← Акыда

Акыда · id 902

المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية

هيثم الحمري

Полный текст (731 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بل لمجموعهما" (١). الوجه الثاني: الرد على نفيهم تعلق كلام الله بمشيئته وإرادته: أما نفيهم كون القرآن كلام الله؛ لأن كلام الله لا يتعلق بمشيئته وإرادته، فهذا باطل؛ لأن النصوص الدالة على أن كلام الله متعلق بمشيئته لا تحصى كثرة كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٨]، قال شيخ الإسلام معلقاً على هذا النص: «وفي هذا دليل على أنه حينئذ نودي، ولم يناد قبل ذلك، ولما فيها من معنى الظرف» (٢). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، فإنه وقت النداء بظرف محدود، "فدل على أن النداء يقع في ذلك الحين دون غيره من الظروف، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء إلا فيه" (٣). "ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] … ، وأمثال ذلك مما فيه توقيت بعض أقوال الرب بوقت معين؛ فإن الكلابية ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة يقولون: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته" (٤)، وهذه النصوص واضحة الدلالة في الرد عليهم؛ لأنها إذا كانت دالة على أن الله تكلم بالكلام المذكور، في ذلك الوقت، فكيف يقال إن هذا الكلام كان أزلياً أبدياً. وهل يمكن أن يقال: إنه لم يزل ولا يزال قائلاً: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص:٣٠]، و ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة:٣٤]، و ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود:٤٨]؟! (٥). وأما الأحاديث الدالة على ذلك فكثيرة أيضاً: ومنها: قول النبي ﷺ لما صلى

стр. 527

بهم صلاة الصبح بالحديبية (أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر … ) (١)، الحديث. وحديث: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كالسلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: قال الحق وهو العلي الكبير … ) الحديث (٢). وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي علقت بعض ما يتكلم به الباري سبحانه بوقت معين، مما يدل دلالة واضحة على أن كلامه متعلق بمشيئته وقدرته. ومما يدل على ذلك ما جاء في الأحاديث من وصف الله بالسكوت كحديث: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو … ) (٣)، الحديث. وحديث: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) (٤). فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن كلام الله متعلق بمشيئته وإرادته فإن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم.

стр. 528

الوجه الثالث: الرد على إضافتهم ابتداء القرآن إلى جبريل أو محمد عليهما الصلاة والسلام (١): أنكر بعض المخالفين على شيخ الإسلام عبارته في القرآن "منه بدأ وإليه يعود"؛ وذلك لأنهم يرون عدم ابتدائه من الله جل وجلاله؛ بل يضيفونه لمن بلغه عنه أو أداه، وهذا القول باطل من وجوه: أولاً: أن قولهم هذا مخالف لصريح ما دلت عليه النصوص كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:٦]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، وغيرها من النصوص الكثيرة التي تدل على هذا وتبرهن عليه (٢). ثانياً: أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً ومؤدياً، "فالرجل إذا بلغ قول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (٣)، كان قد بلغ كلام النبي ﷺ بحركاته، وأصواته، وكذا إذا أنشد شعر شاعر كامرئ القيس (٤) أو غيره، فإذا قال: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل (٥)

стр. 529

كان هذا الشعر شعر امرئ القيس، وإن كان هذا قاله بحركاته، وأصواته. وهذا أمر مستقر في فطر الناس كلهم يعلمون أن الكلام كلام من تكلم به مبتدئاً، آمراً بأمره، ومخبراً بخبره، ومؤلفاً حروفه، ومعانيه، وغيره إذا بلغه عنه علم الناس أن هذا كلام للمُبلَغ عنه لا للمُبلِغ، وهم يفرقون بين أن يقوله المتكلم به، والمبلغ عنه، وبين سماعه من الأول، وسماعه من الثاني؛ ولهذا كان من المستقر عند المسلمين أن القرآن الذي يسمعونه هو كلام الله كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، مع علمهم بأن القارئ يقرؤه بصوته كما قال النبي ﷺ : (زينوا القرآن بأصواتكم) (١)، فالكلام كلام البارئ، والصوت هو صوت القارئ" (٢). ثالثاً: أن قولهم هذا مخالف لما تواتر عن السلف من قولهم عند ذكر عقيدة أهل السنة في القرآن «منه بدأ وإليه يعود»، ومرادهم بذلك أنه "هو المتكلم به، لم يبتدئ من غيره كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق، قالوا: خلقه في غيره" (٣)، "فيكون قد ابتدأ، وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه لا من الله، كما يقولون: كلامه لموسى خرج من الشجرة. فبين السلف، والأئمة أن القرآن من الله بدأ، وخرج" (٤)، لم يبتدئ من غيره من الموجودات. الوجه الرابع: الرد على إنكارهم كلام الله بصوت: وأما ما أنكروه من ثبوت نداء الله بصوت، فقد بين شيخ الإسلام أن هذا مما تكاثرت فيه النصوص من القرآن كقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ

стр. 530

نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، وقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠]، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، ففي هذه الآيات "إثبات النداء لله تعالى، وقد أخبر الله تعالى في القرآن بندائه لعباده في أكثر من عشرة مواضع، والنداء لا يكون إلا صوتاً باتفاق أهل اللغة، وسائر الناس" (١). وقد "استفاضت الآثار عن النبي ﷺ ، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة السنة أنه -سبحانه- ينادي بصوت: نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بصوت" (٢)، "والنداء في لغة العرب هو صوت رفيع؛ لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقة، ولا مجازاً" (٣) "باتفاق أهل اللغة" (٤). و"هذا مما اتفق عليه سلف المسلمين وجمهورهم" (٥). المسألة الخامسة: محاولة الخصوم إثبات التأويل عن السلف: تمهيد: قرر شيخ الإسلام ﵀ أثناء مناظرته في العقيدة الواسطية، وجوب إثبات الصفات لله من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف، وأكد أن هذه العقيدة عليها إجماع السلف، وأنهم كانوا يثبتون ما ورد في النصوص من صفات الله من غير تمثيل لها بصفات المخلوقين، ومن غير تحريف لها عن معناها الحق وصرفها عن ظاهرها التي دلت عليه، بل يقرون بها كما هي حق على حقيقتها، ويفوضون علم كيفيتها إلى الله سبحانه، وبين ﵀ أن هذا الأمر

стр. 531

لا خلاف فيه بين السلف ﵏، وعلى رأسهم الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم-، وتحدى مخالفيه بأن يأتوا بحرف واحد عن القرون المفضلة يخالف ما ذكره وقرره فقال: «قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك» (١). وجزم ﵀ في مواضع أخرى بعدم وجود أي اختلاف بين الصحابة، في تأويل أي صفة عن مقتضاها الظاهر منها، حيث قال ﵀: «وأما الذي أقوله الآن وأكتبه -وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس-: أن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات، أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف» (٢). وبالفعل فقد وقف القوم أمام هذا التحدي من شيخ الإسلام موقف العجز والضعف، فلم يستطيعوا الإتيان بشيء من ذلك في المجلس الأول الذي تحداهم فيه شيخ الإسلام، وطلبوا عقد مجلس آخر لعلهم أن يظفروا بشيء من ذلك ليواجهوا به الشيخ، فلما كان المجلس الثاني، جاءوا له ببعض ما ظنوه حججاً تبطل ما ادعاه شيخ الإسلام، فأظهر شيخ الإسلام -كما سيتضح- بطلان ما استدلوا به، وسوء فهمهم لنصوص الصفات، وما جاء عن السلف في تفسيرها، وغاية ما استدلوا به في هذه المناظرة -كما بين شيخ الإسلام- أمران اثنان:

стр. 532

الأمر الأول: ما جاء من تفسير مجاهد والشافعي لقوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] بقبلة الله. احتج المخالف على صحة طريقة المتكلمين التي يسمونها تأويلاً، بما جاء من تفسير مجاهد والشافعي للوجه بالجهة والقبلة. وأصل شبهة المخالف: ظنه أن هذه الآية هي من آيات الصفات التي لا يحتمل ظاهرها غير إثبات الصفة، ومع ذلك فقد قام الإمامان مجاهد والشافعي بتأويلها وصرفها عن ظاهرها، كما يفعل مؤولة الصفات بآيات الصفات وأحاديثها. وقد أجاب عنهم شيخ الإسلام بعدة أجوبة، تبطل شبهتهم هذه وتفسد عليهم احتجاجهم، فبين ﵀ أن هذا التفسير الذي ذكر عن مجاهد والشافعي تفسير صحيح ومقبول، وليس من التأويل المذموم التي تصرف فيه النصوص عن ظاهرها المراد، وتحرف عن معناها بغير حجة ولا دليل، وبيان ذلك من وجوه: أولاً: أن الوجه يطلق في اللغة على الجهة والوجهة، يقال: (قصدت هذا الوجه)، و (سافرت إلى هذا الوجه) أي: إلى هذه الجهة. ويقال: (أي وجه تريده؟) أي: أي جهة؟ و (أنا أريد هذا الوجه) أي: هذه الجهة. وهذا كثير مشهور، ومنه قول أنس في حديث الاستسقاء "فلم يقدم أحد من وجه من الوجوه إلا أخبر بالجود" وإذا كان الوجه يطلق في اللغة على الصفة التي هي الوجه وعلى الجهة، فالذي يحكم أيهما المراد هو سياق الكلام والقرائن المتصلة به (١). ثانياً: أن سياق الآية التي وردت به، يوضح هذا الأمر ويزيل اللبس فيه؛ "فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية" (٢)، وقد كان السياق هنا في ذكر الجهات حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، والمشرق والمغرب جهات. وأيضاً قد قال قبلها ﴿فَأَيْنَمَا

стр. 533

تُوَلُّوا﴾ وأين من الظروف. وتولوا: أي تستقبلوا. فالمعنى: أي موضع استقبلتموه، فهنالك وجه الله، فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله هذا، فدل على أن المراد الجهة والقبلة" (١). ثالثاً: أنه "قد أخبر أن وجهه (ثمَّ): أي في ذلك المكان، وهذا يناسب أن يكون قبلته في ذلك المكان؛ لأن صفته ليست في مكان" (٢)، "وتوجيه ذلك أن يقال: قوله (فثمَّ) إشارة إلى مكان وجود، والله تعالى فوق العالم، ليس هو في جوف الأمكنة" (٣). رابعاً: أن "قوله تعالى: ﴿وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨] كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كلتا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربتان، وكلاهما في شأن القبلة والوجه والجهة هو الذي ذكر في الآيتين: أنا نوليه: نستقبله" (٤). خامساً: ومما يؤيد حملها على القبلة ما ذكره أهل العلم "أن هذه الآية: فيما لا يتعين فيه استقبال الكعبة، كالمتطوع الراكب في السفر، فإنه يصلي حيث توجهت به راحلته، والعاجز الذي لا يعلم جهة الكعبة، أو لا يقدر على استقبال الكعبة، فإنه يصلي بحسب إمكانه إلى أي جهة أمكن، وذكروا أيضاً أنه نسخ ما تضمنته من تسويغ الاستقبال بيت المقدس كما كان ذلك قبل النسخ" (٥). سادساً: أن ما جاء عن السلف من تفسير الآية بالجهة والقبلة، فليس مرادهم فيه: صرفها عن ظاهرها ولا نفي صفة الوجه عن الله، كما هو فعل أهل الأهواء من المتكلمين وغيرهم الذين اعتقدوا عدم اتصاف الله بالصفات، ثم قاموا بتأويل النصوص الواردة فيها لتوافق ما قرروه من معتقد باطل. أما من ذكر عنهم تأويل

стр. 534

الآية من السلف فإنهم يثبتون صفات الله، ومنها صفة الوجه كما تليق بالله سبحانه، ويمرون الآيات الواردة في ذلك كما جاءت على ظاهرها، ويرون فساد طريقة أهل التأويل والتحريف، وإنما قالوا في هذه الآية ما قالوا؛ لأن ظاهر هذه الآية عندهم هو ما ذكروه من تفسير، فشتان بين صنيعهم وصنيع هؤلاء المتأخرين المنحرفين من أهل الكلام وأضرابهم، قال شيخ الإسلام ﵀: «والمقصود بهذا الكلام أن من قال من السلف والأئمة لم يقولوه؛ لأنهم ينفون وجه الله الذي يراه المؤمنون في الآخرة، بل قالوه؛ لأن ذلك ظاهر الخطاب عندهم؛ لأن لفظ الوجه مشهور أنه يقصد به الجهة والقبلة هي الجهة» (١)، وقال ﵀: «والغرض أنه إذا قيل: (فثم قبلة الله) لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه؛ الذي ينكره منكرو تأويل آيات الصفات؛ ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه والآية دالة عليه، وإن كانت دالة على ثبوت صفة فذاك شيء آخر» (٢). والخلاصة أن إثبات الصفة مقام، والخلاف في دليل معين مقام آخر، فالخلاف في دليل معين هل هو دال على الصفة أم لا، لا يستلزم الخلاف في الصفة نفسها، وعد الدليل المعين ليس عدمًا للمدلول. هذه الأدلة كلها ذكرها شيخ الإسلام ليبين أن تفسير الوجه في الآية بالجهة والقبلة تفسير صحيح في اللغة ودل عليه السياق في الآية، وليس هذا من تحريف القوم وتأويلهم في شيء، والذي خاصمهم فيه شيخ الإسلام وتحداهم أن يأتوا عن السلف بشيء منه: هو تأويل النصوص وصرفها عن ظاهرها المتبادر إلى معنى آخر غير ظاهر، بلا دليل صارف ولا حجة واضحة ولا قرينة صحيحة، كما يفعلون مع الآيات والأحاديث الصريحة في صفات الباري ﷻ . هذا، ومن الأدلة التي تقوي حمل الآية على القبلة، ما ورد في سبب نزول هذه الآية: وهو أن رسول الله ﷺ بعث سرية في غزاة، فأصابتهم ظلمة فلم يهتدوا

стр. 535

للقبلة فصلى كل منهم في جهة، فلما رجعوا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فسكت، فأنزل الله هذه الآية (١). ونحوها من الروايات التي تحمل نفس المعنى وتدل على الأمر ذاته، وهي وإن كانت لا يسلم شيء من طرقها وشواهدها من ضعف ليس باليسير، كما قال البيهقي ﵀: «لم نعلم لهذا الحديث إسناداً صحيحاً قوياً» (٢)، وقال العقيلي ﵀: «وأما حديث عامر بن ربيعة، فليس يروى من وجه يثبت متنه» (٣)، إلا أن عدداً من أهل العلم ذهبوا إلى تقوية بعضها ببعض، خصوصاً مع تعدد الصحابة الذين رووا هذه الآثار، قال شيخ الإسلام: «وبعض هذه الطرق مما يغلب على القلب أن الحديث له أصل، وهو محفوظ، فإن المحدث إذا كان إنما يخاف عليه من سوء حفظه، لا من جهة التهمة بالكذب، فإذا عضده محدث اخر أو محدثان من جنسه، قويت روايته، حتى يكاد أحياناً يعلم أنه قد حفظ ذلك الحديث، لا سيما إذا جاء به محدث آخر عن صحابي آخر؛ فإن تطرق سوء الحفظ في مثل ذلك إلى جماعة بعيد لا يلتفت إليه، إلا أن يعارض حديثهم ما هو أصح منه. وقد روى أصحاب التفسير عن ابن عباس ﵄ قال: خرج نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفر، وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة فتحروا القبلة وصلوا، فمنهم من صلى قبل المشرق، ومنهم من صلى قبل المغرب، فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا. فلما قدموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فنزلت هذه الآية. فهذا وإن لم يكن مما يحتج به منفرداً، فإنه يشد تلك الروايات ويقويها» (٤). وقال

стр. 536

ابن كثير ﵀: «وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشدّ بعضها بعضًا» (١). ويؤيد هذا أيضاً ما جاء من تفسير بعض الصحابة لهذه الآية بما ظاهره أن المراد منها القبلة والجهة، ومن أصرح ما جاء في ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵁ قال: (كان النبي يصلي على راحلته تطوعاً، أينما توجهت به وهو جاي من مكة إلى المدينة ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، فقال ابن عمر ﵁: في هذا أنزلت الآية) (٢). ومع هذا كله، فإنه لا مانع أيضاً من جعل الآية مع دلالتها على القبلة، دالة أيضاً على صفة الوجه لله ؛ لأن الله إنما ذكر هذا الموضع بلفظ الوجه لا بلفظ الجهة، وقد ثبت أيضاً بالنصوص الصحيحة المتواترة أن العبد عند استقباله للقبلة فإنه يستقبل ربه ، والله يقبل عليه بوجهه ما لم يصرف وجهه عنه، ومعلوم علو الله على الخلق وإحاطته بهم، وكل الجهات مخلوقة فمن استقبل شيئاً منها فهو متوجه إلى ربه ﷻ (٣). وخلاصة الأمر أن الآية محتملة للمعنيين فمن فسرها بأحدهما أو كليهما معاً، فإنه لم يصرفها عن ظاهرها المتبادر، ولم يتأول شيئاً منها على خلاف ما هو عليه، فلا مدخل لهم في ذلك، ولا حجة لهم فيما ورد من تفسير ذلك. الأمر الثاني: ما روي عن مالك في تأويل صفة النزول: واحتج المخالف أيضاً بما ورد عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ من تأويل صفة نزول الله بنزول أمره. وأصل الشبهة عنده: اعتقاده ثبوت هذا التأويل عن إمام دار الهجرة مالك بن

стр. 537

أنس ﵀، وبنى على ذلك أن تأويل الصفات مذهب معتبر عند السلف -رضوان الله عليهم-. وقد أجاب شيخ الإسلام على كلام المعترض ببيان عدم صحة الاستدلال بهذا الأثر وتوضيح وذلك لعدة بوجوه: أولاً: أن هذا الأثر لا يثبت عن الإمام مالك ﵀؛ وذلك لأنه من رواية كاتبه حبيب ابن أبي حبيب وهو كذاب لا تقبل روايته باتفاق أهل الجرح والتعديل، ولما احتج المخالف بأن لهذا الأثر طريقاً آخر ذكرها ابن عبد البر عن مطرف، بين شيخ الإسلام عدم حجية هذا الإسناد أيضاً؛ للجهالة التي فيه، فقال: «لكن الإسناد مجهول» (١)، وقال مرة: «وفي إسنادها من لا نعرفه» (٢). ويزيد ذلك توضيحاً بيان إسناد هاتين الروايتين، وما في إسنادهما من ضعف: أما الرواية الأولى: فهي ما جاء في موطأ مالك من رواية الجوهري قال: أخبرنا أحمد بن محمد المدني، قال: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس. وأخبرنا أحمد بن محمد المكي، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: (ينزل الله ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) لفظ المكي (٣). قال الجوهري: «قال: حبيب: قال مالك: يتنزل أمره في كل سحر، فأما ﵎ فهو دائم لا يزول وهو بكل مكان» (٤).

стр. 538

وقال الحافظ الذهبي في السير: «قال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب، حدثنا حبيب بن أبي حبيب، حدثني مالك، قال: «يتنزل ربنا ﵎: أمره، فأما هو فدائم لا يزول» (١)، وفي الإسناد حبيب بن أبي حبيب الذي بين شيخ الإسلام أنه كذاب باتفاق أهل العلم، قال أبو داود: «كان من أكذب الناس» وقال: «أحاديثه كلها موضوعة» وقال ابن حبان: «يروي الموضوعات عن الثقات» (٢). وقال ابن عدي: «وعامة حديث حبيب موضوع المتن مقلوب الإسناد، ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات، وأمره بيّن في الكذابين» (٣) ـ وأما الرواية الثانية: فقد ذكرها ابن عبد البر في التمهيد فقال: «وقد روى محمد بن علي الجبلي -وكان من ثقات المسلمين بالقيروان- قال: حدثنا جامع بن سوادة بمصر، قال: حدثنا مطرف، عن مالك بن أنس، أنه سئل عن الحديث: (إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا) فقال مالك: يتنزل أمره» (٤). وإسناد هذا الأثر باطل من وجوه ثلاثة: أولاً: الانقطاع بين ابن عبد البر والجبلي؛ فإن ابن عبد البر لم يذكر إسناده للجبلي. ثانياً: محمد بن علي الجبلي أبو الخطاب الشاعر، ترجم له الخطيب في تاريخه وقال: «وقيل كان رافضياً شديد الترفض» (٥)، وترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام فقال: «وكان أبو الخطاب مفرط القصر، وهو رافضي جلد» (٦)، وجاء

стр. 539

في ترجمته أنه كان شاعراً، وله قصيدة في مدح أبي العلاء المعري (١) مع ما هو معروف من انحرافه وزندقته (٢). ثالثاً: جامع بن سوادة، روى له الدارقطني في غرائب مالك حديثاً، وقال: «هذا الحديث باطل وجامع ضعيف» (٣)، وأخرج له ابن الجوزي حديثاً في الموضوعات، ثم قال: «هذا موضوع، وجامع مجهول» (٤)، وقال الذهبي في الميزان: «جامع بن سوادة عن آدم بن أبي إياس (٥) بخبر باطل في الجمع بين الزوجين» ثم قال: «كأنه آفته» (٦). ومما يدل على ضعف هاتين الروايتين وعدم ثبوتهما عن إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس ﵀، مخالفتهما للمشهور المعلوم الثابت عن الإمام من إثباته للصفات الاختيارية على حقيقتها دون تأويل باطل ولا تمثيل. ومن ذلك ما رواه ابن أبي زمنين (٧) في (أصول السنة) عن زهير بن

стр. 540

عباد (١) قال: «من أدركت من المشايخ مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك، ووكيع، كانوا يقولون: إن النزول حق» (٢). وكما في الأثر المشهور المستفيض عندما جاءه رجل وقال له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟، فتأثّر مالك ﵀ من هذه المسألة الشنيعة وعلاه الرحضاء، وقال في إجابته لهذا السائل: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) وأمر بالسائل أن يُخرج من مجلسه (٣). "وحسبك بهذا الأثر نكارةً أنه لم يُذكر في شيء من كتب السنة التي تنقل معتقد السلف وأقوالهم قط، ولا في شيء من كتب أصحاب الإمام مالك التي تنقل أقواله واختياراته كالمدونة وغيرها، ولم يُسطر في كتاب يحكي عقيدة الإمام مالك، كالرسالة لابن أبي زيد القيرواني (٤) " (٥). ثانياً: بين شيخ الإسلام ﵀ أن هذه الرواية لو ثبتت بإسناد صحيح فإن الجواب عنها يكون كالجواب عن الرواية المنقولة عن الإمام أحمد في تأويل المجيء: بمجيء الأمر. وقد أجاب عنها شيخ الإسلام في عدة مواضع من كتبه (٦)

стр. 541

بأجوبة ثلاثة حاصلها ما يلي: ١) أن هذا غلط من الراوي على الإمام أحمد ﵀. ٢) أنه ﵀ قاله على سبيل إلزام الخصوم (١). ٣) أن هذه رواية أخرى عنه، مخالفة للروايات المشهورة عنه في عدم تأويل آيات الصفات وإمرارها على ظاهرها. وإذا تبين بطلان هذه الرواية وعدم صحة نسبتها إلى الإمام مالك، فإننا في غنى عن مثل هذه التبريرات، ولسنا بحاجة لمثل هذه التخريجات، وهذا هو الحال؛ فإنها لم تثبت بنقل صحيح ثابت، ولا بسند سليم معتبر، والله أعلم. المسألة الثامنة [¬*]: رد دعواهم في أنه ليس لنصوص الأسماء والصفات معنى: تمهيد: كان مما اعترض به بعض المخالفين على شيخ الإسلام في عقيدته الواسطية، ما نص عليه من أن الله فوق سماواته، وأنه فوق العرش، مستو عليه رقيب على خلقه مطلع عليهم، وكل هذه المعاني حق على حقيقته، فاعترضوا باعتراضات، مفادها عدم صحة وجواز التعبير بهذه الألفاظ، بل يجب الاقتصار على الألفاظ التي جاءت في النصوص، وعدم التعبير عنها بأي معنى مرادف، أو قريب، أو مشتق منها. ودراسة هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل الشبهة: وأصل شبهتهم في هذه المسألة اعتقادهم أن ألفاظ الصفات التي وردت بها النصوص ليس لها معنى فيعبر عنه، أو يؤتى بمرادفه، بل هي نصوص لا يفهم لها معنى ولا تظهر منها دلالة؛ فلذلك لا يجوز التعبير عنها بأي معنى مرادف أو قريب

стр. 542

أو مشتق منها، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا دلالة ولا معنى، ولذلك قالوا في اعتراضهم: نقول كما جاء في الحديث (والله فوق العرش)، ولا نقول: (فوق السموات)، ولا نقول: (على العرش)، وقالوا أيضاً: نقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ولا نقول: (الله على العرش استوى)، ولا نقول (مستو) (١). واعترضوا بناء على هذا الأصل على تعبير شيخ الإسلام بعد ذكره عقيدة أهل السنة في علو الله واستوائه على عرشه (حق على حقيقته)؛ لأن هذه العبارة تثبت معنى حقيقياً لهذه النصوص، والذي ألجأهم لهذا كله هو اعتقادهم أن العلو والاستواء صفات لا يفهم منها في اللغة إلا استواء الأجسام وعلوها وفوقيتها، فإثبات حقيقتها هو محض التجسيم، ونفي مدلولات النصوص ومعانيها هو عندهم غاية التعظيم والتنزيه (٢). الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة: بين شيخ الإسلام ﵀ في مواضع كثيره من كتبه ومصنفاته، بطلان عقيدة التفويض التي مبناها على التجهيل ونفي دلالات النصوص ومعانيها، وجعل النصوص ألفاظًا مجردة، لا معنى لها ولا فائدة، من وجوه كثيرة يطول ذكرها ويصعب حصرها، ويكفي في بيان بطلان هذا القول، ما ذكره شيخ الإسلام من لوازم فاسدة تلزم القائلين بهذه المقالة ومنها ما يلي ومنها ما يلي: ١) جعل كلام الله من العبث والباطل الذي لا معنى له ولا فائدة، قال شيخ الإسلام ﵀: «فالكلام إنما المقصود به الإفهام، فإذا لم يقصد به ذلك كان عبثاً وباطلاً، والله تعالى قد نزّه نفسه عن فعل الباطل والعبث، فكيف يقول الباطل والعبث ويتكلم بكلام ينزله على خلقه لا يريد به إفهامهم» (٣).

стр. 543

٢) تجهيل الأنبياء، وأنهم يتكلمون بما لا يعقلون معناه، ولا يعلمون المراد منه، قال شيخ الإسلام: «فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاماً لا يعقلون معناه» (١). ٣) القدح في القرآن، وأنه ليس فيه هدى للناس ولا بيان لهم، قال شيخ الإسلام ﵀: «ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبياناً للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقاً لكل شيء وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهى، ووعد وتوعّد، أو عمّا أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه فلا يعقل، ولا يتدبّر، ولا يكون الرسول بيّن للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين» (٢). ٤) فتح الباب أمام أهل البدع والضلال والإلحاد للتقول في دين الله بآرائهم وعقولهم وأهوائهم، وادعاء الهدى في طريقتهم، قال شيخ الإسلام: «وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدلّ به، فيبقى هذا الكلام سداً لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحاً لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا، لا في طريق الأنبياء؛ لأنّا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلاً عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنّة والسلف

стр. 544

من شر أقوال أهل البدع والإلحاد» (١). ٥) تجهيل السلف والقدح في علمهم وفضلهم، وتفضيل الخلف المتأخرين على السابقين الأولين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولا يجوز أيضاً أن يكون الخالفون أعلم من السالفين كما قد يقوله بعض الأغبياء ممن لا يعرف قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها، من أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، فإنّ هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف، إنما أتوا من حيث ظنّوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨]، وإن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالات التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف» (٢). وقد جمع ابن القيم ﵀ إلزامات شيخه للقائلين بهذه المقالة في سبعة وجوه فقال ﵀: «قال شيخ الإسلام: إن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة الذين لا يوجد ما يقولونه في الكتاب والسنة وكلام القرون الثلاثة المعظمة على سائر القرون ولا في كلام أحد من أئمة الإسلام المقتدى بهم، بل ما في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة يوجد دالاً على خلاف الحق عندهم: إما نصاً، وإما ظاهراً، بل دالا عندهم على الكفر والضلال لزم من ذلك لوازم باطلة منها:

стр. 545

الأول: أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره، ويوقعهم في التشبيه والتمثيل. الثاني: ومنها أن يكون قد نَزَّلَ بيان الحق والصواب لهم، ولم يُفصح به، بل رمز إليه رمزاً وألغزه إلغازاً لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد. الثالث: ومنها أن يكون قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك. الرابع: ومنها أن يكون دائماً متكلماً في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب، تارة بأنه استوى على عرشه، وتارة بأنه فوق عباده، وتارة بأنه العلي الأعلى، وتارة بأن الملائكة تعرج إليه، وتارة بأن الأعمال الصالحة ترفع إليه، وتارة بأن الملائكة في نزولها من العلو إلى أسفل تنزل من عنده، وتارة بأنه رفيع الدرجات، وتارة بأنه في السماء، وتارة بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وتارة بأنه فوق سماواته على عرشه، وتارة بأن الكتاب نزل من عنده، وتارة بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وتارة بأنه يرى بالأبصار عياناً يراه المؤمنون فوق رؤوسهم، إلى غير ذلك من تنوع الدلالات على ذلك، ولا يتكلم فيه بكلمة واحدة يوافق ما يقوله النفاة، ولا يقول في مقام واحد فقط ما هو الصواب فيه، لا نصاً ولا ظاهراً ولا يبينه. الخامس: ومنها أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا الشأن العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان، وذلك إما جهل ينافي العلم، وإما كتمان ينافي البيان، ولقد أساء الظن بخيار الأمة من نسبهم إلى ذلك، ومعلوم أنه إذا ازدوج التكلم بالباطل والسكوت عن بيان الحق، تولد من بينهما جهل الحق وإضلال الخلق، ولهذا لما اعتقد النفاة التعطيل صاروا يأتون من العبارات بما يدل على التعطيل والنفي نصاً وظاهراً، ولا يتكلمون بما يدل على حقيقة الإثبات لا نصاً ولا ظاهراً، وإذا ورد عليهم من

стр. 546

النصوص ما هو صريح أو ظاهر في الإثبات حرفوه أنواع التحريفات وطلبوا له مستكره التأويلات. السادس: ومنها أنهم التزموا لذلك تجهيل السلف وأنهم كانوا أميين مقبلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل ولم تكن الحقائق من شأنهم. السابع: ومنها أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب؛ فإنهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال، ولم يستفيدوا منها يقيناً ولا علماً بما يجب لله ويمتنع عليه إذ ذاك، وإنما يستفاد من عقول الرجال وآرائها. فإن قيل: استفدنا منها الثواب على تلاوتها، وانعقاد الصلاة بها، قيل هذا تابع للمقصود بها بالقصد الأول، وهو الهدى والإرشاد والدلالة على إثبات حقائقها ومعانيها والإيمان بها، فإن القرآن لم ينزل لمجرد التلاوة وانعقاد الصلاة عليه، بل أنزل ليتدبر ويعقل ويهدى به علماً وعملاً، ويبصر من العمى، ويرشد من الغي، ويعلم من الجهل، ويشفي من الغي، ويهدي إلى صراط مستقيم، وهذا القصد ينافي قصد تحريفه وتأويله بالتأويلات الباطلة المستكرهة التي هي من جنس الألغاز والأحاجي، فلا يجتمع قصد الهدى والبيان وقصد ما يضاده أبداً. وبالله التوفيق» (١). وركز شيخ الإسلام في جوابه على الخصوم أثناء المناظرة على بيان صحة ما قرره من اعتقاد وما ذكره من ألفاظ الأسماء والصفات وقوله: (حق على حقيقته) دون أن يتطرق لبيان شبه الخصم والجواب عليها، والاستطراد في تقرير ذلك؛ لأن مراده إفحام الخصوم وبيان فساد ما أوردوه على العقيدة، وهذا شأنه في سائر مناقشاته في الواسطية؛ التي غايته فيها: تقرير صحة ما ذكره فيها وإبطال ما يورده الخصوم عليها. فبين هنا أن ما جاء من أسماء الله وصفاته، إما أن تكون من باب المشترك أو

стр. 547

المتواطئ أو المشكك، وليس هناك مذهب رابع في ذلك، وعلى أي مذهب كان فلا محظور في إطلاق لفظ: الحقيقة، أو حق على حقيقته. وتفصيل ذلك: أن الاشتراك في الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق، كالوجود والسمع والبصر والاستواء والكلام، إما أن يكون: ١) من باب المشترك اللفظي: وهو ما اتفق لفظا فقط، مع اختلافه في المعنى. وذلك كاتفاق العين الباصرة، والعين النابعة، بلفظ: العين، مع اختلافهما في المعنى والحقيقة؛ ومع ذلك فإطلاق لفظ العين حقيقة في كل منهما وليس مجازاً. وإذا كانت الأسماء والصفات من هذا القبيل، فيكون إطلاقها حق على حقيقته، لا إشكال في ذلك. ٢) من باب المتواطئ: وهو ما اتفق لفظاً، واشترك في معنىً كلي، تساوت فيه أفراده. وذلك كاتفاق زيد وعمرو وخالد في مسمى "الإنسان"، واتفاق الأسد والفهد والفيل في مسمى الحيوان، فيطلق على زيد وعمرو وخالد أنه "إنسان"، فقد اشتركوا في هذا المعنى الكلي على حد التساوي، وأطلق على كل منهم على سبيل الحقيقة. وإذا كانت الأسماء والصفات من هذا القبيل، فهي أيضاً من باب الحقيقة. ٣) من باب "المشكِّك": وهو ما اتفق لفظًا، واشترك في معنى كلي، تفاوتت فيه أفراده. وذلك كـ"العلم"، فإنه يشترك فيه زيد وعمرو وخالد، ولكنهم يتفاوتون في مقداره، ومع تفاوتهم في مقداره، فهو يطلق على كل منهم على سبيل الحقيقة. ومن هذا الباب الاشتراك الحاصل في أسماء الله وصفاته (١). وقد بين شيخ الإسلام ﵀ في مواضع أخرى من كتبه ورسائله أن الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق ليست مشتركة اشتراكاً لفظياً، وإنما هي من

стр. 548

باب المشكك، وبين ﵀ أن بعض أهل الاصطلاح لا يجعل المشكك قسما ثالثاً، بل يجعله من قسم المتواطئ، ورجح شيخ الإسلام هذا القول، وعلى هذا يكون المتواطئ نوعان: ١) ما استوت فيه أفراده. ٢) ما تفاوتت وتفاضلت فيه أفراده (وهو المتواطئ الخاص الذي يسمى مشككًا). ولذلك تجد شيخ الإسلام كثيراً ما ينص على أنها متواطئة، ويعني بالتواطئ: التواطئ الخاص، وأما من جعل المشككة قسماً ثالثاً، فإنه يجعلها من قبيل المشككة لا المتواطئة، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا عُلم المقصود وفُهم المراد، قال شيخ الإسلام: «ثم من جعل المشككة نوعا من المتواطئة لم يمتنع -عنده- إذا قيل: مشككة، أن تكون متواطئة، ومن جعل ذلك نوعاً آخر جعلها مشككة لا متواطئة، وهذا نزاع لفظي، فإن المتواطئة التواطؤ العام، يدخل فيها المشككة؛ إذ المراد بالمشككة: ما يتفاضل معانيها في مواردها، كلفظ الأبيض الذي يقال على البياض الشديد، كبياض الثلج، والخفيف كبياض العاج، والشديد أولى به. ومعلوم أن مسمى البياض في اللغة لا يختص بالشديد دون الخفيف، فكان اللفظ دالا على ما به الاشتراك، وهو المعنى العام الكلي، وهو متواطئ بهذا الاعتبار، وهو باعتبار التفاضل يسمى مشككا. وأما إذا أريد بالتواطؤ: ما تستوي معانيه، كانت المشككة نوعاً آخر، لكن تخصيص لفظ المتواطئة بهذا عرف حادث، وهو خطأ أيضاً؛ فإن عامة المعاني العامة تتفاضل، والتماثل فيها في جميع مواردها بحيث لا تتفاضل في شيء من مواردها إما قليل، وإما معدوم. فلو لم تكن هذه الأسماء متواطئة بل مشككة، كان عامة الأسماء الكلية غير متواطئة» (١).

стр. 549

وبين شيخ الإسلام لخصمه أن عدم الإقرار بأن ما جاء من صفات الله في القرآن حق على حقيقته، يعني جواز تكذيب ما جاء في القرآن والقول بضده؛ وذلك لأن ما كان مجازا وليس حقيقة فإنه يصح نفيه، بل علامة المجاز صحة نفيه، فلو قلت: فلان أسد، جاز أن تقول فلان ليس بأسد ولكنه إنسان، وهكذا في كل لفظ استخدم في غير الحقيقة، فيلزم على القول بأن نصوص الأسماء والصفات ليست على حقيقتها، جواز نفيها، فيقال: في قوله: (سميع بصير)، ليس بسميع ولا بصير، ويقال في ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لم يستو الرحمن على العرش، ونحو هذا، مما يعلم فساده وبطلانه بالضرورة من دين الإسلام "فكل من أنكر أن يكون اللفظ حقيقة لزمه جواز إطلاق نفيه، فمن أنكر أن يكون استوى على العرش حقيقة؛ فإنه يقول: ليس الرحمن على العرش استوى. كما أن من قال: إن لفظ الأسد للرجل الشجاع والحمار للبليد ليس بحقيقة؛ فإنه يلزمه صحة نفيه، فيقول: هذا ليس بأسد ولا بحمار ولكنه آدمي. وهؤلاء يقولون لهم: لا يستوي الله على العرش. كقول إخوانهم: ليس هو بسميع ولا بصير ولا متكلم؛ لأن هذه الألفاظ عندهم مجاز. فيأتون إلى محض ما أخبرت به الرسل عن الله سبحانه، يقابلونه بالنفي والرد؛ كما يقابله المشركون بالتكذيب" (١).

стр. 550

المبحث الثاني: مناظرته مع بعض المؤولة للأسماء والصفات في بطلان التأويل في صفة اليد وغيرها من المسائل: واشتمل على مطلبين: المطلب الأول: عرض المناظرة: • تمهيد: تعتبر الرسالة المدنية من أهم الرسائل التي اعتنت بتقرير منهج أهل السنة في التعامل مع نصوص الصفات، وفي بيان التأويل الصحيح من التأويل الفاسد، وقد امتازت عن غيرها من تقريرات شيخ الإسلام بأنها جمعت بين التقرير والتطبيق، فقد قرر فيها شروط جواز تأويل الصفات، ثم طبق تلك الشروط على صفة اليد، وامتازت أيضاً بصيغتها التي وردت فيها، وهي صيغة الحوار والمناقشة والمناظرة، وذلك أن شيخ الإسلام إنما حكى فيها ما جرى بينه وبين بعض المتكلمين ممن يرى أن منهج تأويل الصفات هو المنهج المستقيم في التعامل مع النصوص. وإلى الشروع في ذكر المناظرة التي عناها شيخ الإسلام ﵀:

стр. 551

• نص المناظرة: قال شيخ الإسلام ﵀ في نص الرسالة المدنية (١): «السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على جيرانه سكان المدينة طيبة من الأحياء والأموات، من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين ورحمة الله وبركاته. إلى الشيخ الإمام العارف الناسك، المقتدي الزاهد العابد: شمس الدين (٢)، كتب الله في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علمًا، وجعله من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وخاصته المصطفين، ورزقه اتباع نبيه باطنًا وظاهرًا، واللحاق به في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. من أحمد بن تيمية: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد» (٣) ثم ذكر ﵀ مقدمة لطيفة في الوعظ (٤)، ثم قال بعدها:

стр. 552

«وأما ما ذكرت من طلب الأسباب الأربعة، التي لابد منها في صرف الكلام من حقيقته إلى مجازه. فأنا أذكر لك ملخص الكلام الذي جرى بيني وبين بعض الناس في ذلك (١)، وهو ما حكيته لك وطلبته، وكان -إن شاء الله- له ولغيره به منفعة، على ما في الحكاية من زيادة ونقص وتغيير: قال لي بعض الناس: إذا أردنا أن نسلك طريق سبيل السلامة والسكوت، وهي الطريقة التي تصلح عليها السلامة، قلنا كما قال الشافعي ﵁: «آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ » (٢)، وإذا سلكنا سبيل البحث والتحقيق، فإن الحق مذهب من

стр. 553

يتأول آيات الصفات وأحاديث الصفات من المتكلمين. فقلت له: أما ما قاله الشافعي؛ فإنه حقٌ يجب على كل مسلم أن يعتقده، ومن اعتقده ولم يأت بقول يناقضه، فإنه سالك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة، وأما إذا بحث الإنسان وفحص، وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالفون به أهل الحديث كله باطلاً، وتيقن أن الحق مع أهل الحديث ظاهرًا وباطنًا. فاستعظم ذلك وقال: أتحب لأهل الحديث أن يتناظروا في هذا؟ فتواعدنا يومًا، فكان فيما تفاوضنا: أن أمهات المسائل التي خالف فيها متأخرو المتكلمين ممن ينتحل مذهب الأشعري لأهل الحديث ثلاث مسائل: ١. وصف الله بالعلو على العرش. ٢. ومسألة القرآن. ٣. ومسألة تأويل الصفات. فقلت له: نبدأ بالكلام على مسألة تأويل الصفات؛ فإنها الأم والباقي من المسائل فرع عليها، وقلت له: مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة المفضلة ومن سلك سبيلهم من الخلف: أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت. ويؤمن بها وتصدق، وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل. وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف منهم الخطابي (١) مذهب السلف: أنها تجرى على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، وذلك أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فنقول: إن له يدًا وسمعًا، ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة، ومعنى السمع: العلم.

стр. 554

فقلت له: وبعض الناس يقول: مذهب السلف: أن الظاهر غير مراد، ويقول: أجمعنا على أن الظاهر غير مراد (١)، وهذه العبارة خطأ، إما لفظًا ومعنى، أو لفظًا لا معنى؛ لأن الظاهر قد صار مشتركًا بين شيئين: أحدهما: أن يقال: إن اليد جارحة مثل جوارح العباد، وظاهر الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف، فلا شك أن من قال: إن هذه المعاني وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين غير مراد من الآيات والأحاديث فقد صدق وأحسن؛ إذ لا يختلف أهل السنة أن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة. لكن هذا القائل أخطأ، حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الآيات والأحاديث، وحيث حكى عن السلف ما لم يقولوه، فإن ظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره: بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام، وليست هذه المعاني المحدثة المستحيلة على الله تعالى هي السابقة إلى عقل المؤمنين، بل اليد عندهم كالعلم والقدرة والذات، فكما كان علمنا وقدرتنا وحياتنا وكلامنا ونحوها من الصفات أعراضًا تدل على حدوثنا يمتنع أن يُوصف الله سبحانه بمثلها، فكذلك أيدينا ووجوهنا ونحوها أجسامًا كذلك محدثة، يمتنع أن يوصف الله تعالى بمثلها. ثم لم يقل أحد من أهل السنة: إذا قلنا: إن لله علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، أن ظاهره غير مراد، ثم يفسره بصفاتنا، فكذلك لا يجوز أن يقال: إن ظاهر اليد والوجه غير مراد، إذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم أو عرض للجسم. ومن قال: إن ظاهر شيء من أسمائه وصفاته غير مراد فقد أخطأ؛ لأنه ما من اسم يسمى الله تعالى به إلا والظاهر الذي يستحقه المخلوق غير مراد به، فكان

стр. 555

قول هذا القائل يقتضي أن يكون جميع أسمائه وصفاته قد أريد بها ما يخالف ظاهرها، ولا يخفى ما في هذا الكلام من الفساد. والمعنى الثاني: أن هذه الصفات إنما هي صفات الله كما يليق بجلاله، نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته، فيعلم أن العلم صفة ذاتية للموصوف ولها خصائص، وكذلك الوجه. ولا يقال: إنه مستغن عن هذه الصفات؛ لأن هذه الصفات واجبة لذاته، والإله المعبود سبحانه هو المستحق لجميع هذه الصفات. وليس غرضنا الآن الكلام مع نفاة الصفات مطلقًا، وإنما الكلام مع من يثبت بعض الصفات. وكذلك فعله، نعلم أن الخلق هو إبداع الكائنات من العدم، وإن كنا لا نكيف ذلك الفعل ولا يشبه أفعالنا، إذ نحن لا نفعل إلا لحاجة إلى الفعل، والله غني حميد. وكذلك الذات، تعلم من حيث الجملة، وإن كانت لا تماثل الذوات المخلوقة ولا يعلم ما هو إلا هو، ولا يدرك لها كيفية، فهذا هو الذي يظهر من إطلاق هذه الصفات، وهو الذي يجب أن تحمل عليه. فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه، فيعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، وأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم في الجنة، ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها جميع اللذات، ونحو ذلك. كما يعلم أن له ربًا وخالقًا ومعبودًا، ولا يعلم كنه شيء من ذلك، بل غاية علم الخلق هكذا، يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه، وعلمهم بنفوسهم من هذا الضرب. قلت له: أفيجوز أن يقال: إن الظاهر غير مراد بهذا التفسير؟ فقال: هذا لا يمكن.

стр. 556

فقلت له: من قال: إن الظاهر غير مراد، بمعنى: أن صفات المخلوقين غير مرادة، قلنا له: أصبت في المعنى، لكن أخطأت في اللفظ، وأوهمت البدعة، وجعلت للجهمية طريقًا إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول: تمر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله تعالى ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه. ومن قال: إن الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والأشعرية وغيرهم فقد أخطأ. ثم أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية يقولون: إن له صفات سبعًا: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر. وينفون ما عداها، وفيهم من يضم إلى ذلك اليد فقط، ومنهم من يتوقف في نفي ما سواها، وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها (١). وأما المعتزلة: فإنهم ينفون الصفات مطلقًا ويثبتون أحكامها، وهي ترجع عند أكثرهم إلى أنه عليم قدير، وأما كونه مريدًا متكلمًا فعندهم أنها صفات حادثة، أو

стр. 557

إضافية أو عدمية. وهم أقرب الناس إلى الصابئين الفلاسفة من الروم، ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس، حيث زعموا أن الصفات كلَّها ترجع إلى سلب أو إضافة، أو مركب من سلب وإضافة، فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل (١). ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرًا نافذًا، وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء، علم قطعًا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته، وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله؛ ولهذا كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه (٢). ويقولون: إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة، والأشعرية مخانيث المعتزلة (٣).

стр. 558

وكان يحيى بن عمار (١) يقول: (المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية الجهمية الإناث) (٢)، ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب (الإبانة) الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة، لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنًا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب شر، والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير. قلت له: إذا وصف الله نفسه بصفة، أو وصفه بها رسوله، أو وصفه بها المؤمنون الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافي الحقيقة، لابد فيه من أربعة أشياء: أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة

стр. 559

وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلها، فلا بد أن يكون ذلك المعنى المجازي مما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنحَ له، وإن لم يكن له أصل في اللغة. الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة، فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف. وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز. الثالث: أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض، وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها، ثم إن كان هذا الدليل نصًا قاطعًا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلا بد من الترجيح. الرابع: أن الرسول ﷺ إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته، فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته، وأنه أراد مجازه، سواء عينه أو لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم، دون عمل الجوارح، فإنه جعل القرآن نورًا وهدى، وبيانًا للناس، وشفاءً لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. ثم هذا الرسول الأمي العربي بُعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات، ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علمًا، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره إلا وقد نصب دليلاً يمنع من حمله على ظاهره، إما أن يكون عقليًا ظاهرًا، مثل قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد: أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٠٢] يعلم المستمع:

стр. 560

أن الخالق لا يدخل في هذا العموم، أو سمعيًا ظاهرًا، مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر. ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي، لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعيًا أو عقليًا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب ألا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا من ظاهره؛ لأن هناك دليلاً خفيًا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره، كان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان. فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره، أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد؟! أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة؟! فسلم لي ذلك الرجل هذه المقامات. قلت له: ونحن نتكلم على صفة من الصفات، ونجعل الكلام فيها أنموذجًا يحتذى عليه، ونعبر بصفة اليد، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، وقال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَر:٦٧]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [المُلك:١]، وقال: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] وقد تواتر في السنة مجيء اليد في حديث النبي ﷺ . فالمفهوم من هذا الكلام: أن لله تعالى يدين مختصتان به، ذاتيتان له، كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوى السموات بيده اليمنى، وأن ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]،

стр. 561

ومعنى بسطهما: بذل الجود وسعة العطاء؛ لأن الإعطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها، وتركه يكون ضمًا لليد إلى العنق، صار من الحقائق العرفية إذا قيل: هو مبسوط اليد فهم منه يد حقيقة، وكان ظاهره الجود والبخل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩]، ويقولون: فلان جَعْد البنان وسَبْط البنان (١). قلت له: فالقائل إن زَعَمَ أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين، وأن يده ليست جارحة، فهذا حق، وإن زعم أنه ليس له يد زائدة على الصفات السبع، فهو مبطل، فيحتاج إلى تلك المقامات الأربعة. أما الأول: فيقول: إن اليد تكون بمعنى النعمة والعطية، تسمية للشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء، ومنه قولهم: لفلان عندي أياد، وقول [عبد المطلب] (٢) لما فقد النبي ﷺ : يا رب رد راكبي محمدًا … رده علي واصطنع عندي يدا (٣) وقول عروة بن مسعود (٤) لأبي بكر يوم الحديبية: (لولا يد لك عندي لم أجزك

стр. 562

بها لأجبتك) (١). وقد تكون اليد بمعنى القدرة، تسمية للشيء باسم مسببه؛ لأن القدرة هي تحرك اليد، يقولون: فلان له يد في كذا وكذا، ومنه قول زياد (٢) لمعاوية: «إني قد أمسكت العراق بإحدى يدي، ويدي الأخرى فارغة» (٣)، يريد نصف قدرتي ضبط أمر العراق. ومنه قوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]، والنكاح كلام يقال، وإنما معناه أنه مقتدر عليه. وقد يجعلون إضافة الفعل إليها إضافة الفعل إلى الشخص نفسه؛ لأن غالب الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٢] أي: بما قدمتم، فإن بعض ما قدموه كلام تكلموا به. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥١] والعرب تقول: (يَدَاك أوْكَتَا، وفُوكَ نَفَخ) (٤)؛

стр. 563

توبيخًا لكل من جر على نفسه جريرة؛ لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه. قلت له: ونحن لا ننكر لغة العرب التي نزل بها القرآن في هذا كله، والمتأولون للصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وألحدوا في أسمائه وصفاته وآياته تأولوا قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] على هذا كله، فقالوا: إن المراد نعمته، أي: نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وقالوا: بقدرته، وقالوا: اللفظ كناية عن نفس الجود من غير أن يكون هناك يد حقيقة، بل هذه اللفظة قد صارت حقيقة في العطاء والجود، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: خلقته أنا، وإن لم يكن هناك يد حقيقية. قلت له: فهذه تأويلاتهم؟ قال: نعم. قلت له: فننظر فيما قدمنا: المقام الأول: أن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] ولفظ الجمع في الواحد كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران:١٧٣] ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]. أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها، ولا يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان، ويعني به الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس، والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد. فقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة

стр. 564

واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد. ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية. ولا يجوز أن يكون لما خلقت أنا؛ لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد، فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفعل كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج:١٠] و ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٢]، ومنه قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]. أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء، كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]؛ فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت، كاف في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم -إن شاء الله تعالى- أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها. وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة. قال لي: فقد أوقعوا الاثنين موقع الواحد في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق:٢٤]، وإنما هو خطاب للواحد. قلت له: هذا ممنوع، بل قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ [ق:٢٤] قد قيل: تثنية الفاعل لتثنية الفعل، والمعنى: ألق ألق. وقد قيل: إنه خطاب للسائق والشهيد. ومن قال: إنه خطاب للواحد، قال: إن الإنسان يكون معه اثنان: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول: خليليَّ! خليليَّ! ثم إنه يوقع هذا الخطاب وإن لم يكونا موجودين، كأنه يخاطب موجودين، فقوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ [ق:٢٤] عند هذا القائل إنما هو خطاب لاثنين يقدر وجودهما، فلا حجة فيه البتة (١).

стр. 565

قلت له: المقام الثاني: أن يقال: هب أنه يجوز أن يعني باليد حقيقة اليد، وأن يعني بها القدرة أو النعمة، أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل، لكن ما الموجب لصرفها عن الحقيقة؟ فإن قلت: لأن اليد هي الجارحة وذلك ممتنع على الله سبحانه. قلت لك: هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدًا من جنس أيدي المخلوقين، وهذا لا ريب فيه، لكن لم لا يجوز أن يكون له يد تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات؟ قال: ليس في العقل والسمع ما يحيل هذا. قلت: فإذا كان هذا ممكنًا وهو حقيقة اللفظ فلم يصرف عنه اللفظ إلى مجازه؟ وكل ما يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به، وصحت الدلالة سلم له أن المعنى الذي يستحقه المخلوق منتف عنه، وإنما حقيقة اللفظ وظاهره يد يستحقها الخالق كالعلم والقدرة، بل كالذات والوجود. المقام الثالث: قلت له: بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ أو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم قالوا: المراد باليد خلاف ظاهره، أو الظاهر غير مراد، أو هل في كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه باليد دلالة ظاهرة، بل أو دلالة خفية؟ فإن أقصى ما يذكره المتكلف قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] وهؤلاء الآيات إنما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه. أما انتفاء يد تليق بجلاله، فليس في الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه. وكذلك هل في العقل ما يدل دلالة ظاهرة على أن الباري لا يد له البتة؟ لا يدًا تليق بجلاله، ولا يداً تناسب المحدثات، وهل فيه ما يدل على ذلك أصلا، ولو بوجه خفي؟ فإذا لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد البتة، وإن
следующие страницы →