Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
قوله تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ﴾ : فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه بدل من «رسلاً» الأول في قراءة الجمهور، وعَبَّر الزمخشري عن هذا بنصبه على التكرير، كذا فهم عنه الشيخ الثاني: انه منصوبٌ على الحال الموطئة، كقولك: «مررت بزيدٍ رجلاً صالحاً» ومعنى الموطئة أي: إنَّها ليست مقصودةً، إنما المقصودُ صفتُها، ألا ترى ان الرجولية مفهومة من قولك «بزيد» وإنما المقصودُ وصفُه بالصلاحية. الثالث: أنه نُصب بإضمار فعل أي: أَرْسَلْنا رسلاً. الرابع: أنه منصوبٌ على المدح، قَدَّره أبو البقاء ب «أعني» ، وكان ينبغي أن يقدِّره فعلاً دالاً على المدح نحو: «أمدح» وقد رجَّح الزمخشري هذا الأخير فقال: «والأوجَهُ أن ينتصِبَ» رسلاً «على المدح» .
قوله: ﴿لِئَلاَّ﴾ هذه لام كي، وتتعلَّقُ ب «منذرين» على المختار عند البصريين، وب «مبشِّرين» على المختار عند الكوفيين، فإنه المسألةَ من التنازع، ولو كان من إعمالِ الأول لأضمرَ في الثاني من غير حذفٍ فكان
стр. 2592
يُقال: مبشِّرين ومنذرين له لئلا، ولم يَقُلُّ كذلك فدلَّ عل مذهب البصريين، وله في القرآن نظائرُ تقدَّم منها جملة صالحة. وقيل: اللام تتعلقُ بمحذوف أي: أرسلناهم لذلك. و «حُجَّةٌ اسمُ» كان «، وفي الخبر وجهان، أحدُهما: هو» على الله «و» للناس «حال، والثاني، أن الخبرَ» للناس «و» على الله «حال، ويجوز أن يتعلق كلُّ من الجارِّ والمجرور بما تعلَّقَ به الآخرُ إذا جَعَلْناه خبراً، ولا يجوزُ أن يتعلقَ على الله ب» حجة «، وإنْ كان المعنى عليه؛ لأنَّ معمولَ المصدر لا يتقدَّم عليه. و» بعد الرسل «متلعقٌ ب» حجة «، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه صفةٌ ل» حُجَّة «لأنَّ ظروف [الزمان] تُوصَفُ بها الأحداثُ كما يُخْبر بها عنها نحو:» القتالُ يوم الجمعة «.
стр. 2593
قوله تعالى: ﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ : هذه الجملة الاستداركية لايبتدأ بها، فلا بد من جملة محذوفة، وتكون هذه الجملةُ مستدركة عنها، والجملة المحذوفة هي ما رُوي في سبب النزول أنه لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣] قالوا: ما نشهد لك بهذا أبداً، فنزلت: ﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ وقد أحسن الزمخشري هنا في تقدير جملةٍ غيرُ ما ذكرتُ، وهو: «فإنْ قلت: الاستدراكُ لا بُدَّ له من مستدرَك، فأين هو في قوله: ﴿لكن الله يَشْهَدُ﴾ ؟ قلت: لَمَّا سأل أهلُ الكتاب إنزالَ الكتاب من المساء وتعنَّتوا بذلك، واحتجَّ عليهم بقوله: إنَّا أوحينا إليك» قال: «لكن اللَّهُ يشهد» بمعنى أنهم لا يشهدون لكن اللَّهُ يَشْهد ثم ذكر الوجهَ الأول.
وقرأ الجمهور بتخفيفِ «لكن» ورفعِ الجلالة. والسُّلمي والجراح الحكمي بتشديدها نصبِ الجلالة، وهما كالقراءتين في ﴿ولكن الشياطين﴾
стр. 2594
وقد تقدَّم حكمه. والجمهور على «أَنْزله» مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، والحسن قرأه «أُنزل» مبنياً للمفعول، وقرأ السلمي «نَزَّله بعلمه» مشدداً. والباء في «بعلمه» للمصاحبة أي: ملتبساً بعلمه، فالجار والمجرور في محل نصب على الحال. وفي صاحبها وجهان، أحدهما: الهاءُ في «أنزله» والثاني: الفاعل في «أنزله» أي: أنزله عالماً به. و «الملائكةُ يشهدون» مبتدأ وخبر، يجوز أن تكونَ حالاً أيضاً من المفعول في «أنزله» أي: والملائكةُ يشهدون بصدقه، ويجوز ألاَّ يكونَ لها محل، وحكمه حينئذٍ كحكم الجملةِ الاستدراكية قبله. وقد تقدَّم الكلامُ على مثلِ قوله: ﴿كفى بالله﴾ [النساء: ٦] ، وعلى قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٨] وأن الفعل مع هذه اللامِ أبلغُ منه دونَها. والجمهور على «وصَدُّوا» مبنياً للفاعل، وقرأ عكرمة وابن هرمز: «وصُدُّوا» مبنياً للمفعول، وهما واضحتان، وقد قرئ بهما في المتواتر في قوله: ﴿وَصُدُّواْ﴾ [الآية: ٣٣] في الرعد، ﴿وَصُدَّ عَنِ السبيل﴾ [الآية: ٣٧] في غافر.
стр. 2595
وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ : فيه قولان، أحدهما: أنه استثناءٌ متصل لأنَّ المرادَ بالطريقِ الأولِ العمومُ فالثاني من جنسه، والثاني: أنه منقطعٌ إنْ أُريد بالطريقِ شيءٌ مخصوصٌ وهو العمل الصالح الذي توصَّلون به إلى الجنة. «وخالدين» حالٌ مقدَّرة.
стр. 2596
وقوله تعالى: ﴿بالحق﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنه
стр. 2597
متعلق بمحذوفٍ، والباء للحال أي: جاءكم الرسولُ ملتبساً بالحق أو متكلماً به. والثاني: أنه متعلقٌ بنفس «جاءكم» أي: جاءكم بسببِ إقامةِ الحق. و «من ربكم» فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ بمحذوف على أنه حال أيضاً من «الحق» والثاني: أنه متلعقٌ ب «جاء» أي: جاء من عند الله أي: أنه مبعوثٌ لا متقوِّل.
قوله: ﴿خَيْراً لَّكُمْ﴾ في نصبه أربعة أوجه، أحدها - وهو مذهب الخليل وسيبويه - أنه منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ واجبِ الإِضمار تقديره: وأتوا خيراً لكم، لأنه لَمَّا أمرهم بالإِيمان / فهو يريدُ إخراجَهم من أمر وإدخالَهم فيما هو خيرٌ منه، ولم يذكر الزمخشري غيره قال: «وذلك أنه لمَّا بعثهَم على الإِيمان وعلى الانتهاءِ من التثليث علم أنه يَحْمِلُهم على أمر فقال: خيراً لكم، أي: اقصِدوا وأتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثلث» . الثاني: - وهو مذهب الفراء- أنه نعت لمصدر محذوف أي: فآمنوا إيماناً خيراً لكم. وفيه نظر، من حيث أنه يُفْهِم أنَّ الإِيمان منقسم إلى خير وغيره، وإلاَّ لم يكنْ لتقييده بالصفةِ فائدةٌ، وقد يُقال: إنه قد يكون لا يقول بمفهوم الصفة، وأيضاً فإن الصفة قد تأتي للتأكيد وغيره ذلك. الثالث: - وهو مذهب الكسائي وأبي عبيد - أنه منصوبٌ على خبرِ «كان» المضمرةِ تقديرُه: يكنِ الإِيمانُ خيراً. وقد ردَّ بعضُهم هذا المذهب بأن «كان» لا تُحْذَف مع اسمها دونَ خبرها إلا فيما لا بد له منه، ويزيد ذلك ضعفاً أنَّ «يكن» المقدرةَ جوابُ شرط محذوف فيصير المحذوفَ الشرطُ وجوابُه، يعني أنَّ التقديرَ: إنْ تؤمنوا يكنِ
стр. 2598
الإِيمانُ خيراً، فَحَذفْتَ الشرطَ وهو «إنْ تؤمنوا» وجوابَه، وهو «يكن الإِيمان» ، وأبقيتَ معمولَ الجواب وهو «خيراً» وقد يقال: إنه لا يُحتاج إلى إضمار شرطٍ صناعي وإن كان المعنى عليه، لأنَّا نَدَّعي أن الجزم في «يكن» المقدرةِ إنما هو بنفس جملة الأمر التي قبله وهو وقوله: ﴿فَآمِنُواْ﴾ من غير تقدير حرفِ شرط ولا فعلٍ له، وهو الصحيح في الأجوبة الواقعة لأحد الأشياء السبعة، تقول: «قم أكرمْك» ف «أكرمك» جواب مجزوم بنفس «قم» لتضمُّن هذا الطلبِ معنى الشرط من غير تقدير شرط صناعي. الرابع: - والظاهرُ فساده- أنه منصوبٌ على الحال، نقله مكي عن بعض الكوفيين، قال: «وهو بعيد» ونقله أبو البقاء أيضاً ولم يَعْزُه.
стр. 2599
قوله تعالى: والغُلُوُّ: تجاوزُ الحدِّ، ومنه: «غَلْوة السهم» و «غَلاء السعر» قوله: ﴿إِلاَّ الحق﴾ هذا استثناء مفرغ، وفي نصبه وجهان، أحدهما: أنه مفعول به لأنه تضمَّن معنى القول نحو: «قلت خطبةً» والثاني: أنه نعتُ مصدر محذوف أي: إلا القولَ الحق، وهو قريب في المعنى من الأول. وقرأ جعفر بن محمد: «المِسِّيح» بوزن «السِّكِّيت» كأنه جَعَله مثالَ مبالغة نحو: شِرِّيبٌ العسلَ «و» المسيح «مبتدأ بعد» إنَّ «المكفوفة، و» عيسى «بدل منه أو عطف بيان، و» ابن مريم «صفته و» رسول الله «خبر المبتدأ، و» كلمتُه «عطف عليه.
و» ألقاها «جملةٌ ماضية في موضع الحال، و» قد «معها مقدرةٌ. وفي عاملِ الحال ثلاثةُ أوجه نَقَلها أبو البقاء. أحدها: أنه معنى» كلمة «لأنَّ معنى
стр. 2600
وصف عيسى بالكلمة: المكونُ بالكلمة من غير أب، فكأنه قال: ومنشؤه ومبتدعُه. والثاني: أن يكون التقدير: إذ كان ألقاها، ف» إذا «ظرفُ زمانٍ مستقبل، و» كان «تامة، وفاعلها ضمير الله تعالى. و» ألقاها «حالٌ من ذلك الفاعل، وهو كقولهم:» ضربني زيداً قائماً «والثالث: أن يكونَ حالاً من الهاء المجرورة، والعاملُ فيها معنى الإِضافة تقديره: وكلمةُ اللَّهِ مُلْقِياً إياها» انتهى. أمّا جعله العاملَ معنى «كلمة» فصحيح، لكنه لم يبين في هذا الوجه من هو صاحبُ الحال؟ وصاحبُ الحال الضميرُ المستتر في «كَلِمتُه» العائدُ على عيسى لم تَضمَّنَتْه من معنى المشتق نحو: «مُنشَأ ومُبتدَع» ، وأمّا جَعْلُه العاملَ معنى الإِضافة فشيء ضعيف، ذهب إليه بعض النحويين. وأمَّا تقديرُه الآيةَ بمثل «ضربي زيدا قائماً» ففاسد من حيث المعنى. والله أعلم.
و «روحٌ» عطفٌ على «كلمة» و «منه» صفة ل «روح» ، و «من» لابتداء الغاية مجازاً، وليست تبعيضيةً. ومن غريب ما يحكى أن بعض النصارى ناظَرَ علي بن الحسين بن واقد المروزي وقال: «في كتاب الله ما يَشْهد أنَّ عيسى جزءٌ من الله» وتلا: «وروح منه» ، فعارضه ابن واقد بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السموات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] ، وقال: «يلزم أن تكون تلك الأشياء جزءاً من الله تعالى وهو مُحالٌ بالاتفاق» فانقطع النصراني وأسلم.
و «ثلاثةٌ» خبر مبتدأ مضمر، والجملة من هذا المبتدأ والخبر في محل نصب بالقول أي: ولا تقولوا: «آلهتنا ثلاثةٌ» يدلُّ عليه قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ﴾ وقيل: تقديره: الأقانيمُ ثلاثة أو المعبود ثلاثة.
وقال
стр. 2601
الفارسي: «تقديره: الله ثالث ثلاثة، ثم حُذف المضاف وأقيم المضافُ إليه مُقامه، يريد بذلك موافقةَ قوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] .
وقوله: ﴿انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ نصب» خيراً «هنا كنصبه فيما تقدم في جميع وجوهِه نسبته إلى قائليه. و» أن يكون له ولد «تقديره: من أن يكون، أو: عن أن يكون، لأنَّ معنى» سبحان «التنزيهُ، فكأنه قيل: نَزَّهوه عن أن يكون، أو من أن يكون له ولد، فيجيء في محل» ان «الوجهان المشهوران. و» واحد «نعت على سبيل التوكيد، وظاهر كلام مكي أنه نعتٌ لا على سبيل التوكيد، فإنه قال:» والله «مبتدأ، و» إله «خبره،» واحد «نعت تقديره: إنما الله منفرد في إلهيتَّه» وقيل: «واحدٌ تأكيد بمنزلة ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: ٥١] ، ويجوز أن يكون» إله «بدلاً من» الله «و» واحد «خبره، تقديره: إنما المعبودُ واحدٌ. وقوله: ﴿أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تقدم نظيره وقرأ الحسن:» إنْ يكونُ «بكسرِ الهمزة ورفع» يكون «على أن» إنْ «نافية أي: ما يكون له ولد، فعلى قراءته يكون هذا الكلامُ جملتين، وعلى قراءة العامة يكون جملة واحدة.
стр. 2602
قوله تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً﴾ : قرأ عليُّ: «عُبَيْداً» على التصغير وهو مناسبٌ للمقام. وقوله: ﴿وَلاَ الملائكة﴾
стр. 2603
عطف على «المسيح» أي: ولن يستنكف الملائكة أن يكونوا عبيداً لله. وقال الشيخ: ما نصُّه: «وفي الكلام حذف، التقدير: ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً لله، فإنْ ضُمِّن» عبداً «معنى» مِلْكاً لله «لم يَحتجْ إلى هذا التقديرِ: ويكونُ إذ ذاك» ولا الملائكة «من باب عطف المفردات، بخلاف ما إذا لُحِظَ في» عبد «معنى الوِحْدة، فإن قوله:» ولا الملائكة «يكون من عطف الجمل لاختلاف الخبر، وإنْ لُحِظ في قوله:» ولا الملائكة «معنى:» ولا كل واحد من الملائكة «كان من باب عطف المفردات» وقال الزمخشري: «فإن قلت: علام عُطِفَ و» الملائكة «؟ قتل: إمَّا أن يُعْطَفَ على» المسيح «أو اسمِ» يكون «أو على المستتر في» عبداً «لِما فيه من معنى الوصف لدلالته على العبادة، وقولك:» مررت برجلٍ عبدٍ أبوه «فالعطفُ على المسيح هو الظاهرُ لأداء غيره إلى ما فيه بعضُ انحرافٍ عن الغرض، وهو أن المسيح لا يأنفُ أن يكونَ هو لا مَنْ فوقه موصوفين بالعبودية أو أن يَعْبد الله هو ومن فوقه» قال الشيخ: «والانحرافُ عن الغرض الذي أشار إليه كونُ الاستنكافِ يكون مختصاً بالمسيح والمعنى التام إشراك الملائكة مع المسيح في انتفاءِ الاستنكافِ عن العبودية، ويظهرُ أيضاً مرجوحيةُ الوجهين مِنْ جهةِ دخولِ» لا «إذ لو أُريد العطفُ على الضمير في» يكون «أو في» عبدا «لم تَدْخُل» لا «، بل كان يكون التركيب بدونها، تقول:» ما يريد زيدٌ أن يكونَ هو وأبوه قائمين «و» ما يريد زيد أن يصطلح هو وعمرو «فهذان التركيبان ليسا من مَظَنَّةِ دخولِ [لا] وإنْ وُجد منه شيءٌ أُوِّلَ» انتهى. فتحصَّل في رفع «الملائكة» ثلاثة أوجه، أوجَهُها الأول.
стр. 2604
والاستنكافُ: استفعال من النَّكْف، والنَّكْفُ: أن يُقال له سوء، ومنه: «وما عليه في هذا الأمر نَكْفٌ ولا وَكْف» قال أبو العباس: «واستفعل هنا بمعنى دَفَع النَّكْفَ عنه» وقال غيره: «هو الأَنَفَةُ والترفع» ومنه: «نَكَفْتُ الدَّمعَ بإصبعي» إذا منعتُه من الجري على خَدِّك، قال:
١٦٨ - ١- فبانوا فلولا مَا تَذَكَّرُ منهمُ ... من الحِلْفِ لم يُنْكَفْ لعَيْنَيْك مَدْمَعُ
قوله ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ الفاءُ يجوز ان تكونَ جواباً للشرط في قوله: ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ﴾ فإنْ قيل: جواب «إنْ» الشرطية واخواتِها غيرَ «إذا» لا بد أن يكونَ محتملاً للوقوع وعدمه، وحشرُهم إليه جميعاً لا بد منه، فكيف وقع جواباً لها؟ فقيل في جوابه وجهان، أحدهما: - وهو الأصح - أن هذا كلامٌ تضمَّن الوعدَ والوعيد، لأنَّ حَشْرَهم يقتضي جزاءَهم بالثوابِ أو العقاب، ويَدُلُّ عليه التفصيلُ الذي بعده في قوله: «فأمَّا الذين» إلى آخره، فيكونُ التقدير: وَمَنْ يستنكِفْ عن عبادته ويستكبرْ فيعذبُه عند حَشْرِه إليه، ومَنْ لم يستنكف ولم يستكبر فيثيبه.
والثاني: أنَّ الجوابَ محذوف أي: فيجازيه، ثم أخبر بقوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ وليس بالبيِّن. وهذا الموضوع محتمل أن يكون مِمَّا حُمِل على لفظةِ «مَنْ» تارة في قوله: يستنكف «ويستكبر» فلذلك أفرد الضمير، وعلى معناها أخرى في قوله: فسيحشرهم «ولذلك جَمَعه، ويَحْتمل أنه أعاد الضمير في فسيحشرهم» على «مَنْ» وغيرِها، فيندرجُ المستنكفُ في ذلك، ويكون الرابطُ لهذه الجملةِ باسم الشرط العموم المشار إليه. وقيل: بل حَذَفَ معطوفاً لفهم المعنى، والتقدير: فسيحشرهم أي: المستنكفين وغيرَهم، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد.
стр. 2605
و «جميعاً» حالٌ أو تأكيدٌ عند مَنْ جَعَلها ك «كل» وهو الصحيح. وقرأ الحسن: «فسنحشرهم» بنونِ العظمة، وتخفيفِ باء «فيعذبهم» وقرئ: «فسيحشرهم» بكسرِ الشين وهي لغةٌ في مضارع «حَشَر» .
стр. 2606
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الذين﴾ : قد تقدَّم الكلامُ على نظيرتها. ولكن هنا سؤالٌ حسن قاله الزمخشري وهو: «فإن قلت: التفصيل غيرُ مطابق للمفصَّل، لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصَّل على فريق واحد. قلت: هو مثلُ قولك:» جَمَعَ الإِمام الخوارج: فمن لم يخرج عليه كساه حُلَّةً ومَنْ خرج عليه نَكَّل به «وصحةُ ذلك لوجهينِ، أحدُهما: أنه يُحذف ذِكُر أحدِ الفريقين لدلالةِ التفصيل عليه، ولأنَّ ذِكْرَ أحدهما يدل على ذكرِ الثاني كما حذف أحدَهما في التفصيل في قوله عقيب هذا: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ﴾ والثاني: وهو أن الإِحسان إلى غيرهم ما يَغُمُّهم فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم، فكأنه قيل: ومن يستنكفْ عن عبادتِه ويستكبرْ فسيعذُبهم بالحسرة إذا رأوا أجور العاملين وبما يصيبهم من عذاب الله» انتهى. يعني بالتفصيل قولَه: «فأما» و «أما» وقد اشتمل على فريقين أي: المثابين والمعاقبين، وبالمفصَّل قولَه قبل ذلك: «ومَنْ يستنكف» ، ولم يشتمِلْ إلا على فريق واحد هم المعاقبون.
стр. 2607
قوله تعالى: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ : فيه وجهان، أظهرهما: أنه متعلق بمحذوف لأنه صفةٌ ل «برهان» أي: برهانٌ كائن من ربكم. «ومِنْ» يجوز أن تكونَ لابتداء الغاية مجازاً، أو تبعيضية أي: من براهين ربكم. والثاني: أنه متعلقٌ بنفسِ «جاء» و «مِنْ» لابتداء الغاية كما تقدم.
стр. 2608
قوله تعالى: ﴿صِرَاطاً﴾ : مفعول ثان ل «يهدي» لأنه يتعدى لاثنين كما تقدم تحريره. وقال جماعة منهم مكي: إنه مفعول بفعلٍ محذوف دَلَّ عليه «يهديهم» ، والتقدير: «يُعَرِّفهم» وقال أبو البقاء قريباً من هذا إلا أنه لم يُضْمِرْ فعلاً، بل جَعَلَه منصوباً ب «يهدي» على المعنى، لأنَّ المعنى يُعَرِّفهُم. قال مكي في الوجه الثاني: «ويجوز أن يكونَ مفعولاً ثانياً ل» يَهْدي «أي: يهديهم صراطاً مستقيماً إلى ثوابه وجزائه» ولم اَدْرِ لِمَ خَصَّصوا هذا الموضع دونَ الذي في الفاتحة، واحتاجوا إلى تقدير فعل أو تضمنيه معنى «يُعَرِّفهم» ؟ وأجاز أبو عليّ أن يكون منصوباً على الحال من محذوف فإنه قال: «الهاءُ في» إليه «راجعةٌ إلى ما تقدم من اسم الله، والمعنى: ويهديهم إلى صراطه، فإذا جعلنا» صراطاً مستقيماً «نصباً على الحال كانت الحالُ من هذا المحذوفِ» انتهى. فتحصَّل في نصبه أربعةُ أوجه، أحدها: أنه مفعول ب «يهدي» من غير تضمين معنى فعل آخرَ. الثاني: أنه على تضمين معنى «يُعَرفهم» الثالث: أنه منصوبٌ بمحذوفٍ. الرابع: أنه نصبٌ على الحال، وعلى هذا التقديرِ الذي قَدَّره الفارسي تقْرُب من الحالِ المؤكدة، وليس كقولك: «تبسَّم ضاحكاً» لمخالفتِها لصاحبِها بزيادةِ الصفةِ وإن وافقته لفظاً. والهاءُ في «إليه» إمَّا عائدةٌ على «الله» بتقدير حذف مضاف كما تقدم من نحو: «ثوابه» أو «صراطه» ، وإمَّا على الفضلِ والرحمة لأنهما في معنى شيءٍ واحد، وإما عائدةٌ على الفضلِ لأنه يُراد به طريق الجنان.
стр. 2609
قوله تعالى: ﴿فِي الكلالة﴾ : متعلق ب «يُفْتيكم» على إعمال الثاني، وهو اختيار البصريين، ولو أَعْمل الأولَ لأضمرَ في الثاني، وله
стр. 2610
نظائرُ في القرآن: ﴿هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ [الكهف: ٩٦] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله﴾ [المنافقون: ٥] ﴿والذين كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ﴾ [البقرة: ٣٩] . وقد تقدَّم الكلام فيه بأشَبع من هذا في سورة البقرة فليراجَعْ. وتقدَّم أيضاً اشتقاقُ الكلالة أول هذه السورة. وقوله: ﴿إِن امرؤ﴾ كقوله: ﴿وَإِنِ امرأة﴾ [النساء: ١٢٨] . و «هلك» جملةٌ فعليةٌ في محلّ رفع صفة ل «امرؤ» .
و «ليس له ولدٌ» جملةٌ في محلِّ رفعٍ أيضاً صفةً ثانية، وأجاز أبو البقاء أن تكونَ هذه الجملةُ حالاً من الضمير في «هلك» ولم يذكر غيره. ومع الزمخشري أن تكونَ حالاً، ولم يبيِّنْ العلةَ في ذلك، ولا بيَّن صاحبَ الحال أيضاً: هل هو «امرؤ» أو الضمير في «هلك» ؟ قال الشيخ: «ومَنَعَ الزمخشري أن يكونَ قولُه:» ليس له ولد «جملةً حالية من الضمير في» هلك «فقال:» ومحلُّ ليس له ولد الرفعُ على الصفةِ لا النصبُ على الحال «انتهى. والزمخشري لم يَقُلْ كذلك أي: لم يمنع كونَها حالاً من الضمير في» هلك «، بل منع حاليَّتَها على العموم كما هو ظاهرُ قوله، ويحتمل أنه أراد مَنْعَ حاليتها من» امرؤ «لأنه نكرةٌ، لكنَّ النكرة هنا قد تخصَّصت بالوصف، وبالجملةِ فالحالُ من النكرة أقلُّ مه من المعرفة والذي ينبغي امتناعُ
стр. 2611
حاليتها مطلقاً كما هو ظاهر عبارته، وذلك أنَّ هذه الجملةَ المفسِّرةَ للفعل المحذوف لا موضِعَ لها من الإِعراب فأشبهت الجملَ المؤكدة، وأنت إذا أتبعت أو أخبرتَ فإنما تريدُ ذلك الاسمَ المتقدِّمَ في الجملة المؤكدة السابقة لا ذلك الاسمَ المكرَر في الجملة الثانية التي جاءت تأكيداً، لأنَّ الجملةَ الأولى هي المقصودةُ بالحديثِ، فإذا قلت:» ضربتُ زيداً ضربت زيداً الفاضلَ «ف» الفاضل «صفةُ» زيداً «الأول لأنه في الجملة المؤكَّدَة المقصودُ بالإِخبار، ولايَضُرُّ الفصلُ بين النعتِ والمنعوت بجملة التأكيد، فهذا المعنى يَنْفي كونَها حالاً من الضمير في» هلك «وأما ما ينفي كونَها حالاً من» امرؤ «فلِما ذكرته لك من قلةِ مجيء الحال من النكرةِ في الجملة. وفي هذه الآيةِ على ما اختاروه من كونِ» ليس له ولد «صفةً دليلٌ على الفصل بين النعت والمنعوت بالجملة المفسرة للمحذوف في باب الاشتغال، ونظيرُه:» إنْ رجلٌ قام عاقلٌ فأكرمْه «ف» عاقل «صفةٌ ل» رجل «فُصِل بينهما ب» قام «المفسِّرٍ ل» قام المفسَّر.
وقوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ كقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ، والفاء في «فلها» جوابُ «إنْ» وقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾ لا محلَّ لهذه الجملة من الإِعراب لاستئنافِها، وهي دالةٌ على جواب الشرط، وليست جواباً خلافاً للكوفيين وأبي زيد. وقال أبو البقاء: «وقد سَدَّتْ هذه الجملة مسدَّ جوابِ الشرط» يريد أنها دالةٌ كما تقدَّم، وهذا كما يقول النحاة: إذا اجتمع شرط وقسم أُجيب سابقُهما، وجعل ذلك الجواب ساداً مسدَّ جواب الآخر. والضميران من قوله: «وهو يرثها» عائدان على لفظ امرئ وأخت دونَ معناهما، فهو من باب قوله:
١٦٨ - ٢- وكُلُّ أناسٍ قاربوا قيدَ فَحْلِهمْ ... ونحن خَلَعْنا قيدَه فَهْوَ سارِبُ
стр. 2612
وقولهم: «عندي درهمٌ ونصفه» وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ وإنما احتيج إلى ذلك لأنَّ الحيةَ لا تُورَثُ والهالكَ لا يرثُ فالمعنى: وامرأً آخرَ غيرَ الهالك يرثُ أختاً له أخرى.
قوله: ﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين﴾ الألفُ في «كانتا» فيها أقوال أحدُهما: أنها تعودُ على الأختين يدلُّ على ذلك قولُه: «وله أخت» أي: فإن كانتِ الأختان اثنتين. وقد جَرَتْ عادةُ النحويين أن يسألوا هنا سؤالاً وهو أنَّ الخبر لا بد أن يفيد ما لا يفيده المبتدأ، وإلاَ لم يكن كلاماً، ولذلك مَنَعوا: «سيدُ الجارية مالكُها» لأن الخبر لم يَزِدْ على ما أفاده المبتدأ، والخبرُ هنا دَلَّ على عدد ذلك العدد مستفادٌ من الألف في «كانتا» وقد أجابوا عن ذلك بأجوبةٍ منها: ما ذكره أبو الحسن والأخفش وهو أنَّ قولَه «اثنتين» يدلُّ على مجرد الاثنيية من غير تقييدٍ بصغير أو كبير أو غير ذلك من الأوصاف، يعني أن الثلثين يُستَحقان بمجرد هذا العدد من غير اعتبار قيدٍ آخر، فصار الكلام بذلك مفيداً «. وهذا غيرُ واضحٍ لأنَّ الألفَ في» كانتا «تدل أيضاً على مجرد الاثنيية من غير قيد بصغير أو كبير أو غيرهما من الأوصاف، فقد رجعَ الأمرُ إلى أنَّ الخبر لم يُفِدْ غيرَ ما أفاده المبتدأ. ومنها: ما ذكره مكي عن الأخفش أيضاً، وتبعه الزمخشري وغيره وهو الحَمْلُ على معنى» مَنْ «وتقريره ما ذكره الزمخشري، قال ﵀:» فإن قلت: إلى مَنْ يرجع ضميرُ التثنية والجمع في قوله: ﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين، وَإِن كانوا إِخْوَةً﴾ قلت: أصلُه: فإن كان مَنْ يرث بالأخوَّة اثنتين، وإن كان [من] يرث بالأخوَّة ذكوراً وإناثاً، وإنما قيل: «فإن
стр. 2613
كانتا، وإن كانوا» كما قيل: «مَنْ كانت امَّك» فكما أَنَّث ضميرَ «مَنْ» لمكان تأنيث الخبر كذلك ثَنَّى وجمع ضميرَ مَنْ يرث في «كانتا» و «كانوا» لمكانِ تثنية الخبر وجمعِه «/ وهو جوابٌ حسن.
إلا أن الشيخَ إعترضه فقال: «هذا تخريجٌ لا يَصِحُّ، وليس نظيرَ» مَنْ كانت أمَّك «لأنه قد صَرَّح ب» مَنْ «ولها لفظ ومعنى، فمن أنَّث راعى المعنى، لأن التقدير: أيةُ أُمٍّ كانت أمكَ» ومدلول ُ الخبر في هذا مخالفٌ لمدلول الاسم، بخلافِ الآية فإن المدلولين واحد، ولم يؤنث في «مَنْ كانت أمك» لتأنيثِ الخبر، إنما أنث لمعنى «من» إذ أراد بها مؤنثاً ألا ترى أنك تقول «مَنْ قامت» فتؤنث مراعاة للمعنى إذا أردْتَ السؤال عن مؤنث، ولا خبر هنا فيؤنَّثَ «قامت لأجلهِ» انتهى وهو تحاملٌ منه على عادته، والزمخشري وغيره لم ينكروا أنه لم يُصَرَِّح في الآية بلفظِ «مَنْ» حتى يُفَرِّقَ لهم بهذا الفرقِ الغامض، وهذا التخريجُ المذكورُ هو القولُ الثاني في الألف.
والظاهرُ أنَّ الضميرَ في «كانتا» عائدٌ على الوارثتين. و «اثنتين» خبرُه، و «له» صفةٌ محذوفة بها حَصَلت المغايرة بين الاسم والخبر، والتقدير: فإنْ كانت الوارثتان اثنتين من الأخوات، وهذا جوابٌ حسن، وحَذْفُ الصفةِ لفهمِ المعنى غيرُ منكرٍ، وإن كان أقلَّ من عكسه، ويجوز أن يكونَ خبرُ «كان» محذوفاً، والألفُ تعودُ على الاختين المدلولِ عليهما بقوله: «وله أخت» كما تقدَّم ذكرُه عن الأخفش وغيرِه، وحينئذ يكونُ قولُه: «اثنتين» حالاً مؤكدة، والتقديرُ: وإنْ كانت الأختان له، فَحَذَفَ «له» لدلالةِ قوله: «وله أخت» عليه فهذه أربعةُ أقوال.
و «إنْ كانوا» في هذا الضمير ثلاثة أوجه أحدها: أنه عائد على المعنى «مَنْ» المقدرة تقديرُه: «فإن كان مَنْ يرث إخوة» كا تقدَّم تقريره عن
стр. 2614
الزمخشري وغيره. الثاني: أنه يعود على الإِخوة، ويكون قد أفاد الخبر بالتفصيل، فإنَّ الإِخوة يشمل الذكورَ والإِناث، وإن كان ظاهراً في الذكور خاصة فقد أفاد الخبر ما لم يُفِدْه الاسم، وإن عاد على الوارث فقد أفاد ما لم يُفِدْه الاسم إفادة واضحة، وهذا هو الوجهُ الثالث. وقوله: «فللذكرِ» أي: منهم فحُذِفَ لدلالة المعنى عليه.
قوله: ﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرها: أن مفعول البيان محذوفٌ، و «أن تَضِلُّوا» مفعولٌ من أجله على حَذْفِ مضاف تقديره: يبيِّن اللَّهُ أمرَ الكلالة كراهةَ أن تَضِلوا فيها، أي: في حكمها، وهذا تقديرُ المبرد. والثاني: - قول الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين- أنَّ «لا» محذوفةٌ بعد «أن» والتقدير: لئلا تضلوا. قالوا: «وحَذْفُ» لا «شائع ذائعٌ كقوله:
١٦٨ - ٣- رأينا ما رأى البُصَراءُ فيها ... فآلينا عليها أَنْ تُباعَا
أي: أن لا تُباع. وقال أبو إسحاق الزجاج:» هو مثلُ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] أي: لئلا تزولا. وقال أبو عبيد: «رَوَيْتُ للكسائي حديثَ ابن عمر وهو:» لا يَدْعُوَنَّ أحدُكم على ولدِه أن وافقَ من الله إجابةَ «فاسنحسنه أي: لئلا يوافق. ورجَّح الفارسي قولَ المبرد بأنَّ حَذْفَ المضاف أشيعُ من حذف» لا «النافية. الثالث: أنه مفعول» يبين «والمعنى: يبيِّن الله لكم الضلالة فتجتنبونَها، لأنه إذا بَيِّن الشر اجتُنِبَ، وإذا بَيَّن الخيرَ ارتُكِب.
стр. 2615
هذه السورة مدنية. بسم الله الرحمن الرحيم. قد تقدَّم نظيرُ قوله تعالى: [آية ١] ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ﴾ والبهيمة: كلُّ ذات أربع في البر أو البحر. وقل: ما أَبْهم من جهة نقص النطق والفهم. وكل ما كان على وزن فعيل أو فعلية حلقيَّ العين جاز في فائه الكسر إتباعاً لعينه نحو: بيهمة وشعيرة وصغيرة وبحيرة «والأنعام تقدَّم بيانها في آل عمران.
قوله: ﴿إِلاَّ مَا يتلى﴾ هذا مستثنى من بهيمة الأنعام، والمعنى: ما يتلى عليكم تحريمه، وذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ [المائدة: ٣] إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ [المائدة: ٣] . [وفيه قولان، أحدهما: أنه مستثنى متصل، والثاني:] أنه منقطعٌ حَسْبَ ما فُسِّر به المتلوُّ عليهم كا سيأتي بيانه، وعلى تقديرِ كونه استثناء متصلاً يجوز في محله وجهان، أظهرهما: أنه منصوبٌ لأنه استثناء متصل من موجب، ويجوز أن يُرْفَع على أنه نعتٌ ل» بهيمة «على ما قُرَّر في علم النحو. ونَقَل ابن عطية عن الكوفيين وجهين آخرين، أحدهما: أنه
стр. 2616
يجوزُ رفعه على البدل من» بهيمة «والثاني: أنَّ» إلا «حرف عطف وما بعدها عطف على ما قبلها، ثم قال:» وذلك لا يجوز عند البصريين إلا من نكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو: «جاء الرجالُ إلا زيدٌ» كأنك قلت: غيرُ زيد «وقوله:» وذلك «ظاهرُه أنه مشارٌ به إلى وجهي الرفع: البدلِ والعطف. وقوله:» إلا من نكرة «غيرُ ظاهر، لأن البدل لا يجوز البتة من موجب عند أحد من الكوفيين والبصريين. ولا يُشترط في البدل التوافقُ تعريفاً وتنكيراً. وأمَّا العطفُ فذكره بضع الكوفيين، وأما الذي اشترط في البصريون التنكيرَ أو ما قاربه فإنما اشترطوه في النعت ب» إلا «فيُحتمل أنه اختلط على أبي محمد شرطُ النعت فجعله شرطاً في البدل، هذا كله إذا أريد بالمتلوِّ عليهم تحريمُه قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ [المائدة: ٣] إلى آخره، وإنْ أريد به الأنعامُ والظباء وبقرُ الوحش وحُمُرهُ فيكون منقطعاً بمعنى» لكن «عند البصريين وبمعنى» بل «عند الكوفيين، وسيأتي بيانُ هذا المنقطع بأكثرَ من هذا عند التعرُّض لنصب» غير «عن قرب.
قوله تعالى:» غيرَ «في نصبه خمسة أوجه/، أحدها: أنه حال من الضمير المجرور في» لكم «وهذا قول الجمهور، وإليه ذهب الزمخشري وابن عطية وغيرهما، وقد ضُعِّف هذا الوجهُ بأنه يلزم منه تقييد إحلال بهيمة الأنعام لهم بحالِ كونهم غيرَ مُحِلِّي الصيد وهم حرم، إذ يصير معناه:» أُحِلَّتْ لكم بهيمة الأنعام في حال كون انتفاء كونكم تُحِلّون الصيدَ وأنتم حرم «، والغرض أنهم قد أُحِلَّتْ لهم بهيمة الأنعام في هذه الحال وفي غيرها، هذا إذا أريد ببهيمة الأنعامِ الأنعامُ نفسها، وأما إذا غُنِي بها الظباءُ وحمر الوحش وبَقَره على ما فَسَّره بعضم فيظهر للتقييدِ بهذه الحال فائدةٌ، إذ يصير المعنى: أُحِلت
стр. 2617
لكم هذه الأشياء حالَ انتفاء كونكم تُحِلُّون الصيد وأنتم حرم فهذا معنى صحيح، ولكن التركيب الذي قَدَّرته لك فيه قلقٌ.
ولو أُريد هذا المعنى من الآية الكريمة لجاءت به على أحسن تركيب وأفصحه.
الوجه الثاني: - وهو قولُ الأخفشِ وجماعةٍ - أنه حالٌ من فاعل «أوْفوا» والتقدير: أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم مُحِلِّين الصيد وأنتم حرم. وقد ضَعَّفوا هذا المذهبَ من وجهين، الأول: أنه يلزم منه الفصلُ بين الحال وصاحبها بجملة أجنبية، ولا يجوز الفصل إلا بجمل الاعتراض، وهذه الجملةُ وهي قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾ ليست اعتراضيةً، بل هي منشئةٌ أحكاماً ومُبَيِّنَةٌ لها، وجملةُ الاعتراض إنما تفيد تأكيداً وتسديداً. والثاني: أنه يلزمُ منه تقييد الأمر بإيفاء العقود بهذه الحالة فيصيرُ التقدير كما تقدَّم، وإذا اعتبرنا مفهومَه يصير المعنى: فإذا انتفت هذه الحالُ فلا تُوفوا بالعقود، والأمرُ ليس كذلك، فإنهم مأمورون بالإِيفاءِ بالعقودِ على كلِّ حالٍ من إحرامٍ وغيرِه.
الوجه الثالث: أنه منصوبٌ على الحالِ من الضمير المجرور في «عليكم» أي: إلاَّ ما يُتْلى عليكم حالَ انتفاءِ كونكم مُحِلِّين الصيد. وهو ضعيفٌ أيضاً بما تقدَّم من أنَّ المتلوَّ عليهم لا يُقَيَّد بهذه الحالِ دون غيرها بل هو متلو عليهم في هذه الحال وفي غيرها.
الوجه الرابع: أنه حالٌ من الفاعل المقدَّر، يعني الذي حُذف وأقيم المفعولُ مُقامه في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ﴾ فإن التقدير عنده: أَحَلَّ الله لكم بهيمة الأنعام غيرَ محلٍ لكم الصيد وأنتم حرم. فحذفت الفاعلَ وأقامَ المفعولَ مقامه، وترك الحال من الفعل باقية. وهذا الوجهُ فيه ضعفٌ من وجوه. الأول أن الفاعلَ المنوبَ عنه صار نسياً منسيَّاً غيرَ ملتفَتٍ إليه، نصُّوا
стр. 2618
على ذلك، لو قلت: «أُنْزِلَ الغيث مجيباً لدعائهم» وتجعل «مجيباً» حالاً من الفاعل المنوبِ عنه، فإنَّ التقدير: «أَنْزل اللهُ الغيثَ حالَ إجابته لدعائهم» لم يَجُزْ فكذلك هذا، ولا سيما إذا قيل: بأن بنْية الفعلِ المبني للمفعولِ بنيةٌ مستقلة غيرُ محلولةٍ من بنية مبنية للفاعل كما هو قول الكوفيين وجماعة من البصريين. الثاني: أنه يلزم منه التقييدُ بهذه الحالِ إذا عَنَى بالأنعام الثمانية الأزواج، وتقييدُ إحلاله تعالى لهم هذه الثمانية الأزواج بحال انتفاء إحلالِه الصيدَ وهم حرمٌ، واللهُ تعالى قد أَحَلَّ لهم هذه مطلقاً. والثالث: أنه كُتب «مُحِلِّي» بصيغة الجمع فيكف يكون حالاً من الله؟ وكأن هذا القائل زعم أن اللفظَ «مُحِلّ» من غير ياء، وسياتي ما يشبه هذا القول.
الوجه الخامس: أنه منصوبٌ على الاستثناء المكرر، يعني أنه هو وقولَه «إلا ما يتلى» مستثنيان من شيء واحد، وهو «بيهمة الأنعام» نَقَل ذلك بعضُهم عن البصريين قال: «والتقديرُ: إلا ما يتلى عليكم إلا الصيدَ وأنتم محرمون، بخلاف قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] على ما يأتي بيانُه، قال هذا القائل:» ولو كان كذلك لوَجَبَ إباحةُ الصيد في الإِحرام لأنه مستثنى من الإِباحة. وهذا وجه ساقط، فإذن معناه: أُحِلَّتْ لكم بهيمةُ الأنعام غيرَ محلّي الصيد وأنتم حُرُمٌ إلا مايُتلى عليكم سوى الصيدِ «انتهى.
وقال الشيخ:» إنما عَرْضُ الإِشكالِ مِنْ جَعْلم «غير محلّي الصيد» حالاً من المأمورين بإيفاء العقود، أو مِن المحلِّل لهم وهو الله تعالى، أو من
стр. 2619
المتلوِّ عليهم، وغَرَّهم في ذلك كونُه كتب «محلِّي» بالياء، وقدَّروه هم أنه اسم فاعل من «أحلِّ» وأنه مضاف إلى الصيد إضافةَ اسم الفاعلِ المتعدِّي إلى المفعول، وأنه جَمْعٌ حُذِف منه النونُ للإِضافة، وأصلُه: «غيرَ محلين الصيد» إلا في قولِ مَنْ جعله حالاً من الفعل المحذوف فإنه لا يُقَدِّر حذفَ نون، بل حذفَ تنوين. وإنما يزول الإِشكال ويتضح المعنى بأن يكون قوله «مُحِلّي الصيد» من باب قولهم «حسان النساء» ، والمعنى: النساء الحسان فكذلك هذا، أصلُه: غيرَ الصيدِ المُحِلّ، والمُحِلُّ صفة للصيد لا للناس ولا للفاعل المحذوف. ووصفُ الصيد بأنه مُحِلُّ على وجهين، أحدهما: أن يكون معناه دَخَل في الحل، كما تقول: «أَحَلَّ الرجلُ» إذا دخل في الحِلِّ، وأَحْرم إذا دخل في الحرم. الوجه الثاني: أن يكون معناه صار ذا حِلّ، أي: حَلالاً بتحليلِ الله، وذلك أنَّ الصيدَ على قسمين: حلالٌ وحرام، ولا يختصُّ الصيدُ في لغةِ العرب / بالحلال لكنه يختصُّ به شرعاً، وقد تَجَوَّزت العربُ فأطلقت الصيد على ما لا يوصف بحِلٍّ ولا حُرْمة كقوله:
١٦٨ - ٤- لَيْثٌ يعَثَّرَ يصطادُ الرجالَ إذا ... ما الليثُ كَذَّب عن أقرانِه صَدَقَا
وقولِ الآخر:
١٦٨ - ٥- وقد ذَهَبَتْ سَلْمَى بعقلِك كلِّه ... فهل غيرُ صيدٍ أَحْرَزَتْهُ حبائِلُهْ
стр. 2620
وقولِ امرئ القيس:
١٦٨ - ٦- وهِرُّ تصيدُ قلوبَ الرجالِ ... وأَفْلَتَ منها ابنُ عمروٍ حُجُرْ
ومجيءُ «أَفْعَل» على الوجهين المذكورين كثيرٌ في لسان العرب، فمِنْ مجيء افعل لبلوغِ المكان ودخولِه قولُهم: أحرمَ الرجلُ وأَعْرق وأَشْأَم وأَيْمن وأَتْهم وأَنْجد، إذا بلغ هذه الأمكان وحَلَّ بها، ومن مجيء أفعل بمعنى صار ذا كذا قولهم: «أعشبت الأرض، وأبقلت، وأَغَدَّ البعير، وأَلْبنت الشاة وغيرها، وأَجْرت الكلبة، وأَصْرم النخل، وأَتْلَت الناقة، وأَحْصَدَ الزرع، وأَجْرب الرجل، وأنجبت المرأة» وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكون مُحِلاًّ باعتبار أحد الوجهين المذكورين من كونه بَلَغ أو صار ذا حِلّ اتضح كونُه استثناء ثانياً ولا يكون استثناء من استثناء.
إذ لا يمكن ذلك لتناقض الحكمِ، لأنَّ المستثنى من المُحَلَّل مُحَرَّم، والمستثنى من المحرم مُحَلَّل، بل إنْ كن المعنيُّ بقوله «بيهمة الأنعام» الأنعامَ أنفسها فيكونُ استثناء منقطعاً، وإن كان المرادُ الظباءَ وبقرَ الوحش وحمره، فيكون استثناء متصلاً على أحد تفسيري المُحِلّ، استثنى الصيد الذي بلغ الحِلَّ في حال كونهم مُحْرمين. فإن قلت: ما فائدةُ هذا الاستثناءِ بقيدِ بلوغِ الحِلِّ، والصيد الذي في الحرم لا يَحِلُّ أيضاً؟ قلت: الصيدُ الذي في الحَرَم لا يَحِلُّ للمحرم ولا لغير المحرم، وإنما يَحِلُّ لغير المحرم الصيدُ الذي في الحِلّ، فنبَّه بأنه إذا كان الصيد الذي في الحِلِّ على المُحْرِم - وإن كان حلالاً لغيره - فأحرى أن يَحْرُم عليه
стр. 2621
الصيدُ الذي هو بالحَرَم، وعلى هذا التفسير يكون قوله: ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ إنْ كان المراد به ما جاء بعده من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾ الآية استثناءً منقطعاً، إذ لا تختص الميتة وما ذُكِر معها بالظباء وبقرِ الوحش وحمره فيصير: «لكن ما يتلى عليكم - أي: تحريمُه - فهو مُحَرَّم» ، وإن كان المرادُ ببهيمة الأنعامِ الأنعامَ والوحوشَ فيكون الاستثناءان راجِعَيْن إلى المجموع على التفصيل فيرجع «ما يتلى عليكم» إلى ثمانية الأزواج، ويرجع «غيرَ مُحِلّي الصيد» إلى الوحوش، إذ لا يمكن أن يكون الثاني استثناء من الاستثناء الأول، وإذا لم يمكن ذلك وأمكن رجوعه إلى الأول بوجهٍ ما رجع إلى الأول، وقد نص النحويون أنه إذا لم يمكن استثناءُ بعضِ المستثنيات من بعض جُعِل الكلُّ مستثنًى من الأول نحو: «قام القومُ إلا زيداً إلا عمرواً إلا بكراً» فإن قلت: ما ذكرته من هذا التخريج وهو كونُ المُحِلِّ من صفة الصيد لا من صفة الناس ولا من صفة الفاعل المحذوف يأباه رسمه في في المصحف «مُحِلّي» بالياء، ولو كان من صفته الصيد دون الناس لكتب «مُحِلّ» من غير ياء، وكونُ القراء وقفوا عليه بالياء أيضاً يأبى ذلك. قلت: لا يعكر ذلك على التخريج، لأنهم قد رسموا في المصحف الكريم أشياءَ تخالف النظق بها ككتابتهم ﴿لأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] ﴿ولأَوْضَعُواْ﴾ [التوبة: ٤٧] ألفاً بعد لام الألف، وكتابتم «بأَيْيد» بياءين بعد الهمزة، وكتابتهم «أولئك» بزيادة واو، ونقصِ ألفٍ بعد اللام، وكتابتهم «الصالحات» ونحوه بسقوط الألفين إلى غير ذلك. وأمَّا وقفُهم عليه بالياء فلا يجوزُ، إذ لا يوقف على المضافِ دون المضاف إليه، وإنْ وقف واقف فإنَّما يكون لِقَطْع نَفَسٍ أو اختبار، وعلى أنه يمكن توجيهُ كتابته بالياء
стр. 2622
والوقف عليه بها وهو أنَّ لغةَ الأزد يقفون فيها على «بزيدٍ» بزيدي، بإبدال التنوين ياءً فكتب «مُحِلِّي» على الوقف على هذه اللغة بالياء، وهذا توجيهُ شذوذٍ رَسْمي، ورسمُ المصحف مما لا يقاس عليه «انتهى.
وهذا الذي ذكره واختاره وغَلَّط الناس فيه ليس بشيء، وما ذكره من توجيه ثبوت الياء خطاً ووقفاً فخطأ محض؛ لأنه على تقدير تسليم ذلك في تلك اللغة فأين التنوينُ الذي في «مُحِل» ؟ وكيف يكون فيه تنوين وهوم ضاف حتى يقول: إنه قد يُوَجَّه بلغة الأزد، وما ذكره من كونه يحتمل مما يكونون قد كتبوه كما كتبوا تلك الأمثلة المذكورة فشيء لا يُعَوَّل عليه، لأنَّ خط المصحف سُنَّةٌ متبعة لا يقاس عليه فكيف يقول: يحتمل أن يقاس هذا على تلك الأشياء؟ وأيضاً فإنهم لم يُعْربوا «غير» إلا حالاً، حتى نقل بعضهم الإِجماع على ذلك، وإنما اختلفوا في صاحب الحال، فقوله: إنه استثناء ثان مع هذه الأوجه الضعيفة خرقٌ للإِجماع، إلا ما تقدم نَقْلَه عن بعضهم من أنه استثناء ثان، وعزاه للبصريين، لكن لا على هذا المَدْرَك الذي ذكره الشيخ. وقديماً وحديثاً استشكل الناسُ هذه الآية. قال ابن عطية: «وقد خَلَط الناس في هذا الموضع في نصب» غير «وقدَّروا تقديمات وتأخيرات، وذلك كله غير مُرْضِ، لأنَّ الكلام على اطراده فيمكن استثناء بعد استثناء» وهذه الاية مما اتضح للفصحاء البلغاء فصاحتُها وبلاغتها، حتى يُحْكَى أنه قيل للكندي: «أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن» فقال: «نعم أعملُ لكم مثلَ بعضِه» ، فاحتجب أياماً كثيرة، ثم خَرَجَ فقال: «واللهِ لا يَقْدِرُ أحد على ذلك، إنني فتحت المصحفَ فخرجت سورةُ المائدة / فإذا هو قد نَطَقَ بالوفاء ونهى عن
стр. 2623
النكث وحَلَّل تحليلاً عاماً ثم استثنى استثناءً بعد استثناء، ثم أَخْبَرَ عن قُدْرَتِه وحكمته في سطرين» .
والجمهور على نصب «غير» ، وقرأ ابن أبي عبلة برفعه، وفيه وجهان، أظهرهما: أنه نعت ل «بهيمة الأنعام» والموصوف ب «غير» لا يلزم فيه أن يكونَ مماثلاً لما بعدها في جنسه، تقول: مررت برجلٍ غير حمار «هكذا قالوه، وفيه نظر، ولكن ظاهر هذه القراءة يدلُّ لهم. والثاني: أنه نعتٌ للضمير في» يُتْلى «قال ابن عطية:» لأنَّ «غير محلي الصيد» في المعنى بمنزلة «غير مُسْتَحَلٍ إذا كان صيداً» وقيه تكلُّفٌ.
والصيد في الأصل مصدر صاد يصيد ويُصاد، ويُطْلق على المصيد ك «درهمٌ ضَرْبُ الأميرِ» وهو في الآية الكريمة يحتمل الأمرين: أعني مِنْ كونِه باقياً على مصدريته، كأنه قيل: أَحَلَّ لكم بهيمةَ الأنعام غيرَ محلِّين الاصطيادَ وأنتم مُحْرِمون، ومن كونه واقعاً موقع المفعول أي: غيرَ محلِّين الشيء المصيدَ وأنتم مُحْرمون.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال، وما هو صاحبُ هذه الحال؟ فقال الزمخشري: «هي حال عن» مُحِلّي الصيد «كأنه قيل: أَحْلَلْنا لكم بعضَ الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم مُحْرِمون لئلا نتحرَّج عليكم» قال الشيخ «وقد بَيَّنَّا فساد هذا القول بأنَّ الأنعامَ مباحةٌ مطلقاً لا بالتقيد بهذه الحال» . وهذا الردُّ ليس بشيء لأنه إذا أَحَلَّ لهم بعضَ الأنعام في حالِ امتناعِهم من الصيد فأنْ يُحِلِّها لهم وهم غيرُ
стр. 2624
مُحْرِمين بطريقِ الأولى. و «حُرُم» جمعَ حرام بمعنى مُحْرِم قال:
١٦٨ - ٧- فقلْتُ هلا فيئي إليك فإنني ... حَرَامُ وإني بعد ذاك لبيبُ
أي: مُلَبٍّ، وأَحْرَمَ: إذا دَخَل في الحَرَم أو في الإِحرام. وقال مكي بن أبي طالب: «هو في موضع نصب على الحال من المضمر في» محلي «وهذا هو الصحيح، وأما ما ذكره أبو القاسم فلا يَظْهَرُ وفيه مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع المستثناة.
وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم والحسن:» حُرْم «بسكون الراء، قال أبو الحسن:» هي لغة تميم «يعني يسكِّنون ضم» فُعُل «جمعاً نحو:» رُسْل «.
стр. 2625
قوله تعالى: ﴿وَلاَ القلائد﴾ : ولا ذوات القلائد، ويجوز أن يكونَ المرادُ القلائدَ حقيقة، ويكون فيه مبالغةٌ في النهي عن التعرض للهَدي المقلَّد، فإنه إذا نَهَى عن قِلادته أن يُتَعَرَّض لها فبطريق الأَوْلى أن يَنْهى عن التعرض للهَدْي المُقَلَّد بها، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ لأنه إذا نَهَى عن إظهار الزينة فما بالك بمواضعها من الأعضاء. وقوله: ولا آمِّيْنَ «أي: ولا تُحِلُّوا قوماً آمِّين، ويجوز ان يكون على حذف مضاف أي: لا تُحِلُّوا قتالَ قوم أو أذى قوم آمِّين. وقرأ عبد الله ومَنْ تبعه:» ولا آمِّي البيتِ «بحذف
стр. 2626
النون وإضافةِ اسم الفاعل إلى معموله. و» البيت «نصبٌ على المفعول به ب» آمّين «أي قاصدين البيتَ، وليس ظرفاً.
وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ حالٌ من الضمير في» آمِّين «أي: حالَ كون الآمِّين مبتغين فَضْلاً، ولا يجوزُ أن تكونَ هذه الجملة صفة ل» آمّين «لأن اسم الفاعل متى وُصف بَطَل عمله على الصحيح، وخالف الكوفيون في ذلك، وأعرب مكي هذه الجملةَ صفةً ل» آمِّين «وليس بجيد لِما تقدم، وكأنه تبع في ذلك الكوفيين. وهنا سؤال: وهو أنه لِم لا قيل بجوازِ إعماله قبل وصفِه كما في هذه الآية قياساً على المصدر فإنه يَعْمل قبلَ أن يُوصف نحو: يعجبني ضربٌ زيداً شديدٌ؟ والجمهور على» يبتغون «بتاء الخطاب، على أنه خطاب للمؤمنين وهي قَلِقة لقوله: ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ ولو أريد خطاب المؤمنين لكان تمامُ المناسبة:» تبتغون فضلاً من ربكم «و» من ربهم «يجوز أن يتعلق بنفس الفعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل» فضلاً «أي: فضلاً كائناً من ربهم. وقد تقدم الخلاف في ضم راء» رضوان «في آل عمران. وإذا عَلَّقنا» من ربهم «بمحذوفٍ على أنه صفة ل» فضلاً «فيكون قد حَذَفَ صفة» رضوان «لدلالةِ ما قبله عليه أي: ورضواناً من ربهم، وإذا عَلَّقناه بنفس الفعل لم يَحْتَجْ إلى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا﴾ قُرئ:» أَحْللتم «وهي لغة في» حَلَّ «،
стр. 2627
ويقال:» أحَلَّ من إحْرامِه «كما يقال: حَلَّ وقرأ الحسن بن عمران وأبو واقد ونبيح والجراح بكسر الفاء العاطفة، وهي قراءةٌ ضعيفة مشكلة، وخَرَّجها الزمخشري على أن الكسر في الفاء بدلٌ من كسر الهمزة في الابتداء. وقال ابن عطية:» هي قراءةٌ مشكلة، ومن توجيهها أن يكونَ راعى كسر ألف الوصل إذا ابتدأ، فكسرَ الفاءَ مراعاةً وتذكُّراً لكسر ألف الوصل «. وقال الشيخ:» وليس عندي هو كسراً محضاً بل هو إمالة محضةٌ لتوهُّم وجود كسرة همزة الوصل، كما أمالوا فاء «فإذا» لوجود كسر الهمزة «.
قوله: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ قرأ الجمهور: «يَجْرِمَنَّكم» بفتح الياء من «جرم» ثلاثياً «ومعنى» جَرَمَ «عند الكسائي وثعلب: حمل، يقال:» جَرَمه على كذا «أي: حمله عليه، فعلى هذا التفسير يتعدَّى» جرم «لواحد، وهو الكاف والميم، ويكون قوله: ﴿أَن تَعْتَدُواْ﴾ على إسقاطِ حرف الخفض وهو» على «أي: ولا يَحْملنكم بُعْضكم لقوم على اعتدائكم عليهم، فيجيء في محلِّ» أَنْ «الخلافُ المشهور، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة. ومعناه عند أبي عبيد والفراء كسب، ومنه» فلان جريمةُ أهله «أي: كاسبهُم، وعن
стр. 2628
الكسائي أيضاً: أنَّ جرم وأجرم بمعنى كَسَب غيره، وعلى هذا فيحتمل وجهين، أحدهما: أنه متعد لواحد. والثاني: أنه متعد لاثنين، كما أن» كَسَب «كذلك، وأما في الآية الكريمة فلا يكون إلا متعدياً لاثنين أولُهما ضميرُ الخطاب. الثاني:» أن تعتدوا «أي: لا يَكْسِبَنَّكم بغضُكم لقومٍ الاعتداءَ عليهم.
وقرأ عبد الله:» يُجْرِمَنَّكم «بضم الياء من أجرم رباعياً، وقيل: هو بمعنى جَرَم كا تقدم نَقْلُه عن الكسائي، وقيل:» أجرم «منقول من» جرم «بهمزة التعدية. قال الزمخشري:» جَرَم يجري مجرى كسب في تعديتِه إلى مفعول واحد وإلى اثنين، تقول: «جَرَمَ ذنباً» نحو: كَسبه، وجرمته ذنباً أي: كَسَبته إياه، ويقال: أجرمته ذنباً على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين كقولك: «أكسبته ذنباً» وعليه قراءةُ عبد الله: «ولا يُجْرمنكم» ، وأولُ المعفولين على القراءتين / ضميرُ المخاطبين، والثاني: «أَنْ تعتدوا» انتهى وأصلُ هذه المادةِ - كما قال ابن عيسى الرماني - القطعُ، فجرم «حَمَل على الشيء» لقطعِه عن غيره، وجَرَم «كَسَب» لانقطاعه إلى الكسب، وجَرَم بمعنى «حَقّ» لأن الحق يُقطع عليه. قال الخليل: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: ٦٢] أي: لقد حق، هكذا قال الرماني، فجَعَل بين هذه الألفاظ قَدْراً مشتركاً، وليس عنده من باب الاشتراك اللفظي.
و «شَنآنُ: معناه بُغْض، وهو مصدر شَنِئ أي: أبغض. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم:» شَنْآن «بسكونِ النون، والباقون بفتحها، وجَوَّزوا في كل
стр. 2629
منهما أن يكونَ مصدراً وأن يكون وصفاً، حتى يُحْكى عن أبي عليّ أنه قال:» مَنْ زَعَم أن «فَعَلان» إذا سَكَنت عينه لم يكن مصدراً فقد أخطأ إلا ان فَعْلان بسكون العين قليلٌ في المصادر نحو: «لَوَيْتُه دينه لَيَّاناً» بل هو كثير في الصفات نحو سَكْران وبِابِه، وفَعَلان بالفتح قليلٌ في الصفات قالوا: حمارٌ قَطَوان أي عَسِر السير، وتيس عَدَوان قال:
١٦٨ - ٨-. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كَتَيْسِ ظِباء الحُلَّبِ العَدَوانِ
ومثله قولُ الآخر: - أنشده أبو زيد -
١٦٨ - ٩- وقبلَك ما هابَ الرجالُ ظُلامتي ... وفَقَّأْتُ عينَ الأَشْوَسِ الأَبَيَانِ
بفتح الباء والياء، بل الكثيرُ أن يكونَ مصدراً نحو: «الغلَيان والنزوان» فإنْ أُريد بالشنآن الساكنِ العين الوصفُ فالمعنى: ولا يَجْرمنكم بغيضُ قوم، وبغيض بمعنى مُبْغض اسم فاعل من أبغض وهو متعدّ، ففعيل بمعن الفاعل كقدير ونصير، وإضافته لقوم على هذا إضافةُ بيان أي: إنَّ البغيض من بينهم، وليس مضافاً لفاعل ولا مفعول، بخلاف ما إذا قَدَّرْته مصدراً فإنه يكون مضافاً إلى مفعوله أو فاعله كما سيأتي. وقال صاحبُ هذا القول: «يقال: رجلٌ شَنْآن وامرأة شنْآنة كَنْدمان وندمانة، وقياسُ هذا أن
стр. 2630
يكون من فِعْلٍ متعدّ» وحكى: رجل شنآن وامرأة شَنْأى كَسكْران وسكرى، وقياسُ هذا أن يكون من فِعْلٍ لازم، ولا بُعْدَ في ذلك، فإنهم قد يشتقون من مادة واحة القاصر والمتعدي، قالوا: «فَغَرْتُ فاه وفَغَر فُوه» أي: فتحه فانفتح، وإنْ أُريد به المصدرُ فواضحٌ، ويكون مضافاً إلى مفعولِه أي: بغضُكم لقومٍ، فحُذِف الفاعل، ويجوز أن يكون مضافاً إلى فاعله أي: بغضُ قوم إياكم فحذف معفوله، والأول أظهر في المعنى، وحكم «شنآن» بفتح النون مصدراً وصفةً حكمُ الساكنِها، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك، ومن مجيءِ «شَنآن» الساكنِ العينِ مصدراً قول الأحوص:
١٦٩ - ٠- وما الحبُّ إلا مَا تَلذُّ وتَشْتَهي ... وإنْ لامَ فيه ذو الشَّنَانِ وفَنَّدا
أراد الشنْآن بسكونِ النونِ فنقلَ حركةَ الهمزة إلى النون الساكنة، وحذف الهمزة، ولولا سكونُ النونِ لما جاز النقل، ولو قال قائل: إن الأصل «الشنآن» بفتح النون، وخفف الهمزة بحذفها رأساً، كما قرئ ﴿إنها لاحْدى الكُبَر﴾ [المدثر: ٣٥] بحذفِ همزة «إحدى» لكان قولاً يسقط به الدليل لاحتماله. والشنآن بالفتح مِمَّا شَذَّ عن القاعدة الكلية، قال سيبويه: «كلُّ بناء من المصادر على وزن فَعَلان بفتح العين لم يتعدَّ فعلُه إلا أن يَشِذَّ شيءٌ كالشَّنآن» يعني أنه مصدرٌ على فَعَلان بالفتح ومع ذلك فعلُه متعدٍّ، وفعلُه أكثر الأفعال مصادِرَ، سُمِع له ستةَ عشرَ مصدراً قالوا: شَنِئَ يَشْنَأُ شَنْئَاً وشَنآناً مثلثي الشين فهذه ست
следующие страницы →