← Акыда

Акыда · id 902

المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية

هيثم الحمري

Полный текст (731 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ومعنى بسطهما: بذل الجود وسعة العطاء؛ لأن الإعطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها، وتركه يكون ضمًا لليد إلى العنق، صار من الحقائق العرفية إذا قيل: هو مبسوط اليد فهم منه يد حقيقة، وكان ظاهره الجود والبخل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩]، ويقولون: فلان جَعْد البنان وسَبْط البنان (١). قلت له: فالقائل إن زَعَمَ أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين، وأن يده ليست جارحة، فهذا حق، وإن زعم أنه ليس له يد زائدة على الصفات السبع، فهو مبطل، فيحتاج إلى تلك المقامات الأربعة. أما الأول: فيقول: إن اليد تكون بمعنى النعمة والعطية، تسمية للشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء، ومنه قولهم: لفلان عندي أياد، وقول [عبد المطلب] (٢) لما فقد النبي ﷺ : يا رب رد راكبي محمدًا … رده علي واصطنع عندي يدا (٣) وقول عروة بن مسعود (٤) لأبي بكر يوم الحديبية: (لولا يد لك عندي لم أجزك

стр. 562

بها لأجبتك) (١). وقد تكون اليد بمعنى القدرة، تسمية للشيء باسم مسببه؛ لأن القدرة هي تحرك اليد، يقولون: فلان له يد في كذا وكذا، ومنه قول زياد (٢) لمعاوية: «إني قد أمسكت العراق بإحدى يدي، ويدي الأخرى فارغة» (٣)، يريد نصف قدرتي ضبط أمر العراق. ومنه قوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]، والنكاح كلام يقال، وإنما معناه أنه مقتدر عليه. وقد يجعلون إضافة الفعل إليها إضافة الفعل إلى الشخص نفسه؛ لأن غالب الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٢] أي: بما قدمتم، فإن بعض ما قدموه كلام تكلموا به. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥١] والعرب تقول: (يَدَاك أوْكَتَا، وفُوكَ نَفَخ) (٤)؛

стр. 563

توبيخًا لكل من جر على نفسه جريرة؛ لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه. قلت له: ونحن لا ننكر لغة العرب التي نزل بها القرآن في هذا كله، والمتأولون للصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وألحدوا في أسمائه وصفاته وآياته تأولوا قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] على هذا كله، فقالوا: إن المراد نعمته، أي: نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وقالوا: بقدرته، وقالوا: اللفظ كناية عن نفس الجود من غير أن يكون هناك يد حقيقة، بل هذه اللفظة قد صارت حقيقة في العطاء والجود، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] أي: خلقته أنا، وإن لم يكن هناك يد حقيقية. قلت له: فهذه تأويلاتهم؟ قال: نعم. قلت له: فننظر فيما قدمنا: المقام الأول: أن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] ولفظ الجمع في الواحد كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران:١٧٣] ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]. أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها، ولا يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان، ويعني به الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس، والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد. فقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة

стр. 564

واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد. ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية. ولا يجوز أن يكون لما خلقت أنا؛ لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد، فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفعل كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج:١٠] و ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٢]، ومنه قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]. أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء، كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]؛ فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت، كاف في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم -إن شاء الله تعالى- أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها. وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة. قال لي: فقد أوقعوا الاثنين موقع الواحد في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق:٢٤]، وإنما هو خطاب للواحد. قلت له: هذا ممنوع، بل قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ [ق:٢٤] قد قيل: تثنية الفاعل لتثنية الفعل، والمعنى: ألق ألق. وقد قيل: إنه خطاب للسائق والشهيد. ومن قال: إنه خطاب للواحد، قال: إن الإنسان يكون معه اثنان: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول: خليليَّ! خليليَّ! ثم إنه يوقع هذا الخطاب وإن لم يكونا موجودين، كأنه يخاطب موجودين، فقوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ [ق:٢٤] عند هذا القائل إنما هو خطاب لاثنين يقدر وجودهما، فلا حجة فيه البتة (١).

стр. 565

قلت له: المقام الثاني: أن يقال: هب أنه يجوز أن يعني باليد حقيقة اليد، وأن يعني بها القدرة أو النعمة، أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل، لكن ما الموجب لصرفها عن الحقيقة؟ فإن قلت: لأن اليد هي الجارحة وذلك ممتنع على الله سبحانه. قلت لك: هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدًا من جنس أيدي المخلوقين، وهذا لا ريب فيه، لكن لم لا يجوز أن يكون له يد تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات؟ قال: ليس في العقل والسمع ما يحيل هذا. قلت: فإذا كان هذا ممكنًا وهو حقيقة اللفظ فلم يصرف عنه اللفظ إلى مجازه؟ وكل ما يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به، وصحت الدلالة سلم له أن المعنى الذي يستحقه المخلوق منتف عنه، وإنما حقيقة اللفظ وظاهره يد يستحقها الخالق كالعلم والقدرة، بل كالذات والوجود. المقام الثالث: قلت له: بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ أو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم قالوا: المراد باليد خلاف ظاهره، أو الظاهر غير مراد، أو هل في كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه باليد دلالة ظاهرة، بل أو دلالة خفية؟ فإن أقصى ما يذكره المتكلف قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] وهؤلاء الآيات إنما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه. أما انتفاء يد تليق بجلاله، فليس في الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه. وكذلك هل في العقل ما يدل دلالة ظاهرة على أن الباري لا يد له البتة؟ لا يدًا تليق بجلاله، ولا يداً تناسب المحدثات، وهل فيه ما يدل على ذلك أصلا، ولو بوجه خفي؟ فإذا لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد البتة، وإن

стр. 566

فرض ما ينافيها فإنما هو من الوجوه الخفية عند من يدعيه وإلا ففي الحقيقة إنما هو شبهة فاسدة. فهل يجوز أن يُملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد، وأن الله تعالى خلق بيده، وأن يديه مبسوطتان، وأن الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم إن رسول الله ﷺ وأولي الأمر لا يبينون للناس أن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره، حتى ينشأ جَهْم ابنُ صفوان بعد انقراض عصر الصحابة، فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم، ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق (١). وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا ﷺ كل شيء حتى الخراءة، ويقول: (ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به) (٢)، (تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (٣)، ثم يترك الكتاب المنزل عليه، وسنته الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وأن اعتقاد ظاهره ضلال، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه؟! وكيف يجوز للسلف أن يقولوا: (أمروها كما جاءت) (٤)، مع أن معناها

стр. 567

المجازي هو المراد وهو شيء لا يفهمه العرب، حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار! المقام الرابع: قلت له: أنا أذكر لك من الأدلة الجلية القاطعة والظاهرة، ما يبين لك أن لله يدين حقيقة. فمن ذلك تفضيله لآدم يستوجب سجود الملائكة، وامتناعهم عن التكبر عليه، فلو كان المراد أنه خلقه بقدرته أو بنعمته، أو مجرد إضافة خلقه إليه؛ لشاركه في ذلك إبليس وجميع المخلوقات. قال لي: فقد يضاف الشيء إلى الله على سبيل التشريف، كقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس:١٣] وبيت الله. قلت له: لا تكون الإضافة تشريفًا حتى يكون في المضاف معنى أفرده به عن غيره، فلو لم يكن في الناقة والبيت من الآيات البينات ما تمتاز به على جميع النوق والبيوت لما استحقا هذه الإضافة، والأمر هنا كذلك، فإضافة خلق آدم إليه أنه خلقه بيديه، يوجب أن يكون خلقه بيديه أنه قد فعله بيديه، وخلق هؤلاء بقوله: كن فيكون، كما جاءت به الآثار. ومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده الملك، أو عملته يداك، فهما شيئان: أحدهما: إثبات اليد. والثاني: إضافة الملك والعمل إليها، والثاني يقع فيه التجوز كثيرًا. أما الأول: فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة، ولا يقولون: يد الهواء ولا يد الماء، فهب أن قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [المُلك:١] قد علم منه أن المراد بقدرته، لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة.

стр. 568

والفرق بين قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] من وجهين: أحدهما: أنه هنا أضاف الفعل إليه، وبين أنه خلقه بيديه، وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي. الثاني: أن من لغة العرب أنهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] أي: يديهما، وقوله: ﴿﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] أي: قلباكما، فكذلك قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]. وأما السنة فكثيرة جدًا، مثل قوله ﷺ : (المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا) رواه مسلم (١)، وقوله ﷺ : (يمين الله ملأى لا يَغِيضُهَا نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يَغِض ما في يمينه، والقِسْط بيده الأخرى، يرفع ويخفض إلى يوم القيامة) رواه مسلم في صحيحه (٢)؛ والبخاري (٣) فيما أظن. وفي الصحيح أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (تكون الأرض يوم القيامة خُبْزَةً واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم بيده خُبْزَتَه في السفر) (٤). وفي الصحيح أيضاً عن ابن عمر، يحكي رسول الله ﷺ قال: (يأخذ

стр. 569

الرب سمواته وأرضه بيديه، وجعل يقبض يديه ويبسطهما ويقول: أنا الرحمن)، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك أسفل منه، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله؟ وفي رواية: أنه قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَر:٦٧]، قال: (يقول: أنا الله، أنا الجبار) وذكره (١). وفي الصحيح أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟) (٢) وما يوافق هذا من حديث الحبر (٣). وفي حديث صحيح: (إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت. قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته) (٤)، وفي الصحيح: (إن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق: إن رحمتي تغلب غضبي) (٥).

стр. 570

وفي الصحيح: أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم: (يا موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده) وقد قال له موسى: (أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه) (١). وفي حديث آخر: أنه قال سبحانه: (وعزتي وجلالي، لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن، فكان) (٢) وفي حديث آخر في السنن: (لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون) (٣). فذكرت له هذه الأحاديث وغيرها، ثم قلت له: هل تقبل هذه الأحاديث تأويلاً، أم هي نصوص قاطعة؟ وهذه أحاديث تلقتها الأمة بالقبول والتصديق ونقلتها من بحر غزير. فأظهر الرجل التوبة وتبين له الحق. فهذا الذي أشرت إليه أحسن الله إليك أن أكتبه. وهذا باب واسع، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] و ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧] والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى المحمدين، وأبي زكريا، وأبي البقاء عبد المجيد (٤)، وأهل البيت ومن تعرفونه من أهل المدينة وسائر أهل البلدة الطيبة».

стр. 571

المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة: المسألة الأولى: مقالة المتكلمين: (الظاهر من نصوص الصفات غير مراد): كثيراً ما يقف القارئ في كتب المتكلمين ومصنفاتهم على قولهم عند التعرض لنصوص الصفات: (وظاهرها غير مراد) أو (الظاهر غير مراد)؛ وذلك لأن ظاهرها يقتضي عندهم التشبيه. والعجب ليس في ذلك، وإنما العجب من إضافتهم هذا الاعتقاد وهذه المقالة إلى السلف الصالح -رضوان الله عليهم-، وادعاء الإجماع على ذلك! وفي هذه المناظرة ناقش شيخ الإسلام هذه المقالة وبين ما لها وما عليها، وفصَّل القول فيها، وستكون دراسة هذه المسألة من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل الشبهة: يظهر بوضوح لكل من عرف مذهب القوم أن الأصل الحامل لهم على إطلاق مثل هذه المقالة، واعتقاد أن ظاهر نصوص الصفات غير مراد، هو ظنهم أن ظاهر هذه النصوص هو التشبيه، وإذا كان هذا هو ظاهرها، فلا بد من الجزم حينئذ بأن هذا الظاهر غير مراد فبنوا شبهتهم على أمرين: الأول: ظنهم أن الظاهر من النصوص التشبيه. الثاني: إذا كان ظاهرها التشبيه فنجزم أن الظاهر غير مراد. وذلك -بزعمهم- تنزيهاً لله عن مشابهة المخلوقات، وتبريراً لطرقهم المبتدعة في التعامل مع النصوص من تأويل وتفويض وتعطيل. الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة: بين شيخ الإسلام ﵀ في غير ما موضع من كتبه ورسائله فساد هذه العبارة، وعدم صحة التعبير بها على كل حال؛ فإنها لا تخلو من حالين: إما أن تكون باطلة

стр. 572

اللفظ، أو باطلة اللفظ والمعنى، كما فصل ذلك شيخ الإسلام أثناء مناظرته، والذي يهمنا هنا بيان فساد الشبهة التي حملتهم على إطلاق هذه المقالة، وهي اعتقاد أن ظواهر النصوص تفيد التشبيه، ويمكن إجمال أهم الأوجه التي تدل على بطلانها بما يأتي: أولاً: أن ظاهر الكلام: هو ما يتبادر إلى العقل السليم من المعاني، لمن يفهم بتلك اللغة. ولا يمكن بحال أن يتبادر إلى ذهن المؤمن سليم العقل والفطرة، أن ظاهر ما وصف الله به نفسه كصفات المخلوقين المحدثة، فكيف يقال بعد ذلك إن هذا هو ظاهر النصوص (١). ثانياً: أن القول بأن ظواهر النصوص يقتضي التشبيه، يلزم منه أن ظواهر نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، ظواهر كفرية، إذ هي تقتضي تمثيل الله بعباده، وتشبيهه بخلقه، وهذا من أشنع الأقوال وأقبحها في حق كلام الله رب العالمين، وحديث سيد المرسلين ﷺ (٢). ثالثاً: أن القول في الصفات كالقول في بعضها البعض، فكما يقر المخالف بأن الله يوصف بالعلم والحياة والقدرة، ولا يقول: إن ظاهرها غير مراد، وإن ظاهرها التشبيه والتجسيم، فكذلك جميع صفات الباري -جل وعلا- يقال فيها الكلام ذاته، أما أن نجعل ظاهر بعض الصفات غير مراد، وظاهر بعضها مراد، فهذا تناقض لا دليل عليه (٣). رابعاً: أن هذه المقالة لم يقل بها أحد من سلف هذه الأمة وأئمتها، ولم يكونوا يسمون هذا المعنى ظاهرا (٤). خامساً: أن في مثل هذا التقرير فتح الباب أمام الجهمية والباطنية والفلاسفة وأضرابهم

стр. 573

من الملاحدة، ليحرف كل منهم كلام الله ويفسره بالمعاني الباطلة، والتأويلات الفاسدة التي يريدها، بدعوى أن ظاهرها غير مراد (١). سادساً: أن ادعاء كون هذا النص غير مراد تحكم لا دليل عليه وجناية على المتكلم؛ إذ مراد المتكلم يُعرف من لفظه، ودعوى أن ظاهر كلامه غير مراد، قدح فيه فإن الأصل في المتكلم أن يبين مراده، إلا لعجز أو ضعف في البيان والفصاحة، أو لإرادة التلبيس على المخاطبين (٢). سابعاً: أن معظم نصوص القرآن ليست من قبيل "الظاهر"، وإنما من قبيل " النص"؛ وذلك أن الكلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: «أحدها: ما هو (نص) في مراده لا يحتمل غيره. الثاني: ما هو (ظاهر) في مراده وإن احتمل أن يريد غيره. الثالث: ما ليس بنص ولا ظاهر في المراد، بل هو (مجمل) يحتاج إلى بيان. فالأول يستحيل دخول التأويل فيه، وتحميله التأويل كذب ظاهر على المتكلم، وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها كنصوص آيات الصفات والتوحيد، وأن الله سبحانه مكلم متكلم، آمر ناه، قائل مخبر موحي، حاكم واعد موعد، منبئ هاد داع إلى دار السلام، فوق عباده عليٌ على كل شيء، مستو على عرشه، ينزل الأمر من عنده ويعرج إليه، وأنه فعال حقيقة، وأنه كل يوم في شأن فعال لما يريد، وأنه ليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع ولا ظهير، وأنه المنفرد بالربوبية والإلهية والتدبير والقيومية، وأنه يعلم السر وأخفى وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، وأنه يسمع الكلام الخفي كما يسمع الجهر، ويرى ما في السماوات والأرض ولا يخفى عليه منها ذرة واحدة، وأنه على كل شيء قدير فلا يخرج مقدور واحد عن قدرته البتة كما لا يخرج عن علمه وتكوينه، وأن له

стр. 574

ملائكة مدبرات بأمره للعالم تصعد وتنزل وتتحرك وتنتقل من مكان إلى مكان، وأنه يذهب بالدنيا ويخرب هذا العالم ويأتي بالآخرة ويبعث من في القبور ﷻ ، إلى أمثال ذلك من النصوص التي هي في الدلالة على مرادها: كدلالة لفظ العشرة والثلاثة على مدلوله، وكدلالة لفظ الشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والخيل والبغال، والإبل والبقر والغنم، والذكر والأنثى على مدلولها لا فرق بين ذلك البتة» (١). ثامناً: اللوازم الفاسدة التي تلزم من هذه المقالة وتدل على بطلانها، وقد سبق معنا في الرد على شبهة التفويض ذكر جملة من اللوازم الباطلة التي تلزم من تلك المقالة وتدل على شناعتها وفسادها وبطلانها، وفي الحقيقة أن كل لازم يلزم من تلك المقالة فهو لازم أيضاً لهذه المقالة، فنكتفي بما تم إيراده هناك، فمن أراد مزيد بيان وتوضيح فليراجع ذلك الموضع. المسألة الثانية: شروط التأويل الجائز: تبين لنا مما سبق في المناظرة الواسطية، ما أدخله المتكلمون في لفظ التأويل من معان فاسدة، توصلوا من خلالها لتحريف معاني النصوص، وصرفها عن مدلولاتها. وقدمنا هناك شيئاً من الدراسة لأصل شبهة التأويل والجواب عليها وبيان فسادها، والأوجه التي نقض بها شيخ الإسلام تأويلهم الفاسد من جهة وضعه، ومن جهة آثاره ونتائجه الوخيمة، وما يترتب عليه من لوازم فاسدة تدل على بطلانه (٢). وقد تميزت الرسالة المدنية هنا، بمحاكمة شيخ الإسلام أهل الكلام إلى قوانينهم التي وضعوها، ونقضه للتأويل الفاسد من جهة المنهج المتبع فيه؛ وذلك ببيان الأمور التي يشترط وجودها في التأويل ليكون التأويل صحيحاً مقبولا،

стр. 575

وإلا فهو فاسد مردود. وقد ذكر شيخ الإسلام أربع مقامات يتميز من خلالها التأويل الصحيح من التأويل الفاسد، سأوردها هنا مع مزيد من التفصيل والتوضيح، وهي كالآتي: المقام الأول: أن يكون اللفظ محتملاً في اللغة للمعنى الذي أُوِّل إليه، ومستعملاً فيه؛ وذلك لأن الكلام في الكتاب والسنة والآثار جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، فلا بد أن تكون العرب قد استخدمت هذا اللفظ بالمعنى المصروف إليه، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له، وإن لم يكن له أصل في اللغة. والتأويل الذي لا يحتمله لفظ النص وسياقه لغةً أنواع (١): ١. ما لم يحتمله اللفظ في أصل وضعه: كتأويل القدم في قوله ﷺ : (حتى يضع الجبار فيها قدمه) (٢)، بالجماعة من الناس و"كتأويلات الجهمية والقرامطة الباطنية، كتأويل من تأول الصلوات الخمس: بمعرفة أسرارهم، والصيام، بكتمان أسرارهم، والحج: بزيارة شيوخهم، والإمام المبين: بعلي بن أبي طالب، وأئمة الكفر: بطلحة والزبير، والشجرة الملعونة في القرآن: ببني أمية، واللؤلؤ والمرجان: بالحسن والحسين، والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين: بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والبقرة: بعائشة، وفرعون: بالقلب، والنجم والقمر والشمس: بالنفس والعقل، ونحو ذلك. فهذه التأويلات من باب التحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في آيات الله، وهي من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه" (٣).

стр. 576

٢. ما لم يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع وإن احتمله مفرداً: ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام في هذه المناظرة من أن: «لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢]، ولفظ الجمع في الواحد كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]. أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها» (١). ٣. ما لم يُؤلف استعماله بذلك المعنى في لغة المخاطب، وإن كان هذا المعنى مألوفاً كاصطلاح خاص حادث: كتأويل الفلاسفة الأفول في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام:٧٦] بالتحرك والانتقال، وبنوا على ذلك أن المتحرك لا يكون إلهاً، قال شيخ الإسلام: «والأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير: هو الغيب والاحتجاب؛ بل هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن وهو المراد باتفاق العلماء» (٢). ٤. ما لم يعرف تأويله إلا بطريق خفي لا يعرفه إلا أفراد من أهل النظر: كتأويل (الأحد) بالذات المجردة عن الصفات، فلو أمكن ثبوت هذا التأويل لم يدرك إلا بمقدمات صعبة وطويلة لا يدركها إلا مبتدعوها، قال شيخ الإسلام: «ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي، لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعيًا أو عقليًا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب ألا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا من ظاهره؛ لأن هناك دليلاً خفيًا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره، كان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض

стр. 577

البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان» (١). ٥. ما أُلِف استعماله في غير ذلك المعنى، لكن في غير التركيب الذي ورد به النص: كتأويل النظر في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] بانتظار الثواب؛ فإنه مضاف إلى الوجوه. ٦. ما لم يعهد استعماله في المعنى المؤول إلا نادراً: فحمله على خلاف المعهود باطل، ما لم يتضمن قرائن قوية تدل على خروجه عن المعنى المعهود. ٧. ما عطل معناه الأكمل إلى دونه بمراتب: كتأويل الفوقية المطلقة للرب تعالى في قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] إلى كون قدره فوق بني آدم. ٨. ما لم يحتمله السياق المعين وإن جاز في غيره: كتأويل إتيان الرب في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] بإتيان أمره، فسياق التنويع والتقسيم يأباه. ومن ذلك إضافة الفعل إلى الفاعل، وتعدية الفعل إلى اليد بحرف الباء، كما في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك ويقال: هذا فعلته يداك. ٩. ما لم يحتمله اللفظ للمعنى الذي تأول في ذلك التركيب من حيث اللغة، ومن ذلك تفسير الاستواء بالاستيلاء: فهو مع كونه معنى لا تعرفه العرب في لغتها، ولم يقله أحد من أئمة اللغة. فالتركيب هنا أيضاً لا يحتمله؛ فإن استيلاءه سبحانه وغلبته للعرش لم يتأخر عن خلق السموات والأرض، والعرش مخلوق قبلهما. المقام الثاني: إقامة الدليل الصحيح الصارف للفظ عن معناه، فلو اُدعي وجوب صرف المعنى عن ظاهره المتبادر لأول وهلة، فلا بد من دليل قطعي الدلالة عقلي أو سمعي يوجب الصرف. والدليل الصارف لابد فيه من أمرين:

стр. 578

١ - أن يتعين هذا الدليل (بأن يكون اللفظ يحتمله باللفظ والسياق). ٢ - أن يكون موافقاً لمراد المتكلم. قال شيخ الإسلام: «التأويل المقبول: هو ما دل على مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قاله الرسول، كما يعلم مثل ذلك في تأويلات القرامطة والباطنية من غير أن يحتاج ذلك إلى دليل خاص. وحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم، كان تأويله للفظ بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب، هو من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد» (١). ولا يمكن أن يجد أهل التأويل دليلاً موجبًا لصرف نصوص الصفات عن حقيقتها سوى دعواهم تنزيه الله عن صفات المحدثين، وهذا الأمر لا نزاع فيه؛ إذ أن حقيقة ألفاظ الصفات وظواهرها هي على ما يستحق الله ويليق بجلاله من غير مماثلة لمخلوقاته، فالنصوص الشرعية دلت على انتفاء التمثيل بين صفات الخالق والمخلوق، أما نفي ثبوت صفات تليق بالله ﷻ فليس في النصوص ما يدل عليه بوجه من الوجوه. ويتضح من ردود شيخ الإسلام على المؤولة أنه لا يوجد لهم دليل صحيح على تأويل الصفات، بل دليل مدعي الحقيقة قائم سمعاً وعقلاً: أما السمع فلا يمكن المكابرة فيه؛ لكثرة النصوص الصريحة في إثبات الصفات وإضافتها لله تعالى. وأما العقل: فإن العلم بكمال علم المتكلم، وكمال بيانه وكمال نصحه، يمنع من إرادته بكلامه خلاف الظاهر. وكل صفة وصف الرب بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ فهي كمال قطعاً؛ ولا يجوز تعطيل الرب عن كماله وإبطال حقائق صفاته.

стр. 579

المقام الثالث: أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض، فأي تأويل عارض أصل النص وجب رده؛ لكونه يعود على أصل النص بالإبطال، ومن ذلك تأويل المرأة بالأمة، في قوله ﷺ : (أيما امرأة نكحت من غير إذن وليها … )؛ فإن تتمة الحديث (فإن دخل بها فلها المهر .. ) (١)، يبطل التأويل؛ فمهر الأمة لسيدها وليس لها. وعليه فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن إثبات صفات الله على الحقيقة، وأنها مرادة امتنع ترك هذه الدلالة؛ لتأويلات تفرضها بعض الأذهان من وجوه خفية، وهي في الحقيقة شبهة فاسدة، تعارض النصوص المتواترة والمتكاثرة على إثبات الصفات على الوجه اللائق به سبحانه. المقام الرابع: إذا كان الكلام من الشارع وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين بياناً واضحاً للأمة بدليل عقلي أو سمعي أنه لم يُرد حقيقته، وإنما أراد به معنى آخر، وذلك لما يلي: أ-أن الله سبحانه جعل القرآن نوراً وهدى وبياناً للناس وشفاءً لما في الصدور من الوساوس، والشكوك، وحبائل الهوى. ب-وأرسل سبحانه الرسل لتبين للناس ما نزل إليهم، ولتحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، حتى تنقطع بهم الحجة، وتتضح أمامهم السبل. ج-والنبي ﷺ بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات. د - والأمة التي تلقت عنه، والتزموا نهجه كانوا أعمق الناس علماً، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يلزم أن يوضح النبي ﷺ ، وأصحابه، ومن تبعهم كل ما يتعلق بقضايا الدين، وبمسائل العقيدة وضوحاً لا خفاء فيه، ولا لبس معه،

стр. 580

ولا يحتاج معه إلى تأويلات خفية، وخصوصاً أشرف النصوص وأجلها: وهي النصوص اامُعرفة بأشرف المعارف سبحانه، والمخبرة بأسمائه وصفاته ونعوت جلاله وكماله. ومن ثم فلا يجوز أن يتكلم النبي ﷺ وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره، إلا وقد نصبوا دليلاً يمنع من حمله على ظاهره. هذه هي خطوات المنهج الذي سلكه شيخ الإسلام في إثبات صفات الخالق جل وعلا، وهو المنهج الذي عالج فيه قضية التأويل وبين من خلاله بطلان تأويلات المتكلمين، ومعارضتها للحقيقة السمعية والعقلية، وما اشتملت عليه من ضلال وتحريف وبهتان يؤدي لرد الدين وهدم الرسالات؛ فكل باطل دخل الشريعة كان عن طريق التأويل، وظهر جلياً أن نصوص الصفات من النصوص التي لا يدخلها التأويل المحدث، وإنما يدخلها التأويل الشرعي الذي هو بمعنى التفسير، أو بمعنى الوجود في الخارج، والله أعلم.

стр. 581

المبحث الثالث: مناظرته مع ابن المرحل في تعلق الصفات وهل الحب والبغض ونحوها من الصفات وجودية أم عدمية: واشتمل على مطلبين: المطلب الأول: عرض المناظرة: • تمهيد: لقد ناظر شيخ الإسلام كبار علماء دمشق، وكانت له مساجلات مع عدة من قضاتها وعلمائها، ويعتبر الشيخ زين الدين ابن المرحل والمشهور بـ (ابن الوكيل) (١) من أكثرهم معارضةً لشيخ الإسلام ومناظرة له، قال ابن كثير ﵀: «وكان [أي ابن المرحل] ينصب العداوة للشيخ ابن تيمية (٢)، ويناظره في كثير

стр. 582

من المحافل والمجالس، وكان يعترف للشيخ تقي الدين بالعلوم الباهرة ويثني عليه، ولكنه كان يجاحف عن مذهبه وناحيته وهواه، وينافح عن طائفته» (١). وقال ابن حجر-﵀ في ترجمته له: «وكان لا يقوم بمناظرة ابن تيمية أحد سواه» (٢). وقد دون بعض طلاب شيخ الإسلام ﵀ ثلاث مناظرات جرت بينهما، وقام بتلخيص مباحثها، ونقل لنا الإمام ابن عبد الهادي ﵀ في العقود الدرية هذه المباحث الثلاثة التي جرت لشيخ الإسلام ابن تيمية مع ابن المرحل الشافعي، فقال: «وَقد رَأَيْت بِخَط بعض أَصْحَابه مَا صورته» (٣)، ثم ساق المباحث الثلاثة، الأول والثاني لهما تعلق بالاعتقاد، وهذا المبحث الذي بين أيدينا هو المبحث الثاني منها، وسيأتي ذكر المبحث الأول منهما "في فصل: مناظرته مع المرجئة" (٤)؛ لكونه هو الموضع المناسب له. ويظهر أن هذه المناظرة التي بين أيدينا قد وقعت قبل مناظرة الواسطية والرفاعية بسنوات كثيرة؛ وذلك لأن الإمام زين الدين بن المنجى الحنبلي (٥) كان

стр. 583

من الحاضرين فيها، وهو قد توفي ﵀ سنة (٦٩٥ هـ) ـ، ومناظرتا الواسطية والرفاعية إنما كانتا في سنة (٧٠٥ هـ) ـ أي بعد وفاة ابن المنجى بعشر سنين، مما يفيدنا أن هذه المناظرة قد وقعت بلا شك قبل سنة خمسٍ وتسعين وستمائة من الهجرة، والله أعلم. • نص المناظرة: قال ابن عبد الهادي ﵀: «بحثٌ ثانٍ جرى: أن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص؛ فالحمد أعم من جهة أسبابه التي يقع عليها؛ فإنه يكون على جميع الصفات، والشكر لا يكون إلا على الإحسان (١)، والشكر أعم من جهة ما به يقع؛ فإنه يكون بالاعتقاد والقول والفعل، والحمد يكون بالفعل (٢) أو بالقول أو بالاعتقاد. أورد الشيخ الإمام زين الدين بن المنجى الحنبلي: أن هذا الفرق إنما هو من جهة متعلق الحمد والشكر؛ لأن كونه يقع على كذا، ويقع بكذا خارج عن ذاته،

стр. 584

فلا يكون فرقاً في الحقيقة، والحدود إنما يتعرض فيها لصفات الذات لا لما خرج عنها. فقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: المعاني على قسمين: مفردة ومضافة. فالمعاني المفردة: حدودها لا تؤخذ عنها متعلقاتها. وأما المعاني الإضافية: فلا بد أن يوجد في حدودها تلك الإضافات؛ فإنها داخلة في حقيقتها، ولا يمكن تصورها إلا بتصور تلك المتعلَّقات، فتكون المتعلَّقات جزءاً من حقيقتها، فتعين ذكرها في الحدود. والحمد والشكر معنيان متعلِّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، فلا يتم ذكر حقيقتهما إلا بذكر متعلَّقِهما، فيكون متعلَّقُهما داخلاً في حقيقتهما. فاعترض الصدر ابن المرحل: بأنه ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية، فلا يكون للحمد والشكر من متعلَّقِهما صفة ثبوتية؛ فإن التعلق (١) صفة نسبية (٢)، والنسب أمور عدمية، وإذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن داخلة في الحقيقة؛ لأن العدم لا يكون جزءاً من الوجود. فقال الشيخ تقي الدين: قولك: (ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية)، ليس على العموم؛ بل قد يكون للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية، وقد لا يكون، وإنما الذي يقوله أكثر المتكلمين: (ليس لمتعلَّق القول من القول صفة ثبوتية) (٣). ثم

стр. 585

الصفات المتعلقة نوعان: أحدهما: إضافة محضة، مثل: الأبوة والبنوة والفوقية والتحتية ونحوها، فهذه الصفة التي يقال فيها: هي مجرد نسبة وإضافة، والنسب أمور عدمية. والثاني: صفة ثبوتية مضافة إلى غيرها: كالحب والبغض والإرادة والكراهة والقدرة وغير ذلك من الصفات؛ فإن الحب صفة ثبوتية متعلِّقة بالمحبوب، فالحب معروض للإضافة بمعنى أن الإضافة صفة عرضت له؛ لا أن نفس الحب هو الإضافة، ففرق بين ما هو إضافة، وبين ما هو صفة مضافة. فالإضافة يقال فيها: إنها عدمية، وأما الصفة المضافة فقد تكون ثبوتية كالحب. قال ابن المرحل: الحب أمر عدمي؛ لأن الحب نسبة والنسب عدمية. قال الشيخ تقي الدين: كون الحب والبغض والإرادة والكراهة أمراً عدمياً باطلٌ بالضرورة، وهو خلاف إجماع العقلاء، ثم هو مذهب بعض المعتزلة في إرادة الله؛ فإنه زعم أنها صفة سلبية؛ بمعنى أنه غير مغلوب ولا مستكره، وأطبق الناس على بطلان هذا القول. وأما إرادة المخلوق وحبه وبغضه فلم نعلم أحداً من العقلاء قال: إنهُ أمرٌ عدمي. فأصر ابن المرحل: على أن الحب -الذي هو ميل القلب إلى المحبوب- أمرٌ عدمي، وقال: المحبة: أمر وجودي. قال الشيخ تقي الدين: المحبة هي الحب، فإنه يقال: أحبه وحبه حباً ومحبةً، ولا فرق، وكلاهما مصدر. قال ابن المرحل: وأنا أقول: إنهما إذا كانا مصدرين فهما أمر عدمي. قال له الشيخ تقي الدين: الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتم، وكون الحب والبغض أمراً وجودياً معلوم بالاضطرار؛ فإن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خالياً عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية، فإذا صار محباً فقد تغير الموصوف، وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب، وهو

стр. 586

يحس ذلك من نفسه، يجده كما يجد شهوته ونفرته ورضاه وغضبه ولذته وألمه؛ ودليل ذلك: أنك تقول: أحب يحب محبة، ونقيض أحب: لم يحب، ولم يحب صفة عدمية، ونقيض العدم الإثبات. قال ابن المرحل: هذا ينتقض بقولهم: امتنع يمتنع؛ فإن نقيض الامتناع: لا امتناع، والامتناع صفة عدمية. قال الشيخ تقي الدين: الامتناع أمر اعتباري عقلي؛ فإن الممتنع ليس له وجود خارجي، حتى تقوم به صفة، وإنما هو معلوم بالعقل باعتبار كونه معلوماً له ثبوت علمي. وسلب هذا الثبوت العلمي: عدم هذا الثبوت؛ فلم ينقض هذا قولنا: نقيض العدم ثبوت. وأما الحب فإنه صفة قائمة بالمحب؛ فإنك تشير إلى عين خارجة وتقول: هذا الحي صار محباً بعد أن لم يكن محباً، فتخبر عن الوجود الخارجي بصفة، فإذا كان نقيضها عدماً خارجياً كانت وجودًا خارجيًا. وفي الجملة: فكون الحب والبغض صفة ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة، فلا يقبل فيه نزاع ولا يُناظرُ صاحبهُ إلا مناظرة السوفسطائية. قلت: وإذا كان الحب والبغض ونحوهما من الصفات المضافة المتعلِّقة بالغير: صفات وجودية، ظهر الفرق بين الصفات التي هي إضافة ونسبة، وبين الصفات التي هي مضافة منسوبة، فالحمد والشكر من القسم الثاني؛ فإن الحمد أمر وجودي متعلِّق بالمحمود عليه، وكذلك الشكر أمر وجودي متعلِّق بالمشكور عليه، فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم الصفة الثبوتية لهما التي هي متعلِّقة بالغير، وتلك الصفة داخلة في حقيقتهما، فإذا كان متعلق أحدهما أكبر من متعلق الآخر، وذلك التعلق إنما هو عارض لصفة ثبوتية لهما، وجب ذكر تلك الصفة الثبوتية في ذكر حقيقتهما، والدليل على هذا: أن من لم يفهم الإحسان امتنع أن يفهم الشكر فَعُلِم أن تصور متعلَّق الشكر داخل في تصور الشكر. قلت: ولو قيل: إنه ليس هذا إلا أمراً عدمياً، فالحقيقة إن كانت مركبة من

стр. 587

وجود وعدم وجب ذكرهما في تعريف الحقيقة، كما أن من عرف الأب من حيث هو أب، فإن تصوره موقوف على تصور الأبوة التي هي نسبة وإضافة، وإن كان الأب أمراً وجوديًا، فالحمد والشكر متعلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، وإن لم يكن هذا التعلق عارضاً لصفة ثبوتية، فلا يُفهم الحمد والشكر إلا بفهم هذا التعلق، كما لا يفهم معنى الأب إلا بفهم معنى الأبوة الذي هو التعلق، وكذلك الحمد والشكر أمران متعلِّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، وهذا التعلق جزء من هذا المسمى؛ بدليل أن من لم يفهم الصفات الجميلة لم يفهم الحمد، ومن لم يفهم الإحسان لم يفهم الشكر، فإذا كان فهمها موقوفاً على فهم متعلَّقِهما، فوقوفه على فهم التعلق أولى؛ فإن التعلق فرع على المتعلَّقِ وتبع له، فإذا توقف فهمهما على فهم المتعلَّقِ الذي هو أبعد عنهما من التعلق، فتوقفه على فهم التعلق أولى، وإن كان التعلق أمراً عدمياً. والله أعلم» (١). المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية: • تمهيد: بين شيخ الإسلام ابن تيمية لابن المرحل أن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص، فالحمد أعم من جهة أسبابه؛ فإنه يكون على الصفات الذاتية وعلى المتعدية، بينما الشكر لا يكون إلا على المتعدية منها، والشكر أعم من جهة أنواعه؛ فإنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، بينما الحمد لا يكون إلا بالقلب واللسان، فاعتُرض عليه أن ما ذكره ليس فرقاً على الحقيقة؛ وإنما هو من جهة متعلق الحمد والشكر، لا من جهة معنى الحمد والشكر مجرداً عن متعلقاته. وعليه فلا حقيقة للمعاني التي تساق من هذا الباب، كالمحبة والبغض والإرادة والكراهة؛ إذ هي معانٍ عدمية، ومن هذا المنطلق عطلوا صفات الله تعالى عما تدل عليه من معانٍ وجعلوها معانٍ عدمية لا حقيقة لها.

стр. 588

مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل الشبهة: يرى ابن المرحل أن الحب والبغض والإرادة ونحوها من الصفات ليست صفات ثبوتية، وإنما هي صفات عدمية، وإضافتها للموصوف إنما هي من باب النسب والإضافات، وكل ذلك لا يتضمن قيام أي معنى بالموصوف: فالمحبة مثلاً ليست صفة لله تعالى، وإنما تنسب إلى الله وتضاف إضافة محضة، لا يترتب عليها وصف يقوم بالله، ولا فعل يقوم به، وهكذا بقية الصفات من باب النسب والإضافات المحضة (١). قال شيخ الإسلام: «ولهذا يقول كثير منهم: إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات» (٢). والإضافة كما عرفها ابن سينا: هي المعنى الذي وجوده بالقياس إلى شيء آخر، وليس له وجود غيره، مثل الأبوة بالقياس إلى البنوة (٣). ومما يُمثل به لتوضيح معنى النسب والإضافات: لو أن شخصاً جلس يمين زيد، ثم جلس عن يساره، فقد كان في الأول يميناً، ثم صار يساراً له من غير أن يقع تغير لذات زيد ولا صفة حقيقية له، بل تلك إضافة محضة (٤).

стр. 589

وهذه الشبهة هي أحد الشبه التي يحتج بها أهل الفلسفة والكلام على تعطيل الصفات وتحريفها عن معانيها. وكلام ابن المرحل هنا وإن كان في صفة الحب والبغض والإرادة ونحوها عموماً دون النظر للمتصف بها، إلا أن أول ما يدخل فيها هو ما جاء من وصف الباري سبحانه بهذه الصفات، بل إن الداعي لهم لجعل هذه الصفات من باب النسب والإضافات إنما هو نصرة مذهبهم في نفي صفات الباري بحجة تنزيهه سبحانه عن مشابهة مخلوقاته. فما يرد على الذهن من معان عند إطلاق أسماء الله وصفاته فإنما هي معان موجودة في العقل، وأما في الخارج فلا وجود لتلك المعاني (الصفات) في ذات الله إطلاقاً، فإنما هي نسب وإضافات يمتنع وجودها في الخارج على سبيل المعاني الثبوتية القائمة بالذات. الوجه الثاني: الجواب عن هذه الشبهة: وقد أجاب شيخ الإسلام عن هذه الشبهة بما يلي: أولاً: أن معاني الأشياء على قسمين (١): القسم الأول: معانٍ مفردة: وهي التي تُعرف حدودها دون ما نظرٍ أو حاجة لمتعلقاتها. القسم الثاني: معانٍ مضافة: وهي التي لا يمكن تصورها إلا بتصور متعلقاتها؛ فتكون المتعلقات جزءاً من حقيقتها، فتعين ذكرها في الحدود. وهذا النوع من المعاني والصفات المتعلقة على نوعين: ١. صفات (نسبية) إضافتها إضافة محضة؛ مثل الأبوة والبنوة والفوقية والتحتية ونحوها، فهي مجرد نسبة وإضافة، والنسب أمور عدمية، وهذه تعلقها تعلق عدمي.

стр. 590

٢. صفات (ثبوتية) مضافة إلى غيرها فإضافتها إضافة عرضية، وليست إضافة محضة، فالإضافة عرضت للصفة الثبوتية، لا أن نفس الصفة هي الإضافة، كالحب عرض للمحبوب، والشكر والحمد أضيف وتعلق بالمشكور والمحمود، وهذه تعلقها تعلق ثبوتي وليس عدمي. فلا يتم فهمُ حقيقة مثل هذه المعاني إلا بفهم متعلقاتها، وتلك المتعلفات جزء من حقيقتها، ومن هذا النوع صفات الله كالحب والبغض والرضا ونحوها. فتبين أن هنا فرقاً بين الصفات التي هي بنفسها (إضافة ونسبة) وهي النوع الأول، وبين الصفات التي هي: (مضافة منسوبة) ومنها النوع الثاني. وتبين أن الحقائق والصفات المضافة على نوعين: الصفات التي هي إضافة ونسبة: كالأبوة التي هي حقيقة مركبة من وجود وعدم، فتصور الأب موقوف على تصور الأبوة التي هي نسبة وإضافة، وإن كان الأب أمراً وجوديًا. الصفات التي هي مضافة منسوبة: كالحمد والشكر؛ فإن الحمد أمر وجودي متعلق بالمحمود عليه، وكذلك الشكر أمر وجودي متعلق بالمشكور عليه، فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم متعلقهما، وذلك المتعلق داخل في حقيقتهما (١). ثانياً: أن دعوى عدمية معنى المحبة والبغض والإرادة والكراهة والشكر دعوى باطلة بالضرورة، أطبق الناس على بطلانها، بل هي مخالفة لإجماع

стр. 591

العقلاء، وكون هذه الصفات ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة، فلا يقبل فيه نزاع ولا يناظر صاحبه إلا مناظرة السوفسطائية (١). ثالثاً: مما يوضح كونها صفات وجودية ثبوتية: أن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خالياً عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية، فإذا صار محباً فقد تغير الموصوف، وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب (٢). رابعاً: أن الشيء يعرف بضده، وكما قيل: وبضدها تتميز الأشياء. ومن المعلوم "أنك تقول: أحب يحب محبة، ونقيض أحب: لم يحب، ولم يحب صفة عدمية، ونقيض العدم الإثبات" (٣) فإذا كان عدم المحبة وصف عدمي، فإن المحبة وصف وجودي ثبوتي بغير شك. خامساً: أن ابن المرحل أطلق القول بعدمية هذه الصفات والمعاني في الخالق والمخلوق، وهذا التعميم والإطلاق لا يُعلم له قائل، ولم يسبقه إليه أحد وإنما وقع الخلاف فيما اتصف به الخالق سبحانه من هذه الصفات، قال شيخ الإسلام: «وأما إرادة المخلوق وحبه وبغضه فلم نعلم أحداً من العقلاء قال: إنه أمر عدمي» (٤). سادساً: قال شيخ الإسلام: «التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة، اقتضى مجرد التشريف. فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة، أوجب ذلك إثبات الصفة، التي لولاها ما تمت النسبة، فإن قولنا: خلق الله الخلق بقدرته. لما نُسب الفعل إلى تعلقه بصفة الله، اقتضى ذلك إثبات إحاطة بصفة هي القدرة، ولا يكون مجرد النسبة واجب منها الصفة، فكذلك هاهنا لما كان ذكر التخصيص، مضافًا إلى صفة وجب إثبات

стр. 592

تلك الصفة (١). وهذا لا شك فيه ولا مرية، وبهذا يبعد عما ذكروه» (٢). ويتلخص لنا من هذه الأوجه بطلان ما ذكره ابن المرحل من عدمية صفات الباري سبحانه، وجعلها صفات سلب وإضافة، وأن الحق الذي لا شك فيه أنها صفات ثبوتية وجودية لها معانٍ حقيقية قائمة بذات الله سبحانه، وإن أضيفت لما تتعلق به فهي من باب الصفة المضافة، لا من باب الإضافة. والله أعلم.

стр. 593

المبحث الرابع: مناظرته مع غير واحد من نفاة الصفات في مسألة الرؤية . واشتمل على مطلبين: المطلب الأول: عرض المناظرة: تمهيد: إن من أعظم المسائل والعقائد التي وردت في الكتاب والسنة وأجمع عليها علماء أهل السنة خلفاً عن سلف، كابراً عن كابر، وأنكرها أهل الزيغ والافتراء وذوو البدع والأهواء: عقيدة رؤية المؤمنين لله في الآخرة، تلك الرؤية التي "هي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم؛ اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل الله منقطعون، وعلى مسبة أصحاب رسول الله ﷺ عاكفون، وللسنة وأهلها محاربون، ولكل عدو لله ورسوله ودينه مسالمون، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون" (١).

стр. 594

وقد تصدى شيخ الإسلام لكل من شكك في هذه العقيدة بالرد والبيان والحجة والبرهان، بشتى الطرق ومختلف السبل، خطبةً وتصنيفاً، ومناظرةً وتأليفاً، ورداً وتقريراً، دفاعاً عن هذه العقيدة العظيمة الشريفة الجليلة؛ وقد ذكر ﵀ أنه ناظر في هذه المسألة غير واحد من نفاة الرؤية ومحرفي معناها من مختلف الفرق الزائغة من معتزلة ومتكلمة ورافضة، وبين أن كل شبههم إنما تعود إلى لوازم التزموها، ومقدمات قرروها، خلطوا فيها حقاً بباطل؛ ليصلوا إلى بغيتهم من نفي رؤية المؤمنين لربهم. • نص المناظرة: قال شيخ الإسلام ﵀: «وقد ناظرت غير واحد من هؤلاء من نفاة الرؤية ومحرفيها: من شيعي، ومعتزلي، وغيرهما. وذكرت لهم الشبهة التي تذكرها نفاة الرؤية. فقلت: هي كلها مبنية على مقدمتين: إحداهما: أن الرؤية تستلزم كذا وكذا كالمقابلة والتحيز وغيرهما. والثاني: أن هذه اللوازم منتفية عن الله تعالى. فكل ما يذكره هؤلاء فأحد الأمرين فيه لازم: ١. إما أن لا يكون لازماً بل يمكن الرؤية مع عدمه: وهذا المسلك سلكه الأشعري وطوائف كالقاضي (١)، أحياناً وابن عقيل (٢) وغيرهم، لكن أكثر العقلاء يقولون: إن من ذلك ما هو معلوم الفساد بالضرورة. ٢. وإما أن يكون لازمًا فلا يكون مُحالاً: فليس في العقل ولا في السمع ما يحيله، بل إذا قُدِّر أنه لازم للرؤية فهو حق؛ لأن الرؤية حق، قد عَلِمَ ذلك بالاضطرار عن خير البرية أهل العلم بالأخبار النبوية» (٣).

стр. 595

وقال شيخ الإسلام ﵀: «فيقال: لهذا المنكر للرؤية المستدل على نفيها بانتفاء لازمها وهو الجهة: قولك ليس في جهة، وكل ما ليس في جهة لا يرى، فهو لا يرى، وهكذا جميع نفاة الحق ينفونه لانتفاء لازمه في ظنهم، فيقولون لو رُئي للزم كذا، واللازم منتف فينتفي الملزوم. والجواب العام لمثل هذه الحجج الفاسدة بمنع إحدى المقدمتين إما معينة وإما غير معينة؛ فإنه لا بد أن تكون إحداهما باطلة، أو كلتاهما باطلة، وكثيراً ما يكون اللفظ فيهما مجملاً يصح باعتبار ويفسد باعتبار، وقد جعلوا الدليل هو ذلك اللفظ المجمل، ويسميه المنطقيون الحد الأوسط (١)، فيصح في مقدمة بمعنى، ويصح في الأخرى بمعنى آخر، ولكن اللفظ مجمل، فيظن الظان لما في اللفظ من الإجمال وفي المعنى من الاشتباه أن المعنى المذكور في هذه المقدمة هو المعنى المذكور في المقدمة الأخرى، ولا يكون الأمر كذلك. مثال ذلك في مسألة الرؤية أن يقال: له: أتريد بالجهة أمراً وجودياً أو أمراً عدمياً؟ فإذا أردت به أمراً وجودياً كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى. وهذه المقدمة ممنوعة، ولا دليل على إثباتها، بل هي باطلة؛ فإن سطح العالم

стр. 596

يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر. وإن أردت بالجهة أمراً عدمياً؛ كانت المقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس بجهة بهذا التفسير. وهذا مما خاطبت به غير واحد من الشيعة والمعتزلة فنفعه الله به، وانكشف بسبب هذا التفصيل ما وقع في هذا المقام من الاشتباه والتعطيل. وكانوا يعتقدون أن ما معهم من العقليات النافية للرؤية قطعية لا يقبل في نقيضها نص الرسل، فلما تبين لهم أنها شبهات مبنية على ألفاظ مجملة ومعان مشتبهة، تبين أن الذي ثبت عن الرسول ﷺ هو الحق المقبول، ولكن ليس هذا المكان موضع بسط هذا، فإن هذا النافي إنما أشار إلى قولهم إشارة» (١). المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة . • تمهيد: بين شيخ الإسلام ﵀ لمن ناقشه وناظره من نفاة الصفات مبنى الشبه التي استندوا عليها وابتدأ بإبطالها ونقض الأصول الفاسدة التي قامت عليها، ثم بعد ذلك قرر لهم الحق الذي يجب الصيرورة إليه في هذه المسألة، وهذا من بديع صنع شيخ الإسلام ﵀، كما علل ﵀ سلوكه هذا المسلك بقوله: «فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، متى ذكرت له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه، لما قام في نفسه من الشبهة، فينبغي إذا كان المناظر مدعياً أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه» (٢).

стр. 597

مناقشة شبهة نفاة الرؤية: وذلك من وجهين: الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم: بين شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أن أصل شبهة جميع نفاة الرؤية -على اختلاف طوائفهم- مبناها على مقدمتين: المقدمة الأولى: أن إثبات الرؤية يستلزم منه كذا وكذا من الأمور: كالجهة، والمعاينة، والجسمية، والتحيز، والتركيب، وغيرها من الأمور التي ذكروها. المقدمة الثانية: أن هذه اللوازم منتفية في حق الله سبحانه (١). وقرر هذا الأمر في غير موضع من كتبه (٢). وكل من نفى رؤية الله فقد بنى نفيه على هذه المقدمات، ومثال ذلك -وهي أكبر شبهة يحتج بها النفاة على منع الرؤية- قولهم: إن رؤية الشيء يلزم منها أن يكون المرئي في جهة تقابل الرائي، وهذه هي المقدمة الأولى التي أشار إليها شيخ الإسلام ﵀. قالوا وهذا الأمر منتف في حق الله ولا يصح وصف الله به؛ لأن هذه هي صفة الأجسام، والله منزه عن ذلك، وهذه هي المقدمة الثانية؛ ثم ينتج عن المقدمتين إثبات عقيدتهم التي اعتقدوها وهي نفي رؤية الله رب العالمين للهروب من الالتزام بمثل هذا اللازم. فهذا هو أصل جميع شبه القوم وأساسها. الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة: بين شيخ الإسلام ﵀ أن بطلان مثل هذه الشبهة يكون: إما بإبطال المقدمة الأولى أو إبطال الأخرى؛ فإما أن يكون اللازم الذي ذكروه للرؤية باطلاً وليس بلازم

стр. 598

في الحقيقة، وإما أن يكون اللازم صحيحاً، ولكنه غير منتف في حق الله سبحانه. فمن الطريقة الأولى وهي إبطال اللازم: إبطال قولهم: إن كل مرئي يلزم أن يكون مركباً من أجزاء، أو مجتمعاً بعد تفرق، فهذا في الحقيقة ليس لازماً من لوازم الرؤية، ولا يصح أن يكون كذلك، وذلك من وجهين: الأول: أن يقال ما مرادك بالتركيب والاجتماع اللازم للرؤية؟ إن كان المراد: أن من لازم ما تصح رؤيته أن يكون مركباً من أجزاء يجوز تفرقها، فهذا باطل وليس بلازم؛ وذلك لأن ليس كل ما نشاهده يكون كذلك. وأبسط مثال على ذلك هذه السماوات مرئية مشهودة ولا نعلم أنها كانت متفرقة فاجتمعت، وكذلك الشمس والقمر هي شيء واحد لا نعلم -لا بحس ولا ضرورة- أنها مركبة من الأجزاء المفردة، ومع ذلك فهي مرئية مشاهده! وإن كان المراد بالمركب: أن منه شيئاً ليس هو الشيء الآخر، فنحن نقول كل ما يرى في الشاهد والغائب لابد وأن يكون كذلك (١). الثاني: أن يقال: إذا جاز أن نرى ما هو مجتمع ويقبل التفريق والتقسيم، فرؤية ما لا يقبله أولى وأجدر؛ فكلما كان وجود الشيء أكمل كلما كانت رؤيته أجوز وأمكن (٢). فتبين بهذا بطلان أن يكون التركيب من لوازم الرؤية، وهذه هي المقدمة الأولى؛ وإذا بطلت أولى المقدمتين بطلت الأخرى، وبطلت النتيجة المترتبة عليهما. ومن إبطال المقدمة الثانية: إبطال قولهم: بأن من لازم الرؤية المعاينة، وكون المرئي في جهة.

стр. 599

قالوا: وهذا منفي عن الله ؛ فلا يجوز أن نثبت الرؤية له سبحانه. وبهذه الحجة احتجت المعتزلة على نفي رؤية الله ، وإبطال هذا الشبهة إنما يكون بإبطال المقدمة الثانية من المقدمتين؛ إذ إن المقدمة الأولى مقدمة صحيحة، واللوازم التي ذكروها للرؤية لوازم صحيحة لا يصح إنكارها. وقد وقع متأخرو الأشاعرة -بسبب إثباتهم للرؤية مع نفيهم لعلو الله على خلقه- في قول هو في غاية التناقض، خرجوا به عن ضرورات العقل، وخالفوا فيه ما اتفق عليه عقلاء بني آدم من جميع الطوائف؛ حيث قاموا بإنكار هذه اللوازم الصحيحة للرؤية وقالوا: إن الله يُرى ولكن بلا جهة ولا مقابلة ولا معاينة؛ فإنه يمكن أن يرى لا فوق الرائي ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا في شيء من جهاته. فأنكروا المقدمة الأولى وجحدوا الضروريات، وكابروا في المعقولات (١). ورحم الله ابن القيم حيث قال (٢): فسل المعطل هل يُرى من تحتنا … أم عن شمائلنا وعن أيمان أم خلفنا وأمامنا سبحانه … أم هل يُرى من فوقنا ببيان يا قوم ما في الأمر شيء غير ذا … أو أن رؤيته بلا إمكان إذ رؤيةٌ لا في مقابلةٍ من الر … ائي مُحالٌ ليس في الإمكان ومن ادعى شيئاً سوى ذا كان دعـ … واه مكابرة على الأذهان وأما أهل السنة فهم يثبتون الرؤية وكل ما كان لازما لها، فإذا كانت المقابلة والجهة والمعاينة لازمة للرؤية فهي حق، وما كان حقاً وصواباً فلازمه كذلك، فـ"من ادّعى ثبوت الشيء؛ فقد ادّعى ثبوت لوازمه، ولوازم لوازمه، وهلم جرّاً ضرورة عدم الانفكاك عنه" (٣).

стр. 600

لكننا وإن سلمنا لهم بهذا لأنه حق، فلا نسلم لهم بما ذكروه في المقدمة الأخرى من أن تلك اللوازم -كالجهة والمعاينة ونحوها- ممتنعة في حق الله ؛ ولذلك نفوا الرؤية عنه سبحانه، بل نقول: بما أن الرؤية قد ثبتت بالتواتر القطعي وصريح نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فإننا نثبتها لله على حقيقتها وبلوازمها اللازمة منها، ولا يجوز إنكار مثل هذه اللوازم الصحيحة وجحدها. وما ادعوه في المقدمة الثانية من امتناع هذه اللوازم في حق الله تعالى، فهي دعوى باطلة، وقد بين شيخ الإسلام بطلانها من وجوه عديدة وأهمها ما يلي: الأول: أن النصوص الواردة في الرؤية -وهي كثيرة بل ومتواترة- دالة على أن رؤية المؤمنين لربهم إنما تكون في جهة وعن معاينة، ولا يتأتى إثبات الرؤية إلا كذلك، ومن ذلك قول النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) (١)، والتشبيه هنا تشبيه الرؤية بالرؤية، فشبهها برؤية الشمس ليس دونها سحاب، أو رؤية القمر ليلة البدر صحواً. قال شيخ الإسلام: «فأخبر أن رؤيته كرؤية الشمس والقمر وهما أعظم المرئيات ظهورًا في الدنيا، وإنما يراهم الناس فوقهم بجهة منهم» (٢)، ومنها قول النبي ﷺ : (إنكم ترون ربكم عياناً) (٣) فهذا صريح بأن الرؤية إنما تكون عن معاينة، فكيف يجوز بعد أن ظهر من دلالات النصوص وعباراتها أن الله يُرى في جهة ويرى عن معاينة ومقابلة، أن ننفي عن الله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، وهو أعلم الخلق بربه، وننفي ما جاءت به اللغة العربية -التي خاطب الله عباده بها- من الدلالات والمعاني.
следующие страницы →