стр. 491
← Акыда следующие страницы →
Акыда · id 902
المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية
هيثم الحمري
Полный текст (731 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 492
عبد الله بن مسعود: (ما من رجلٍ يُحدِّثُ قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولهم إلَّا كان فتنةً لبعضهم) (١)، وإلّا فقد حدَّثَ به سائر الأئمة، وهو في الصحاح، وهذا الحديث ليس في هذا الاعتقاد، وقد روى مالك في الموطأ حديث النزول والضحك.
قلت: وأنا لم أخاطبْ عامةً ولا دعوتُ أحدًا إلى اعتقاد، وإنما كتبت لبعض القضاة] (٢)، والله أعلم. وصلى الله على محمد». ا. هـ.
стр. 493
«تتمة في نتيجة المناظرة وخاتمتها»
لم يستطع علماء الأشاعرة وقضاتهم، الصمود أمام قوة شيخ الإسلام العلمية، وبراهينه الساطعة وأدلته الباهرة، التي تدع خصمه مبهوتاً حائراً، لا يجد جواباً يجيب به، ولا ملاذاً فيفر إليه، وانتهى بهم المطاف إلى وجوب الاستسلام لما ذكره شيخ الإسلام وبينه، والإقرار بصحة ما كتبه ودونه، فأجمعوا بعد ذلك على التسليم بصحة العقيدة الواسطية، واعترفوا بأنها معتقد سلفي سني جيد.
قال الذهبي ﵀: «ثم وقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد» (١)، قال ابن رجب ﵀: «فمنهم من قال ذلك طوعاً، ومنهم من قاله كرها» (٢)، قال ابن كثير: «وعاد الشيخ إلى منزله معظماً مكرماً، وبلغني أن العامة حملوا له الشمع من باب النصر (٣) إلى القصّاعين (٤) على جاري عادتهم في أمثال هذه الأشياء» (٥)، قال ابن عبد الهادي: «وقد أظهر الله من قيام الحجة ما أعز به أهل السنة» (٦)، قال المقريزي: «وقد كتب الأفرم … كتابًا إِلى السلطان، وكتب معه محضر فيه خطوط عدّةٍ من القضاة وكبار الصلحاء والعلماء يصفون ما جرى في المجلسَين بدمشق، وأَنَّه لم يثبت عليه فيهما شيءٌ، ولا مُنِعَ من الإِفتاء» (٧)، قال ابن عبد الهادي: «وفي اليوم السادس والعشرين من شعبان ورد كتاب
стр. 494
السلطان … وفيه إنا كنا رسمنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين وقد بلغنا ما عقد له من المجالس وأنه على مذهب السلف وما قصدنا بذلك إلا براءة ساحته» (١) ووصف الشيخ عبد الله ابن تيمية أخي الشيخ ﵀ ما وقع: «بالنصر الأكبر، والفتح المبين» (٢)، وأن «العقول تعجز عن دركه على التفضيل، والألسن عن وصفه عن التكميل» (٣).
ومع هذا فقد وقع من خصوم شيخ الإسلام ﵀ كذب وتحريف لما حدث، قال عبد الله بن تيمية ﵀: «وبعد المجلس حصل من ابن الوكيل وغيره: من الكذب والاختلاق والتناقض بما عليه الحال ما لا يوصف» (٤)، وقال ابن عبد الهادي: «واختلفت نقول المخالفين للمجلس وحرفوه ووضعوا مقالة الشيخ على غير موضعها وشنع ابن الوكيل وأصحابه بأن الشيخ قد رجع عن عقيدته فالله المستعان» (٥).
وقد حاول بعض من أرخ لهذه الحادثة تغطية هذه الهزيمة التي حصلت لعلماء الأشاعرة وأئمتهم، بتصوير أن ما جرى في ختام المناظرة من اتفاق وإجماع، لم يكن على صحة العقيدة الواسطية والتسليم بما فيها، والإقرار بما ذكره شيخ الإسلام خلالها، بل إن إقرارهم إنما كان بعد أن أشهد ابن تيمية الحاضرين على نفسه أنه شافعي المذهب، يعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي ﵀، هذا ما ذكره قطب الدين اليونيني صاحب "ذيل مرآة الزمان" حيث قال: «وانفصل الأمر فيما بينهم أنه أشْهَد تقيُّ الدين على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب، يعتقد ما
стр. 495
يعتقده الإمام الشّافعيّ ﵁، فرُضِيَ منه بهذا القول، وانصرف كلٌّ منهم إلى منزله، وبعد ذلك حصل من أصحاب الشّيخ تقي الدين ابن تيمية كلام هذياني وقالوا: ظهر الحق مع شيخنا تقيّ الدين» (١) وتبعه على هذا التقرير أبو بكر بن أيبك الداوردي في "كنز الدرر" (٢)، وشهاب الدين النويري فيما نقله عن شمس الدين الجزري في "نهاية الأرب" (٣)، وتبعهم من المتأخرين ابن حجر في "الدرر الكامنة" (٤) وغيرهم (٥)، وما ذكروه هنا محل نظر وتأمل، ولا يمكن التسليم به، وذلك؛ لأنه:
-مخالف للحقيقة التي بينها شيخ الإسلام بنفسه في روايته للمناظرة.
-ومخالف لما ذكره من شهد المناظرة كأخيه عبد الله، والشيخ علم الدين البرزالي.
-ومخالف لما نص عليه عدد من المؤرخين الثقات العدول، كابن كثير والذهبي وابن عبد الهادي والمقريزي، وغيرهم ممن ذكر هذه المناظرة وبيَّن ما جرى فيها.
-ومما يدل على عدم صواب مثل هذا القول؛ أن ما زعموا الاتفاق عليه لم يكن هو محور البحث والكلام، وإنما كانت العقيدة الواسطية وما ذكر فيها من اعتقاد هي موضوع البحث ومحل النقاش.
-ثم إن ما ذكروه من إشهاد شيخ الإسلام على نفسه بأنه يعتقد ما يعتقد الشافعي، إنما هو تحصيل حاصل؛ وذلك لأن عقيدة الشافعي هي عقيدة أهل السنة، وعقيدة جميع العلماء والأئمة، فقوله بأنه على اعتقاد الشافعي أو اعتقاد أحمد أو اعتقاد مالك، لا يؤثر في القضية شيئاً؛ لأن اعتقاد الجميع واحد
стр. 496
وهو اعتقاد أهل السنة قاطبة.
-ومما يكشف ما في هذه المقالة من مغالطة للواقع، ما جاء فيها: «أنه أشْهَد تقيُّ الدين على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب»، فقوله "شافعي المذهب" أول ما يتبادر إلى ذهن قارئ هذا الكلام أن شيخ الإسلام أصبح على مذهب الشافعي في الفروع والفقه؛ وذلك لأنه ليس للشافعي مذهب يختص به إلا في الفقه والفروع؛ ولأن "ال" هنا: ال العهدية: أي المذهب المعهود، ولا مذهب معهود للإمام الشافعي ﵀ إلا مذهبه الفقهي، وبطلان مثل هذا القول أظهر من أن يذكر، فمن المعلوم بالضرورة من سيرة شيخ الإسلام أنه كان أحد الأئمة المجتهدين وكان على مذهب أحمد بن حنبل وعاش ومات عليه، فكيف يقال بأنه أقر على نفسه أنه شافعي المذهب؟!
-ثم إن تحوله من مذهب فقهي إلى مذهب آخر ليس له أي أثر في الاعتقاد الذي ذكره وصنفه؛ لأن النقاش والمناظرة إنما كانت في الاعتقاد والأصول، ولم تكن في الفقه والفروع. فلم يوفق صاحب هذه الرواية لاختيار عبارة مناسبة للمقام، وهذا من عناية الله بحملة شرعه ودينه.
-وأخيراً، قد يقال -إحساناً للظن بمن نقل هذا الخبر-: إن نقلهم إنما كان عن سوء فهم لما قاله شيخ الإسلام أثناء المناظرة، كقوله: «وقلت لمن خاطبني من أكابر الشافعية: لأبيَّنن أن ما ذكرته هو قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي، وأذكر قول الأشعري وأئمة أصحابه التي ترد على هؤلاء الخصوم، "ولينتصرن كل شافعي"، وكل من قال بقول الأشعري الموافق لمذهب السلف، وأبين أن القول المحكي عنه في تأويل الصفات الخبرية، قول لا أصل له في كلامه؛ وإنما هو قول طائفة من أصحابه فللأشعرية قولان، ليس للأشعري قولان» (١) فقالوا بهذه المقالة بناءً على سوء فهمهم لمراد شيخ الإسلام بهذا الكلام، والواقع أن شيخ الإسلام أراد باستشهاده بأقوال الشافعي وأئمة مذهبه،
стр. 497
بيان موافقة معتقده لما ذكره ونص عليه، والرد على ما انتشر من أن للشافعي اعتقاداً يخالف معتقد الإمام أحمد وما عليه أهل السنة في باب الأسماء والصفات وغيرها من أبواب العقائد، والله أعلم.
* * *
стр. 498
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
المسألة الأولى: تسمية المتكلمين التحريف تأويلاً:
• تمهيد:
كان مما أغضب بعض شيوخ الأشعرية في عقيدة شيخ الإسلام قوله أثناء تقريره لعقيدة أهل السنة في إثبات الأسماء والصفات: «من غير تحريف ولا تعطيل»، فاعترض معترضهم على لفظ التحريف -في قالب سؤال واستفسار-؛ لعلمه أن شيخ الإسلام يعني بهذه العبارة نفي تأويلهم الباطل المزعوم المحدث، الذي لجأوا إليه لصرف نصوص الصفات عن حقائقها وتحريفها عن معانيها، وستتم مناقشة هذه المسألة من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
يظهر من قول المعترض على تعبير شيخ الإسلام أن أصل شبهته: هي عدم تفريقه بين التأويل والتحريف، وظنه أن نفي التحريف يستلزم منه نفي التأويل، فلذلك سأل شيخ الإسلام سؤال مستنكر، ما مرادك بنفي التحريف؟!
فتكونت شبهته من مقدمتين:
الأولى: ظنه أن التحريف الذي سلكوه هو التأويل.
الثانية: ظنه أن التأويل كله حق وصدق.
وتفصيل ذلك: أن الجهمية الأوائل قد عطلوا الصفات ونفوها وما دلت عليه صراحة، والسلف وأهل السنة قد أثبتوا الصفات وما دلت عليه، فجاء ابن كلاب، ومن نحى نحوه فأرادوا أن يجمعوا بين طريقة أهل السنة وطريقة الجهمية، فأثبتوا ألفاظ النصوص ونفوا ما دلت عليه من معاني بطريقة سموها تأويلاً وما هي في الحقيقة إلا تحريف.
ولما شاعت هذه الطريقة وأصبحت مذهباً متبعاً ومسلكاً معروفاً عند
стр. 499
المتكلمين من الكلابية والأشاعرة والماتريدية وغيرهم، بحثوا لها عن مسمى شرعي جاء في النصوص ليسموها به فيجعلوا لها صبغة شرعية تروج من خلالها بضاعتهم الكاسدة وطريقتهم الفاسدة، فاختاروا لفظ التأويل وجعلوا له معنى حادث غير المعنى الذي جاءت به النصوص وتتابع عليه السلف الصالحون، فقالوا التأويل: هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى غير ظاهره؛ لقرينة دلت على ذلك، أو هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لقرينة دلت عليه (١).
ثم إنهم لم يلتزموا هذا التعريف الذي ذكروه ولا الدليل الذي اشترطوه، وإنما جعلوا هذه ذريعة لهم لتقرير معتقداتهم الباطلة، وترويج آرائهم الفاسدة.
فجعلوا هذه القرينة التي تجيز صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته ليست قرينة لغوية ولا دليلاً وحجة شرعية، وإنما أهواؤهم وعقولهم، فمخالفة عقولهم الضعيفة وأهوائهم الفاسدة هي الدليل والقرينة التي توجب صرف اللفظ عن ظاهره، وتحريف الكلم عن معناه.
وليس المقصود حصر ظهور هذا الأمر بظهور الكلابية والأشاعرة، بل إن هذا المسلك قديم، ولكنهم أذاعوه وأشهروه والتزموه، قد وصف الدارمي ﵀ حال بعض أسلافهم بقوله: «وبلغنا أن بعض أصحاب المريسي (٢) قال له: كيف تصنع بهذه الأسانيد الجياد التي يحتجون بها علينا في رد مذاهبنا، مما لا يمكن التكذيب بها؟ .. قال: فقال المريسي: لا تردوه فتفتضحوا، ولكن غالطوهم بالتأويل فتكونوا قد رددتموها بلطف؛ إذ لم يمكنكم ردها بعنف» (٣).
стр. 500
وبذلك فتح المتكلمون باباً خطيراً وشراً مستطيراً على الأمة الإسلامية تُروُّج من خلاله البدع والضلالات، وتشيع من خلاله الأهواء والانحرافات بين أبناء المسلمين.
الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة:
أجاب شيخ الإسلام في هذه المناظرة وفي مواضع أخرى من كتبه ورسائله على هذه الشبهة بعدة أجوبه ويمكن إجمالها فما يلي:
أولاً: بين شيخ الإسلام أنه إنما يعني بتعبيره بنفي (التحريف): تحريف معنى الكلام عن ظاهره المعروف المتبادر إلى معنى آخر غير ظاهر ولا متبادر؛ وذلك إما لهوى أو بدعة أو رأي مخالف للشرع احتاج معه صاحبه لتحريف معاني الشرع إلى مراده من غير دليل بيّن، ولا حجة صحيحة، وذلك مثل ما صنع بعض الجهمية في تحريفه لمعنى قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] قال: جرحه بأظافر الحكمة تجريحاً،. قال شيخ الإسلام: «فالمراد بالتحريف: التأويل المذموم الباطل الذي هو صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه، صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، كتأويل من تأول: استوى بمعنى استولى، ونحوه» (١).
ثانياً: بين شيخ الإسلام لهذا السائل أنه نفى التحريف ولم ينف التأويل؛ لأن التحريف قد جاءت النصوص بذمه فوجب نفيه ومنعه عن نصوص الكتاب والسنة، وأما التأويل فلم يذكره شيخ الإسلام لسببين اثنين:
• السبب الأول: أن النصوص لم تأت بنفيه.
• السبب الثاني: أن لفظ التأويل أصبح لفظا مجملاً مشتركاً، يستخدم في عدة معاني، منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، فهو يطلق ويراد به عدة معانٍ وهي كالتالي:
стр. 501
المعنى الأول: حقيقة ما يؤول إليه الكلام، فتأويل الأوامر فعلها، وتأويل النواهي اجتنابها، وتأويل الخبر نفس المخبر عنه، قال شيخ الإسلام: «وأما لفظ (التأويل) في التنزيل فمعناه: الحقيقة التي يؤول إليها الخطاب، وهي نفس الحقائق التي أخبر الله عنها، فتأويل ما أخبر به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر، وتأويل ما أخبر به عن نفسه هو نفسه المقدسة الموصوفة بصفاته العلية» (١). وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣]، ومنه قول عائشة: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد اللهم اغفر لي، يتأول القرآن) (٢).
المعنى الثاني: تفسير الكلام، وهو بيان المعنى المراد، أي معنى الكلام ومراد المتكلم به، قال شيخ الإسلام: «ويراد بلفظ التأويل: التفسير، وهو اصطلاح كثير من المفسرين، ولهذا قال مجاهد -إمام أهل التفسير-: إن (الراسخين في العلم)، يعلمون تأويل المتشابه، فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه وهذا مما يعلمه الراسخون» (٣).
وهذان المعنيان للتأويل حق، ويكونان في سائر الكلام، وبهما يتحصل على معنى كلام المتكلم ومراده، إلا أن الأول يكون تحصيله خارج الذهن، والثاني يكون تحصيله في الذهن.
المعنى الثالث: وهو المعنى الذي اصطلح عليه بعض المتأخرين، ولا يوجد في اصطلاح أحد من السابقين، وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر إلى غير
стр. 502
ظاهره، وهذا الصرف إما أن يكون:
١) بدليل وقرينة صحيحة أرادها المتكلم ودل عليها السياق: فهذا المعنى للتأويل معنى صحيح وهو راجع للمعنيين الأوليين، ولا يصح أن يكون معنى ثالثاً بل غايته أن يرجع لأحد المعنيين السابقين، قال شيخ الإسلام: «وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه فهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف، اللهم إلا أنه إذا علم أن المتكلم أراد المعنى الذي يقال: إنه خلاف الظاهر جعلوه من التأويل الذي هو التفسير، لكونه تفسيراً للكلام وبياناً لمراد المتكلم به، أو جعلوه من النوع الآخر الذي هو الحقيقة الثابتة في نفس الأمر التي استأثر الله بعلمها؛ لكونه مندرجاً في ذلك، لا لكونه مخالفا للظاهر» (١).
٢) بدون دليل صارف ولا قرينة، أو بدليل وقرينة غير صحيحين: وهذا هو التحريف الذي نفاه شيخ الإسلام عن النصوص، وهو المسلك الذي اتَّبعه المتكلمون لتعطيل دلالة النصوص، وسموه (تأويلاً)، وهو في الحقيقة تحريف واضح؛ فإن "التحريف نوعان: تحريف اللفظ، وتحريف المعنى: فتحريف اللفظ: العدول به عن جهته إلى غيرها، إما بزيادة، وإما بنقصان، وإما بتغيير حركة إعرابية، وإما غير إعرابية، فهذه أربعة أنواع … وأما تحريف المعنى: فهذا الذي جالوا وصالوا وتوسعوا وسموه تأويلاً، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة: وهو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما " (٢).
قال شيخ الإسلام: «والتأويل الذي ذمه السلف والأئمة هو تحريف الكلام عن مواضعه، وإخراج كلام الله ورسوله عما دل عليه وبينه الله به، وقد حده طائفة بأنه صرف الكلام عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بغير
стр. 503
دليل» (١)، وقال ﵀: «ويراد بالتأويل تحريف الكلم عن مواضعه، وتفسير الكلام بغير مراد المتكلم، كتحريف أهل الكتاب لما حرفوه من الكتاب، وتحريف الملاحدة وأهل الأهواء لما حرفوه من معاني هذا الكتاب» (٢).
وهذا النوع من التأويل قد قام شيخ الإسلام بنقضه وبيان فساده من وجوه عدة، أهمها ما يلي:
أولاً: أنه اصطلاح حادث لم يكن في عرف السلف، ووُضِع من جهة غير مؤتمنة وهم المتكلمون، قال شيخ الإسلام: «وهذا التأويل لا يكون إلا مخالفاً لما يدل عليه اللفظ ويبينه، وتسمية هذا تأويلاً لم يكن في عرف السلف، وإنما سمى هذا وحده تأويلاً طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام» (٣)، وعلى ذلك فهو بدعة شرعية ولغوية، إذ لم تدل عليه اللغة فلا وجه لفهمه، ولم يقصده الشرع فلا وجه للتدين به، ويعود على اللغة وعلى الشرع وعلى العلوم بالإبطال.
ثانياً: أن "التأويل المقبول: هو ما دل على مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يُعلم أن الرسول أرادها، بل يُعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قاله الرسول، كما يُعلم مثل ذلك في تأويلات القرامطة والباطنية من غير أن يحتاج ذلك إلى دليل خاص. وحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم كان تأويله للفظ بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب، هو من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد" (٤).
стр. 504
ثالثاً: أن التأويل مبني على قواعد فاسدة كالاعتقاد بأن النصوص الشرعية ظنية لا تفيد العلم القطعي، وتقديم العقل على النقل، والقول بتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، وقد قرر شيخ الإسلام أنه تقسيم حادث بعد القرون الثلاثة المفضلة، وأن مراد المتقدمين بالمجاز ما يعبر به ويجوز في اللغة (١)، وما يقترن باللفظ من القرائن اللفظية لا يعدّ مجازاً بالمعنى الذي قرره المتأخرون (٢).
رابعاً: أن التأويلات التي نافح عنها المناظر لشيخ الإسلام ومن سار على شاكلته هي من باب تحريف الكلام عن مواضعه، وصرف النصوص عن مدلولها ومقتضاها، وإخراج كلام الله ورسوله عما دل عليه وبينه (٣)، قال شيخ الإسلام: «هذه التأويلات من باب تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في آياته» (٤)، وقال أيضاً: «فإن هذا التأويل في كثير من المواضع -أو أكثرها وعامتها- من باب تحريف الكلم عن مواضعه من جنس تأويلات القرامطة والباطنية. وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ورموا في آثارهم بالشهب» (٥).
خامساً: أن المتكلمين ليس لهم ضابط دقيق يُرجع إليه فيما يصح تأويله وما لا يصح تأويله، وحجتهم الدائمة في تأويل النصوص هي عدم موافقتها للعقل، ويلزم كل منهم الآخر بتأويل ما لا يعتقد تأويله بحجة مخالفة العقل، فكل يدعي أن هذا الظاهر مخالف للعقل، فإلى أي عقل نحتكم؟ وبأي عقل نرجح؟ (٦).
سادساً: تناقض واضطراب طوائف المتكلمين والمؤولة؛ فإنه ما من تأويل
стр. 505
تذكره طائفة إلا وترده طائفة أخرى وتبطله، قال شيخ الإسلام: «لا خلاف بين جميع الطوائف أن كثيرًا من هذه التأويلات أو أكثرها باطل، بل كثير من التأويلات يعلم فسادها بضرورة العقل؛ وذلك أنه ما من طائفة من الطوائف الذين يحرفون الكلام عن مواضعه ويلحدون في أسماء الله وآياته ويسمون ذلك تأويلاً من أصناف المتجهمة ونحوهم إلا وهي ترد كثيرًا من تأويلات الطائفة الأخرى، وتقول إنها باطلة كما أن المؤسس (١) وأمثاله يردون تأويلات المعتزلة للآيات والأخبار التي فيها وصف الله تعالى بأن له علماً وقدرة وحياة وسمعًا وبصرًا، وأن له كلامًا قائمًا بنفسه وأنه يُرى ونحو ذلك، ويردون تأويل الجهمية من المعتزلة وغيرهم لعذاب القبر والصراط والميزان وغير ذلك، وهم والمعتزلة يردون تأويلات الفلاسفة الصابئين للجنة والنار، وما فيهما من نعيم وعذاب، والفلاسفة العقلاء مع سائر المتكلمين يردون تأويل القرامطة والباطنية للصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، والباطنية ترد كل طائفة منهم تأويل الآخرين؛ فإن بينهم نزاعًا طويلاً، والمعتزلة أيضًا ترد تأويل الأشعرية ونحوهم للآيات التي فيها تنزيه الله نفسه عن الظلم وفيها إثبات فعل العباد لأفعالهم فيها وإخراج الأعمال الصالحة من الإيمان ونحو ذلك» (٢).
سابعاً: أن التأويل الفاسد آل ببعض المتكلمين إلى مخالفة المسلمات ومعارضة البديهيات، قال شيخ الإسلام: «ما زال أهل العقل والعلم إذا سمعوا كثيرًا من هذه التأويلات ورأوها في المصنفات يعلمون أنها من أظهر الأمور فسادًا في البديهي من المعقولات، ولا ينقضي تعجبهم من قوم يذهبون إلى تلك التأويلات ممن له في العلم صيت مشهور، وقد رأيت وسمعت من ذلك بعجائب، ولكن ننبه ببعض ما ذكره هذا المؤسس وذلك بأمثلة أحدها قوله في تأويل قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] … إن الرب هو المربي فلعل
стр. 506
ملكًا عظيمًا هو أعظم الملائكة كان مربيًا لمحمد ﷺ وكان هو المراد من قوله ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]. فهل يشك من له أدنى مسكة من عقل وإيمان أنه من المعلوم بالاضطرار في دين الإسلام أن هذا من أعظم الافتراء على الله وعلى رسوله وعلى كلامه، وأن الله لم يجعل لمحمد قط ربًّا غير الله ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]» (١).
ثامناً: أن تأويل المتكلمين وتحريفاتهم كانت سبباً لتسلط الدهرية والفلاسفة والملاحدة على المسلمين وتقرير إلحادهم وزندقتهم؛ قال شيخ الإسلام: «وينبغي أن يعلم أن الذي سلط هؤلاء الدهرية على الجهمية شيئان:
أحدهما: ابتداعهم لدلائل ومسائل في أصول الدين تخالف الكتاب والسنة، ويخالفون بها المعقولات الصحيحة التي يفسر بها خصومهم أو غيرهم.
والثاني: مشاركتهم لهم في العقليات الفاسدة من المذاهب والأقيسة، ومشاركتهم لهم في تحريف الكلم عن مواضعه، فإنهم لما شاركوهم فيما شاركوهم فيه بعد تأويل نصوص الصفات بالتأويلات المخالفة لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها كان هذا حجة لهم في تأويل نصوص المعاد وغيرها، كما احتج به هذا الفيلسوف، وكما يذكره أبو عبد الله الرازي ومن قبله حتى إن الدهرية قالوا لهم: القول في آيات المعاد كالقول في آيات الصفات. فكان من حجتهم عليهم، وضموا ذلك إلى ما قد يطلقونه من الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، فقالوا له أنت تقول الظواهر لا تفيد القطع أيضًا، والآيات المتشابهة في القرآن الدالة على المشيئة والقدر ليست أقل ولا أضعف دلالة من الآيات الدالة على المعاد الجسماني، ثم إنكم تجوزون تأويل تلك الآيات، فلم لاتجوزون أيضًا تأويل الآيات الواردة ها هنا؟!» (٢).
стр. 507
والملاحظ في طرق الفرق المنحرفة يجد أن العمل بمجموع تأويلاتهم يعني هدم الدين كله، وإبطال كل نصوص الكتاب والسنة، فطائفة أولت نصوص الصفات، وطائفة أولت نصوص الأسماء، وطائفة أولت أمور المعاد والبعث واليوم الآخر، ثم جاءت الباطنية فأولوا كل نصوص العبادات والواجبات والمحرمات، وبهذا أصبح الدين كله مؤولا، والشرع كله فاسدا، والله المستعان (١).
تاسعاً: خفاء الحق في هذه التأويلات وعدم التمييز بين الحق فيها من الباطل يوجب عدم قبول شيء منها؛ لعدم الأمن من كونه باطلا؛ إذ "كُلٌ من هؤلاء المختلفين يقول إن العقل يوجب عليه التأويل الذي يزعم الآخر أنه تأويل باطل، وعند هذا فيقول نفاة هذه التحريفات: إذا ثبت أن هذه التأويلات منها باطل كثير باتفاق الطوائف، وثبت أن الحق الذي يدعيه مدع فيها لم يتفق على أنه حق، بل النزاع واقع فيه هل هو حق أو باطل؟ وهم يقولون لا يفصل بينهم إلا العقل، وكل منهم يدعي أن العقل معه، وليس العقل متكلمًا ظاهرًا يفصل بينهم؛ كان الفصل بينهم متعذرًا، وكذلك النزاع بينهم واقعًا لازمًا ضرورة عدم الفصل بينهم، وكان معهم باطل قطعًا، ولم يُعلم أن معهم حقًّا، أو الحق الذي معه لا يمكن تمييزه، كانت مذاهبهم من جنس مذاهب اليهود والنصارى بعد التبديل، بل أولئك أجود مما يقوله هؤلاء من التأويلات وإن لم يكونوا أجود في الجملة مما هو عليه كل طائفة من طوائف المسلمين، إذ مع كل طائفة من المسلمين الذين هم مسلمون حقيقة من الحق الذي لا ريب فيه أعظم مما مع اليهود والنصارى، لكن الكلام هنا في تأويلاتهم التي ينازعهم فيها أهل الإثبات، فإن أهل الكتابين معهم حق مأثور عن الأنبياء بلا ريب ومعهم باطل ابتدعوه وباطل حرفوه، -كما مع هؤلاء الجهمية ونحوهم من المتكلمين- ومع هذا فلا نزاع بين المسلمين أنه لا يجوز اتباعهم في علومهم وأنهم ضُلال، وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ
стр. 508
قال: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه) (١)، كان هؤلاء المتكلمون بهذه التأويلات أولى أن ترد عليهم كلها ولا يقبل منها شيء؛ إذ لم يعلم أن فيها ما هو حق، فإذا كان الكلام الذي علم أن فيه حقًّا وباطلاً قد أمرنا أن لا نقبله، فمثل هذا الكلام أولى أن لا نقبله، وهذا بينٌ ظاهر لمن قصدهُ إسكاتُ هؤلاء عن التأويلات ومنعهم من التكلم بها ومنع قبولها» (٢).
عاشراً: أن تحريفات المؤول تعود على ما يلي بالإبطال:
١. تعود على الدين بالإبطال، لانعدام الثقة بالنصوص.
٢. تعود على اللغات بالإبطال؛ لأن اللغات وضعت لقصد بيان مراد المتكلم.
٣. تعود على العلوم كلها بالإبطال؛ لأنها تكون بالكلام وتوضح به.
٤. بل إنها تبطل المعنى المؤول ذاته.
قال شيخ الإسلام: «ومآلهم في تلك التأويلات إلى القرمطة؛ التي هي: تحريف الكلم عن مواضعه، وإفساد الشرع واللغة والعقل، بالتمويه والتلبيس … ولما كان مآل هؤلاء إلى السفسطة؛ التي هي جحود الحقائق وجحود الخالق، وكان لا بد لهم من النفاق، كان تنبيه من نبَّه من الأئمة، كمالك وأحمد وأبي يوسف (٣) وغيرهم، على أن كلام هؤلاء جهل، وأن مآله
стр. 509
إلى الزندقة: كقول أحمد: (علماء الكلام زنادقة) (١)، وقول أبي يوسف ويُروى عن مالك: (من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب) (٢)، وقول الشافعي: (ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح) (٣)» (٤).
وقد تنوعت طرق شيخ الإسلام في إبطال قانون التأويل الفاسد عند المتكلمين، وفيما ذُكر كفاية والله أعلم.
المسألة الثانية: نسبة مقالة التشبيه والتجسيم لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -:
• تمهيد:
لما بين شيخ الإسلام بطلان طريقة التحريف والتأويل التي يقوم عليها علم الكلام، ولم يجد القوم مأخذاً على ما قرره وبينه، اشتغلوا بالتلويح والتعريض بشيخ الإسلام مشيرين بذلك إلى أن مذهبه هو التشبيه والتجسيم، وأخذوا يطنبون في تنزيه الله عن التشبيه والتجسيم، ويفصلون القول في ذلك، وهم إنما يريدوا
стр. 510
التوصل بذلك إلى نفي صفات الله وتعطيلها عن ذاته، كما سيتضح خلال دراسة هذه المسألة، وستكون دراستها من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
أصل شبهة المتكلمين التي جعلتهم يشتغلون في تقريرهم للاعتقاد وفي جدالهم مع أهل السنة وردهم عليهم بنفي التشبيه والتجسيم، وتكرار هذا الأمر والإكثار منه والتفصيل في جزئياته، هي اعتقادهم أن إثبات صفات الباري ، يقتضي تجسيمه وتشبيهه بخلقه.
قال شيخ الإسلام وهو يذكر ما يستلزمه إثبات الصفات في اعتقادهم: «ويستلزم أيضًا [أي إثبات الصفات] التشبيه. والتوحيد عندهم: نفي التشبيه والتجسيم» (١)؛ ولذلك فقد رأوا أن تعبير شيخ الإسلام في عقيدته الواسطية بنفي التمثيل والتكييف، غير واف بالمقصود ولا مُحققٍ للمطلوب من تنزيه الله عن مشابهة خلقه، بل لا بد مع ذلك من نفي التشبيه والتجسيم أيضاً (٢).
ومن أسباب تركيزهم على هذا الأمر غير ما سبق ذكره هو أن "كثيراً من هؤلاء قرأوا كتباً من كتب الكلام فيها شبهات أضلتهم، ولم يهتدوا لجوابها، فإنهم يجدون في تلك الكتب أنه لو كان الله فوق الخلق للزم التجسيم والتحيز والجهة، وهم لا يعرفون حقائق هذه الألفاظ وما أراد بها أصحابها" (٣)، فاعتقدوا ما فيها، فجعلوا إثبات الصفات تجسيماً وتشبيهاً، فضلوا عن الصراط المستقيم وحادوا عن الطريق القويم.
الوجه الثاني: الجواب على الشبهة المذكورة:
لم يكن شيخ الإسلام يترك كلمة مما يطرحه مناظروه دون بيان الحق فيها،
стр. 511
وتفصيل المجمل منها، وتوضيح المبهم خلالها، فمخالفو الشيخ وإن لم يصرحوا هنا بالرد عليه ومواجهته بما اعتقدوه، وإنما عرَّضوا دون تصريح، ولمحوا دون توضيح؛ خشيةَ ردهِ عليهمْ، وكشفهِ لزيفهم، إلا أن الشيخ -مع هذا-لم يدعْهم وشأنهم، بل بين حقيقة ما إليه لمحوا، وفساد ما به عرضوا، وذلك في المناظرة نفسها، وقبل المناظرة وبعدها من خلال ما صنف وألف من كتب ورسائل.
وبين شيخ الإسلام سبب تعبيره بنفي التكييف والتمثيل دون التشبيه والتجسيم، وذلك من أوجهٍ كثيرة أهمها ما يلي:
أولاً: أن الشرع إنما جاء بنفي التكييف والتمثيل، وهو الذي وردت به النصوص، وجاء نفيه على لسان السلف، وقد التزم شيخ الإسلام بأن لا يعبر في عقيدته الواسطية إلا بما ورد في الكتاب والسنة، أو كان بإجماع سلف هذه الأمة، حيث قال ﵀: «وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة» (١)، وقال: «ليس في هذا لفظٌ واحدٌ من عندي، وإنما هو من كتاب الله وسنةِ رسوله وألفاظِ سلفِ الأمة، أو ألفاظِ مَن نقلَ مذاهب سلف الأمة وأهل السنة من الأئمة الموثوق بهم» (٢)، وقال أيضاً: «وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثاً أو إجماعاً سلفياً، وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين والفقهاء الأربعة والمتكلمين وأهل الحديث والصوفية» (٣). وقال: «أنا أُمهِل من خالفني ثلاثَ سنين، فإن جاء بحرفٍ واحدٍ ثابتٍ عن القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم يُناقِضُ حرفًا مما قلتُه وذكرتُه عنهم رجعتُ عن ذلك» (٤).
ثانياً: ما في لفظا التشبيه والتجسيم من إجمال وإيهام، فإن نفي التشبيه وإن كان حقًا واردًا عن سلف الأمة، إلا أن أهل البدع قد ادخلوا في التشبيه الواجب
стр. 512
نفيه عن الله ما ليس منه، فجعلوا من نفي التشبيه نفي الاشتراك في المعنى العام أو ما يسمى القدر المشترك، ليتوصلوا بذلك إلى نفي الصفات وتحريفها عن معانيها، وقد بين شيخ الإسلام أن نفي التشبيه من كل وجه هو التعطيل والجحود لرب العالمين وإثباته مطلقاً هو جعل الأنداد لرب العالمين (١)، ولما كان كذلك "لم يرد الكتاب والسنة به مطلقًا لا في نفي ولا إثبات، ولكن جاءت النصوص في النفي بلفظ: المثل والكفو والند والسمي" (٢). وإثبات القدر المشترك حق لا يستلزم تمثيل الله بخلقه، ولا ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله تعالى (٣) "وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه، فالله تعالى مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته، والعبد لا يشركه في شيء من ذلك، والعبد أيضاً مختص بوجوده وعلمه وقدرته، والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه، وإذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة، فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في الأذهان لا في الأعيان، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه" (٤).
قال شيخ الإسلام: «وأصل ضلال هؤلاء أن لفظ: (التشبيه) لفظ فيه إجمال، فما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك يتفق فيه الشيئان، ولكن ذلك المشترك المتفق عليه لا يكون في الخارج بل في الذهن، ولا يجب تماثلهما فيه، بل الغالب تفاضل الأشياء في ذلك القدر المشترك، فأنت إذا قلت عن المخلوقين: حي وحي، وعليم وعليم، وقدير وقدير، لم يلزم تماثل الشيئين في الحياة والعلم والقدرة، ولا يلزم أن تكون حياة أحدهما وعلمه وقدرته نفس حياة الآخر وعلمه وقدرته، ولا أن يكونا مشتركين في موجود في الخارج عن الذهن؛ ومن هنا ضل هؤلاء الجهال بمسمى التشبيه الذي يجب نفيه عن الله، وجعلوا ذلك ذريعة إلى التعطيل
стр. 513
المحض، والتعطيل شر من التجسيم، والمشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والممثل أعشى، والمعطل أعمى» (١).
وأما لفظ الجسم فلا يطلق على الله نفياً ولا إثباتاً؛ لأنه لم يرد في النصوص نفيه ولا إثباته، ولأنه من الألفاظ المجملة التي يحتمل نفيها حقاً وباطلاً، ولذلك يستفصل ممن نفاه: أتريدُ به أن الله جسمٌ من جنس الأجسام المخلوقة، بحيث يكون من جنس البشر لحمًا ودمًا وعصبًا وعظمًا، فنفي هذا المعنى حق ويجب تنزيه الله عنه، وهو داخل في (التمثيل) الذي جاءت النصوص بنفيه.
وإن أردت بالجسم: الشيء القائم بنفسه المتصف بما يليق به، فنفي هذا المعنى عن الله باطل؛ لأننا نؤمن بأن لله ذاتاً موصوفة بصفات الكمال اللائقة به ، وهذا ما جاءت به النصوص ودلت عليه الأدلة السمعية والعقلية.
وهذا المعنى الصحيح الثابت هو الذي يعنيه هؤلاء المعطلة بنفيهم للتجسيم، فهم إنما أرادوا التوصل بهذا إلى نفي ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من الصفات اللائقة بجلاله وعظيم سلطانه (٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: «والمقصود هنا أنه لما ظهرت الجهمية نفاة الصفات تكلم الناس في (الجسم)، وفي إدخال لفظ (الجسم) في أصول الدين وفي التوحيد، وكان هذا من الكلام المذموم عند السلف والأئمة، فصار الناس في لفظ (الجسم)، على ثلاثة أقوال: طائفة تقول: إنه جسم، وطائفة تقول: ليس بجسم، وطائفة تمتنع عن إطلاق القول بهذا؛ وهذا لكونه بدعة في الشرع، أو لكونه في العقل يتناول حقاً وباطلاً، فمنهم من يكف عن التكلم في ذلك، ومنهم من يستفصل المتكلم: فإن ذكر في النفي أو الإثبات معنى صحيحاً قبله، وعبر عنه بعبارة شرعية، لا يعبر عنها بعبارة مكروهة في الشرع، وإن ذكر معنى باطلاً رده؛ وذلك أن لفظ (الجسم) فيه اشتراك بين معناه في اللغة، ومعانيه المصطلح عليها،
стр. 514
وفي المعنى منازعات عقلية، فيطلقه كل قوم بحسب اصطلاحهم وحسب اعتقادهم» (١).
ثالثاً: بين ﵀ أن قوله في الواسطية: (من غير تكييف ولا تمثيل)، يقتضي نفي كل معنى باطل ينزه الله عنه، وإنما جاءت النصوص والآثار بنفيهما؛ لأن في نفيهما نفي كل ما يتصور منه مشاركة المخلوق للخالق في أي شيء من خصائصه، وتنزيهه عن مماثلة مخلوقاته من أي وجه من الوجوه، قال شيخ الإسلام موضحا هذا: «ولكن جاءت النصوص في النفي بلفظ المثل والكفو والند والسمي … وبينا أن الله ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، فيجب أن ينفى عنه المثل مطلقاً ومقيداً، وكذلك الند والكفو والشريك ونحو ذلك من الأسماء التي جاء القرآن بنفيها، وذكرنا من أدلة ذلك أن الله تعالى لما نفى المثل عن نفسه … فلا يخلو:
إما أن يكون النفي من ذلك مختصًّا بالمماثل له من كل وجه: وهو المكافئ له من كل وجه فقط، والمساوي والمعادل له والمكافئ له من كل وجه.
أو يكون النفي عاماً في المماثل ولو من بعض الوجوه، والمكافئ ولو من بعض الوجوه.
ولا يجوز أن يكون النفي مختصًّا بالقسم الأول؛ لأن هذا لم يعتقده أحد من البشر، وهو سبحانه ذم ونهى عما هو موجود في البشر؛ ولأن النبي ﷺ قال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال: (أجعلتني لله ندًّا، بل ما شاء الله وحده) (٢)، فثبت أن هذه الأسماء المنفية تعم المثل والكفو والند والشريك والعديل ولو من بعض الوجوه، وهذا هو الحق؛ وذلك لأن المخلوقات وإن كان فيها شبه من بعض الوجوه: في مثل معنى الموجود والحي والعليم والقدير، فليست مماثلة بوجه من الوجوه ولا مكافأة له، بل هو سبحانه له المثل الأعلى في كل ما يثبت له
стр. 515
ولغيره، ولما ينفى عنه وعن غيره، لا يماثله غيره في إثبات شيء ولا في نفيه، بل المثبت له من الصفات الوجودية المختصة بالله التي تعجز عقول البشر عن معرفتها، وألسنتهم عن صفتها، ما لا يعلمه إلا الله، مما لا نسبة إلى ما علموه من الأمر المشتبه المشترك إليه.
والمنفي عنه لابد أن يستلزم وصفاً ثبوتيًّا -كما قررنا هذا في غير هذا الموضع- ومنافاته لذلك المنفي وبعده عنه، ومنافاة صفاته الوجودية له، فيه من الاختصاص الذي لا يشركه فيه أحد ما لا يعلمه أيضاً إلا هو.
بخلاف لفظ التشبيه فإنه يقال على ما يشبه غيره ولو من بعض الوجوه البعيدة، وهذا مما يجب القول به شرعاً وعقلاً بالاتفاق، ولهذا لما عرف الأئمة ذلك، وعرفوا حقيقة قول الجهمية، وأن نفيهم لذلك من كل وجه مستلزم لتعطيل الصانع ووجوده؛ كانوا يبينون ما في كلامهم من النفاق والتعطيل، ويمنعون عن إطلاق لفظهم العليل؛ لما فهموه من مقصودهم، وإن لم يفهمه أهل الجهل والتضليل» (١).
رابعاً: أن لفظ التشبيه الذي ينفونه عن الله ، ويحرصون على نفيه، هم أنفسهم مختلفون فيه، وليس لهم ضابط محدد فيه؛ فلذلك تجدهم يرد بعضهم على بعض، وينقض بعضهم ما يثبته البعض، بحجة أن هذا تشبيه ينزه الله عنه، قال شيخ الإسلام: «فطرق العلم بنفي ما ينزه الرب عنه متسعة، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم كما فعله أهل القصور والتقصير، الذين تناقضوا في ذلك وفرّقوا بين المتماثلين، حتى إن كل من أثبت شيئًا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه» (٢).
خامساً: أن إثبات الصفات لا يقتضي مشابهة المخلوقات، بل نفيها عنه يقتضي تشبيهه بالمعدومات؛ ولذلك فقد وقعوا فيما فروا منه، فلا زالوا ينفون عن الله ما يستحقه من الأسماء والأوصاف، حتى شبهوه بالمعدومات بل غلوا في ذلك
стр. 516
حتى شبهوه بالممتنعات، فهربوا من أمر ووقعوا في ما هو أعظم منه، قال شيخ الإسلام: «فآل بهم إغراقهم في نفي التشبيه إلى أن وصفوه بغاية التعطيل، ثم إنهم لم يخلصوا مما فروا منه، بل يلزمهم على قياس قولهم أن يكونوا قد شبهوه بالممتنع الذي هو أخس من الموجود والمعدوم الممكن، ففروا في زعمهم من تشبيهه بالموجودات والمعدومات، ووصفوه بصفات الممتنعات التي لا تقبل الوجود، بخلاف المعدومات الممكنات، وتشبيهه بالممتنعات شر من تشبيهه بالموجودات والمعدومات الممكنات» (١).
المسألة الثالثة: دعواهم أن إثبات الصفات إنما هو اعتقاد أحمد فحسب:
تمهيد:
بعد أن أعيت مناظري شيخ الإسلام الحجة، وانقطعت أمامهم المحجة، بدأوا باستخدام طريقة العجزة المفلسين، وذلك برمي الدعاوى والاتهامات دون حجج وأدلة، فرموه بتهمة التشبيه والتجسيم، ثم حاولوا بعد ذلك أن يبحثوا عن منشأ القول بإثبات الصفات -الذي يسمونه تشبيهاً وتجسيماً-؛ وذلك ليقرروا تأثره بتلك الجذور، وأن هذا القول إنما اختص به شيخ الإسلام ومن تأثر به، ولذلك فقد نسبوا اعتقاده الذي كتبه في إثبات الصفات إلى أنه مذهب الإمام أحمد، وأشاروا إلى أنه قد اعترى أصحاب أحمد ومتبعيه من التشبيه والتجسيم الشيء الكثير.
ومن الحاضرين من تعاطف مع شيخ الإسلام فأشار عليه بأن ينسب هذا القول لأحمد، لينقطع الخصوم، ويتخلص شيخ الإسلام -بهذه الطريقة- من نقاشهم وجداله؛، وما ذلك إلا لأن القوم أهل تقليد أعمى، فالاحتجاج عليهم بمذهب إمام متبع، أوقعُ في نفوسهم وأجدرُ بالقبول، من الاحتجاج بآية بينة أو حديث صحيح.
стр. 517
ودراسة هذه المسألة ومناقشة هذه الشبهة من وجهين اثنين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
يبدو أن أصل الشبهة عند من طرح هذه المسألة: هي ظنه أن المعتقد الذي نص عليه شيخ الإسلام في الواسطية: من إثبات صفات الباري . إنما هو مذهب اختص به الإمام أحمد دون غيره من علماء الأمة كافة، وأئمة المذاهب الأربعة خاصة، حتى آل الأمر بكثير من الحنابلة إلى القول بالتشبيه والتجسيم، وذلك لكثرة النصوص الواردة عن الإمام أحمد في إثبات الصفات والرد على منكريها ومحرفيها، واشتهار الحنابلة بذلك، بخلاف أتباع المذاهب الثلاثة الذين انتشرت فيهم مذاهب المتكلمين أكثر، من تعطيل الصفات وتحريفها، وأصبح أكثر المنتسبين لها على مذهب المعطلة: من جهمية وكلابية وأشاعرة وماتريدية.
وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن هذه التهمة -أي التشبيه والتجسيم- لم تقتصر على الحنابلة فقط، بل إن أهل البدع يطلقونها على جميع مثبتة الصفات من أهل السنة والحديث، وإنما اشتهرت النسبة لأحمد دون غيره؛ لما كان عليه ﵀ من إمامةٍ لأهل السنة، ووقوف في وجه أهل الكلام والبدعة، ورفعهِ لراية الإثبات ورده على معطلة الصفات.
قال شيخ الإسلام: «لكن لما جرت محنة الجهمية نفاة الصفات، وسموا من أثبتها مجسماً في عهد الإمام أحمد، وقالوا: إن القرآن مخلوق، وحقيقة ذلك أن الله لم يتكلم بشيء. وقالوا: إنه لا يُرى، ونحو ذلك -قام أحمد بن حنبل من إظهار السنة والصفات، وإثبات ما جاء في الكتاب والسنة من هذا الباب بما لم يحتج إليه غيره من الأئمة، وظهر ذلك في جميع أهل السنة والحديث من جميع الطوائف، وصاروا متفقين على تعظيم أحمد وجعله إماماً للسنة، فصار يظهر في أصحابه من الإثبات ما لا يظهر في غيرهم، بسبب كثرة نصوصهم في هذا الباب، والنفاة يسمون المثبتة مجسمة ومشبهة» (١).
стр. 518
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام فساد هذا القول من أوجه عدة أهمها ما يلي:
أولاً: أن نسبة هذه العقيدة لأحمد فحسب خطأ؛ وذلك أن هذا الاعتقاد هو اعتقاد أئمة السلف جميعهم وليست عقيدة أحمد فحسب، فكلهم مجمعون على إثبات الصفات له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهذا ما احتج به شيخ الإسلام عليهم في هذه المناظرة، فقال: «ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا» (١) وقال مرة: «لا والله؛ ليس لأحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث، وقلت أيضاً: هذا اعتقاد رسول الله ﷺ ، وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به: آيةً أو حديثًا أو إجماعًا سلفيًا» (٢).
ثانياً: أن هذه العقيدة إنما هي مأخوذة من الكتاب والسنة، فهي العقيدة التي جاء بها محمد بن عبد الله ﷺ ، ويجب على كل مسلم اعتقادها، وما الإمام أحمد إلا مبلغ للعلم الذي جاء به الرسول ﷺ ، ولو جاء بشيء من تلقاء نفسه لم يقبل منه (٣) "فإن أحمد لم يأخذ عنه المسلمون كلمة واحدة من صفات الله تعالى قالها هو، بل الأحاديث التي يرويها أهل العلم في صفات الله تعالى: كانت موجودة عند الأمة قبل أن يولد الإمام أحمد، وقد رواها أهل العلم غير الإمام أحمد؛ فلا يحتاج الناس فيها إلى رواية أحمد بل هي معروفة ثابتة عن النبي ﷺ ولو لم يخلق أحمد" (٤)، قال شيخ الإسلام: «وما تكلم به من السنة؛ فإنما أضيف له لكونه أظهره وأبداه، لا لكونه أنشأه وابتدأه، وإلا فالسنة سنة النبي ﷺ ، فأصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وما قاله الإمام أحمد هو قول
стр. 519
الأئمة قبله؛ كمالك، والثوري (١)، والأوزاعي (٢)، وحماد بن زيد (٣)، وحماد بن سلمة (٤)، وقول التابعين قبل هؤلاء وقول الصحابة الذين أخذوه عن النبي ﷺ ، وأحاديث السنة معروفة في الصحيحين وغيرهما من كتب الإسلام. والنقل عن أحمد وغيره من أئمة السنة: متواتر بإثبات صفات الله تعالى وهؤلاء متبعون في ذلك ما تواتر عن النبي ﷺ » (٥).
ثالثاً: أن سبب اشتهار هذا المعتقد عن الحنابلة هو "أن الإمام أحمد له من الكلام في أصول الدين وتقرير ما جاءت به السنة والشريعة في ذلك، ما هو عليه جماعة المؤمنين وإظهار دلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، والرد على أهل الأهواء والبدع المخالفين للكتاب والسنة في ذلك، أعظم مما لغيره؛ لأنه ابتلي بذلك أكثر مما ابتلي به غيره؛ ولأنه اتصل إليه من سنن رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعيهم والأئمة بعدهم أعظم مما اتصل إلى غيره، فصار له من الصبر واليقين الذي جعلهما الله تعالى سببًا للإمامة في الدين بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا
стр. 520
عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣]، ما جعله الله له من الإمامة في أصول الدين السّنية الشرعية ما أنعم الله به عليه وفضله به، فأتباعه لا يمكنهم مع إظهار موافقتهم له من الانحراف ما يمكن غيرهم ممن لم يجد لمتبوعه من النصوص في هذا الباب ما يصده عن مخالفته، ولهذا يوجد في غيرهم من الانحراف في طرفي النفي والإثبات في مسائل الصفات والقدر والوعيد والإمامة وغير ذلك، أكثر مما يوجد فيهم وهذا معلوم بالاستقراء؛ ولهذا مازال كثير من أئمة الطوائف الفقهاء وأهل الحديث والصوفية، وإن كانوا في فروع الشريعة مُتَّبعين بعض أئمة المسلمين ﵃ أجمعين-، فإنهم يقولون: نحن في الأصول أو في السنة على مذهب أحمد بن حنبل، لا يقولون ذلك لاختصاص أحمد بقول لم يقله الأئمة، ولا طعنًا في غيره من الأئمة بمخالفة السنة؛ بل لأنه أظهر من السنة التي اتفقت عليها الأئمة قبله أكثر مما أظهره غيره، فظهر تأثير ذلك لوقوعه وقت الحاجة إليه، وظهور المخالفين للسنة، وقلة أنصار الحق وأعوانه" (١).
رابعاً: أن مرادهم بالتشبيه والتجسيم الذي رموا به الحنابلة هو إثباتهم للأسماء والصفات فجعلوا إثبات الأسماء والصفات تشبيهاً وتجسيماً "فلزم -على قولهم- أن يكون ما جاء به الكتاب والسنة، وما فطر الله عليه عباده، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها تجسيماً! " (٢) والعياذ بالله!
خامساً: أن وقوع بعض المنتسبين للإمام أحمد بأمور منكرة في الاعتقاد أو غيره، لا يكون حجة في رد ما جاء به وقرره من الاعتقاد الصحيح، أو حُجةً في نسبة هذه الأمور المنكرة إليه، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا الأمر ليس مختصاً بأحمد فحسب، فما من إمام إلا وقد انتسب إليه أناس هو منهم براء، كما انتسب إلى مالك والشافعي وأبي حنيفة أناس هم بريؤون منهم، وأوضح من ذلك: انتساب من انتسب إلى علي بن
стр. 521
أبي طالب ﵁، أو إلى رسول الله ﷺ من: الرافضة والقرامطة والباطنية، وغيرهم من أهل الإلحاد والنفاق (١).
الوجه الثاني: أن المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم، ولا يوجد نوع غلو في بعض الحنابلة إلا ويوجد في غيرهم من الطوائف ما هو أكثر منه، قال ﵀: «ثم ذلك ليس مختصًّا بالحنابلة، ولا هو فيهم أكثر منه في غيرهم، بل يوجد في الشافعية والمالكية والحنفية والصوفية وأهل الحديث وأهل الكلام من الإمامية وغيرهم من يطلق من هذه الألفاظ أمورًا لا يصل إليها أحد من الحنابلة» (٢)، وقال: «ولهذا يوجد في غيرهم من الانحراف في طرفي النفي والإثبات في مسائل الصفات والقدر والوعيد والإمامة وغير ذلك أكثر مما يوجد فيهم وهذا معلوم بالاستقراء» (٣).
وضرب شيخ الإسلام -لتقرير ما ذكر- بعض الأمثلة الواقعية التي يشاهدونها، فمن ذلك أن أصناف الأكراد كلهم شافعية، وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر، وأهل جيلان (٤) فيهم تشبيه وتجسيم وهم شافعية وحنبلية؛ والكرامية المجسمة كلهم حنفية وهم أهل تشبيه وتجسيم كما هو معلوم (٥).
المسألة الرابعة: مناقشة شيخ الإسلام فيما قرره من اعتقاد في القرآن وصفة الكلام:
يعتبر مذهب الكلابية والأشاعرة في كلام الله تعالى، من أهم خصائص
стр. 522
مذهبهم التي تميزه عن غيره؛ وذلك لأن قولهم في صفة الكلام قول غريب محدث لم يسبقوا إليه من قبل، بل هم أول من أحدثه وأول من ابتدعه، فقد كان الناس قبل ظهور الأشعري وابن كلاب على قولين لا ثالث لهما: ففريق يقول بأن كلام الله مخلوق منفصل بائن عنه وهم الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم، وفريق يقولون هو صفة قائمة بذات الله متعلقة بمشيئته وقدرته وهم أهل السنة والجماعة. ثم ظهر ابن كلاب فابتدع القول بأن كلام الله معنى واحد قديم لا تعلق له بمشيئة الله وإرادته، وتبعه على ذلك الأشعري وغيره، ولم يسبقهما لهذا القول أحد (١).
ولأهمية هذه المسألة عندهم، ولأنها من أخص الأصول التي يقوم عليها مذهبهم واعتقادهم؛ فقد أطالوا النقاش مع شيخ الإسلام حولها، وناقشوه في مواضع مختلفة منها، وذلك من خلال ما قرره ﵀ في عقيدته الواسطية، وستكون دراسة هذه المسألة من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم في القرآن وكلام الله:
اعترض الحاضرون في المناظرة على شيخ الإسلام بعدة أمور مما قرره في مسألة القرآن وكلام الله سبحانه، فاعترضوا عليه في قوله: «هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول: بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه» (٢)، وفي قوله: «هو كلام الله؛ حروفه ومعانيه» (٣)، وفي قوله: «منه بدأ، وإليه يعود» (٤)، وفي إثباته كلام الله سبحانه بصوت (٥)، وناقشوه فيما افتراه الرازي، وغيره من دعوى أن الإمام أحمد يقول: بأزلية الصوت والمداد (٦).
стр. 523
وأصل شبهة القوم التي بنوا عليها اعتقادهم في القرآن الكريم وكلام الله سبحانه، ومن ثمَّ اعترضوا على جميع ما يخالفها من تقريرات أهل السنة: هي اعتقادهم أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته؛ وذلك لأن هذا يستلزم -عندهم-حلول الحوادث بالله سبحانه، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
فلما خالفوا المعتزلة وأثبتوا الكلام صفة لله وعندهم كما سبق أن الصفات لا تعلق لها بالمشيئة؛ لأنها لو كانت كذلك لكانت حوادث، قالوا بأن كلام الله: إنما هو معنى واحد قديم، ليس قائماً بالذات، وليس بحروف ولا أصوات، لأن الحروف والأصوات مقدورة مرادة تتعلق بها المشيئة.
ثم إنهم نظروا للقرآن الكريم فوجدوه يتألف من معان وحروف، وهم قد نفوا أن يكون كلام الله بحروف وأصوات؛ فقالوا -لكي لا ينقضوا أصلهم-: القرآن ليس هو كلام الله حقيقة، وإنما هو حكاية أو عبارة عن كلام الله، واعترضوا على شيخ الإسلام فيما ذكر في عقيدته من بطلان هذا.
وقالوا -إضافة إلى ذلك-: إن القرآن إنما كان ابتداء لفظه ومبناه من جبريل ﵇ أو من محمد ﷺ ، ولذلك استشكلوا عبارة أهل السنة التي نقلها شيخ الإسلام في اعتقاده ألا وهي: (منه بدأ وإليه يعود) (١).
وهكذا لما بنوا عقيدتهم على باطل، لزمتهم هذه اللوازم كلها، فانحرفوا هذا الانحراف كله، وما مثلهم إلا مثل من بنى بيتاً على أساس معوج، ثم أراد أن يبني فوقه طابقاً آخر فجعله -لكي يستقيم مع الأساس- معوجاً مثله، ثم بنى ثالثاً ورابعاً كل منها أعوج من سابقه، فصار المبنى على أقبح صورة وأبشع منظر، يهتز مع كل ريح تعصف به، ولا يستطيع الرسوخ أمام سيول الحق الجارفة ورياحه العاصفة، ولو أن أصحابه اشتغلوا بتسوية الأساس وتقويمه، خير لهم من البناء على أساس ذي اعوجاج، يكون عاقبته الانهيار والدمار. ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
стр. 524
وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩].
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
إن مفهوم كلام الأشاعرة -بل هو صريح قولهم- أن القرآن ليس كلام الله سبحانه؛ لأن القرآن مكون من حروف ومعان، وكلام الله إنما هو معنى قائم في ذاته لا غير، فيكون القرآن كلام غير الله، حاكياً أو معبراً به عن كلام الله القائم في نفسه، فهو كلام جبريل أو كلام محمد ﷺ عبر به عن كلام الله القائم بنفسه، وتسميته كلاماً لله إنما هو من باب المجاز لا الحقيقة (١).
وقد رد عليهم شيخ الإسلام بردود عديدة بين فيها فساد شبهة القوم ومقالتهم من وجوه عدة أهمها ما يلي:
الوجه الأول: الرد على قولهم: إن القرآن كلام الله معانيه دون حروفه ، وذلك من وجوه:
١) أن "الله تعالى قد سمى نفس مجموع اللفظ والمعنى: قرآناً، وكتاباً، وكلاماً، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحِجر:١]، وقال: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء:١ - ٢]، وقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، إلى قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ [الأحقاف:٣٠]، فبين أن الذي سمعوه هو القرآن" (٢)، والمعنى المجرد من الحروف لا يمكن سماعه بديهةً.
٢) أن الله قد أخبر عن تكليمه موسى في آيات عديدة، وقد "وكد تكليمه لموسى بالمصدر" (٣)، وفي ذلك "دليل على تكليمٍ سَمِعهُ موسى، والمعنى المجرد
стр. 525
لا يُسمع بالضرورة، ومن قال: إنه يُسمع فهو مكابر" (١).
٣) ومن الأدلة التي تدل على هذا أيضًا قوله تعالى: «﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]، كان بعض المشركين يقولون: إن محمداً إنما يتعلم القرآن من عبد لبني الحضرمي، فقال الله - تعالى -: لسان الذي يضيفون إليه القرآن لسان أعجمي، وهذا لسان عربي مبين، وهذا يبين أن محمداً بلغ القرآن لفظه ومعناه، لم ينزل عليه معاني مجردة، إذ لو كان كذلك لأمكن أن يقال: تلقى من هذا الأعجمي معاني صاغها بلسانه، فلما ذكر قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]، بعد قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، دل ذلك على أن روح القدس نزل بهذا اللسان العربي المبين» (٢).
٤) أن قولهم مخالف للغة والعرف واصطلاح الناس؛ فإنهم لا يجعلون الكلام حروفاً مجردة فقط ولا معاني مجردة فقط، بل الكلام مجموع الأمرين؛ وذلك كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد بل مجموعهما (٣).
٥) أن قولهم مخالف لإجماع السلف؛ فإن "الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد، والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد (٤)، وغيره، وسائر الأمة قبلهم، وبعدهم اتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه، ومعانيه ليس شيء من ذلك كلاماً لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسماً لمجرد المعاني، ولا لمجرد الحروف
стр. 526
بل لمجموعهما" (١).
الوجه الثاني: الرد على نفيهم تعلق كلام الله بمشيئته وإرادته:
أما نفيهم كون القرآن كلام الله؛ لأن كلام الله لا يتعلق بمشيئته وإرادته، فهذا باطل؛ لأن النصوص الدالة على أن كلام الله متعلق بمشيئته لا تحصى كثرة كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٨]، قال شيخ الإسلام معلقاً على هذا النص: «وفي هذا دليل على أنه حينئذ نودي، ولم يناد قبل ذلك، ولما فيها من معنى الظرف» (٢).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، فإنه وقت النداء بظرف محدود، "فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره من الظروف، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه" (٣).
"ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] … ، وأمثال ذلك مما فيه توقيت بعض أقوال الرب بوقت معين؛ فإن الكلابية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة يقولون: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته" (٤)، وهذه النصوص واضحة الدلالة في الرد عليهم؛ لأنها إذا كانت دالة على أن الله تكلم بالكلام المذكور، في ذلك الوقت، فكيف يقال إن هذا الكلام كان أزلياً أبدياً.
وهل يمكن أن يقال: إنه لم يزل ولا يزال قائلاً: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص:٣٠]، و ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة:٣٤]، و ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود:٤٨]؟! (٥).
وأما الأحاديث الدالة على ذلك فكثيرة أيضاً: ومنها: قول النبي ﷺ لما صلى
стр. 527
بهم صلاة الصبح بالحديبية (أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر … ) (١)، الحديث.
وحديث: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كالسلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: قال الحق وهو العلي الكبير … ) الحديث (٢).
وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي علقت بعض ما يتكلم به الباري سبحانه بوقت معين، مما يدل دلالة واضحة على أن كلامه متعلق بمشيئته وقدرته.
ومما يدل على ذلك ما جاء في الأحاديث من وصف الله بالسكوت كحديث: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو … ) (٣)، الحديث.
وحديث: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) (٤). فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن كلام الله متعلق بمشيئته وإرادته فإن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم.
стр. 528
الوجه الثالث: الرد على إضافتهم ابتداء القرآن إلى جبريل أو محمد عليهما الصلاة والسلام (١):
أنكر بعض المخالفين على شيخ الإسلام عبارته في القرآن "منه بدأ وإليه يعود"؛ وذلك لأنهم يرون عدم ابتدائه من الله جل وجلاله؛ بل يضيفونه لمن بلغه عنه أو أداه، وهذا القول باطل من وجوه:
أولاً: أن قولهم هذا مخالف لصريح ما دلت عليه النصوص كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، وغيرها من النصوص الكثيرة التي تدل على هذا وتبرهن عليه (٢).
ثانياً: أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً ومؤدياً، "فالرجل إذا بلغ قول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (٣)، كان قد بلغ كلام النبي ﷺ بحركاته، وأصواته، وكذا إذا أنشد شعر شاعر كامرئ القيس (٤) أو غيره، فإذا قال:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل (٥)
стр. 529
كان هذا الشعر شعر امرئ القيس، وإن كان هذا قاله بحركاته، وأصواته. وهذا أمر مستقر في فطر الناس كلهم يعلمون أن الكلام كلام من تكلم به مبتدئاً، آمراً بأمره، ومخبراً بخبره، ومؤلفاً حروفه، ومعانيه، وغيره إذا بلغه عنه علم الناس أن هذا كلام للمُبلَغ عنه لا للمُبلِغ، وهم يفرقون بين أن يقوله المتكلم به، والمبلغ عنه، وبين سماعه من الأول، وسماعه من الثاني؛ ولهذا كان من المستقر عند المسلمين أن القرآن الذي يسمعونه هو كلام الله كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، مع علمهم بأن القارئ يقرؤه بصوته كما قال النبي ﷺ : (زينوا القرآن بأصواتكم) (١)، فالكلام كلام البارئ، والصوت هو صوت القارئ" (٢).
ثالثاً: أن قولهم هذا مخالف لما تواتر عن السلف من قولهم عند ذكر عقيدة أهل السنة في القرآن «منه بدأ وإليه يعود»، ومرادهم بذلك أنه "هو المتكلم به، لم يبتدئ من غيره كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق، قالوا: خلقه في غيره" (٣)، "فيكون قد ابتدأ، وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه لا من الله، كما يقولون: كلامه لموسى خرج من الشجرة. فبين السلف، والأئمة أن القرآن من الله بدأ، وخرج" (٤)، لم يبتدئ من غيره من الموجودات.
الوجه الرابع: الرد على إنكارهم كلام الله بصوت:
وأما ما أنكروه من ثبوت نداء الله بصوت، فقد بين شيخ الإسلام أن هذا مما تكاثرت فيه النصوص من القرآن كقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ
стр. 530
نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠]، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، ففي هذه الآيات "إثبات النداء لله تعالى، وقد أخبر الله تعالى في القرآن بندائه لعباده في أكثر من عشرة مواضع، والنداء لا يكون إلا صوتاً باتفاق أهل اللغة، وسائر الناس" (١).
وقد "استفاضت الآثار عن النبي ﷺ ، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة السنة أنه -سبحانه- ينادي بصوت: نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بصوت" (٢)، "والنداء في لغة العرب هو صوت رفيع؛ لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقة، ولا مجازاً" (٣) "باتفاق أهل اللغة" (٤). و"هذا مما اتفق عليه سلف المسلمين وجمهورهم" (٥).
المسألة الخامسة: محاولة الخصوم إثبات التأويل عن السلف:
تمهيد:
قرر شيخ الإسلام ﵀ أثناء مناظرته في العقيدة الواسطية، وجوب إثبات الصفات لله من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف، وأكد أن هذه العقيدة عليها إجماع السلف، وأنهم كانوا يثبتون ما ورد في النصوص من صفات الله من غير تمثيل لها بصفات المخلوقين، ومن غير تحريف لها عن معناها الحق وصرفها عن ظاهرها التي دلت عليه، بل يقرون بها كما هي حق على حقيقتها، ويفوضون علم كيفيتها إلى الله سبحانه، وبين ﵀ أن هذا الأمر