Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
وقُرِىء: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ : بسكونِ الدال تخفيفاً لتوالي الحركات، ومفعولُ الوعدِ محذوفٌ أي: يعِدهُم الباطل أو السلامة والعافية. ﴿إِلاَّ غُرُوراً﴾ يُحْتمل أن يكونَ مفعولاً ثانياً، وأن يكونَ مفعولاً من أجله، وأن يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ أي: وعداً ذا غُرور، وأَنْ يكونَ مصدراً على غير الصدرِ لأنَّ «يَعِدُهم» في قوةِ يَغُرُّهم بوعدِه.
стр. 2487
و ﴿عَنْهَا﴾ : يجوز أن يتعلَّق بمحذوف: إمَّا على الحال من «محِيصاً» لأنه في الأصلِ صفةُ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التبيين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحذوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى ب «عن» ولا ب «محيصاً» ، وإنْ كان المعنى عليه لأنَّ المصدرَ لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يُجَوِّزُ ذلك يُجَوِّزُ تَعَلُّق «عن» به. والمحيصُ: اسمُ مصدر من حاصَ يَحِيص إذا خَلَص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه:
١٦٥ - ٣-
стр. 2488
ولم نَدْرِ إنْ حِصْناً من الموت حَيْصَةً ... كم العمرُ باقٍ والمَدَى مُتَطاوِلُ
ويروي: «جِضْنا» بالجيم والضاد المعجمة، ومنه: «وقعوا في حَيْصَ بَيْصَ» وحاصَ باصَ، أي: وقعوا في أمرٍ يَعْسَرُ التخلُّص منه، ويقال: مَحِيص ومَحاص قال:
١٦٥ - ٤- أتَحِيصُ من حُكْمِ المَنِيَّةِ جاهداً ... ما للرجال عن المَنونِ مَحاصُ
ويقال: حاصَ يَحُوص حَوْصاُ وحِياصاً أي: زَايَل المكانَ الذي كان فهي، والحَوْصُ: ضيق مؤخر العين ومنه الأحْوَصُ.
стр. 2489
وقوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ : يجوزُ فيه وجهان: الرفع على الابتداءِ، والخبر «سَنُدْخِلُهم» والنصبُ على الاشتغال أي: سَنُدْخِل الذين آمنوا سندخلهم، وقرئ: «سيُدْخِلُهم» بياء الغيْبة. وانتصب «وعد الله» على المصدرِ المؤكِّد لنفسِه «وحقاً» على المصدرِ المؤكِّد لغيرِه، ف «وعدَ» مؤكدٌ لقولِه «سندخلهم» ، وهو مفهومٌ مما قبله، و «حقاً» مؤكِّدٌ لقوله: ﴿وَعْدَ الله﴾ و «قيلا» نصبٌ على التمييز. والقيل والقول والقال مصادرُ بمعنى واحدٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يارب﴾ [الزخرف: ٨٨] .
стр. 2490
قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ : في «ليس» ضميرٌ هو اسمُها، وفيه خلافٌ: فقيل: يعودُ على ملفوظٍ به، وقيل: يعودُ على ما دَلَّ عليه اللفظُ من الفعلِ، وقيل: يَدُلُّ عليه سببُ الآية. فأمَّا عَوْدُه على ملفوظٍ به
стр. 2491
فقيل: هو الوعدُ المتقدِّم في قوله ﴿وَعْدَ الله﴾ وهذا ما اختاره الزمخشري قال: «في ليس ضميرُ وعدَ الله أي: ليس يُنالُ ما وعد الله من الثواب بأمانيكم ولا بأماني أهل الكتاب. والخطابُ للمسلمين لأنه لايُؤمن بوعِد الله إلا مَنْ آمَن به» وهذا وجهٌ حسنٌ. وأمَّا عودُه على ما يَدُلُّ عليه اللفظ فقيل: هو الإِيمان المفهومُ من قوله: «والذين آمنوا» وهو قولُ الحسنِ وعنه: «ليس الإِيمانُ بالتمني» وأمّا عودُه على ما يَدُلُّ عليه السببُ فقيل: يعودُ على مجاورةِ المسلمين مع أهلِ الكتاب، وذلك أنَّ بعضَهم قال: «دينُنا قبلَ دينكم، ونبينا قبلَ نبيكم، فنحن أفضلُ» وقال المسلمون: «كتابُنا يقضي على كتابكم، ونبينا خاتمُ الآنبياء» فنزلت وقيل: يعودُ على الثواب والعقاب أي: ليس الثوابُ على الحسنات ولا العقابُ على السيئات بأمانيكم. وقيل: قالت اليهودُ نحن أنبياء الله وأحبَّاؤه، ونحن أصحاب الجنة، وكذلك النصارى. وقالت كفار قريش: لا نُبْعَثُ، فنزلت أي: ليس ما ادعيتموه يا كفارَ قريش بأمانيِّكم.
وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبةُ بن نصاح والحكم والأعرج: «أمانِيكم» «ولا أمانِي» بالتخفيف كأنَّهم جَمَعُوه على فعالِل دون فعاليل كما قالوا: قَرْقور وقراقير وقراقِر، والعرب تُنْقص من فعاليل الياء، كما تَزيدُها في فعالِل نحو قوله:
١٦٥ - ٥-. . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . تَنْقادَ الصياريفِ
стр. 2492
وقوله: ﴿مَن يَعْمَلْ﴾ جملة مستأنفة مؤكدةٌ لحكم الجملة قبلها. وقرأ الجمهور «ولا يَجِدْ» جزماً، على عطفه على جواب الشرط، وروي عن ابن عامر رفعُه، وهو على القطع عن النسق. ثم يُحْتمل أن يكون مستأنفاً وأن يكونَ حالاً، كذا قيل، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ المضارع المنفي ب «لا» لا يقترن بالواوِ إذا وقع حالاً.
قوله: ﴿مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ﴾ «من» الأولى للتبعيض لأنَّ المكلَّف لا يطيق عمل كل الصالحات. وقال الطبري: «هي زائدة عند قوم» وفيه ضعفٌ لعدمِ الشرطين. و «مِنْ» الثانية للمتبين. وأجاز أبو البقاء أن تكونَ حالاً، وفي صاحبِها وجهان أحدُهما: أنه الضميرُ المرفوع ب «يعمل» ، والثاني: أنه الصالحات أي: الصالحات كائنةً من ذكر أو أنثى، وقد تقدَّم إيضاح هذا في قوله: ﴿لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] والكلامُ على «أو» أيضاً «وقوله:» وهو مؤمن «جملة حالية من فاعل» يعمل «وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو بكر عن عاصم:» يُدْخَلون «هنا وفي مريم وأول غافر بضم حرف المضارعة وفتح الخاء مبنياً للمفعول، وانفردَ ابنُ كثير وأبو بكر بثانية غافر، وأبو عمرو بالتي في فاطر والباقون بفتحِ حرفِ
стр. 2493
المضارعة وضَمِّ الخاء مبنياً للفاعل، وذلك للتفنُّنِ في البلاغَةِ، وقد يظهرُ فروقٌ لا يَسَعُها هذا الكتابُ.
стр. 2494
قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾ متعلِّقٌ ب «أَحْسَنُ» فهي «مِنْ» الجارة للمفضول، و «لله» متعلقٌ ب «أَسْلَم» وأجاز أبو البقاء أن يتعلَّق بمحذوف على أنه حالٌ من «وجهه» وفيه نظرٌ لا يخفى. «وهو مُحْسِنٌ» حالٌ من فاعل «أَسْلم» و «اتَّبع» يجوز أن يكون عطفاً على «أسلم» وهو الظاهر، وأن يكونَ حالاً ثانية من فاعل «أسلم» بإضمار «قد» عند مَنْ يشترط ذلك، وقد تقدَّم الكلام على ﴿حَنِيفاً﴾ [الآية: ١٣٥] في البقرة، إلا أنه يجوزُ هنا أن يكونَ حالاً من فاعلِ «اتّبع» .
قوله: ﴿واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ فيه وجهان، وذلك أن اتَّخذ «إنْ عَدَّيْناها لاثنين كان مفعولاً ثانياً وإلا كانَ حالاً، وهذه الجملة عطف على الجملةِ الاستفهاميةِ التي معناها الخبرُ نَبَّهَتْ على شرف المتبوع وأنه جديرٌ بأن يُتَّبع لاصطفاءِ الله له بالخُلّة، ولا يجوز عطفها على ما قبلها لعدم صلاحيتِها صلةً للموصول. وجعلها الزمخشري جملةً معترضة قال:» فإنْ قلت ما محلُّ هذه الجملةِ؟ قلت: لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها مِنْ جمل الاعتراضاتِ نحو ما يجيء في الشعر من قولهم «والحوادثُ جَمَّةٌ» فائدتُها تأكيدُ وجوبِ اتِّباع مِلَّته، لأنَّ مَنْ بَلَغ من الزُّلفى عند الله أَن اتَّخذه خليلاً كان جديراً بأن يُتَّبع «فإنْ عنى بالاعتراضِ المصطلحَ عليه فليس ثَمَّ اعتراضٌ، إذ الاعتراضُ بين متلازمين كفعلٍ وفاعل مبتدأ وخبر
стр. 2495
وشرط وجزاء وقسم وجواب، وإن عَنَى غيرَ ذلك احتُمِل، إلا أنَّ تنظيرَه بقولهم:» والحوادثُ جَمَّةٌ «يُشْعِر بالاعتراض المصطلح عليه؛ فإن قولهم» والحوادث جمة «وَرَدَ في بيتينِ، أحدُهما بين / فعل وفاعل كقوله:
١٦٥ - ٦- وقد أَدْرَكَتْني والحوادثُ جَمَّةٌ ... أَسِنَّةُ قومٍ لا ضعافٍ ولا عُزْلِ
والآخرُ يحتمل ذلك، على أن تكونَ الباءُ زائدةً في الفاعل كقوله:
١٦٥ - ٧- ألا هل أتاها والحوادثُ جَمَّةٌ ... بأنَّ امرأ القيس بنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا
ويحتمل أن يكونَ الفاعلُ ضميراً دلَّ عليه السياق أي: هل أتاها الخبر بأن امرأ القيس، فيكون اعتراضاً بين الفعل ومعموله.
والخليلُ: مشتق من الخَلَّة بالفتح وهي الحاجة، أو من الخُلَّة بالضم، وهي المودة الخالصة، أو من الخَلَل. قال ثعلب:» سُمِّي خليلاً لأن مودته تَتَخَلَّلُ القلبَ «وأنشد:
١٦٥ - ٨- قد تَخَلَّلْتَ مسلكَ الروحِ مني ... وبه سُمِّي الخليلُ خليلا
وقال الراغب:» الخَلَّة - أي بالفتح- الاختلالُ العارضُ للنفس: إمَّا لشَهْوَتِها لشيء أو لحاجتِها إليه، ولهذا فَسَّر الخَلّة بالحاجة، والخُلّة - أي
стр. 2496
بالضم - المودة: إما لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها، وإما لأنها تُخِلُّ النفسَ فتؤثِّر فيها تأثيرَ السهم في الرميَّة، وإمَّا لفَرْطِ الحاجة إليها «.
стр. 2497
قوله تعالى: ﴿وَمَا يتلى﴾ : فيه سبعة أوجه، وذلك أن موضع «ما» يحتمل أن يكون رفعاً أو نصباً أو جراً. فالرفعُ من ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مرفوعاً عطفاً على الضمير المستكنِّ في «يُفتيكم» العائدِ على الله تعالى، وجاز ذلك للفصل بالمفعول والجار والمجرور مع أن الفصلَ بأحدِهما كافٍ. والثاني: أنه معطوفٌ على لفظ الجلالة فقط، كذا ذكره أبو البقاء وغيرُه، وفيه نظر، لأنه: إمَّا أَنْ يُجعلَ من عطف مفردٍ على مفرد فكان يجب أن يُثَنَّى الخبرُ وإنْ توسط بين المتعاطفين فيقال: «يُفْتِيانكم» ، إلاَّ أنَّ ذلك لا يجوز، ومَنِ ادَّعى جوازه يَحْتاج إلى سماع من العرب فيقال: «زيد قائمان وعمرو» ومثلُ هذا لا يجوز، وإمَّا أَنْ يُجْعَلَ من عطف الجمل بمعنى أنَّ خبرَ الثاني محذوفٌ أي: وما يتلى عليكم يُفْتيكم، فيكون هذا هو الوجهَ الثالث - وقد ذكروه - فيلزم التكرار. والثالث من أوجه الرفع: أنه رفع بالابتداء وفي الخبر احتمالان، أحدهما: أنه الجار بعده وهو «في الكتاب» والمرادُ بما يتلى القرآنُ، وبالكتابِ اللوحُ المحفوظ، وتكون هذه الجملةُ معترضةً بين البدل والمبدل منه على ما سيأتي بيانُه. وفائدةُ الاخبارِ بذلك تعظيمُ المتلوِّ ورفعُ شأنِه، ونحوه: ﴿وَإِنَّهُ في أُمِّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] . والاحتمال الثاني: أن الخبر محذوف: أي: والمتلوُّ عليكم في الكتاب يُفْتيكم أو يبيِّن لكم أحكامَهن، فهذه أربعة أوجه. وكلام الزمخشري يحتمل جميع الأوجه، فإنه قال: «ما يُتْلى» في محل الرفع أي: اللهُ يُفْتيكم والمتلوُّ في الكتاب في معنى اليتامى، يعني قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى﴾ [النساء: ٣]
стр. 2498
وهو من قولك: «أعجبني زيدٌ وكرمه» انتهى. يعني أنه من بابِ التجريد، إذ المقصودُ الإِخبارُ بإعجاب كرمِ زيدٍ، وإنما ذُكِر زيدٌ ليُفيدَ هذا المعنى الخاص لذلك المقصود أنّ الذي يُفْتيهم هو المتلو في الكتاب، وذُكِرت الجلالةُ للمعنى المشار [إليه] ، وقد تقدَّم تحقيق التجريد في أول البقرة عند قوله ﴿يُخَادِعُونَ الله﴾ [الآية: ٩] .
والجر من وجهين، أحدهما: أن تكون الواو للقسم، وأقسمَ اللهُ بالمتلوِّ في شأن النساء تعظيماً له كأنه قيل: وأُقْسم بما يُتْلى عليكم في الكتاب، ذكره الزمخشري والثاني: أنه عطفٌ على الضمير المجرور ب «في» أي: يُفْتيكم فيهنَّ وفيما يتلى، وهذا منقولٌ عن محمد بن أبي موسى قال: «أفتاهم الله فيما سألوا عنه وفيما لم يَسْألوا» إلا أنَّ هذا ضعيف من حيث الصناعةُ، لأنه عطفٌ على الضميرِ المجرورِ من غير إعادة الجار وهو رأي الكوفيين، وقد قَدَّمْتُ ما في ذلك من مذاهب الناس ودلائلهم مستوفى عند قوله:
﴿وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام﴾ [البقرة: ٢١٧] فعليك بالالتفات إليه. قال الزمخشري: «ليس بسديدٍ أن يُعْطَف على المجرور في» فيهنَّ «لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى» وهذا سبَقَه إليه أبو إسحاق قال: «وهذا بعيدٌ بالنسبةِ إلى اللفظِ وإلى المعنى: أمَّا اللفظُ فإنه يقتضي عطفَ المُظْهَر على المضمرِ، وأما المعنى فلأنه ليس المرادُ أنَّ اللهَ يفتيكم في شأنِ ما يُتْلى
стр. 2499
عليكم في الكتاب، وذلك غيرُ جائزٍ كما لم يَجُزْ في قوله ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ [النساء: ١] يعني من غيرِ إعادةِ الجار. وقد أجاب الشيخ عما ردَّ به الزمخشري والزجاج بأن التقدير: يُفْتيكم في متلوِّهنَّ وفيما يُتْلى عليكم في الكتابِ في يتامى النساء، وحُذِف لدلالة قوله ﴿وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ وإضافةُ» متلوّ «إلى ضمير» هُنَّ «سائغةٌ، إذ الإِضافةُ تكون بأدنى ملابسةٍ لمَّا كان متلواً فيهن صَحَّتِ الإِضافةُ إليهن، كقوله: ﴿مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣] لمَّا كان المكرُ يقع فيهما صَحَّتْ إضافُته إليهما، ومثله قول الآخر:
١٦٥ - ٩- إذا كوكبُ الخَرْقاءِ لاحَ بِسُحْرَةٍ ... سهيلٌ أذاعَتْ غَزْلَها في الغرائب
وفي هذا الجواب نظرٌ.
والنصبُ بإضمار فعل أي: ويبيِّن لكم ما يُتْلى، لأنَّ» يُفْتيكم «بمعنى يبيِّن لكم. واختار الشيخ وجهَ الجرِّ على العطفِ على الضمير، مختاراً لمذهب الكوفيين وبأنَّ الأوجه كلَّها تؤدي إلى التأكيد، وأمَّا وجهُ العطف على الضمير فيجعلُه تأسيساً قال:» وإذا دار الأمرُ بينهما فالتأسيسُ أَوْلى «وفي جَعْلِه هذا الوجهَ منفرداً بالتأسيس دونَ بقية الأوجه نظرٌ لا يَخْفى.
قوله: ﴿فِي الكتاب﴾ يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُهما: أنه متعلق ب» يُتْلى «والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الضميرِ المستكنِّ في» يتلى «والثالث: أنه خبر» ما يتلى «على الوجه الصائر إلى أنَّ» ما يتلى «
стр. 2500
مبتدأ، فيتعلق بمحذوف أيضاً، إلاَّ أنَّ محلَّه على هذا الوجهِ رفعٌ، وعلى ما قبله نصبٌ.
قوله: ﴿فِي يَتَامَى﴾ فيه خمسة أوجه، أحدُها: أنه بدل من» الكتاب «وهو بدلُ اشتمالٍ، ولا بد مِنْ حذفِ مضافٍ أي في حُكْم يتامى، ولا شك أن الكتابَ مشتملٌ على ذكرِ أحكامهن. والثاني: أن يتعلق ب» يتلى «فإن قيل: كيف يجوزُ تعلُّقُ حَرْفَيْ جر بلفظ واحد ومعنى واحد؟ فالجوابُ أنَّ معناهما مختلف، لأنّ الأولى للظرفيةِ على بابها، والثانية بمعنى الباء للسببية مجازاً أو حقيقةً عند مَنْ يقولُ بالاشتراك. وقال أبو البقاء: كما تقولُ» جئتُك في يوم الجمعة في أَمْرِ زيد «والثالث: أنه بدل من» فيهن «بإعادة العامل، ويكون هذا بدل بعض من كل. قال الزمخشري:» فإنْ قلت: بِمَ تعلَّق قوله «في يتامى النساء؟» قلت: في الوجه الأول هو صلةُ «يُتْلى» أي: يُتْلى عليكم في معناهن، ويجوز أن يكونَ «في يتامى» بدلاً من «فيهنَّ» ، وأمّا في الوجهين الأخيرين فبدلٌ لا غير «انتهى.
يعني بالوجه الأول أن يكونَ «ما يتلى» مرفوعَ المحل. قال الشيخ: «أمَّا ما أجازه في وجَهْ الرفع من كونه صلة» يتلى «فلا يجوزُ إلاَّ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ» في الكتاب «أو تكون» في «للسببية، لئلا يتعلق حرفا جر بلفظ واحد ومعنى واحد بعاملٍ واحد، وهو ممتنعٌ إلا في البدل والعطف، وأمَّا تجويزُه أن يكونَ بدلاً من» فيهن «فالظاهرُ أنه لا يجوز للفصل بين البدلِ والمبدلِ منه بالمعطوفِ، ويصير هذا نظيرَ قولك:» زيدٌ يقيمُ في الدار وعمروٌ في كِسْرٍ منها «فَفَصَلْتَ بين» في الدار «وبين» في كِسْر «ب» عمرو «والمعهودُ في مثل هذا / التركيب: زيدٌ يقيمُ في الدار في
стр. 2501
كِسْرٍ منها وعمروٌ» الرابعُ: أَنْ يتعلَّق بنفس الكتاب أي: فيما كَتَب في حكم اليتامى. الخامس: أنه حال فيتعلَّق بمحذوفٍ، وصاحبُ الحالِ هو المرفوعُ ب «يُتْلى» أي: كائناً في حكم يتامى النساء، وإضافةُ «يتامى» إلى النساء من بابِ إضافةِ الخاص إلى العام لأنهن ينقسمن إلى يتامى وغيرهن. وقال الكوفيون: هو من إضافةِ الصفة إلى الموصوف، إذا الأصلُ: في النساء اليتامى، وهذا عند البصريين لا يجوز، ويؤولون ما وَرَدَ من ذلك. وقال الزمخشري: «فإنْ قلت: إضافة اليتامى إلى النساء ما هي؟ قلت: هي إضافةٌ بمعنى» مِنْ «نحو: سُحْقِ عمامةٍ. قال الشيخ:» والذي ذكره النحويون من ذلك إضافة الشيء إلى جنسه نحو: «خاتمُ حديدٍ» ويجوزُ الفصل إمَّا بإتباع نحو: «خاتمٌ حديدٌ» أو تنصبَه تمييزاً نحو: «خاتمٌ حديداً» أو تجرُّه ب «مِنْ» نحو: خاتم من حديد «قال:» والظاهر أن إضافة «سُحْق عمامةٍ» و «يتامى النساء» بمعنى اللامِ، ومعنى اللام الاختصاص «وهذا الردُّ ليس بشيء فإنهم ذكروا ضابط الإِضافة التي بمعنى» مِنْ «أن تكونَ إضافةَ جزءٍ إلى كل بشرطِ صدقِ اسمِ الكل على البعض، ولا شك أن» يتامى «بعض من النساء، والنساء يَصْدُق عليهنَّ، وتحرَّزْنا بقولنا» بشرطِ صدقِ الكل على البعض، من نحو «يد زيد» فإنَّ زيداً لا يَصْدُقُ على اليد وحدَها. وقال أبو البقاء: «في يتامى النساء» أي: في اليتامى منهن «وهذا تفسيرُ معنى لا إعرابٍ.
والجمهور على» يتامى «جمع يتيمة. وقرأ أبو عبد الله المدني:»
стр. 2502
ييامى «بياءين مِنْ تحتُ، وخَرَّجه ابن جني على أن الأصل» أَيامى «فأَبْدَل من الهمزة ياءً، كما قالوا:» فلانٌ ابنُ أعصر ويَعْصر «، والهمزةُ أصلٌ، سُمِّي بذلك لقوله:
١٦٦ - ٠- أبْنَيَّ إنَّ أباكَ غَيَّر لونَه ... كَرُّ الليالي واختلافُ الأعْصُرِ
وهم يُبْدلون الهمزةَ من الياء كقولهم: «قطع الله أَدَاهُ» يريدون: يَده، فلذلك يُبْدِلون منها الياءَ، و «أيامى» جمع «أَيِّم» بوزن فَيْعِل، ثم كُسِّر على أيايم كسيِّد وسيايد، ثم قُلِبَتِ اللامِ إلى موضعِ العين، والعين إلى موضع اللام فصار اللفظ «أَيامي» ثم قُلِبت الكسرةُ فتحةً لخفتِها، فتحركت الياءُ وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً فصار: «أيامى» فوزنه فيالع. وقال أبو الفتح أيضاً: «ولو قيل إنه كُسِّر أيِّم على فَعْلى كسَكْرى ثم كُسِّر ثانياً على» أيامى «لكان وجهاً حسناً. وسيأتي تحقيق هذه اللفظة عند قوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] إنْ شاء الله تعالى. وقرئ:» ما كَتَبَ اللَّهُ لهنَّ بتسمية الفاعل.
قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾ فيه أوجه، أحدُهما: - وهو الظاهر- أنه معطوفٌ على الصلةِ عطفَ جملةٍ مثبتةٍ على جملةٍ منفية أي: اللاتي لا تؤتونهن واللاتي ترغبون أن تنكوحوهُن، كقولك: «جاء الذي لا يَبْخَلُ ويكرم الضيفان» والثاني: أنه معطوفٌ على الفعلِ المنفيِّ ب «لا» أي: لا تؤتونهن ولا ترغبون والثالث: أنه حالٌ من فاعل «تؤتونهن» أي: لا تؤتونهن وأنتم راغبون في نكاحهن. ذكر هذين الوجهين أبو البقاء، وفيهما نظر: أمّا الأولُ فلخلافِ الظاهر، وأما الثاني فلأنه مضارع مثبت، فلا تدخل عليه الواو إلا بتأويلٍ لا حاجة لنا به ههنا.
و ﴿أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ على حَذْفِ حرفِ الجر ففيه الخلاف المشهور: أهي في محل نصب أم جر؟ واختُلِفَ في تقدير حرف الجر فقيل: هو «في» أي: ترغبون في
стр. 2503
نكاحهن لجمالِهِنَّ ومالِهنَّ، وقيل: هو «عن» أي: ترغبون عن نكاحهن لقُبْحِهن وفقرهنَّ، وكان الأولياء كذلك: إن رَأَوها جميلة موسِرَةً تزوجها وليُّها، وإلاَّ رغبَ عنها. والقول الأول مرويُّ عن عائشة وطائفة كبيرة. وهنا سؤال: وهو أنَّ أهلَ العربية ذكروا أن حرف الجر يجوز حذفُه باطراد مع «أَنْ» و «أنَّ» بشرط أَمْنِ اللبس، يعني أن يكون الحرفُ متعيناً نحو: «عجبت أن تقوم» أي: من أن تقوم، بخلاف «مِلْتُ إلى أن تقوم» أو «عن أن تقوم» والآيةُ من هذا القبيل. والجواب: أن المعنيين صالحان يدل عليه ما ذكرت لك من سببِ النزولِ فصار كلُّ من الحرفين مراداً على سبيلِ البدل.
قوله: ﴿والمستضعفين﴾ فيه ثلاثة أوجه الأول - وهو الظاهر- أنه معطوفٌ على «يتامى النساء» أي: ما يتلى عليكم في يتامى النساء وفي المستضعفين، والذي تُلي عليهم فيهم قوله:
﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١] ، وذلك أنهم كانوا يقولون: لا نُوَرِّثُ إلا مَنْ يحمي الحَوْزة ويَذُبُّ عن الحرَمِ فيَحرمون المرأة والصغيرَ فنزلت. والثاني: أنَّه في محلِّ جر عطفاً على الضمير في «فيهن» وهذا رأيٌ كوفي. والثالث: أنه منصوب عطفاً على موضع «فيهن» أي: ويبيِّن حالَ المستضعفين. قال أبو البقاء: «وهذا التقديرُ يَدْخُلُ في
стр. 2504
مذهبِ البصريين مِنْ غيرِ كَلَفَةٍ» يعني أنه خير من مذهب الكوفيين، حيث يُعْطَفُ على الضمير المجرور مِنْ غير إعادَةِ الجار.
قوله: ﴿وَأَن تَقُومُواْ﴾ فيه خمسةُ أوجه: الثلاثة المذكورة فيما قبله فيكون هو كذلك لعطفِه على ما قبلَه، والمتلوُّ عليهم في هذا المعنى قولُه: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ونحوه. والرابع: النصبُ بإضمار فعل. قال الزمخشري: «ويجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً بإضمار» يأمركم «بمعنى: ويأمركم أن تقوموا، وهو خطابٌ للأئمة بأَنْ ينظروا إليهم ويستوفوا لهم حقوقهم ولا يَدَعوا أحداً يهتضم جانبهم» فهذا الوجه من النصبِ غيرُ الوجهِ الذي ذكرته فيما قبلُ والخامس: أنه مبتدأ وخبره محذوفٌ أي: وقيامُكم لليتامى بالقسطِ خيرُ لكم. وأولُ الأوجُهِ أوجَهُ.
стр. 2505
قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امرأة﴾ : «امرأةٌ» فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ واجبِ الإِضمار، وهذه من باب الاشتغال، ولا يجوزُ رفعُها بالابتداء لأنَّ أداةَ الشرطِ لا يليها إلا الفعلُ عند جمهور البصريين خلافاً للأخفش والكوفيين، والتقديرُ: «وإنْ خافت امرأة خافت» ونحوهُ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك﴾ [التوبة: ٦] . واستدلَّ البصريون على مذهبهم بأن الفعل قد جاء مجزوماً بعد الاسم الواقع أداة الشرط في قول عدي:
١٦٦ - ١- ومتى واغِلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّو ... هُ وتُعْطَفْ عليه كأسُ الساقي
стр. 2506
و ﴿مِنْ بعلها﴾ يجوزُ أن يتلعَّق ب «خافت» وهو الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «نُشوزاً» إذ هو الأصل صفةُ نكرةٍ فلمَّا قُدِّم عليها تعذَّر جَعْلُه صفةً فنُصِب حالاً. و «فلا» جوابُ الشرط.
قوله: ﴿أَن يُصْلِحَا﴾ قرأ الكوفيون: / «يُصْلِحا» من أصلح، وباقي السبعة «يَصَّالحا» بتشديد الصاد بعدها ألف، وقرأ عثمان البتي والجحدري: «يَصَّلِحا» بتشديد الصاد من غير ألف، وعبيدة السلماني: «يُصالِحا» بضمِّ الياءِ وتخفيفِ الصادِ وبعدَها ألفٌ من المفاعلة، وابن مسعود والأعمش: «أن اصَّالحا» فأمّا قراءةُ الكوفيين فواضحةٌ، وقراءةُ باقي السبعة أصلُهَا «يتصالحا» فأُريد الإِدغام تخفيفاً فَأُبْدِلت التاءُ صاداً وأُدْغِمت، وأمَّا قراءةُ عثمان فأصلُها: «يَصْطَلِحا» فَخُفِّفَ بإبدالِ الطاء المبدلةِ من تاءِ الافتعال صاداً وإدغامهما فيما بعدها. وقال أبو البقاء: «وأصلُه::» يَصْتَلِحا «فأُبْدِلت التاء صاداً وأُدْغِمت فيها الأولى» وهذا ليس بجيدٍ، لأنَّ تاءً الافتعال يجبُ قَلْبُها طاءً بعد الأحرف الأربعة كما تقدَّم تحقيقُه في البقرة، فلا حاجة إلى تقديرها تاءً، لأنه لو لُفِظ بالفعلِ مظهراً لم يُلْفظ فيه بالتاء إلا بياناً لأصلِهِ. وأمَّا قراءةُ عبيدة فواضحةٌ لأنها من المصالحة. وأما قراءة «يصطلحا» فأوضحُ. ولم يُخْتلف في «صُلْحاً» مع اختلافِهم في فعلِه.
وفي نصبِه أوجهٌ: فإنه على قراءة الكوفيين يَحْتمل أن يكونَ مصدراً،
стр. 2507
وناصبُه: إمَّا الفعلُ المتقدمُ وهو مصدرٌ على حذف الزوائد، وبعضُهم يعبِّر عنه بأنه اسمُ مصدرٍ كالعطاءِ والنبات، وإمَّا فعلٌ مقدرٌ أي: فيُصْلِحُ حالهما صلحاً. وفي المفعولِ على هذين التقديرين وجهان، أحدُهما: أنه «بينهما» اتُسِّع في الظرف فجُعِل مفعولاً به. والثاني: أنه محذوف «وبينهما» ظرفٌ أوحالٌ مِنْ «صلحا» فإنه صفةٌ له في الأصل. ويُحْتمل أن يكونَ نصبُ «صلحاً» على المفعول به إن جعلته اسماً للشيء المصطلح عليه كالعَطاء بمعنى المُعْطى، والنبات بمعنى المُنْبَت. وأمَّا على بقيةِ القراءات فيجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً على أحدِ التقديرين المتقدمين: أعني كونَه اسمَ المصدرِ، أو كونَه على حَذْفِ الزوائد، فيكون واقعاً موقعَ «تصالحا أو اصطلاحاً أو مصالحةً» حَسْبَ القراءات المتقدمة، ويجوزُ أَنْ يكون منصوباً على إسقاطِ حرفِ الجرِ أي: بصلح أي بشيء يقعُ بسببِ المصالحة، إذا جَعَلْناه اسماً للشيء المصطلح عليه.
والحاصلُ أنه من بقية القراءات ينتفي عنه وجهُ المفعولِ به المذكورِ في قراءة الكوفيين، وتبقى الأوجهُ الباقيةُ جائزةً في سائر القراءات.
قوله: ﴿والصلح خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر، وهذه الجملة قال الزمخشري فيها وفي التي بعدها: «إنهما اعتراضٌ» ولم يبيِّنْ ذلك، وكأنه يريد أن قولَه: «وإنْ يَتفَرَّقا» معطوفٌ على قوله: «فلا جناح» فجاءت الجملتان بينهما اعتراضاً، هكذا قال الشيخ وفيه نظر، فإن بعدهما جملاً أُخَرَ فكان ينبغي أن يقول الزمخشري في الجميع: إنها اعتراض، ولا يخص: «والصلح خير» «وأُحْضِرَت الأنفسُ» بذلك، وإنما يريد الزمخشري بذلك الاعتراضَ بين قوله: ﴿وَإِنِ امرأة﴾ وقوله: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ﴾ فإنهما شرطان متعاطفان، ويَدُلُّ عليه تفسيرُه
стр. 2508
له بما يفيد هذا المعنى فإنه قال: «وإن تحسنوا بالإِقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوزَ والإِعراضَ» انتهى. والألفُ واللام في «الصلح» يجوزُ أن تكونَ للجنس وأن تكونَ للعهد لتقدُّمِ ذكره نحو: ﴿فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: ١٦] . و «خير» يُحْتمل أن تكون للتفضيل على بابها والمفضَّلُ عليه محذوفٌ فقيل: تقديرُه: من النشوز والإِعراض، وقيل: خيرٌ من الفرقة، والتقدير الأولُ أَوْلى للدلالة اللفظية، ويُحْتمل أن تكون صفةً مجردةً أي: والصلحُ خيرٌ من الخيور، كما أنَّ الخصومةَ شرُّ من الشرور.
قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ «حَضَر» يتعدى إلى مفعول، واكتسب بالهمزة مفعولاً ثانياً، فلمَّا بُني للمفعول قامَ أحدُهما مقامَ الفاعل فانتصبَ الآخرُ. والقائمُ مقامَ الفاعلِ هنا يَحْتمل وجهين أظهرهما - وهو المشهورُ مِنْ مذاهب النحاة - أنه الأول وهو «الأنفس» فإنه الفاعل في الأصل، إذ الأصل: «حضرت الأنفسُ الشحَّ» والثاني: أنه المفعول الثاني، والأصل: وحضر الشحُّ الأنفسَ، ثم أحضر اللَّهُ الشحَّ الأنفسَ، فلما بُني الفعل للمفعول أٌقيم الثاني - وهو الأنفسُ- مقامَ الفاعل، فأُخِّر الأول وبقي منصوباً، وعلى هذا يجوز أن يقال: «أُعْطِي درهمٌ زيداً» و «كُسِي جبةً عمراً» والعكس هو المشهورُ كما تقدَّم، وكلامُ الزمخشري يَحْتمل كونَ الثاني هو القائمَ مقامَ الفاعلِ فإنه قال: «ومعنى إحضارِ الأنفس الشحَّ أنَّ الشح جُعِل حاضراً لها لا يَغيب عنها أبداً ولا ينفك» يعني أنها مطبوعةٌ عليه، فأُسْنِدَ الحضورُ إلى الشح كما ترى، ويحتمل أنه جَعَله من باب القلب فنسَب الحضورَ إلى الشحِّ وهو في الحقيقة منسوب إلى الأنفس. وقرأ العدوي: «
стр. 2509
الشِحَّ» بكسر الشين وهي لغة. والشُّحُّ: البخل مع حرص فهو أخص من البخل.
стр. 2510
قوله تعالى: ﴿كُلَّ الميل﴾ : نصبٌ على المصدرية، وقد تقرر أن «كل» بحسَبِ ما تُضاف إليه، إنْ أضيفت إلى مصدر كانت [مصدراً] ، أو ظرفٍ أو غيره فكذلك. قوله: ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب بإضمارِ «أَنْ» في جواب النهي، والثاني: أنه مجزوم عطفاً على الفعل قبله أي: فلا تذروها، ففي الأول نَهْيٌ عن الجمع بينهما، وفي الثاني نهيٌ عن كلٍّ على حِدَتِه وهو أبلغُ، والضميرُ في «تَذَروها» يعود على المميلِ عنها لدلالة السياق عليها. قوله: ﴿كالمعلقة﴾ حال من «ها» في «تَذَروها» فيتعلق بمحذوف أي: فتذروها مشبهةً المعلقة، ويجوز عندي أن يكون مفعولاً ثانياً لأن قولك: / «تذر» بمعنى «تترك» وتَرَكَ «يتعدَّى لاثنين إذا كان بمعنى صيَّر.
стр. 2511
قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ : عطف على «الذين أُوتوا» وهو واجبُ الفصلِ هنا لتعذُّرِ الاتصال. واستدلَّ بعضُهم على أنه إذا قُدِر على الضمير المتصل يجوز أن يُعْدَلَ إلى المنفصل بهذه الآية، لأنه كان يمكن أن يقال: «ولقد وَصَّيْناكم والذين أوتوا» وكذلك استُدِلَّ بقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] ، إذ يمكن أن يقالَ: يخرجونكم والرسولَ. وهذا ليس يَدُلّ له، أمَّا الآيةُ الأولى فلأنَّ الكلامَ فيها جاء على الترتيب الوجودي، فإنَّ وصية مَنْ قبلَنا قبلَ وصيتنا، فلمَّا قَصَدَ هذا المعنى استحال - والحالةُ هذه- أَنْ يُقْدَر عليه متصلاً. وأما الآية الثانية فلأنه قصد فيها تقدُّمَ ذِكْرِ الرسول تشريفاً له وتشنيعاً على مَنْ تجاسر على مثلِ ذلك الفعل الفظيع، فاستحال - والحالة هذه - أن يُجاء به متصلاً. «ومِنْ قبلكم» يجوزُ أَنْ يتعلق ب «أوتوا» ويجوز أَنْ يتعلَّق ب «وَصَّيْنا» والأولُ أظهرُ.
стр. 2512
قوله: ﴿أَنِ اتقوا﴾ يجوزُ في «أن» وجهان، أحدهما: أن تكونَ مصدريةً على حَذْفِ حرفِ الخفض تقديره: بأن اتَّقوا، فلما حُذِف الحرفُ جَرى فيها الخلافُ المشهور. والثاني: أن تكون المفسرةَ لأنها بعد ما هو بمعنى القول لا حروفِه وهو الوصية. والظاهر أن قوله: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ جملة مستأنفة للإِخبار بهذه الحال ليست داخلة في معمول الوصية. وقال الزمخشري: «وإنْ تكفروا فإن لله» عطفٌ على «اتقوا» لأنَّ المعنى: أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقُلْنا لهم ولكم إنْ تكفروا «وفي كلامِه نظرٌ، لأنَّ تقديرَه القولَ ينفي كونَ الجملةِ الشرطيةِ مندرجةً في حَيِّزِ الوصيةِ بالنسبة إلى الصناعة النحوية، وهو لم يقصد تفسيرَ المعنى فقط، بل قَصَدَه هو وتفسيرَ الإِعرابِ بدليل قوله:» عطف على «اتقوا» و «اتقوا» داخلٌ في حَيِّز الوصيةِ، سواءً أَجَعَلْتَ «أن» مصدريةً أم مفسرة.
стр. 2513
قوله تعالى: ﴿بِآخَرِينَ﴾ : آخرين صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ مِنْ جنسِ ما تقدَّمه تقديرُه: بناسٍ آخرين يعبدون الله، ويجوز أن يكونَ المحذوفُ من غير جنس ما تقدَّمه. قال ابن عطية: «يحتمل أن يكون وعيداً لجميع بني آدم، ويكونُ الآخرون من غير نوعهم، كا رُوي أنه كان ملائكةٌ في الأرض يعبدون الله. وقال الزمخشري:» أو خلقاً آخرين غيرَ الإِنس «وكذلك قال غيرهما. وقد رَدَّ الشيخ هذا الوجه بأنَّ مدلولَ آخر وأخرى وتثنيتَهما وجمعَهما نحو مدلول» غير «إلا أنه خاصُّ بجنسِ ما تقدَّمه، فإذا قلت:» اشتريت فرساً وآخرَ، أو: ثوباً وآخر، أو: جارية وأخرى، أو: جاريتين وأُخْريين، أو جواري وأُخَرَ «لم يكن ذلك كلُه إلا من جنس
стр. 2514
ما تقدم، حتى لو عنيت» وحماراً آخر «في الامثلة السابقة لم يَجُزْ، وهذا بخلافِ» غير «فإنَّها تكون من جنسِ ما تقدَّم ومِنْ غيرِه، تقول» اشتريت ثوباً وغيره «لو عنيت:» وفرساً غيره «جاز. قال:» وقَلَّ مَنْ يعرف هذا الفرق «وهذا الفرقُ الذي ذكره وَردَّ به على هؤلاء الأكابرِ غيرُ موافَقٍ عليه، لم يستند فيه إلى نَقْل، ولكن قد يُرَدُّ عليهم ذلك من طريق أخرى، وهو أن» آخرين «صفةٌ لموصوف محذوف، والصفةُ لا تقوم مقامَ موصوفِها إلا إذا كانت خاصةً بالموصوف نحو:» مررت بكاتبٍ «أو يدل عليه دليل، وهنا ليست بخاصةٍ، فلا بد وأن تكونَ من جنسِ الأولِ لتحصُلَ بذلك الدلالةُ على الموصوفِ المحذوفِ.
стр. 2515
قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ﴾ : «مَنْ» يجوز فيها وجهان، أظهرهما: أنها شرطية، وجوابُها قولُه: ﴿فَعِندَ الله﴾ ولا بد من ضمير مقدر في هذا الجواب يعودُ على اسم الشرط لِما تقرر قبل ذلك، والتقدير: فعند الله ثوابُ الدنيا والآخرةِ له إنْ أراده، وهذا تقدير الزمخشري. قال: «حتى يتعلَّق الجزاءُ بالشرط» وجَوَّز الشيخ - وجعله الظاهرَ- أنَّ الجواب محذوف تقديره: من كان يريد ثواب الدنيا فلا يَقْتصر عليه، وليطلبِ الثوابين، فعند الله ثوابُ الدارين. والثاني: أنها موصلةٌ ودخلت الفاءُ في الخبر تشبيهاً له باسم الشرط، ويُبْعِده مُضِيُّ الفعلِ بعدَه [والعائدُ محذوفٌ كما تقرَّر تمثيلُه] .
стр. 2516
قوله تعالى: ﴿شُهَدَآءِ﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنه خبر ثان ل «كان» وهذا فيه خلافٌ قد مَرَّ ذكره. والثاني: أنه حال من الضمير
стр. 2517
المستكن في «قَوَّامين» فالعاملُ فيها «قَوَّامين» وقد رَدَّالشيخ هذا الوجهَ بأنه يلزمُ منه تقييدُ كونِهم قوامين بحال الشهادة، وهم مأمورون بذلك مطلقاً، وهذا الردُّ ليس بشيء، فإن هذا المعنى نحا إليه ابن عباس قال ﵁: «كونوا قَوَّامين بالعدلِ في الشهادة على مَنْ كانَتْ» وهذا هو معنى الوجهِ الصائرِ إلى جَعْلِ «شهداء» حالاً.
قوله: ﴿وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ﴾ «لو» هذه تحتمل أَنْ تكونَ على بابها من كونِها حرفاً لما كان سيقعُ لوقوعِ غيرِه وجوابُها محذوفٌ أي: ولو كنتم شهداءَ على أنفسكم لوجب عليكم أن تَشْهدوا عليها. وأجاز الشيخ أن تكونَ بمعنى «إن» الشرطية، ويتعلَّقُ قولُه «على أنفسكم» بمحذوفٍ تقديرُه: وإن كنتم شهداء على أنفسكم فكونوا شهداء لله، هذا تقديرُ الكلام، وحَذْفُ «كان» بعد «لو» كثير، تقول: ائتِني بتمر ولو حَشَفاً «أي: وإن كان التمر حشفاً فأتني به» . انتهى وهذا لا ضرورةَ تدعو إليه، ومجيءُ «لو» بمعنى «إنْ» شيءْ أثبته بعضُهم على قلة فلا ينبغي أَنْ يُحْمَلَ القرآنُ عليه. وقال ابن عطية: «على أنفسكم» متعلِّقٌ ب «شهداء» قال الشيخ «فإنْ عنى ب» شهداء «الملفوظَ به فلا يَصِحُّ، وإنْ عَنَى به ما قَدَّرْناه نحن فيصِحُّ» يعني تقديرَه «لو» بمعنى «إنْ» وحَذْفَ «كان» واسمِها وخبرِها بعد «لو» وقد تقدَّم أن ذلك قليلٌ، فلم يبق إلا أن ابن عطيةَ يريد «شهداء» محذوفةً كما قَدَّرْتُه لك أولاً نحو: «ولم كنتم شهداء» على أنفسكم لوجَبَ عليكم أن تشهدوا.
стр. 2518
وقال الزمخشري: «ولو كانَتِ الشهادةُ على أنفسكم» فَجَعَل «كان» مقدرةً، وهي تحتملُ في تقديرِه التمام والنقصان: فإنْ قَدَّرْتَها تامةً كان قولُه «على أنفسكم» / متعلقاً بنفسِ الشهادة، ويكون المعنى: «ولو وُجِدَتِ الشهادةُ على أنفسكم، وإنْ قَدَّرْتَها ناقصةً فيجوزُ أَنْ يكونَ» على أنفسكم «متعلقاً بمحذوفٍ على أنه خبرها، ويجوز أن يكونَ متعلقاً بنفس الشهادة، وحينئذ يكون الخبر مقدراً، والمعنى:» ولو كانَتِ الشهادةُ على أنفسِكم موجودةً، إلا أنه يلزمُ مِنْ جَعْلِنا «على أنفسكم» متعلقاً بالشهادة حَذْفُ المصدرِ وأبقاءُ معمولِه وهو قليلٌ أو ممتنع. وقال أيضاً: «ويجوز أن يكون المعنى:» وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم «ورَدَّ عليه الشيخ هذين الوجهين فقال:» وتقديرُه: ولو كانت الشهادة على أنفسكم ليس بجيد؛ لأن المحذوف إنما يكون مِنْ جنسِ الملفوظِ به ليدلَّ عليه، فإذا قلت: «كن محسناً ولو لمَنْ أساء إليك» فالتقدير: ولو كنت محسناً لمَنْ أساء، ولو قَدَّرْته «ولو كان إحسانك» لم يكن جيداً لأنك تحذف ما لا دلالةَ عليه بلفظٍ مطابقٍ «وهذا الردُّ ليس بشيء، فإن الدلالة اللفظية موجودةٌ لاشتراكِ المحذوفِ والملفوظِ به في المادة، ولا يَضُرُّ اختلافُهما في النوع.
وقال في الوجه الثاني: «وهذا لا يجوز لأن ما تعلق به الظرف كونٌ مقيدٌ، والكونُ المقيد لا يجوزُ حَذْفُه بل المطلقُ، لو قلت:» [كان] زيدٌ فيك «تعني: محباً فيك لم يجز» وهذا الرد أيضاً ليس بشيء لأنه قَصَد تفسير المعنى، ومبادئُ النحو لا تَخْفى على آحاد الطلبة فكيف بشيخِ الصناعة؟ .
قوله: ﴿فالله أولى بِهِمَا﴾ إذا عُطف ب «أو» كان الحكمُ في عَوْدِ الضمير والإِخبارِ وغيرِهما لأحدِ الشيئين أو الأشياء، ولا يجوز المطابقةُ تقول: «زيد
стр. 2519
أو عمرو أكرمته» ولو قلت: أكرمتها لم يَجُزْ، وعلى هذا يقال: كيف ثَنَّى الضميرَ في الآية الكريمة والعطفُ ب أو؟ لا جرم أن النحويين أختلفوا في الجوابِ عن ذلك على خمسةِ أوجه. أحدها: أنَّ الضميرَ في «بهما» ليس عائداً على الغني والفقير المذكورين أولاً، بل على جنسَيْ الغني والفقير المدلولِ عليهما بالمذكورَيْن، تقديرُه: وإنْ يكنِ المشهودُ عليه غنياً أو فقيراً فليشهد عليه، فاللَّهُ أَوْلى بجنسَي الغني والفقير، ويَدُلُّ على هذا قراءة أُبَيّ: «فالله أوْلَى بهم» أي بالأغنياء والفقراءِ مراعاةً للجنس على ما قَرَّرته لك، ويكون قوله: ﴿فالله أولى بِهِمَا﴾ ليس جواباً للشرط، بل جوابُه محذوفٌ كما قد عرفته، وهذا دالٌّ عليه. الثاني: أنَّ «أو» بمعنى الواو، ويُعْزى هذا للأخفش، وكنت قدَّمْتُ أولَ البقرة أنه قولُ الكوفيين وأنه ضعيفٌ. الثالث: أن «أو» للتفصيل أي: لتفصيلِ ما أُبْهم. وقد أوضح ذلك أبو البقاء فقال: «وذلك أنَّ كلَّ واحد من المشهود عليه والمشهود له قد يكون غنياً وقد يكون فقيراً. وقد يكونان غنيين وقد يكونان فقيرين، وقد يكون أحدهما غنياً والآخر فقيراً. فلما كانتِ الأقسام عند التفصيل على ذلك أُتِي ب» أو «لتدل على التفصيل، فعلى هذا يكون الضمير في» بهما «عائداً على المشهود له والمشهودِ عليه على أيِّ وصفٍ كانا عليه» انتهى. إلاَّ أنَّ قولَه: «وقد يكون أحدهما غنياً والآخر فقيراً» مكررٌ لأنه يُغْني عنه قولُه «وذلك أنَّ كلَّ واحد» إلى آخره. الرابع: أنَّ الضمير يعود على الخصمين تقديره: إن يكنِ الخصمان غنياً أو فقيراً فالله أَوْلى بذينك الخصمين.
الخامس: أنَّ الضميرَ يعودُ على الغِنى والفقرِ المدلول عليهما بلفظِ الغني والفقير. والتقديرُ: فاللَّهُ أولى بغِنى الغَني وفَقْر الفقير. وقد أساء ابنُ عصفور العبارةَ هنا بما يُوقَفُ عليه في كلامه. وعلى أربعةِ الأوجهِ الأخيرة
стр. 2520
يكونُ جوابُ الشرطِ ملفوظاً به وهو قولُه: ﴿فالله أولى بِهِمَا﴾ بخلافِ الأول فإنه محذوفٌ وقرأ عبد الله: «إن يكنْ غنيٌ أو فقيرٌ» برفعِهما، والظاهرُ أنَّ «كان» في قراءته تامةٌ، أي: وإنْ وُجِد غني أو فقير، نحو: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] .
قوله: ﴿أَن تَعْدِلُواْ﴾ فيه ثلاثة أوجهٍ، أحدُهما: أنه مفعولٌ مِنْ أجلِه على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: فلا تَتَّبِعوا الهوى محبةَ أَنْ تَعْدِلوا، أو إرادةَ أَنْ تَعْدِلوا أي: تَعْدِلوا عن الحق وتَجُوروا. وقال أبو البقاء في المضافِ المحذوف: «تقديرُه: مخافةَ أَنْ تَعْدِلوا عن الحق» وقال ابن عطية: «يُحْتمل أن يكونَ معناه: مخافةَ أن تَعْدِلوا، ويكون العدلُ هنا بمعنى / العُدول عن الحق، ويُحْتمل أن يكونَ معناه: محبةَ أَنْ تَعْدِلوا، ويكونُ العدلُ بمعنى القسط، كأنه يقول: انتهوا خوفَ أَنْ تجوروا، أو محبةَ أَنْ تُقْسِطوا، فإنْ جَعَلْتَ العامل» تتبعوا «فيحتمل أَنْ يكونَ المعنى محبةَ أَنْ تَجُورا» انتهى. فتحصَّل لنا في العاملِ وجهان: الظاهرُ منهما أنه نفسُ «تتبَّعوا» والثاني: أنه مضمر وهو فعلٌ مِنْ معنى النهي كما قَدَّره ابنُ عطية، كأنه يزعم أنَّ الكلامَ تَمَّ عند قولِه: ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى﴾ ثم أضْمَرَ عاملاً، وهذا ما لا حاجةَ إليه.
الثاني: أنه على إسقاطِ حرفِ الجر وحَذْفِ «لا» النافية، والأصل: فلا تَتَّبعوا الهوى في ألاَّ تَعْدِلوا أي: في تَرْكِ العدل، فَحَذف «لا» لدلالة المعنى عليها، ولَمَّا حَذَفَ حرفَ الجر من «أن» جرى القولان الشهيران. الثالث: أنه على
стр. 2521
حَذْفِ لام العلة تقديرُه: فلا تتبعوا الهوى لأنْ تَعْدِلوا. قال صاحب هذا القول: «والمعنى: لا تتبعوا الهوى لتكونوا في اتِّباعكموه عدولاً تنبيهاً [على] أن اتباعَ الهوى وتَحَرِّي العدالةِ متنافيان لا يجتمعان، وهو ضعيفٌ في المعنى.
قوله: ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ قرأ ابن عامر وحمزة» تَلُوا «بلامٍ مضمومةٍ وواوٍ ساكنة، والباقون بلامٍ ساكنةٍ وواوين بعدها، أولاهما مضمومة.
فأمَّا قراءةُ الواوينِ فظاهرةٌ لأنه من لَوَى يَلْوي، والمعنى: وإنْ تَلْووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل، والأصل: تَلْوِيُون كتَضْرِبون، فاستُثْقِلَتِ الضمةُ على الياء فَحُذفت، فالتقى ساكنان: الياء وواو الضمير فحُذِف أولُهما - وهو الياء - وضُمَّت الواوُ المكسورةُ التي هي عين لأجل واوِ الضمير فصار تَلْوُون، وتصريفُه كتصريف» تَرْمُون «.
وأما قراءة حمزة وابن عامر ففيها ثلاثة أقوال، أحدها: وهو وقول الزجاج والفراء والفارسي في إحدى الروايتين عنه - أنه من لَوَى يَلْوي كقراءة الجماعة، إلاَّ أنَّ الواوَ المضومةَ قُلِبَتْ همزةً كقلبها في» أُجوه «و» أُقِّتتْ «ثم نُقِلت حركةُ هذه الهمزةِ إلى الساكنِ قبلها وحذفت فصار» تَلُون «كما ترى.
الثاني: أنه من لَوَى يَلْوي أيضاً. إلا ان الضمةَ استُثْقِلَتْ على الواو الأولى فنُقِلت إلى اللام الساكنة تخفيفاً، فالتقى ساكنان وهما الواوان / فحُذِفت الأول منهما، ويُعْزى هذا للنحاس. وفي هذين التخريجين نظرٌ، وهو أنَّ لامَ الكلمة قد حُذِفَت أولاً كما قررته فصار وَزْنُه: تَفْعُوا، بحذف اللام، ثم حُذِفت العينُ ثانياً فصار وزنُه: تَفُوا، وذلك إجْحاف
стр. 2522
بالكلمة. الثالث- ويُعْزى لجماعة منهم الفارسي- أن هذه القراءة مأخوذة من الولاية بمعنى: وإنْ وُلِّيتم إقامةَ الشهادة أو وُلِّيْتُم الأمرَ فتعدلوا عنه، والأصل: «تَوْلِيُوا» فحذفت الواوُ الأولى لوقوعِها بين حرفِ المضارعةِ وكسرةٍ، فصار «تَلِيُوا» كتَعِدُوا وبابه، فاستثقلت الضمةُ على الياءِ ففُعِل بها ما تقدَّم في «تَلْوُوا» وقد طَعَنَ قومٌ على قراءة حمزة وابن عامر - منهم أبو عبيد - قالوا: لأنَّ معنى الولاية غيرُ لائق بهذا الموضع. قال أبو عبيد: «القراءةُ عندنا بواوين مأخوذةٌ من» لَوَيْتُ «وتحقيقه في تفسيرِ ابن عباس: هو القاضي يكونُ لَيُّه وإعراضُه عن أحد الخصمين للآخر. وهذا الطعنُ ليس بشيء لأنها قراءةٌ متواترةٌ ومعناها صحيح، لأنه إنْ أَخَذْناها من الولاية كان المعنى على ما تقدم، وإن أخذناها من الليِّ فالأصلُ» تَلْوُوا «كالقراءة الأخرى، وإنما» فُعِل بها ما تقدم من قَلْبِ الواوِ همزةً ونَقْلِ حركتها، أو من نَقْلِ حركتها من غير قَلْبٍ فتتفق القراءتان في المعنى.
стр. 2523
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ : أي: داواموا على الإِيمان، أو يُراد بالذين آمنوا جميعُ الناس، وذلك يوم أخذ عليهم الميثاقَ. وقرأ نافع والكوفيون: «والكتابِ الذي نَزَّل على رسوله والكتاب الذي أَنْزل من قبل» على بناء الفعلين للفاعل، وهو الله تعالى، والباقون على بنائهما للمفعول، والقائمُ مقامَ الفاعل ضمير الكتاب. وقال الزمخشري. «فإن قلت: لِمَ قال:» نَزَّل على رسوله، وأَنْزل من قبل؟ قلت: لأنَّ القرآنَ نَزَلَ منجَّماً مفرَّقاً في عشرين سنة بخلاف الكتب قبله «وقد تقدَّم [البحثُ] معه في ذلك، وأن التضعيف في» نَزَّل «للتعدية مرادفٌ للهمزة لا للتكثير.
стр. 2524
وقوله:» فقد ضَلَّ ضلالاً «ليس جواباً للأشياء الثلاثة، بل المعنى: ومَنْ يكفرْ بواحدٍ منها.
стр. 2525
وقوله تعالى: ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ﴾ : كقوله: ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧٩] ، وقد تقدَّم تحقيقُ القولِ فيه ومذاهبُ الناس وأن لام الجحود تفيدُ التوكيدَ، والفرق بين قولِك: «ما كان زيدٌ يقوم» و «ما كان ليقومَ.
следующие страницы →