن هذه الخوارق التي جرت أمام أعينهم، وحدثت تحت مرآهم،
стр. 388
أنها آيات وكرامات لهؤلاء الأولياء والصالحين.
ثانياً: ظنهم أن كل من وقعت له مثل هذه الخوارق يكون ولياً لله؛ لأن الكرامات إنما تكون للأولياء.
ثالثاً: أن من كان ولياً لله وظهرت له مثل هذه الخوارق فكل ما يخبر به حق وما يأمر به عدل فهو ولي لله معصوم لا يجوز عليه ان يخطئ.
قال شيخ الإسلام ﵀: «ومما ينبغي أن يعلم أن سبب ضلال النصارى وأمثالهم من الغالية كغالية العباد والشيعة وغيرهم ثلاثة أشياء:
أحدها: ألفاظ متشابهة مجملة مشكلة منقولة عن الأنبياء وعدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمة وتمسكوا بها وهم كلما سمعوا لفظا لهم فيه شبهة تمسكوا به وحملوه على مذهبهم وإن لم يكن دليلا على ذلك، والألفاظ الصريحة المخالفة لذلك إما أن يفوضوها، وإما أن يتأولوها كما يصنع أهل الضلال، يتبعون المتشابه من الأدلة العقلية والسمعية ويعدلون عن المحكم الصريح من القسمين.
والثاني: خوارق ظنوها آيات وهي من أحوال الشياطين وهذا مما ضل به كثير من الضلال المشركين وغيرهم، مثل دخول الشياطين في الأصنام وتكليمها للناس، ومثل إخبار الشياطين للكهان بأمور غائبة ولا بد لهم مع ذلك من كذب ومثل تصرفات تقع من الشياطين.
والثالث: أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقا وهي كذب وإلا فليس مع النصارى ولا غيرهم من أهل الضلال على باطلهم لا معقول صريح ولا منقول صحيح» (١).
وقال ﵀: «والخوارق التي تضل بها الشياطين بني آدم مثل تصور الشيطان بصورة شخص غائب أو ميت ونحو ذلك، ضل بها خلق كثير من الناس من المنتسبين إلى المسلمين أو إلى أهل الكتاب وغيرهم وهم بنوا ذلك على مقدمتين:
стр. 389
إحداهما: أن من ظهرت هذه على يديه فهو ولي لله وبلغة النصارى هو قديس عظيم.
الثانية: أن من يكون كذلك فهو معصوم فكل ما يخبر به فهو حق وكل ما يأمر به فهو عدل وقد لا يكون ظهرت على يديه خوارق لا رحمانية ولا شيطانية، ولكن صنع حيلة من حيل أهل الكذب والفجور، وحيل أهل الكذب والفجور كثيرة جداً فيظن أن ذلك من العجائب الخارقة للعادة ولا يكون كذلك» (١).
وقال ﵀: «فضلال الضلال من هؤلاء مبني على مقدمتين:
إحداهما: أن هذا له كرامة فيكون ولياً لله.
والثانية: أن ولي الله لا يجوز أن يخطئ بل يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليس لأحد من البشر أن يصدق في كل ما أخبر به ويطاع في كل أمر إلا أن يكون نبياً» (٢).
وساعد على هذا تعلق قلوبهم بهؤلاء الصالحين والغلو في حبهم فقد ثبت أن كل من أحب شيئاً وتعلق به لا بد أن يتصوره، قال شيخ الإسلام ﵀: «وبالجملة فكل ما يريده الإنسان ويحبه لا بد أن يتصوره في نفسه، فتلك الصورة العلمية محركة له إلى محبوبه ولوازم الحب فمن عبده عبد غير الله وتمثلت له الشياطين في صورة من يعبده، وهذا كثير ما زال ولم يزل؛ ولهذا كان كل من عبد شيئا غير الله فإنما يعبد الشيطان؛ ولهذا يقارن الشيطان الشمس عند طلوعها وغروبها واستوائها ليكون سجود من يعبدها له. وقد كانت "الشياطين" تتمثل في صورة من يعبد كما كانت تكلمهم من الأصنام التي يعبدونها، وكذلك في وقتنا خلق كثير من المنتسبين إلى الإسلام والنصارى والمشركين ممن أشرك ببعض من يُعظمه من الأحياء والأموات من المشايخ» (٣).
стр. 390
فهذا أصل شبهتهم ومبدأ ضلالهم وغوايتهم.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام لجميع من وقعت له مثل هذه الأمور أن ما شاهدوه: إنما هي شياطين تمثلت لهم بهذه الصور، وهدفها من هذا إضلالهم وغوايتهم، وكان سبب تمكن الشياطين من هذا وتسلطها عليهم هو ما وقعوا فيه من شرك بالله واستغاثة واستعانة بمن سواه.
وبين شيخ الإسلام ﵀ فساد شبهتهم التي بنوا عليها اعتقادهم وهي ظنهم أن ما رأوه من خوارق أنها من جنس الكرامات والآيات التي تكون للأنبياء والأولياء والصالحين.
فأوضح ﵀ أن ما حدث لهم ليس من ذلك في شيء، وإنما هو من فعل الشياطين وتسلطهم عليهم، ويدل على هذا عدة أمور:
أولها: أن هذه الأمور إنما حدثت لهم بسبب ما وقعوا فيه مما نهى الله عنه ورسوله من الشرك والاستغاثة بغير الله، والكرامات إنما تكون بسبب الطاعات والقربات لا المعاصي والمنكرات، قال ﵀: «وبين كرامات الأولياء، وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة: منها: أن كرامات الأولياء سببها الايمان والتقوى، والأحوال الشيطانية، سببها ما نهى الله عنه ورسوله، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، فالقول على الله بغير علم، والشرك، والظلم، والفواحش، قد حرمها الله تعالى ورسوله، فلا تكون سبباً لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، بل تحصل بما يحبه الشيطان، وبالأمور التي فيها شرك، كالاستغاثة بالمخلوقات، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية، لا من الكرامات الرحمانية» (١)،