Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
يكونَ منصوباً ب» يتخذ «وأن يكونَ منصوباً بمحذوف إذ هو حال من» سبيلاً «.
стр. 2557
قوله تعالى: ﴿حَقّاً﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُهما: أنه مصدرٌ مؤكدٌ لمضمون الجملة قبله فيجب إضمارُ عامِله وتأخيره عن الجملة المؤكِّد لها، والتقدير: أَحُقُّ ذلك حقاً، وهكذا كلُّ مصدر مؤكد لغيره أو لنفسه والثاني: أنه حالٌ من قوله: ﴿هُمُ الكافرون﴾ قال أبو البقاء: أي: «كافرون غير شك» وهذا يشبه أن يكونَ تفسيراً للمصدر المؤكد. وقد طَعَن الواحدي على هذا التوجيه فقال: «الكفرُ لا يكون حقا» بوجه من الوجوه «. والجوابُ: أنَّ الحق هنا ليس يُراد به ما يقابل الباطل، بل المرادُ به أنه ثابتٌ لا محالةَ وأنَّ كفرهم مقطوع به. الثالث: أنه نعت لمصدر محذوف أي: الكافرون كفراً حقاً، وهو أيضاً مصدر مؤكد، ولكن الفرق بينه وبين الوجه الأول أنَّ هذا عاملُه مذكورٌ، وهو اسمُ الفاعل وذاك عاملُه محذوفٌ كما تقدم.
стр. 2558
قوله تعالى: ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾ : قد تقدَّم الكلامُ على دخول «بين» على ﴿أَحَدٍ﴾ [الآية: ١٣٦] في البقرة فَأَغنى عن إعادته. وقرأ الجمهور: «سوف نُؤتيهم» بنونِ العظمة على الالتفاف ولموافقة قوله: «وأَعْتدنا» وقرأ حفص عن عاصم بالياء، أعاد الضمير على اسم الله تعالى في قوله: ﴿والذين آمَنُواْ بالله﴾ وقولُ بعضهم: قراءة النون أولَى لأنها أفخم، ولمقابلة «وأعتدنا» ليس بجيد لتواتر القراءتين.
стр. 2559
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ﴾ : في هذه الفاءِ قولان، أحدهما: أنها عاطفةٌ على جملة محذوفة، قال ابن عطية: «تقديره: فلا تبال يا محمد بسؤالِهم وتشطيطهِم فإنها عادتُهم، فقد سألوا موسى أكبرَ من ذلك.
والثاني: أنها جوابُ شرطٍ مقدر، قال الزمخشري أي: إنْ استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا» و «أكبَرَ» صفةٌ لمحذوف أي: سؤالاً أكبر من ذلك. والجمهور: «أكبرَ» بالباء الموحدة، وقراءة الحسن «أكثر» بالثاء المثلثة. وقوله: ﴿فقالوا أَرِنَا﴾ هذه الجملةُ مفسرةٌ لكبر السؤال وعظمته. و ﴿جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] تقدَّم الكلام عليها، إلا أنه هنا يجوز أن تكون «جهرةً» من صفةِ القول أو السؤالِ أو مِنْ صفة السائلين أي: فقالوا مجاهرين أو: سألوا مجاهرين، فتكون في محلِّ نصبٍ على الحال أو على المصدر. وقرأ الجمهور «الصاعقةُ» وقرأ النخعي: «الصَّعْقةُ» وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة «وبظلمِهم» الباءُ فيه سببيةٌ، وتتعلق بالأخذ.
стр. 2560
قوله تعالى: ﴿فَوْقَهُمُ﴾ : فيه وجهان، الظاهرُ منهما أنه متعلق ب «رَفَعْنا» وأجاز أبو البقاء وجهاً ثانياً وهو أن يكونَ متعلقاً بمحذوفٍ لأنه حالٌ من الطور. و «بميثاقهم» متعلقٌ أيضاً بالرفع، والباءُ للسببية، قالوا: وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه: بنقض ميثاقهم وقال الزمخشري: «بميثاقِهم» بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه «وظاهر هذه العبارة أنه لايُحتاج
стр. 2561
إلى حذف مضاف، بل أقول: لا يجوز تقدير هذا المضاف لأنه يقتضي أنهم نقضوا الميثاق فرفَع اللَّهُ الطورَ عليم عقوبةً على فِعْلهم النقضَ، والقصةُ تقتضي أنَّهم هَمُّوا بنقضِ الميثاق، فرفعَ اللَّهُ عليهم الطور، فخَافوا فلم يَنْقُضوه، وإن كانوا قد نَقَضوه بعد ذلك. وقد صَرَّح أبو البقاء بأنهم نقضوا الميثاق، وأنه تعالى رفع الطور عقوبةً لهم فقال:» تقديرُه: بنقض ميثاقهم، والمعنى: ورَفَعْنا فوقَهم الطور تخويفاً، لهم بسببِ نقضهم الميثاقَ «وفيه ذلك النظرُ المتقدم، ولقائل أن يقول: لَمَّا هَمُّوا بنقضه وقاربوه صح أن يقال: رَفَعْنا الطور فوقهم لنقضهم الميثاق أي: لمقاربتم نقضَه، لأنَّ ما قارب الشيء أُعْطِي حكمَه، فتصِحُّ عبارةُ مَنْ قدَّر مضافاً كأبي البقاء وغيره. والميثاق مصدر مضاف لمفعوله. و» سُجَّداً «حالٌ من فاعل» ادخلوا «.
قوله: ﴿لاَ تَعْدُواْ﴾ قرأ الجمهور» تَعْدُوا «بسكون العين وتخفيفِ الدال مِنْ عَدا يعدو، كغزا يغزو، والأصل:» تَعْدُوُوا «بواوين: الأولى لام الكلمة والثانية ضمير الفاعلين، فاستثقلت الضمة على لام الكلمة فَحُذِفَتْ، فالتقى بِحَذْفِها ساكنان، فحُذِفَ الأول وهو الواو الأولى، وبقيت واو الفاعلين، فوزنه: تَفْعَوا. وقرأ نافع بفتح العين وتشديد الدال، إلا أن الرواة اختلفوا عن قالون عن نافع: فرووا عنه تارة بسكون العين سكوناً محضاً، وتارة إخفاء فتحة العين. فأما قراءة نافع فاصلها: تَعْتَدوا، ويدل على ذلك إجماعهم / على: ﴿اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت﴾ [البقرة: ٦٥] كونِه من الاعتداء وهو افتعالٌ من العدوان، فأُريد إدغامُ تاء الافتعال في الدال فنُقِلَتْ حركتُها إلى العين وقُلبت دالاً وأدغمت. وهذه قراءةٌ واضحة. وأما ما يُروى عن قالون من السكون المحض فشيءٌ لا يراه النحويون لأنه جَمْعٌ بين ساكنين على غيرِ حَدِّهما. وأمَّا الاختلاسُ.
стр. 2562
فهو قريب للإِتيان بحركة ما، وإن كانت خفيَّةً، إلا أنَّ الفتحةَ ضعيفةٌ في نفسِها فلا ينبغي أن تُخْفى لِتُزادَ ضعفاً، ولذلك لم يُجزِ القراء رَوْمَها وقفاً لضعفِها. وقرأ الأعمش:» تَعْتَدُوا «بالأصل الذي أدغَمُه نافع.
стр. 2563
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ﴾ : في «ما» هذه وجهان، أحدهما: أنها زائدةٌ بين الجار ومجروره تأكيداً، والثاني: أنها نكرة تامة، و «نقضِهم» بدلٌ منه، وهذا كما تقدَّم في ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله﴾ [آل عمران: ١٥٩] . و «نقض» مصدرٌ مضاف لفاعله، و «ميثاقهم» مفعوله، وفي متعلَّق الباءِ الجارةِ ل «ما» هذه وجهان، أحدهما: أنه «حَرَّمنا» المتأخر في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا﴾ [النساء: ١٦٠] وعلى هذا فيقال: «فبظلمٍ» متعلق ب «حَرَّمنا» أيضاً فيلزم أن يتعلق حرفا جر متحدان لفظاً ومعنى بعامل واحد، وذلك لا يجوز إلا مع العطف أو البدل. وأجابوا عنه بأن قولَه «فبظلمٍٍ» بدل من قوله «فبما» بإعادة العامل. فيقال: لو كان بدلاً لما دخلت عليه فاء العطف؛ لأن البدل تابع بنفسِه من غير توسُّط حرف عطف. وأُجيب عنه بأنه لَمَّا طال الكلام بين البدل والمبدل منه أعادَ الفاء للطول، ذكر ذلك ابو البقاء والزجاج والزمخشري وأبو بكر وغيرهم.
وقد رَدَّه الشيخ بما معناه أن ذلك لايجوز لطول الفصل بين المبدل والبدل، وبأنَّ المعطوفَ على السبب سببٌ فيلزمُ تأخُّرُ بعض أجزاء السبب الذي
стр. 2564
للتحريم في الوقت عن وقت التحريم، فلا يمكن أن يكون سبباً أو جزءَ سببٍ إلا بتأويل بعيد، [وذلك أن قولهم: «إنَّا قتلنا المسيحَ» وقولهم على مريم] البهتانَ إنما كان بعد تحريم الطيبات. قال: «فالأَوْلى أن يكونَ التقدير: لعنَّاهم. وقد جاء مصرَّحاً به في قولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ﴾ .
والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف، فقَّدره ابنُ عطية لعنَّاهم وأَذْلَلْناهم وختمنا على قلوبهم. قال:» وحَذْفُ جوابِ مثلِ هذا الكلام بليغٌ «وتسميةُ مثل هذا» جواب «غيرُ معروف لغةً وصناعة. وقَدَّره أبو البقاء:» فبما نقضهم ميثاقهم طُبع على قلوبهم، أو لُعِنوا. وقيل: تقديرُه: فبما نقضِهم لا يؤمنون، والفاء زائدةٌ «انتهى. [وهذا الذي أجازه أبو البقاء تعرض له الزمخشري وردَّه فقال:» فإنْ قالت: فهلاَّ زَعَمْتَ أنًَّ المحذوف الذي تعلَّقَتْ به الباء] ما دل عليه قولُه «بل طَبَع اللَّهُ، فيكون التقديرُ: فبما نقضِهم طَبَع اللَّهُ على قلوبهم، بل طَبَع الله عليها بكفرهم ردُّ وإنكارٌ لقولهم:» قلوبُنا «غُلْفٌ» فكانَ متعلقاً به «قال الشيخ:» وهو جوابٌ حسنٌ، ويمتنع من وجهٍ آخرَ وهو أنَّ العطفَ ب «بل» للإِضرابِ، والإِضرابُ إبطالٌ أو انتقالٌ، وفي كتابِ الله في الإِخبار لا يكون إلا للانتقال، ويُسْتفاد من الجملةِ الثانية ما لايُسْتفاد من الأولى، والذي قَدَّره الزمخشري لا يَسُوغ فيه الذي قررناه، لأنَّ قولَه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ الله وَقَتْلِهِمُ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله﴾ هو مدلولُ الجملة
стр. 2565
التي صَحِبتها «بل» فأفادَتِ الثانية ما أفادت الأولى، ولو قلت: «مَرَّ زيد بعمرو، بل مَرَّ زيد بعمرو» لم يَجُزْ «وقَدَّره الزمخشري» فَعَلْنا بهم ما فعلنا «.
قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ﴾ هذا إضرابٌ عن الكلام المتقدم أي: ليس الأمرُ كما قالوا مِنْ قولهم: «قلوبُنا غلف» وأظهرَ القرَّاءُ لامَ بل في «طبع» إلا الكسائي فأدغم من غير خلاف، وعن حمزة خلاف. والباء في بكفرهم «يُحتمل أن تكون للسببية، وأن تكون للآلة كالباء في» طبعت «بالطين على الكيس» يعني أنه جعل الكفر كالشيء المطبوع به أي مُغَطِّياً عليها، فيكونُ كالطابع. وقوله: «إلا قليلاً» يحتمل النصبَ على نعت مصدر محذوف أي: إلا إيماناً قليلاً: ويحتمل كونَه نعتاً لزمان محذوف أي: زماناً قليلاً، ولا يجوزُ أن يكونَ منصوباً على الاستثناءِ من فاعل «يؤمنون» أي: قليلاً منهم فإنهم يؤمنون، لأنَّ الضمير في «لا يؤمنون» عائدٌ على المطبوع على قلوبهم، ومن طَبَع على قلبه بالكفر فلا يقع منه الإِيمان.
стр. 2566
قوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنه معطوف على «ما» في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ فيكونُ متعلقاً بما تعلق به الأول. الثاني: أنه عطفٌ على «بكفرهم» الذي بعد «طبع» وقد أوضح الزمخشري ذلك غايةَ الإِيضاح، واعترض وأجابَ بأحسنِ جواب، فقال: «فإنْ قلت: علامَ عَطَفَ قولَه» وبكفرهم «؟ قلت: الوجهُ أن يُعْطَفَ على» فبما نقضِهم «ويُجْعَلَ قولُه:» ﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ كلاماً يَتْبع قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ على وجهِ الاستطراد، ويجوز عطفُه على ما يله من قوله «بكفرِهم» فإنْ قلت: فما معنى المجيءِ بالكفر معطوفاً على ما فيه ذِكْرُه؟ سواءً عطف على ما قبل الإِضراب، أو على ما بعده، وهو قوله: ﴿وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ
стр. 2567
الله﴾ وقوله «بكفرهم» قلت: قد تكرر منهم الكفر؛ لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمدٍ، فعطف بعضَ كفرِهم على بعض، أو عَطَف مجموعَ المطعوفِ على مجموعِ المعطوف عليه، كأنه قيل: فبجمعهم بين نقضِ الميثاقِ، والكفر بآيات الله، وقتلِ الأنبياء، وقولِهم: قلوبنا غلف، وجمعِهم بين كفرهم وبُهْتِهِم مريمَ وافتخارِهم بقتل عيسى عاقبناهم، أو بل طبع الله عليها بكفرِهم وجمعِهم بين كفرهم كذا وكذا «.
قوله: ﴿بُهْتَاناً﴾ في نصبِه خمسةُ أوجه، أظهرُها: أنه مفعول به، فإنه مُضَمَّنٌ معنى» كلام «نحو: قلت خطبة وشعراً. الثاني: أنه منصوبٌ على نوع المصدر كقولهم:» قَعَد القرفصاء «يعني أن القول يكون بُهتاناً وغيرَ بهتان. الثالث: أن ينتصبَ نعتاً لمصدر محذوف أي: قولاً بُهتاناً، وهو قريبُ من معنى الأول الرابع: أنه منصوبٌ بفعل مقدرٍ من لفظه أي: بَهَتوا بُهْتاناً. الخامس: أنه حال من الضمير المجرور في قولهم أي: مباهتين، وجازَ مجيء الحال من المضاف إليه لأنه فاعل معنًى، والتقدير: وبأن قالوا ذلك مباهتين.
стр. 2568
وقوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾ : عطفٌ على «وكفرهم» و «عيسى» بدلٌ من «المسيح» أو عطفُ بيان، وكذلك «ابن مريم» ويجوز أن يكونَ صفةً أيضاً، وأجاز أبو البقاء في «رسول الله» هذه الأوجهَ الثلاثةَ، إلا أنَّ البدل بالمشتقات قليل. وقد يُقال: إنَّ «رسول الله» جرى مَجْرى الجوامد / وأجازفيه أن يَنْتصب بإضمارِ «أعني» ، ولا حاجةَ إليه. قوله «شُبِّه لهم» : «شُبِّه» مبني للمفعول وفيه وجهان، أحدهما: أنه مسند للجار بعده كقولك: «حِيل إليه، ولُبس عليه» . والثاني: أنه مسندٌ لضمير المقتول الذي دَلَّ عليه قولهم: «إنَّا قتلْنا» أي: ولكن شُبِّه لهم مَنْ قتلوه. فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يعودَ على المسيح؟ فالجواب أن المسيح مشبه به لا مشبه.
стр. 2569
[قوله] : «لفي شك منه» : «منه» في محلِّ جرٍ صفة ل «شك» يتعلَّقُ بمحذوف، ولا يجوز أن تتعلَّق فَضْله بنفس «شك» ؛ لأن الشك إنما يتعدَّى ب «في» لا ب «من» ، ولا يقال: إنَّ «مِنْ» بمعنى «في» فإن ذلك قولٌ مرجوح، ولا ضرورةَ لنا به هنا.
وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ يجوز في «علم» وجهان، أحدهما: أنه مرفوع بالفاعلية والعاملُ أحد الجارَّيْن: إمّا «لهم» وإما «به» ، وإذا جُعِل أحدُهما رافعاً له تعلَّق الآخر بما تعلَّق به الرفع من الاستقرارِ المقدر. و «مِنْ» زائدةٌ لوجودِ شرطَي الزيادةِ. والوجه الثاني: أَن يكونَ «من علم» مبتدأ زِيدت فيه «من» أيضاً، وفي الخبر احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ «لهم» فيكون «به» : إمَّا حالاً من الضمير المستكنّ في الخبر، والعاملُ فيها الاستقرارُ المقدر، وإمَّا حالاً من «عِلْم» وإنْ كان نكرةً لتقدُّمها عليه ولاعتمادِه على نفي. فإن قيل: يلزمُ تقدُّمُ حالِ المجرور بالحرف عليه وهو ضرورةٌ لا يجوزُ في سَعة الكلام. فالجوابُ أنَّا لا نُسَلِّم ذلك، بل نقل أبو البقاء وغيره أنَّ مذهب أكثر البصريين جوازُ ذلك، ولئِنْ سلَّمنا أنه لا يجوز إلا ضرورة لكن المجرور هنا مجرورٌ بحرف جر زائد، والزائد في حكم المُطَّرَح، وأمَّا أن يتعلَّق بمحذوفٍ على سبيل البيان أي: أعني به، ذكره أبو البقاء، ولا حاجةَ إليه، ولا يجوزُ أن يتعلقَ بنفس «علم» لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه. والاحتمال الثاني: أن يكون «به» هو الخبر، و «لهم» متعلق بالاستقرار كما تقدم، ويجوز أن تكون اللام مبيِّنة مخصصة كالتي في قوله:
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] . وهذه الجملةُ المنفية تحتمل ثلاثة أوجه: الجر على أنها صفةٌ ثانية ل «شك» أي:
стр. 2570
غيرِ معلوم. الثاني: النصب على الحالِ من «شك» وجازَ ذلك وإنْ كان نكرةً لتخصُّصِه بالوصف بقوله «منه» الثالث: الاستئناف، ذكره أبو البقاء، وهو بعيد.
قوله: ﴿إِلاَّ اتباع الظن﴾ في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: وهو الصحيح الذي لم يذكر الجمهورُ غيرَه أنه منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم، ولم يُقْرأ فيما علمت إلا بنصبِ «اتِّباع» على أصل الاستثناء المنقطع، وهي لغةُ الحجاز، ويجوزُ في تميم الإِبدالُ من «علم» لفظاً فيجرُّ، او على المضع فيُرفَعُ لأنه مرفوعُ المحل كما قَدَّمته لك، و «من» زائدة فيه. والثاني - قال ابن عطية-: أنه متصل قال: «إذ العلم والظن يضمهما جنسُ أنهما من معتقدات اليقين، يقول الظانُّ على طريق التجوُّز:» علمي في هذا الأمر كذا «إنما يريد ظني» انتهى. وهذا غيرُ موافَقِ عليه لأن الظنَّ ما ترجَّح فيه أحد الطرفين، واليقين ما جُزِم فيه بأحدهما، وعلى تقدير التسليم فاتباعُ الظن ليس من جنس العلم، بل هو غيره، فهو منقطع أيضاً أي: ولكنَّ اتباعَ الظن حاصلٌ لهم.
قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ الضمير في «قتلوه» فيه أقوال أظهرها أنه لعيسى، وعليه جمهور المفسرين. والثاني: - وبه قال ابن قتيبة والفراء - انه يعودُ على العلم أي: ما قتلوا العلم يقيناً، على حد قولهم: «قتلت العلم والرأي يقيناً» و «قتلته علماً» ووجه المجاز فيه أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء، فكأنه قيل: وما كان علمهم علماً أُحيط به، إنما كان عن ظن وتخمين. الثالث - وبه قال ابن عباس والسدي وطائفة كبيرة - أنه يعود
стр. 2571
للظن تقول: «قتلت هذا الأمر علماً ويقيناً» أي: تحققت، فكأنه قيل: وما صَحَّ ظنهم عندهم وما تحققوه يقيناً ولا قطعوا الظن باليقين.
قوله: ﴿يقيناً﴾ فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه نعت مصدر محذوف أي: قتلاً يقيناً. الثاني: أنه مصدر من معنى العامل قبله كما تقدم مجازه، لأنه في معناه أي: وما تيقنوه يقيناً. الثالث: أنه حال من فاعل «قتلوه» أيك وما قتلوه متيقنين لقتله. الرابع: أنه منصوب بفعل من لفظه حُذِف للدلالة عليه. أي: ما تيقَّنوه يقينا، ويكون مؤكداً لمضمون الجملة المنفية قبله. وقدّر أبو البقاء العامل على هذا الوجه مثبتاً فقال: «تقديره: تيقنوا ذلك يقنيا» وفيه نظر. الخامس - ويُنْقل عن ابي بكر بن الأنباري- أنه منصوبٌ بما بعد «بل» من قوله: ﴿رَّفَعَهُ الله﴾ وأن في الكلام تقديماً وتأخيراً أي: بل رفعه الله إليه يقيناً، وهذا قد نَصَّ الخليل فمَنْ دونه على منعِه، أي: إن «بل» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فينبغي ألا يَصِحَّ عنه، وقوله: ﴿بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ﴾ ردُّ لما ادَّعَوْه مِنْ قتله وصلبه. والضمير في «إليه» عائد على «الله» على حَذْفِ مضاف أي: إلى سمائِه ومحلِّ أمره ونهيه.
стр. 2572
قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ : «إنْ» هنا نافيةٌ بمعنى «ما» و «من أهل» يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه صفة لمبتدأ محذوف، والخبرُ الجملةُ القسمية المحذوفة وجوابها، والتقدير: وما أحد من أهل الكتاب إلا واللهِ ليؤمِنَنَّ به، فهو كقوله: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ [مَّعْلُومٌ] ﴾ [الصافات: ١٦٤] . أي: ما أحدٌ منا، وكقوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أي: ما أحد منكم إلا ورادُها، هذا هو الظاهر، والثاني: - وبه قال الزمخشري وأبو البقاء - أنه في
стр. 2573
محلِّ الخبر، قال الزمخشري: «وجملة» ليؤمِنَنَّ به «جملةٌ قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره: وإنْ من أهل / الكتابِ أحدٌ إلا ليؤمنن به، ونحوه: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] والمعنى: وما من اليهود أحدٌ إلا ليؤمن» قال الشيخ: «وهو غلطٌ فاحش، إذ زعم أن» ليؤمنن به «جملة قسيمة واقعةٌ صفةً لموصوف محذوف إلى آخره، وصفة» أحد «المحذوف إنما [هو] الجار والمجرور كما قَدَّرناه، وأمّا قوله:» ليؤمنن به «فليست صفةً لموصوف ولا هي جملة قسيمة، إنما هي جملة جواب القسم، والقسم محذوف، والقسمُ وجوابُه خبر للمبتدأ إذ لا ينتظم من» أحد «والمجرور إسناد لأنه لا يفيد، وإنما ينتظم الإِسناد بالجملة القسمية وجوابها، فذلك هو محطُّ الفائدة، وكذلك أيضاً الخبرُ هو» إلاَّ له مقام «، وكذلك» إلا واردها «إذ لا ينتظم مما قبل» إلا «تركيب إسنادي» وهذا - كما ترى - قد أساء العبارة في حق الزمخشري بما زعم أنه غلط وهو صحيح مستقيم، وليت شعري كيف لا ينتظم الإِسناد من «أحد» الموصوفِ بالجملة التي بعده ومن الجارِّ قبله؟ ونظيرُه أن تقول: «ما في الدار رجلٌ إلا صالحٌ» فكما أن «في الدار» خبر مقدم، و «رجل» مبتدأ مؤخر، و «إلا صالحٌ» صفته، وهو كلامٌ مفيد مستقيم، فكذلك هذا، غايةُ ما في الباب أنَّ «إلا» دَخَلَتْ على الصفة لتفيدَ الحصر. وأما ردُّه عليه حيث قال: جملةٌ قسمية، وإنما هي جوابُ القسم فلا يَحْتاج إلى الاعتذار عنه ويكفيه مثلُ هذه الاعتراضات.
واللام في «ليؤمِنَنَّ» جوابُ قسمٍ محذوف كما تقدَّم. وقال أبو البقاء: «ليؤمِنَنَّ جواب قسم محذوف، وقيل: أكَّد بها في غير القسم كما جاء في النفي والاستفهام» فقوله: «وقيل إلى آخره» إنما يستقيم ذلك إذا أعَدْنا
стр. 2574
الخلاف إلى نونِ التوكيد؛ لأنَّ نون التوكيد قد عُهِد التأكيدُ بها في الاستفهام باطَّراد، وفي النفي على خلاف فيه، وأما التأكيدُ بلام الابتداء في النفي والاستفهام فلم يُعْهَد البتة.
وقال أيضاً قبل ذلك: «وما مِنْ أهل الكتاب أحدٌ، وقيل: المحذوف» مَنْ «وقد مرَّ نظيره، إلا أنَّ تقديرَ» مَنْ «هنا بعيدٌ، لأن الاستثناء يكون بعد تمام الاسم، و» مَنْ «الموصولة والموصوفة غيرُ تمامة» يعني أنَّ بعضَهم جعل ذلك المحذوفَ لفظَ «مَنْ» فيقدِّر: وإنْ مِنْ أهل مَنْ إلا ليؤمِنَنَّ، فجعل موضع «أحد» لفظَ «مَنْ» وقوله: «وقد مر نظيره» يعني قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله﴾ [آل عمران: ١٩٩] ومعنى التنظير فيه أنه قد صَرَّح بلفظ «مَنْ» المقدَّرة ههنا.
وقرأ أُبَي: ﴿ليؤمِنُنَ به قبل موتهم﴾ بضم النون الأولى مراعاة لمعنى «أحد» المحذوف، وهو إن كان لفظه مفرداً فمعناه جمع. والضمير في «به» لعيسى. وقيل: لله تعالى، وقيل: لمحمد ﵇. وفي «موته» لعيسى. ويُروى في التفسير أنه حين ينزل إلى الأرض يؤمن به كلُّ أحد حتى تصيرَ الملةُ كلها إسلاميةً. وقيل: يعود على «أحد» المقدر، أي: لا يموتُ كتابي حتى يؤمن بعيسى، وينقل عن ابن عباس ذلك، فقال له عكرمة: «أفرأيت إنْ خَرَّ من بيت أو احترق أو أكله سَبُعٌ» قال: لا يموتُ حتى يُحَرِّكَ بها شفتيه أي: بالإِيمان بعيسى. وقرأ الفياض بن غزوان: «وإنَّ من أهل الكتاب» بتشديد «إنَّ» وهي قراءةٌ مردودةٌ لإِشكالها. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة﴾ العامل فيه «شيهداً» وفيه دليلٌ على جوازِ تقدُّم خبرِ «كان» عليها، لأنَّ تقديمَ المعمولِ يُؤْذِن
стр. 2575
بتقديمِ العامل. وأجاز أبو البقاء أن يكون منصوباً ب «يكون» وهذا على رَأْي مَنْ يجيز ل «كان» أن تعمل في الظرفِ وشبهِه. والضميرُ في «يكون» لعيسى، وقيل: لمحمد ﵇.
стр. 2576
قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ : هذا الجارُّ متعلق ب «حَرَّمنا» والباء سببية، وإنما قُدِّم على عامِله تنبيهاً على قبح سبب التحريمِ، وقد تقدَّم أنَّ قولَه: «فبظلمِ» بدلٌ من قولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ﴾ وتقدَّم الردُّ على قائله أيضاً فأغنى عن إعادته. و «من الذين» صفة ل «ظلم» أي: ظلمٍ صادرٍ من الذين هادُوا. وقيل: ثَمَّ صفةٌ للظلم محذوفةٌ للعمل بها أي: فبظلمٍ أيِّ ظلم، أو فبظلمٍ عظيمٍ كقوله:
١٦٧ - ٣- فلا وأبى الطيرِ المُرِبَّةِ بالضحى ... على خالدٍ لقد وقَعْتِ على لَحْمِ
أي: لحم عظيم.
قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هذه الجملةُ صفةٌ ل «طيبات» فمحلُّها نصبٌ، ومعنى وصفِها بذلك أي: بما كانت عليه مِنَ الحِلِّ، ويوضَّحه قراءة ابن عباس: ﴿كانت أُحِلَّتْ لهم﴾ قوله: «كثيراً» فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه مفعول به أي: بصدِّهم ناساً أو فريقاً أو جمعاً كثيراً. وقيل: نصبُه على المصدرية أي: صَدَّاً كثيراً. وقيل: على ظرفيه الزمان أي: زماناً كثيراً، والأول أولى، لأنَّ المصادرَ بعدها ناصبةٌ لمفاعيلها، فيجري البابُ على سَننٍ واحدٍ، وإنما أعيدت الباءُ في قوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ ولم تَعُدْ في قوله: «وأَخْذِهم» وما بعده لأنه قد فُصِل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولاً
стр. 2577
للمعطوف عليه، بل بالعامل فيه وهو «حَرَّمْنا» وما تعلق به، فلمَّا بَعُد المعطوف من المعطوف عليه بالفصلِ بما ليس معمولاً للمعطوف عليه أُعيدت الباءُ لذلك، وأمَّا ما بعده فلم يُفْصَل فيه إلا بما هو معمولٌ للمعطوفِ عليه وهو «الربا» .
стр. 2578
والجملةُ من قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ : في محلِّ نصب لأنها حاليةٌ، ونظير ذلك في إعادة الحرفِ وعدمِ إعادتِه ما تقدَّم في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] الآية. و «بالباطل» يجوز أن يتعلق ب «أَكْلِهم» على أنها سببيةٌ أو بمحذوفٍ على أنها حال من «هم» في «أكلهم» أي: ملتبسين بالباطل.
стр. 2579
قوله تعالى: ﴿لكن الراسخون﴾ : جيء هنا ب «لكن» لأنها بين نقيضين، وهما الكفارُ والمؤمنون. و «الراسخون» مبتدأ، وفي خبره احتمالان، أظهرُهما: أنه «يؤمنون» ، والثاني: أنه الجملة من قوله: «أولئك سنؤتيهم» و «في العلم» متعلقٌ ب «الراسخون» . و «منهم» متعلق بمحذوفٍ لأنه حالٌ من الضميرِ المستكنِّ في «الراسخون» . قوله: «المؤمنون» عطفٌ على «الراسخون» وفي خبره الوجهان المذكوران في خبر «الراسخون» ، ولكن إذا جَعَلْنا الخبرَ «أولئك سنُؤتيهم» فيكون / يؤمنون ما محلُّه؟ والذي يَظْهر أنه جملة اعتراض لأنَّ فيه تأكيداً وتسديداً للكلام، ويكون «يؤمنون» يعود على «الراسخون» و «المؤمنون» جميعاً، ويجوز أن تكون حالاً منهما، وحينئذ لا يُقال: إنها حال مؤكدة لتقدُّم عاملٍ مشاركٍ لها لفظاً؛ لأنَّ الإِيمانَ فيها مقيدٌ، والإِيمانُ الأولُ مطلقٌ، فصار فيها فائدةٌ لم تكن في عاملها، وقد يُقال: إنها مؤكدة بالنسبة لقوله: «يؤمنون» غيرُ مؤكدة بالنسبةِ لقولِه: «الراسخون» .
стр. 2580
قوله: والمقيمين «قراءةُ الجمهورِ بالياء، وقرأ جماعة كثيرة» والمقيمون «بالواو منهم ابن جبير وأبو عمرو بن العلاء في رواية يونس وهارون عنه، ومالك بن دينار وعصمة عن الأعمش، وعمرو بن عبيد، والجحدري وعيسى بن عمر وخلائق. فأما قراءة الياء فقد اضطربت فيها اقوال النحاة، وفيها ستةُ أقوال، أظهرهما: وعزاه مكي لسيبويه، وأبو البقاء للبصريين - أنه منصوبٌ على القطع، يعني المفيدَ للمدح كما في قطع النعوت، وهذا القطعُ مفيدٌ لبيان فضل الصلاة فَكَثُر الكلامُ في الوصفِ بأن جُعِل في جملة أخرى، وكذلك القطعُ في قوله ﴿والمؤتون الزكاة﴾ على ما سيأتي هو لبيانِ فَضْلِها أيضاً، لكن على هذا الوجه يجب أن يكونَ الخبرُ قولَه:» يؤمنون «ولا يجوز أن يكون قوله ﴿أولئك سَنُؤْتِيهِمْ﴾ لأن القطع إنما يكونَ بعد تمامِ الكلام. قال مكي:» ومَنْ جَعلَ نَصْبَ «المقيمين» على المدحِ جَعَلَ خبرَ «الراسخين» : «يؤمنون» ، فإنْ جَعَل الخبر «أولئك» سنؤتيهم «لم يجز نصب» المقيمين «على المدح، لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام» وقال الشيخ: «ومَنْ جعل الخبرَ: أولئك سنؤتيهم فقوله ضعيفٌ» قلت: هذا غيرُ لازمٍ، لأنه هذا القائلَ لا يَجْعَلُ نصبَ «المقيمين» حينئذٍ منصوباً على القطع، لكنه ضعيفٌ بالنسبةِ إلى أنه ارتكبَ وجهاً ضعيفاً في تخريج «المقيمين» كما
стр. 2581
سيأتي. وحكى ابنُ عطية عن قومٍ مَنْعَ نصبه على القطع من أجلِ حرف العطف، والقطعُ لا يكونُ في العطف، إنما ذلك في النعوت، ولما استدلَّ الناسُ بقول الخرنق:
١٦٧ - ٤- لا يَبْعَدَن قومي الذين همُ ... سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
النازلين بكلِّ معتَركٍ ... والطيبون معاقدَ الأزْرِ
على جواز القطع فَرَّق هذا القائلُ بأن البيت لا عطفَ فيه؛ لأنها قطعت «النازين» فنصبته، و «الطيبون» فرفعَتْه عن قولِها «» قومي «، وهذا الفرقُ لا أثرَ له؛ لأنه في غيرِ هذا البيت ثبت القطع مع حرف العطف، أنشد سيبويه:
١٦٧ - ٥- ويَأْوي إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ ... وشُعْثاً مراضيعَ مثلَ السَّعالِي
فنصب» شعثاً «وهو معطوف.
الثاني: أن يكونَ معطوفاً على الضمير في» منهم «أي: لكن الراسخون في العلمِ منهم ومن المقيمين الصلاة. الثالث: أن يكون معطوفاً على الكاف في» إليك «أي: يؤمنون بما أُنْزل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ وهم الأنبياء. الرابع: أن يكونَ معطوفاً على» ما «في» بما أُنْزِل «أي: يؤمنون» بما أنزل إلى محمد ﷺ وبالمقيمين، ويُعْزَى هذا الكسائي. واختلفت
стр. 2582
عبارة هؤلاء في «المقيمين» فقيل: هم الملائكة قال مكي: «ويؤمنون بالملائكة الذين صفتُهم إقامةُ الصلاةِ كقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] . وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم المسلمون، ويكون على حَذْفِ مضافٍ أي: وبدين المقيمين. الخامس: أن يكونَ معطوفاً على الكاف في» قبلك «أي: ومِنْ قبلِ المقيمين، ويعني بهم الأنبياءَ أيضاً. السادس: أن يكونَ معطوفاً على نفسِ الظرف، ويكونَ على حَذْفِ مضاف أي: ومن قبل المقيمين، فحُذِف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامه. فهذا نهايةُ القولِ في تخريجِ هذه القراءةِ.
وقد زعم قومٌ لا اعتبارَ بهم أنهم لحنٌ، ونقلوا عن عائشة وأبان بن عثمان أنها خطأ من جهةِ غلط كاتبِ المصحف، قالوا: وأيضاً فهي في مصحفِ ابن مسعود بالواو فقط نقله الفراء، وفي مصحف أُبيّ كذلك، وهذا لا يَصحُّ عن عائشة ولا أبان، وما أحسن قولَ الزمخشري ﵀:» ولا يُلتفت إلى ما زعموا مِنْ وقوعِه لَحْناً في خط المصحف، وربما التفت إليه مَنْ لم ينظر في الكتاب الكتاب ومَنْ لم يعرف مذاهبَ العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغَبِيَ عليه أنَّ السابقين الأولين الذين مَثَلُهم في التوراة ومثلُهم في الانجيل كانوا أبعدَ همةً في الغَيْرة عن الاسلام وذَبَّ المطاعنِ عنه من ان يقولوا ثُلْمَةً في كتاب اله ليسُدَّها مَنْ بعدهم، وخَرْقاً يَرْفوه مَنْ يلحق بهم «وأمَّا قراءةُ الرفعِ فواضحةٌ.
قوله: ﴿والمؤتون﴾ فيه سبعةُ أوجهٍ أيضاً. أظهرها: أنه على إضمار مبتدأ، ويكون من باب المدحِ المذكورِ في النصب. الثاني: أنه معطوفٌ على» الراسخون «،
стр. 2583
وفي هذا ضَعْفٌ؛ لأنه إذا قُطِع التابعُ عن متبوعِه لم يَجُزْ أن يعودَ ما بعده إلى إعراب المتبوع فلايُقال:» مررت بزيدٍ العاقلَ الفاضلِ «بنصب» العاقل «وجر» الفاضل «فكذلك هذا.
الثالث: أنه عطفٌ على الضمير المستكنِّ في «الراسخون» ، وجاز ذلك للفصل. الرابع: أنه مطعوفٌ على الضمير في «المؤمنون» الخامس: أنه معطوفٌ على الضمير في «يؤمنون» السادس: أنه معطوفٌ على «المؤمنون» ، السابع: أنه مبتدأ وخبره «أولئِك سنؤتيهم» فيكون «أولئك» مبتدأ، و «سنؤتيهم» خبره، والجملةُ خبرُ الأولِ، ويجوزُ في «أولئك» أن ينتصِبَ بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرُه ما بعده فيكونَ من باب الاشتغال، إلا أنَّ هذا الوجهَ مرجوحٌ من جهةِ أنَّ «زيدٌ ضرتبه» بالرفع أجودُ مِنْ نصبه، لأنه لا يحوج إلى إضمار، ولأنَّ لنا خلافاً في تقديم معمول الفعل المقترن بحرف التنفيس في نحو «سأضربُ زيداً» مَنَعَ بعضهم «زيداً سأضرب» ، وشرطُ الاشتغالِ جوازُ تسلُّط العامل على ما قبله، فالأَوْلى أَنْ نَحْمِلَه على ما خلاف فيه. وقرأ حمزة: «سيؤتيهم» بالياء مراعاةً للظاهر في قوله: ﴿والمؤمنون بالله﴾ والباقون بالنون على الالتفات تعظيماً، ولمناسبةِ قوله: «وأعتدْنا» وهما واضحتان.
стр. 2584
قوله تعالى: ﴿كَمَآ أَوْحَيْنَآ﴾ : / الكافُ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: إيحاءً مثلَ إيحائنا، أو على أنه حالٌ من ذلك المصدر المحذوف المقدَّرِ معرفاً أي: أوحيناه أي: الإِيحاء حالَ كونِه مشبهاً لإِيحائنا إلى مَنْ ذكر. وهذا مذهبُ سيبويه وقد تقدَّم تحقيقه. و «ما» تحتمل وجهين: أنه تكونَ مصدريةً فلا تفتقر إلى عائدٍ على الصحيح، وأن تكونَ بمعنى الذي، فيكونُ العائدُ محذوفاً أي: كالذي أوحيناه إلى نوح. و «من بعده»
стр. 2585
متعلقٌ ب «أوْحينا» ، ولا يجوز أن تكونَ «من» للتبيين، لأنَّ الحالَ خبرٌ في المعنى، ولا يُخبر بظرف الزمان عن الجثة إلا بتأويل ليس هذا محلِّه. وأجاز أبو البقاء أن يتعلق بنفس «النبيين» ، يعني أنه في معنى الفعل كأنه قيل: «والذين تنبَّؤوا مِنْ بعدِه» وهو معنى حسن.
وفي «يونس» ستُ لغاتٍ أفصحُها: واو خالصةٌ ونون مضمومة، وهي لغةُ الحجاز، وحُكِي كسرُ النونِ بعد الواو، وبها قرأ نافع في رواية حبان، وحُكِي أيضاً فتحها مع الواو، وبها قرأ النخعي وهي لغة لبعض عقيل، وهاتان القراءتان جَعَلَهما بعضهم منقولتين من الفعلِ المبني للفاعل أو للمفعول، جَعَل هذا الاسمَ مشتقاً من الأنس، وإنما أُبدلت الهمزةُ واواً لسكونِها وانضمامِ ما قبلها، ويدلُّ على ذلك مجيئُه بالهمزةِ على الأصل في بعض اللغات كما سيأتي، وفيه نظرٌ، لأنَّ هذا الاسمَ أعجمي، وحُكِي تثليث النون مع همز الواو، كأنهم قلبوا الواوَ همزةً لانضمامِ ما قبلها نحو:
١٦٧ - ٦-أَحَبُّ المُؤْقِدينَ إليَّ موسى ... . . . . . . . . . . . . . .
وقد تقدَّم تقريرُه، وحُكي أنَّ ضمَّ النونِ مع الهمزة لغةُ بضع بني أسد، إلا أني لا أعلم أنه قُرئ بشيء من لغات الهمز. هذا إذا قلنا: إن هذا الاسمَ ليس منقولاً من فِعْلٍ مبني للفاعل أو للمفعول حالةَ كسر النون
стр. 2586
أو فتحِها، أمَّا إذا قلنا بذلك فالهمزةُ أصليةٌ غيرُ منقلبةٍ من واو لأنه مشتق من الأنس، وأمَّا مع ضمِّ النونِ فينبغي أن يُقال بأن الهمزة بدلٌ من الواو لانتفاء الفعلية مع ضم النون.
قوله: ﴿زَبُوراً﴾ قراءةُ الجمهور بفتح الزاي، وحمزة بضمها، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها، أنه جمعُ «زَبْر» قال الزمخشري: «جمعَ» زَبْر «، وهو الكتاب، ولم يَذْكر غيرَه، يعني أنه في الأصل مصدر على فَعْل، ثم جُمع على فُعول نحو: فَلْس وفُلوس، وقَلْس وقُلُوس، وهذا القول سبقه إليه أبو علي الفارسي في أحد التخريجين عنه. قال أبو علي:» ويحتمل أن يكونَ جمْعَ زَبْرٍ وقع على المزبور، كما قالوا: ضَرْب الأمير ونَسْج اليمن، كما سُمِّي المكتوب كتاباً «يعني أبو علي أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول به كما مثَّله والثاني: أنه جمع» زَبُور «في قراءة العامة، ولكنه على حَذْفِ الزوائد، يعني حُذِفت الواوُ منه فصار اللفظ: زَبُر، وهذا التخريجُ الثاني لأبي عليّ، قال أبو علي:» كما قالوا: ظريف وظُروف، وكَرَوان وكَرْوان، وَوَرَشان ووِرْشان على تقدير حذف الياء والألف «وهذا لا بأس به، فإنَّ التكسير والتصيغر يَجْريان غالباً مجرىً واحداً، وقد رأيناهم يُصَغِّرون بحذفِ الزوائد نحو:» زُهَيْر وحُمَيْد «في أزهر ومحمود، ويسميه النحويون» تصيغر الترخيم «، فكذلك التكسيرُ.
الثالث: أنه اسمٌ مفردٌ وهو مصدرٌ جاءَ على فُعول كالدُّخول
стр. 2587
والقُعود والجُلوس، قاله أبو البقاء وغيره. وفيه نظر من حيث إن الفُعول يكون مصدراً للازم، ولا يكون للمتعدي إلا في ألفاظ محفوظةٍ نحو: اللُّزوم والنُّهوك، وزَبَر - كما ترى - متعدٍ، فيضعفُ جَعْلُ الفُعُول مصدراً له، وقد تقدم معنى هذه المادة.
стр. 2588
قوله تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ : الجمهور على نصب «رسلاً» وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب على الاشتغال لوجود شروطه، أي: وقصصنا رسلاً، والمعنى على حَذْف مضاف أي: قصصنا أخبارهم، فيكون «قد قصصناهم» لا محلَّ له لأنه مفسرٌ لذلك العاملِ المضمر، ويُقَوِّي هذا الوجهَ قراءةُ أُبي: «ورسل» بالرفعِ في الموضعينِ، والنصبُ هنا أرجحُ من الرفع؛ لأن العطف على جملةٍ فعلية وهي: «وآتينا داودَ زبوراً» الثاني: أنه منصوب عطفاً على معنى «أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح» أي: أَرْسَلْنا وَنبَّأْنا نوحاً ورسلاً، وعلى هذا فيكون «قد قَصَصْناهم» في محل نصب لأنه صفةٌ ل «رسلاً» الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار فعل اي: وأرسلنا رسلاً، وذلك أنَّ الآية نزلت رادَّة على اليهود في إنكارهم إرسالَ الرسل وإنزال الوحي، كما حكى اللَّهُ عنهم في قوله: ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] والجملةُ أيضاً في محل الصفة.
وقرأ أُبي: «ورسلٌ» بالرفع في الموضعين، وفيه تخريجان، أظهرُهما: أنه مبتدأ وما بعده خبرُه، وجاز الابتداءُ هنا بالنكرةِ لأحدِ شيئين: إمَّا العطفِ كقولِه:
١٦٧ - ٧-
стр. 2589
عندي اصطبارٌ وشكوى عند قاتلتي ... فهل بأعجبَ مِنْ هذا امرؤٌ سَمِعا
وإما التفصيلِ كقوله:
١٦٧ - ٨- فأقبلتُ زحفاً على الركبتينِ ... فثوبٌ لَبِسْتٌ وثوبٌ أَجُرّْ
وكقوله:
١٦٧ - ٩- إذا ما بكى مِنْ خلفِها انصرفَتْ له ... بشقٍ وشِقٌّ عندنا لم يُحَوَّلِ
والثاني: - وإليه ذهب ابن عطية - أنه ارتفعَ على خبر ابتداء مضمر أي: وهم رسلٌ، وهذا غير واضح. والجملة بعد «رسل» على هذا الوجه تكون في محلِّ رفع لوقوعها صفةً للنكرة قبلها.
قوله: ﴿وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ﴾ / كالأول. وقوله: ﴿وَكَلَّمَ الله موسى﴾ الجمهور على رفع الجلالة، وهي واضحة. و «تكليماً» مصدر مؤكد رافعٌ للمجاز، وهي مسألةٌ يبحث فيها الأصوليون، تحتمل كلاماً كثيراً ليس هذا موضعَه، على أنه قد جاء التأكيد بالمصدر في ترشيح المجاز كقول هند بنت النعمان بن بشير في زوجِها روحِ بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان:
١٦٨ - ٠- بكى الخَزُّ مِنْ رَوْحٍ وأنكَر جِلْدَه ... وعَجَّتْ عجيجاً مِنْ جُذامَ المطارِفُ
تقول: إنَّ زوجها رَوْحاً قد بكى ثيابُ الخَزِ من لُبْسه، لأنه ليس من أهل
стр. 2590
الخز، وكذلك صرخت صراخاً من جُذام - وهي قبيلة رَوْح- ثيابُ المطارف، تعني أنهم ليسوا من أهل تلك الثياب، فقولها: «عَجَّت المطارف» مجازٌ لأن الثياب لا تعجُّ، ثم رَشَّحَتْه بقولها عجيجاً. وقال ثعلب: «لولا التأكيدُ بالمصدر لجاز ان يكونَ كما تقول:» كَلَّمْتُ لك فلاناً «أي: أرسلت إليه، أو كتبت له رُقْعةً. وقرأ يحيى بن وثاب والنخعي:» وكَلَّم اللَّهَ موسى «بنصب الجلالة، وهي واضحةٌ أيضاً.
стр. 2591
قوله تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ﴾ : فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه بدل من «رسلاً» الأول في قراءة الجمهور، وعَبَّر الزمخشري عن هذا بنصبه على التكرير، كذا فهم عنه الشيخ الثاني: انه منصوبٌ على الحال الموطئة، كقولك: «مررت بزيدٍ رجلاً صالحاً» ومعنى الموطئة أي: إنَّها ليست مقصودةً، إنما المقصودُ صفتُها، ألا ترى ان الرجولية مفهومة من قولك «بزيد» وإنما المقصودُ وصفُه بالصلاحية. الثالث: أنه نُصب بإضمار فعل أي: أَرْسَلْنا رسلاً. الرابع: أنه منصوبٌ على المدح، قَدَّره أبو البقاء ب «أعني» ، وكان ينبغي أن يقدِّره فعلاً دالاً على المدح نحو: «أمدح» وقد رجَّح الزمخشري هذا الأخير فقال: «والأوجَهُ أن ينتصِبَ» رسلاً «على المدح» .
قوله: ﴿لِئَلاَّ﴾ هذه لام كي، وتتعلَّقُ ب «منذرين» على المختار عند البصريين، وب «مبشِّرين» على المختار عند الكوفيين، فإنه المسألةَ من التنازع، ولو كان من إعمالِ الأول لأضمرَ في الثاني من غير حذفٍ فكان
стр. 2592
يُقال: مبشِّرين ومنذرين له لئلا، ولم يَقُلُّ كذلك فدلَّ عل مذهب البصريين، وله في القرآن نظائرُ تقدَّم منها جملة صالحة. وقيل: اللام تتعلقُ بمحذوف أي: أرسلناهم لذلك. و «حُجَّةٌ اسمُ» كان «، وفي الخبر وجهان، أحدُهما: هو» على الله «و» للناس «حال، والثاني، أن الخبرَ» للناس «و» على الله «حال، ويجوز أن يتعلق كلُّ من الجارِّ والمجرور بما تعلَّقَ به الآخرُ إذا جَعَلْناه خبراً، ولا يجوزُ أن يتعلقَ على الله ب» حجة «، وإنْ كان المعنى عليه؛ لأنَّ معمولَ المصدر لا يتقدَّم عليه. و» بعد الرسل «متلعقٌ ب» حجة «، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه صفةٌ ل» حُجَّة «لأنَّ ظروف [الزمان] تُوصَفُ بها الأحداثُ كما يُخْبر بها عنها نحو:» القتالُ يوم الجمعة «.
стр. 2593
قوله تعالى: ﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ : هذه الجملة الاستداركية لايبتدأ بها، فلا بد من جملة محذوفة، وتكون هذه الجملةُ مستدركة عنها، والجملة المحذوفة هي ما رُوي في سبب النزول أنه لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣] قالوا: ما نشهد لك بهذا أبداً، فنزلت: ﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ وقد أحسن الزمخشري هنا في تقدير جملةٍ غيرُ ما ذكرتُ، وهو: «فإنْ قلت: الاستدراكُ لا بُدَّ له من مستدرَك، فأين هو في قوله: ﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ ؟ قلت: لَمَّا سأل أهلُ الكتاب إنزالَ الكتاب من المساء وتعنَّتوا بذلك، واحتجَّ عليهم بقوله: إنَّا أوحينا إليك» قال: «لكن اللَّهُ يشهد» بمعنى أنهم لا يشهدون لكن اللَّهُ يَشْهد ثم ذكر الوجهَ الأول.
وقرأ الجمهور بتخفيفِ «لكن» ورفعِ الجلالة. والسُّلمي والجراح الحكمي بتشديدها نصبِ الجلالة، وهما كالقراءتين في ﴿ولكن الشياطين﴾
стр. 2594
وقد تقدَّم حكمه. والجمهور على «أَنْزله» مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، والحسن قرأه «أُنزل» مبنياً للمفعول، وقرأ السلمي «نَزَّله بعلمه» مشدداً. والباء في «بعلمه» للمصاحبة أي: ملتبساً بعلمه، فالجار والمجرور في محل نصب على الحال. وفي صاحبها وجهان، أحدهما: الهاءُ في «أنزله» والثاني: الفاعل في «أنزله» أي: أنزله عالماً به. و «الملائكةُ يشهدون» مبتدأ وخبر، يجوز أن تكونَ حالاً أيضاً من المفعول في «أنزله» أي: والملائكةُ يشهدون بصدقه، ويجوز ألاَّ يكونَ لها محل، وحكمه حينئذٍ كحكم الجملةِ الاستدراكية قبله. وقد تقدَّم الكلامُ على مثلِ قوله: ﴿كفى بالله﴾ [النساء: ٦] ، وعلى قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٨] وأن الفعل مع هذه اللامِ أبلغُ منه دونَها. والجمهور على «وصَدُّوا» مبنياً للفاعل، وقرأ عكرمة وابن هرمز: «وصُدُّوا» مبنياً للمفعول، وهما واضحتان، وقد قرئ بهما في المتواتر في قوله: ﴿وَصُدُّواْ﴾ [الآية: ٣٣] في الرعد، ﴿وَصُدَّ عَنِ السبيل﴾ [الآية: ٣٧] في غافر.
стр. 2595
وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ : فيه قولان، أحدهما: أنه استثناءٌ متصل لأنَّ المرادَ بالطريقِ الأولِ العمومُ فالثاني من جنسه، والثاني: أنه منقطعٌ إنْ أُريد بالطريقِ شيءٌ مخصوصٌ وهو العمل الصالح الذي توصَّلون به إلى الجنة. «وخالدين» حالٌ مقدَّرة.
следующие страницы →