يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر.
وإن أردت بالجهة أمراً عدمياً؛ كانت المقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس بجهة بهذا التفسير.
وهذا مما خاطبت به غير واحد من الشيعة والمعتزلة فنفعه الله به، وانكشف بسبب هذا التفصيل ما وقع في هذا المقام من الاشتباه والتعطيل. وكانوا يعتقدون أن ما معهم من العقليات النافية للرؤية قطعية لا يقبل في نقيضها نص الرسل، فلما تبين لهم أنها شبهات مبنية على ألفاظ مجملة ومعان مشتبهة، تبين أن الذي ثبت عن الرسول ﷺ هو الحق المقبول، ولكن ليس هذا المكان موضع بسط هذا، فإن هذا النافي إنما أشار إلى قولهم إشارة» (١).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة .
• تمهيد:
بين شيخ الإسلام ﵀ لمن ناقشه وناظره من نفاة الصفات مبنى الشبه التي استندوا عليها وابتدأ بإبطالها ونقض الأصول الفاسدة التي قامت عليها، ثم بعد ذلك قرر لهم الحق الذي يجب الصيرورة إليه في هذه المسألة، وهذا من بديع صنع شيخ الإسلام ﵀، كما علل ﵀ سلوكه هذا المسلك بقوله: «فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، متى ذكرت له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه، لما قام في نفسه من الشبهة، فينبغي إذا كان المناظر مدعياً أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه» (٢).
стр. 597
مناقشة شبهة نفاة الرؤية: وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم:
بين شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أن أصل شبهة جميع نفاة الرؤية -على اختلاف طوائفهم- مبناها على مقدمتين:
المقدمة الأولى: أن إثبات الرؤية يستلزم منه كذا وكذا من الأمور: كالجهة، والمعاينة، والجسمية، والتحيز، والتركيب، وغيرها من الأمور التي ذكروها.
المقدمة الثانية: أن هذه اللوازم منتفية في حق الله سبحانه (١).
وقرر هذا الأمر في غير موضع من كتبه (٢).
وكل من نفى رؤية الله فقد بنى نفيه على هذه المقدمات، ومثال ذلك -وهي أكبر شبهة يحتج بها النفاة على منع الرؤية- قولهم: إن رؤية الشيء يلزم منها أن يكون المرئي في جهة تقابل الرائي، وهذه هي المقدمة الأولى التي أشار إليها شيخ الإسلام ﵀. قالوا وهذا الأمر منتف في حق الله ولا يصح وصف الله به؛ لأن هذه هي صفة الأجسام، والله منزه عن ذلك، وهذه هي المقدمة الثانية؛ ثم ينتج عن المقدمتين إثبات عقيدتهم التي اعتقدوها وهي نفي رؤية الله رب العالمين للهروب من الالتزام بمثل هذا اللازم.
فهذا هو أصل جميع شبه القوم وأساسها.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام ﵀ أن بطلان مثل هذه الشبهة يكون: إما بإبطال المقدمة الأولى أو إبطال الأخرى؛ فإما أن يكون اللازم الذي ذكروه للرؤية باطلاً وليس بلازم
стр. 598
في الحقيقة، وإما أن يكون اللازم صحيحاً، ولكنه غير منتف في حق الله سبحانه.
فمن الطريقة الأولى وهي إبطال اللازم:
إبطال قولهم: إن كل مرئي يلزم أن يكون مركباً من أجزاء، أو مجتمعاً بعد تفرق، فهذا في الحقيقة ليس لازماً من لوازم الرؤية، ولا يصح أن يكون كذلك، وذلك من وجهين:
الأول: أن يقال ما مرادك بالتركيب والاجتماع اللازم للرؤية؟
إن كان المراد: أن من لازم ما تصح رؤيته أن يكون مركباً من أجزاء يجوز تفرقها، فهذا باطل وليس بلازم؛ وذلك لأن ليس كل ما نشاهده يكون كذلك.
وأبسط مثال على ذلك هذه السماوات مرئية مشهودة ولا نعلم أنها كانت متفرقة فاجتمعت، وكذلك الشمس والقمر هي شيء واحد لا نعلم -لا بحس ولا ضرورة- أنها مركبة من الأجزاء المفردة، ومع ذلك فهي مرئية مشاهده!
وإن كان المراد بالمركب: أن منه شيئاً ليس هو الشيء الآخر، فنحن نقول كل ما يرى في الشاهد والغائب لابد وأن يكون كذلك (١).
الثاني: أن يقال: إذا جاز أن نرى ما هو مجتمع ويقبل التفريق والتقسيم، فرؤية ما لا يقبله أولى وأجدر؛ فكلما كان وجود الشيء أكمل كلما كانت رؤيته أجوز وأمكن (٢).
فتبين بهذا بطلان أن يكون التركيب من لوازم الرؤية، وهذه هي المقدمة الأولى؛ وإذا بطلت أولى المقدمتين بطلت الأخرى، وبطلت النتيجة المترتبة عليهما.
ومن إبطال المقدمة الثانية:
إبطال قولهم: بأن من لازم الرؤية المعاينة، وكون المرئي في جهة.
стр. 599
قالوا: وهذا منفي عن الله ؛ فلا يجوز أن نثبت الرؤية له سبحانه.
وبهذه الحجة احتجت المعتزلة على نفي رؤية الله ، وإبطال هذا الشبهة إنما يكون بإبطال المقدمة الثانية من المقدمتين؛ إذ إن المقدمة الأولى مقدمة صحيحة، واللوازم التي ذكروها للرؤية لوازم صحيحة لا يصح إنكارها.
وقد وقع متأخرو الأشاعرة -بسبب إثباتهم للرؤية مع نفيهم لعلو الله على خلقه- في قول هو في غاية التناقض، خرجوا به عن ضرورات العقل، وخالفوا فيه ما اتفق عليه عقلاء بني آدم من جميع الطوائف؛ حيث قاموا بإنكار هذه اللوازم الصحيحة للرؤية وقالوا: إن الله يُرى ولكن بلا جهة ولا مقابلة ولا معاينة؛ فإنه يمكن أن يرى لا فوق الرائي ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا في شيء من جهاته. فأنكروا المقدمة الأولى وجحدوا الضروريات، وكابروا في المعقولات (١).
ورحم الله ابن القيم حيث قال (٢):
فسل المعطل هل يُرى من تحتنا … أم عن شمائلنا وعن أيمان
أم خلفنا وأمامنا سبحانه … أم هل يُرى من فوقنا ببيان
يا قوم ما في الأمر شيء غير ذا … أو أن رؤيته بلا إمكان
إذ رؤيةٌ لا في مقابلةٍ من الر … ائي مُحالٌ ليس في الإمكان
ومن ادعى شيئاً سوى ذا كان دعـ … واه مكابرة على الأذهان
وأما أهل السنة فهم يثبتون الرؤية وكل ما كان لازما لها، فإذا كانت المقابلة والجهة والمعاينة لازمة للرؤية فهي حق، وما كان حقاً وصواباً فلازمه كذلك، فـ"من ادّعى ثبوت الشيء؛ فقد ادّعى ثبوت لوازمه، ولوازم لوازمه، وهلم جرّاً ضرورة عدم الانفكاك عنه" (٣).
стр. 600
لكننا وإن سلمنا لهم بهذا لأنه حق، فلا نسلم لهم بما ذكروه في المقدمة الأخرى من أن تلك اللوازم -كالجهة والمعاينة ونحوها- ممتنعة في حق الله ؛ ولذلك نفوا الرؤية عنه سبحانه، بل نقول: بما أن الرؤية قد ثبتت بالتواتر القطعي وصريح نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فإننا نثبتها لله على حقيقتها وبلوازمها اللازمة منها، ولا يجوز إنكار مثل هذه اللوازم الصحيحة وجحدها.
وما ادعوه في المقدمة الثانية من امتناع هذه اللوازم في حق الله تعالى، فهي دعوى باطلة، وقد بين شيخ الإسلام بطلانها من وجوه عديدة وأهمها ما يلي:
الأول: أن النصوص الواردة في الرؤية -وهي كثيرة بل ومتواترة- دالة على أن رؤية المؤمنين لربهم إنما تكون في جهة وعن معاينة، ولا يتأتى إثبات الرؤية إلا كذلك، ومن ذلك قول النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) (١)، والتشبيه هنا تشبيه الرؤية بالرؤية، فشبهها برؤية الشمس ليس دونها سحاب، أو رؤية القمر ليلة البدر صحواً. قال شيخ الإسلام: «فأخبر أن رؤيته كرؤية الشمس والقمر وهما أعظم المرئيات ظهورًا في الدنيا، وإنما يراهم الناس فوقهم بجهة منهم» (٢)، ومنها قول النبي ﷺ : (إنكم ترون ربكم عياناً) (٣) فهذا صريح بأن الرؤية إنما تكون عن معاينة، فكيف يجوز بعد أن ظهر من دلالات النصوص وعباراتها أن الله يُرى في جهة ويرى عن معاينة ومقابلة، أن ننفي عن الله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، وهو أعلم الخلق بربه، وننفي ما جاءت به اللغة العربية -التي خاطب الله عباده بها- من الدلالات والمعاني.
стр. 601
الثاني: أنهم إنما أردوا بنفي الجهة نفي علو الله الثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، فكل دليل يثبت علو الله سبحانه -وهي أكثر من أن تحصر- فهو حجة على هؤلاء، ولولا ظهور هذه القضية وشدة وضوحها، وخشية الإطالة في غير موضعها، لسقت النصوص الكثيرة التي تدل على علو الله على خلقه ، وتثبت الجهة بالمعنى الذي أراد هؤلاء نفيه، ويكفينا القول بأن كل رد على نفاة العلو وكل نص في إثباته، وكل دليل عقلي أو سمعي أو فطري عليه، فهو يمثل رداً مفحماً على نفاة الرؤية بحجة تنزيه الله عن الجهة والتحيز (١).
الثالث: أن يقال لقائل هذا الكلام: لفظ الجهة مجمل فما تعني بقولك: أنه يلزم من إثبات الرؤية أن تكون في جهة؟
فإما أن تريد بها أمراً وجودياً، أي أن كل ما يرى لا بد أن يكون في جهة موجودة أي حالّاً في موجود آخر، فهذا باطل وليس بلازم، فإن سطح العالم يُمكن أن يُرى وليس العالم في عالمٍ آخر.
وإما أن تريد بالجهة أمراً عدمياً: أي أن كل ما يُرى لا بد أن يكون فيما يسمى جهة ولو معدوماً؛ فإنه إذا كان مبايناً للعالم سمي ما وراء العالم جهة، وعلى هذا التفسير لا تكون الجهة ممتنعة بل هي الحق الذي يجب إثباته (٢)، فإن "قال: لأنَّ ما باين العالم ورُئي لا يكون إلا جسماً أو متحيزاً؛ عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة. فيقال له: المتحيز يراد به ما حازه غيره.
ويراد به ما بان عن غيره فكان متحيزاً عنه، فإن أردت بالمتحيز الأول؛ لم يكن سبحانه متحيزاً؛ لأنه بائن عن المخلوقات، لا يحوزه غيره، وإن أردت الثاني؛
стр. 602
فهو سبحانه بائن عن المخلوقات، منفصل عنها، ليس هو حالاً فيها، ولا متحداً بها؛ فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل" (١).
ويحسن بنا هنا أن نذكر ما قاله ابن أبي العز (٢) وابن القيم -رحمهما الله -حول هذه الشبهة، حيث قال ابن أبي العز الحنفي ﵀: «وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهاً لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي -وهو الله- بالمرئي -وهو الشمس والقمر-، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه؛ وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة! ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله! فإما أن يكون مكابراً لعقله، أو في عقله شيء، وإلا فإذا قال: يرى لا أمام الرائي، ولا خلفه، ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة.
ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة» (٣).
وقال ابن القيم ﵀: «إخباره تعالى عن نفسه، وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عياناً جهرة كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر، والذي تفهمه الأمم على اختلاف لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المقابلة والمواجهة التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة محدودة غير مفرطة في البعد فتمتنع الرؤية ولا في القرب فلا تمكن الرؤية، لا تعقل الأمم غير هذا، فإما أن يروه سبحانه من تحتهم - تعالى الله - أو من خلفهم أو من أمامهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم، ولا بد من قسم من هذه الأقسام إن كانت الرؤية
стр. 603
حقاً، وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم كما في حديث جابر الذي في المسند وغيره (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم، فإذا الجبار قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، ثم يتوارى عنهم، وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم) (١)، ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية، ولهذا طرد الجهمية أصلهم وصرحوا بذلك، وركبوا النفيين معاً، وصدق أهل السنة بالأمرين معاً، وأقروا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذباً بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء» (٢).
رابعاً: أن إثبات رؤية المؤمنين لربهم بلوازمها اللازمة لها، لا يقتضي تمثيلاً ولا تشبيهاً لله بخلقه، إذ إن رؤية الخالق ليست كرؤية المخلوق، فكما أنه لا يجب استواء ذات الله في حقيقتها وماهيتها وذوات المخلوقات المحدثات، فكذلك لا يجب استواءهما في اللوازم؛ فإنه لا يصح عقلاً ولا شرعاً قياس الخالق بالمخلوق، ولا قياس صفاته بصفات خلقه، وإنما وقع القوم فيما وقعوا فيه من جهة هذا القياس الفاسد.
وهذا الموضوع مبسوط في مظانه بكثرة، وإنما المراد الإشارة إلى بطلان هذه الشبهة، ويكفي في الدلالة على ذلك قوله تعالى مع ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلى ورؤية المؤمنين له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] (٣).
وبهذا يتبين بطلان المقدمة الثانية، التي زعموا فيها استحالة هذه اللوازم في
стр. 604
حق الله ، وبالتالي نفوا رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وأنكروا النصوص الواضحة والأدلة المتواترة.
ويتبين صدق ما ذكره شيخ الإسلام من أن جميع الأدلة التي يحتج بها منكرو الرؤية راجعة لهاتين المقدمتين، فهم: إما أن يجعلوا للرؤية لوازم باطلة، ثم ينكروا الرؤية بسبب هذه اللوازم، وإما أن يثبتوا للرؤية لوازم حقه، ثم ينفوا هذه اللوازم في حق الله سبحانه بزعم تنزيه الله عنها، واستحالة اتصاف الله بها.
стр. 605
المبحث الخامس: مناظرته مع بعض من يدعي أن الله يتكلم بكلام لا معنى له .
واشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
• تمهيد:
لقد كان شيخ الإسلام على دراية تامة بمقالات الفرق، وكان ﵀ دقيقاً فيما ينسبه لشتى الفرق والطوائف والأشخاص من أقوال ومعتقدات مهما كان قدر الخلاف بينه وبينها، ومهما كانت قدر مخالفتها للكتاب والسنة والعقيدة السليمة؛ فإن الخلاف لا يبيح التقول على الخصوم والتجني عليهم، وهذا الأمر يفتقده كثير من أهل البدع حين ينسبون الأكاذيب والافتراءات إلى عقيدة أهل السنة وأعلامهم وعلمائهم، ونلحظ في هذه المناظرة شيئاً من إنصاف شيخ الإسلام، ودقته في نسبة الأقوال لقائليها، وخبرته بذلك، وعدله مع خصومه ﵀.
• نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام ﵀: «وكثير من المنتسبين إلى السنة وغيرهم ظنوا أن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله: هو معنى الكلام الذي أُنزل القرآن لبيانه؛ فصاروا يجعلون كثيراً من القرآن كلاماً خوطب به الناس، وأنزل إليهم، وأمروا بتلاوته وتدبره، وهو كلام لا يفهم معناه، ولا سبيل إلى معرفة مراد المتكلم به.
стр. 606
وقد يحكى عن بعضهم: أنه سمع كلاماً لا معنى له في نفس الأمر، كما حكى الرازي في محصوله عمن سماهم بـ (حشوية) (١) أنهم قالوا: يجوز أن يتكلم الله بكلام، ولا يعني به شيئاً.
لكن هذا القول لا أعرف به قائلاً، بل لم يقل هذا أحد من طوائف المسلمين!
стр. 607
ولهذا كنا مرة في مجلس فجرت هذه المسألة، فقلت: هذا لم يقله أحد من طوائف المسلمين، وإن كان أحد ذكره، فليس فيما ذكره (١) حجةٌ على إبطاله.
فقال بعض الذابين عنه: هذا قالته الكرامية (٢).
فقلت: هذا لم يقله لا كرامي ولا غير كرامي، ولا أحد من أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم، وبتقدير أن يكون قولاً، فإنما احتَّجَ (٣) على فساده بأن هذا عبث، والعبث على الله محال.
وهذه الحجة فاسدة على أصله؛ لأن النزاع إنما هو في الحروف المؤلفة، هل يجوز أن يُنزل حروفاً لا معنى لها، والحروف عنده من المخلوقات، وعنده يجوز أن يخلق الله كل شيء؛ لأن فعله لا يتوقف على الحكمة والمصلحة، فليس فيما ذكره حجة على بطلان هذا.
وإنما النزاع المشهور هل يجوز أن ينزل الله تعالى ما لا يفهم معناه؟ والرازي ممن يجوز هذا في أحد قوليه، ووافق من قال إن التأويل لا يعلمه إلا الله، مع قولهم إن التأويل هو المعنى.
وأصل الخطأ في هذا أن لفظ التأويل مجمل يراد به:
١. ما يؤول إليه الكلام: فتأويل الخبر نفس المخبر عنه، وتأويل أسماء الله وصفاته نفسه المقدسة بما لها من صفات الكمال.
٢. ويراد بالتفسير التأويل: وهو بيان المعنى المراد، وإن لم نعلم كيفيته وكنهه» (٤).
стр. 608
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
في هذه المناظرة حدث حوار ونقاش بين شيخ الإسلام وأحد المتعصبين لفخر الدين الرازي المنافحين عنه، وكان موضوع النقاش ومحوره حول صحة ما ادعاه الرازي من أن هناك من يقول إن الله يتكلم بكلام لا معنى له، وهل يصح نسبة هذا القول لأي طائفة من طوائف المسلمين، أم لا؟ وقد حمل هذا الرجل تعظيمه وتعصبه للرازي، أن يثبت ما قرره الرازي وينسب هذا القول إلى الكرامية، فبين له شيخ الإسلام خطأ ما قرره الرازي وخطأ ما دافع به عن إمامه الرازي كما سيتم إيضاحه أثناء دراسة المسألة.
أصل الشبهة:
من المعلوم أن من المسائل التي حصل فيها النزاع بين أهل القبلة مسألة: هل يجوز أن يكون في القرآن ألفاظٌ لا يَفهمُ أحد معناها، ولا يمكن إدراك المراد بها؟
وهذه المسألة أطال العلماء في دراستها سواء في كتب الاعتقاد، أو في كتب ومباحث أصول الفقه، وقلَّ أن تجد مصنفاً مطولاً من مصنفات الأصول إلا وقد تعرض لها، إلا أن الرازي، وسبقه إلى ذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي (١)، وتبعهما على ذلك بعض المتأخرين: أظهروا هذه المسألة بقالب شنيع، وغلطوا في تصويرها، وجعلوا ما لم يرد فيه اختلاف، محلاً للنزاع والخلاف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومن المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع فقال: (لا يجوز أن يتكلم الله بكلام ولا يعني به شيئاً، خلافاً للحشوية). وهذا لم يقله مسلم إن الله يتكلم بما لا معنى له. وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه؟، وبَيَنَ نفي المعنى عند المتكلم ونفي الفهم عند المخاطب بونٌ عظيم» (٢).
стр. 609
وبهذا يتبين أصل شبهة من أطلق الخلاف في هذه المسألة، ونسب القول فيها لبعض طوائف الإسلام، وهو الخلط بينها وبين مسألة: إمكان إنزال الله كلاماً قد لا يفهم العباد معناه؟ مما هو محل نزاع بين أهل القبلة، بخلاف هذه المسألة التي لم تخالف فيها أي طائفة من طوائف هذه الأمة كما سيأتي توضيح ذلك من كلام شيخ الإسلام ﵀ في الجواب على هذه الدعوى.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة وهذه الدعوى:
لقد تنوعت طرق شيخ الإسلام في نقض هذه الدعوى وبيان فسادها، وعدم صحتها وبطلانها، ويمكن حصر أهم طرق شيخ الإسلام في رد هذه المقالة بما يأتي:
أولاً: بيان خطأ هذه الدعوى:
بين شيخ الإسلام ﵀ أن القول بأن الله يتكلم بكلام لا معنى له، قول لا يعرف عن أحد من علماء المسلمين، ولم يرد عن شيءٍ من طوائف المسلمين. وقد وقع الرازي في خطأ واضح حيث أضاف هذا القول إلى من أسماهم حشوية فقال كما في محصوله:
«المسألة الأولى: في أنه لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بشيء ولا يعني به شيئاً، والخلاف فيه مع الحشويَّةِ، لنا وجهان:
أحدهما: أن التكلم بما لا يفيد شيئاً هذيان، وهو نقص، والنقص على الله تعالى محال.
وثانيهما: أن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى، وشفاء، وبيانات؛ وذلك لا يحصل بما لا يفهم معناه» (١).
فأخطأ الرازي هنا بحكاية الخلاف في المسألة وهي محل اتفاق وإجماع، ثم
стр. 610
أخطأ في نسبة هذا القول إلى الحشوية، كما أخطأ هذا الشخص المتعصب له بنسبته هذا القول إلى الكرامية، والواقع أن هذا القول لم يقل به أحد، لا كرامي ولا حشوي ولا غير ذلك.
وقد بين الآمدي أن اشتمال القرآن الكريم على ما لا معنى له، أمرٌ لا يتصور أصلاً، فكيف يقول به عاقل؟! قال ﵀: «القرآن لا يتصور اشتماله على ما لا معنى له في نفسه؛ لكونه هذياناً ونقصاً يتعالى كلام الرب عنه، خلافاً لمن لا يؤبه له» (١).
وقال الزركشي ﵀ (٢): «لا يجوز أن يرد في القرآن ما ليس له معنى أصلاً» (٣)، وقال علاء الدين المرداوي (٤) ﵀: «قوله: (وليس فيه ما لا معنى له): وهذا مما يقطع به كل عاقل، ممن شم رائحة العلم، ولا يخالف في ذلك إلا جاهل أو معاند؛ لأن ما لا معنى له هذيان، ولا يليق النطق به من عاقل، فكيف بالباري » (٥).
وبين العلامة حسن بن محمد العطار (٦) في حاشيته على "شرح المحلي على
стр. 611
جمع الجوامع" أن "أحداً ممن يوثق به لم يقل بذلك فلا يصلح أن يكون محل النزاع، كيف والقرآن العزيز في أعلى طبقات البلاغة المشترط فيها فصاحة الكلام، ووقوع ما يخل بالفصاحة فيه يخرجه عنها، فكيف بالمهمل؟! وأيضاً لو تلفظ واحد منا في خطابه بمُهمل نُسب إلى هذيان وعبث، فكيف بالحضرة العلية (١)؟! وأيضاً لو فرض وقوعه في القرآن للزم إفحام الرسول ﷺ ؛ فإنه يخاطب به مصاقع البلغاء وأعاظم الفصحاء الذين هم نقدة الكلام وحاكة برده وقد تطأطأت رءوسهم عند سماعه، ولم يجدوا فيه مغمزاً من جهة البلاغة والفصاحة، فلو وقع فيه لفظ مهمل لسارعوا إلى المبادرة بالطعن فيه" (٢).
ثانياً: بيان الخلط الذي وقع فيه الرازي ومن تبعه على هذه المقالة:
بين شيخ الإسلام ﵀ أن الرازي ومن تبعه قد خلطوا بين مسألتين مختلفتين.
المسألة الأولى: كلام الله بما بكلام قد لا يفهمه المخاطبون.
المسألة الثانية: كلام الله بما لا معنى له.
فأما المسألة الأولى ففيها إثبات المعنى للكلام، وإن كان العباد قد يجهلون هذا المعنى.
وأما المسألة الثانية فليس فيها إثبات معنى للكلام أصلاً.
والمسألة الأولى قد قالت بها بعض الفرق، وأما المسألة الثانية فلم تقل بها طائفة قط، ولا يكاد يقول بها مؤمن عاقل وذلك لظهور فسادها، وضرورة بطلانها.
وقد وقع الخلط لدى الرازي وبعض المعظمين له والمتعصبين معه، بين
стр. 612
المسألتين، فصوروا الخلاف الواقع في جواز أن يتكلم الله بكلام له معنى ولكن لا تدركه عقول العباد وأفهامهم، بأن الله يتكلم بكلام لا معنى له أصلاً، قال شيخ الإسلام: «وهذا لم يقله مسلم (إن الله يتكلم بما لا معنى له)، وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه؟ وبين نفي المعنى عند المتكلم ونفي الفهم عند المخاطب بون عظيم» (١). فغلطوا في تصوير المسألة وأخطأوا في تحرير محل النزاع.
وقد بين جماعة من شراح الأصول هذا الخلط الذي وقع للرازي ومنهم العلامة الزركشي حيث قال: «واعلم أن الرازي ترجم المسألة في المحصول: بأنه يجوز أن يتكلم الله ورسوله بشيء، ولا يعني به شيئا.
ثم استدل بما يقتضي أن الخلاف في التكلم بما لا يفيد، وبينهما فرق، فإنه يمكن أن يعني به شيئاً، وهو يفيد في نفسه، ويمكن أن يفيد ولا يعني به شيئاً، فمحل النزاع غير منقح» (٢).
وبين القرافي (٣) أن الصواب أن يقال في المسألة: «لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بما لا يفهم» ولا يقال: بما لا معنى له؛ لأن هذا متفق على امتناعه (٤). قال ابن النجار الحنبلي (٥) معلقاً على كلام القرافي: «وما قاله ظاهر؛ لأنه لا يخالف فيه إلا جاهل أو معاند؛ لأن ما لا معنى له هذيان لا يليق أن يتكلم به عاقل. فكيف بالباري ؟» (٦).
стр. 613
فتبين من هذا كله أن الرازي ومن تبعه قد خلطوا بين مسألتين مختلفتين، ولم يفرقوا بين أن يتكلم المتكلم بما لا معنى له، وبين أن يتكلم بما لا يفهم معناه ظاهراً، وذلك أنه لا قائل بأن الله يجوز عليه أن يتكلم بكلام لا معنى له، وإنما النزاع المشهور هل يجوز أن ينزل الله تعالى ما لا يفهم معناه؟ فالأول يتعلق بالمتكلم، والثاني يتعلق بالسامع، والفرق بينهما ظاهر.
ثالثاً: بيان خطأ نسبة هذا القول إلى الكرامية:
أبطل شيخ الإسلام دعوى مناظره أن هذا القول هو قول الكرامية في كلام الله سبحانه، وبين أن الكرامية لا تقول بمثل هذا القول لا هي ولا غيرها.
وقد بين شيخ الإسلام في غير موضع من كتبه مذهب الكرامية في كلام الله تعالى، وذكر أنهم يعتقدون أن كلام الله حروف وأصوات حادثة قائمة بذات الله سبحانه، ويسمونها صفة (القول). وأما صفة الكلام عندهم فهي صفة قديمة، ومعناها: القدرة على إحداث القول. ففرقوا بين الكلام والقول، وأتوا بقول لم يسبقهم إليه أحد حيث فسروا صفة الكلام بالقدرة، وجعلوا هناك صفة أخرى مختلفة عن الكلام وهي (القول).
وقالوا: قول الله حادث، والقرآن عندهم من هذا الباب فهو قول الله وليس كلام الله، ومع كونه حادثاً فهو قائم بذات الله، بناءً على أصلهم في عدم امتناع قيام الحوادث بذات الله.
ومعنى حادث أي أنه ليس بأزلي؛ بل تكلم الله به بعد أن لم يكن يتكلم، وإن كان قادراً على الكلام.
ويقولون بأن مسمى الكلام حقيقة في اللفظ مجاز في المعاني، بعكس قول الكلابية والأشاعرة الذين يقولون هو حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ (١).
стр. 614
ولكن الكرامية مع عدم إدخالهم المعاني في مسمى الكلام، إلا أنهم -كما أخبر شيخ الإسلام- لا ينفون أن يكون لكلام الله معنى، قال شيخ الإسلام: «لكن هؤلاء الذين يقولون: إن الكلام ليس هو إلّا الحروف والأصوات، لا يمنعون أن يكون للكلام معنى، بل النَّاس كلهم متفقون على أن الحروف والأصوات التي يتكلم بها المتكلمون تدل على معان» (١).
رابعاً: بيان ضعف مذهب الرازي وتناقضه في تقرير المسألة وردها:
تناقض الرازي في تعليله لعدم الجواز بأن يتكلم الله بكلام لا معنى له بقوله: «أن التكلم بما لا يفيد شيئاً هذيان، وهو نقص، والنقص على الله تعالى محال» (٢)، وهذا التعليل لا يصح على مذهبه، وذلك لأنه مبني على أمرين:
الأمر الأول: إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الرب.
الأمر الثاني: إثبات التحسين والتقبيح العقليين.
والرازي من نفاة الحكمة والتعليل في أفعال الرب، كما صرح بذلك في محصوله ودلل عليه (٣)، وهو أيضاً من نفاة التحسين والتقبيح العقليين وقد جعل لهذا فصلاً في محصوله فقال: «الفصل السابع: في أن حسن الأشياء وقبحها لا يثبت إلا بالشرع» (٤).
قال شيخ الإسلام «احتج بما لا يجري على أصله فقال: هذا عبث والعبث على الله محال. وعنده أن الله لا يقبح منه شيء أصلاً، بل يجوز أن يفعل كل شيء!
وليس له أن يقول: العبث صفة نقص فهو منتف عنه؛ لأن النزاع في الحروف وهي عنده مخلوقة من جملة الأفعال، ويجوز أن يشتمل الفعل عنده على كل صفة.
стр. 615
فلا نقل صحيح ولا عقل صريح» (١).
ولذلك تعقبه القرافي -شارح المحصول-، وبين مناقضة قول الرازي لمذهبهم فقال: «قلنا: مذهب أهل الحق أن الله تعالى لا يجب تعليل أفعاله ولا أحكامه بالأغراض، ولا يجب على الله تعالى رعاية مصلحة ولا درء مفسدة، وإنما تصح هذه الدعوى على قاعدة المعتزلة في الحسن والقبح» (٢).
وقال الأصفهاني (٣) -أيضاً-: «والحق أرجو أن الكلام بما لا يعني به مُفَّرعٌ على التحسين والتقبيح العقليين، ووجههُ ظاهر، ثم قال: وحينئذ فيسهل المنع على مذهب المعتزلة، أما على رأي الأشاعرة: فكيف يستقيم لهم المنع مع أنهم لا يقولون التحسين والتقبيح العقليين؟» (٤)
ويتلخص لنا من هذا كله بطلان هذه الدعوى التي ذكرها الرازي، وعدم صحة نسبة هذا القول لأحد لا من الكرامية ولا من غيرهم، ويظهر من هذا كذلك مدى وسعة ما بلغ شيخ الإسلام من علم بأقوال الفرق، وأمانته في تحرير المسائل ودقته في نقل الأقوال، والله أعلم.
стр. 616
المبحث السادس: مناظرته مع بعض المشغوفين بأهل الكلام في بطلان طريقتهم إما في الدلائل أو المسائل. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عرض المناظرة .
• تمهيد:
لقد كان شأن شيخ الإسلام شأناً عظيماً؛ فقد رزقه الله منذ صغره وحداثة سنه من العلم الغزير والبصيرة النافذة الشيء الجليل الكبير، حتى إنه كان يجابه أهل الكلام والفلسفة ويبين تهافت مذهبهم وضعف طريقتهم بالأدلة القوية والبراهين الجلية؛ وما هذه المناظرة -التي بين يدينا- والتي حصلت له وهو قريب عهد بالاحتلام، إلا نموذج على ما حباه الله به من العلم الواسع، والخبرة العظيمة بالحق وما يخالفه من المذاهب الفاسدة والأقوال الباطلة.
• نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام ﵀: «المعلوم من حيث الجملة: أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشواً وقولاً للباطل وتكذيباً للحق في مسائلهم ودلائلهم؛ لا يكاد -والله أعلم- تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك.
وأذكر أني قلت مرة لبعض من كان ينتصر لهم من المشغوفين بهم، وأنا إذ ذاك صغير قريب العهد من الاحتلام، كل ما يقوله هؤلاء ففيه باطل:
стр. 617
-إما في الدلائل،
-وإما في المسائل.
إما أن يقولوا مسألة تكون حقاً، لكن يقيمون عليها أدلة ضعيفة، وإما أن تكون المسألة باطلاً، فأخذ ذلك المشغوف بهم يعظم هذا، وذكر مسألة التوحيد.
فقلت: التوحيد حق، لكن اذكر ما شئت من أدلتهم التي تعرفها حتى أذكر لك ما فيه. فذكر بعضها بحروفه حتى فهم الغلط وذهب إلى ابنه -وكان أيضاً من المتعصبين لهم- فذكر ذلك له، قال: فأخذ يعظم ذلك علي.
فقلت: أنا لا أشك في التوحيد ولكن أشك في هذا الدليل المعين» (١)، ثم استطرد ﵀ في ذكر الأدلة الدالة على بطلان طريقتهم في الدلائل والمسائل.
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
• تمهيد:
نبه شيخ الإسلام في غير موضع من كتبه أن أكثر كلام الفلاسفة والمتكلمين، حشو لا فائدة فيه، فهم من أكثر الطوائف تقريراً للباطل وتكذيباً للحق، وهذه سمة لازمة لهم: إما في مسائلهم، أو دلائلهم.
وجميع ردود شيخ الإسلام على المتكلمين: إما في بيان مسألة باطلة أحدثوها، أو دليل فاسد قرروه، وهذا هو ما قرره شيخ الإسلام لمناظره ووضحه له، وستكون دراسة المناظرة التي بين أيدينا من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
أشار شيخ الإسلام في رده على مناظره إلى أن هذا المناظر إنما أوتي من تعظيمه لطريقة المتكلمين وولعه بهم وشغفه بمسائلهم ودلائلهم، ولذلك استشنع كلام شيخ الإسلام واستعظم ما قرره من بطلان مذهب القوم، سواء في المسائل
стр. 618
أو في الدلائل، وكثير من أهل البدع إنما تشربوا بدعهم من جهة تعظيم مشايخهم وعلمائهم والغلو فيهم، حتى استثقلوا قول الحق خشية مخالفة أشياخهم ورد تنظيراتهم وأقوالهم، وما ظهرت كثير من العقائد الفاسدة والآراء الشاذة المنحرفة والأهواء المضلة إلا من هذا الباب حتى بلغ الأمر بكثير من الناس إلى درجة ادعاء العصمة في الأساتذة والأشياخ، بل بلغ الأمر بطوائف -غير قليلة من الناس- إلى تأليه الأشخاص واتخاذهم أرباباً من دون الله، وهذا أمر يطول شرحه، ويصعب بسطه (١)، وإنما أردت الإشارة إليه في مثل هذا المقام، لبيان سبب محاجة هذا الرجل عن أهل الكلام، واستعظامه لما قرره شيخ الإسلام.
الوجه الثاني: الجواب على شبهتهم:
بين شيخ الإسلام ﵀ في هذه المناظرة بطلان ما عليه المتكلمون والفلاسفة بقاعدة عامة إجمالية يدخل فيها كل قضية اعتقدوها وكل مقالة تبنوها، وهي أن جميع ما يأتي به أهل الكلام والفلسفة إما أن تكون مسألة مخترعة حادثة لم يدل عليها دليل شرعي جعلوها أصلاً من أصول الدين وعقيدة تلزم جميع المسلمين، وإما أن يأتوا بأصل شرعي صحيح ومسألة عقدية مقررة، ولكن يستدلون عليها بأدلة باطلة ضعيفة أو مضطربة متهاوية،
وكثير من باطلهم هو من النوع الأول: وهي المسائل المحدثة التي جعلوها ديناً وقرروها في كتب الأصول والعقائد، كمسألة نفي الصفات ونفي القدر، ونحوها من المسائل.
وقد فصل شيخ الإسلام القول في بيان فساد كل مسألة من هذه المسائل، بل إن كثيراً من مصنفاته إنما صنفها لبيان فساد بعض هذه المسائل، وإنما اكتفي في هذا المقام بذكر بعض الأجوبة الإجمالية التي بين فيها شيخ الإسلام فساد مسائل القوم ودلائلهم على وجه العموم لا التخصيص، وأهم هذه الأجوبة ما يلي:
стр. 619
أولاً: أن مسائلهم التي قرروها مسائل محدثة لم ترد في الشرع، بل هي مخالفة له:
بين شيخ الإسلام ﵀ أن مسائل الدين التي يجب اعتقادها قد بينها الله ورسوله بياناً شافياً كافياً؛ ولا يوجد أصل من أصول الدين إلا وقد بُيِّنَ في القرآن والسنة على أكمل وجه وأوضح بيان، ولذلك فإن كل مسألة أحدثها المتكلمون والفلاسفة وألزموا الناس باعتقادها مما لم يأت في كتاب ولا سنة ولا نص عليها أحد من سلف هذه الأمة فهي مسألة باطلة، وقد أنكر شيخ الإسلام على من سأله عن الخوض في مسائل من أصول الدين لم ترد في النصوص، فقال ضمن جوابه للسائل: «فقول السائل: هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد ﷺ فيها كلام أم لا؟ سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة، فإن المسائل التي هي من أصول الدين التي تستحق أن تسمى أصول الدين، أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله، وأنزل به كتابه، لا يجوز أن يقال: لم ينقل عن النبي ﷺ - فيها كلام، بل هذا كلام متناقض في نفسه، إذ كونها من أصول الدين، يوجب أن تكون من أهم الدين، وأنها مما يحتاج إليه» (١).
بل إن هذه المسائل المذكورة وغيرها من المسائل التي يقررها المتكلمون مع كونها غير واردة في النصوص فإنها كذلك مخالفة لما دلت عليه الآيات والنصوص قال ﵀: «ومن تدبر هذا كله وتأمله وتبين له أن ما جاء به القرآن من بيان آيات الرب ودلائل توحيده وصفاته هو الحق المعلوم بصريح المعقول وأن هؤلاء خالفوا القرآن في أصول الدين في دلائل المسائل وفي نفس المسائل خلافاً خالفوا به القرآن والإيمان وخالفوا به صريح عقل الإنسان وكانوا في قضاياهم التي يذكرونها في خلاف ذلك أهل كذب وبهتان، وإن لم يكونوا متعمدين
стр. 620
الكذب، بل التبس عليهم ما ابتدعوه من الهذيان» (١).
ثانياً: أن أدلتهم التي يقررون بها أصولهم ومسائلهم أدلة محدثة مبتدعة:
فمثل ما قيل في ابتداعهم لكثير من المسائل المحدثة، فكذلك القول فيما اخترعوه من أدلة وسلكوه من طرق لتقرير المسائل الشرعية والأصول العقدية قال شيخ الإسلام ﵀: «والمقصود هنا أن هذه هي أعظم القواطع العقلية التي يعارضون بها الكتب الإلهية، والنصوص النبوية، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها.
فيقال لهم: أنتم وكل مسلم عالم تعلمون بالاضطرار أن إيمان السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكن مبنياً على هذه الحجج المبنية على الجسم، ولا أمر النبي ﷺ أحداً أن يستدل بذلك على إثبات الصانع، ولا ذكر الله تعالى في كتابه وفي آياته الدالة عليه وعلى وحدانيته شيئاً من هذه الحجج المبنية على الجسم والعرض، وتركيب الجسم وحدوثه وما يتبع ذلك.
فمن قال: إن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بهذه الطريق كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام.
ومن قال: إن سلوك هذه الطريق واجب في معرفة الصانع تعالى كان قوله من البدع الباطلة المخالفة لما علم بالاضطرار من دين الإسلام.
ولهذا كان عامة أهل العلم يعترفون بهذا: وبأن سلوك هذه الطريق ليس بواجب، بل قد ذكر أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر أن سلوك هذه الطريق بدعة محرمة في دين الرسل، لم يدع إليها أحد من الأنبياء ولا من أتباعهم (٢).
ثم القائلون بأن هذه الطريق ليست واجبة قد يقولون: إنها في نفسها صحيحة،
стр. 621
بل ينهى عن سلوكها لما فيها من الأخطار، كما يذكر ذلك طائفة منهم: الأشعري، والخطابي، وغيرهما.
وأما السلف والأئمة فينكرون صحتها في نفسها، ويعيبونها لاشتمالها على كلام باطل، ولهذا تكلموا في ذم هذا الكلام؛ لأنه باطل في نفسه، لا يوصل إلى الحق، بل إلى باطل، كقول من قال: (الكلام الباطل لا يدل إلا على باطل) (١)، وقول من قال: (لو أوصى بكتب العلم لم يدخل فيها كتب علم الكلام) (٢)، وقول من قال: (من طلب الدين بالكلام تزندق) (٣) ونحو ذلك.
ونحن الآن في هذا المقام نذكر ما لا يمكن مسلماً أن ينازع فيه، وهو أنا نعلم بالضرورة أن هذه الطريق لم يذكرها الله تعالى في كتابه، ولا أمر بها رسوله ﷺ ، ولا جعل إيمان المتبعين له موقوفاً عليها، فلو كان الإيمان بالله لا يحصل إلا بها لكان بيان ذلك من أهم مهمات الدين، بل كان ذلك أصل أصول الدين، لا سيما وكان يكون فيها أصلان عظيمان: إثبات الصانع، وتنزيهه عن صفات الأجسام، كما يجعلون هم ذلك أصل دينهم، فلما لم يكن الأمر كذلك عُلم أن الإيمان يحصل بدونها، بل إيمان أفضل هذه الأمة وأعلمهم بالله كان حاصلاً بدونها.
стр. 622
فمن قال بعد هذا: إن العلم بصحة الشرع لا يحصل إلا بهذا الطريق ونحوها من الطرق المحدثة؛ كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، وعلم أن القدح في مدلول هذه الطرق ومقتضاها، وأن تقديم الشرع المعارض لها، لا يكون قدحاً في العقليات، التي هي أصل الشرع، بل يكون قدحاً في أمور لا يفتقر الشرع إليها، ولا يتوقف عليها، وهو المطلوب» (١).
ثالثاً: أن إحداث مسائل جديدة في أصول الدين يعتبر طعناً في الشرع وقدحاً في النبوة:
بين شيخ الإسلام ﵀ أن إحداث مسائل جديدة في أصول الدين هو في الحقيقة طعن في الشرع ومن جاء به، واتهام للنبي ﷺ إما بالكتم والخيانة، وإما بالتفريط والتقصير، وهو أيضاً اتهام لخير القرون -الصحابة فمن بعدهم- بذلك؛ فإن عدم بيان أصول الدين -وهي أهم ما يحتاج له المسلمون- لا يخلو سببه من أحد هذين الأمرين، قال شيخ الإسلام ﵀: «ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين:
إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة، وكلا هذين باطل قطعاً. وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين؛ وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل بهما جميعاً.
فإن جهله بالأول: يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه.
وجهله بالثاني: يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات؛ وإنما هي جهليات.
وجهله بالأمرين: يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل
стр. 623
والوسائل الباطلة، وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك، كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلا عن عامتهم» (١).
رابعاً: إحداثهم لهذه المسائل إنما جاء بناء على جهلهم بما جاءت به الشريعة من الأدلة والبراهين:
وذلك أنهم ظنوا أن الشرع لم يأت بالأدلة العقلية، وإنما جاء بالأدلة الشرعية الخبرية ولذلك قاموا بمحاولة نصب الأدلة العقلية والفلسفية والمنطقية للدلالة على هذه المسائل، فأتوا من المحالات والتناقضات والاضطرابات شيئاً كثيراً عجيباً؟!
والحق أن الله بين من أنواع الأدلة العقلية في تقرير العقائد الشرعية ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره، ولا يقدرون على الإتيان بمثله، وما فيه الكفاية والغنية وما من دليل صحيح نصبوه إلا وقد جاء القرآن بخلاصته على أحسن الوجوه، قال سبحانه: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣]، ومن أوضح ما يبين ذلك أنواع الأمثلة التي ضربها الله في كتابه ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم:٥٨]، وما هذه الأمثلة المضروبة على كثرتها إلا نوع من الأقيسة الذهنية والبراهين العقلية التي جاءت بها الشريعة المحمدية، وأنواع أدلتها العقلية أكثر من هذا بكثير (٢).
خامساً: واقع المتكلمين يدل على ضعف وبطلان ما أحدثوه من مسائل ودلائل، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أنك تجد أهل الكلام أعظم الناس شكاً واضطراباً، وأضعف الناس علماً ويقيناً، وهذا أمر يجدونه في أنفسهم، ويشهده الناس منهم، وشواهد ذلك أعظم من أن تذكر، وإنما نتج هذا الشك والاضطراب بسبب مسائلهم
стр. 624
ودلائلهم التي لا تقوم على حجة صحيحة ولا نقل مستقيم (١).
الوجه الثاني: أنك تجد غالب حججهم تتكافأ وكل منهم يقدح في أدلة الآخر، قال شيخ الإسلام: «ومما يوضح الأمر في ذلك أن النفاة ليس لهم دليل واحد اتفقوا على مقدماته؛ بل كل طائفة تقدح في دليل الأخرى؛ فالفلاسفة تقدح في دليل المعتزلة على نفي الصفات؛ بل على نفي الجسم والتحيز ونحو ذلك؛ لأن دليل المعتزلة مبني على أن القديم لا يكون محلاً للصفات والحركات، فلا يكون جسماً ولا متحيزاً؛ لأن الصفات أعراض، وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. بل الأشعري نفسه ذكر في رسالته إلى أهل الثغر (٢): أن هذا الدليل الذي استدلوا به على حدوث العالم -وهو الاستدلال على حدوث الأجسام بحدوث أعراضها- هو دليل محرم في شرائع الأنبياء لم يستدل به أحد من الرسل وأتباعهم، وذكر -في مصنف له آخر- بيان عجز المعتزلة عن إقامة الدليل على نفي أنه جسم، وأبو حامد الغزالي، وغيره من أئمة النظر بينوا فساد طريق الفلاسفة التي نفوا بها الصفات، وبينوا عجزهم عن إقامة دليل على نفي أنه جسم، بل وعجزهم عن إقامة دليل على التوحيد وأنه لا يمكن نفي الجسم إلا بالطريق الأول الذي هو طريق المعتزلة الذي ذكر فيه الأشعري ما ذكر.
فإذا كان كل من أذكياء النظار وفضلائهم يقدح في مقدمات دليل الفريق الآخر الذي يزعم أنه بني عليه النفي، كان في هذا دليل على أن تلك المقدمات ليست ضرورية؛ إذ الضروريات لا يمكن القدح فيها» (٣)
الوجه الثالث: أن المطلع على حال أهل الكلام يجدهم أكثر الناس انتقالاً من قول إلى قول، وجزماً بالقول في موضع وجزماً بنقيضه وتكفير قائله في موضع
стр. 625
آخر، وهذا بخلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، فإنهم كما أخبر شيخ الإسلام «ما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك وإن امتحنوا بأنواع المحن وفتنوا بأنواع الفتن» (١).
الوجه الرابع: ومما يدل على هذا أيضاً: ما هو معلوم من رجوع أكثر أئمتهم إلى مذهب عموم أهل السنة وعجائزهم، بينما تجد أئمة السنة والحديث لا يرجع منهم أحد؛ لأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وقد ضرب شيخ الإسلام في مختلف كتبه ومصنفاته أمثله كثيرة جداً على تراجع صناديد علم الكلام وأئمته عن مذاهبهم ومعتقداتهم، ومن أجمع هذه المواضع ما ذكره ﵀ في مجموع الفتاوى، حيث قال: «وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك: إما عند الموت، وإما قبل الموت والحكايات في هذا كثيرة معروفة:
-هذا أبو الحسن الأشعري: نشأ في الاعتزال أربعين عاماً يناظر عليه ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم (٢).
-وهذا أبو حامد الغزالي: مع فرط ذكائه، وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة، ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع
стр. 626
إلى طريقة أهل الحديث وصنف (إلجام العوام عن علم الكلام) (١).
-وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي: قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات (٢): «لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: أقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وأقرأ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي» وكان يتمثل كثيراً:
نهاية إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذىً ووبالُ
стр. 627
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا (١)
-وهذا إمام الحرمين: ترك ما كان ينتحله ويقرره واختار مذهب السلف. وكان يقول: «يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام؛ فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به» (٢) وقال عند موته: «قد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهوني عنه. والآن: إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي -أو قال-: عقيدة عجائز نيسابور» (٣).
-وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وكان ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها … وسيرت طرفي بين تلك المعالمِ
فلم أر إلا واضعاً كف حائرٍ … على ذقن أو قارعا سن نادمِ (٤)
-وابن الفارض (٥): من متأخري الاتحادية … لما حضرته الوفاة أنشد:
إن كان منزلتي في الحب عندكمُ … ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي
стр. 628
أمنية ظفرت نفسي بها زمناً … واليوم أحسبها أضغاث أحلامِ (١)» (٢)
ويتلخص لنا من هذه الوجوه كلها، ضعف مذهب القوم وبطلان ما أحدثوه من مسائل ودلائل، لم تأت في كتاب ولا سنة، ولا عن أحد من سلف هذه الأمة، وأن مآل من اعتقد هذه المسائل والدلائل وانتصر لها هو الحيرة والتناقض، وأن العباد إنما كلفوا بما جاءت به الشريعة من مسائل في أصول الدين الاعتقاد، وأن فيما جاءت به الشريعة من أدلة على أصول الدين الغُنية والكفاية عن أي دليل يُنصب أو حجة تُجتلب، والله أعلم.
стр. 629
المبحث السابع: مناظرته مع بعض منكري العلو: واشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
• تمهيد:
ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه المناظرة في معرض بيانه لزيف ما ادعاه الرازي في كتابه الأربعين من بطلان كون علو الله أمراً ضرورياً فطرياً لا يمكن إنكاره ولا جحده، فبين ﵀ زيف وبطلان الشبه التي احتج بها الرازي، وأن ما ادعاه من إنكار لعلو الله على خلقه واعتقادٍ بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا محايث له ولا مباين عنه (١)، مما يتصادم مع الفطر السليمة والعقول المستقيمة التي توجب كون الله عالياً على مخلوقاته فوق أرضه وسماواته، وهذا مما يجده كل أحد من نفسه، حتى المنكر المخالف، فلا بد وأن يجد هذا الشعور في داخله خصوصاً عند نزول الملمات وحلول الكربات، التي لا يجد منها مفزعاً إلا اللجوء إلى رب الأرض والسماوات، متجهاً له بقلبه، رافعاً إليه يده، شاخصاً إلى السماء ببصره منتظراً لفرجه ولطيف أمره.
стр. 630
• نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام في معرض كلامه عن دلالة الفطرة على علو الله : «ولهذا كان جميع العقلاء السالمي الفطرة يحكمون بموجب هذه القضية الضرورية قبل أن يعلموا أن في الوجود من ينكرها ويخالفها، وأكثر الفطر السليمة إذا ذكر لهم قول النفاة بادروا إلى تجهيلهم وتكفيرهم، ومنهم من لا يصدق أن عاقلاً يقول ذلك، لظهور هذه القضية عندهم، واستقرارها في أنفسهم، فينسبون من خالفها إلى الجنون، حتى يروا ذلك في كتبهم أو يسمعوه من أحدهم.
ولهذا تجد المنكر لهذه القضية يقر بها عند الضرورة، ولا يلتفت إلى ما اعتقده من المعارض لها؛ فالنفاة لعلو الله إذا حزبَ أحدهم شدة وَجَّهَ قلبه إلى العلو يدعو الله.
ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا من هو من مشايخهم، وهو يطلب مني حاجة، وأنا أخاطبه في هذا المذهب كأني غير منكر له، وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره، فرفع طرفه ورأسه إلى السماء وقال: يا الله.
فقلت له: أنت محقق! لمن ترفع طرفك ورأسك؟! وهل فوق عندك أحد؟!
فقال: استغفر الله. ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته، ثم بينت له فساد هذا القول، فتاب من ذلك ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم» (١).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:
• تمهيد:
استطاع شيخ الإسلام ﵀ أن يستدرج خصمه ويرجعه إلى أصل فطرته التي تناقض اعتقاده ومذهبه، ويثبت له من نفسه صحة دلالة الفطرة على علو ربه ،
стр. 631
هذا الأمر الذي أنكر الجهمية ومتأخرو الأشاعرة وعلى رأسهم الفخر الرازي أن تكون الفطرة دالة عليه، منتصرين لقولهم بظنون وأوهام زعموا أنها براهين وحقائق، ومناقشة الشبهة التي ذكروها في إنكار دلالة الفطرة على علو الباري -جل شأنه- على مخلوقاته، ستكون من وجهين:
الوجه الأول: بيان شبهتهم في إنكار دلالة الفطرة على مسألة العلو:
ساق شيخ الإسلام هذه المناظرة في كتابه العظيم درء التعارض في معرض رده على الرازي في إنكاره كون علو الخالق -جل شأنه- أمراً مستقراً في الفطر ومعلوماً بالاضطرار، وقد اعترض الرازي على ما يستدل به جمهور الناس على علو الله تعالى من الضرورة الفطرية، التي تقضي بأن كل موجودين: إما ان يكون أحدهما سارياً في الآخر، أو مبايناً له، والله منزه عن الأول، فيثبت له العلو على خلقه مع مباينته لهم -جل وعلا-.
وتتلخص الوجوه التي انتقد بها الرازي دلالة الفطرة في وجهين اثنين:
الأول: أن هذا الأمر لو كان بديهياً لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره، وهم من سوى الحنابلة والكرامية، إذ العلوم البديهية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها للجمع العظيم.
الثاني: عدم التسليم بأن كل موجودين: إما ان يكون أحدهما سارياً في الآخر، أو مبايناً له؛ وذلك أن العقل لا يمنع وجود قسم ثالث: وهو أن يكون هناك موجودان، لا يكون أحدهما سارياً في الآخر، ولا يكون مبايناً له.
وضرب الرازي على ذلك بعض الأمثلة من القضايا الذهنية والكليات المطلقة: كمسمى الإنسان، وكالأعداد، والنفي والإثبات، وغيرها من الأمور التي يمكن أن يتصورها العقل بغير جهة ولا حيز ولا مكان ولا سريان ولا مباينة ولا صورة ولا شكل (١).
стр. 632
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
إن الأمور المستقرة في الفطر، والمغروسة في النفوس، لهي أوضح وأظهر من أن تحتاج إلى دليل أو برهان أو حجة أو بيان، وما هي إلا كما قال الشاعر:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل (١)
ولكن البدعة إذا استحكمت في قلب امرئ ما، وتوغلت في أحشائه، جعلتهُ عبداً لها، وأسرتهُ في هواها، وطمست على بصيرته؛ حتى لا يرى حقاً سواها، فتراه يرد الآيات الواضحات والسنن الثابتات، وما حكى الأئمة من نقول وإجماعات، نصرة لبدعته وهواه، بل إن الحال يصل به إلى إنكار الضروريات ومصارعة الفطرة التي خُلق بها، وجبل عليها، ومكابرتها وجحدها، لا لشيء إلا انتصاراً لهواه وبدعته، أو تقليداً لشيخه، أو تعصباً لمذهبه ونحلته.
وما منكرو علو الباري -جلا وعلا- إلا صنف من هذه الأصناف، التي حاربت فطرتها نصرة لمذهبها، ولولا وجود من ينكر علو الباري ، وتلبيسهم على الناس بأنواع الشبه لتقرير باطلهم ونصرة مذهبهم، وجحدهم لدليل الفطرة وقدحهم في دلالتها على علو ربهم وخالقهم، لما نازع في ذلك أحد، ولما احتيج مع ذلك لكتاب أو رد، ولكن لما قام سوقهم وانتشرت بدعتهم قام الأئمة الأعلام بالرد عليهم وفضحهم، وبيان مخالفتهم للنصوص والعقول والفطر، وقد كان شيخ الإسلام من أعظم من قام بهذا الأمر حق قيام، فسطر الرسائل والمجلدات، في إبطال هذه السفسطات، التي عارض بها القوم الفطر والضروريات.
وقد أطال شيخ الإسلام وأسهب في بيان ضعف هذا المذهب، ولا يمكن حصر جميع ما ذكره الشيخ ﵀ في مثل هذا الموضع، ولكن يكفي من ذلك بيان أهم الأدلة التي أوردها والطرق التي سلكها في الرد عليهم وإبطال شبهتهم، ويمكن إجمال طرق رده عليهم في ثلاث مسالك:
стр. 633
المسلك الأول: تقرير دلالة الفطرة على علو الله :
قرر شيخ الإسلام ﵀ دلالة الفطرة على علو الله من وجوه كثيرة كلها تدل على أن العلم بعلوه جل وعلا أمر بديهي فطري مستقر في النفوس والأفئدة، ويمكن إجمال الوجوه الدالة على ذلك بما يلي:
١) أن الخلق كلهم إذا حزبهم أمر، ووقعت بهم شدة، توجهت قلوبهم لانتظار نزول الفرج من السماء، وذلك لما استقر في أفئدتهم من أن خالقهم -جلا وعلا- فوق خلقه عال على عرشه، منه تتنزل الرحمات، ومن عنده تكشف الكربات، وهذا أمر محسوس معلوم لا ينكره أحد حتى النفاة، فإنهم يجدون ذلك من ضرورة أنفسهم. قال شيخ الإسلام: «وعامة هؤلاء إذا أصابت أحداً منهم ضرورة تلجئه إلى دعاء الله وجد في قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، ففطرته وضرورته تقر بالعلو، وينكر وجود موجود لا محايث ولا مباين، وعقيدته التي اعتقدها تقليداً أو عادةً أو شبهةً تناقض فطرته وضرورته» (١).
قال ابن عبد البر-﵀: «ومن الحجة أيضاً في أنه على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم» (٢).
ومما يوضح ذلك ويبينه تلك القصة التي حكاها شيخ الإسلام في كتبه غير ما مرة (٣) عن أبي جعفر بن أبي علي الحافظ (٤) قال:
стр. 634
سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه:٥]؟
فقال: كان الله ولا عرش -وجعل يتخبط في الكلام-.
فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟!
فقال: ما تريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة؟
فقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة، فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟! وبكيت وبكى الخلق.
فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة! وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد، ونزل، ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة!
فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمداني (١).
٢) أن ما تجده النفوس من علو ربها ﷻ أمر متفق عليه بين أمم الأرض باختلاف أجناسها وأعمارها وأديانها، من مسلمين ويهود ونصارى ومشركين، وعجائز وصبيان، وعربٍ وعجم (٢).
٣) أن العلم بعلو الله مما جبل وفطر عليه الناس، واشترك في العلم به الجاهل والعالم، وهو مستقر عند العامي الذي لا يقرأ ولا يكتب كما هو مستقر عند العالم القارئ الكاتب (٣).
стр. 635
٤) أن دعوى الضرورة لا يمكن إبطالها إلا بتكذيب المدعي أو بيان خطئه، والمدعون لذلك أمم كثيرة منتشرة يُعلم بالضرورة استحالة تواطئهم على الكذب، فالقدح في ذلك كالقدح في سائر الأخبار المتواترة، فلا يجوز أن يقال: إنهم كذبوا فيما أخبروا به عن أنفسهم من العلم الضروري (١).
قال شيخ الإسلام ﵀: «وكما يمتنع اتفاق الطوائف الكثيرة التي لم تتواطأ على دعوى الكذب في مثل ذلك، يمتنع اتفاقهم على الخطأ في مثل ذلك، ولو جاز الخطأ في مثل ذلك، لم يكن الجزم بما يخبر به الناس عما عرفوه بالحس، أو الضرورة لإمكان غلطهم في ذلك، فإن غلط الحس الظاهر أو الباطن أو العقل يقع لآحاد الناس، ولطائفة حصل بينها مواطأة، وتلقي بعضها عن بعض، كالمذاهب الموروثة، وكقول التابعين، لكون هذا معلوماً بالضرورة؛ فإنهم أهل مذهب تلقاه بعضهم عن بعض.
وأما الجازمون بالضرورة في أن الله فوق العالم، أو أنه لا يعقل موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، ولا يعقل موجودان ليس أحدهما محايثاً للآخر ولا مبايناً له، وأن مثل هذا ممتنع بالضرورة التي يجدونها في أنفسهم، كسائر العلوم الضرورية، فهؤلاء أمم كثيرة لم يتواطأوا ولم يتفقوا على مذهب معين» (٢).
٥) أن الداعي إذا أراد أن يدعو ربه، فإنما يرفع يديه إلى السماء، وهذا أمر يفعله جميع أرباب النحل، فدل على أن من المتقرر في فطر وعقول جميع الخلق أن إلههم فوق و"هذا الرفع يُستدل به من وجوه:
أحدها: أن العبد الباقي على فطرته يجد في قلبه أمراً ضرورياً إذا دعا الله دعاء المضطر أنه يقصد بقلبه الله الذي هو عالٍ وهو فوق.
الثاني: أنه يجد حركة عينيه، ويديه بالإشارة إلى فوق، تتبع إشارة قلبه إلى