← Акыда

Акыда · id 902

المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية

هيثم الحمري

Полный текст (731 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

هذا الأمر الذي أنكر الجهمية ومتأخرو الأشاعرة وعلى رأسهم الفخر الرازي أن تكون الفطرة دالة عليه، منتصرين لقولهم بظنون وأوهام زعموا أنها براهين وحقائق، ومناقشة الشبهة التي ذكروها في إنكار دلالة الفطرة على علو الباري -جل شأنه- على مخلوقاته، ستكون من وجهين: الوجه الأول: بيان شبهتهم في إنكار دلالة الفطرة على مسألة العلو: ساق شيخ الإسلام هذه المناظرة في كتابه العظيم درء التعارض في معرض رده على الرازي في إنكاره كون علو الخالق -جل شأنه- أمراً مستقراً في الفطر ومعلوماً بالاضطرار، وقد اعترض الرازي على ما يستدل به جمهور الناس على علو الله تعالى من الضرورة الفطرية، التي تقضي بأن كل موجودين: إما ان يكون أحدهما سارياً في الآخر، أو مبايناً له، والله منزه عن الأول، فيثبت له العلو على خلقه مع مباينته لهم -جل وعلا-. وتتلخص الوجوه التي انتقد بها الرازي دلالة الفطرة في وجهين اثنين: الأول: أن هذا الأمر لو كان بديهياً لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره، وهم من سوى الحنابلة والكرامية، إذ العلوم البديهية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها للجمع العظيم. الثاني: عدم التسليم بأن كل موجودين: إما ان يكون أحدهما سارياً في الآخر، أو مبايناً له؛ وذلك أن العقل لا يمنع وجود قسم ثالث: وهو أن يكون هناك موجودان، لا يكون أحدهما سارياً في الآخر، ولا يكون مبايناً له. وضرب الرازي على ذلك بعض الأمثلة من القضايا الذهنية والكليات المطلقة: كمسمى الإنسان، وكالأعداد، والنفي والإثبات، وغيرها من الأمور التي يمكن أن يتصورها العقل بغير جهة ولا حيز ولا مكان ولا سريان ولا مباينة ولا صورة ولا شكل (١).

стр. 632

الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة: إن الأمور المستقرة في الفطر، والمغروسة في النفوس، لهي أوضح وأظهر من أن تحتاج إلى دليل أو برهان أو حجة أو بيان، وما هي إلا كما قال الشاعر: وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل (١) ولكن البدعة إذا استحكمت في قلب امرئ ما، وتوغلت في أحشائه، جعلتهُ عبداً لها، وأسرتهُ في هواها، وطمست على بصيرته؛ حتى لا يرى حقاً سواها، فتراه يرد الآيات الواضحات والسنن الثابتات، وما حكى الأئمة من نقول وإجماعات، نصرة لبدعته وهواه، بل إن الحال يصل به إلى إنكار الضروريات ومصارعة الفطرة التي خُلق بها، وجبل عليها، ومكابرتها وجحدها، لا لشيء إلا انتصاراً لهواه وبدعته، أو تقليداً لشيخه، أو تعصباً لمذهبه ونحلته. وما منكرو علو الباري -جلا وعلا- إلا صنف من هذه الأصناف، التي حاربت فطرتها نصرة لمذهبها، ولولا وجود من ينكر علو الباري ، وتلبيسهم على الناس بأنواع الشبه لتقرير باطلهم ونصرة مذهبهم، وجحدهم لدليل الفطرة وقدحهم في دلالتها على علو ربهم وخالقهم، لما نازع في ذلك أحد، ولما احتيج مع ذلك لكتاب أو رد، ولكن لما قام سوقهم وانتشرت بدعتهم قام الأئمة الأعلام بالرد عليهم وفضحهم، وبيان مخالفتهم للنصوص والعقول والفطر، وقد كان شيخ الإسلام من أعظم من قام بهذا الأمر حق قيام، فسطر الرسائل والمجلدات، في إبطال هذه السفسطات، التي عارض بها القوم الفطر والضروريات. وقد أطال شيخ الإسلام وأسهب في بيان ضعف هذا المذهب، ولا يمكن حصر جميع ما ذكره الشيخ ﵀ في مثل هذا الموضع، ولكن يكفي من ذلك بيان أهم الأدلة التي أوردها والطرق التي سلكها في الرد عليهم وإبطال شبهتهم، ويمكن إجمال طرق رده عليهم في ثلاث مسالك:

стр. 633

المسلك الأول: تقرير دلالة الفطرة على علو الله : قرر شيخ الإسلام ﵀ دلالة الفطرة على علو الله من وجوه كثيرة كلها تدل على أن العلم بعلوه جل وعلا أمر بديهي فطري مستقر في النفوس والأفئدة، ويمكن إجمال الوجوه الدالة على ذلك بما يلي: ١) أن الخلق كلهم إذا حزبهم أمر، ووقعت بهم شدة، توجهت قلوبهم لانتظار نزول الفرج من السماء، وذلك لما استقر في أفئدتهم من أن خالقهم -جلا وعلا- فوق خلقه عال على عرشه، منه تتنزل الرحمات، ومن عنده تكشف الكربات، وهذا أمر محسوس معلوم لا ينكره أحد حتى النفاة، فإنهم يجدون ذلك من ضرورة أنفسهم. قال شيخ الإسلام: «وعامة هؤلاء إذا أصابت أحداً منهم ضرورة تلجئه إلى دعاء الله وجد في قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، ففطرته وضرورته تقر بالعلو، وينكر وجود موجود لا محايث ولا مباين، وعقيدته التي اعتقدها تقليداً أو عادةً أو شبهةً تناقض فطرته وضرورته» (١). قال ابن عبد البر-﵀: «ومن الحجة أيضاً في أنه على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم» (٢). ومما يوضح ذلك ويبينه تلك القصة التي حكاها شيخ الإسلام في كتبه غير ما مرة (٣) عن أبي جعفر بن أبي علي الحافظ (٤) قال:

стр. 634

سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه:٥]؟ فقال: كان الله ولا عرش -وجعل يتخبط في الكلام-. فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟! فقال: ما تريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة، فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟! وبكيت وبكى الخلق. فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة! وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد، ونزل، ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة! فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمداني (١). ٢) أن ما تجده النفوس من علو ربها ﷻ أمر متفق عليه بين أمم الأرض باختلاف أجناسها وأعمارها وأديانها، من مسلمين ويهود ونصارى ومشركين، وعجائز وصبيان، وعربٍ وعجم (٢). ٣) أن العلم بعلو الله مما جبل وفطر عليه الناس، واشترك في العلم به الجاهل والعالم، وهو مستقر عند العامي الذي لا يقرأ ولا يكتب كما هو مستقر عند العالم القارئ الكاتب (٣).

стр. 635

٤) أن دعوى الضرورة لا يمكن إبطالها إلا بتكذيب المدعي أو بيان خطئه، والمدعون لذلك أمم كثيرة منتشرة يُعلم بالضرورة استحالة تواطئهم على الكذب، فالقدح في ذلك كالقدح في سائر الأخبار المتواترة، فلا يجوز أن يقال: إنهم كذبوا فيما أخبروا به عن أنفسهم من العلم الضروري (١). قال شيخ الإسلام ﵀: «وكما يمتنع اتفاق الطوائف الكثيرة التي لم تتواطأ على دعوى الكذب في مثل ذلك، يمتنع اتفاقهم على الخطأ في مثل ذلك، ولو جاز الخطأ في مثل ذلك، لم يكن الجزم بما يخبر به الناس عما عرفوه بالحس، أو الضرورة لإمكان غلطهم في ذلك، فإن غلط الحس الظاهر أو الباطن أو العقل يقع لآحاد الناس، ولطائفة حصل بينها مواطأة، وتلقي بعضها عن بعض، كالمذاهب الموروثة، وكقول التابعين، لكون هذا معلوماً بالضرورة؛ فإنهم أهل مذهب تلقاه بعضهم عن بعض. وأما الجازمون بالضرورة في أن الله فوق العالم، أو أنه لا يعقل موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، ولا يعقل موجودان ليس أحدهما محايثاً للآخر ولا مبايناً له، وأن مثل هذا ممتنع بالضرورة التي يجدونها في أنفسهم، كسائر العلوم الضرورية، فهؤلاء أمم كثيرة لم يتواطأوا ولم يتفقوا على مذهب معين» (٢). ٥) أن الداعي إذا أراد أن يدعو ربه، فإنما يرفع يديه إلى السماء، وهذا أمر يفعله جميع أرباب النحل، فدل على أن من المتقرر في فطر وعقول جميع الخلق أن إلههم فوق و"هذا الرفع يُستدل به من وجوه: أحدها: أن العبد الباقي على فطرته يجد في قلبه أمراً ضرورياً إذا دعا الله دعاء المضطر أنه يقصد بقلبه الله الذي هو عالٍ وهو فوق. الثاني: أنه يجد حركة عينيه، ويديه بالإشارة إلى فوق، تتبع إشارة قلبه إلى

стр. 636

فوق، وهو يجد ذلك أيضاً ضرورة. الثالث: أن الأمم المختلفة متفقة على ذلك من غير مواطأة. الرابع: أنهم يقولون بألسنتهم إنا نرفع أيدينا إلى الله ويخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون في قلوبهم اضطرارً إلى قصد العلو، فالحجة تارة بما يجده الإنسان من العلم الضروري في نفسه، وتارة بما يخبر به الناس عن أنفسهم من العلم الضروري، وتارة بما يدل على العلم الضروري في حق الناس، وتارة بأن الناس لا يتفقون على ضلالة؛ فإنه إذا كان إجماع المسلمين وحدهم لا يكون إلا حقاً، فإجماع جميع الخلق الذين منهم المسلمون أولى أن لا يكون إلا حقاً" (١). المسلك الثاني: الأجوبة الإجمالية على حجج القوم واعتراضاتهم على دليل الفطرة: ١) بين شيخ الإسلام أن النفاة لا يستطيعون إنكار علو الله ، وإثبات ما ادعوه مما يناقض صريح الفطرة: من كون الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا سارياً فيه ولا مبايناً له، لا يمكنهم تقرير قولهم هذا حتى يثبتوا مقدمات ثلاث: أولها: أن يثبتوا أن قولهم هذا غير معارض للفطرة والعلوم البديهية وغير ممتنع فيها. ثانيها: أن يبينوا ثبوت قولهم هذا -الذي قرروا إمكانه- في الخارج؛ فإن العلم بإمكانه لا يقتضي ثبوته ووجوده. ثالثها: إذا ثبت وجوده فيجب عليهم أن يثبتوا معارضته لما جاءت به النصوص من علو الله سبحانه وترجيحه عليها. وبغير إثبات هذه المقدمات الثلاث لا يمكنهم أن يثبتوا قولهم ويُسلم لهم به،

стр. 637

بل لا بد أن يثبتوا عدم امتناعه فطرة، ثم إذا ثبت عدم امتناعه فلا بد أن يثبتوا وجوده أيضاً، ثم إن ثبت الأمران فبقي لهم أن يثبتوا معارضته لما جاءت به النصوص من علو الله سبحانه. فإن ثبت امتناعه بالفطرة فهذا كاف في بيان فساده، ثم إن ثبت عدم إمكان وجوده وثبوته فلا فائدة منه حينئذ، ثم لو فرض عدم امتناعه ووجوده في الخارج، فإنه مع ذلك لا يتعارض مع كون الله في العلو، فحينئذ لا يكون هناك تعارض بين النصوص الشرعية وما ذكروه من أمور عقلية. وإذا ثبت فساد مقدمة من هذه المقدمات فقد فسد قولهم، فكيف إذا ثبت فسادها جميعها وهو الواقع؟! فتبين أن قولهم في غاية البعد وغاية الفساد، وأن بينهم وبين تقريره خرط القتاد! (١) ٢) أن الحجج التي اعترض بها الرازي وأشباهه من نفاة العلو، ما هي إلا حجج نظرية عقلية والإقرار بعلو الخالق -جل وعلا- ضروري بديهي فطري، والضروريات لا يمكن القدح فيها بالنظريات، وكل نظرية تعارض أمراً بديهياً، فإنما هي سفسطة لا غير (٢)، وأيضاً فإن القدح في البديهيات قدح في النظريات؛ لأن النظريات لا تصح إلا بصحة البديهيات، فيلزم من فساد البديهيات فساد النظريات من باب أولى (٣). ٣) أن ما عارضوا به دليل الفطرة ما هو في الحقيقية إلا من باب الوهم والخيال الباطل؛ فإن من اعتقد أن الكليات الذهنية الثابتة في العقل موجودة في الخارج، فقد توهم وتخيل ما لا حقيقة له في الواقع، ثم عارض الحقائق البديهية الفطرية بهذا الخيال المتوهم، فكيف تكون القضايا التخيلية الوهمية قادحةً في القضايا

стр. 638

البديهية والعلوم الفطرية الضرورية؟! (١). ٤) أنه قد عُلم بالضرورة أن ما يخلو من وصفين متقابلين -يمتنع خلو الموجود عن أحدهما-، فإنما هو في الحقيقة ممتنع معدوم، فوصف الله سبحانه بأنه غير مباين للعالم ولا محايث له ولا داخله ولا خارجه، إنما هو من صفة المعدوم والممتنع الذي لا وجود له ولا حقيقة (٢). ٥) أن الفطر قد جبلت على تعظيم الله ووصفه بصفات الكمال والجلال، وقولهم هذا ليس فيه أي إثبات أو تعظيم أو كمال، وهذا -ولا شك- منافٍ لما جبلت عليه الفطر من تعظيم الخالق -جل وعلا-، بل إنه في الحقيقة من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات، وفي ذلك من عظيم التنقص ما فيه (٣). ٦) أن من لازم قولهم في تجويز إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباين للعالم ولا محايث له، تجويز قول الحلولية والاتحادية الذين يقولون بأن الله في كل مكان بلا حلول ولا مماسة ولا مباينة، وليس مع ذلك كالجسم مع الجسم ولا كالعرض مع العرض، فليس تناقض هؤلاء ببعيد عن تناقض أولئك، ولذلك قال شيخ الإسلام: «لا تكاد تجد أحداً من نفاة المباينة والمداخلة جميعاً، أو من الواقفة في المباينة يمكنه مناقضه الحلولية والاتحادية مناقضة يبطل بها قولهم، بل أي حجة احتج بها عليهم عارضوه بمثلها، وكانت حجتهم أقوى من حجته» (٤). بل إن قول النفاة أشد بطلاناً وأبعد عن العقل السليم والفطرة المستقيمة من قول الحلولية؛ لأن الوصف بما هو أقرب للموجودات أولى من الوصف بالممتنعات والمعدومات (٥).

стр. 639

المسلك الثالث: الأجوبة التفصيلية عن أهم شبههم: كان أهم ما اعترض به الرازي على دلالة الفطرة على العلو: شبهتان اثنتان سبق ذكرهما، وقد تبين فيما سبق الرد الإجمالي عليهما، ونذكر هنا أهم الردود التفصيلية التي رد بها شيخ الإسلام على هاتين الشبهتين الفاسدتين: الجواب على الشبهة الأولى: وهي احتجاجهم بأن الجمع العظيم قد اتفقوا على إنكار العلو فكيف يكون مع هذا أمرا بديهياً، وإنما هو قول الكرامية والحنابلة فحسب: ١) أن هذا الكلام باطل وعكسه هو الصحيح، فجماهير الخلائق يخالفون هؤلاء، ولم يعرف هذا القول إلا عن الجهمية كالمعتزلة ومتأخري الأشاعرة ونحوهم، ومن وافقهم من بعض الفلاسفة، وأما المنقول عن أكثر الفلاسفة فهو قول أهل الإثبات كما نقله ابن رشد الحفيد (١) عنهم، وهو من أعظم الناس معرفة بأقوالهم وانتصارا لهم (٢). ٢) إن من أعظم ما يبطل هذا الكلام أن متقدمي أهل الكلام وأئمتهم الذين تلقى نفاة العلو مذهبهم عنهم، هم أنفسهم على نقيض أقوال النفاة، فيصرحون بعلو الله على خلقه، بل ويحكون الإجماع على ذلك، ويردون مقالة نفاة العلو كما فعل ذلك أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبو الحسن الأشعري وأئمة أصحابه، وقد نقل أقوالهم كلها شيخ الإسلام في معرض رده على الرازي في كتابه العظيم "درء تعارض العقل والنقل" بل حتى الفلاسفة الذين بنى أهل الكلام

стр. 640

مذهبهم على أقوالهم، قد صرح غير واحد منهم بنقض قول النفاة، ومن ذلك ما نقله شيخ الإسلام عن ابن رشد الحفيد حين قال وهو يتحدث عن إثبات العلو: «وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله. وظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ومثل قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، ومثل قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، ومثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، ومثل قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [المُلك:١٦]، إلى غير ذلك من الآيات، التي إن سُلِّط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولاً، وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات، عاد الشرع كله متشابهاً؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من في السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي ﷺ ، حتى قرب من سدرة المنتهى» (١). فكيف يقال بعد ذلك أن المخالف في ذلك إنما هم الكرامية والحنابلة وحسب، وهذا كلام بعض رؤوس أهل الكلام والفلسفة في هذا الباب. وأما كلام أئمة السلف الذين كانوا قبل أن يوجد الحنابلة والكرامية فأكثر من أن يحصر وأكبر من أن يسطر، وقد ذكر شيخ الإسلام نقولاً كثيرة عنهم في تقرير العلو والرد على نفاته يطول سردها، وذكرها في هذا الموضع فليراجعها من يشاء، "فإذا كان سلف الأئمة وأئمتها وأفضل قرونها متفقين على قول أهل الإثبات، فكيف يقال: ليس هذا إلا قول الكرامية والحنبلية؟ " (٢). ٣) أنه لم يطبق على نفي العلو عن الله إلا طوائف أخذ بعضهم عن بعض

стр. 641

كما أخذ النصارى دينهم بعضهم عن بعض وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم، وجميع أهل المذاهب الموروثة لا يمتنع إطباقهم على جحد العلوم البديهية؛ فإنه ما من طائفة من طوائف الضلال إلا وهي مجتمعة على جحد بعض العلوم الضرورية، "ولولا النشأ على هذه الأقاويل، وعلى التعظيم للقائلين بها، لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع، ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة" (١). الجواب على الشبهة الثانية: وهي استدلالهم بالقضايا الذهنية والكليات المطلقة: ١) أن هذه القضايا لا توجد في الخارج وإنما هي في الذهن، فليس كل ما في الأذهان موجود في الأعيان، وهذه الكليات المطلقة توجد مطلقة في الأذهان فقط، أما في الأعيان فلا توجد إلا مقيدة، فإمكان الشيء في الذهن لا يدل على إمكانه في الخارج، وكثير من شبه القوم إنما بنيت على هذا الأساس، وما ذكروه هو من هذه الكليات الذي لا يوجد أي دليل يثبت وجودها في الخارج (٢). ٢) أنه لم يقل أحد بثبوت مثل هذه الكليات في الخارج إلا ما ذكر عن بعض أهل المنطق اليوناني، وهم أيضاً متناقضون في ذلك تناقضاً كثيراً، "وإذا كان كذلك لم يصلح أن يجعل مثل هذه القضية مقدمة في إبطال قضية اعترف بها جماهير الأمم، واعترفوا بأنها مركوزة في فطرهم، مغروزة في أنفسهم، وأنهم مضطرون إليها، لا يمكنهم دفعها عن أنفسهم" (٣). ٣) أن مجرد تقدير الذهن للأقسام لا يدل على إمكانها في الخارج، فالذهن يقدر كون الشيء: "إما موجود وإما معدوم، وإما لا موجود ولا ومعدوم، وأن الموجود: إما أن يكون واجباً، وإما أن يكون ممكناً، وإما أن يكون لا واجباً

стр. 642

ولا ممكناً، وأنه: إما قديم وإما محدث، وإما قائم بنفسه أو بغيره، أو لا قائم بنفسه ولا بغيره، وأمثال ذلك من التقديرات، ثم لم يكن هذا دليلاً على إمكان كل هذه الأقسام في الخارج" (١). ٤) مجرد الإمكان الذهني -وهو عدم العلم بالامتناع - لا يدل على الإمكان الخارجي ولا العلم به، وإنما غايته أن يقول: إني لا أعرف إمكانه ولا امتناعه. والمدعي يقول: أنا أعلم امتناعه بالضرورة، وقد ذكرنا أنهم طوائف متفرقون اتفقوا على ذلك من غير مواطأة، وذلك يقتضي أنهم صادقون فيما يخبرون به عن فطرهم. ومعلوم أن العلوم الضرورية لا يقدح فيها نفي النافي لها، فكيف يقدح فيها شك الشاك فيه (٢). ٥) أن ظن ثبوت مثل هذه الكليات في الخارج إنما هو في الحقيقة من باب الوهم والخيال، كما قد سبق بيانه. ٦) أن المتكلمين أنفسهم يرد بعضهم على بعض في هذا الموضع، ويقدح بعضهم في مقدمة الآخر، ولا شك أن المقدمات المتنازع فيها لا ترتقي لمعارضة الضروريات فضلاً أن تكون منها (٣). ٧) أن القضايا العقلية الكلية يختلف تصورها عن تصور المعينات الداخلة فيها، فلا يكفي تصور القضية الكلية الذهنية في تصور المعين الداخل فيها الموجود في خارج الذهن، فتصورنا للقضية الكلية وهي أن كل موجود: فإما أن يكون قديماً أو حادثاً، يختلف عن حكمنا على معين بأنه قديم أو محدث، فإنه لا بد حينئذ أن نعينه بما يخصه عن غيره من الأمور التي تشاركه وتدخل معه في القضية الكلية، فتصور المعين شيء، وتصور القضية الكلية شيء آخر، فمن أثبت موجودين أحدهما غير مباين للآخر ولا سارياً فيه؛ فإنه إنما أثبت قضية كلية مطلقة

стр. 643

في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج، وهذا هو مذهب الجهمية الذين يثبتون موجوداً مطلقاً يمتنع وجوده في الخارج (١). ويتلخص لنا من هذا كله، وضوح وظهور دلالة الفطرة على علو الله على خلقه، وفساد ما احتج به الرازي ونازع فيه في إبطال دليل الفطرة، وأن إنكار دلالة الفطرة على العلو ما هو إلا مكابرة ظاهرة معلومة الفساد بالضرورة، والله أعلم.

стр. 644

الفصل الخامس: مناظرته مع بعض الجبرية الإباحية المحتجين بالقدر. واشتمل على مبحثين: المبحث الأول: عرض المناظرة. المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.

стр. 645

المبحث الأول: عرض المناظرة: تمهيد: إن من أهم المسائل والأسباب التي أَوْدَتْ بأصحابها إلى القول بالجبر، خطأهم في مفهوم المحبة والإرادة، وعدم التفريق بين ما قدره الله وقضاه وبين ما شرعه وأحبه، وقد حكى الإمام ابن القيم ﵀ في غير موضع من كتبه مناظرةً وقعت لشيخ الإسلام ﵀ مع رجل ممن حصل لهم اللبس في مفهوم المحبة وقال بقول الجبرية (١) في قضاء الله وقدره، ومحبة عباده له، وقد جعلت رواية ابن القيم لهذه المناظرة في كتابه (مدارج السالكين)، هي الأصل، وأضفت لها الزيادات التي رواها في مواضع أخرى من كتبه، وجعلتها بين معكوفتين، وأحلتها إلى مواضعها من كتبه. نص المناظرة: قال ابن القيم ﵀: «[وأخبرني شيخ الإسلام -قدس الله روحه- أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغضه الله ورسوله.

стр. 646

فقال له الملوم] (١): المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب (٢). وجميع ما في الكون مراده، فأي شيء أبغض منه؟ قال الشيخ: فقلت له: إذا كان المحبوب قد أبغض أفعالاً وأقوالاً وأقواماً [ومقتهم] (٣) [وذمهم] (٤)، وعاداهم فطردهم ولعنهم، فأحببتهم [وواليتهم] (٥)، [وأحببت أفعالهم ورضيتها] (٦): تكون موالياً للمحبوب [موافقاً له، أو مخالفاً له] (٧) معادياً له؟ قال: فكأنما ألقم حجراً. وافتضح بين أصحابه. وكان مقدماً فيهم مشاراً إليه» (٨).

стр. 647

المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة: أفحم شيخ الإسلام ﵀ هذا الشيخ المقدم في جماعته، فلم يكن بإمكانه أن يقول في إجابته على سؤال شيخ الإسلام: إن من كانت هذه حاله يكون موالياً للمحبوب موافقاً له؛ لأن هذا ظاهر الفساد والكذب والبطلان، فكيف يكون موالياً له موافقاً له، وهو يحب ما يبغضه ويوالي من يعاديه؟! بل إن من كانت هذه حاله مع محبوبه فهو في الحقيقة عدو له مخالف له، ولذلك فقد لزم هذا الشيخ الصمت وبهت ولم يحر جواباً، وكأنما ألقم حجرا كما ذكر ابن القيم ﵀. ودراسة شبهة هذا الشيخ ستكون من وجهين: الوجه الأولى: بيان أصل الشبهة: أصل شبهة هؤلاء الجبرية الإباحية: هي ظنهم أن كل ما قضاه الله وقدره وأراده فقد أحبه ورضيه، وكل ما في الكون فقد أراده الله؛ إذ لولا ذلك لم يكن، وبالتالي فيجب حب كل ما في الكون؛ لأن كل ما في الكون قد أراده الله وأحبه. فشبهة هذا الرجل بنيت على أمرين: الأمر الأول: أن كل ما أراده الله فقد أحبه. الأمر الثاني: أن المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب. فمن أحب الله فيجب عليه أن يحب كل ما أراده الله وأحبه، والله قد أراد كل

стр. 648

شيء وأحبه. قال شيخ الإسلام: «وفي كلام بعض الشيوخ: المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب. وأرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده، فظنوا أن كمال المحبة أن يحب العبد كل شيء، حتى الكفر والفسوق والعصيان» (١) وقال ﵀: «وأصل ضلالهم: أن هذا القائل الذي قال: إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد المحبوب، قصد بمراد الله تعالى: الإرادة الكونية في كل الموجودات» (٢)، وقال أيضاً: «فشهدوا أن الله رب الكائنات جميعها، وعلموا أنه قدر كل شيء وشاءه، وظنوا أنهم لا يكونون راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره الله ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان، حتى قال بعضهم: (المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب) قالوا: والكون كله مراد المحبوب، وضل هؤلاء ضلالا عظيماً؛ حيث لم يفرقوا بين الإرادة الدينية والكونية، والإذن الديني والكوني، والأمر الديني والكوني، والبعث الكوني والديني، والإرسال الكوني والديني» (٣). وقال ابن القيم ﵀: «وقرر محققوهم من المتكلمين هذا المذهب بأن الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي واحد؛ فمحبته هي نفس مشيئته، وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه، وكل ما شاءه فقد أحبه» (٤). فهذا هو أصل ضلالهم ومبنى شبهتهم ومقالهم (٥). الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة: نقض شيخ الإسلام هذه الشبهة وبين بطلانها من وجوه عدة، منها ما يلي:

стр. 649

الأول: أن القول بأن كل ما أراده الله فقد أحبه قول باطل؛ وذلك لأن الإرادة جاءت في النصوص الشرعية على معنيين: النوع الأول: إرادة كونية قدرية: وهي بمعنى المشيئة لا يخرج عنها شيء فكل ما يقع من خير أو شر من طاعة أو معصية فهو داخل فيها، وهذا النوع من الإرادة لا يستلزم محبة الله ورضاه، فقد تكون لما يحب ويرضى كالطاعات الواقعة من عباد الله الصالحين، وقد تكون لما لا يحب ولا يرضى، بل يسخط ويكره كالمعاصي والكفر، ومن هذا النوع قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]. النوع الثاني: إرادة دينية شرعية: وهي المتعلقة بألوهيته وشرعه، وهي مستلزمة لأمره، ومتعلقة بما يحبه ويرضاه. ومنها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧]. فما أراده الله إرادة كونية، فإنه لا بد من وقوعه وقد يكون مما يحبه الله ويرضاه، وقد لا يكون كذلك كالكفر والفسوق والعصيان، وما أراده إرادة شرعية فهو مستلزم لمحبته ورضاه وقد يقع وقد لا يقع، والأمر مستلزم للإرادة الدينية الشرعية، دون الإرادة الكونية، فالله لا يأمر إلا بما يحب ويرضى (١). قال شيخ الإسلام: «ينبغي أن يعرف أن الإرادة في كتاب الله على نوعين: أحدهما: الإرادة الكونية وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد التي يقال فيها: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذه الإرادة في مثل قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]

стр. 650

وقوله: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩] وأمثال ذلك … وأما النوع الثاني: فهو الإرادة الدينية الشرعية، وهي محبة المراد ورضاه، ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاهم بالحسنى، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦]، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٧ - ٢٨]، فهذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد، إلا أن يتعلق به النوع الأول من الإرادة، ولهذا كانت الأقسام أربعة: أحدها: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع؛ فأمر به وأحبه ورضيه وأراده إرادة كون فوقع؛ ولولا ذلك لما كان. والثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط. وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها، لو وقعت ولو لم تقع. والثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط وهو ما قدره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي؛ فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. والرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يكن من أنواع

стр. 651

المباحات والمعاصي» (١). وبهذا يتضح الخطأ الذي وقع فيه الجبرية كهذا الشيخ وأمثاله، حيث ظنوا أن كل ما أراده الله فقد أحبه ورضيه، ولم يفرقوا بين الإرادة الكونية التي لا تستلزم المحبة والرضا، وبين الإرادة الشرعية المستلزمة لذلك. ثانياً: أنه ينبغي التفريق بين قضاء الله تعالى الذي هو فعله، وبين المقضي وهو أثر فعله سبحانه، فالقضاء غير المقضي؛ إذ القضاء فعل الله تعالى ومشيئته، وما قام به، واتصف به، فعلى هذا قضاؤه كله حق. أما المقضي: فهو أثر القضاء، وهو مفعول منفصل مباين له، مشتمل على الخير والشر، فالمقضي فيه حق، وفيه باطل، فما كان حقاً: رضينا به، وما كان باطلاً: لا نرضى به، فنحن مأمورون بكره المقضي، إذا كان باطلاً وكفراً وفساداً، فرضا العبد يدور مع الشرع، أي مع الأمر والنهي، لا مع المشيئة والقدر الكوني (٢). ثالثاً: أن ذلك يفتح باب الاستهانة بالذنوب، والإباحية المطلقة؛ وهذا ما آل إليه كثير من الجبرية؛ فمنهم من "يتدين بحب الصور الجميلة من النساء الأجانب والمردان وغير ذلك ويرى هذا من الجمال الذي يحبه الله فيحبه هو ويلبس المحبة الطبيعية المحرمة بالمحبة الدينية ويجعل ما حرمه الله مما يقرب إليه ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨] " (٣). وبهذه الشبهة أيضاً أسقطوا الأمر والنهي، وأبطلوا الوعد والوعيد قال شيخ الإسلام: «وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن لا يفرقوا بين المحظور والمأمور،

стр. 652

وأولياء الله وأعداء الله والأنبياء والمتقين، ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، ويجعلون المتقين كالفجار، ويجعلون المسلمين كالمجرمين، ويعطلون الأمر والنهي والوعد والوعيد والشرائع» (١). ومنهم من يتخذ من هذه المقالة ذريعة للوصول إلى مآربه وشهواته، قال شيخ الإسلام: «لكن استفادوا بهذا الضلال اتباع أهوائهم، ثم زادهم انغماساً في أهوائهم وشهواتهم، فهم يحبون ما يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة، زاعمين أن هذا من محبة الله، ومن محبة الله بغض ما يبغضه الله ورسوله، وجهاد أهله بالنفس والمال» (٢). وأخبر شيخ الإسلام أن أقل ما يصيب هؤلاء "أنهم يتركون الغيرة لله، والنهي عن المنكر، والبغض في الله، والجهاد في سبيله، وإقامة حدوده" (٣). وقد حكى جمع من العلماء ما وصل له حال هؤلاء القوم، ومن ذلك ما ذكره مرعي الكرمي (٤) ﵀ حيث قال: «فقد وقعت مذاكرة في بعض مسائل القدر في بعض المجالس فذكر لي أن بعض دراويش (٥) متصوفة الفقراء الذين وقعوا في الإباحة والآثام، وطووا بساط الشرع، ورفعوا قواعد الأحكام، وسووا بعقولهم بين الحلال والحرام: كان لا يصوم ولا يصلي منهمكاً على المحرمات كالخمور

стр. 653

ونحوها من اللذات، فاعترض عليه في ذلك؟! فأجاب بما مضمونه: أنه قد رفعت الأقلام وجفت الصحف، وأن هذا مقدر عليَّ، وأنا لا أقدر على رفع ما قدره الله عليَّ … الخ» (١). ومن هنا يُدرك كل عاقل خطورة الفساد الذي ينتشر بسبب عقيدة الجبر الفاسدة. رابعاً: أن من لوازم محبة الله حب ما يحبه وبغض ما يبغضه؛ "لأن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض محبوبه، ويوالي من يوالي محبوبه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما نهى عنه" (٢)، وهذه هي المحبة الحقيقة. أما من ادعى أنه يحب الله مع محبته لما يبغضه سبحانه، ومحبته لأعدائه ، فهذه دعوى كاذبه، بل هو للعداوة أقرب منه للمحبة، قال شيخ الإسلام ﵀: «والطريق إلى الله إنما هي بأن ترضيه أن تفعل ما يحبه ويرضاه، ليس أن ترضى بكل ما يحدث ويكون؛ فإنه هو لم يأمرك بذلك، ولا رضيه لك ولا أحبه، بل سبحانه يكره ويسخط ويبغض على أعيان أفعال موجودة لا يحصيها إلا هو. وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب، وتبغض ما يبغض، وتكره ما يكره، وتسخط ما يسخط، وتوالي من يوالي، وتعادي من يعادي؛ فإذا كنت تحب وترضى ما يكرهه ويسخطه كنت عدوه لا وليه، وكان كل ذم نال من رضي (٣) ما أسخط الله قد نالك، فتدبر هذا، فإنه ينبه على أصل عظيم ضل فيه من طوائف النساك والصوفية والعباد والعامة من لا يحصيهم إلا الله» (٤)، وبهذه الحجة أفحم شيخ الإسلام خصمه في هذه المناظرة كما سبق بيانه.

стр. 654

خامساً: أن دعواهم حب كل موجود والرضا به دعوى باطلة لا يمكن تحققها؛ فإن النفس البشرية قد جبلت وفطرت على محبة ما ينفعها وكره ما يضرها، قال شيخ الإسلام: «ولا يمكن لأحد أن يحب كل موجود، بل يحب ما يلائمه وينفعه ويبغض ما ينافيه ويضره» (١). وقال ﵀: «وهم في ذلك متناقضون؛ إذ لا يتمكنون من الرضا بكل موجود، فإن المنكرات هي أمور مضرة لهم ولغيرهم، ويبقى أحدهم مع طبعة وذوقه وهواه ينكر ما يكره ذوقه دون ما لا يكره ذوقه» (٢). خامساً: أما ما استندوا عليه من تعريف بعض المشايخ للمحبة بأنها (نار في القلب تحرق كل ما سوى مراد المحبوب)، فهذا معنى مجمل يحتمل حقاً وباطلاً، وهم قد فهموه على المعنى الباطل، فحملوا الإرادة هنا على الإرادة الكونية التي تشمل الخير والشر، وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن قائل هذه العبارة إنما أراد المعنى الصحيح منها، وهو أنها: "تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب الديني الأمري، الذي يحبه ويرضاه، لا المراد الذي قدره وقضاه، لكن لقلة حظ المتأخرين منهم وغيرهم من العلم: وقعوا فيما وقعوا فيه من الإباحة والحلول والاتحاد، والمعصوم من عصمه الله" (٣)، وقال شيخ الإسلام ﵀: «أما لو قال مؤمن بالله وكتبه ورسله، هذه المقالة، فإنه يقصد الإرادة الدينية الشرعية التي هي بمعنى محبته ورضاه، فكأنه قال: تحرق من القلب ما سوى المحبوب لله. وهذا معنى صحيح؛ فإنّ من تمام الحب لله ألا يحب إلا ما يحبه الله، فإذا أحببت ما لا يحب كانت المحبة ناقصة. وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه، فإن لم أوافقه في بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محباً له، بل محباً لما يبغضه» (٤).

стр. 655

سادساً: أن قولهم هذا مخالفٌ للنصوص القطعية التي تفرق بين أهل الإيمان وأهل الكفر والطغيان، وتفرق بين الطاعات وبين المعاصي والمنكرات، قال شيخ الإسلام ﵀: «ورأوا أن الله خالق المخلوقات كلها، فهو خالق أفعال العباد، ومريد جميع الكائنات، ولم يميزوا بعد ذلك بين إيمان وكفر، ولا عرفان ولا نكر، ولا حق ولا باطل، ولا مهتد ولا ضال، ولا راشد ولا غوي، ولا نبي ولا متنبئ، ولا ولي لله ولا عدو، ولا مرضي لله ولا مسخوط، ولا محبوب لله ولا ممقوت، ولا بين العدل والظلم، ولا بين البر والعقوق، ولا بين أعمال أهل الجنة وأعمال أهل النار، ولا بين الأبرار والفجار، حيث شهدوا ما تجتمع فيه الكائنات من القضاء السابق، والمشيئة النافذة، والقدرة الشاملة، والخلق العام؛ فشهدوا المشترك بين المخلوقات، وعموا عن الفارق بينهما، وصاروا ممن يخاطب بقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، وبقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، وبقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية:٢١]» (١). وبهذه الأوجه كلها اتضح فساد وبطلان وتناقض مذهب هؤلاء الجبرية الإباحية الذين ناظرهم شيخ الإسلام، وتبين مخالفة قولهم للنقل والعقل والفطرة التي جبل الله عليها الخلق.

стр. 656

الفصل السادس: مناظرته مع ابن الوكيل الشافعي في نسبته قول المرجئة لأهل السنة والجماعة، ودفاعه عن ذلك. واشتمل على مبحثين: المبحث الأول: عرض المناظرة. المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة. ملحق: مناظرته مع بعض المرجئة في اعتقادهم أن الإيمان شيء واحد لا يقبل الزيادة والنقص.

стр. 657

المبحث الأول: عرض المناظرة: تمهيد: سبق معنا في المبحث الثالث من الفصل الرابع ذكر مناظرة جرت لشيخ الإسلام مع ابن الوكيل الشافعي في تعلق الصفات، وهل الحب والبغض ونحوها من الصفات وجودية أم عدمية، وكانت تلك المناظرة هي المبحث الثاني من المباحث الثلاثة التي نقلها أحد أصحاب شيخ الإسلام مما جرى بينه وبين ابن المرحل (ابن الوكيل)، وهذه المناظرة التي بين أيدينا هي أول المباحث الثلاثة وأطولها، وعلى أن هذه المناظرة أصلها في الحمد والشكر إلا أن شيخ الإسلام بين فيها جملة من المسائل، وكشف جملة من الحقائق المتعلقة بالأصول والاعتقاد، وهذه المناظرة قد وقعت -كما سبق- في دمشق قبل سنة خمسٍ وتسعين وستمائة من الهجرة. وهاك نص المناظرة كما نقلها لنا ابن عبد الهادي ﵀: نص المناظرة: قال ابن عبد الهادي ﵀: «وقد رأيت بخط بعض أصحابه ما صورته: تلخيص مبحث جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀، وبين ابن المرحل: كان الكلام في الحمد والشكر، وأن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، والحمد لا يكون إلا باللسان.

стр. 658

فقال ابن المُرحِّل: قد نقل بعض المصنفين -وسماه- (١): أن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد. ومذهب الخوارج: أنه يكون بالاعتقاد والقول والعمل. وبنوا على هذا: أن من ترك الأعمال يكون كافراً؛ لأن الكفر نقيض الشكر، فإذا لم يكن شاكراً كان كافراً. قال الشيخ تقي الدين: هذا المذهب المحكي عن أهل السنة خطأ والنقل فيه عن أهل السنة خطأ؛ فإن مذهب أهل السنة: أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل. قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، وقام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدا شكورا) (٢). قال ابن المرحل: أنا لا أتكلم في الدليل، وأسلم ضعف هذا القول؛ لكن أنا أنقل أنه مذهب أهل السنة. قال الشيخ تقي الدين: نسبة هذا إلى أهل السنة خطأ؛ فإن القول إذا ثبت ضعفه كيف ينسب إلى أهل الحق؟ ثم قد صرح من شاء الله من العلماء المعروفين بالسنة أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة. قلت: وباب سجود الشكر في الفقه أشهر من أن يذكر وقد قال النبي ﷺ عن سجدة سورة ص: (سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا) (٣). ثم من الذي قال من أئمة السنة: إن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد؟!

стр. 659

قال ابن المرحل: هذا قد نقل، والنقل لا يمنع لكن يستشكل. ويقال: هذا مذهب مشكل. قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: النقل نوعان: أحدهما: أن ينقل ما سمع أو رأى. والثاني: ما ينقل باجتهاد واستنباط. وقول القائل: مذهب فلان كذا، أو مذهب أهل السنة كذا، قد يكون نسبه إليه لاعتقاده أن هذا مقتضى أصوله، وإن لم يكن فلان قال ذلك. ومثل هذا يدخله الخطأ كثيراً. ألا ترى أن كثيراً من المصنفين يقول: مذهب الشافعي أو غيره كذا، ويكون منصوصه بخلافه؟ وعذرهم في ذلك: أنهم رأوا أن أصوله تقتضي ذلك القول فنسبوه إلى مذهبه من جهة الاستنباط، لا من جهة النص؟ وكذلك هذا لما كان أهل السنة لا يكفرون بالمعاصي، والخوارج يكفرون بالمعاصي. ثم رأى المصنف أن الكفر ضد الشكر، اعتقد أنَّا إذا جعلنا الأعمال شكراً لزم انتفاء الشكر بانتفائها، ومتى انتفى الشكر خلفه الكفر، ولهذا قال: إنهم بنوا على ذلك: التكفير بالذنوب؛ فلهذا عزى إلى أهل السنة إخراج الأعمال عن الشكر. قلت: كما أن كثيراً من المتكلمين أخرج الأعمال عن الإيمان لهذه العلة. قال: وهذا خطأ؛ لأن الكفر نوعان: أحدهما: كفر النعمة. والثاني: الكفر بالله، والكفر الذي هو ضد الشكر: إنما هو كفر النعمة لا الكفر بالله. فإذا زال الشكر خلفه كفر النعمة لا الكفر بالله. قلت: على أنه لو كان ضد الكفر بالله، فمن ترك الأعمال شاكراً بقلبه ولسانه فقد أتى ببعض الشكر وأصله، والكفر إنما يثبت إذا عدم الشكر بالكلية، كما قال أهل السنة: إن من ترك فروع الإيمان لا يكون كافراً حتى يترك أصل الإيمان وهو الاعتقاد (١). ولا يلزم من زوال فروع الحقيقة -التي هي ذات شعب وأجزاء-

стр. 660

زوال اسمها كالإنسان إذا قطعت يده أو الشجرة إذا قطع بعض فروعها.

стр. 661

قال الصدر ابن المرحل: فإن أصحابك (١) قد خالفوا الحسن البصري في تسمية الفاسق كافر النعمة (٢) كما خالفوا الخوارج في جعله كافرا بالله. قال الشيخ تقي الدين: أصحابي لم يخالفوا الحسن في هذا، فعمن تنقل من أصحابي هذا؟ بل يجوز عندهم أن يسمى الفاسق كافر النعمة حيث أطلقته الشريعة. قال ابن المرحل: إني أنا ظننت أن أصحابك قد قالوا هذا، لكن أصحابي (٣) قد خالفوا الحسن في هذا. قال الشيخ تقي الدين: - ولا أصحابك خالفوه؛ فإن أصحابك قد تأولوا أحاديث النبي ﷺ التي أطلق فيها الكفر على بعض الفسوق -مثل ترك الصلاة وقتال المسلمين (٤) - على أن المراد به كفر النعمة، فعلم أنهم يطلقون على المعاصي في الجملة أنها كفر النعمة، فعلم أنهم موافقو الحسن لا مخالفوه. ثم عاد ابن المرحل فقال: أنا أنقل هذا عن المصنف، والنقل ما يمنع لكن يستشكل. قال الشيخ تقي الدين: إذا دار الأمر بين أن ينسب إلى أهل السنة مذهب باطل، أو يُنسب الناقل عنهم إلى تصرُفهِ في النقل، كان نسبة الناقل إلى التصرف

стр. 662

أولى من نسبة الباطل إلى طائفة أهل الحق، مع أنهم صرحوا في غير موضع: أن الشكر يكون بالقول والعمل والاعتقاد، وهذا أظهر من أن ينقل عن واحد بعينه. ثم إنا نعلم بالاضطرار أنه ليس من أصول أهل الحق: إخراج الأعمال أن تكون شكراً لله، بل قد نص الفقهاء على أن الزكاة شكر نعمة المال، وشواهد هذا أكثر من أن تحتاج إلى نقل، وتفسير الشكر بأنه يكون بالقول والعمل في الكتب التي يتكلم فيها على لفظ (الحمد) و (الشكر) مثل: كتب التفسير، واللغة، وشروح الحديث، يعرفه آحاد الناس، والكتاب والسنة قد دلا على ذلك. فخرج ابن المرحل إلى شيء غير هذا فقال: الحسن البصري يسمى الفاسق منافقاً، وأصحابك لا يسمونه منافقاً. قال الشيخ تقي الدين له: بل يسمى منافقاً النفاق الأصغر، لا النفاق الأكبر، والنفاق يطلق على النفاق الأكبر الذي هو إضمار الكفر، وعلى النفاق الأصغر الذي هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات (١).

стр. 663

قال له ابن المرحل: ومن أين قلت: إن الاسم يطلق على هذا وعلى هذا؟ قال الشيخ تقي الدين: هذا مشهور عند العلماء، وبذلك فسروا قول النبي ﷺ : (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) (١)، وقد ذكر ذلك الترمذي وغيره، وحكوه عن العلماء (٢)، وقال غير واحد من السلف: (كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك) (٣)، وإذا كان النفاق جنساً تحته نوعان، فالفاسق داخل في أحد نوعيه. قال ابن المرحل: كيف تجعل النفاق اسم جنس (٤)، وقد جعلته لفظاً مشتركاً،

стр. 664

وإذا كان اسم جنس كان متواطئاً، والأسماء المتواطئة غير المشتركة، فكيف تجعله مشتركا متواطئا؟ قال الشيخ تقي الدين: أنا لم أذكر أنه مشترك، وإنما قلت: يطلق على هذا وعلى هذا، والإطلاق أعم، ثم لو قلت: إنه مشترك لكان الكلام صحيحاً؛ فإن اللفظ الواحد قد يطلق على شيئين بطريق التواطؤ وبطريق الاشتراك؛ فأطلقت لفظ النفاق على إبطان الكفر، وإبطان المعصية تارة بطريق الاشتراك، وتارة بطريق التواطؤ؛ كما أن لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن عند قوم باعتبار الاشتراك، وعند قوم باعتبار التواطؤ، ولهذا سمي مشككاً (١). قال ابن المرحل: كيف يكون هذا؟ وأخذ في كلام لا يحسن ذكره. قال له الشيخ تقي الدين: المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر؛ وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز، واللفظ يطلق على كل منهما، فقد يطلق عليهما باعتبار ما به تمتاز كل ماهية عن الأخرى؛ فيكون مشتركاً كالاشتراك اللفظي، وقد يكون مطلقاً باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين، فيكون لفظاً متواطئاً. قلت (٢): ثم إنه في اللغة يكون موضوعاً للقدر المشترك ثم يغلب عرف الاستعمال على استعماله، في هذا تارة وفي هذا تارة، فيبقى دالاً بعرف الاستعمال على ما به الاشتراك والامتياز، وقد يكون قرينة مثل لام التعريف أو

стр. 665

الإضافة تكون هي الدالة على ما به الامتياز مثال ذلك: "اسم الجنس" إذا غلب في العرف على بعض أنواعه كلفظ (الدابة) إذا غلب على الفرس قد نطلقه على الفرس باعتبار القدر المشترك بينها وبين سائر الدواب، فيكون متواطئاً، وقد نطلقه باعتبار خصوصية الفرس فيكون مشتركاً بين خصوص الفرس وعموم سائر الدواب، ويصير استعماله في الفرس: تارة بطريق التواطؤ، وتارة بطريق الاشتراك. وهكذا اسم الجنس إذا غلب على بعض الأشخاص وصار علماً بالغلبة: مثل ابن عمرو والنجم؛ فقد نطلقه عليه باعتبار القدر المشترك بينه وبين سائر النجوم وسائر بني عمرو، فيكون إطلاقه عليه بطريق التواطؤ، وقد نطلقه عليه باعتبار ما به يمتاز عن غيره من النجوم ومن بني عمرو، فيكون بطريق الاشتراك بين هذا المعنى الشخصي وبين المعنى النوعي، وهكذا كل اسم عام غلب على بعض أفراده يصح استعماله في ذلك الفرد بالوضع الأول العام فيكون بطريق التواطؤ وبالوضع الثاني فيصير بطريق الاشتراك. ولفظ (النفاق) من هذا الباب؛ فإنه في الشرع إظهار الدين وإبطان خلافه. وهذا المعنى الشرعي أخص من مسمى النفاق في اللغة فإنه في اللغة أعم من إظهار الدين، ثم إبطان ما يخالف الدين إما أن يكون كفراً أو فسقاً، فإذا أظهر أنه مؤمن وأبطن التكذيب فهذا هو النفاق الأكبر الذي أوعد صاحبه بأنه في الدرك الأسفل من النار، وإن أظهر أنه صادق أو موف أو أمين وأبطن الكذب والغدر والخيانة ونحو ذلك، فهذا هو النفاق الأصغر الذي يكون صاحبه فاسقاً، فإطلاق النفاق عليهما في الأصل بطريق التواطؤ. وعلى هذا؛ فالنفاق اسم جنس تحته نوعان ثم إنه: ١. قد يراد به النفاق في أصل الدين مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]، والمنافق هنا: الكافر. ٢. وقد يراد به النفاق في فروعه، مثل قوله ﷺ : (آية المنافق ثلاث) وقوله:

стр. 666

(أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً) (١)، وقول ابن عمر: فيمن يتحدث عند الأمراء بحديث ثم يخرج فيقول بخلافه: (كنا نعد هذا على عهد النبي ﷺ نفاقاً) (٢). فإذا أردت به أحد النوعين: فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظية مثل لام العهد والإضافة، فهذا لا يخرجه عن أن يكون متواطئاً، كما إذا قال الرجل: جاء القاضي، وعنى به قاضي بلده لكون اللام للعهد، كما قال سبحانه: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزَّمل:١٦] أن اللام هي أوجبت قصر الرسول على موسى لا نفس لفظ (رسول). وإما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه، فيصير مشتركاً بين اللفظ العام والمعنى الخاص، فكذلك قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١]، فإن تخصيص هذا اللفظ بالكافر إما أن يكون لدخول اللام التي تفيد العهد، والمنافق المعهود: هو الكافر. أو تكون لغلبة هذا الاسم في الشرع على نفاق الكفر، وقوله ﷺ : (ثلاث من كن فيه كان منافقاً) يعني به منافقاً بالمعنى العام، وهو إظهاره من الدين خلاف ما يبطن. فإطلاق لفظ (النفاق) على الكافر وعلى الفاسق إن أطلقته باعتبار ما يمتاز به عن الفاسق، كان إطلاقه عليه وعلى الفاسق باعتبار الاشتراك، وكذلك يجوز أن يراد به الكافر خاصة، ويكون متواطئاً إذا كان الدال على الخصوصية غير لفظ (منافق) بل لام التعريف. وهذا البحث الشريف جار في كل لفظ عام استعمل في بعض أنواعه؛ إما لغلبة الاستعمال، أو لدلالة لفظية خصته بذلك النوع، مثل تعريف الإضافة أو تعريف

стр. 667

اللام؛ فإن كان لغلبة الاستعمال صح أن يقال: إن اللفظ مشترك. وإن كان لدلالة لفظية كان اللفظ باقياً على مواطأته. فلهذا صح أن يقال (النفاق): اسم جنس تحته نوعان. لكون اللفظ في الأصل عاماً متواطئاً، وصح أن يقال: هو مشترك بين النفاق في أصل الدين، وبين مطلق النفاق في الدين؛ لكونه في عرف الاستعمال الشرعي غلب على نفاق الكفر» (١).

стр. 668

المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية: المسألة الأولى: مناقشة مقالة المرجئة التي نسبها ابن المرحل لأهل السنة: نقل ابن المرحل في هذه المناظرة عن أحد المصنفين أن معتقد أهل السنة أن الشكر إنما يكون بالاعتقاد، وأن القول بأن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل هو مذهب الخوارج. وظهر اقتناع ابن المرحل بما قرره هذا المصنف من خلال مجادلته عن قول هذا المصنف وإصراره على نسبة هذه المقالة لأهل السنة، وهذه في الحقيقة هي مقالة المرجئة وهي متفرعة عن اعتقادهم أن التكفير لا يكون إلا على الاعتقاد دون عمل الجوارح، وستكون دراسة هذه المسألة من وجهين: الوجه الأول: أصل الشبهة: تبين من المناظرة أن أصل شبهة ابن المرحل من جهة الاستنباط لا من جهة النص؛ وقد بنى شبهته هنا على مقدمتين ونتيجة (١): المقدمة الأولى: أن نقيض الشكر الكفر المخرج من الملة. المقدمة الثانية: أنَّا إذا جعلنا الأعمال من الشكر للزم التكفير بتركها وهذا مذهب الخوارج.

стр. 669

النتيجة: أن أهل السنة يعتقدون أن الشكر إنما يكون بالاعتقاد، ولا يكون بالأعمال. وهذا ما عزاه بعض المصنفين لأهل السنة وجادل عنه ابن المرحل في هذه المناظرة. الوجه الثاني: بطلان هذه الشبهة: وبطلان هذه الشبهة ومقدماتها من وجوه، أهمها ما يلي: أولاً: أن الشكر ضد كفر النعمة، لا الكفر المخرج عن الملة: بنى ابن المرحل شبهته على أن الشكر نقيضه الكفر المخرج من الملة، فلو جعلنا الأعمال شكراً؛ لكان تركها كفرا مخرجاً من الملة. وقد بين شيخ الإسلام خطأه في ذلك؛ فليس كل ما يطلق عليه كفر يكون مخرجاً من الملة؛ فالكفر يتفاوت ويتبعض، وليس هو على درجة واحدة، وهذا أمر تشهد له النصوص الشرعية، وآثار سلف الأمة، فلا يمكن فهم النصوص إلا وفق هذا التقسيم (١). وقد ثبت في النصوص إطلاق الكفر على أنواع أخرى دون الكفر المخرج من الملة وذلك ككفر النعمة، قال الإمام يحيى بن سلام (٢) ﵀: «وذلك قوله في البقرة: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] ولا تكفروا نعمتي. وقال في النَّمل: ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠] يعني أم أكفر النِّعمة. وفي لقمان: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [لقمان:١٢] يعني كفر النِّعمة. وقال فرعون: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ

стр. 670

مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩] يعني الكافرين بنعمتي، إِذ ربيتك صغيراً، وأحسنت إِليك. ونحوه كثير» (١). وقال النووي في تبويبه على صحيح مسلم: «باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والحقوق» (٢). والكفر الذي هو ضد الشكر إنما هو كفر النعمة، لا الكفر المخرج من الملة؛ فإذا زال الشكر خلفه كفر النعمة، لا الكفر بالله (٣)، وهذا ما تشهد له اللغة، قال الخليل الفراهيدي: «الكُفرُ: نقيض الإيمان … والكُفرُ: نقيض الشكر. كَفَر النعمة، أي: لم يشكرها» (٤)، فبين أن ضد الشكر كفر النعمة، وقال ابن منظور: «والكفر: جحود النعمة، وهو ضد الشكر» (٥) وقال أبو علي الفارسي (٦): «الكفر: خلاف الشكر، كما أن الذم خلاف الحمد. فالكفر: ستر النعمة وإخفاؤها، والشكر نشرها وإظهارها. وفي التنزيل: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] وفيه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]» (٧). قال ابن القيم ﵀: «وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة، وإن زال عنه اسم
следующие страницы →