أخرى، وكان كثيرا من الناس يظنون أنه كاذب فيما يخبر به من الرؤية، ولم يكن كاذبا في أنه رأى تلك الصورة، لكن كان كافرا في اعتقاده أن ذلك رسول الله، ومثل هذا كثير.
ولهذا تحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه من مراد الشيطان، فكلما بعدوا عن الله ورسوله ﷺ وطريق المؤمنين قربوا من الشيطان، فيطيرون في الهواء والشيطان طار بهم، ومنهم من يصرع الحاضرين، وشياطينه صرعتهم، ومنهم من يحضر طعاماً وإداماً ويملأ الإبريق ماء من الهواء، والشياطين فعلت ذلك، فيحسب الجاهلون أن هذه كرامات أولياء الله المتقين، وإنما هي من جنس أحوال السحرة والكهنة وأمثالهم» (١).
وقال ﵀: «فكثير من المنتسبين إلى الإسلام يستغيث بشيخه، ويرى من جاء راكبًا، أو طائرًا في الهواء، أو غير ذلك؛ فيظنه شيخه. وقد يأتي في صورته إن كان يعرف صورة شيخه فيظن هذا شيخه. وهذا قد وقع لخلق كثير، ووقع لغير واحدٍ من أصحابنا معي، لكن لما حكوا لي أنهم رأوني بينت لهم أني لم أكن إياه، وإنما كان شيطانًا تصور في صورتي ليضلهم، فسألوني: لم لا يكون ملكًا؟ قلت: لأن الملائكة لا تجيب المشركين، وأنت استغثت بي فأشركت» (٢).
وقال ﵀: «وقد جرى مثل هذا لي ولغيري ممن أعرفه ذكر غير واحد أنه استغاث بي من بلاد بعيدة وأنه رآني قد جئته ومنهم من قال: رأيتك راكبا بلباسك وصورتك ومنهم من قال: رأيتك على جبل ومنهم من قال: غير ذلك فأخبرتهم أني لم أغثهم وإنما ذلك شيطان تصور بصورتي ليضلهم لما أشركوا بالله ودعوا غير الله» (٣).
стр. 387
وقال ﵀: «كما جرى مثل هذا لي كنت في مصر في قلعتها وجرى مثل هذا إلى كثير من الترك من ناحية المشرق وقال له ذلك الشخص: أنا ابن تيمية. فلم يشك ذلك الأمير أني أنا هو، وأخبر بذلك ملك ماردين (١)، وأرسل بذلك ملك ماردين إلى مصر رسولاً وكنت في الحبس فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس، ولكن كان هذا جنياً يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم لما جاؤوا إلى دمشق كنت أدعوهم إلى الإسلام فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم ما تيسر فعمل معهم مثل ما كنت أعمل وأراد بذلك إكرامي ليظن ذاك أني أنا الذي فعلت ذلك. قال لي طائفة من الناس: فلم لا يجوز أن يكون مَلَكاً؟ قلت: لا؛ إن الملك لا يكذب، وهذا قد قال: أنا ابن تيمية، وهو يعلم أنه كاذب في ذلك» (٢).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
كما ترى في هذه النصوص المذكورة، فإن هؤلاء القوم اغتروا بما حصل لهم من مشاهدة من استغاثوا بهم عياناً أمامهم، وربما رأوهم يطيرون في السماء أمام أعينهم، ويجيبون دعوتهم.
وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن أصل شبهة هؤلاء وسبب اشتباه الأمر عليهم عدة أمور بني بعضها على بعض، وهي كالآتي:
أولاً: ظنهم أن هذه الخوارق التي جرت أمام أعينهم، وحدثت تحت مرآهم،
стр. 388
أنها آيات وكرامات لهؤلاء الأولياء والصالحين.
ثانياً: ظنهم أن كل من وقعت له مثل هذه الخوارق يكون ولياً لله؛ لأن الكرامات إنما تكون للأولياء.
ثالثاً: أن من كان ولياً لله وظهرت له مثل هذه الخوارق فكل ما يخبر به حق وما يأمر به عدل فهو ولي لله معصوم لا يجوز عليه ان يخطئ.
قال شيخ الإسلام ﵀: «ومما ينبغي أن يعلم أن سبب ضلال النصارى وأمثالهم من الغالية كغالية العباد والشيعة وغيرهم ثلاثة أشياء:
أحدها: ألفاظ متشابهة مجملة مشكلة منقولة عن الأنبياء وعدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمة وتمسكوا بها وهم كلما سمعوا لفظا لهم فيه شبهة تمسكوا به وحملوه على مذهبهم وإن لم يكن دليلا على ذلك، والألفاظ الصريحة المخالفة لذلك إما أن يفوضوها، وإما أن يتأولوها كما يصنع أهل الضلال، يتبعون المتشابه من الأدلة العقلية والسمعية ويعدلون عن المحكم الصريح من القسمين.
والثاني: خوارق ظنوها آيات وهي من أحوال الشياطين وهذا مما ضل به كثير من الضلال المشركين وغيرهم، مثل دخول الشياطين في الأصنام وتكليمها للناس، ومثل إخبار الشياطين للكهان بأمور غائبة ولا بد لهم مع ذلك من كذب ومثل تصرفات تقع من الشياطين.
والثالث: أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقا وهي كذب وإلا فليس مع النصارى ولا غيرهم من أهل الضلال على باطلهم لا معقول صريح ولا منقول صحيح» (١).
وقال ﵀: «والخوارق التي تضل بها الشياطين بني آدم مثل تصور الشيطان بصورة شخص غائب أو ميت ونحو ذلك، ضل بها خلق كثير من الناس من المنتسبين إلى المسلمين أو إلى أهل الكتاب وغيرهم وهم بنوا ذلك على مقدمتين:
стр. 389
إحداهما: أن من ظهرت هذه على يديه فهو ولي لله وبلغة النصارى هو قديس عظيم.
الثانية: أن من يكون كذلك فهو معصوم فكل ما يخبر به فهو حق وكل ما يأمر به فهو عدل وقد لا يكون ظهرت على يديه خوارق لا رحمانية ولا شيطانية، ولكن صنع حيلة من حيل أهل الكذب والفجور، وحيل أهل الكذب والفجور كثيرة جداً فيظن أن ذلك من العجائب الخارقة للعادة ولا يكون كذلك» (١).
وقال ﵀: «فضلال الضلال من هؤلاء مبني على مقدمتين:
إحداهما: أن هذا له كرامة فيكون ولياً لله.
والثانية: أن ولي الله لا يجوز أن يخطئ بل يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليس لأحد من البشر أن يصدق في كل ما أخبر به ويطاع في كل أمر إلا أن يكون نبياً» (٢).
وساعد على هذا تعلق قلوبهم بهؤلاء الصالحين والغلو في حبهم فقد ثبت أن كل من أحب شيئاً وتعلق به لا بد أن يتصوره، قال شيخ الإسلام ﵀: «وبالجملة فكل ما يريده الإنسان ويحبه لا بد أن يتصوره في نفسه، فتلك الصورة العلمية محركة له إلى محبوبه ولوازم الحب فمن عبده عبد غير الله وتمثلت له الشياطين في صورة من يعبده، وهذا كثير ما زال ولم يزل؛ ولهذا كان كل من عبد شيئا غير الله فإنما يعبد الشيطان؛ ولهذا يقارن الشيطان الشمس عند طلوعها وغروبها واستوائها ليكون سجود من يعبدها له. وقد كانت "الشياطين" تتمثل في صورة من يعبد كما كانت تكلمهم من الأصنام التي يعبدونها، وكذلك في وقتنا خلق كثير من المنتسبين إلى الإسلام والنصارى والمشركين ممن أشرك ببعض من يُعظمه من الأحياء والأموات من المشايخ» (٣).
стр. 390
فهذا أصل شبهتهم ومبدأ ضلالهم وغوايتهم.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام لجميع من وقعت له مثل هذه الأمور أن ما شاهدوه: إنما هي شياطين تمثلت لهم بهذه الصور، وهدفها من هذا إضلالهم وغوايتهم، وكان سبب تمكن الشياطين من هذا وتسلطها عليهم هو ما وقعوا فيه من شرك بالله واستغاثة واستعانة بمن سواه.
وبين شيخ الإسلام ﵀ فساد شبهتهم التي بنوا عليها اعتقادهم وهي ظنهم أن ما رأوه من خوارق أنها من جنس الكرامات والآيات التي تكون للأنبياء والأولياء والصالحين.
فأوضح ﵀ أن ما حدث لهم ليس من ذلك في شيء، وإنما هو من فعل الشياطين وتسلطهم عليهم، ويدل على هذا عدة أمور:
أولها: أن هذه الأمور إنما حدثت لهم بسبب ما وقعوا فيه مما نهى الله عنه ورسوله من الشرك والاستغاثة بغير الله، والكرامات إنما تكون بسبب الطاعات والقربات لا المعاصي والمنكرات، قال ﵀: «وبين كرامات الأولياء، وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة: منها: أن كرامات الأولياء سببها الايمان والتقوى، والأحوال الشيطانية، سببها ما نهى الله عنه ورسوله، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، فالقول على الله بغير علم، والشرك، والظلم، والفواحش، قد حرمها الله تعالى ورسوله، فلا تكون سبباً لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، بل تحصل بما يحبه الشيطان، وبالأمور التي فيها شرك، كالاستغاثة بالمخلوقات، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية، لا من الكرامات الرحمانية» (١)،
стр. 391
وقال ﵀: «فإن ما يكون شبيه الشرك أو الفجور إنما يكون من الشيطان، مثل أن يشرك الرجل بالله فيدعو الكواكب أو يدعو مخلوقا من البشر ميتا أو غائبا أو يعزم ويقسم بأسماء مجهولة لا يعرف معناها أو يعرف أنها أسماء الشياطين أو يستعين بالفواحش والظلم، فإن ما كان هذا سببه من الخوارق فهو من الشيطان» (١).
ثانياً: أن الكرامات إنما تحدث لأولياء الله المتقين المطيعين لله ورسوله ظاهراً وباطناً، لا للخارجين عن الكتاب والسنة المخالفين لها، كما هي حال هؤلاء عند حدوث هذا لهم، قال شيخ الإسلام ﵀: «فكثير من هؤلاء الذين يعظمون القبور والمشايخ ويستغيثون بهم ويطلبون حوائجهم منهم؛ يطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور، وذلك من جنس السحر والشرك، فمنهم من تطير به الشياطين في الهواء حملاً له من مكان إلى مكان: فتارة تذهب به إلى مكة، وتارة إلى بيت المقدس وغيره من البلاد، ويكون زنديقاً فاجراً إباحياً تاركاً للصلاة وغيرها مما أوجبه الله ورسوله ﷺ وفرضه، ويستحل المحارم التي حرمها الله ورسوله ﷺ ويحلها لغيره، وإنما تقترن به الشياطين، وتخدمه لما فيه من الكفر والزندقة ومن الفسوق والعصيان، فإذا آمن بالله ورسوله ﷺ وتاب، والتزم الطاعة لله ولرسوله فارقته تلك الشياطين، وتلك الأحوال الشيطانية من الإخبارات والتأثيرات» (٢).
وقال ﵀: «وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة، وهم درجات، والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وعلى مذهبهم، والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطئ، فإن كان الإنسي كافراً أو فاسقاً أو جاهلاً، دخلوا معه في الكفر والفسوق والضلال، وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر، مثل الإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه من الجن وغيرهم، ومثل أن يكتب أسماء الله أو بعض كلامه بالنجاسة، أو يقلب فاتحة
стр. 392
الكتاب، أو سورة الإخلاص، أو آية الكرسي، أو غيرهن، ويكتبهن بنجاسة فيغورون له الماء، وينقلونه بسبب ما يرضيهم به من الكفر، وقد يأتونه بمن يهواه من امرأة أو صبي، إما في الهواء، وإما مدفوعاً ملجأ إليه، إلى أمثال هذه الأمور التي يطول وصفها. والإيمان بها، إيمان بالجبت والطاغوت والجبت: السحر. والطاغوت: الشياطين والأصنام وإن كان الرجل مطيعاً لله ورسوله باطناً وظاهراً، لم يمكنهم الدخول معه في ذلك، أو مسالمته» (١).
ثالثاً: أن هذه الأفعال والخوارق تحدث حتى للكفرة والفساق والسحرة والكهان، فلو كان وقوعها دليلاً على الصلاح والولاية، للزم القول بولاية هؤلاء، وقد علم بالاضطرار أن ما يحدث لهؤلاء إنما هي خوارق شيطانية تعينهم عليها الشياطين لما هم عليه من الشرك والضلال، قال شيخ الإسلام: «فإن هؤلاء يستلزم أقوالهم أن يجعلوا كثيرا من المشركين وأهل الكتاب -اليهود والنصارى- من أولياء الله المتقين، فإن لهؤلاء خوارق كثيرة، فمن أنكر وجودها كان كمن أنكر خوارق الأولياء وأنكر السحر والكهانة، ومن أقر بوجودها وجعلها دليلاً على أن صاحبها ولي لله فهو جعل خوارق السحرة والكهان دليلاً على أنهم أنبياء وأولياء الرحمن، وكلا القولين يوجب الخروج عن دين الإسلام، والخروج من النور إلى الظلام، بل يجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء بما بينه الله من الآيات والبراهين، وبما بعث به سيد المرسلين» (٢).
رابعاً: من الحقائق المهمة التي قررها شيخ الإسلام ﵀، أن كل من عبد غير الله ملكاً كان أو نبياً أو صالحاً أو صنماً، فهو عابد للشيطان، ولذلك يعينهم الشيطان على مثل هذه الخوارق؛ لأنهم في الحقيقة عابدون له، فيسهل عليه التسلط عليهم، قال شيخ الإسلام مبينا هذه الحقيقة: «ولهذا كان كل من لم
стр. 393
يعبد الله وحده، فلابد أن يكون عابداً لغيره، يعبد غيره فيكون مشركا. وليس في بني آدم قسم ثالث، بل إما موحد، أو مشرك، أو من خلط هذا بهذا كالمبدلين من أهل الملل؛ النصارى ومن أشبههم من الضلال، المنتسبين إلى الإسلام، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٨ - ١٠٠]، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحِجر:٤٢]، لما قال إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحِجر:٤٠]، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحِجر:٤٢]، فإبليس لا يغوى المخلصين، ولا سلطان له عليهم، إنما سلطانه على الغاوين، وهم الذين يتولونه، وهم الذين به مشركون.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١٠٠]، صفتان لموصوف واحد. فكل من تولاه فهو به مشرك، وكل من أشرك به فقد تولاه. قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١]. وكل من عبد غير الله فإنما يعبد الشيطان، وإن كان يظن أنه يعبد الملائكة والأنبياء، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١].
ولهذا تتمثل الشياطين لمن يعبد الملائكة والأنبياء والصالحين ويخاطبونهم، فيظنون أن الذي خاطبهم مَلَك أو نبي، أو وَلِيّ، وإنما هو شيطان، جعل نفسه ملكاً من الملائكة، كما يصيب عُبَّاد الكواكب وأصحاب العزائم والطلسمات، يسمون أسماء، يقولون: هي أسماء الملائكة، مثل منططرون وغيره، وإنما هي أسماء الجن.
وكذلك الذين يدعون المخلوقين من الأنبياء والأولياء والملائكة، قد يتمثل
стр. 394
لأحدهم من يخاطبه، فيظنه النبي، أو الصالح الذي دعاه، وإنما هو شيطان تصور في صورته، أو قال: أنا هو، لمن لم يعرف صورة ذلك المدعو.
وهذا كثير يجري لمن يدعو المخلوقين، من النصارى ومن المنتسبين إلى الإسلام، يدعونهم عند قبورهم، أو مغيبهم، ويستغيثون بهم، فيأتيهم من يقول: إنه ذلك المستغاث به، في صورة آدمي، إما راكباً، وإما غير راكب. فيعتقد المستغيث أنه ذلك النبي، والصالح، أو أنه سِرّه، أو روحانيته، أو رقيقته أو المعنى تَشَكَّل، أو يقول: إنه ملك جاء على صورته، وإنما هو شيطان يغويه؛ لكونه أشرك بالله ودعا غيره، الميت فمن دونه. فصار للشيطان عليه سلطان بذلك الشرك، فظن أنه يدعو النبي، أو الصالح، أو الملك، وأنه هو الذي شفع له، أو هو الذي أجاب دعوته، وإنما هو الشيطان؛ ليزيده غلواً في كفره وضلاله. فكل من لم يعبد الله مخلصاً له الدين، فلابد أن يكون مشركاً عابداً لغير الله، وهو في الحقيقة عابد للشيطان. فكل واحد من بنى آدم إما عابد للرحمن، وإما عابد للشيطان، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزُّخرُف:٣٦ - ٣٩]» (١).
وقال ﵀: «والذين يعبدون الشيطان، وأكثرهم لا يعرفون أنهم يعبدون الشيطان، بل قد يظنون أنهم يعبدون الملائكة أو الصالحين. كالذين يستغيثون بهم ويسجدون لهم فهم في الحقيقة إنما عبدوا الشيطان، وإن ظنوا أنهم يتوسلون ويستشفعون بعباد الله الصالحين، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١].
ولهذا نهى النبي ﷺ عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، فإن الشيطان يقارنها حينئذ حتى يكون سجود عباد الشمس له وهم يظنون أنهم
стр. 395
يسجدون للشمس، وسجودهم للشيطان» (١).
خامساً: مما يدل على أن هذه الأفعال من أفعال الشياطين، أنها تكثر في البلاد التي يقل فيها ظهور الإسلام والسنة، ويكثر فيها الكفر والفسوق والعصيان، وتتلاشى عند ذكر الله وتلاوة آياته، قال شيخ الإسلام: «وأما الجزيرة (٢) والعراق وخراسان (٣) والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها؛ وذلك لأن ظهور هذه الأشياء، من الأحوال الشيطانية التي أسبابها الكفر والفسوق والعصيان، في تلك البلاد أقوى وأظهر، وظهور الإسلام والسنة وإخلاص الدين لله في أرض الشام أقوى من سائر البلاد؛ فلهذا ضعفت هذه الأحوال الشيطانية وأنكرت إذا ظهرت فيها، وإذا ظهرت ولم تنكر ولم تغير؛ قويت واشتدت شوكتها، فحيث قويت الأحوال الرحمانية الإيمانية المحمدية والتوحيد ونور القرآن وظهرت آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية؛ فإن سلطانها إنما يقوى وتعظم جنوده في بلاد أهل الكفر والفسوق والعصيان، كبلاد جنكز خان (٤) والهند والروم وغيرها من أهل الكفر والفسوق والعصيان، فبلادهم فيها مادتان: مادة كفر ونفاق وفسوق وعصيان، ومادة علم
стр. 396
وإحسان وإيمان فإذا غلبت إحدى المادتين على الأخرى أهلكتها.
والمشركون الذين لم يدخلوا في الإسلام مثل: الحبشة، والنجشية، والطوينية، والتوى ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم (١)، تكون الأحوال الشيطانية فيهم أكثر ويصعد أحدهم في الهواء و يخبرهم بأمور غائبة، ويبقى الدف الذي يغني لهم به يمشي في الهواء ويضرب رأس أحدهم إذا خرج عن طريقهم ولا يرون أحداً يضرب به ويطوف الإناء عليهم ولا يرون من يحمله، وإذا نزل بأحدهم مئة ضيف أتاهم بطعام يكفيهم ويأتيهم بألوان مختلفة مع كفرهم؛ وذلك كله من الشياطين تأتيه به من تلك المدينة، [أو من غيرها تسرقه وتأتي به] (٢)، وهذه الأمور تكون كثيرة عند من يكون مشركاً أو ناقص الإيمان، وعند التتار من هذا أنواع كثيرة ولا سيما دولة تمرخان (٣) وأتباعه، فإنهم سحروا الناس سحراً لم يُر مثله، وأظهروا أحوالاً لا حقيقة لها فوافقت قدر الله فعملت أعمالها؛ وذلك لما ضعف الإيمان بالشام وقل نور النبوة فظهر تأثير ذلك الأحوال في الناس لضعف الدين و امتلاء القلوب من حب الدنيا وظهور مناكير معروفة وكثرة الخبث
стр. 397
وقلة الطيب ولما كان الطيب غالباً قوياً، والإسلام فاشياً ظاهراً، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائماً به أهله، منصورون معانون، وأهل الفساد والفسوق مقهورون ذليلون؛ كان أولئك المذكورين بينهم وبين بلاد الشام خنادق وأسوار من قدر العزيز الجبار، فلا يصلون إليها، وكم قد حاولوا دخولها من سنين وشهور وأيام، وقد ضرب الله بينهم وبينها بسد فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا، فالأحوال الشيطانية عندهم كثيرة جداً؛ ولهذا الدجال إنما يخرج من قبلهم وبلادهم، وهم أتباعه، ويظهر على يديه من الأحوال الشيطانية والأمور الزنديقية ما يحار له الناظرون، وهو كافر بالله العظيم» (١).
سادساً: مما يدل على أن ما حدث لهم هو من صنيع الشياطين أن مثل هذه الأمور لم تحدث لخير القرون من الصحابة -رضوان الله عليهم-؛ وذلك لأن الشيطان لا سبيل له عليهم لما هم عليه من إيمان وإسلام وطاعة لله ورسوله، وإنما تحدث هذه الأمور لمن تسلطت عليهم الشياطين بسبب شركهم وفجورهم. قال شيخ الإسلام: «والمقصود أن الصحابة -رضوان الله عليهم- لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل غيرهم من أهل البدع الذين تأولوا القرآن على غير تأويله، أو جهلوا السنة أو رأوا وسمعوا أموراً من الخوارق فظنوها من جنس آيات الأنبياء والصالحين، وكانت من أفعال الشياطين، كما أضل النصارى وأهل البدع بمثل ذلك؛ فهم يتبعون المتشابه ويدعون المحكم، وكذلك يتمسكون بالمتشابه من الحجج العقلية والحسية فيسمع ويرى أموراً فيظن أنه رحماني، وإنما هو شيطاني، ويدعون البين الحق الذي لا إجمال فيه، وكذلك لم يطمع الشيطان أن يتمثل في صورته ويغيث من استغاث به، أو أن يحمل إليهم صوتا يشبه صوته؛ لأن الذين رأوه علموا أن هذا شرك لا يحل، ولهذا أيضا لم يطمع فيهم أن يقول أحد منهم لأصحابه: إذا كانت لكم حاجة فتعالوا إلى قبري واستغيثوا بي لا في محياه ولا في مماته كما جرى مثل هذا لكثير من المتأخرين. ولا طمع الشيطان
стр. 398
أن يأتي أحدهم ويقول: أنا من رجال الغيب أو من الأوتاد الأربعة أو السبعة أو الأربعين. أو يقول له: أنت منهم. إذ كان هذا عندهم من الباطل الذي لا حقيقة له. ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم فيقول: أنا رسول الله أو يخاطبه عند القبر كما وقع لكثير ممن بعدهم عند قبره وقبر غيره وعند غير القبور، كما يقع كثير من ذلك للمشركين وأهل الكتاب» (١).
وقال ﵀: «ولهذا لم يكن أحد من الأنبياء والصحابة يفعل بهم مثل هذا؛ فإنهم أجل قدراً من ذلك» (٢).
سابعاً: أن هذه الأفعال الشيطانية قد وقعت مراراً وتكراراً في مختلف العصور والأزمنة، بحيث لا يخفى على من له أدنى إطلاع عليها، أنها من فعل الشياطين، وقد ضرب شيخ الإسلام في كتابه (الجواب الصحيح) أمثلة كثيرة على هذا، نسوقها لأهميتها ومعرفة مدى تسلط الشيطان على طوائف كثيرة من بني آدم وطرقه ووسائله في ذلك.
قال ﵀: «ومثل هذا قد جرى لخلق عظيم في زماننا وقبل زماننا كناس كانوا بـ (تدمر) (٣) فرأوا شخصاً عظيماً طائراً في الهواء، وظهر لهم مرات بأنواع من اللباس، وقال لهم: أنا المسيح ابن مريم، وأمرهم بأمور يمتنع أن يأمر بها المسيح ﵇ وحضروا إلى عند الناس، وبينوا لهم أن ذلك هو شيطان أراد أن يضلهم.
وآخرون يأتي أحدهم إلى قبر من يعظمه ويحسن به الظن من الصالحين
стр. 399
وغيرهم فتارة يرى القبر قد انشق وخرج منه إنسان على صورة ذلك الرجل، وتارة يرى ذلك الإنسان قد دخل في القبر، وتارة يراه إما راكباً، وإما ماشياً داخلاً إلى مكان ذلك الميت كالقبة المبنية على القبر، وتارة يراه خارجاً من ذلك المكان ويظن أن ذلك هو ذلك الرجل الصالح وقد يظن أن قوماً استغاثوا به فذهب إليهم ويكون ذلك شيطاناً تصور بصورته، وهذا جرى لغير واحد ممن أعرفهم وتارة يستغيث أقوام بشخص يحسنون به الظن: إما ميت، وإما غائب فيرونه بعيونهم قد جاء وقد يكلمهم وقد يقضي بعض حاجاتهم فيظنونه ذلك الشخص الميت وإنما هو شيطان زعم أنه هو وليس هو إياه، وكثيراً ما يأتي الشخص بعد الموت في صورة الميت فيحدثهم ويقضي ديوناً ويرد ودائع ويخبرهم عن الموتى ويظنون أنه هو الميت نفسه قد جاء إليهم وإنما هو شيطان تصور بصورته.
وهذا كثير جداً لا سيما في بلاد الشرك، كبلاد الهند ونحوها، ومن هؤلاء من تراه أنت تحت سريره آخذ بيد ابنه في الجنازة، ومنهم من يقول إذا مت فلا تدعوا أحداً يغسلني، فأنا آتي من هذه الناحية أغسل نفسي، فيأتي بعد الموت شخص في الهواء على صورته يغسله هو والذي أوصاه، ويظن ذلك أنه جاء، وإنما هو شيطان تصور بصورته، وتارة يرى أحدهم شخصاً إما طائراً في الهواء، وإما عظيم الخلقة، وإما أن يخبره بأشياء غائبة، ونحو ذلك، ويقول له أنا الخضر، ويكون ذلك شيطاناً كذب على ذلك الشخص، وقد يكون الرائي من أهل الدين والزهد والعبادة، وقد جرى هذا لغير واحد وتارة يرى عند قبر نبي أو غيره؛ أن الميت قد خرج إما من حجرته، وإما من قبره، وعانق ذلك الزائر وسلم عليه، ويكون شيطاناً تصور بصورته، وتارة يجيء من يجيء إلى عند قبر ذلك الشخص، فيستأذنه في أشياء ويسأله عن أمور فيخاطبه شخص يراه أو يسمع صوتاً ولا يرى شخصاً، ويكون ذلك شيطاناً أضله.
وقد يرى أشخاصاً في اليقظة إما ركباناً، وإما غير ركبان، ويقولون هذا فلان النبي، إما إبراهيم وإما المسيح وإما محمد، وهذا فلان الصديق، إما أبو بكر وإما
стр. 400
عمر وإما بعض الحواريين، وهذا فلان لبعض من يعتقد فيه الصلاح إما جرجس (١) أو غيره ممن تعظمه النصارى، وإما بعض شيوخ المسلمين، ويكون ذلك شيطاناً ادعى أنه ذلك النبي، أو ذلك الشيخ، أو الصديق أو القديس.
ومثل هذا يجري كثيراً لكثير من المشركين والنصارى وكثير من المسلمين، ويرى أحدهم شيخا يحسن به الظن، ويقول: أنا الشيخ فلان ويكون شيطاناً، وأعرف من هذا شيئاً كثيراً، وأعرف غير واحد ممن يستغيث ببعض الشيوخ الغائبين والموتى، يراه قد أتاه في اليقظة وأعانه.
وقد جرى مثل هذا لي ولغيري ممن أعرفه، ذكر غير واحد أنه استغاث بي من بلاد بعيدة، وأنه رآني قد جئته، ومنهم من قال: رأيتك راكباً بلباسك وصورتك، ومنهم من قال: رأيتك على جبل، ومنهم من قال: غير ذلك. فأخبرتهم أني لم أغثهم، وإنما ذلك شيطان تصور بصورتي ليضلهم لما أشركوا بالله ودعوا غير الله.
وكذلك غير واحد ممن أعرفه من أصحابنا استغاث به بعض من يحسن به الظن فرآه قد جاءه وقضى حاجته، قال صاحبي: وأنا لا أعلم بذلك، ومن هؤلاء الشيوخ من يقول: إنه يسمع صوت ذلك الشخص المستغيث به ويجيبه، وتكون الشياطين أسمعته صوتاً يشبه صوت الشيخ المستغيث له فأجابه الشيخ بصوته، فأسمَعتِ المستغيث صوتاً يشبه صوت الشيخ، فيظن أنه صوت الشيخ.
وهذا جرى لمن أعرفه وأخبر بذلك عن نفسه، وقال: بقي الجني الذي يحدثني يبلغني، مثل صوت المستغيثين بي، ويبلغهم مثل صوتي، ويريني في شيء أبيض
стр. 401
نظير ما أسأل عنه، فأخبر به الناس أني رأيته، وأنه سيأتي ولا أكون قد رأيته وإنما رأيت شبيهه.
وهكذا تفعل الجن بمن يعزم عليهم ويقسم عليهم، وكذلك ما رآه قسطنطين (١) من الصليب الذي رآه من نجوم، والصليب الذي رآه مرة أخرى هو مما مثله الشياطين وأراهم ذلك ليضلهم به؛ كما فعلت الشياطين ما هو أعظم من ذلك بعباد الأوثان، وكذلك من ذكر أن المسيح جاءه في اليقظة وخاطبه بأمور؛ كما يذكر عن بولس (٢)، فإنه إذا كان صادقا كان ذلك الذي رآه في اليقظة وقال: أنه المسيح، شيطانا من الشياطين؛ كما جرى مثل ذلك لغير واحد.
والشيطان إنما يضل الناس ويغويهم بما يظن أنهم يطيعونه فيه فيخاطب النصارى بما يوافق دينهم ويخاطب من يخاطب من ضلال المسلمين بما يوافق اعتقاده وينقله إلى ما يستجيب لهم فيه بحسب اعتقادهم.
ولهذا يتمثل لمن يستغيث من النصارى بجرجس في صورة جرجس أو بصورة من
يستغيث به النصارى من أكابر دينهم، إما بعض البطاركة (٣)، وإما بعض
стр. 402
المطارنة (١)، وإما بعض الرهبان، ويتمثل لمن يستغيث به من ضلال المسلمين بشيخ من الشيوخ في صورة ذلك الشيخ; كما تمثل لجماعة ممن أعرفهم في صورتي وفي صورة جماعة من الشيوخ الذين ذكروا في ذلك، ويتمثل كثيرا في صورة بعض الموتى: تارة يقول أنا الشيخ عبد القادر (٢)، وتارة يقول أنا الشيخ أبو الحجاج الأقصري (٣)، وتارة يقول أنا الشيخ عدي (٤)، وتارة يقول
стр. 403
أنا أحمد بن الرفاعي، وتارة يقول أنا أبو مدين المغربي (١)، وإذا كان يقول أنا المسيح أو إبراهيم أو محمد فغيرهم بطريق الأولى … وكثير من هؤلاء. ومن هؤلاء من يقول: يرى في مكانين ويرى واقفاً بعرفات وهو في بلده لم يذهب فيبقى الناس الذين لا يعرفون حائرين، فإن العقل الصريح يعلم أن الجسم الواحد لا يكون في الوقت الواحد في مكانين، والصادقون قد رأوا ذلك عياناً لا يشكون فيه ولهذا يقع النزاع كثيراً بين هؤلاء وهؤلاء؛ كما قد جرى ذلك غير مرة، وهذا صادق فيما رأى وشاهد وهذا صادق فيما دل عليه العقل الصريح.
لكن ذلك المرئي كان جنيّاً تمثل بصورة الإنسان، والحسيات إن لم يكن معها عقليات تكشف حقائقها وإلا وقع فيها غلط كبير … وكذلك كما ظهر إبليس للمشركين في صورة الشيخ النجدي (٢) وظهر لهم يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فلما رأى الملائكة هرب، قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ
стр. 404
نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨]، وروي عن ابن عباس وغيره قال: تبدى إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾، وأقبل جبريل ﵇ على إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده وولى مدبراً هو وشيعته، فقال: الرجل يا سراقة! أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، قال ابن عباس: وذلك لما رأى الملائكة. (١) قال الضحاك: (سار الشيطان معهم برايته وجنوده، وألقى في قلوب المشركين أن أحداً لن يغلبكم وأنتم تقاتلون على دينكم ودين آبائكم) (٢).
وكثير من الناس تحمله الجن إلى مكان بعيد، فتحمل كثيراً من الناس إلى عرفات وغير عرفات، وإذا رئي واحد من هؤلاء في غير بلده، يكون تارة محمولاً قد حملته الجن، وتارة تصورت على صورته، ولا يكون هذا من أولياء الله المتقين الذين لهم كرامات، بل قد يكون من الكافرين أو الفاسقين، وأعرف من ذلك قضايا كثيرة ليس هذا موضع تفصيلها. وعند المشركين والنصارى من ذلك شيء كثير يظنونه من جنس الآيات التي للأنبياء.
إنما هي من جنس ما للسحرة والكهان، ومن لم يفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ويفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الصالحين، وبين خوارق السحرة والكهان ومن تقترن بهم الشياطين، وإلا التبس عليه الحق بالباطل، فإما أن يكذب بالحق الذي جاء به الأنبياء الصادقون، وإما أن يصدق بالباطل الذي يقوله الكاذبون والغالطون. وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر، والمقصود هنا
стр. 405
التنبيه على هذا الأصل، وعلماء النصارى يسلمون هذا وعندهم من ذلك أخبار كثيرة من حكايات أولياء الشيطان الذين عارضهم أولياء الرحمن، وأبطلوا أحوالهم كما أبطل موسى -صلوات الله عليه- ما عارضته به السحرة من الخوارق، كما ذكر ذلك في التوراة وكما يذكرونه عن فلان وفلان، مثل حكاية سيمون الساحر (١) مع الحواريين وغير ذلك وإذا كان هذا معلوماً كان ما يذكرونه من هذا الجنس، إذا كان مخالفاً لما ثبت عن الأنبياء من الشيطان فلا يجوز أن يحتج به على ما يخالف شرائع الأنبياء الثابتة عنهم بل هؤلاء من جنس الدجال الكبير الذي أنذرت به الأنبياء كلهم» (٢).
* * *
стр. 406
ملحق
• مناظرته مع بعض المتصوفة في تفسير قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]:
قال شيخ الإسلام ﵀:
«وأغرب من هذا ما قاله لي مرة شخص من هؤلاء الغالطين في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] قال: المعنى وما يعلم تأويل (هو) أي اسم "هو" الذي يقال فيه: "هو هو"، وصنف ابن عربي كتابا في "الهو".
فقلت له -وأنا إذ ذاك صغير جدًا-: لو كان كما تقول؛ لكتبت في المصحف مفصولة، ﴿تأويل هو﴾ ولم تكتب موصولة (١). وهذا الكلام الذي قاله هذا معلوم الفساد بالاضطرار. وإنما كثير من غالطي المتصوفة لهم مثل هذه التأويلات الباطلة في الكتاب والسنة. وقد يكون المعنى الذي يعنونه صحيحًا؛ لكن لا يدل عليه الكلام وليس هو مراد المتكلم وقد لا يكون صحيحًا. فيقع الغلط تارة في
стр. 407
الحكم وتارة في الدليل» (١).
وقال ﵀: «وقد صنف صاحب " الفصوص" كتابا سماه كتاب " الهو" وزعم بعضهم أن قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] معناه: وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو الهو، وإن كان هذا مما اتفق المسلمون بل العقلاء على انه من أبين الباطل، فقد يظن ذلك من يظنه من هؤلاء، حتى قلت مرة لبعض من قال شيئًا من ذلك: لو كان هذا ما قلته لكتبت الآية: وما يعلم تأويل (هو) منفصلة» (٢).
• مناظرته مع بعض اليونسية في احتجاجهم على الردة وقتالهم مع التتر، بأن الرسول ﷺ أمرهم بذلك لكون المسلمين قد عصوا!:
قال شيخ الإسلام ﵀: «ولما جاء قازان وقد أسلم دمشق، انكشفت أمور أخرى فظهر أن اليونسية (٣) كانوا قد ارتدوا وصاروا كفارا مع الكفار.
وحضر عندي بعض شيوخهم، واعترف بالردة عن الإسلام، وحدثني بفصول كثيرة.
стр. 408
فقلت له -لما ذكر لي احتجاجهم بما جاءهم من أمر الرسول-: فهب أن المسلمين كأهل بغداد كانوا قد عصوا -وكان في بغداد بضعة عشر بغيًا- فالجيش الكفار المشركون الذين جاءوا كانوا شرًا من هؤلاء؛ فإن هؤلاء كن يزنين اختيارًا، فأخذ أولئك المشركون عشرات الألوف من حرائر المسلمين وسراريهم بغير اختيارهم، وردوهم عن الإسلام إلى الكفر وأظهروا الشرك وعبادة الأصنام ودين النصارى وتعظيم الصليب حتى بقي المسلمون مقهورين مع المشركين وأهل الكتاب، مع تضاعيف ما كان يفعل من المعاصي، فهل يأمر محمد ﷺ بهذا ويرضى بهذا؟!
فتبين له وقال: لا والله. وأخبرني عن ردة من ارتد من الشيوخ عن الإسلام لما كانت شياطين المشركين تكرههم على الردة في الباطن، وتعذبهم إن لم يرتدوا!
فقلت: كان هذا لضعف إيمانهم وتوحيدهم، والمادة التي يشهدونها من جهة الرسول، وإلا فالشياطين لا سلطان لهم على قلوب الموحدين، وهذا وأمثاله ما كانوا يعتقدون أنهم شياطين بل أنهم رجال من رجال الغيب الإنس وكلهم الله بتصريف الأمر، فبينت لهم أن رجال الغيب هم الجن كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن:٦] ومن ظن أنهم إنس فمن جهله وغلطه؛ فإن الإنس يؤنسون أي يشهدون ويرون (١)؛ إنما يحتجب الإنسي أحيانًا لا يكون دائمًا محتجبا عن أبصار الإنس؛ بخلاف الجن فإنهم كما قال الله ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ (٢٧)﴾ [الأعراف:٢٧]» (٢).
• مناظرته مع بعض الصوفية في بعض اعتقاداتهم الباطلة:
في هذه المناظرة يحتج بعض أهل السلوك والتصوف بقصة أخرى من قصصهم المكذوبة المفتراة، ليحتجوا بها على ما يزعمونه من كشوفات وكرامات، ويوضح
стр. 409
لهم شيخ الإسلام بطلان هذه القصة وكذبها من جهة نقلها وصحتها، ومن جهة نكارة متنها وسياقها، وقد سبق بيان طريقتهم في الاحتجاج بالأحاديث المكذوبة، والقصص الواهية الموضوعة، والرد عليها في فصول سابقة فلتراجع.
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام ﵀:
«ويذكرون ما هو أعظم كفرًا من هذه الحكاية: وهو أن الله تعالى أطلع رسوله على سر الأسرار ليلة المعراج، وأمره أن لا يخبر به أحد.
وأنه رأى أهل الصفة (١) يتكلمون به!
فقال لهم: من أين لكم هذا؟
فقالوا: أخبرنا الله به.
فقال: يا رب ألم تأمرني أن أكتم هذا السر.
فقال: أنا أمرتك أن تكتمه وأنا أخبرتهم به.
وقد ذكر لي هذه الأمور غير واحد من كبار شيوخ هؤلاء، عن غير واحد من شيوخهم الكبار، فبينت لهم كذب هذا، حتى قلت لبعضهم: الصفة إنما كانت بالمدينة، والمعراج كان بمكة فلم يكن ليلة المعراج أحد يذكر أنه من أهل الصفة!» (٢).
стр. 410
الفصل الثالث:
مناظراته مع الرافضة
واشتمل على مبحثين:
المبحث الأول:
مناظرته مع أحد شيوخ الرافضة في عصمة علي ﵁.
المبحث الثاني:
مناظرته مع أحد أكابر شيوخ الرافضة في عصمة علي ﵁ والإمامة والمهدي المنتظر.
ملحق:
مناظرته مع مقدم المغل بولاي في يزيد بن معاوية، ومحبة أهل البيت.
* * *
стр. 411
المبحث الأول: مناظرته مع أحد شيوخ الرافضة في عصمة علي ﵁: واشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة .
تمهيد:
تعد جبال الكسروان (١) معقلاً من أهم معاقل غلاة الشيعة في عصر شيخ الإسلام ﵀، فقد كان يعيش بها الرافضة الاثنا عشرية والنصيرية والإسماعيلية وغيرهم من الدروز (٢) والباطنية الخارجين عن الشرعة المحمدية.
ومع ما يحمله هؤلاء القوم في قلوبهم من عقائد خبيثة وأفكار فاسدة، فإنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل ترجموا تلك العقائد بأفعالهم السيئة، فخرجوا على
стр. 412
الإمام، وقطعوا السبل، وأرهبوا الناس، واستولوا على جبل الصالحية (١)، وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وحرقوا المساكن؛
انتقاماً من أهله؛ لأنهم من أهل السنة، الذين يسمونهم نواصب (٢).
وكان هؤلاء القوم من أشد الناس غلواً في الرفض فمن عقائدهم "اعتقادهم أن أبا بكر وعمر وعثمان، وأهل بدر وبيعة الرضوان، وجمهور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الإسلام وعلماءهم، أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومشايخ الإسلام وعبادهم، وملوك المسلمين وأجنادهم، وعوام المسلمين وأفرادهم، كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون أكفر من اليهود والنصارى" (٣)، ومن "مسح على الخفين فهو عندهم كافر، ومن حرم المتعة فهو عندهم كافر، ومن أحب أبا بكر أو عمر أو عثمان أو ترضي عنهم أو عن جماهير الصحابة فهو عندهم كافر، ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم كافر … ، وعندهم: من قال: إن الله يرى في الآخرة فهو كافر، ومن قال: إن الله تكلم بالقرآن حقيقة فهو كافر، ومن قال: إن الله فوق السماوات فهو كافر، ومن آمن بالقضاء والقدر وقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وأن الله يقلب قلوب عباده وأن الله خالق كل شيء فهو عندهم كافر، وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر بها في كتابه وعلى لسان رسوله فهو عندهم كافر" (٤)، وكانوا
стр. 413
من المعاونين للكفار والتتار وأعداء المسلمين على الإسلام وأهله، وفيهم "خلق كثير لا يقرون بصلاة ولا صيام، ولا حج ولا عمرة، ولا يحرمون الميتة والدم ولحم الخنزير، ولا يؤمنون بالجنة والنار، من جنس الإسماعيلية والنصيرية والحاكمية والباطنية" (١)، والعياذ بالله العظيم.
ولما كان حالهم كهذا الحال، فقد ذهب شيخ الإسلام مع وفد من الأعيان والأمراء لاستتابتهم وإقناعهم بالالتزام بالشريعة والطاعة والولاء، ولكنهم أبوا وأصروا على ما هم عليه ولم يستجيبوا لتلك المساعي، فعند ذلك قام شيخ الإسلام ﵀ بحثِّ الولاة والناس على قتالهم، وكتب إلى أطراف الشام في تشجيع الناس على جهادهم والقيام بواجب الله تجاههم، وقام في ذلك خير قيام، حتى اجتمع له خلق كثير من المقاتلين، وخرجت معه العساكر الإسلامية والجيوش الشامية وجهز نائب السلطنة حملة كبيرة توجه بها من دمشق إلى أهل كسروان لقتالهم، كما شارك فيها نائبا طرابلس وصفد (٢)، وقد كان جبل كسروان من أصعب الجبال وأشقها، وكانت الملوك لا تُقدم على حصار أهله لصعوبة الوصول إليهم ومشقة ذلك، وقد وصف شيخ الإسلام ذلك المكان بقوله: «والمكان الذي لهم في غاية الصعوبة حتى ذكر أهل الخبرة أنهم لم يروا مثله» (٣).
ولكن هذا الأمر لم يكن مانعاً لشيخ الإسلام عن قتالهم ولا مثنياً له عن ذلك، بل قام هو ومن معه من الجيوش الإسلامية بمحاصرة الجبل وأهله، وقتالهم حتى فتح الله عليهم هذا الجبل العصيب، وذلك في عام (٧٠٥ هـ)، وقاموا بإجلاء أهله منه وإخراجهم من ديارهم، وفي أثناء حصارهم لهذا الجبل حدثت لشيخ الإسلام مناظرة مع شيخ من شيوخ هؤلاء القوم في عصمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، كما
стр. 414
ذكر هذه المناظرة ابن عبدالهادي ﵀ في كتابه النفيس (العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية).
نص المناظرة:
قال ابن عبد الهادي ﵀ تحت عنوان: بحث للشيخ مع أحد الرافضة في عصمة غير الأنبياء: «وحكى أيضاً [أي: شيخ الإسلام ﵀] أنه تجادل مع كبير من كبراء أهل جبل كسروان، له اطلاع على مذهب الرافضة.
قال: وكان الجدل والبحث في عصمة الإمام وعدم عصمته، وفي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ معصوم من الكبائر والصغائر، في كل قول وفعل -وهذه دعوى الجَبَلي- وأن الشيخ حاجَّه في أن العصمة لم تثبت إلا للأنبياء ﵈.
قال: وإنني قلتُ له: إن علياً وعبد الله بن مسعود ﵄، اختلفا في مسائل وقعت، وفتاوى أفتى بها كل منهما، وأن تلك الفتاوى والمسائل عرضت على النبي ﷺ فصوب فيها قول ابن مسعود ﵁.
هذا معنى كلام الشيخ في حديثه عن المجادلة مع الرافضي الجبليِّ (١)، وإن اختلفت العبارة انتهى ما ذكره» (٢) ا. هـ.
• المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:
يرى الشيعة الإمامية أن الأئمة الاثني عشر معصومون من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، بل حتى من الخطأ والنسيان والغفلة، وفي ذلك يقول علامتهم المجلسي (٣): «إنّ أصحابنا الإماميّة أجمعوا على عصمة الأئمّة -صلوات الله
стр. 415
عليهم- من الذّنوب الصّغيرة والكبيرة عمدًا وخطأ ونسيانًا من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله » (١).
وتعتبر عقيدة العصمة من أهم الأسس التي بنى عليها الإمامية معتقدهم، وبنوا عليها القول بإمامة الاثني عشر إماماً، وتلقيهم الشرع عن الله، ووجوب طاعة الخلق لهم كطاعة الله ورسوله، وجعل ما يقولونه ويعملونه من أعمال تشريعاً للخلق كآيات الله وأحاديث النبي ﷺ ، وغيرها من الأمور الكثيرة المبنية على هذه العقيدة الباطلة، ولذلك فقد اعتنى شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في ردوده على الرافضة ببيان بطلان هذه العقيدة وتناقض أهلها؛ لأن نقض هذه العقيدة يعتبر نقضاً لأسس الرافضة التي يقوم عليها مذهبهم، ومن هذا الاعتناء هذه المناظرة والمحاورة مع هذا الشيخ الرافضي لبيان فساد هذه العقيدة وبطلانها. مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أصل شبهتهم في قولهم بالعصمة:
العقيدة الباطلة التي ينشئها الناس من تلقاء أنفسهم، لا بد أن تجر معها عقائد أفسد منها أو مثلها فساداً، فالباطل لا يولِّدُ إلا باطلا، ولما كانت فرية الاثني عشر إماماً التي اختلقها الرافضة من تلقاء أنفسهم وجعلوها أُس عقيدتهم وأصل ديانتهم عقيدة باطلة، ليس لها ولا عليها مستند شرعي ولا نص قطعي من كتاب ولا سنة، فقد احتاجوا لتقريرها وتمريرها إلى اختلاق عقائد أخرى ومن أعظمها عقيدة العصمة، فقالوا: إن الإمام لا بد أن يكون معصوماً لأمور أربعة:
أولها: أن الإمام قائم مقام النبي، بل هو كالنبي في قيامه على الأمة ومراعاة شؤونها ومصالحها الدينية والدنيوية، ولما كان قائماً مقام النبي لزم أن يكون معصوماً مثله.
стр. 416
ثانيها: أن طاعة الإمام واجبة كطاعة النبي، فلزم أن يكون معصوماً، فلو أمكن أن يخطئ لكنا مأمورين بمتابعته وطاعته على الخطأ وهذا محال.
ثالثها: أن مفهوم الإمام يتضمن معنى العصمة؛ لأن الإمام لغة هو المؤتم به المقتدى به، فإذا جوزنا الذنب عليه فإما أن يلزمنا الاقتداء به في الخطأ وهذا مُنْتَف، وإما أن يلزمنا عدم الاقتداء به فلا يكون إماما بهذا الاعتبار.
رابعها: أن الأمة كلها معرضة للخطأ والضلال، فلا بد لها من عاصم يعصمها من ذلك ويسدد خطأها وذلك هو الإمام، إذ لو لم يكن معصومًا لافتقر إلى إمام آخر معصوم فيلزم التسلسل (١).
وبهذا كله يتبين لك أصل شبهة هؤلاء القوم، وأصل عقيدتهم الفاسدة في العصمة، التي بنوها على هذه الأمور المذكورة، والإلزامات المطروحة، التي هي في الحقيقة حججٌ متهافتة، وأطروحات باطلة، اخترعها القوم ليبرروا باطلهم لا غير.
حججٌ تهافتُ كالزجُاج تخالها … شيئاً وكل كاسر مكسور
الوجه الثاني: الرد على الشبهة:
إن رد مثل هذه العقيدة الفاسدة يطول؛ وذلك لكثرة الأجوبة التي توضح فسادها وتظهر ضعفها وبطلانها، فهي في الحقيقية عقيدة منافية مضادة لأسس الدين ومبادئه، ومبنية على عقائد باطلة مثلها، وما بُني على باطل فهو باطل، وقد بين شيخ الإسلام فساد هذه العقيدة في مختلف كتبه ورسائله من وجوه عديدة أهمها ما يلي:
١) أن كل ما ذكروه من أدلة تؤكد حاجة الأمة إلى معصوم قد تحققت برسول الله ﷺ ، فالرسول ﷺ هو المعصوم الذي تجب طاعته في كل زمان وكل
стр. 417
مكان وعلى كل أحد، وعلم الأمة بأوامره ونواهيه أتم من علم آحاد الرعية بالأئمة المذكورين وأوامرهم ونواهيهم، فعند الأمة من معرفة شرعه وهديه ما يغنيها عن كل إمام سواه (١)، وقد أمر الله بالرجوع للكتاب والسنة عند التنازع والاختلاف، ولم يأمر بردها إلى إمام أو نحوه، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] (٢).
٢) أن الله قد بين أن الحجة قد قامت على الخلق بالرسل، كما قال الله سبحانه مبيناً ذلك: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥]، ولو كانت الأمة محتاجة للأئمة كحاجتها للرسل وكان وجود الرسل غير مغنٍ للناس عن الأئمة وغيرهم، لما كانت الحجة قائمة بهم كما أخبر الله في هذه الآية (٣).
٣) أن الأمة معصومة بكتاب ربها وسنة نبيها ولا تجتمع على ضلالة، وعصمة الأمة جميعاً مغنية عما ادعيتموه وأوجبتموه من عصمة الأئمة، فلا يمكن لأحد أن يبدل شيئاً من الدين إلا أقام الله من يبين خطأه فيما بدله، فيبقى الدين محفوظاً مصوناً من الخلل والتحريف ومن الزيادة والخطأ والنقصان (٤).
٤) أن الأمور والأدلة والمقاصد التي أوجبوا من أجلها عصمة الإمام لا تتحقق فيمن جعلوهم أئمة، فأدلتهم التي استدلوا بها، هي نفسها دليل عليهم، فهي تبطل إمامة من جعلوهم أئمة؛ لعدم تحقق مقاصد الإمامة بهم، وأوضح مثال يبرهن على ذلك: إمامهم الغائب المفقود، الذي لم يصحح عملاً ولا سدد خطأ، ولا عُرِف له خبر، ولا رؤي له أثر، فأيُّ معنًى في عصمته، وأي فائدةٍ من ذلك؟! (٥).
стр. 418
٥) أن هذه العصمة المزعومة للأئمة الاثني عشر، لا دليل عليها من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ أو من إجماع السلف الصالح -رضوان الله عليهم-، بل هي عقيدة مختلقة مفتراة من الرافضة أنفسهم، لا يدل عليها نقل صريح ولا عقل صحيح! (١).
٦) اختلاف الشيعة أنفسهم في أصول الدين وفروعه، بل حتى في الأئمة أنفسهم وتحديد أعيانهم، دليل واضح على بطلان هذه العقيدة، إذ أن من أهم واجبات المعصوم عصمة أتباعه من الخلاف والاختلاف، فإذا لم يعصمهم من ذلك فكيف يعصم غيرهم وما المصلحة من الإيمان بعصمته؟! (٢).
٧) إذا كان المقصود من العصمة هو ما ذُكر من إزالة الظلم والشر، فيجب أن يكون في كل بلد إمام معصوم؛ لأن حاجة جميع المدائن للمعصوم واحدة، فجعلُها في مكان دون مكان تحكم لا دليل عليه (٣).
٨) أن "حاجة الإنسان إلى تدبير بدنه بنفسه، أعظم من حاجة المدينة إلى رئيسها، وإذا كان الله تعالى لم يخلق نفس الإنسان معصومة، فكيف يجب عليه أن يخلق رئيسًا معصوماً؟ مع أن الإنسان يمكنه أن يكفر بباطنه، ويعصي بباطنه، وينفرد بأمور كثيرة من الظلم والفساد، والمعصوم لا يعلمها، وإن علمها لا يقدر على إزالتها، فإذا لم يجب هذا فكيف يجب ذاك؟ " (٤).
٩) ومما يدل على بطلان ما ادعوه من عصمة للأئمة الاثني عشر، أن الأئمة أنفسهم كان يخالف بعضهم بعضاً ولو كانوا معصومين لامتنع اختلافهم، قال شيخ الإسلام ﵀: «وقد كان علي وابناه وغيرهم يخالف بعضهم بعضاً في العلم والفتيا كما يخالف سائر أهل العلم بعضهم بعضاً، ولو كانوا معصومين
стр. 419
لكان مخالفة المعصوم للمعصوم ممتنعة، وقد كان الحسن في أمر القتال يخالف أباه ويكره كثيراً مما يفعله ويرجع علي ﵁ في آخر الأمر إلى رأيه وتبين له في آخر عمره أن لو فعل غير الذي كان فعله لكان هو الأصوب … ، وقد وصى الحسن أخاه الحسين بأن لا يطيع أهل العراق ولا يطلب هذا الأمر وأشار عليه بذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما ممن يتولاه ويحبه، ورأوا أن مصلحته ومصلحة المسلمين ألا يذهب إليهم، ولا يجيبهم إلى ما قالوه من المجيء إليهم والقتال معهم؛ وإن كان هذا هو المصلحة له وللمسلمين، ولكنه ﵁ فعل ما رآه مصلحة والرأي يصيب ويخطئ، والمعصوم ليس لأحد أن يخالفه؛ وليس له أن يخالف معصوماً آخر؛ إلا أن يكونا على شريعتين كالرسولين ومعلوم أن شريعتهما واحدة» (١).
١٠) تراجع الإمام عن قوله دليل واضح على عدم عصمته، وقد ثبت عن علي ﵁ التراجع عن مسائل كثيرة، منها: رجوعه عن خطبة بنت أبي جهل (٢) و"قوله في أمهات الأولاد فإن له فيها قولين: أحدهما المنع من بيعهن، والثاني إباحة ذلك. والمعصوم لا يكون له قولان متناقضان" (٣).
١١) وأما قولهم: بأنه لو لم يكن الإمام معصوماً لافتقر إلى إمام آخر؛ لأن العلة المحوجة إلى الإمام هي جواز الخطأ على الأمة، فلو جاز الخطأ عليه لاحتاج إلى إمام آخر فيلزم التسلسل.
فقد أجاب عنه شيخ الإسلام بما لا مزيد عليه فقال: «لِمَ لا يجوز أن يكون إذا أخطأ الإمام كان في الأمة من ينبهه على الخطأ، بحيث لا يحصل اتفاق المجموع على الخطأ، لكن إذا أخطأ بعض الأمة، نبهه الإمام أو نائبه أو غيره، وإن أخطأ
стр. 420
الإمام أو نائبه نبهه آخر كذلك، وتكون العصمة ثابتة للمجموع، لا لكل واحد من الأفراد، كما يقوله أهل الجماعة؟
وهذا كما أن كل واحد من أهل خبر التواتر يجوز عليه الخطأ، وربما جاز عليه تعمد الكذب، لكن المجموع لا يجوز عليهم ذلك في العادة. وكذلك الناظرون إلى الهلال أو غيره من الأشياء الدقيقة، قد يجوز الغلط على الواحد منهم، ولا يجوز على العدد الكثير وكذلك الناظرون في الحساب والهندسة، ويجوز على الواحد منهم الغلط في مسألة أو مسألتين، فأما إذا كثر أهل المعرفة بذلك امتنع في العادة غلطهم.
ومن المعلوم أن ثبوت العصمة لقوم اتفقت كلمتهم، أقرب إلى العقل والوجود من ثبوتها لواحد. فإن كانت العصمة لا تمكن للعدد الكثير، في حال اجتماعهم على الشيء المعين، فأن لا تمكن للواحد أولى وإن أمكنت للواحد مفرداً; فلأن تمكن له ولأمثاله مجتمعين بطريق الأولى والأحرى.
فعلم أن إثبات العصمة للمجموع أولى من إثباتها للواحد، وبهذه العصمة يحصل المقصود المطلوب من عصمة الإمام، فلا تتعين عصمة الإمام.
ومن جهل الرافضة أنهم يوجبون عصمة واحد من المسلمين، ويجوزون على مجموع المسلمين الخطأ إذا لم يكن فيهم واحد معصوم. والمعقول الصريح يشهد أن العلماء الكثيرين، مع اختلاف اجتهاداتهم، إذا اتفقوا على قول كان أولى بالصواب من واحد، وأنه إذا أمكن حصول العلم بخبر واحد، فحصوله بالأخبار المتواترة أولى.
ومما يبين ذلك أن الإمام شريك الناس في المصالح العامة، إذ كان هو وحده لا يقدر أن يفعلها، إلا أن يشترك هو وهم فيها، فلا يمكنه أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، ولا يوفيها، ولا يجاهد عدوًا إلا أن يعينوه، بل لا يمكنه أن يصلي بهم جمعة ولا جماعة إن لم يصلوا معه، ولا يمكن أن يفعلوا ما يأمرهم به إلا بقواهم وإرادتهم. فإذا كانوا مشاركين له في الفعل والقدرة، لا ينفرد عنهم بذلك، فكذلك
стр. 421
العلم والرأي لا يجب أن ينفرد به بل يشاركهم فيه، فيعاونهم ويعاونونه، وكما أن قدرته تعجز إلا بمعاونتهم، فكذلك علمه يعجز إلا بمعاونتهم» (١).
١٢) مما استدل به شيخ الإسلام على نفي العصمة عن علي بن أبي طالب ﵁ ما ثبت من وقوع الخلاف بينه وبين ابن مسعود ﵁ في مسائل عدة، عرضت على النبي ﷺ ، فصوب فيها قول ابن مسعود ﵁، مما يدل على وقوع علي ﵁ في الخطأ وعدم عصمته من ذلك (٢). وقد "كان الشافعي ﵁ يناظر بعض فقهاء الكوفة في مسائل الفقه فيحتجون عليه بقول علي فصنف كتاب (اختلاف علي وعبد الله بن مسعود) (٣)، وبين فيه مسائل كثيرة تُركت من قولهما؛ لمجيء السنة بخلافه، وصنف بعده محمد بن نصر المروزي (٤) كتابًا أكبرَ من ذلك" (٥)، وضرب شيخ الإسلام بعض الأمثلة التي تُرِكَ فيها قول علي ﵁ لمخالفته للمنصوص عن النبي - ﷺ :
أ. منها "أن المعتدة المتوفى عنها إذا كانت حاملاً فإنها تعتدُّ أبعدَ الأجلين، ويروى ذلك عن ابن عباس أيضاً واتفقت أئمة الفتيا على قول عثمان وابن مسعود وغيرهما في ذلك وهو أنها إذا وضعت حملها حلت لما ثبت عن النبي ﷺ : أن سبيعة الأسلمية (٦) كانت قد وضعت بعد زوجها بليال فدخل عليها أبو السنابل
стр. 422
بن بعكك (١) فقال: ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشراً، فسألت النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: (كذب أبو السنابل، حللت فانكحي) (٢) فكذَّب النبي ﷺ من قال بهذه الفتيا» (٣).
ب. ومنها حكمه في "المفوضة التي تزوجها زوجها ومات عنها ولم يفرض لها مهراً قال فيها علي وابن عباس: إنها لا مهر لها. وأفتى فيها ابن مسعود وغيره: أن لها مهر المثل. فقام رجل من أشجع فقال: (نشهد أن رسول الله ﷺ قضى في بروع بنت واشق (٤) بمثل ما قضيت به في هذه) (٥) " (٦).
ت. ومنها "قوله: إن المخيرة إذا اختارت زوجها فهي واحدة، مع أن رسول الله ﷺ خير نساءه (٧)، ولم يكن ذلك طلاقاً" (٨)(٩).
المبحث الثاني: مناظرته مع أحد أكابر شيوخ الرافضة في عصمة الإمام علي ﵁ والإمامة والمهدي المنتظر
واشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
تمهيد:
ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه المناظرة أثناء رده على ما قرره ابن المطهر الحِلّي (١) من أن الإمامة هي أهم مطالب الدين وأشرف مسائل المسلمين، وقد رد عليه شيخ الإسلام من تسعة أوجه فنَّد فيها قوله وأبطله، وبين فساده بأحسن تفصيل وأفضل بيان، وأجاب خلال رده على كثير مما قد يورده الرافضة من إيرادات وشبه، وكشف عن فسادها وضعفها وتناقض أصحابها بما لا مزيد عليه.
وكان من أقوى الأوجه التي رد بها شيخ الإسلام ﵀ على هذا الكلام الوجه الثالث؛ الذي بين فيه سبب اعتقاد الرافضة لمثل هذا الاعتقاد، وأساس هذا القول
стр. 425
عندهم، وأصل شبهتهم في هذا الباب.
فذكر ﵀ أن الإمامة إنما كانت أشرف مسائل الدين عندهم؛ لما تحققه من اللطف والمصلحة في الدين والدنيا، ثم بين ﵀ أن هذا الأمر غير متحقق فيما يعتقدونه من إمامة، فهم في الحقيقة لا يستفيدون منها شيئاً لا في دين ولا دنيا؛ وذلك لأنهم يعلقون إمامتهم بإمام غائبٍ مفقود لم يروا له أثراً، ولم يسمعوا منه خبراً (١).
ثم ذكر ﵀ أنه قد جرت له مناظرة تتعلق بهذا الأمر مع أحد شيوخهم.
نص المناظرة:
قال ﵀: «ولقد طلب مني أكابر شيوخهم الفضلاء أن يخلو بي، وأتكلم معه في ذلك، فخلوت به، وقررت له ما يقولونه في هذا الباب، كقولهم: إن الله أمر العباد ونهاهم لينالوا به بعض مقاصدهم، فيجب أن يفعل بهم اللطف الذي يكونون عنده أقرب إلى فعل الواجب، وترك القبيح؛ لأن من دعا شخصاً ليأكل طعامه، فإذا كان مُراده الأكل فَعَلَ ما يُعين على ذلك من الأسباب كتلقيه بالبشرِ، وإجلاسه في مجلس يناسبه، وأمثال ذلك، وإن لم يكن مراده أن يأكل، عبس في وجهه، وأغلق الباب، ونحو ذلك، وهذا أخذوه من المعتزلة (٢) ليس هو من أصول شيوخهم القدماء.
ثم قالوا: والإمام لطف؛ لأن الناس إذا كان لهم إمام يأمرهم بالواجب، وينهاهم عن القبيح كانوا أقرب إلى فعل المأمور، وترك المحظور، فيجب أن