← Акыда

Акыда · id 902

المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية

هيثم الحمري

Полный текст (731 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

شيئًا فليكتُب خطَّه بما ينكره، ولينقلْ ذلك عن سلف الأمة، ويذكر مستنده، أو ليكتبْ عقيدةً تُناقض هذه، وتُعرَضُ الثنتانِ على سلطان المسلمين] (١). وقلت أيضاً: في غير هذا المجلس: الإمام أحمد ﵀ لما انتهى إليه من السنة ونصوص رسول الله ﷺ أكثر مما انتهى إلى غيره، وابتلي بالمحنة والرد على أهل البدع أكثر من غيره، كان كلامه وعلمه في هذا الباب أكثر من غيره، فصار إماما في السنة أظهر من غيره، وإلا فالأمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة -العلماء الصلحاء- قال: (المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد بن حنبل) (٢)، يعني أن الذي كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام، وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان وإظهار الحق ودفع الباطل، ما ليس لبعض. ولما جاء فيها: «وما وصف به النبي ربه في الأحاديث الصحاح: التي تلقاها أهل العلم بالقبول … » ولما جاء حديث أبى سعيد المتفق عليه في الصحيحين (٣) عن النبي - ﷺ يقول الله يوم القيامة: (يا آدم فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تبعث بعثا إلى النار) الحديث. سألهم الأمير هل هذا الحديث صحيح؟ فقلت: نعم. هو في الصحيحين، ولم يخالف في ذلك أحد. واحتاج المنازع إلى الإقرار به، ووافق الجماعة على ذلك. [فأخذ نائب المالكي يقول: أنت تقول: إن الله ينادي بصوت!

стр. 457

فقال له الشيخ: هكذا قال نبيك إن كنت مؤمناً به، وهكذا قال محمد بن عبدالله إن كان رسولا عندك!] (١). [فقال آخر: الحديث (يُنادَى)؟ فقلتُ: أما غالبُ الرواة، فإنهم قالوا: «يُنادِي»، وقد رواه بعضهم «يُنادَى» كما حكاه القاضي عياض (٢)، ولا منافاة، فإن الروايتين الصحيحتين في الحديث كالقراءتين الصحيحتين في القراءات، فذلك مثل قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف:٤٧]، (وتُسَيَّرُ الجبالُ) (٣) (٤). وطلب الأمير الكلام في مسألة الحرف والصوت؛ لأن ذلك طُلب منه. فقلت: هذا الذي يحكيه كثير من الناس عن الإمام أحمد وأصحابه أن صوت القارئين ومداد المصاحف قديم أزلي، كما نقله مجد الدين ابن الخطيب (٥) وغيره، كذب مفترى، لم يقل ذلك أحمد ولا أحد من علماء المسلمين، لا من أصحاب أحمد ولا غيرهم، [وفساد هذا معلوم بالحس] (٦) [ولا يقوله عاقل] (٧)، وأخرجت كراساً قد أحضرته مع العقيدة، فيه ألفاظ أحمد مما ذكره الشيخ أبوبكر الخلال (٨) في كتاب السنة عن الإمام أحمد، وما جمعه صاحبه أبو بكر

стр. 458

المروذي (١)، من كلام الإمام أحمد وكلام أئمة زمانه وسائر أصحابه [في] (٢) أن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع (٣). قلت: وهذا هو الذي نقله الأشعري (٤) في كتاب المقالات عن أهل السنة وأصحاب الحديث وقال: إنه يقول به (٥). قلت: فكيف بمن يقول: لفظي قديم؟! فكيف بمن يقول: صوتي غير مخلوق؟! فكيف بمن يقول: صوتي قديم؟! ونصوص الإمام أحمد في الفرق بين تكلم الله بصوت وبين صوت العبد كما نقله البخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد وغيره من أئمة السنة (٦). وأحضرت جواب مسألة كنت سُئلت عنها قديماً [من نحو اثني عشر سنة] (٧)، فيمن "حلف بالطلاق في مسألة الحرف والصوت ومسألة الظاهر في العرش" (٨)، فذكرت من الجواب

стр. 459

القديم في هذه المسألة وتفصيل القول فيها، وأن إطلاق القول أن القرآن هو الحرف والصوت أو ليس بحرف ولا صوت، كلاهما بدعة حدثت بعد المائة الثالثة، [لم يتكلم الإمام أحمد ولا غيره من الأئمة بهذا التركيب نفياً ولا إثباتاً] (١). وقلت: هذا جوابي. وكانت هذه المسألة: قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة ممن كان بعضهم حاضراً في المجلس فلما وصل إليهم الجواب أسكتهم، وكانوا قد ظنوا أني إن أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله، حصل مقصودهم من الشناعة، وإن أجبت بما يقولونه هم، حصل مقصودهم من الموافقة، فلما أجيبوا بالفرقان الذي عليه أهل السنة، وليس هو ما يقولونه هم، ولا ما ينقلونه عن أهل السنة، [أو قد] (٢) يقوله بعض الجهال، بهتوا لذلك. وفيه: أن القرآن كله كلام الله حروفه ومعانيه ليس القرآن اسماً لمجرد الحروف ولا لمجرد المعاني (٣). وقلت في ضمن الكلام لصدر الدين بن الوكيل -لبيان كثرة تناقضه، وأنه لا يستقر على مقالة واحدة، وإنما يسعى في الفتن والتفريق بين المسلمين-: عندي عقيدة للشيخ أبي البيان (٤) فيها: «أن من قال: إن حرفاً من القرآن مخلوق

стр. 460

فقد كفر». وقد كتبت عليها بخطك: أن هذا مذهب الشافعي وأئمة أصحابه، وأنك تدين الله بها. فاعترف بذلك، فأنكر عليه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني ذلك. فقال ابن الوكيل: هذا نص الشافعي. وراجعه في ذلك مراراً. فلما اجتمعنا في المجلس الثاني: ذُكِرَ لابن الوكيل أن ابن درباس (١) نقل في كتاب (الانتصار) (٢) عن الشافعي مثل ما نقلت. فلما كان في المجلس الثالث: أعاد ابن الوكيل الكلام في ذلك. فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين بن الوكيل: قد قلت في ذلك المجلس للشيخ تقي الدين: إنَّه من قال: إن حرفاً من القرآن مخلوق فهو كافر، فأعاده مراراً فغضب هنا الشيخ كمال الدين غضباً شديداً ورفع صوته، وقال: هذا يكفر أصحابنا المتكلمين الأشعرية الذين يقولون: إن حروف القرآن مخلوقة، مثل إمام الحرمين (٣) وغيره، وما نصبر على تكفير أصحابنا، فأنكر ابن الوكيل أنه قال ذلك. وقال: ما قلت

стр. 461

ذلك، وإنما قلت أن من أنكر حرفاً من القرآن فقد كفر، فرد ذلك عليه الحاضرون وقالوا: ما قلت إلا كذا وكذا، وقالوا: ما ينبغي لك أن تقول قولاً وترجع عنه. وقال بعضهم: ما قال هذا. فلما حرفوا: قال: ما سمعناه قال هذا، حتى قال نائب السلطان: واحد يُكْذِّبْ وآخر يشهد! والشيخ كمال الدين مغضب فالتفت إلى قاضي القضاة نجم الدين الشافعي (١) يستصرخه للانتصار على ابن الوكيل حيث كفر أصحابه. فقال القاضي نجم الدين: ما سمعت هذا؟! (٢)، فغضب الشيخ كمال الدين وقال كلاماً لم أضبط لفظه إلا أن معناه: أن هذا غضاضة على الشافعي، وعار عليهم أن أئمتهم يكفرون ولا ينتصر لهم. ولم أسمع من الشيخ كمال الدين ما قال في حق القاضي نجم الدين، واستثبت غيري ممن حضر هل سمع منه في حقه شيئاً؟ فقالوا: لا. لكن القاضي اعتقد أن التعيير لأجله (٣)، ولكونه قاضي المذهب ولم ينتصر لأصحابه، وأن الشيخ كمال الدين قصده ذلك. فغضب قاضي القضاة نجم الدين. وقال: اشهدوا علي أني عزلت نفسي، وأخذ يذكر ما يستحق به التقديم والاستحقاق، وعفته عن التكلم في أعراض الجماعة، ويستشهد بنائب السلطان في ذلك. وقلت له كلاماً مضمونه تعظيمه واستحقاقه، لدوام المباشرة في هذه الحال.

стр. 462

ولما جاءت مسألة القرآن: «ومن الإيمان به الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود» نازع بعضهم في كونه (منه بدأ وإليه يعود)، وطلبوا تفسير ذلك. فقلت: أما هذا القول: فهو المأثور الثابت عن السلف مثل ما نقله عمرو بن دينار قال: (أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود) (١)، وقد جمع غير واحد ما في ذلك من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين كالحافظ أبي الفضل بن ناصر (٢)، والحافظ أبي عبد الله المقدسي (٣)، وأما معناه: فإن قولهم: (منه بدأ) أي: هو المتكلم به، وهو الذي أنزله من لدنه، ليس هو كما تقول الجهمية: أنه خلق في [الهواء] (٤) أو غيره، أو بدأ من عند غيره. وأما (إليه يعود): فإنه يسري به في آخر الزمان من المصاحف والصدور، فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف، ووافق على ذلك غالب الحاضرين، وسكت المنازعون. وخاطبت بعضهم في غير هذا المجلس

стр. 463

بأن أريته العقيدة التي جمعها الإمام القادري (١)، التي فيها أن القرآن كلام الله خرج منه فتوقف في هذا اللفظ. فقلت: هكذا قال النبي - ﷺ : (ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه) (٢)، يعني: القرآن. وقال خباب بن الأرت: (يا هنَتَاه تقرب إلى الله بما استطعت فلن يتقرب (٣) إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه) (٤). وقال أبو بكر الصديق -لما قرأ قرآن مسيلمة الكذاب-: "إن هذا الكلام لم يخرج من إل - يعني رب -" (٥). وجاء فيها: «ومن الإيمان به (٦): الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن -الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف: لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً، لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً»، فتمعض (٧) بعضهم من إثبات كونه كلام الله حقيقة، بعد تسليمه أن الله تعالى تكلم به حقيقة، ثم إنه سلم ذلك لما بُين له: أن المجاز

стр. 464

يصح نفيه وهذا لا يصح نفيه، ولما بُين له أن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم، وشعر الشعراء المضاف إليهم: هو كلامهم حقيقة، فلا يكون نسبة القرآن إلى الله بأقل من ذلك. فوافق الجماعة كلهم على ما ذكر في مسألة القرآن وأن الله تكلم حقيقة، وأن القرآن كلام الله حقيقة لا كلام غيره. ولما ذُكر فيها: «أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغا مؤدياً»، استحسنوا هذا الكلام وعظموه، وأخذ أكبر (١) الخصوم يظهر تعظيم هذا الكلام -كابن الوكيل وغيره- وأظهر الفرح بهذا التلخيص، وقال: إنك قد أزلت عنا هذه الشبهة وشفيت الصدور. ويذكر أشياء من هذا النمط. ولما جاء ما ذكر من الإيمان باليوم الآخر وتفصيله ونظمه: استحسنوا ذلك وعظموه. وكذلك لما جاء ذكر الإيمان بالقدر، وأنه على درجتين إلى غير ذلك مما [فيه] (٢) من القواعد الجليلة. وكذا لما جاء ذكر الكلام في الفاسق الملي وفي الإيمان، لكن اعُترِض على ذلك بما سأذكره. وكان مجموع ما اعترض به المنازعون المعاندون بعد انقضاء قراءة جميعها، والبحث فيها عن أربعة أسئلة: الأول: قولنا: «ومن أصول الفرقة الناجية: أن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح». قالوا: فإذا قيل: إن هذا من أصول الفرقة الناجية خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك، مثل أصحابنا المتكلمين الذين يقولون: إن الإيمان هو التصديق. ومن يقول الإيمان: هو التصديق والإقرار. وإذا لم يكونوا من الناجين لزم أن يكونوا هالكين.

стр. 465

وأما الأسئلة الثلاثة (١): وهي التي كانت عمدتهم، فأوردوها على قولنا: «وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله في كتابه وتواتر عن رسول الله وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليٌّ على خلقه، وهو [سبحانه] (٢) معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]. وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق؛ فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر أينما كان وغير المسافر (٣). وهو (٤) سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع إليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله تعالى (٥) من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان [عن] (٦) الظنون الكاذبة». السؤال الثاني (٧): قال بعضهم: نقر باللفظ الوارد مثل حديث العباس حديث الأوعال: (والله فوق العرش) (٨)، ولا نقول فوق السموات ولا نقول على العرش.

стр. 466

[فقلت: المعنى واحدٌ، مع أن في الحديث أيضًا «فوق السماوات» (١) (٢)، وقالوا أيضاً: نقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ ولا نقول الله على العرش استوى، ولا نقول مستو. وأعادوا هذا المعنى مرارًا، أي أن اللفظ الذي ورد يقال اللفظ بعينه، ولا يبدل بلفظ يرادفه ولا يفهم له معنى أصلا، ولا يقال: إنه يدل على صفة لله أصلاً. ونبسط الكلام في هذا في المجلس الثاني كما سنذكره -إن شاء الله تعالى-. السؤال الثالث (٣): قالوا: التشبيه بالقمر فيه تشبيه كون الله في السماء بكون القمر في السماء؟ السؤال الرابع (٤): قالوا: قولك "حق على حقيقته" الحقيقة هي المعنى اللغوي، ولا يفهم من الحقيقة اللغوية إلا استواء الأجسام وفوقيتها، ولم تضع العرب ذلك إلا لها، فإثبات الحقيقة هو محض التجسيم، ونفي التجسيم مع هذا تناقض أو مصانعة؟ (٥)

стр. 467

فأجبتهم عن الأسئلة بأن: قولي: «اعتقاد الفرقة الناجية»: هي الفرقة التي وصفها النبي ﷺ بالنجاة، حيث قال: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم

стр. 468

وأصحابي) (١)، [مع أن هذا السؤال لا يرد؛ لأني إنما قلت: إن الدين والإيمان قول وعمل، وهذا متفق عليه لا خلاف أن مجموع الدين قول وعمل، لكني قلت: أنا ذكرت اعتقاد السلف المنقول عن الصحابة والتابعين، ومذهبهم الثابت عنهم أن الإيمان قول وعمل] (٢) فهذا الاعتقاد هو المأثور عن النبي وأصحابه ﵃، وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية؛ فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال: «الإيمان يزيد وينقص» (٣). وكل ما ذكرته في ذلك، فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه، وإذا خالفهم من بعدهم [لم] (٤) يضر في ذلك. ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكاً؛ فإن المنازع قد يكون مجتهداً مخطئاً يغفر الله [له] (٥) خطأه [كسائر من يخالف بعض الأحاديث الصحيحة لاجتهادٍ سائغٍ؛ فإن المجتهد المصيب له أجرانِ، والمجتهد المخطئ له أجرٌ] (٦)، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول [والتائب] (٧)، وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى (٨)، بل موجب هذا الكلام أن

стр. 469

من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجياً، وقد لا يكون ناجياً، كما يقال: (من صمت نجا) (١)، [وكنت أبين لهم أن ما نقُل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين. وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة: (الوعيد)؛ فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠] الآية، وكذلك سائر ما ورد من فعل كذا فله كذا، فإن هذه مطلقة عامة، وهي بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا: فهو كذا، ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه: بتوبة أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة. والتكفير هو من الوعيد؛ فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة. ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة. وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا، وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت. قال خشيتك: فغفر له) (٢)، فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه

стр. 470

لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا] (١). وأما السؤال الثاني: فأجبتهم أولا: بأن كل لفظ قلته فهو مأثور عن النبي ﷺ ، مثل: لفظ فوق السموات، ولفظ على العرش، وفوق العرش. وقلت: اكتبوا الجواب فأخذ الكاتب في كتابته، ثم قال بعض الجماعة: قد طال المجلس اليوم [وكان المجلس قد طال من الضحى إلى قريب العصر] (٢)، فيؤخر هذا إلى مجلس آخر وتكتبون أنتم الجواب وتحضرونه في ذلك المجلس، فأشار بعض الموافقين بأن يتمم الكلام بكتابة الجواب، لئلا تنتشر أسئلتهم واعتراضهم، وكان الخصوم لهم غرض (٣) في تأخير كتابة الجواب ليستعدوا لأنفسهم ويطالعوا، ويحضروا من غاب من أصحابهم، ويتأملوا العقيدة فيما بينهم، ليتمكنوا من الطعن والاعتراض، فحصل الاتفاق على أن يكون تمام الكلام يوم الجمعة وقمنا على ذلك. وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة: ما أعز الله به [أهل] (٤) السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة، وفي نفوس كثير من الناس أمور لما يحدث في المجلس الثاني. وأخذوا في تلك الأيام يتأملونها، ويتأملون ما أجبت به في مسائل تتعلق بالاعتقاد، مثل (المسألة الحموية في الاستواء والصفات الخبرية) وغيرها.

стр. 471

فصل فلما كان المجلس الثاني: يوم الجمعة [بعد صلاة الجمعة] (١) في اثني عشر رجب، [وكان يوماً عظيماً مشهوداً، بين فيه للحاضرين من البحث والنقل أمر عظيم] (٢)، وقد أحضروا أكثر (٣) شيوخهم ممن لم يكن حاضراً ذلك المجلس، وأحضروا معهم زيادة صفي الدين الهندي (٤)، وقالوا: هذا أفضل الجماعة وشيخهم في علم الكلام، [وعليه اشتغل الناس في هذا الفن، واتفقوا على أنه يتكلم مع الشيخ وحده فإذا فرغ تكلم واحد بعد واحد] (٥). وبحثوا فيما بينهم (٦)، واتفقوا وتواطئوا، وحضروا بقوة واستعداد غير ما كانوا عليه؛ لأن المجلس

стр. 472

الأول أتاهم بغتة، وإن كان أيضا بغتة للمخاطب الذي هو المسئول والمجيب والمناظر. فلما اجتمعنا: وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن (١) أسئلتهم المتقدمة الذي طلبوا تأخيره إلى اليوم: حمدت الله بخطبة الحاجة خطبة ابن مسعود ﵁، ثم قلت: إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف. وقال لنا في القرآن: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]، وربنا واحد وكتابنا واحد ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين، وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفني بعد ذلك: كشفت له الأسرار، وهتكت الأستار، وبينت المذاهب الفاسدة التي أفسدت الملل والدول، وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأعرفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس، فإن للسلم كلاماً وللحرب كلاماً. وقلت: لا شك أن الناس يتنازعون، يقول هذا: أنا حنبلي، ويقول هذا: أنا أشعري، ويجري بينهم تفرق وفتن واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها. وأنا قد أحضرت ما يبين اتفاق المذاهب فيما ذكرته (٢)، وأحضرت كتاب: (تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀) تأليف: الحافظ أبي القاسم بن عساكر (٣) ﵀ وقلت: لم يصنف في أخبار الأشعري المحمودة

стр. 473

كتاب مثل هذا. وقد ذكر فيه لفظه الذي ذكره في كتابه (الإبانة) (١). فلما انتهيت إلى ذكر المعتزلة: سأل الأمير عن معنى المعتزلة فقلت: كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملي، وهو أول اختلاف حدث في الملة، هل هو كافر أو مؤمن؟ فقالت الخوارج: إنه كافر. وقالت الجماعة: إنه مؤمن. وقالت طائفة: نقول هو فاسق لا مؤمن ولا كافر ننزله منزلة بين المنزلتين، وخلدوه في النار واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه -رحمه الله تعالى- فسموا معتزلة. وقال الشيخ الكبير (٢) [بِجَبَهٍ وردٍّ] (٣): ليس كما قلت، ولكن أول مسألة اختلف

стр. 474

فيها المسلمون مسألة الكلام، وسمي المتكلمون متكلمين؛ لأجل تكلمهم في ذلك. وكان أول من قالها عمرو بن عبيد (١)، ثم خلفه بعد موته عطاء بن واصل. هكذا قال! وذكر نحواً من هذا. فغضبت عليه وقلت: أخطأت، وهذا كذب مخالف للإجماع. وقلت له: لا أدب ولا فضيلة، لا تأدبت معي في الخطاب، ولا أصبت في الجواب. ثم قلت: الناس اختلفوا في مسألة الكلام في خلافة المأمون (٢)، وبعدها في أواخر المائة الثانية، وأما المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير في زمن عمرو بن عبيد، بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية، ولم يكن أولئك قد تكلموا في مسألة الكلام ولا تنازعوا فيها، وإنما أول بدعتهم تكلمهم في مسائل الأسماء والأحكام والوعيد. فقال: هذا ذكره الشهرستاني (٣) في كتاب: (الملل والنحل).

стр. 475

فقلت: الشهرستاني ذكر ذلك في اسم المتكلمين لِمَ سُموا متكلمين؟ لم يذكره في اسم المعتزلة، والأمير إنما سأل عن اسم المعتزلة (١). وأنكر الحاضرون عليه وقالوا: غلطت (٢). وقلت في ضمن كلامي: أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام، وأول من ابتدعها وما كان سبب ابتداعها. وأيضاً فما ذكره الشهرستاني ليس بصحيح في اسم المتكلمين؛ فإن المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم قبل منازعتهم في مسألة الكلام، وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء (٣): إنه متكلم. ويصفونه بالكلام ولم يكن الناس اختلفوا في مسألة الكلام. وقلت أنا وغيري: إنما هو واصل بن عطاء، أي: لا عطاء بن واصل كما ذكره المعترض. قلت: وواصل لم يكن بعد موت عمرو بن عبيد، وإنما كان قرينه. وقد روي أن واصلاً تكلم مرة بكلام فقال عمرو بن عبيد: لو بُعث نبي ما كان (٤) يتكلم بأحسن من هذا. وفصاحته مشهورة حتى قيل: إنه كان ألثغ وكان يحترز عن الراء، حتى قيل له: أمر الأمير أن يحفر بئر. فقال: أوعز القائد أن يقلب

стр. 476

قليب في الجادة (١). ولما انتهى الكلام إلى ما قاله الأشعري (٢): قال الشيخ المقدم فيهم: لا ريب

стр. 477

أن الإمام أحمد إمام عظيم القدر ومن أكبر أئمة الإسلام، لكن قد انتسب إليه أناس ابتدعوا أشياء. فقلت: أما هذا فحق وليس هذا من خصائص أحمد، بل ما من إمام إلا وقد انتسب إليه أقوام هو منهم بريء، قد انتسب إلى مالك أناس مالك بريء منهم، وانتسب إلى الشافعي أناس هو بريء منهم، وانتسب إلى أبي حنيفة أناس هو بريء منهم، وقد انتسب إلى موسى ﵇ أناس هو منهم بريء، وانتسب إلى عيسى ﵇ أناس هو منهم بريء، وقد انتسب إلى علي بن أبي طالب أناس هو بريء منهم، ونبينا ﷺ قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف الملاحدة والمنافقين من هو بريء منهم. وذكر في كلامه: أنه انتسب إلى أحمد ناس من الحشوية والمشبهة ونحو هذا الكلام. فقلت: المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم، هؤلاء أصناف الأكراد كلهم شافعية، وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر، وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية. قلت: وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم. وكان من تمام الجواب أن الكرامية المجسمة كلهم حنفية. وتكلمت على لفظ الحشوية (١) -ما أدري جواباً عن سؤال الأمير أو غيره أو عن غير جواب- فقلت: هذا اللفظ أول من ابتدعه المعتزلة، فإنهم يسمون الجماعة والسواد الأعظم الحشو، كما تسميهم الرافضة الجمهور، وحشو الناس: هم عموم الناس وجمهورهم، وهم غير الأعيان المتميزين يقولون هذا من حشو

стр. 478

الناس، كما يقال: هذا من جمهورهم. وأول من تكلم بهذا عمرو بن عبيد، وقال: كان عبد الله بن عمر ﵁ حشوياً. فالمعتزلة سموا الجماعة حشواً كما تسميهم الرافضة الجمهور. وقلت -لا أدري في المجلس الأول أو الثاني-: أول من قال إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي. وقلت لهذا الشيخ: من في أصحاب الإمام أحمد ﵀ حشوي بالمعنى الذي تريده؟ الأثرم (١)، أبو داود، المروذي، الخلال، أبو بكر عبد العزيز (٢)، أبو الحسن التميمي (٣)، ابن حامد (٤)، القاضي أبو يعلى (٥)،

стр. 479

أبو الخطاب (١)، ابن عقيل (٢)؟! ورفعت صوتي وقلت: سمهم قل لي منهم؟ من هم؟! أبكذب ابن الخطيب (٣) وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين؟! كما نقل هو وغيره عنهم أنهم يقولون: إن القرآن القديم هو أصوات القارئين ومداد الكاتبين، وأن الصوت والمداد قديم أزلي. من قال هذا؟ وفي أي كتاب وجد هذا عنهم؟! قل لي! وكما نقلَ عنهم أن الله لا يرى في الآخرة باللزوم الذي ادعاه والمقدمة التي نقلها عنهم. وأخذت أذكر ما يستحقه هذا الشيخ من أنه كبير الجماعة وشيخهم، وأن فيه من العقل والدين ما يستحق أن يعامل بموجبه، وأمرت بقراءة العقيدة جميعها عليه؛ فإنه لم يكن حاضراً في المجلس الأول إنما أحضروه في الثاني انتصاراً به. وحدثني الثقة عنه بعد خروجه من المجلس، أنه اجتمع به وقال له: أخبرني عن هذا المجلس؟ فقال: ما لفلان ذنبٌ ولا لي، فإن الأمير سأل عن شيء؟ فأجابه عنه فظننته سأل عن شيء آخر. وقال: قلت لهم أنتم ما لكم على الرجل اعتراض، فإنه نصر ترك التأويل، وأنتم تنصرون قول التأويل وهما قولان للأشعري. وقال: أنا أختار قول ترك التأويل، وأخرج وصيته التي أوصى بها وفيها قول ترك التأويل. قال الحاكي لي: فقلت له: بلغني عنك أنك قلت في آخر المجلس -لما أشهد الجماعة على أنفسهم بالموافقة-: لا تكتبوا عني نفياً

стр. 480

ولا إثباتاً فلم ذاك؟ فقال: لوجهين: أحدهما: أني لم أحضر قراءة جميع العقيدة في المجلس الأول، والثاني: لأن أصحابي طلبوني لينتصروا بي فما كان يليق، أن أُظهر مخالفتهم فسكَتُّ عن الطائفتين. وأمرت غير مرة، أن يعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ، فرأى بعض الجماعة أن ذلك تطويل، وأنه لا يُقرأ عليه إلا الموضع الذي لهم عليه سؤال، وأعظمه لفظ "الحقيقة" فقرؤوه عليه، فذكر هو بحثاً حسناً يتعلق بدلالة اللفظ. فحسَّنته ومدحته عليه، وقلت: لا ريب أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة، وهذا متفق عليه بين أهل السنة والصفاتية من جميع الطوائف [قلتُ: كلُّ من نقلَ مذهبَ السلف من أهل الحديث والمالكية والشافعية والحنبلية وغيرهم، مثل أبي سليمان الخطابي، وأبي بكر الخطيب، وأبي بكر الإسماعيلي (١)، وأبي عثمان الصابوني (٢)، والقاضي أبي يعلى، وأبي عمر ابن عبد البر (٣) وأبي محمد البغوي صاحب شرح السنة (٤)، وأبي القاسم

стр. 481

التيمي (١) صاحب "الترغيب والترهيب" وخلق كثير، نقلوا نحو ذلك. فلفظُ بعضهم: أن مذهب السلف إجراؤها على ظاهرِها، ولفظ بعضهم: حملُها على ظاهرِها، ولفظُ بعضهم: إمرارُها على ظاهرها. وبعضهم يقول: حملُها على الحقيقة دون المجاز. وبعضهم يصرِّح عنهم بإثبات ما دلَّت عليه من الصفات، كما نقله الأشعري وابن خزيمة (٢) والبيهقي (٣) وسيف الدين الآمدي (٤). وقد نقل لفظ الحقيقة عن السلف وأهلِ السنة أبو عمر ابن عبد البر، وأبو القاسم التيمي الأصفهاني، وأبو عبد الله القرطبي في تفسيره، وقال: لم يُنكر أحدٌ من السلف الصالح أن الله استوى على عرشِه حقيقةً. وكلهم يقول: (مع نفي الكيفية والتشبيه عنها)، ويقولون: إذا كانت ذات الله ثابتةً حقيقةً، وأسماؤه على ظاهرها مع أنا لا نعلم كيفية ذاتِه وصفاتِه، فكذلك صفاته؛ إذ العلم بكيفية

стр. 482

الصفة فرعٌ على العلم بكيفية الموصوف، فإذا قال السائل: كيف صفاتُه؟ فقُلْ: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال: لا أعلَمُ كيفيةَ ذاتِه، فقُلْ: لا أعلَمُ كيفيةَ صفاتِه. ونقلَ طائفةٌ منهم القاضي عياض وغيره أن مذهب السلف إمرارُها كما جاءت مع العلم أن الظاهر غير مراد. قلتُ: يُجمَع بين النقلين بأن «الظاهر» لفظ مشترك، فالذي نقلَ نفيَه نفَى ما يظهر لبعض الناس من التشبيه بصفات المخلوقين، وما يقتضي نقصَ الخالق تعالى، مثل أن يقال: ظاهر قوله «في السماء» أن السماء تَحْوِيه أو تَحْمِلُه. ولا ريبَ أن هذا الظاهر لهذا غير مراد، فإن الله لا يحتاج إلى مخلوقاته ولا يَحصُره شيء، . بل قد ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر:٤١]، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَر:٦٧]، فمن قال: إنه محتاج إلى ما يَحمِلُه ويُقِلُّه، أو أنه في شيء يُحيط به ويُظِلُّه، فهو ضالٌّ مضلّ. والذين نقلوا إثباتَه أرادوا به ما هو الظاهر اللائق بجلالِ الله تعالى الذي لا يقتضي نقصًا ولا حدوثًا. كما أنهم اتفقوا على أن هذا هو الظاهر في حياته وعلمه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته، واتفقوا على أنه موجودٌ حقيقةً حيٌّ حقيقةً عليمٌ حقيقةً قديرٌ حقيقةً متكلمٌ حقيقةً، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته وجرتْ بحوثٌ فيها] (١)، ولو نازع بعض أهل البدع في بعض ذلك، فلا ريب أن الله موجود والمخلوق موجود، ولفظ الوجود سواءً كان مقولاً عليهما: بطريق الاشتراك اللفظي فقط، أو بطريق التواطؤ المتضمن للاشتراك لفظاً ومعنى، أو بالتشكيك الذي هو نوع من التواطؤ. فعلى كل قول: فالله موجود حقيقة، والمخلوق موجودٌ حقيقة، ولا يلزم من إطلاق الاسم على الخالق والمخلوق بطريق الحقيقة محذور. ولم أُرجح في ذلك المقام قولا من هذه الثلاثة على الآخر؛ لأن غرضي

стр. 483

[يحصلُ على كل مقصود] (١)، وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن أبين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة والأشعري وأكابر أصحابه على ما ذكرته؛ فإنه قبل المجلس الثاني: اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية، وغيرهم ممن عظم خوفهم من هذا المجلس، وخافوا انتصار الخصوم فيه، وخافوا على نفوسهم أيضاً من تفرق الكلمة، فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته، [ولم يكن] (٢) من أئمة أصحابهم من يوافقها، لصارت فرقة، ولصعب عليهم أن يُظهِروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم [لما] (٣) في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم؛ فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك، وقامت عليه الحجة، وبان أنه مذهب السلف: أمكنهم إظهار القول به مع ما يعتقدونه في الباطن من أنه الحق، حتى قال لي بعض الأكابر من الحنفية -وقد اجتمع بي-: لو قلت هذا مذهب أحمد وثبت على ذلك لانقطع النزاع، ومقصوده: أنه يحصل دفع الخصوم عنك؛ بأنه مذهب متبوع، ويستريح المنتصر والمنازع من إظهار الموافقة. فقلت: لا والله؛ ليس لأحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث، وقلت أيضاً: هذا اعتقاد رسول الله ﷺ ، وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به: آية أو حديثاً أو إجماعاً سلفياً وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين والفقهاء الأربعة والمتكلمين وأهل الحديث والصوفية. [وجعل نائب السلطان كلما ذكر حديثا وعزاه إلى الصحيحين يقول لهم: هكذا قاله النبي ﷺ ؟ يقولون: نعم. فيقول: فمن قال بقول النبي ﷺ أي شيء

стр. 484

يقال له؟ وقال له: كل شيء قلته من عندك قلته؟ فقال-أي شيخ الإسلام ﵀: بل أنقله جميعاً عن نبي الأمة ﷺ ، وأبين أن طوائف الإسلام تنقله عن السلف كما نقلته، وأن أئمة الإسلام عليه، وأنا أناظر عليه، وأعلم كل من يخالفني بمذهبه. وانزعج الشيخ انزعاجاً عظيماً على نائب المالكي والصفي الهندي وأسكتهما سكوتا لم يتكلما بعده بما يذكر] (١). وقلت لمن خاطبني من أكابر الشافعية: [لأُبيننَّ] (٢) أن ما ذكرته هو قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي، وأذكر قول الأشعري وأئمة أصحابه التي ترد على هؤلاء الخصوم، ولينتصرن كل شافعي، وكل من قال بقول الأشعري الموافق لمذهب السلف، وأبين أن القول المحكي عنه في تأويل الصفات الخبرية، قول لا أصل له في كلامه؛ وإنما هو قول طائفة من أصحابه فللأشعرية قولان، ليس للأشعري قولان. فلما ذكرت في المجلس أن جميع أسماء الله التي [يُسمى] (٣) بها المخلوق كلفظ (الوجود) الذي هو مقول بالحقيقة على الواجب والممكن -على الأقوال الثلاثة-: تنازع كبيران هل هو مقول بالاشتراك أو بالتواطؤ؟ فقال أحدهما: هو متواطئ. وقال الآخر: هو مشترك؛ لئلا يلزم التركيب. وقال هذا: قد ذكر فخر الدين أن هذا النزاع مبني على أن وجوده هل هو عين ماهيته أم لا؟ فمن قال: إن وجود كل شيء عين ماهيته. قال: إنه مقولٌ بالاشتراك. ومن قال: إن وجوده قدرٌ زائد على ماهيته. قال: إنه مقولٌ بالتواطؤ. فأخذ الأول يرجح قول من

стр. 485

يقول: إن الوجود زائد على الماهية؛ لينصر أنه مقول بالتواطؤ. فقال الثاني: ليس مذهب الأشعري وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته، فأنكر الأول ذلك. فقلت: أما متكلمو أهل السنة فعندهم أن وجود كل شيء عين ماهيته، وأما القول الآخر فهو قول المعتزلة: إن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته، وكل منهما أصاب من وجه؛ فإن الصواب أن هذه الأسماء مقولة بالتواطؤ، كما قد قررته في غير هذا الموضع، وأجبت عن شبهة التركيب بالجوابين المعروفين (١). وأما بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس عينه، فهو من الغلط المضاف إلى ابن الخطيب، فإنا وإن قلنا إن وجود الشيء عين ماهيته، لا يجب أن يكون الاسم مقولاً عليه وعلى نظيره بالاشتراك اللفظي فقط، كما في جميع أسماء الأجناس. فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد بالتواطؤ، وليس عين هذا السواد هو عين هذا السواد، إذ الاسم دال على القدر المشترك بينهما وهو المطلق الكلي؛ لكنه لا يوجد مطلقاً بشرط الإطلاق إلا في الذهن، ولا يلزم من ذلك نفي القدر المشترك بين الأعيان الموجودة في الخارج؛ فإنه على ذلك تنتفي الأسماء المتواطئة، وهي جمهور الأسماء الموجودة في الغالب: وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهو الاسم المطلق (٢) على الشيء، وعلى كل ما أشبهه: سواء كان اسم عين، أو اسم صفة جامداً أو مشتقاً، وسواء كان جنساً منطقياً أو فقهياً أو لم يكن. بل اسم الجنس في اللغة يدخل فيه الأجناس والأصناف والأنواع ونحو ذلك. وكلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة. وطلب بعضهم إعادة قراءة الأحاديث المذكورة في العقيدة؛ ليطعن في بعضها فعرفت مقصوده. فقلت: كأنك قد استعددت للطعن في حديث الأوعال، حديث العباس بن عبد المطلب، وكانوا قد تعنتوا حتى ظفروا بما تكلم به زكي الدين

стр. 486

عبد العظيم (١)، من قول البخاري في تأريخه (٢): «عبد الله بن عميرة (٣): لا يعرف له سماع من الأحنف» (٤). فقلت: هذا الحديث مع أنه رواه أهل السنن كأبي داود (٥) وابن ماجه (٦) والترمذي (٧) وغيرهم (٨): فهو مروي من طريقين مشهورين فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، فقال: أليس مداره على ابن عميرة، وقد قال البخاري: «لا يعرف له سماع من الأحنف»؟ فقلت: قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في: كتاب التوحيد (٩) الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولا إلى النبي ﷺ ، قلت: والإثبات مقدم على النفي،

стр. 487

والبخاري إنما نفى [معرفته بسماعه] (١) من الأحنف، لم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره -كإمام الأئمة ابن خزيمة- ما ثبت به الإسناد، كانت معرفته وإثباته مقدماً على نفي غيره وعدم معرفته، ووافق الجماعة على ذلك، وأخذ بعض الجماعة يذكر من المدح ما لا يليق أن أحكيه، وأخذوا يناظرون في أشياء لم تكن في العقيدة، ولكن لها تعلق بما أجبت به في مسائل، ولها تعلق بما قد يفهمونه من العقيدة. فأحضر بعض أكابرهم [في المجلس الثاني] (٢): كتاب الأسماء والصفات للبيهقي -رحمه الله تعالى- فقال: هذا فيه تأويل الوجه عن السلف. [فوقع في قلبي ما أعد] (٣)، فقلت: لعلك تعني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]. فقال: نعم، قد قال مجاهد (٤) والشافعي (٥): (يعني: قبلة الله). [ولم يكن هذا السؤال يرد علي؛ فإنه لم يكن شيء مما ناظروني فيه صفة الوجه ولا أثبتها لكن طلبوها من حيث الجملة وكلامي كان مقيداً كما في الأجوبة فلم أر

стр. 488

إحقاقهم في هذا المقام] (١)، فقلت: نعم هذا صحيح عن مجاهد والشافعي وغيرهما، وهذا حق [المراد بها قبلة الله] (٢)، وليست هذه الآية من آيات الصفات، ومن عدها في الصفات فقد غلط كما فعل طائفة؛ فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، والمشرق والمغرب الجهات، والوجه هو الجهة؛ [أي فثمَّ جهةُ الله، فإن الوجه والجهة والوِجهة في مثل هذا بمعنى واحد] (٣)، يقال: (أي: وجه تريده؟) أي: أي جهة؟ (وأنا أريد هذا الوجه): أي هذه الجهة. كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨]، [أي: يستقبلها] (٤)؛ ولهذا قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، أي: تستقبلوا وتتوجهوا، [فثمَّ جهةُ الله: أي قبلةُ الله]، فقوله تعالى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، كلتا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربتان، وكلاهما في شأن القبلة والوجه والجهة هو الذي ذكر في الآيتين: أنا نوليه: نستقبله (٥) (٦)، [وقد يَغلَط بعضُ الناس فيُدخِل في الصفات

стр. 489

ما ليس منها، كما يَغلَط بعضُ الناس فيجعلُ من التأويل المخالف للظاهر ما هو ظاهر اللفظ، كما في هذه الآية ونحوها، ومثل ذلك قوله: (الحجر الأسود يمينُ الله في الأرض، فمن صافحه واستلمه فكأنما صافحَ الله وقبَّل يمينَه) (١). فقال لي بعض الحاضرين: فقد روي عن مالك أنه قال في حديث النزول: ينزل أمره. فقلت: هذا رواه حبيب كاتبه (٢)، وهو كذاب فقال: قد رُوي من غير طريق حبيب، من طريق مطرف (٣). وجواب هذه الرواية المنقولة عن مالك كجواب الرواية المنقولة عن الإمام أحمد في مثل ذلك، فإنه نُقِل عنه يومَ مناظرته للجهمية أمامَ الخليفة أنه قال في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠] أنه أمره. فقيل: الراوي غلط عليه، وقيل: إنه قاله على سبيل الإلزام لهم لما احتجُّوا بمجيء القرآن على أنه مخلوق، فقال لهم: إنما مجيء ثوابه كما قلتم في قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]: إنه أمره. وقيل: بل هذه رواية عنه أنه يتأول صفات المجيء والإتيان والنزول ونحو

стр. 490

ذلك بمعنى القصد، ولا يتأوَّل غيرها. وبعضهم جعلها رواية مخرجة عنه في بعض أحاديث الصفات التي يجب تأويلها عند هذا القائل، وهو ابن .... (١)، فالكلام في المنقول عن مالك وأحمد سواء. وهذا إذا كان قولًا صحيحًا ثابتًا عن السلف لم يضرَّني؛ لأني لم أذكر في العقيدة لفظ التأويل نفيًا ولا إثباتًا، وإنما قلت: (من غير تحريف)، والتفسير الصحيح المأثور عن السلف الذي تقوم عليه الحجة الموجبة لقبوله ليس بتحريف، بل هو مثل ما يُنقل عنهم من تفسير القرآن والحديث. فهذا إذا ثبت ليس مخالفًا لما ذكرتُه. وقلتُ للسادة الحاضرين: هل في شيء من هذه الأقوال والكلام كفرٌ أو فسقٌ؟ فصرَّح أكثرهم بأنه ليس فيه كفرٌ ولا فسقٌ، حتى من كان يُكثِر النزاعَ قبلَ ذلك المجلس ويدَّعي الكفر اعترفَ بأنه ليس فيه كفرٌ ولا فسقٌ. وقال بعضهم: هذا بدعة. فأنكر جمهور الحاضرين عليه هذا القول، وطلب … (٢) الجمع بدعة أو أنه من البدع المستحسنة، وغلَّظ بعضهم الإنكار لهذا القول. فقلت: الكتاب والسنة لا يكون بدعة، إنما البدعة مثل اعتقاد ابن التومرت (٣) ونحوه، والسلف إنما كرهوا الكلام المخالف للكتاب والسنة، كما قال الشافعي ﵁: «حكمي في أهل الكلام أن يُضرَبوا بالجريد ويُطافَ بهم في القبائل

стр. 491

والعشائر، ويقالَ هذا جزاءُ من تركَ الكتابَ والسنةَ وأقبلَ على الكلام» (١) فإنما عابوا على من ترك الكتاب والسنة. فقال بعضهم: قد كره مالكٌ رواية مثل هذا. قلت: المنقول عن مالك أنه كره لمحمد بن عجلان (٢) رواية حديث الصورة (٣)، وقد تكون كراهته مخصوصةً خشيةَ ضلالِ بعض الناس به، كما قال

стр. 492

عبد الله بن مسعود: (ما من رجلٍ يُحدِّثُ قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولهم إلَّا كان فتنةً لبعضهم) (١)، وإلّا فقد حدَّثَ به سائر الأئمة، وهو في الصحاح، وهذا الحديث ليس في هذا الاعتقاد، وقد روى مالك في الموطأ حديث النزول والضحك. قلت: وأنا لم أخاطبْ عامةً ولا دعوتُ أحدًا إلى اعتقاد، وإنما كتبت لبعض القضاة] (٢)، والله أعلم. وصلى الله على محمد». ا. هـ.

стр. 493

«تتمة في نتيجة المناظرة وخاتمتها» لم يستطع علماء الأشاعرة وقضاتهم، الصمود أمام قوة شيخ الإسلام العلمية، وبراهينه الساطعة وأدلته الباهرة، التي تدع خصمه مبهوتاً حائراً، لا يجد جواباً يجيب به، ولا ملاذاً فيفر إليه، وانتهى بهم المطاف إلى وجوب الاستسلام لما ذكره شيخ الإسلام وبينه، والإقرار بصحة ما كتبه ودونه، فأجمعوا بعد ذلك على التسليم بصحة العقيدة الواسطية، واعترفوا بأنها معتقد سلفي سني جيد. قال الذهبي ﵀: «ثم وقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد» (١)، قال ابن رجب ﵀: «فمنهم من قال ذلك طوعاً، ومنهم من قاله كرها» (٢)، قال ابن كثير: «وعاد الشيخ إلى منزله معظماً مكرماً، وبلغني أن العامة حملوا له الشمع من باب النصر (٣) إلى القصّاعين (٤) على جاري عادتهم في أمثال هذه الأشياء» (٥)، قال ابن عبد الهادي: «وقد أظهر الله من قيام الحجة ما أعز به أهل السنة» (٦)، قال المقريزي: «وقد كتب الأفرم … كتابًا إِلى السلطان، وكتب معه محضر فيه خطوط عدّةٍ من القضاة وكبار الصلحاء والعلماء يصفون ما جرى في المجلسَين بدمشق، وأَنَّه لم يثبت عليه فيهما شيءٌ، ولا مُنِعَ من الإِفتاء» (٧)، قال ابن عبد الهادي: «وفي اليوم السادس والعشرين من شعبان ورد كتاب

стр. 494

السلطان … وفيه إنا كنا رسمنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين وقد بلغنا ما عقد له من المجالس وأنه على مذهب السلف وما قصدنا بذلك إلا براءة ساحته» (١) ووصف الشيخ عبد الله ابن تيمية أخي الشيخ ﵀ ما وقع: «بالنصر الأكبر، والفتح المبين» (٢)، وأن «العقول تعجز عن دركه على التفضيل، والألسن عن وصفه عن التكميل» (٣). ومع هذا فقد وقع من خصوم شيخ الإسلام ﵀ كذب وتحريف لما حدث، قال عبد الله بن تيمية ﵀: «وبعد المجلس حصل من ابن الوكيل وغيره: من الكذب والاختلاق والتناقض بما عليه الحال ما لا يوصف» (٤)، وقال ابن عبد الهادي: «واختلفت نقول المخالفين للمجلس وحرفوه ووضعوا مقالة الشيخ على غير موضعها وشنع ابن الوكيل وأصحابه بأن الشيخ قد رجع عن عقيدته فالله المستعان» (٥). وقد حاول بعض من أرخ لهذه الحادثة تغطية هذه الهزيمة التي حصلت لعلماء الأشاعرة وأئمتهم، بتصوير أن ما جرى في ختام المناظرة من اتفاق وإجماع، لم يكن على صحة العقيدة الواسطية والتسليم بما فيها، والإقرار بما ذكره شيخ الإسلام خلالها، بل إن إقرارهم إنما كان بعد أن أشهد ابن تيمية الحاضرين على نفسه أنه شافعي المذهب، يعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي ﵀، هذا ما ذكره قطب الدين اليونيني صاحب "ذيل مرآة الزمان" حيث قال: «وانفصل الأمر فيما بينهم أنه أشْهَد تقيُّ الدين على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب، يعتقد ما

стр. 495

يعتقده الإمام الشّافعيّ ﵁، فرُضِيَ منه بهذا القول، وانصرف كلٌّ منهم إلى منزله، وبعد ذلك حصل من أصحاب الشّيخ تقي الدين ابن تيمية كلام هذياني وقالوا: ظهر الحق مع شيخنا تقيّ الدين» (١) وتبعه على هذا التقرير أبو بكر بن أيبك الداوردي في "كنز الدرر" (٢)، وشهاب الدين النويري فيما نقله عن شمس الدين الجزري في "نهاية الأرب" (٣)، وتبعهم من المتأخرين ابن حجر في "الدرر الكامنة" (٤) وغيرهم (٥)، وما ذكروه هنا محل نظر وتأمل، ولا يمكن التسليم به، وذلك؛ لأنه: -مخالف للحقيقة التي بينها شيخ الإسلام بنفسه في روايته للمناظرة. -ومخالف لما ذكره من شهد المناظرة كأخيه عبد الله، والشيخ علم الدين البرزالي. -ومخالف لما نص عليه عدد من المؤرخين الثقات العدول، كابن كثير والذهبي وابن عبد الهادي والمقريزي، وغيرهم ممن ذكر هذه المناظرة وبيَّن ما جرى فيها. -ومما يدل على عدم صواب مثل هذا القول؛ أن ما زعموا الاتفاق عليه لم يكن هو محور البحث والكلام، وإنما كانت العقيدة الواسطية وما ذكر فيها من اعتقاد هي موضوع البحث ومحل النقاش. -ثم إن ما ذكروه من إشهاد شيخ الإسلام على نفسه بأنه يعتقد ما يعتقد الشافعي، إنما هو تحصيل حاصل؛ وذلك لأن عقيدة الشافعي هي عقيدة أهل السنة، وعقيدة جميع العلماء والأئمة، فقوله بأنه على اعتقاد الشافعي أو اعتقاد أحمد أو اعتقاد مالك، لا يؤثر في القضية شيئاً؛ لأن اعتقاد الجميع واحد
следующие страницы →