← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

حَذْفِ لام العلة تقديرُه: فلا تتبعوا الهوى لأنْ تَعْدِلوا. قال صاحب هذا القول: «والمعنى: لا تتبعوا الهوى لتكونوا في اتِّباعكموه عدولاً تنبيهاً [على] أن اتباعَ الهوى وتَحَرِّي العدالةِ متنافيان لا يجتمعان، وهو ضعيفٌ في المعنى. قوله: ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ قرأ ابن عامر وحمزة» تَلُوا «بلامٍ مضمومةٍ وواوٍ ساكنة، والباقون بلامٍ ساكنةٍ وواوين بعدها، أولاهما مضمومة. فأمَّا قراءةُ الواوينِ فظاهرةٌ لأنه من لَوَى يَلْوي، والمعنى: وإنْ تَلْووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل، والأصل: تَلْوِيُون كتَضْرِبون، فاستُثْقِلَتِ الضمةُ على الياء فَحُذفت، فالتقى ساكنان: الياء وواو الضمير فحُذِف أولُهما - وهو الياء - وضُمَّت الواوُ المكسورةُ التي هي عين لأجل واوِ الضمير فصار تَلْوُون، وتصريفُه كتصريف» تَرْمُون «. وأما قراءة حمزة وابن عامر ففيها ثلاثة أقوال، أحدها: وهو وقول الزجاج والفراء والفارسي في إحدى الروايتين عنه - أنه من لَوَى يَلْوي كقراءة الجماعة، إلاَّ أنَّ الواوَ المضومةَ قُلِبَتْ همزةً كقلبها في» أُجوه «و» أُقِّتتْ «ثم نُقِلت حركةُ هذه الهمزةِ إلى الساكنِ قبلها وحذفت فصار» تَلُون «كما ترى. الثاني: أنه من لَوَى يَلْوي أيضاً. إلا ان الضمةَ استُثْقِلَتْ على الواو الأولى فنُقِلت إلى اللام الساكنة تخفيفاً، فالتقى ساكنان وهما الواوان / فحُذِفت الأول منهما، ويُعْزى هذا للنحاس. وفي هذين التخريجين نظرٌ، وهو أنَّ لامَ الكلمة قد حُذِفَت أولاً كما قررته فصار وَزْنُه: تَفْعُوا، بحذف اللام، ثم حُذِفت العينُ ثانياً فصار وزنُه: تَفُوا، وذلك إجْحاف

стр. 2522

بالكلمة. الثالث- ويُعْزى لجماعة منهم الفارسي- أن هذه القراءة مأخوذة من الولاية بمعنى: وإنْ وُلِّيتم إقامةَ الشهادة أو وُلِّيْتُم الأمرَ فتعدلوا عنه، والأصل: «تَوْلِيُوا» فحذفت الواوُ الأولى لوقوعِها بين حرفِ المضارعةِ وكسرةٍ، فصار «تَلِيُوا» كتَعِدُوا وبابه، فاستثقلت الضمةُ على الياءِ ففُعِل بها ما تقدَّم في «تَلْوُوا» وقد طَعَنَ قومٌ على قراءة حمزة وابن عامر - منهم أبو عبيد - قالوا: لأنَّ معنى الولاية غيرُ لائق بهذا الموضع. قال أبو عبيد: «القراءةُ عندنا بواوين مأخوذةٌ من» لَوَيْتُ «وتحقيقه في تفسيرِ ابن عباس: هو القاضي يكونُ لَيُّه وإعراضُه عن أحد الخصمين للآخر. وهذا الطعنُ ليس بشيء لأنها قراءةٌ متواترةٌ ومعناها صحيح، لأنه إنْ أَخَذْناها من الولاية كان المعنى على ما تقدم، وإن أخذناها من الليِّ فالأصلُ» تَلْوُوا «كالقراءة الأخرى، وإنما» فُعِل بها ما تقدم من قَلْبِ الواوِ همزةً ونَقْلِ حركتها، أو من نَقْلِ حركتها من غير قَلْبٍ فتتفق القراءتان في المعنى.

стр. 2523

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ : أي: داواموا على الإِيمان، أو يُراد بالذين آمنوا جميعُ الناس، وذلك يوم أخذ عليهم الميثاقَ. وقرأ نافع والكوفيون: «والكتابِ الذي نَزَّل على رسوله والكتاب الذي أَنْزل من قبل» على بناء الفعلين للفاعل، وهو الله تعالى، والباقون على بنائهما للمفعول، والقائمُ مقامَ الفاعل ضمير الكتاب. وقال الزمخشري. «فإن قلت: لِمَ قال:» نَزَّل على رسوله، وأَنْزل من قبل؟ قلت: لأنَّ القرآنَ نَزَلَ منجَّماً مفرَّقاً في عشرين سنة بخلاف الكتب قبله «وقد تقدَّم [البحثُ] معه في ذلك، وأن التضعيف في» نَزَّل «للتعدية مرادفٌ للهمزة لا للتكثير.

стр. 2524

وقوله:» فقد ضَلَّ ضلالاً «ليس جواباً للأشياء الثلاثة، بل المعنى: ومَنْ يكفرْ بواحدٍ منها.

стр. 2525

وقوله تعالى: ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ﴾ : كقوله: ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧٩] ، وقد تقدَّم تحقيقُ القولِ فيه ومذاهبُ الناس وأن لام الجحود تفيدُ التوكيدَ، والفرق بين قولِك: «ما كان زيدٌ يقوم» و «ما كان ليقومَ.

стр. 2526

والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ العزة﴾ : لِما في الكلام من معنى الشرط، إذ المعنى: إن تبتغوا من هؤلاء عزةً. و «جميعاً» حال من الضمير المستكنِّ في قوله «لله» لوقوعه خبراً. قوله: ﴿الذين يَتَّخِذُونَ﴾ يجوز فيه النصبُ والرفعُ، فالنصب من وجهين، أحدهما: كونُه نعتاً للمنافقين. والثاني: أنه نصب بفعل مضمر أي: أذمُّ الذين، والرفع على خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين.

стр. 2527

قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ قرأ الجماعة: «نُزِّل» مبنياً للمفعول، وعاصم / قرأه مبنياً للفاعل، وأبو حيوة وحميد «نَزَل» مخففاً مبنياً للفاعل، والنخعي «أُنْزِل» بالهمزة مبنياً للمفعول. والقائمُ مقامَ الفاعلِ في قراءةِ الجماعة والنخعي هو «أَنْ» وما في حَيِّزها أي: وقد نَزَّل عليكم المنعَ من مجالستهم عند سماعِكم الكفرَ بالآيات والاستهزاءَ بها. وأمّا في قراءةِ عاصم ف «أَنْ» مع ما بعدها في محل نصب مفعولاً به ب «نزَّل» والفاعل ضميرُ الله تعالى كما تقدم. وأما في قراءة أبي حيوة وحميد فمحلُّها رفع بالفاعلية ل «نزل» مخففاً، فمحلها: إمّا نصب على قراءة عاصم أو رفع على قراءة غيره، ولكن الرفع مختلف. و «أن» هذه هي المخففةُ من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر

стр. 2528

والشأن، أي: أنَّ الأمر والشأن إذا سمعتم الكفر والاستهزاء فلا تقعدوا. قال الشيخ «وما قَدَّره أبو البقاء من قوله:» أنكم إذا سمعتم «ليس بجيد، لأن» أن «المخففة لا تعمل إلاَّ في ضمير الشأن، إلا في ضرورة كقوله: ١٦٦ - ٢- فلو أَنْكِ في يومِ الرخاءِ سَأَلْتِني ... طلاقَك لم أبخَلْ وأنتِ صديقُ هكذا قال، ولم أَرَه أنا في إعراب أبي البقاء إلا أنه بالهاء دون الكاف والميم. والجملةُ الشرطية المنعقدةُ من» إذا «وجوابها في محل رفع خبراً ل» أَنْ «ومن مجيء الجملة الشرطية خبراً ل» أنْ «المخففة قوله: ١٦٦ - ٣- فعلمْتُ أَنْ ما تَتَّقُوه فإنه ... جَزْرٌ لِخامعةٍ وفَرْخِ عقابِ ف» ما «شرطيةٌ و» فإنه «جوابُها، والجملةُ خبرٌ ل» أن «المخففةِ. قوله: ﴿يُكَفَرُ بِهَا﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال من الآيات، و» بها «في محلِّ رفعٍ لقيامِه مقامَ الفاعلِ، وكذلك في قولِه ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ والأصل: يَكفر بها أحدٌ، فلمَّا حُذِف الفاعلُ قام الجارُّ والجرورُ مقامه، ولذلك رُوعي هذا الفاعلُ المحذوف، فعاد عليه الضميرُ من قوله» معهم «» حتى يخوضوا «كأنه قيل: إذا سمعتم آياتِ الله يَكْفُر بها المشركون ويستهزئ بها المنافقون فلا تَقْعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيرِه أي: غيرِ حديث الكفر والاستهزاء، فعاد الضمير في» غيره «على ما دلَ عليه المعنى. وقيل: الضمير

стр. 2529

في» غيره «يجوزُ أَنْ يعود على الكفر والاستهزاء المفهومَيْن من قوله» يكفر بها «و» يستهزأ بها «وإنما أفرد الضمير وإن كان المراد به شيئين لأحد أمرين: إمَّا لأنَّ الكفرَ والاستهزاء شيءٌ واحدٌ في المعنى، وإمَّا لإِجراءِ الضميرِ مُجْرى اسمِ الإشارةِ نحو: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: ٦٨] و [قوله:] ١٦٦ - ٤- كأنَّه في الجِلْدِ توليعُ البَهَقْ ... وقد تقدَّم تحقيقُه في البقرة. و «حتى» غايةٌ للنهي، والمعنى: أنه يجوز مجالستهم عند خوضِهم في غيرِ الكفر والاستهزاء. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ﴾ «إذنْ» هنا مُلْغَاةٌ لوقوعها بين مبتدأ وخبر. والجمهور على رفعِ اللام في «مثلُهم» على خبرِ الابتداء. وقرئ شاذاً بفتحها، وفيها تخريجان، أحدهما: - وهو قولُ البصريين- أنه خبر أيضاً، وإنما فُتِح لإِضافته إلى غير متمكن كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] بفتح اللام، وقول الفرزدق: ١٦٦ - ٥-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . وإذما مثلَهم بشرُ في أحدِ الأوجه. والثاني: - وهو قولُ الكوفيين- أن «مثل» يجوز

стр. 2530

نصبُها على المحل أي الظرف، ويجيزون: «زيد مثلك» بالنصب على المحل أي: زيدٌ في مثلِ حالك. وأفرد «مثل» وإن أخبر به عن جمع ولم يُطابق به كما طابق ما قبله في قوله: ﴿ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: ٣٨] ، وقوله ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣] : قال أبو البقاء وغيرُه: «لأنه قَصَدَ به هنا المصدرَ فوحَّد كما وحَّد في قوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧] . وتحرير المعنى: أن التقدير: إن عصيانكم مثلُ عصيانهم، إلا أنَّ تقدير المصدرية في قوله» لبشر مثلنا «قلق.

стр. 2531

قوله تعالى: ﴿الذين يَتَرَبَّصُونَ﴾ : فيه ستة أوجه، أحدها: أنه بدلٌ من قوله: ﴿الذين يَتَّخِذُونَ﴾ فيجيء فيه الأوجه المذكورة هناك. الثاني: أنه نعتٌ للمنافقين على اللفظ فيكون مجرورَ المحل. الثالث: أنه تابعٌ لهم على الموضعِ فيكونُ منصوبَ المحلِّ، وقد تقرر أنَّ اسمَ الفاعلِ العاملَ إذا أُضيفَ إلى معمولِه جاز أن يُتْبَعَ معمولُه لفظاً وموضعاً، تقول: «هذا ضاربٌ هندٍ العاقلةِ والعاقلةَ» بجرِّ العاقلة ونصبِها. الرابع: أنه منصوبٌ على الشتم. الخامس: أنه خبرُ مبتدأ مضمر أي: هم الذين. السادس: - وذكره أبو البقاء - أنه مبتدأ والخبرُ قولُه: «فإنْ كان لكم فتحُ» وهذا ضعيفٌ لنبوِّ المعنى عنه ولزيادةِ الفاءِ في غيرِ محلِّها، لأنّ هذا الموصولَ غيرُ ظاهرِ الشبهِ باسم الشرط. قوله: ﴿وَنَمْنَعْكُمْ﴾ الجمهورُ على جزمه عطفاً على ما قبله. وقرأ ابن

стр. 2532

أبي عبلة بنصب العين وهي ظاهرةٌ، فإنه على إضمار «أن» بعد الواو المقتضية للجمع في جوابِ الاستفهام كقول الحطيئة: ١٦٦ - ٦- ألم أكُ جارَكمْ ويكونَ بيني ... وبينكمُ المودةُ والإخاءُ وعَبَّر ابنُ عطية بعبارة الكوفيين فقال: «بفتحِ العين على الصرف» ويعنون بالصرف عدمَ تشريكِ الفعلِ مع ما قبلَه في الإِعراب. وقرأ أُبَي: «ومنعناكم» فعلاً ماضياً وهي ظاهرةٌ أيضاً لأنه حُمِلَ على المعنى، فإن معنى «ألم نستحوذ» : إنَّا قد استحوذنا، لأنَّ الاستفهامَ إذا دخل على نفي قَرَّره، ومثلُه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا﴾ [الشرح: ١ -٢] لَمَّا كان «ألم نشرح» في معنى «قد شرحنا» عُطِفَ عليه «ووضَعْنا» . ونستحوذ واستحوذ مِمَّا شَذَّ قياساً وفَصُحَ استعمالاً / لأنَّه مِنْ حقه نَقْلُ حركةِ حرفِ علتِه إلى الساكن قبلها، وقَلْبُها ألفاً كاستقام واستبان وبابه، وقد قدمت تحقيق هذا في قوله: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [الآية: ٥] في الفاتحة، وقد شَذَّت معه الفاظُ أُخَرُ نحو: «أَغْمَيتْ وأَغْيلتْ المرأة وأَخْيلت السماء» قصرها النحويون على السماع، وقاسَها أبو زيد. والاستحواذ: التغلُّب على الشيء والاستيلاءُ عليه. ومنه: ﴿استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان﴾ [المجادلة: ١٩] . ويقال: «حاذَ وأحاذ» بمعنى، والمصدُر الحَوْذ.

стр. 2533

وقوله: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ قيل: هنا معطوفٌ محذوف أي: وبينهم كقوله: ١٦٦ - ٧- فما كانَ بين الخيرِ لو جاء سالماً ... أبو حُجُرٍ إلا ليالٍ قلائِلُ أي: وبيني، والظاهرُ أنه لا يَحْتاج لذلك، لأن الخطاب في «بينكم» شاملٌ للجميع، والمرادُ المخاطبون والغائبون، وإنما غَلَّبَ الخطاب لِما عَرَفْتَ من لغة العرب. قوله: ﴿عَلَى المؤمنين﴾ يجوز أن يتعلقَ بالجَعْلِ، ويجوز أَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنه في الأصلِ صفةٌ ل «سبيلا» فلمَّا قُدِّم عليه انتصبَ حالاً عنه.

стр. 2534

وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ﴾ : قد تقدَّم اشتقاقُه ومعنى المفاعلة فيه اول البقرة قوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ فيها ثلاثةُ أوجه أحدها: - ذكره أبو البقاء- وهو أنَّها نصبُ على الحال. والثاني: أنها في محل رفع عطفاً على خبر «إنَّ» والثالث: أنها استئناف إخبار بذلك. قال الزمخشري: «وخادِع» اسمُ فاعل من خادَعْتُه فَخَدَعْتُه إذا غلبتَه وكنتَ أخدعَ منه. قوله: «وإذا قاموا» عطفٌ على خبرِ «إنَّ» أخبر عنهم بهذه الصفاتِ الذَّميمة. و «كُسالى» نصبٌ على الحال من ضمير «قاموا» الواقع جواباً. والجمهورُ على ضم الكاف، وهي لغة أهل الحجاز. وقرأ الأعرج بفتحها، وهي لغةُ تميم وأسدٍ، وقرأ ابن السَّمَيْفَع: «كَسْلى» وَصَفَهم بما تُوصف به

стр. 2535

المؤنثة المفردةُ اعتباراً بمعنى الجماعة كقوله: ﴿وتَرَى الناسَ سَكْرى﴾ والكسلُ: الفتورُ والتواني، وأَكْسَل: إذا جامَعَ وفَتَر ولم يُنْزِل. قوله: ﴿يراؤون﴾ في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُهما: أنها حالٌ من الضمير المستتر في «كُسالى» الثاني: أنها بدلٌ من «كُسالى» ذكره أبو البقاء، فيكونُ حالاً من فاعل «قاموا» وفيه نظرٌ، لأنَّ الثاني ليس الأولَ ولا بعضه ولا مشتملاً عليه. الثالث: أنها مستأنفةٌ أَخْبر عنهم بذلك. وأصلُ يُراؤُون: يُرائِيوُن فأُعِلَّ كنظائرِه. والجمهور على «يُراؤُون» من المفاعلةِ قال الزمخشري: فإنْ قلت: ما معنى المراءاة وهي مُفَاعَلَة من الرؤية؟ قلت: لها وجهان أحدها: أنَّ المرائِيَ يُريهم عمله وهم يُرُوْنه الاستحسانَ. والثاني: أنْ تكونَ من المفاعلة بمعنى التفعيل، يقال: نعَّمه وناعمه، وفَنَّقه وفانَقَه، وعيش مُفَانِق، وروى أبو زيد: «رأَّت المَرْأةُ المِرْآة» إذا أَمْسَكَتْها له ليرى وجهه، ويدل عليه قراءةُ ابن أبي اسحاق: «يُرَؤُّونهم» بهمزةٍ مشددةٍ مثلَ: يُدَعُّونهم، أي: يُبَصِّرونهم ويُرَاؤُوْنهم كذلك، يعني أنّ قراءةَ «يُرَؤُّونَهم» مِنْ غير ألفٍ بل بهمزةٍ مضمومةٍ مشددةٍ توضِّح أنَّ المُفَاعلةَ هنا بمعنى التفعيل. قال ابن عطية: «وهي - يعني هذه القراءة - أقوى من» يراؤون «في المعنى؛ لأنَّ معناها يَحْمِلُون الناسَ على أَنْ يَرَوْهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة ويُبْطُنون النفاقَ» وهذا منه ليس بجيد؛ لأنَّ المفاعلة إنْ كانت على

стр. 2536

بابها فهي أبلغُ لِما عُرِفَ غيرَ مرة، وإنْ كانت بمعنى التفعيل فهي وافيةٌ بالمعنى الذي أرداه، وكأنه لم يعرف أنَّ المفاعلة قد تجيء بمعنى التفعيل. ومتعلِّقُ المراءاةِ محذوفٌ لِيَعُمَّ كلَّ ما يُراءَى به. والأحسن أن تُقَدِّر يُراؤون الناسَ بأعمالهم. وقوله: ﴿قَلِيلاً﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو لزمان محذوف أي: ذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً، والقلةُ هنا على بابِها، وجَوَّز الزمخشري وابن عطية أن تكون بمعنى العَدَم، ويأباه كونُه مستثنى، وقد تقدَّم الردُّ عليهما في ذلك. وقوله: ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ﴾ يجوز أن يكونَ عطفاً على «يُراؤُون» وأن يكون حالاً من فاعل «يُراؤون» وهو ضعيفٌ لأنَّ المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت، والمُثْبَتُ إذا وَقَع حالاً لا يَقْتَرِنُ بالواوِ، فإنْ جَعَلَها عاطفةً جاز.

стр. 2537

قوله تعالى: ﴿مُّذَبْذَبِينَ﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ أحدُهما: أنه حال مِنْ فاعل «يُراؤون» الثاني: أنه حالٌ من فاعل «ولا يَذْكَرُون» الثالث: أنه منصوبٌ على الذمّ والجمهور على «مذبذّبين» بميمٍ مضمومة وذالين معجمتين ثانيتهما مفتوحةٌ على أنه اسم مفعول، من ذبذبته فهو مُذَبْذَب أي: متحيِّر. وقرأ ابن عباس وعمرو بن فائد بكسر الذال الثانيةِ اسمَ فاعل، وفيه احتمالان، أحدهما: أنه من «ذَبْذَبَ» متعدِّياً فيكونُ مفعولُه محذوفاً أي: مُذَبْذِبين أنفسهم أو دينَهم أو نحوَ ذلك. والثاني: أنه بمعنى تَفَعْلَل نحو: «صَلْصَلَ» فيكون قاصراً، ويَدُلُّ على هذا الثاني قراءةُ أُبَيّ وما في مصحف عبد الله: «مُتَذّبْذِبين» فلذلك يُحْتَمَلُ أن تكونَ قراءةُ ابنِ عباس بمعنى متذبذبين. وقرأ الحسن البصري «مَذَبْذَبِين» بفتح الميم. قال ابن عطية:

стр. 2538

«وهي مردودة» ولَعَمْري لقد صدق، ولا ينبغي أن تَصِحَّ عنه. واعتذر الشيخ عنها لأجل فصاحة الحسن واحتجاج الناس بكلامه بانَّ فتح الميم لأجل إتباعها بحركة الذال قال: «وإذا كانوا قد اتبعوا في» مِنْتِن «حركة الميم بحركة التاء مع الحاجز بينهما، وفي نحو» منحدْر «أتبعوا حركة الدال بحركة الراء حال الرفع مع أنَّ حركةَ الإِعرابِ غيرُ لازمة فَلأَنْ يُتْبعوا في نحو» مَذَبذبين «أولى. وهذا فاسدٌ لأن / الإِتباع في الأمثلة التي أوردها ونظائرها إنما هو إذا كانت الحركةُ قويةً وهي الضمةُ والكسرةُ، وأمَّا الفتحةُ فخفيفةٌ فلم يُتْبِعُوا لأجلها. وقرأ ابن القعقاع بدالين مهملين من الدُّبَّة وهي الطريقة، يقال:» خَلَّني ودُبَّتي «أي: طريقتي قال: ١٦٦ - ٨- طَها هُذْرُبانٌ قَلَّ تغميضُ عيِنِه ... على دُبَّةٍ مثلِ الخَنيفِ المُرَعْبَلِ وفي حديث ابن عباس:» اتَّبِعوا دُبَّة قريش «أي: طريقها، فالمعنى على هذه القراءة: أنْ يأخذَ بهم تارةً دُبَّةً وتارة دُبَّةً أخرى، فَيَتْبَعُون متحيِّرين غيرَ ماضين على طريق واحد. ومُذّبْذَب وشبهُه نحو: مُكَبْكَب ومُكَفْكَف مِمَّا ضُعِّف أولُه وثانيه وصَحَّ المعنى بإسقاط ثالثِه فيه مذاهبٌ، أحدُهما: - وهو قولُ جمهورِ البصريين - أنَّ الكلَّ أصولٌ، لأنَّ أقلَّ البنية ثلاثةُ أصولٍ وليس أحدُ المكررين أَوْلى بالزيادةِ من الآخر. الثاني - ويُعْزَى للزجاج - أنَّ ما صَحَّ إسقاطُه زائدةٌ. الثالث: - وهو قول الكوفيين - أن الثالث بدل من تضعيف الثاني، ويزعمون أن أصل كفكف: كَفَّفَ بثلاث فاءات، وذبذب: ذَبَّب بثلاث باءات فاستُثْقِل توالي

стр. 2539

ثلاثةِ أمثالٍ فَأَبْدَلوا الثالثَ من جنس الأول، ولهذه المذاهب موضوعٌ غيرُ هذا حَرَّرْتُ مباحثَهم فيه، أمَّا إذا لم يَصِحَّ المعنى بحذفِ الثالث نحو: سِمْسم ويُؤْيؤ ووعْوَع فإنَّ الكلَّ يزعمون أصالةَ الجميعِ. والذبذبة في الأصل: الاضطرابُ والتردُّد بين حالتين. قال النابغة: ١٦٦ - ٩- ألم تَرَ أنَّ اللهَ أَعْطاك سُورةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دونَها يَتَذَبْذَبُ وقال آخر. ١٦٧ - ٠- خيالٌ لأمِّ السَّلْبيل ودونَها ... مسيرةُ شهرٍ للبعيرِ المُذَبْذِبِ بكسر الذال الثانية. قال ابن جني: «أي القَلِق الذي لا يستقر» قال الزمخشري: «وحقيقةُ المذبذب الذي يُذَبُّ عن كلا الجانبين أي يُذاد ويُدْفع فلا يقرُّ في جانبٍ واحد، كما يقال:» فلان يُرْمَى به الرَّحَوان «إلا أنَّ الذبذبة فيها تكريرٌ ليس في الذَبِّ، كأنَّ المعنى: كلما مالَ إلى جانبٍ ذَبَّ عنه» . و «بين» معمولٌ لقوله: «مُذَبْذَبين» و «ذلك» إشارةٌ إلى الكفر والإِيمان المدلولِ عليهما بذكر الكافرين والمؤمنين ونحو: ١٦٧ - ١-

стр. 2540

إذا نُهِي السفيهُ جَرَى إليه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: إلى السَّفَهِ لدلالةِ لفظ السفيه عليه. وقال ابن عطية: «أشير إليه وإن لم يَجْزِ له ذِكْرٌ لتضمن الكلام له نحو: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] يعني توارَت الشمسُ وكلُّ مَنْ على الأرض. قال الشيخ:» وليس كذلك، بل تقدَّم ما يَدُلُّ عليه «وذكر ما قَدَّمْتُه. وأشير ب» ذلك «وهو مفردٌ لاثنين لِما تقدَّم في قوله ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: ٦٨] قوله: ﴿لاَ إلى هؤلاء وَلاَ إِلَى هؤلاء﴾ » إلى «في الموضعين متعلقةٌ بمحذوف، وذلك المحذوفُ هو حالٌ حُذِفَ لدلالةِ المعنى عليه، والتقدير: مُذَبْذَبين لا منسوبين إلى هؤلاء ولا منسوبين إلى هؤلاء، فالعاملُ في الحال نفسُ» مُذَبْذَبين «قال أبو البقاء:» وموضعُ «لا إلى هؤلاء» نصبٌ على الحالِ من الضمير في مذبذبين أي: يتذبذبون متلوِّنين «وهذا تفسير معنى لا إعراب.

стр. 2541

قوله تعالى: ﴿سُلْطَاناً﴾ : السلطان يُذّكَّرُ ويؤنث، فتذكيرُه باعتبار البرهان، وتأنيثُه باعتبار الحجة، إلا أن التأنيث أكثرُ عند الفصحاء، كذا قاله الفراء، وحكى: «قَضَتْ عليك السلطان» «وأَخَذَتْ فلاناً السلطانُ» وعلى هذا فكيف ذُكِّرت صفته فقيل: مبيناً دون: مبينة؟ والجواب أن الصفة هنا رأسُ فاصلة فلذلك عَدَلَ إلى التذكير دون التأنيث. وقال ابن عطية ما يخالف ما حكاه الفراء فإنه قال: «والتذكيرُ أشهرُ، وهي لغة القرآن حيث

стр. 2542

وقع» . «وعليكم» يجوزُ تعلُّقه بالجَعْل «أو بمحذوف على أنه حال من» سلطانا «؛ لأنه صفة له في الأصل وقد تقدَّم نظيره.

стр. 2543

قوله تعالى: ﴿فِي الدرك﴾ : قرأ الكوفيون - بخلاف عن عاصم - بسكونِ الراء، والباقون بفتحِها، وفي ذلك قولان، أحدُهما: أنَّ الدَّرْك والدَّرِكِ لغتان بمعنى واحدٍ كالشَّمْع والشَّمَع، والقَدْر والقَدَر. والثاني: أنَّ الدَّرَك بالفتح جمعُ «دَرَكة» على حدِّ بَقَر وبَقَرة، واختار أبو عبيد الفتحَ قال: «لأنه لم يَجِىءْ في الآثار ذِكْرُ» الدَّرَك «إلا بالفتحِ، وهذا غيرُ لازمٍ لمجيء الأحاديثِ بإحدى اللغتين. واختار بعضُهم الفتحَ لجَمْعِه على أَفْعال، قال الزمخشري:» والوجهُ التحريكُ لقولِهم «أدراك جهنم» يعني أنَّ أفعالاً منقاسٌ في فَعَل بالفتحِ دونَ فَعْل بالسكون، على أنه قد جاء أَفْعال في فَعْل بالسكون نحو: فَرْخ وأَفْراخ، وزَنْد وأَزْناد، وفَرْد وأَفْراد. وقال أبو عبد الله الفاسي في شرحِ القصيد: «وقال غيرُه - يعني غيرَ عاصم - محتجَّاً لقراءة الفتح قولُهم في جَمْعِه:» أَدْراك «يَدُلُّ على أنه» دَرَك «بالفتح، ولا يَلْزم ما قال أيضاً، لأنَّ فَعَلاً بالتحريك قد جُمِع على أَفْعاله كقَلَم وأَقْلام، وجَبَل وأَجبال» انتهى، وهذه غفلةٌ منه لأنه المتنازعَ فيه إنما هو فَعْل بالتسكين: هل يُجْمَعُ على أَفْعال أم لا؟ وأما فَعَلَ بالتحريك فأفْعال قياسُه، وكأنه قَصَدَ الردَّ على الزمخشري فوقَع في الغلطِ، كان ينبغي له أن يقول: وقد جُمِع فَعْل بالسكون على أَفْعال نحو: فَرْخ وأَفْراخ كما ذكرته لك. وحُكِي عن عاصم / أنه قال «لو كان» الدرَك «بالفتح لكان ينبغي أن يقال السُّفْلى لا الأسفل» قال بعض النحويين: «يعني أن الدرَك بالفتح جمع» دَرَكة «كبَقَر جمع بَقَرَة، والجمعُ يُعامل معاملةَ المؤنثة. وهذا غيرُ لازمٍ لأنَّ اسمَ الجنسِ الفارقُ بين واحدِه

стр. 2544

وجمعِه تاءُ التأنيث يجوز تذكيرُه وتأنيثُه إلا ما استُثْنيَ وجوبُ تذكيرِه أو تأنيثه، والدرَك ليس منه، فيجوز فيه الوجهان، هذا بعد تسليم كون» الدرك «جمع» دَرَكة «بالسكون كا تقدم. والدَّرَكُ مأخوذٌ من المُدراكة وهي المتابعةُ، وسُمِّيت طبقاتُ النار» دَرَكات «لأنَّ بعضَها مدارك لبضع أي: متتابعة. قوله: ﴿مِنَ النار﴾ في محلِّ نصب على الحال، وفي صاحبِها وجهان، أحدُهما: أنه» الدرك «والعامل فيها الاستقرار، والثاني: أنه الضميرُ المستتر في» الأسفل «لأنه صفةٌ فيتحمل ضميراً.

стр. 2545

قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الذين﴾ : فيه ثلاثةُ أوجه، احدُها: أنه منصوبٌ على الاستثناء مِنْ قوله: ﴿إِنَّ المنافقين﴾ الثاني: أن مستثنى من الضميرِ المجرورِ في «لهم» الثالث: أنه مبتدأٌ، وخبرُه الجملةُ من قوله: ﴿فأولئك مَعَ المؤمنين﴾ قيل: «ودَخَلَتِ الفاءُ في الخبرِ لشبهِ المبتدأ باسم الشرط قال أبو البقاء ومكي وغيرُهما:» مع المؤمنين «خبرُ» أولئك «والجملةُ خبر» إلا الذين «والتقدير: فأولئك مؤمنون مع المؤمنين، وهذا التقديرُ لا تقتضيه الصناعة، بل الذي تقتضيه الصناعة أن يُقَدَّر الخبرُ الذي يتعلق به هذا الظرف شيئاً يليق به، وهو» فأولئك مصاحبون أو كائنون أو مستقرون «ونحوه، فتقدِّرُه كوناً مطلقاً أو مايقاربه. قوله: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ الله﴾ رُسِمت» يؤت «دون» ياء «وهو مضارعٌ مرفوع فحقُّ يائه أن تثبت لفظاً وخطاً، إلا أنها حذفت لفظاً في الوصل لالتقاء الساكنين فجاءُ الرسم تابعاً للفظ، وله نظائر تقدم بعضها. والقراءُ يقفون عليه دون ياء أتِّباعاً للخط الكريم، إلا يعقوبَ فإنه يقف بالياء نظراً إلى الأصل، ورُوي ذلك أيضاً عن الكسائي وحمزة. وقال أبو عمرو:» ينبغي أن لا يُوقَفَ

стр. 2546

عليها، لأنه إنْ وُقف عليها كما في الرسم دون ياء خالف النحويين، وإن وقف بالياء خالف رسم المصحف «ولا بأسَ بما قال، لأن الوقف ليس ضرورياً، فإن اضْطُرَّ إليه واقفٌ لقَطْعِ نَفَس ونحوه فنيبغي أن يُتابَع الرسمُ، لأنَّ الأطرافَ قد كَثُر حَذْفُها، ومِمَّا يشبه هذا الموضعَ قولهُ: ﴿وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ﴾ [غافر: ٩] فإنه رسم» تَقِ «بقافٍ دون هاءِ سكت، وعند النحويين أنه إذا حُذِف من الفعل شيءٌ حتى لم يبق منه إلا حرفٌ واحد ووُقِف عليه وَجَبَ الإِتيانُ بهاء السكت في آخره جبراً له نحو:» قِهْ «و» لم يقه «و» عِه «و» لم يَعِه «، ولا يُعْتَدُّ بحرف المضارعة لزيادتِه على بنية الكلمة فإذا تقرر هذا فنقول: ينبغي ألاَّ يوقف عليه؛ لأنه إنْ وُقِف بغير هاءِ سكت خالف الصناعة النحوية، وإنْ وُقِفَ بهاء خالف رسمَ المصحفَ.

стр. 2547

قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ﴾ : في «ما» وجهان، أحدهما: أنها استفهامية فتكون في محل نصب ب «يفعل» وإنما قُدِّم لكونه له صدر الكلام. والباءُ على هذا سببيةٌ متعلقةٌ ب «يفعل» ، والاستفهام هنا معناه النفي، والمعنى: أنّ الله لا يفعل بعذابكم شيئاً؛ لأنه لا يجلب لنفسِه بعذابِكم نفعاً ولا يدفع عنها به ضراً، فأيُّ حاجة له في عذابكم؟ والثاني: أن «ما» نافية كأنه قيل: لا يعذبكم الله، وعلى هذا فالباء زائدة ولا تتعلق بشيء. وعندي أن هذين الوجهين في المعنى شيءٌ واحدٌ، فينبغي أن تكون سببية في الموضعين أو زائدة فيهما، لأن الاستفهام بمعنى النفي فلا فرق، والمصدر هنا مضاف لمفعوله وقوله: ﴿إِن شَكَرْتُمْ﴾ جوابه محذوف لدلالةِ ما قبله عليه أي: إنْ شكرتم وآمنتم فما يفعلُ بعذابكم؟

стр. 2548

قوله تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسواء﴾ : «بالسوء» متعلق بالجهر، وهو مصدر معرف ب «أل» استدل به الفارسي على جوازِ

стр. 2549

إعمالِ المصدر المعرف بأل. قيل: ولا دليلَ فيه لأنَّ الظرف والجار يعمل فيهما روائح الأفعال. وفاعلُ هذا المصدرِ محذوفٌ أي: الجهر أحد، وقد تقدم أن الفاعل يَطَّرد حَذْفُه في صورٍ منها المصدر، ويجوز أن يكون الجهرُ مأخوذاً من فِعْل مبني للمفعول على خلاف في ذلك، فيكون الجار بعده في محل رفع لقيامه مقام الفاعل، لأنك لو قلت: لا يحب الله أن يُجهر بالسوء، كان «بالسوء» قائماً مقامَ الفاعل ولا تعلُّقَ له حينئذٍ به. و «من القول» حال من «السوء» . قوله: ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: أنه متصل والثاني: أنه منقطع، وإذا قيل بأنه متصل فقيل: هو مستثنى من «أحد» المقدرِ الذي هو فاعلٌ للمصدر، فيجوز أن تكون «مَن» في محلِّ نصبٍ على أصل الاسثناء أو رفعٍ على البدل من «أحد» وهو المختار، ولو صُرِّح به لقيل: لا يحبُّ الله أن يَجْهَر أحدٌ بالسوء إلا المظلومُ، أو المظلومَ رفعاً ونصباً، ذكر ذلك مكي وأبو البقاء وغيرُهما. قال الشيخ: «وهذا مذهب الفراء، أجاز في» ما قام إلا زيدٌ «أن يكون» زيد «بدلاً من» أحد «وأمَّا على مذهب الجمهور فإنه يكون من المستثنى الذي فُرِّغ له العامل فيكون مرفوعاً على الفاعلية بالمصدر، وحَسَّنَ ذلك كونُ الجهر في حَيِّز النفي، كأنه قيل: لا يَجْهَرُ بالسوء من القول إلا المظلومُ» انتهى. والفرقُ ظاهر بين مذهب الفراء وبين هذه الآية، فإن النحويين إنما لم يَرَوا بمذهب الفراء قالوا: لأن المحذوف صار نَسْياً منسياً، وأما فاعل المصدر هنا فإنه كالمنطوقِ به ليس منسياً فلا يلزمُ من تجويزهم الاستثناء من هذا الفاعلِ المقدر أن يكونوا تابعين لمذهب الفراء لِما ظهر من الفرق. وقيل: هو مستثنى مفرغ، فتكون «

стр. 2550

مَنْ» في محل رفع بالفاعلية كما تقدَّم تقريرُه في كلام الشيخ، والتفريغُ لا يكون إلا في / نفي أو شهبه، ولكنْ لَمَّا وقع الجهر متعلقاً للحبِّ الواقعِ في حَيِّز النفي ساغ ذلك. وقيل: هو مستثنى من الجَهْر على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: إلا جَهْرَ مَنْ ظُلِم، فهذه ثلاثة أوجه على تقديرِ كونه متصلاً، تحصَّل منها في محل «مَنْ» أربعةُ أوجه: الرفع من وجهين وهما البدل من «أحد» المقدر، أو الفاعلية على كونه مفرغاً، والنصبُ على أصلِ الاستثناء من «أحد» المقدَّر أو من الجهر على حَذْفِ مضاف. والثاني: أنه استثناءٌ منقطعٌ، تقديرُه: لكنْ مَنْ ظُلِم له أن ينتصف من ظالمه بما يوازي ظلامتَه فتكون «مَنْ» في محل نصب فقط على الاستثناء المنقطع. والجمهورُ على «إلاَّ مَنْ ظُلِمَ» مبنياً للمفعول، وقرأ جماعة كثيرة منهم ابن عباس وابن عمر وابن جبير والحسن: «ظَلَم» مبنياً للفاعل، وهو استثناء منقطع، فهو في محل نصب على أصل الاستثناء المنقطع، واختلفت عبارات العلماء في تقدير هذا الاستثناء، وحاصل ذلك يرجع إلى أحد تقديرات ثلاثة: إمَّا أن يكون راجعاً إلى الجملة الأولى كأنه قيل: لا يحب اللَّهُ الجهرَ بالسوء، لكنَّ الظالمَ يحبه فهو يفعله، وإما أَنْ يكونَ راجعاً إلى فاعل الجهر أي: لا يحبُّ اللَّهُ أن يَجْهَر أحدٌ بالسوء، لكن الظالم يَجْهر به، وإمَّا أن يكون راجعاً إلى متعلق الجهر وهو «مَنْ يُجاهَرُ ويُواجَه بالسوء» أي: لا يحب الله أن يُجْهَر بالسوء لأحد لكن الظالم يُجْهَرُ له به، أي: يُذكر ما فيه من المساوئ في وجهه، لعله أن يَرْتدع. وكونُ هذا المستثنى في هذه القراءة منصوبَ المحل على الانقطاع هو الصحيح، وأجاز ابن عطية والزمخشري أن

стр. 2551

يكونَ في محلِّ رفع على البدلية، ولكن اختلف مدركُهما فقال ابن عطية: «وإعراب» مَنْ «يحتمل في بعض هذه التأويلات النصبَ، ويحتمل الرفع على البدل من» أحد «المقدر» يعني احداً المقدرَ في المصدر كما تقدَّم تحقيقُه. وقال الزمخشري: و «يجوز أن يكون» مَنْ «مرفوعاً كأنه قيل: لا يحبُّ اللَّهُ الجهرَ بالسوء إلا الظالمُ، على لغةِ مَنْ يقول:» ما جاءني زيدٌ إلا عمروٌ «بمعنى: ما جاءني إلا عمرو، ومنه ﴿لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله﴾ [النمل: ٦٥] . ورد الشيخ عليهما فقال:» وما ذكره - يعني ابن عطية - من جواز الرفع على البدل لا يَصِحُّ، وذلك أن المنقطع قسمان: قسمٌ يتوجه إليه العامل نحو: «ما فيها أحدٌ إلاِ حمار» فهذا فيه لغتان: لغة الحجاز وجوب النصب، ولغةُ تميم جوازُ البدل، وإن لم يتوجه عليه العامل وجب نصبُه عند الجميع نحو: «المالُ ما زاد إلا النقصَ» أي: لكن حصل له النقص، ولا يجوز فيه البدل، لأنك لو وجهت إليه العامل لم يصح «قال:» والآية من هذا القسمِ، لأنك لو قلت: «لا يحبُّ اللَّهُ أَنْ يَجْهَرَ بالسوءِ إلا الظالمُ» فتسلِّطُ «يجهر» على «الظالم» لم يصح وقال: «وهذا الذي جَوَّزه - يعني الزمخشري- لا يجوز لأنه لا يمكن أن يكون الفاعلُ لغواً ولا يمكن أن يكونَ الظالمُ بدلاً من» الله «ولا» عمرو «بدلاً من» زيد «لأنَّ البدلَ في هذا الباِبِ يَرْجِع إلى بدل بعض من كل حقيقة نحو:» ما قام القومُ إلا زيدٌ «أو مجازاً نحو:» ما فيها أحدٌ إلا حمارٌ، والآيةٌ لا يجوز فهيا البدلُ حقيقةً ولا مجازاً، وكذا المثالُ المذكور، لأن الله تعالى عَلَمٌ وكذا زيدٌ فلا عمومَ فيهما ليُتَوَهَّمَ دخولُ شيءٍ فيهما فيُسْتثنى، وأمَّا ما يجوزُ فيه البدلُ من الاسثناء المنقطع فلأنَّ ما قبله عامٌّ يُتَوَهَّم دخولُه فيه فيُبْدل ما قبله مجازاً، وأمَّا قولُه على

стр. 2552

لغةِ مَنْ يقول: «ما جاءني زيد إلا عمروٌ» فلا نعلمُ هذه لغةً إلا في كتاب سيبويه بعد أَنْ أنشد أبياتاً في الاستثناء المنقطع آخرُها. ١٦٧ - ٢- عَشِيَّةَ ما تُغْني الرماحُ مكانَها ... ولا النبلُ إلا المشرفيُّ المُصَمَّمُ ما نصُّه: «وهذا يقوِّي:» ما أتاني زيدٌ إلاَّ عمروٌ، وما أعانَه إخوانُكم إلا إخوانُه «لأنها معارفُ ليست الأسماء الآخرة بها ولا بعضَها» ولم يصرِّح ولا لَوَّح أن «ما أتاني زيدٌ إلا عمرو» من كلام العرب، قال مَنْ شَرَح كلام سيبويه: «فهذا يُقَوِّي» ما أتاني زيدٌ إلا عمرو «أي: ينبغي أن يَثْبُتَ هذا من كلام العرب لأن النبلَ معرفةٌ ليس بالمشرفي، كما أن زيداً ليس بعمرو، كما ان إخوة زيد ليسوا إخوتك. قال الشيخ:» وليس ما أتاني زيدٌ إلا عمرو «نظيرَ البيت؛ لأنّه قد يُتَخَيَّل عمومٌ في البيت إذ المعنى: لا يُغْني السلاح، وأمَّا» زيد «فلا يُتَوهم فيه عموم على أنه لو ورد من كلامهم:» ما أتاني زيدٌ إلا عمرو «لأمكن أن يَصِح على» ما أتاني زيد ولا غيره إلا عمروٌ «فحُذِف المعطوفُ لدلالة الاستثناء عليه، أمَّا أن يكونَ على إلغاء الفاعل أو على كون» عمرو «بدلاً من» زيد «فإنه لا يجوز، وأمَّا الآية فليست مِمَّا ذَكَر، لأنه يحتمل أن تكونَ» مَنْ «مفعولاً بها، و» الغَيبَ «بدلٌ منها بدلُ اشتمال، والتقديرُ: لايعلم غيبَ مَنْ في السماواتِ والأرضِ إلا اللَّهُ أي: سِرَّهم وعلانيتهم لاَ يَعْلَمها إلا الله، ولو سُلِّم أنَّ» مَنْ «مرفوعةٌ المحل فيتخيل فيها عمومٌ فيُبدل منها» الله «مجازاً كأنه قيل: لا يَعْلَمُ الموجودون الغيبَ إلا اللَّهُ، أو يكونُ على سبيلِ المجازِ في الظرفية بالنسبة إلى الله تعالى، إذ جاء ذلك عنه في القرآنِ والسنة

стр. 2553

نحو: ﴿وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض﴾ [الأنعام: ٣] ﴿وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله﴾ [الزخرف: ٨٤] ، قال:» أين الله «قالت:» في السماء «ومِنْ كلامِ العرب:» لاوذو في السماءِ بيتُه «يعنون اللَّهَ، وإذا احتملت الآيةُ هذه الوجوه لم يتعين حملُها على ما ذكره» انتهى ما رَدَّ به عليهما. أمَّا ردُّه على ابن عطية فواضحٌ، وأمَّا ردُّه على الزمخشري / ففي بعضه نظر، أما قوله «لا نعلمها لغةً إلى في كتاب سيبويه» فكفى به دليلا على صحة استعمالِ مثله، ولذلك شرح الشراح لكتاب سيبويه هذا الكلامَ بأنه قياسُ كلام العرب لِما أَنْشد من الأبيات. وأمَّا تأويلُه «ما أتاني زيدٌ إلا عمروٌ» ب «ما أتاني زيد ولا غيرُه» فلا يتعيَّن ما قاله، وتصحيحُ الاستثناء فيه أنَّ قولَ القائل «ما أتاني زيد» قد يُوهم أن عمراً أيضاً لم يَجِئه فنفى هذا الوهمَ، وهذا القَدْر كافٍ في الاستثناء المنقطع، ولو كان تأويل «ما أتاني زيد إلا عمروٌ» على ما قال لم يكن استثناءً منقطعاً بل متصلاً، وقد اتفق النحويون على ان ذلك من المنقطع، وأمّا تأويلُ الآية بما ذكره فالتجوُّزُ في ذلك أمرٌ خطرٌ، فلا ينبغي أن يُقْدَمَ على مِثْله.

стр. 2554

قوله تعالى: ﴿أَوْ تُخْفُوهْ﴾ : الظاهرُ أنَّ الضميرَ المنصوبَ في «تُخْفوه» عائد على «خيراً» والمرادُ به أعمالُ البر كلها. وأجاز بعضُهم أن يعودَ على «السوء» أي: أو تُخْفوا السوء، وهو بعيدٌ.

стр. 2555

قوله تعالى: ﴿بَيْنَ ذلك﴾ : أُشير ب «ذلك» وهو للمفرد، والمراد به البينية أي: بين الكفر والإِيمان، وقد تقدَّم نظيرُه في البقرة و «بين يجوز أن

стр. 2556

يكونَ منصوباً ب» يتخذ «وأن يكونَ منصوباً بمحذوف إذ هو حال من» سبيلاً «.

стр. 2557

قوله تعالى: ﴿حَقّاً﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُهما: أنه مصدرٌ مؤكدٌ لمضمون الجملة قبله فيجب إضمارُ عامِله وتأخيره عن الجملة المؤكِّد لها، والتقدير: أَحُقُّ ذلك حقاً، وهكذا كلُّ مصدر مؤكد لغيره أو لنفسه والثاني: أنه حالٌ من قوله: ﴿هُمُ الكافرون﴾ قال أبو البقاء: أي: «كافرون غير شك» وهذا يشبه أن يكونَ تفسيراً للمصدر المؤكد. وقد طَعَن الواحدي على هذا التوجيه فقال: «الكفرُ لا يكون حقا» بوجه من الوجوه «. والجوابُ: أنَّ الحق هنا ليس يُراد به ما يقابل الباطل، بل المرادُ به أنه ثابتٌ لا محالةَ وأنَّ كفرهم مقطوع به. الثالث: أنه نعت لمصدر محذوف أي: الكافرون كفراً حقاً، وهو أيضاً مصدر مؤكد، ولكن الفرق بينه وبين الوجه الأول أنَّ هذا عاملُه مذكورٌ، وهو اسمُ الفاعل وذاك عاملُه محذوفٌ كما تقدم.

стр. 2558

قوله تعالى: ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾ : قد تقدَّم الكلامُ على دخول «بين» على ﴿أَحَدٍ﴾ [الآية: ١٣٦] في البقرة فَأَغنى عن إعادته. وقرأ الجمهور: «سوف نُؤتيهم» بنونِ العظمة على الالتفاف ولموافقة قوله: «وأَعْتدنا» وقرأ حفص عن عاصم بالياء، أعاد الضمير على اسم الله تعالى في قوله: ﴿والذين آمَنُواْ بالله﴾ وقولُ بعضهم: قراءة النون أولَى لأنها أفخم، ولمقابلة «وأعتدنا» ليس بجيد لتواتر القراءتين.

стр. 2559

قوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ﴾ : في هذه الفاءِ قولان، أحدهما: أنها عاطفةٌ على جملة محذوفة، قال ابن عطية: «تقديره: فلا تبال يا محمد بسؤالِهم وتشطيطهِم فإنها عادتُهم، فقد سألوا موسى أكبرَ من ذلك. والثاني: أنها جوابُ شرطٍ مقدر، قال الزمخشري أي: إنْ استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا» و «أكبَرَ» صفةٌ لمحذوف أي: سؤالاً أكبر من ذلك. والجمهور: «أكبرَ» بالباء الموحدة، وقراءة الحسن «أكثر» بالثاء المثلثة. وقوله: ﴿فقالوا أَرِنَا﴾ هذه الجملةُ مفسرةٌ لكبر السؤال وعظمته. و ﴿جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] تقدَّم الكلام عليها، إلا أنه هنا يجوز أن تكون «جهرةً» من صفةِ القول أو السؤالِ أو مِنْ صفة السائلين أي: فقالوا مجاهرين أو: سألوا مجاهرين، فتكون في محلِّ نصبٍ على الحال أو على المصدر. وقرأ الجمهور «الصاعقةُ» وقرأ النخعي: «الصَّعْقةُ» وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة «وبظلمِهم» الباءُ فيه سببيةٌ، وتتعلق بالأخذ.

стр. 2560

قوله تعالى: ﴿فَوْقَهُمُ﴾ : فيه وجهان، الظاهرُ منهما أنه متعلق ب «رَفَعْنا» وأجاز أبو البقاء وجهاً ثانياً وهو أن يكونَ متعلقاً بمحذوفٍ لأنه حالٌ من الطور. و «بميثاقهم» متعلقٌ أيضاً بالرفع، والباءُ للسببية، قالوا: وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه: بنقض ميثاقهم وقال الزمخشري: «بميثاقِهم» بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه «وظاهر هذه العبارة أنه لايُحتاج
следующие страницы →