← Акыда

Акыда · id 902

المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية

هيثم الحمري

Полный текст (731 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

العلم والرأي لا يجب أن ينفرد به بل يشاركهم فيه، فيعاونهم ويعاونونه، وكما أن قدرته تعجز إلا بمعاونتهم، فكذلك علمه يعجز إلا بمعاونتهم» (١). ١٢) مما استدل به شيخ الإسلام على نفي العصمة عن علي بن أبي طالب ﵁ ما ثبت من وقوع الخلاف بينه وبين ابن مسعود ﵁ في مسائل عدة، عرضت على النبي ﷺ ، فصوب فيها قول ابن مسعود ﵁، مما يدل على وقوع علي ﵁ في الخطأ وعدم عصمته من ذلك (٢). وقد "كان الشافعي ﵁ يناظر بعض فقهاء الكوفة في مسائل الفقه فيحتجون عليه بقول علي فصنف كتاب (اختلاف علي وعبد الله بن مسعود) (٣)، وبين فيه مسائل كثيرة تُركت من قولهما؛ لمجيء السنة بخلافه، وصنف بعده محمد بن نصر المروزي (٤) كتابًا أكبرَ من ذلك" (٥)، وضرب شيخ الإسلام بعض الأمثلة التي تُرِكَ فيها قول علي ﵁ لمخالفته للمنصوص عن النبي - ﷺ : أ. منها "أن المعتدة المتوفى عنها إذا كانت حاملاً فإنها تعتدُّ أبعدَ الأجلين، ويروى ذلك عن ابن عباس أيضاً واتفقت أئمة الفتيا على قول عثمان وابن مسعود وغيرهما في ذلك وهو أنها إذا وضعت حملها حلت لما ثبت عن النبي ﷺ : أن سبيعة الأسلمية (٦) كانت قد وضعت بعد زوجها بليال فدخل عليها أبو السنابل

стр. 422

بن بعكك (١) فقال: ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشراً، فسألت النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: (كذب أبو السنابل، حللت فانكحي) (٢) فكذَّب النبي ﷺ من قال بهذه الفتيا» (٣). ب. ومنها حكمه في "المفوضة التي تزوجها زوجها ومات عنها ولم يفرض لها مهراً قال فيها علي وابن عباس: إنها لا مهر لها. وأفتى فيها ابن مسعود وغيره: أن لها مهر المثل. فقام رجل من أشجع فقال: (نشهد أن رسول الله ﷺ قضى في بروع بنت واشق (٤) بمثل ما قضيت به في هذه) (٥) " (٦). ت. ومنها "قوله: إن المخيرة إذا اختارت زوجها فهي واحدة، مع أن رسول الله ﷺ خير نساءه (٧)، ولم يكن ذلك طلاقاً" (٨) (٩).

стр. 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 424

المبحث الثاني: مناظرته مع أحد أكابر شيوخ الرافضة في عصمة الإمام علي ﵁ والإمامة والمهدي المنتظر واشتمل على مطلبين: المطلب الأول: عرض المناظرة: تمهيد: ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه المناظرة أثناء رده على ما قرره ابن المطهر الحِلّي (١) من أن الإمامة هي أهم مطالب الدين وأشرف مسائل المسلمين، وقد رد عليه شيخ الإسلام من تسعة أوجه فنَّد فيها قوله وأبطله، وبين فساده بأحسن تفصيل وأفضل بيان، وأجاب خلال رده على كثير مما قد يورده الرافضة من إيرادات وشبه، وكشف عن فسادها وضعفها وتناقض أصحابها بما لا مزيد عليه. وكان من أقوى الأوجه التي رد بها شيخ الإسلام ﵀ على هذا الكلام الوجه الثالث؛ الذي بين فيه سبب اعتقاد الرافضة لمثل هذا الاعتقاد، وأساس هذا القول

стр. 425

عندهم، وأصل شبهتهم في هذا الباب. فذكر ﵀ أن الإمامة إنما كانت أشرف مسائل الدين عندهم؛ لما تحققه من اللطف والمصلحة في الدين والدنيا، ثم بين ﵀ أن هذا الأمر غير متحقق فيما يعتقدونه من إمامة، فهم في الحقيقة لا يستفيدون منها شيئاً لا في دين ولا دنيا؛ وذلك لأنهم يعلقون إمامتهم بإمام غائبٍ مفقود لم يروا له أثراً، ولم يسمعوا منه خبراً (١). ثم ذكر ﵀ أنه قد جرت له مناظرة تتعلق بهذا الأمر مع أحد شيوخهم. نص المناظرة: قال ﵀: «ولقد طلب مني أكابر شيوخهم الفضلاء أن يخلو بي، وأتكلم معه في ذلك، فخلوت به، وقررت له ما يقولونه في هذا الباب، كقولهم: إن الله أمر العباد ونهاهم لينالوا به بعض مقاصدهم، فيجب أن يفعل بهم اللطف الذي يكونون عنده أقرب إلى فعل الواجب، وترك القبيح؛ لأن من دعا شخصاً ليأكل طعامه، فإذا كان مُراده الأكل فَعَلَ ما يُعين على ذلك من الأسباب كتلقيه بالبشرِ، وإجلاسه في مجلس يناسبه، وأمثال ذلك، وإن لم يكن مراده أن يأكل، عبس في وجهه، وأغلق الباب، ونحو ذلك، وهذا أخذوه من المعتزلة (٢) ليس هو من أصول شيوخهم القدماء. ثم قالوا: والإمام لطف؛ لأن الناس إذا كان لهم إمام يأمرهم بالواجب، وينهاهم عن القبيح كانوا أقرب إلى فعل المأمور، وترك المحظور، فيجب أن

стр. 426

يكون لهم إمام، ولا بد أن يكون معصوما؛ لأنه إذا لم يكن معصوماً لم يحصل به المقصود، ولم تُدَّعّ العصمة لأحد بعد النبي ﷺ إلا لعلي، فتعين أن يكون هو إياه للإجماع على انتفاء ما سواه، وبسطت له العبارة في هذه المعاني. ثم قالوا: وعلي نص على الحسن، والحسن على الحسين إلى أن انتهت النوبة إلى المنتظر محمد بن الحسن صاحب السرداب الغائب (١)؛ فاعترف بأن هذا تقرير مذهبهم على غاية الكمال. قلت له: فأنا وأنت طالبان للعلم، والحق، والهدى، وهم يقولون: من لم يؤمن بالمنتظر فهو كافر، فهذا المنتظر هل رأيته؟ أو رأيت من رآه؟ أو سمعت له بخبر؟ أو تعرف شيئاً من كلامه الذي قاله هو؟ أو ما أمر به، أو ما نهى عنه مأخوذا عنه، كما يؤخذ عن الأئمة؟ قال: لا. قلت: فأي فائدة في إيماننا هذا؟ وأي لطف يحصل لنا بهذا، ثم كيف يجوز أن يكلفنا الله بطاعة شخص، ونحن لا نعلم ما يأمر به، ولا ما ينهانا عنه، ولا طريق لنا إلى معرفة ذلك بوجه من الوجوه؟ وهم من أشد الناس إنكاراً لتكليف ما لا يطاق، فهل يكون في تكليف ما لا يطاق أبلغ من هذا؟! فقال: إثبات هذا مبني على تلك المقدمات. قلت: لكن المقصود لنا من تلك المقدمات هو ما يتعلق بنا نحن، وإلا فما علينا مما مضى إذا لم يتعلق بنا منه أمر ولا نهي، وإذا كان كلامنا في تلك المقدمات لا يُحصل لنا فائدة ولا لطفا، ولا يُفيدنا إلا تكليف ما لا يقدر عليه عُلِمَ أن الإيمان بهذا المنتظر من باب الجهل، والضلال لا من باب المصلحة واللطف.

стр. 427

والذي عند الإمامية من النقل عن الأئمة الموتى: إن كان حقا يحصل به سعادتهم، فلا حاجة بهم إلى المنتظر، وإن كان باطلا، فهم أيضا لم ينتفعوا بالمنتظر في رد هذا الباطل، فلم ينتفعوا بالمنتظر لا في إثبات حق، ولا في نفي باطل، ولا أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر، ولم يحصل لواحد منهم به شيء من المصلحة، واللطف المطلوب من الإمامة» (١). المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة: تعتبر عقيدة الإمامة هي أكبر عقائد الرافضة وأجلها وأهمها عندهم على الإطلاق، بل إن كل عقيدةٍ أحدثها الرافضة؛ فإنما وضعوها لتمرير هذه العقيدة، أو للتأكيد على صحتها، أو للرد على الشبهات المثارة حولها. وهي عندهم من الأهمية بمكان، حتى جعلوها منصبًا إلهيًا، ونص كثير من علمائهم على أنها تفوق مرتبة النبوة والرسالة (٢)، وروى الكليني (٣) ما يدل على أنها أعظم أركان الإسلام وأجلها (٤)، وقد اختصر ذلك ابن مطهر الحلي بقوله: «إن الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين» (٥). وهدم هذه العقيدة وبيان زيفها يعني بالطبع هدم دين الرافضة من أساسه، وإبطال معتقدهم كله؛ ولذلك فقد اعتنى شيخ الإسلام بذلك غاية الاعتناء، وتجد ذلك واضحاً وملموساً في كتابه العظيم منهاج السنة النبوية، فقد أولى شيخ الإسلام

стр. 428

هذه المسألة غاية الاهتمام، وبين بمختلف الأدلة العقلية والنقلية بطلانها وعدم صحتها، وكما يُلاحظُ في مناظرته هذه للشيخ الرافضي، فقد بين له طريقة الرافضة في تقرير هذه العقيدة ومسلكهم في ذلك، ثم بين فساد ما توصلوا إليه في تقرير هذه العقيدة. وسأقوم في دراستي لهذه المناظرة ببيان وتوضيح ما ذكره ﵀ في أصل الشبهة عندهم، ثم ذكر الرد عليها وتفنيد ما جاء فيها. مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة ، وذلك من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل الشبهة: هذه الشبهة التي بنى عليها الرافضة عقيدتهم في الإمامة والتي ناقش فيها شيخ الإسلام هذا الشيخ الرافضي، مبنية على عدة أمور: أولها: إيجاب اللطف من الله على عباده: حيث يقرر الرافضة "أن الله أمر العباد، ونهاهم لينالوا به بعض مقاصدهم" فلذلك "يجب عليه أن يفعل أصلح ما يقدر عليه للعباد في دينهم ودنياهم" (١)، ويجب أن يفعل بهم اللطف الذي يكونون عنده أقرب إلى فعل الصلاح والإتيان بالمأمور وأبعد عن الفساد والوقوع في المحظور (٢). وقد وضح شيخ الإسلام أثناء تقريره هذه المقدمة لهذا الشيخ الرافضي هذا الأمر بمثال يضربونه حول هذا الموضوع وهو "أن من دعا شخصاً ليأكل طعامه، فإذا كان مراده الأكل فعلَ ما يُعين على ذلك من الأسباب: كتلقيه بالبشر، وإجلاسه في مجلس يناسبه، وأمثال ذلك. وإن لم يكن مُراده أن يأكل عبس في وجهه، وأغلق الباب، ونحو ذلك" (٣).

стр. 429

وقد بين شيخ الإسلام ﵀-أن هذه المسألة قد أخذوها من قول المعتزلة بوجوب الأصلح على الله (١). ثانيها: أن الإمام المعصوم من اللطف الواجب على الله: يعتقد الرافضة أن من اللطف الواجب على الله لعباده وجود إمام معصوم يطيعه الناس في كل زمن ويتبعونه، وذلك أن الله إنما أمر الناس ونهاهم ليكونوا أقرب لرحمته وينالوا بهذا بعض مقاصدهم، ومن المعلوم أن الناس إذا كان لهم إمام يأمرهم بالواجب، وينهاهم عن القبيح كانوا أقرب إلى فعل المأمور، وترك المحظور، و"أن الجماعة متى كان لهم رئيسٌ مَهيبٌ مطاعٌ مُتصرفٌ مُنبسطُ اليد كانوا بوجوده أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإذا لم يكن لهم رئيس وقع الهرج والمرج بينهم، وكانوا عن الصلاح أبعد، ومن الفساد أقرب" (٢)، فتحصل أن وجوده من اللطف بالمكلفين واللطف بالعباد واجب على الله، فتكون الإمامة واجبة (٣). واشترطوا في الإمام العصمة؛ لأن مقصود اللطف لا يحصل إلا بها، إذ لو لم يكن معصومًا لجازَ أن يأمر العباد بما يبعدهم من الله ولا يقربهم، وهذا خلاف اللطف والمصلحة المقصودة (٤). ثالثها: هذا الإمام المعصوم الذي يجب الإيمان به هو علي بن أبي طالب والأئمة الاثني عشر بعده وآخرهم الإمام المنتظر محمد بن الحسن العسكري. وهذه هي النتيجة التي يتوصل لها الرافضة من خلال المقدمتين السابقتين، ويبنون عليها دينهم، فبعد أن قرروا وجوب الإمامة ووجوب كون الإمام معصوماً، قرروا أن هذا الأمر لا يتحقق إلا في علي ومن بعده؛ وذلك لأن

стр. 430

المعصوم يجب أن يكون معلوماً بالنص، إذ لا طريق إلى العلم بالعصمة إلا النص. ثم قالوا: ولا منصوص عليه بعد النبي ﷺ إلا علي؛ لأنه ليس في الأمة من ادعى النص لغيره؛ فلو لم يكن هو منصوصاً عليه لزم إجماع الأمة على الباطل. ثم قالوا: وعلي نص على الحسن، والحسن نص على الحسين إلى أن انتهت النوبة إلى المنتظر محمد بن الحسن صاحب السرداب الغائب (١). هذا باختصار هو أصل شبهة الرافضة في هذا الباب كما بينه وقرره شيخ الإسلام ﵀ وملخص هذه الشبهة هو: أن اللطف واجب على الله، والإمامة لطف، ولا تكون لطفاً إلا إذا كان صاحبها معصوماً، ولم تدع العصمة لأحد بعد النبي ﷺ إلا لعلي؛ فتعين أن يكون هو الإمام ثم من نص عليه من بعده وهكذا إلى الإمام المنتظر صاحب السرداب. وقد عرض شيخ الإسلام هذا التقرير على هذا الشيخ الرافضي فأقر به، واعترف أنه هو المسلك الذي يسلكه الرافضة في تقرير الإمامة. الوجه الثاني: الجواب على الشبهة: لم يشتغل شيخ الإسلام ﵀ بمناقشة المقدمات والمسالك التي أوردها الرافضة لتقرير إمامة الاثني عشر، بل ذهب مباشرة للنتيجة التي يريدون الوصول إليها فاشتغل بنقضها وبيان بطلانها ومناقضتها لما قرروه من مقدمات، وإذا كانت المقدمة التي بنوا عليها قولهم ورأيهم تخالف وتناقض النتيجة التي توصلوا لها، فهذا دليل واضح على فساد هذا القول برمته، وبطلان هذا الاعتقاد من أصله. وقد بين شيخ الإسلام ﵀ تناقضهم في هذه المسألة؛ حيث أوجبوا الإمامة

стр. 431

لما فيها من مصلحة ولطف، ثم نصوا على إمامة اثني عشر رجلاً لم يتحقق بإمامة بعضهم مصلحة ولا لطف، وتحقق بإمامة بعضهم مصلحة هي متحققة بإمامة غيره على وجه أكبر وأتم وأكمل. ويكفي في بيان ذلك وتوضيحه حال إمامهم الغائب المزعوم، الذي هو إمام الزمان منذ مئات السنين؛ فإنه لم تتحقق بإمامته أي مصلحة وأي لطف بالعباد، وذلك يتبين من وجوه: الوجه الأول: أن هذا الإمام الذي يوجبون على الخلق تصديقه والإيمان به، غائب بل مفقود منذ مئات السنين، لم يُرَ لهُ أثر ولم يُسمع لهُ خبر، ولا عُرِفَ لهُ أمرٌ ولا نهي، فأي فائدة في الإيمان بمثل هذا، وأي مصلحة وأي لطف يحصل لنا مع غيبته عنا؟! (١). فإن قالوا: أن اللطف حاصل في حال غيابه كما هو حاصل في حال ظهوره. فيقال: إذاً فلا حاجة لظهوره، ولا فائدة من ذلك؛ لأن اللطف الذي هو المقصود من الإمامة متحققٌ حتى مع غيابه، وهذا ما لا يرتضونه أبدا (٢). الوجه الثاني: أن وجود مثل هذا الإمام المعصوم، على مثل هذه الصورة، هو في الحقيقة شر وضررٌ على أهل الأرض، ولا نفعَ فيه ولا لُطف، وذلك لأمرين اثنين: الأول: أن المؤمنين به وبإمامته لم ينتفعوا به، ولم يحصل لهم بإثبات إمامته أخذ حق ولا ردع باطل، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، ولا حصل لهم شيء من المصلحة واللطف، ولم يظهر لطائفته إلا الانتظار، ودوام الحسرة والألم، ومعاداة العالم بلا جدوى. الثاني: أن المكذبين به يعذبون على تكذيبهم به كما يعتقد الإمامية.

стр. 432

فظهر بهذا وذاك أن مثل هذا الإمام شر محض، لا خير فيه ولا لطف ولا مصلحة لموافق ولا لمخالف، فمن خالفه صار مرتداً كافراً مستحقاً للعذاب، ومن وافقه صار ذليلاً مقهورًا لا يد له ولا سلطان؛ فأي لطف يحصل بمثل هذا الإمام؟! (١) الوجه الثالث: أن الأمر بطاعة إمام حاله كهذه الحال هو في الحقيقة من التكليف بما لا يطاق، وليس من اللطف بشيء، والرافضة من أشد الناس إنكاراً للتكليف بما لا يطاق، وهذا يدل على عظيم تناقضهم وضلالهم فيما يقررون، فكيف يجوز أن يكلفنا الله بطاعة شخص لم نره، ولم نسمعه، ولم نعرف له أمراً ولا نهياً، ولا طريق لنا إلى معرفة ذلك بوجه من الوجوه؟! (٢) الوجه الرابع: أن المقصود بالإمام إنما هو طاعة أمره، وكيف يكون ذلك ونحن لانعرف أمره ولا نهيه، فإذا كان العلم بأمره ممتنعاً؛ كانت طاعته وهي المقصودة منه ممتنعة، وإذا كان المقصود منه ممتنعًا لم يكن في إثبات الوسيلة وهي الإمامة فائدة أصلاً؛ بل إن إثبات الوسيلة التي لا يحصل بها مقصودها سفه وعبث (٣). الوجه الخامس: أن الذين كذبوا بهذا الإمام المنتظر لم تَفُتْهُم مصلحة في الدين ولا في الدنيا، بل كانوا أقوم بمصالح الدين والدنيا من أتباعه الذين آمنوا به ولم يحصل لهم به مصلحة في الدين ولا في الدنيا (٤). وأما قولهم: «أن الجماعة إذا كان لهم رئيس مهيب مطاع متصرف منبسط اليد كانوا بوجوده أقرب للصلاح وأبعد عن الفساد» ولذلك أوجبوا الإمامة، فهذا أيضا كتناقضهم الأول ويلزم منه بطلان إمامة الاثني عشر عموماً، وإمامة

стр. 433

الغائب المنتظر منهم خصوصاً. أما بالنسبة للأئمة الاثني عشر عموماً: فلأنه من المعلوم أنه لم يكن أحد منهم بهذه الصفة من انبساط اليد والتصرف إلا علي بن أبي طالب ﵁؛ فقد كان بيده شيء من هذا التصرف، ومع ذلك فعلي ﵁ لم يكن تصرفه وانبساط يده في خلافته كتصرف من قبله من الأئمة، فلو كانت العبرة بهذا للزم أن يكونوا هم أولى بالإمامة منه، وهذا ما لا تقوله الرافضة (١). "ومن المعلوم أيضا بالضرورة أن حال اللطف والمصلحة التي كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلاثة، أعظم من اللطف والمصلحة الذي كان في زمن خلافة علي زمن القتال والفتنة والافتراق" (٢)؛ فإما أن يكون اللطف والمصلحة التي يدعونها في الأئمة المعصومين باطلة قطعا، وإما أن يكون هؤلاء الأئمة ليسوا بمعصومين ولا بمنصوصٍ عليهم (٣). وأما بالنسبة للإمام الغائب المنتظر: فيقال: كيف يتحقق مثل هذا الوصف فيه مع غيبته عنهم؟ وأي طاعة، وأي هيبة له وأي تصرف له وهو غائب غير موجود؟! وعندما يعلم الشخص بغياب هذا الإمام منذ مئات السنين وعدم ظهوره يكون هذا داعيًا له للفساد والإفساد لا للصلاح والإصلاح. فإن الناس إذا عرفوا أنه غائب منذ مئات السنين، وأنه لم يعاقب أحدا ولم يُثب أحدًا؛ بل هو خائفٌ على نفسه، لا يُمكنه الظهور، فضلاً عن التصرف وإقامة الحدود، فكيف يهابه الناس ويمتثلوا أمره؟! بل إن مثل هذا مما يجعل الناس يقدمون على فعل القبائح وارتكاب المنكرات لاسيما مع طول الزمان، وهو لم يعاقب أحدا على منكر فعله، ولم يُثب أحدًا على خير فعله (٤).

стр. 434

فإن قالوا: إن المؤمن به يخاف من ظهوره ومعاقبته له على ذنوبه. قيل: فإن خوف الناس من عقوبة ولاة أمرهم الحاضرين، أعظم من خوف هؤلاء من هذا الغائب، فاللطف الحاصل بهم أعظم من اللطف المُدَّعى في إمامهم الغائب! (١) بل هؤلاء مع ذنوبهم وظلمهم فإن الشرع يُقام بهم "أضعافَ ما يقام بمن يظهر بعد كل مدة، فضلا عمن هو مفقود يعلم جمهور العقلاء أنه لا وجود له، والمُقِرون به يعلمون أنه عاجز خائف، لم يفعل قط ما يفعله آحاد الناس، فضلا عن ولاة أمورهم" (٢). وأما قولهم: إن علياً ﵁ هو الإمام المنصوص عليه؛ لأنه لا منصوص عليه بعد النبي ﷺ إلا علي؛ حيث إنه ليس في الأمة من ادعى النص لغيره؛ فلو لم يكن هو منصوصاً عليه لزم إجماع الأمة على الباطل. فالجواب عليه من وجوه: أولاً: أن هذه مجرد دعوى لا برهان عليها، وإجماعهم الذي يسمونه إجماع الطائفة المحقة لا يصح حتى يثبت أنهم الطائفة المحقة، ولا يثبت هذا حتى يثبت الإمام المعصوم الذي يدعونه، وقد تبين تناقضهم فيه وبطلان تقريرهم له (٣). ثانياً: لا نُسلم أن أحداً من الأمة لم يدّع النص لغير علي؛ بل طوائف من أهل السنة يقولون: إن خلافة أبي بكر ثبتت بالنص. ثم منهم من يقول: بنص جلي. ومنهم من يقول: بنص خفي. وأيضاً فالرواندية (٤) تدعي النص على العباس، وغيرهم يدعون ذلك أيضاً، فبطل بهذا ما قرروه من عدم ادعاء أحد

стр. 435

العصمة إلا لعلي ﵁ (١). ثالثاً: أن الشيعة أنفسهم ممن يدعون النص لعلي ﵁ مختلفون في النص على من بعده من ولده اختلافاً كثيراً. فلا يمكن للإمامية أن يقولوا: إنه لم يَدّعِ أحدٌ النص على واحد بعد واحد، إلا ما ادعوه في المنتظر وفيمن قبله، بل إخوانهم الشيعة يدَّعون دعاوى مثل دعاويهم (٢). رابعاً: لو فُرِضَ أنه لم يدع النص غيرهم، فلا نسلم بما ذكروه من نص على إمامة علي ﵁، وإنما هو كذب افتروه، وقياس وضعوه، ثم زعموا أن ما ابتدعوه وافتروه إجماع يقتضي ثبوت ذلك وهذا في غاية الضلال (٣). وبهذا كله يتبين ضعف حجة القوم، وخواء جعبتهم، وتناقضهم في عقيدتهم، فإذا كان هذا حال أصلهم الأصيل الذي بنوا عليه معتقدهم، فما بالك بما دون ذلك من أصولهم وعقائدهم؟! * * *

стр. 436

ملحق • مناظرته مع مقدم المغل بولاي في يزيد بن معاوية، ومحبة أهل البيت: في هذه المناظرة التقى شيخ الإسلام بمقدم التتر بولاي والذي يبدو بوضوح تأثره بمذهب الشيعة الرافضة الذين كان لهم دور بارز في دعم ومساندة المغول والتتار في حربهم ضد الإسلام والمسلمين، حتى أن أحد ملوكهم وهو محمد بن أرغون (خدابنده) اعتنق دين الرافضة بتأثير من ابن مطهر الحلي ونشر التشيع وأسقط اسماء الخلفاء الراشدين من الخطب والجوامع غير اسم علي بن أبي طالب ﵁، وقد بين له شيخ الإسلام كذب ما يشاع عن أهل دمشق من أنهم نواصب، وأنهم يبغضون أهل البيت، وبين له الموقف الصحيح تجاه يزيد بن معاوية وأمثاله. نص المناظرة: قال شيخ الإسلام ﵀: «وأما جواز الدعاء للرجل وعليه فبسط هذه المسألة في الجنائز، فإن موتى المسلمين يصلي عليهم برهم وفاجرهم، وإن لعن الفاجر مع ذلك بعينه أو بنوعه، لكن الحال الأولى أوسط وأعدل (١)، وبذلك أجبت مقدم المغل بولاي (٢)، لما قدموا دمشق في الفتنة

стр. 437

الكبيرة (١)، وجرت بيني وبينه وبين غيره مخاطبات (٢)، فسألني فيما سألني: ما تقول في يزيد (٣)؟ فقلت: لا نسبه ولا نحبه، فإنه لم يكن رجلاً صالحاً فنحبه، ونحن لا نسب أحداً من المسلمين بعينه. فقال: أفلا تلعنونه؟ أما كان ظالماً؟ أما قتل الحسين؟ فقلت له: نحن إذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف (٤) وأمثاله: نقول كما قال الله في القرآن: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود:١٨] ولا نحب أن نلعن أحداً بعينه، وقد لعنه قوم من العلماء وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد، لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن. وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله، أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً (٥). قال: فما تحبون أهل البيت؟ قلت: محبتهم عندنا فرض واجب، يؤجر عليه، فإنه قد ثبت عندنا في صحيح

стр. 438

مسلم (١) عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله ﷺ بغدير يدعي خماً (٢)، بين مكة والمدينة فقال " أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله " فذكر كتاب الله وحض عليه، ثم قال: "وعترتي (٣) أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي" قلت لمقدم: ونحن نقول في صلاتنا كل يوم: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (٤) قال مقدم: فمن يبغض أهل البيت؟ قلت: من أبغضهم فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. ثم قلت للوزير المغولي: لأي شيء قال عن يزيد وهذا تتري؟ قال: قد قالوا له إن أهل دمشق نواصب. قلت بصوت عال: يكذب الذي قال هذا، ومن قال هذا فعليه لعنة الله، والله ما في أهل دمشق نواصب، وما علمت فيهم ناصبياً ولو تنقص أحد علياً بدمشق لقام المسلمون عليه، لكن كان قديماً -لما كان بنو أمية ولاة البلاد- بعض بني أمية ينصب العداوة لعلي ويسبه، وأما اليوم فما بقي من أولئك أحد» (٥). وقال أبو بكر بن أيبك: «وفي يوم الخميس توجه الشيخ تقي الدين ابن التيمية

стр. 439

إلى مخيم بولاي مقدم التتار يسأل المأسورين، وكانوا خلقًا كثيرًا. وتحدث بولاي في أمر يزيد بن معاوية مع الشيخ، وسأله: هل يجوز لعنته أم لا؟ ففهم الشيخ أن فيه موالاة، فكلمه بما لاق بخاطره بغير شيء يكره. فقال: هؤلاء أهل دمشق هم قتلة الحسين بن علي صلوات الله عليه. فقال له الشيخ: إنه لم يكن من أهل دمشق من حضر قتلة الحسين ﵇، وقتل ﵇ بأرض كربلاء من العراق. فقال: صحيح، وكانوا بنو أمية خلفاء الدنيا، وكانوا يحبون سكنى الشام. فقال الشيخ: وماذا يلم من ذلك في قتلة الحسين، وهذه الشام ما برحت أرضًا مباركة ومحل الأولياء والصلحاء بعد الأنبياء صلوات الله عليهم. ولم يزل به حتى سكن غضبه على أهل الشأم. ثم ذكر للشيخ أن أصله مسلم من أهل خراسان. وجرى بينه وبين الشيخ كلام كثير» (١). * * *

стр. 440

الفصل الرابع: مناظراته مع المتكلمين واشتمل على سبعة مباحث: المبحث الأول: مناظرته مع مجموعة من القضاة والعلماء حول العقيدة الواسطية بحضرة نائب السلطان. المبحث الثاني: مناظرته مع بعض المؤولة للأسماء والصفات في بطلان التأويل وفي صفة اليد وغيرها من المسائل. المبحث الثالث: مناظرته مع ابن المرحل في تعلق الصفات وهل الحب والبغض ونحوها من الصفات وجودية أم عدمية. المبحث الرابع: مناظرته مع غير واحد من نفاة الصفات في مسألة الرؤية. المبحث الخامس: مناظرته مع بعض من يدعي أن الله يتكلم بكلام لا معنى له. المبحث السادس: مناظرته مع بعض المشغوفين بأهل الكلام في بطلان طريقتهم إما في الدلائل أو المسائل. المبحث السابع: مناظرته مع بعض منكري العلو. * * *

стр. 441

المبحث الأول: مناظرته مع مجموعة من القضاة والعلماء حول العقيدة الواسطية بحضرة نائب السلطان واشتمل على مطلبين: المطلب الأول: عرض المناظرة: • تمهيد: لقد حظيت العقيدة الواسطية -التي صنفها شيخ الإسلام ابن تيمية -بمكانة رفيعة ومنزلة شريفة بين الكتب والمؤلفات التي صنفت في العقيدة الإسلامية، كيف لا؛ وهو المتن الذي تحدى صاحبهُ علماء عَصرهِ أن يأتوا بحرفٍ واحدٍ منهُ خالفهُ فردٌ واحدٌ من الصحابة، أو السلف الصالح أهل القرون المفضلة، فعجزوا عن أن يأتوا بحرف مُخالِف، أو بإمام يُخالف! وقد امتاز هذا المتن بأن مصنفه هو أعلم أهل زمنه، وأخبر الناس في عصره بعقيدة أهل السنة وأصولهم وتقريراتهم، وقد جمع بين دفتي كتابه من أصول الاعتقاد الشيء الكبير الكثير، بأبسط عبارة، وأوجز إشارة، والتزم بأن يُبرهن على كل لفظ من ألفاظه بآية أو حديث أو إجماع سلفي، ولم يمضِ وقت قليل على تصنيفه حتى انتشرت نسخه وشاعت في الشام ومصر والعراق وغيرها من الأقطار، وأجمع علماء وقضاة وفقهاء بلاد الشام -الموافق منهم والمخالف- على قبول هذا الاعتقاد وصحته، وأنه معتقد سلفيٌ سنيٌ جيد.

стр. 442

هذا كله مع ما كان عليه شيخ الإسلام من جهاد عظيم، ونشر للمعتقد السليم، ورد على المنحرفين، مما استدعى غيظ الأعداء، وحسد الأقران، وعداوة أهل الأهواء، فما زالوا في مكرهم وسعايتهم به، حتى استطاعوا أن يصلوا إلى الأبواب السلطانية، فجاء أمر السلطان (١) من مصر إلى نائبه جمال الدين الأفرم في دمشق، بأن يعقد مجلساً لشيخ الإسلام يحضر فيه الفقهاء والقضاة والعلماء، يحاققه فيه عن معتقده، ويسأله عن عقيدته ومذهبه. فعقد له نائب السلطنة، مجالس ثلاثة (٢)، ناظره فيها علماء عصره، وفقهاء وقته، حول هذا المتن العظيم متن العقيدة الواسطية، وجرت في هذه المجالس مباحث كثيرة وحوارات عديدة، أظهر الله فيها من قيام الحجة، ورفع راية السنة، وقمع أهل البدعة والفتنة، وبروز علم شيخ الإسلام وحسن فقههِ وفهمهِ، الشيء العظيم الجليل.

стр. 443

ولِعِظَمِ هذه الحادثة وكبير شأنها، لا تكاد تجد مصنفاً في ترجمة شيخ الإسلام أو في حوادث ذلك الزمان يخلو من ذكرها أو الإشارة إلى ما وقع فيها، ويمكن إجمال الروايات التي كتبت في هذه الواقعة في سبع روايات: الرواية الأولى: وهي أجمعُ الروايات وأشملها وأطولها، جاءت ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٠ - ١٩٣)، من حكاية شيخ الإسلام نفسه. الرواية الثانية: رواية أخرى يحكيها الشيخ نفسه، نقلها ابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص: ٢٢٢ - ٢٦٤) وهي قريبة من الرواية الأولى، ويبدو أنها منقولة منها بنصها إلا أن الناقل قام باختصارها، وحذْفِ بعض العبارات، والاستغناء عن بعض الفقرات، وقد استفدت منها في تصويب كثير من الكلمات التي كانت محل إشكال في الرواية الأولى. الرواية الثالثة: رواية ثالثة من حكاية الشيخ نفسه، جاءت ضمن جامع المسائل (٨/ ١٨١ - ١٩٨)، وهي أصغر من الروايتين السابقتين، إلا أن فيها زيادات ومباحث لا توجد فيهما. الرواية الرابعة: رواية الشيخ علم الدين البرزالي، جاءت ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٩٤ - ٢٠١)، وهي كالملخص لرواية الشيخ المذكورة ضمن مجموع الفتاوى. الرواية الخامسة: رواية الشيخ شرف الدين عبد الله بن تيمية أخي شيخ الإسلام -رحمهما الله-، وهي ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٢ - ٢١٠)، وهي رواية مختصرة وفيها زيادات قليلة، ولكنها مهمة. الرواية السادسة: ما جاء متفرقاً في بعض رسائل الشيخ وفتاويه، من ذكر بعض الأحداث التي وقعت في المناظرة، كما في مجموع الفتاوى (٣/ ٢١٨، ٢٢٤ - ٢٣١، ٢٤٤) (٦/ ١٥ - ١٧). الرواية السابعة: الروايات الموجودة ضمن كتب التاريخ والتراجم، وهي كثيرة جداً، وغالبها يذكر مجمل الأحداث، ولا يذكر شيئاً من تفاصيلها، كرواية

стр. 444

ابن كثير، والذهبي، وابن عبد الهادي، وابن رجب، والمقريزي (١)، وشهاب الدين النويري (٢)، وقطب الدين اليونيني (٣)، وابن أيبك (٤)، وابن حجر والشوكاني، وغيرهم. وقد اعتمدت في ذكر نص المناظرة على الرواية الأولى التي جاءت ضمن مجموع الفتاوى؛ لأنها أوسع الروايات وأشهرها، وأكثرها شمولاً للأحداث التي جرت، ثم قمت بإضافة الزيادات المذكورة في غيرها من الروايات، وجعلتها بين معكوفتين، واجتهدت بوضعها في المكان المناسب ضمن المناظرة (٥)، مع الإحالة في الحاشية إلى مصدر كل زيادة، محاولاً بذلك أن يكون النص المذكور جامعاً لكل ما ورد في هذه المناظرة برواياتها المتفاوتة ومصادرها المختلفة، بحيث يستغني القارئ بالرواية المذكورة عن الرجوع إلى الروايات والمصادر الأخرى، والله ولي التوفيق.

стр. 445

• نص المناظرة: قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: «بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير له ولا معين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي أرسله إلى الخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وعلى سائر عباد الله الصالحين. أما بعد: فقد سُئلت غير مرة أن أكتب ما حضرني ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة في أمر الاعتقاد [بالقصر الأبلق] (١)؛ بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد [جمال الدين الأفرم] (٢)؛ لما سعى إليه قوم من الجهمية والاتحادية والرافضة وغيرهم من ذوي الأحقاد (٣)؛

стр. 446

فأمر الأمير بجمع القضاة الأربعة: قضاة المذاهب الأربعة، وغيرهم من نوابهم، والمفتين والمشايخ، ممن له حرمة وبه اعتداد، وهم لا يدرون ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد (١). وذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة، فقال لي: هذا المجلس عقد لك؛ فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك، وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد. وأظنه قال: وأن أجمع القضاة والفقهاء وتتباحثون في ذلك. فقلت: أما الاعتقاد: فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني؛ بل يؤخذ عن الله ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم، وأما الكتب: فما كتبت إلى أحد كتاباً ابتداءً أدعوه به إلى شيء من ذلك، ولكني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني: من أهل الديار المصرية وغيرهم، وكان قد بلغني أنه زُوِّرَ عليَّ كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير أستاذ دار السلطان يتضمن ذكر عقيدة

стр. 447

محرفة ولم أعلم بحقيقته؛ لكن علمت أنه مكذوب، وكان يرد علي من مصر وغيرها من يسألني عن مسائل في الاعتقاد وغيره فأجيبه بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. فقال: نريد أن تكتب لنا عقيدتك. فقلت: اكتبوا. فأمر الشيخ كمال الدين: أن يكتب؛ وكتبت (١) له جمل الاعتقاد في أبواب الصفات والقدر ومسائل الإيمان والوعيد والإمامة والتفضيل. وهو أن اعتقاد أهل السنة والجماعة: الإيمان بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، والإيمان بأن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه أمر بالطاعة وأحبها ورضيها، ونهى عن المعصية وكرهها، والعبد فاعل حقيقة والله خالق فعله، وأن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص، وأن لا نكفر أحداً من أهل القبلة بالذنوب، ولا نخلد في النار من أهل الإيمان أحداً، وأن الخلفاء بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، (ومن قدم علياً على عثمان: فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) (٢)، وذكرت هذا أو نحوه؛ فإني الآن قد بعد عهدي ولم أحفظ لفظ ما أمليته؛ لكنه كتب إذ ذاك. ثم قلت للأمير والحاضرين: أنا أعلم أن أقواماً يكذبون عليَّ؛ كما قد كذبوا عليَّ غير مرة، وإن أمليتُ الاعتقاد من حفظي: ربما يقولون كتم بعضه، أو داهن ودارى؛ فأنا أُحضر عقيدة مكتوبة، من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى

стр. 448

الشام (١). وقلت قبل حضورها كلاماً قد بعد عهدي به وغضبت غضباً شديداً؛ لكني أذكر أني قلت: أنا أعلم أن أقواماً كذبوا علي، وقالوا للسلطان أشياء (٢)، وتكلمت بكلام احتجت إليه؛ مثل أن قلت: من قام بالإسلام أوقات الحاجة غيري؟! ومن الذي أوضح دلائله وبينه؟! وجاهد أعداءه وأقامه لما مال؟! حين تخلى عنه كل أحد؛ ولا أحد ينطق بحجته ولا أحد يجاهد عنه وقمت مظهراً لحجته مجاهداً عنه مرغباً فيه، فإذا كان هؤلاء يطمعون في الكلام فيَّ، فكيف يصنعون بغيري؟! ولو أن يهودياً طلب من السلطان الإنصاف: لوجب عليه أن ينصفه، وأنا قد أعفو عن حقي وقد لا أعفو، بل قد أطلب الإنصاف منه، وأن يُحضر هؤلاء الذين يكذبون؛ ليُحاققوا (٣) على افترائهم، وقلت كلاماً أطول من هذا الجنس، لكن بَعُدَ عهدي به. فأشار الأمير إلى كاتب الدرج (٤) محيي الدين (٥): بأن يكتب ذلك. وقلت

стр. 449

أيضاً: كل من خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه! وما أدري هل قلت هذا قبل حضورها أو بعده؟ لكنني قلت أيضاً بعد حضورها وقراءتها: ما ذكرت فيها فصلاً، إلا وفيه مخالف من المنتسبين إلى القبلة، وكل جملة فيها خلاف لطائفة من الطوائف. ثم أرسلت من أحضرها ومعها كراريس بخطي من المنزل فحضرت العقيدة الواسطية، وقلت لهم: هذه كان سبب كتابتها أنه قدم علي من أرض واسط (١) بعض قضاة نواحيها شيخ يقال له: رضي الدين الواسطي (٢) من أصحاب الشافعي، قدم علينا حاجاً [من نحو عشر سنين] (٣)، وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد وفي دولة التتر من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته، فاستعفيت من ذلك وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة؛ فخذ بعض عقائد أئمة السنة. فألح في السؤال وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت. فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر وقد انتشرت بها نسخ كثيرة؛ في مصر؛ والعراق؛ وغيرهما، [لئلا يستطيع أحد أن يغير بعض النسخ] (٤). فأشار الأمير بأن لا أقرأها أنا؛ [لدفع] (٥) الريبة وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين فقرأها على الحاضرين حرفاً حرفاً، والجماعة الحاضرون يسمعونها،

стр. 450

ويورد المورد منهم ما شاء ويعارض فيما شاء، والأمير أيضا يسأل عن مواضع فيها، وقد علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين من الخلاف والهوى، ما قد علم الناس بعضه، وبعضه بسبب الاعتقاد، وبعضه بغير ذلك (١). ولا يمكن ذكر ما جرى من الكلام والمناظرات: في هذه المجالس فإنه كثير لا ينضبط؛ لكن أكتب ملخص ما حضرني من ذلك مع بعد العهد بذلك، ومع أنه كان يجري رفع أصوات ولغط (٢) لا ينضبط. فكان مما اعترض [عليه] (٣) بعضهم لما ذُكِرَ في أولها: «ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل». فقال: ما المراد بالتحريف والتعطيل؟ ومقصوده أن هذا ينفي التأويل الذي أثبته أهل التأويل الذي هو: صرف اللفظ عن ظاهره، إما وجوباً وإما جوازاً. فقلت: تحريف الكلم عن مواضعه كما ذمه الله تعالى في كتابه: وهو إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى، مثل: تأويل بعض الجهمية (٤) لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، أي: جرحه بأظافير الحكمة تجريحاً (٥)! ومثل:

стр. 451

تأويلات القرامطة والباطنية وغيرهم من: الجهمية والرافضة والقدرية وغيرهم، فسكت -وفي [نفسه] (١) ما فيها. وذكرت في غير هذا المجلس: أني عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف؛ لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة، فنفيت ما ذمه الله من التحريف، ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفي ولا إثبات؛ لأنه لفظ له عدة معان كما بينته في موضعه من القواعد؛ فإن معنى لفظ: (التأويل) في كتاب الله غير معنى لفظ التأويل في اصطلاح المتأخرين، من أهل الأصول والفقه وغير معنى لفظ التأويل في اصطلاح كثير من أهل التفسير والسلف؛ [ولأن] (٢) من المعاني التي قد تسمى تأويلا ما هو صحيح منقول عن بعض السلف؛ فلم أنف ما تقوم الحجة على صحته فإذا ما قامت الحجة على صحته وهو منقول عن السلف: فليس من التحريف. وقلت له أيضاً: ذكرت في النفي التمثيل ولم أذكر التشبيه؛ لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وكان أحب إلي من لفظٍ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وإن كان قد يعنى بنفيه معنى صحيح كما قد يعنى به معنى فاسد. ولما ذكرت: أنهم «لا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته»، جعل بعض الحاضرين يتمعض من ذلك؛ لاستشعاره ما في ذلك من الرد الظاهر عليه؛ ولكن لم يتوجه له ما يقوله، وأراد أن يدور بالأسئلة التي أعلمها، فلم يتمكن لعلمه بالجواب. ولما ذكرت: آية الكرسي، أظنه سأل الأمير عن قولنا: «لا يقربه شيطان حتى

стр. 452

يصبح» (١)، فذكرت: حديث أبي هريرة في الذي كان يسرق صدقة الفطر، وذكرت أن البخاري رواه في صحيحه (٢). وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم، ويطنبون في هذا ويعرضون لما (٣) ينسبه بعض الناس إلينا من ذلك. فقلت: قولي «من غير تكييف ولا تمثيل»: ينفي كل باطل وإنما اخترت هذين الاسمين؛ لأن التكييف مأثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة (٤)، ومالك، وابن عيينة (٥) وغيرهم المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (٦)، فاتفق هؤلاء السلف: على أن التكييف (٧) غير معلوم لنا فنفيت ذلك اتباعاً لسلف الأمة. وهو أيضا منفي بالنص فإن تأويل آيات الصفات، يدخل فيها حقيقة الموصوف وحقيقة صفاته، وهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، كما قد

стр. 453

قررت ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في "التأويل والمعنى، والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله"، وكذلك التمثيل: منفي بالنص والإجماع القديم مع دلالة العقل على نفيه ونفي التكييف، إذ كنه الباري غير معلوم للبشر، وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابي (١) [وأبو بكر الخطيب (٢)، وغيرهما أن

стр. 454

مذهب السلف] (١) هو إجراء آيات الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، إذ الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات، إثبات وجود لا إثبات تكييف فكذلك إثبات الصفات، إثبات وجود لا إثبات تكييف، [فلا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا أنَّ معنى السمع العلم، ولا نُشبِّهها بأيدي المخلوقين وأسماعهم ونجعلُها جوارحَ وأدواتٍ للفعل] (٢). فقال أحد كبار المخالفين (٣): فحينئذ يجوز أن يقال: هو جسم لا كالأجسام. فقلت له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين: إنما قيل إنه يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم حتى يلزم هذا السؤال، [وأول من قال إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي (٤) (٥). وأخذ بعض القضاة الحاضرين والمعروفين بالديانة: يريد إظهار أن ينفي عنا ما يقول وينسبه البعض إلينا، فجعل يزيد في المبالغة في نفي التشبيه والتجسيم. فقلت: ذكرت فيها في غير موضع «من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل»، وقلت في صدرها: «ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل» ثم قلت: «وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك» إلى أن قلت: «إلى

стр. 455

أمثال هذه الأحاديث الصحاح التي يخبر فيها رسول الله بما يخبر به؛ فإن الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم وسط (١) في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم، فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وبين أهل التمثيل المشبهة». ولما رأى هذا الحاكم العدل ممالأتهم وتعصبهم، ورأى قلة العارف الناصر وخافهم، قال: أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد، فتقول (٢) هذا اعتقاد أحمد: يعني والرجل يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه، فإن هذا مذهب متبوع، وغرضه بذلك قطع مخاصمة الخصوم. فقلت: ما جمعت (٣) إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاء به النبي ﷺ ، ولو قال أحمد (٤) من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله، وهذه عقيدة محمد ﵊. وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) يخالف ما ذكرته، فأنا أرجع عن ذلك وعلي أن آتي بنقول جميع الطوائف عن (٥) القرون الثلاثة توافق ما ذكرته: من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والأشعرية، وأهل الحديث، والصوفية، وغيرهم، [وقلتُ: من أنكر من ذلك

стр. 456

شيئًا فليكتُب خطَّه بما ينكره، ولينقلْ ذلك عن سلف الأمة، ويذكر مستنده، أو ليكتبْ عقيدةً تُناقض هذه، وتُعرَضُ الثنتانِ على سلطان المسلمين] (١). وقلت أيضاً: في غير هذا المجلس: الإمام أحمد ﵀ لما انتهى إليه من السنة ونصوص رسول الله ﷺ أكثر مما انتهى إلى غيره، وابتلي بالمحنة والرد على أهل البدع أكثر من غيره، كان كلامه وعلمه في هذا الباب أكثر من غيره، فصار إماما في السنة أظهر من غيره، وإلا فالأمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة -العلماء الصلحاء- قال: (المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد بن حنبل) (٢)، يعني أن الذي كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام، وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان وإظهار الحق ودفع الباطل، ما ليس لبعض. ولما جاء فيها: «وما وصف به النبي ربه في الأحاديث الصحاح: التي تلقاها أهل العلم بالقبول … » ولما جاء حديث أبى سعيد المتفق عليه في الصحيحين (٣) عن النبي - ﷺ يقول الله يوم القيامة: (يا آدم فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تبعث بعثا إلى النار) الحديث. سألهم الأمير هل هذا الحديث صحيح؟ فقلت: نعم. هو في الصحيحين، ولم يخالف في ذلك أحد. واحتاج المنازع إلى الإقرار به، ووافق الجماعة على ذلك. [فأخذ نائب المالكي يقول: أنت تقول: إن الله ينادي بصوت!

стр. 457

فقال له الشيخ: هكذا قال نبيك إن كنت مؤمناً به، وهكذا قال محمد بن عبدالله إن كان رسولا عندك!] (١). [فقال آخر: الحديث (يُنادَى)؟ فقلتُ: أما غالبُ الرواة، فإنهم قالوا: «يُنادِي»، وقد رواه بعضهم «يُنادَى» كما حكاه القاضي عياض (٢)، ولا منافاة، فإن الروايتين الصحيحتين في الحديث كالقراءتين الصحيحتين في القراءات، فذلك مثل قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف:٤٧]، (وتُسَيَّرُ الجبالُ) (٣) (٤). وطلب الأمير الكلام في مسألة الحرف والصوت؛ لأن ذلك طُلب منه. فقلت: هذا الذي يحكيه كثير من الناس عن الإمام أحمد وأصحابه أن صوت القارئين ومداد المصاحف قديم أزلي، كما نقله مجد الدين ابن الخطيب (٥) وغيره، كذب مفترى، لم يقل ذلك أحمد ولا أحد من علماء المسلمين، لا من أصحاب أحمد ولا غيرهم، [وفساد هذا معلوم بالحس] (٦) [ولا يقوله عاقل] (٧)، وأخرجت كراساً قد أحضرته مع العقيدة، فيه ألفاظ أحمد مما ذكره الشيخ أبوبكر الخلال (٨) في كتاب السنة عن الإمام أحمد، وما جمعه صاحبه أبو بكر

стр. 458

المروذي (١)، من كلام الإمام أحمد وكلام أئمة زمانه وسائر أصحابه [في] (٢) أن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع (٣). قلت: وهذا هو الذي نقله الأشعري (٤) في كتاب المقالات عن أهل السنة وأصحاب الحديث وقال: إنه يقول به (٥). قلت: فكيف بمن يقول: لفظي قديم؟! فكيف بمن يقول: صوتي غير مخلوق؟! فكيف بمن يقول: صوتي قديم؟! ونصوص الإمام أحمد في الفرق بين تكلم الله بصوت وبين صوت العبد كما نقله البخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد وغيره من أئمة السنة (٦). وأحضرت جواب مسألة كنت سُئلت عنها قديماً [من نحو اثني عشر سنة] (٧)، فيمن "حلف بالطلاق في مسألة الحرف والصوت ومسألة الظاهر في العرش" (٨)، فذكرت من الجواب

стр. 459

القديم في هذه المسألة وتفصيل القول فيها، وأن إطلاق القول أن القرآن هو الحرف والصوت أو ليس بحرف ولا صوت، كلاهما بدعة حدثت بعد المائة الثالثة، [لم يتكلم الإمام أحمد ولا غيره من الأئمة بهذا التركيب نفياً ولا إثباتاً] (١). وقلت: هذا جوابي. وكانت هذه المسألة: قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة ممن كان بعضهم حاضراً في المجلس فلما وصل إليهم الجواب أسكتهم، وكانوا قد ظنوا أني إن أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله، حصل مقصودهم من الشناعة، وإن أجبت بما يقولونه هم، حصل مقصودهم من الموافقة، فلما أجيبوا بالفرقان الذي عليه أهل السنة، وليس هو ما يقولونه هم، ولا ما ينقلونه عن أهل السنة، [أو قد] (٢) يقوله بعض الجهال، بهتوا لذلك. وفيه: أن القرآن كله كلام الله حروفه ومعانيه ليس القرآن اسماً لمجرد الحروف ولا لمجرد المعاني (٣). وقلت في ضمن الكلام لصدر الدين بن الوكيل -لبيان كثرة تناقضه، وأنه لا يستقر على مقالة واحدة، وإنما يسعى في الفتن والتفريق بين المسلمين-: عندي عقيدة للشيخ أبي البيان (٤) فيها: «أن من قال: إن حرفاً من القرآن مخلوق

стр. 460

فقد كفر». وقد كتبت عليها بخطك: أن هذا مذهب الشافعي وأئمة أصحابه، وأنك تدين الله بها. فاعترف بذلك، فأنكر عليه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني ذلك. فقال ابن الوكيل: هذا نص الشافعي. وراجعه في ذلك مراراً. فلما اجتمعنا في المجلس الثاني: ذُكِرَ لابن الوكيل أن ابن درباس (١) نقل في كتاب (الانتصار) (٢) عن الشافعي مثل ما نقلت. فلما كان في المجلس الثالث: أعاد ابن الوكيل الكلام في ذلك. فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين بن الوكيل: قد قلت في ذلك المجلس للشيخ تقي الدين: إنَّه من قال: إن حرفاً من القرآن مخلوق فهو كافر، فأعاده مراراً فغضب هنا الشيخ كمال الدين غضباً شديداً ورفع صوته، وقال: هذا يكفر أصحابنا المتكلمين الأشعرية الذين يقولون: إن حروف القرآن مخلوقة، مثل إمام الحرمين (٣) وغيره، وما نصبر على تكفير أصحابنا، فأنكر ابن الوكيل أنه قال ذلك. وقال: ما قلت
следующие страницы →