← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

النون وإضافةِ اسم الفاعل إلى معموله. و» البيت «نصبٌ على المفعول به ب» آمّين «أي قاصدين البيتَ، وليس ظرفاً. وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ حالٌ من الضمير في» آمِّين «أي: حالَ كون الآمِّين مبتغين فَضْلاً، ولا يجوزُ أن تكونَ هذه الجملة صفة ل» آمّين «لأن اسم الفاعل متى وُصف بَطَل عمله على الصحيح، وخالف الكوفيون في ذلك، وأعرب مكي هذه الجملةَ صفةً ل» آمِّين «وليس بجيد لِما تقدم، وكأنه تبع في ذلك الكوفيين. وهنا سؤال: وهو أنه لِم لا قيل بجوازِ إعماله قبل وصفِه كما في هذه الآية قياساً على المصدر فإنه يَعْمل قبلَ أن يُوصف نحو: يعجبني ضربٌ زيداً شديدٌ؟ والجمهور على» يبتغون «بتاء الخطاب، على أنه خطاب للمؤمنين وهي قَلِقة لقوله: ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ ولو أريد خطاب المؤمنين لكان تمامُ المناسبة:» تبتغون فضلاً من ربكم «و» من ربهم «يجوز أن يتعلق بنفس الفعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل» فضلاً «أي: فضلاً كائناً من ربهم. وقد تقدم الخلاف في ضم راء» رضوان «في آل عمران. وإذا عَلَّقنا» من ربهم «بمحذوفٍ على أنه صفة ل» فضلاً «فيكون قد حَذَفَ صفة» رضوان «لدلالةِ ما قبله عليه أي: ورضواناً من ربهم، وإذا عَلَّقناه بنفس الفعل لم يَحْتَجْ إلى ذلك. قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا﴾ قُرئ:» أَحْللتم «وهي لغة في» حَلَّ «،

стр. 2627

ويقال:» أحَلَّ من إحْرامِه «كما يقال: حَلَّ وقرأ الحسن بن عمران وأبو واقد ونبيح والجراح بكسر الفاء العاطفة، وهي قراءةٌ ضعيفة مشكلة، وخَرَّجها الزمخشري على أن الكسر في الفاء بدلٌ من كسر الهمزة في الابتداء. وقال ابن عطية:» هي قراءةٌ مشكلة، ومن توجيهها أن يكونَ راعى كسر ألف الوصل إذا ابتدأ، فكسرَ الفاءَ مراعاةً وتذكُّراً لكسر ألف الوصل «. وقال الشيخ:» وليس عندي هو كسراً محضاً بل هو إمالة محضةٌ لتوهُّم وجود كسرة همزة الوصل، كما أمالوا فاء «فإذا» لوجود كسر الهمزة «. قوله: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ قرأ الجمهور: «يَجْرِمَنَّكم» بفتح الياء من «جرم» ثلاثياً «ومعنى» جَرَمَ «عند الكسائي وثعلب: حمل، يقال:» جَرَمه على كذا «أي: حمله عليه، فعلى هذا التفسير يتعدَّى» جرم «لواحد، وهو الكاف والميم، ويكون قوله: ﴿أَن تَعْتَدُواْ﴾ على إسقاطِ حرف الخفض وهو» على «أي: ولا يَحْملنكم بُعْضكم لقوم على اعتدائكم عليهم، فيجيء في محلِّ» أَنْ «الخلافُ المشهور، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة. ومعناه عند أبي عبيد والفراء كسب، ومنه» فلان جريمةُ أهله «أي: كاسبهُم، وعن

стр. 2628

الكسائي أيضاً: أنَّ جرم وأجرم بمعنى كَسَب غيره، وعلى هذا فيحتمل وجهين، أحدهما: أنه متعد لواحد. والثاني: أنه متعد لاثنين، كما أن» كَسَب «كذلك، وأما في الآية الكريمة فلا يكون إلا متعدياً لاثنين أولُهما ضميرُ الخطاب. الثاني:» أن تعتدوا «أي: لا يَكْسِبَنَّكم بغضُكم لقومٍ الاعتداءَ عليهم. وقرأ عبد الله:» يُجْرِمَنَّكم «بضم الياء من أجرم رباعياً، وقيل: هو بمعنى جَرَم كا تقدم نَقْلُه عن الكسائي، وقيل:» أجرم «منقول من» جرم «بهمزة التعدية. قال الزمخشري:» جَرَم يجري مجرى كسب في تعديتِه إلى مفعول واحد وإلى اثنين، تقول: «جَرَمَ ذنباً» نحو: كَسبه، وجرمته ذنباً أي: كَسَبته إياه، ويقال: أجرمته ذنباً على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين كقولك: «أكسبته ذنباً» وعليه قراءةُ عبد الله: «ولا يُجْرمنكم» ، وأولُ المعفولين على القراءتين / ضميرُ المخاطبين، والثاني: «أَنْ تعتدوا» انتهى وأصلُ هذه المادةِ - كما قال ابن عيسى الرماني - القطعُ، فجرم «حَمَل على الشيء» لقطعِه عن غيره، وجَرَم «كَسَب» لانقطاعه إلى الكسب، وجَرَم بمعنى «حَقّ» لأن الحق يُقطع عليه. قال الخليل: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: ٦٢] أي: لقد حق، هكذا قال الرماني، فجَعَل بين هذه الألفاظ قَدْراً مشتركاً، وليس عنده من باب الاشتراك اللفظي. و «شَنآنُ: معناه بُغْض، وهو مصدر شَنِئ أي: أبغض. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم:» شَنْآن «بسكونِ النون، والباقون بفتحها، وجَوَّزوا في كل

стр. 2629

منهما أن يكونَ مصدراً وأن يكون وصفاً، حتى يُحْكى عن أبي عليّ أنه قال:» مَنْ زَعَم أن «فَعَلان» إذا سَكَنت عينه لم يكن مصدراً فقد أخطأ إلا ان فَعْلان بسكون العين قليلٌ في المصادر نحو: «لَوَيْتُه دينه لَيَّاناً» بل هو كثير في الصفات نحو سَكْران وبِابِه، وفَعَلان بالفتح قليلٌ في الصفات قالوا: حمارٌ قَطَوان أي عَسِر السير، وتيس عَدَوان قال: ١٦٨ - ٨-. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كَتَيْسِ ظِباء الحُلَّبِ العَدَوانِ ومثله قولُ الآخر: - أنشده أبو زيد - ١٦٨ - ٩- وقبلَك ما هابَ الرجالُ ظُلامتي ... وفَقَّأْتُ عينَ الأَشْوَسِ الأَبَيَانِ بفتح الباء والياء، بل الكثيرُ أن يكونَ مصدراً نحو: «الغلَيان والنزوان» فإنْ أُريد بالشنآن الساكنِ العين الوصفُ فالمعنى: ولا يَجْرمنكم بغيضُ قوم، وبغيض بمعنى مُبْغض اسم فاعل من أبغض وهو متعدّ، ففعيل بمعن الفاعل كقدير ونصير، وإضافته لقوم على هذا إضافةُ بيان أي: إنَّ البغيض من بينهم، وليس مضافاً لفاعل ولا مفعول، بخلاف ما إذا قَدَّرْته مصدراً فإنه يكون مضافاً إلى مفعوله أو فاعله كما سيأتي. وقال صاحبُ هذا القول: «يقال: رجلٌ شَنْآن وامرأة شنْآنة كَنْدمان وندمانة، وقياسُ هذا أن

стр. 2630

يكون من فِعْلٍ متعدّ» وحكى: رجل شنآن وامرأة شَنْأى كَسكْران وسكرى، وقياسُ هذا أن يكون من فِعْلٍ لازم، ولا بُعْدَ في ذلك، فإنهم قد يشتقون من مادة واحة القاصر والمتعدي، قالوا: «فَغَرْتُ فاه وفَغَر فُوه» أي: فتحه فانفتح، وإنْ أُريد به المصدرُ فواضحٌ، ويكون مضافاً إلى مفعولِه أي: بغضُكم لقومٍ، فحُذِف الفاعل، ويجوز أن يكون مضافاً إلى فاعله أي: بغضُ قوم إياكم فحذف معفوله، والأول أظهر في المعنى، وحكم «شنآن» بفتح النون مصدراً وصفةً حكمُ الساكنِها، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك، ومن مجيءِ «شَنآن» الساكنِ العينِ مصدراً قول الأحوص: ١٦٩ - ٠- وما الحبُّ إلا مَا تَلذُّ وتَشْتَهي ... وإنْ لامَ فيه ذو الشَّنَانِ وفَنَّدا أراد الشنْآن بسكونِ النونِ فنقلَ حركةَ الهمزة إلى النون الساكنة، وحذف الهمزة، ولولا سكونُ النونِ لما جاز النقل، ولو قال قائل: إن الأصل «الشنآن» بفتح النون، وخفف الهمزة بحذفها رأساً، كما قرئ ﴿إنها لاحْدى الكُبَر﴾ [المدثر: ٣٥] بحذفِ همزة «إحدى» لكان قولاً يسقط به الدليل لاحتماله. والشنآن بالفتح مِمَّا شَذَّ عن القاعدة الكلية، قال سيبويه: «كلُّ بناء من المصادر على وزن فَعَلان بفتح العين لم يتعدَّ فعلُه إلا أن يَشِذَّ شيءٌ كالشَّنآن» يعني أنه مصدرٌ على فَعَلان بالفتح ومع ذلك فعلُه متعدٍّ، وفعلُه أكثر الأفعال مصادِرَ، سُمِع له ستةَ عشرَ مصدراً قالوا: شَنِئَ يَشْنَأُ شَنْئَاً وشَنآناً مثلثي الشين فهذه ست

стр. 2631

لغات. وقرأ ابن وثاب والحسن والوليد عن يعقوب: «يَجْرِمَنْكم» بسكون النون، جَعَلوها نونَ التوكيد الخفيفةَ، والنهي في الفظ للشنآن وهو في المعنى للمخاطَبين نحو: «لا أُرَينَّك ههنا» ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] قال مكي. قوله تعالى: ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر «إنْ» والباقون بفتحها، فمَنْ كسر فعلى أنها شرطية، والفتح على أنها علة للشنآن أي: لا يكسبنَّكم أولا يَحْمِلَنَّكم بغضُكم لقوم لأجل صَدِّهم إياكم عن المسجد الحرام، وهي قراءةٌ واضحة. وقد استشكل الناسُ قراءة الأبوين من حيث إنَّ الشرط يقتضي أنَّ الأمر المشروط لم يقع، والفرض أنَّ صَدَّهم عن البيت الحرام كان وقد وقع، ونزولُ هذه الآية متأخرٌ عنه بمدة، فإنَّ الصدَّ وقع عامَ الحديبية وهي سن ست، والآية نزلت سنة ثمان، وأيضاً فإنَّ مكةَ كانت عام الفتح في أيديهم فكيف يُصَدون عنها؟ قال ابن جريج والنحاس وغيرهما: «هذه القراءة منكرةٌ» واحتجوا بما تقدم من الإِشكال، ولا إشكالَ في ذلك. فالجواب عما قالوه من وجهين، أحدهما: أنَّا لا نُسَلِّم أن الصدَّ كان قبل نزول الآية فإنَّ نزولها عام الفتح ليس مُجْمعاً عليه. وذكر اليزيدي أنها نزلت قبل

стр. 2632

الصدِّ فصار الصدُّ أمراً منتظراً، والثاني: أنه وإنْ سَلَّمنا أن الصدَّ كان متقدماً على نزولها فيكون المعنى: إنْ وقع صد مثل ذلك الصد الذي وقع زمن الحديبية - أو يستديموا ذلك الصدَّ الذي وقع منهم - فلا يجرمنكم، قال مكي: «ومثلُه عند سيبويه قول الشاعر - وهو الفرزدق -: ١٦٩ - ١- أتغضَبُ إنْ أُذْنا قتيبةَ حُزَّنا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وذلك شيءٌ قد كان ووقع، وإنما معناه: إنْ وقع مثلُ ذلك الغضب، وجواب الشرِط ما قبله» يعني: وجوابُ الشرط دلَّ عليه ما قبلَه، لأن البصريين يمنعون تقديمَ الجوابِ إلا أبا زيد. وقال مكي أيضاً: «ونظيرُ ذلك أنَّ يقول رجل لامرأته» أنت طالق إنْ دخلت الدار «بكسر» إن «لم تَطْلُق عليه بدخولها الأول لأنه أمر يُنْتَظَر، ولو فتح لَطَلَقَتْ عليه، لأنه أمرٌ كان ووقع، ففتحُ» أن «لما هو علة لما كان ووقع، وكَسْرُها إنما هو لأمرٍ يُنْتظر، والوجهان حَسَنان على معنييهما» وهذا الذي قاله مكي فَصَّل فيه الفقهاء بين مَنْ يعرف النحو وبين مَنْ لا يعرفه. ويؤد قراءَة الأبوين قراءة عبد الله بن مسعود: «إنْ يَصُدُّوكم» قال أبو عبيد: «حَدَّثنا حجاج عن هرون قال: قرأ ابن مسعود فذكرها، قال: وهذا لا يكونُ إلا على استئنافِ الصدِّ، يعني إنْ وقع صَدُّ آخرُ مثلُ ما تقدم عام الحديبية. ونَظْمُ هذه الآيات على ما هي عليه مِنْ أبلغ ما يكون وأفصحِه، وليس فيها تقديمٌ ولا تأخير كما زعم بعضهم فقال: / أصلُ تركيب الآية الأولى:»

стр. 2633

غيرَ محلي الصيد وأنتم حرم، فإذا حَلَلْتم فاصطادوا «وأصل تركيب الثانية: ﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ ونَظَّره بآيةِ البقرة يعني: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ﴾ [الآية: ٦٧] ، وهذا لا حاجةَ إليه مع أنَّ التقديم والتأخير عند الجمهور من ضرائر الشعر فيجبُ تنزيه القرآن عنه، وليست الجملةُ أيضاً من قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا﴾ معترضةً بين قوله: ﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام﴾ وبين قوله: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بل هي مؤسسةٌ ومنشئةٌ حكماً، وهو حِلُّ الاصطياد عند التحلُّل من الإِحرام، والجملةُ المعترضةُ إنما تفيد توكيداً وتسديداً، وهذه مفيدةٌ حكماً جديداً كما تقدم. وقوله: ﴿أَن تَعْتَدُواْ﴾ قد تقدَّم أنه من متعلقات «لا يجرمنكم» على أنه مفعولٌ ثانٍ أو على حذف حرف الجر، فَمَنْ كسر «إن صدوكم» يكونُ الشرطُ وجوابُه المقدر في محلِّ جر صفة ل «قوم» اي شنآن قوم هذه صفتُهم، ومَنْ فتحها فمحلُّها الجرُّ أو النصب، لأنها على حَذْفِ لام العلة كما تقدم. قال الزمخشري: «والمعنى: ولا يكسبنكم بغضُ قوم لأنْ صَدُّوكم الاعتداءَ ولا يَحْملنكم عليه» قال الشيخ: وهذا تفسيرُ معنى لا تفسير إعراب، لأنه يمتنع أن يكونَ مدلولُ «جرم» حمل وكَسَب في استعمال واحد لاختلافِ مقتضاهما، فيمتنعُ أن يكونَ « [أن] تعتدوا» في محلِّ مفعول به ومحلِّ مفعولٍ على إسقاط حرف الجر «وهذا الذي قال لا يُتَصَوَّر أن يتوهَّمه مَنْ له أدنى بصر بالصناعة حتى يُنَبِّه عليه. وقد تقدَّم قراءة البزي في نحو:» ولا تَّعاوَنُوا «وأنَّ الأصل:» تتعاونوا «

стр. 2634

فأدغم، وحَذف الباقون إحدى التاءين عند قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: ٢٦٧] .

стр. 2635

وتقدَّم أيضاً إعرابُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ : وأصلُها وقدم هنا لفظَ الجلالة في قوله: ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله﴾ وأُخِّرت هناك، لأنها في البقرة فاصلةٌ أو تشبه الفاصلة بخلافِها هنا، فإنها بعدَها معطوفاتٌ. والموقوذة: هي التي وُقِذَت أي: ضُربت بعصا ونحوها حتى ماتت، مِنْ: وَقَذَه أي: ضَرَبه حتى استرخى، ومنه: «وقَذَه النعاس» أي: غَلَبه، ووقَذْه النعاس «أي: غَلَبه، ووقَذه الحُلُم أي: سكنه، وكأن المادة دالة على سكون واسترخاء. والمُتَرَدِّيَةُ: مِنْ تَرَدَّى أي: سقط من عُلُوٍّ فهلك، ويقال:» ما يَدْري أين رَدَى «أي: ذهب، وَرَدَى وَتَردَّى بمعنى هَلك، والنَّطيحة: فعيلة بمعنة مفعولة، وكان مِنْ حقها ألاَّ تدخلها تاءُ التأنيث كقتيل وجريح، إلا أنها جَرَتْ مَجْرى الأسماء أو لأنها لم يُذْكَر موصوفها، كذا قاله أبو البقاء، وفيه نظرٌ، لأنهم إنما يُلحقون التاء إذا لم يُذْكر الموصوف لأجلِ اللَّبس نحو:» مَرَرْتُ بقتيلة بن فلان «لئلا يُلْبِس المذكرُ بالمؤنث، وهنا اللبسُ منتفٍ، وأيضاً فحكمُ الذكر والأنثى في هذا سواءٌ. و» ما أكل السَّبُعُ «:» ما «بمعنى الذي وعائده محذوف أي: وما أكلَه السبع، ومحلُّ هذا الموصولِ الرفعُ عطفاً على ما لم يُسَمَّ فاعله، وهذا غيرُ ماشٍ على ظاهرة لأنَّ ما أكله السبع وفرغ منه لا يُذَكَّى، ولذلك قال أبو القاسم الزمخشري:» وما أكل بعضَه السبُع «وقرأ الحسن والفياض وأبو حيوة:»

стр. 2636

السَّبْع «بسكون الباء وهو تسكين للمضموم. ونُقل فتح السين والباء معاً، والسَّبُع: كل ذي ناب ومِخْلب كالأسد والنمر، ويُطْلَقُ على ذي المخلب من الطيور أيضاً، قال: ١٦٩ - ٢- وسِباعُ الطيرِ تَغْدُو بِطاناً ... تتخطَّاهُمُ فما تَسْتَقِلُّ قوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ فيه قولان، أحدهما: أنه مستثنى متصل، والقائلون بأنه استثناء متصل اختلفوا: فمنهم مَنْ قال: هو مستثنى من قوله: ﴿والمنخنقة﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَكَلَ السبع﴾ وقال أبو البقاء:» والاستثناءُ راجعٌ إلى المتردية والنطيحة وأكيلة السَّبعُ «وليس إخراجُه المنخنقة منه بجيدٍ. ومنهم مَنْ قال:» هو مستثنى مِنْ «ما أكل السَّبُع» خاصة. والقول الثاني: أنه منقطعٌ أي: ولكن ما ذَكَّيْتم من غيرها فحلال، أو فكلوه، وكأنَّ هذا القائلَ رأى أنها وَصَلَتْ بهذه الأسباب إلى الموت أو إلى حالةٍ قريبة منه فلم تُفِدْ تَذْكِيتُها عندَه شيئاً. والتذكية: الذَّبْحُ، وذَكَت النارُ: ارتفعَتْ، وذَكَى الرجلُ: أَسَنَّ، قال: ١٦٩ - ٣- على أعراقهِ تَجْري المَذاكي ... وليس على تقلُّبِه وجُهْدِهْ قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ رُفِع أيضاً عطفاً على «الميتة» واختلفوا في النصبِ فقيل: هي حجارةٌ كانوا يَذْبحون عليها ف «على» هنا واضحةٌ، وقيل: هي للأصنام لأنها تُنصَب لتُعْبَدَ، فعلى هذا في «على» وجهان، أحدُهما: أنها بمعنى اللام أي: وما ذُبِحَ لأجل الأصنام. والثاني: هي على

стр. 2637

بابها، ولكنها في محلِّ نصب على الحال أي: وما ذبح مُسَمَّى على الأصنام، كذا ذكره أبو البقاء وفهي النظر المعروف وهو كونه قدَّر المتعلق شيئاً خاصاً. والجمهور على «النُّصُب» بضمتين فقيل: هو جمع «نِصاب» وقيل: هو مفرد، ويدل له قول الأعشى: ١٦٩ - ٤- وذا النُّصُبَ المنصوبَ لا تَقْرَبَنَّه ... ولا تَعْبُدِ الشيطانَ واللَّهَ فاعبُدا وفيه احتمالٌ. وقرأ طلحة بن مصرف بضمِّ النون وإسكان الصاد وهي تخفيف القراءة الأولى. وقرأ عيسى بن عمر: «النَصَب» بفتحتين، قال أبو البقاء: «وهو اسمٌ بمعنى المنصوب كالقبَض والنقَص بمعنى المقبوض والمنقوص، والحسنُ:» النَّصْب «بفتح النون وسكون الصاد، وهو مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول به، ولا يجوز أن تكون تخفيفاً لقراءة عيسى بن عمر لأنَّ الفتحة لا تُخَفَّفُ. /قوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام﴾ » أن «وما في حيزها في محلِّ رفع عطفاً على» المتية «والأزلام: القِداح، واحدُها» زَلْم «و» زُلْم «بفتح الزاي وضمها. والقِداح: سهام كانت العرب تطلب بها معرفة ما قُسم لها من خير وشر، مكتوبٌ على أحدها:» أمرني ربي «وعلى الآخر:» نهاني ربي «، والآخر غُفْل. وقيل: هي سهام الميسر أي: القِمار، ووجهُ ذكرها مع هذه المطاعم أنها كانت تُرفع عند البيت معها.

стр. 2638

قوله: ﴿ذلكم فِسْقٌ﴾ مبتدأُ وخبر، واسمُ الإِشارة راجع إلى الاستقسام بالأزلام خاصة، وهو مرويٌ عن ابن عباس. وقيل: إلى جميع ما تقدَّم، لأنَّ معناه: حَرَّم عليكم تناولَ الميتة وكذا، فرجعَ اسمُ الإِشارة إلى هذا المقدَّر. قوله: ﴿اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ﴾ » اليوم «ظرفٌ منصوبٌ ب» يئس «والألفُ واللام فيه للعهدِ، قيل: أرادَ به يوم عرفة، وهو يوم الجمعة عامَ حجة الوداع، نزلَتْ هذه الآيةُ فيه بعد العصر. وقيل: هو يومَ دخولِه ﵇ مكة سنة تسع، وقيل: ثمان وقال الزجاج - وتبعه الزمخشري - إنها ليست للعَهد، ولم يُرد باليوم معيناً، وإنما أراد به الزمانَ الحاضر وما يدانيه من الأزمنة الماضية والآتية كقولك:» كنت بالأمس شاباً وأنت اليوم أشيب «لا تريد بالأمس الذي قبل يومك، ولا باليوم الزمنَ الحاضر فقط، ونحوه:» الآن «في قول الشاعر: ١٦٩ - ٥- الآن لَمَّا ابيضَّ مَسْربتي ... وعَضَضْتُ مِنْ نابي على جِذْمِ ومثلُه أيضاً قول زهير: ١٦٩ - ٦- وأَعلم ما في اليومِ والأمسِ قبلَه ... ولكنني عن علمِ ما في غَدٍ عَمِ لم يُرِد بهذه حقائقَها. والجمهورُ على» يَئِس «بالهمز، وقرأ يزيد

стр. 2639

ابن القعقاع:» يَيِس «بياءين من غير همزة، ورُويت أيضاً عن أبي عمرو، يقال يَئِس يَيْئَس ويَيْئِسُ بفتح عين المضارع وكسرِها وهو شاذ، ويقال:» أَيِس «أيضاً مقلوب من يئس فوزنه عَفِل، ويدل على القلب كونُه لم يُعَل، إذ لو لم يقدر ذلك للزم إلغاء المقتضي وهو تحرُّكُ حرف العلة وانفتاحِ ما قبله، لكنه لما كان في معنى ما لم يُعَلَّ صح. واليأس: انقطاع الرجاء، وهو ضد الطمع. و «من دينكم» متعلق ب «يئس» ومعناها ابتداءُ الغاية، وهو على حَذْف مضاف أي: من إبطال أمر دينكم. والكلامُ في قوله: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ﴾ كالكلامِ على «اليوم» قبله. و «عليكم» متعلقٌ ب «أَتْممت» ، ولا يجوزُ تعلُّقه ب «نعمتي» وإن كان فعلُها يتعدَّى ب «على» نحو: ﴿أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] لأنَّ المصدرَ لا يتقدَّم عليه معمولُه، إلا أَنْ ينوبَ منابَه، قال أبو البقاء: «فإنْ جَعَلْته على التبيين، أي: أتممت أعني عليكم جازَ» ولا حاجةَ إلى ما ادَّعاه. قوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً﴾ في «رَضي» وجهان، أحدهما: أنه متعدٍّ لواحدٍ وهو الإِسلام. و «ديناً» على هذا حالٌ. وقيل: هو مُضَمَّن معنى صَيَّر وجَعَل، فيتعدَّى لاثنين أولهما «الإِسلام» ، والثاني: «ديناً» . و «لكم» يجوز فيه وجهان، أحدهما:: أنه متعلق ب «رضي» ، والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حال من الإِسلام، ولكنه قُدِّم عليه. قوله: «فمن اضطر» قد تقدَّم الكلامُ على هذه الآيةِ وما قرئ فيها في البقرة فأغنى عن إعادته. و «في مَخْمَصَةٍ» متعلقٌ ب «اضْطُرَّ» ، والمَخْمَصَةُ: المجاعة لأنها تَخْمُصُ لها البطونُ أي: تَضْمُرُ، وهي صفةٌ محمودةٌ في النساء، يقال: رجلٌ خُمْصان

стр. 2640

وامرأةٌ خُمْصانة، ومنه: أَخْمَصُ القدمِ لدقتها، ويُستعمل في الجوع والغَرْث قال: ١٦٩ - ٧- تَبيتون في المَشْتى مِلاءً بطونُكم ... وجارتُكم غَرْثَى يَبِتْنَ خمائصا وقال آخر: ١٦٩ - ٨- كُلوا في بعضِ بطنِكُمُ تَعِفُّوا ... فإنَّ زمانَكم زمنٌ خَميصُ وُصِف الزمانُ بذلك مبالغةً كقولهم: «نهارهُ صائم وليله قائم» و «غيرَ» نصب على الحال. والجمهور على «متجانِفٍ» بألف وتخفيفِ النون من تَجانَفَ وقرأ أبو عبد الرحمن والنخعي «مُتَجَنِّف بتشديد النون دون ألف. قال أبو محمد بن عطية:» وهي أبلغُ مِنْ «متجانف» في المعنى لأنَّ شدَّة العين تدلُّ على مبالغةٍ وتوغلٍ في المعنى «و» لإِثم «متعلق ب» متجانف «واللامُ على بابها، وقيل: هي بمعنى» إلى «أي: غيرُ مائل إلى إثم، ولا حاجةَ إليه، وقد تقدَّم معنى هذه اللفظة واشتقاقُها عند قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً﴾ [البقرة: ١٨٢] وقوله: ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ جملةٌ: إمَّا في محلِّ جزم أو رفع على حسب ما قيل في» من «، وكذلك القولُ في الفاء: إما واجبةٌ أو جائزةٌ، والعائد على كلا التقديرين محذوف أي: فإن الله غفور له.

стр. 2641

وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ﴾ : قد تقدَّم الكلام

стр. 2642

على «ماذا» وما قيل فيها فَلْيلتفت إليه. وقوله: «لهم» بلفظ الغيبة لتقدُّم ضمير الغَيْبة في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ [البقرة: ٢١٥] ، ولو قيل في الكلام: «ماذا أُحِلَّ لنا» لكانَ جائزاً على حكاية الجملة كقولك: «أقسم زيدٌ ليضربن ولأضربن» بلفظِ الغَيْبة والتكلمِ، إلاَّ أنَّ ضميرَ المتكلم يقتضي حكايةَ ما قالوا، كما أنَّ «لأضربنَّ» يقتضي حكايةَ الجملةِ المُقْسَمِ عليها، و «ماذا أحِلَّ» هذا الاستفهامُ مُعلِّقٌ للسؤال وإن لم يكن السؤال من أفعال القلوب، إلا أنَّه كان سبب العلمِ، والعلمُ يُعَلَّق، فكذلك سبُبه، وقد تقدَّم تحريرُ القول فيه في البقرة. وقال الزمخشري هنا: «في السؤالِ معنى القولِ، فلذلك وقعَ بعدَه» ماذا أُحِلَّ لهم «، كأنه قيل: يقولون ماذا أحل لهم؟ ولا حاجةَ إلى تضمين السؤال معنى القول لما تقدَّم من أنَّ السؤالَ يُعَلَّق بالاستفهام كمسببه. وقال ابن الخطيب:» لو كان حكاية لكلامِهم لكانوا قد قالوا: ماذا أحل لهم، ومعلومٌ أنَّ ذلك باطل لا يقولونه، وإنما يقولون: ماذا أحِلَّ لنا، بل الصحيح أنه ليس حكايةً لكلامهم بعبارتهم، بل هو بيانُ كيفية الواقعة «. قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ في» ما «هذه ثلاثة أوجه، أحدها: أنها موصولةٌ بمعنى الذي، العائدُ محذوف أي: ما عَلَّمْتموه، ومحلها الرفع عطفاً على مرفوعِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه أي وأُحِلَّ لكم صيدٌ أو أخذُ ما عَلَّمتم، فلا بد من حذف هذا المضاف. والثاني: أنها شرطية فمحلُّها رفع بالابتداء، والجوابُ قولُه:» فكُلوا «قال الشيخ:» وهذا أظهرُ لأنه لا إضمار فيه «والثالث: أنها موصولة أيضاً ومحلُّها الرفعُ بالابتداء، والخبر قوله:» فكُلوا، وإنما دخَلَتِ الفاء تشبيهاً للموصول باسم الشرط.

стр. 2643

وقوله: ﴿مِّنَ الجوارح﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال / وفي صاحبها وجهان، أحدُهما: أنه الموصول وهو «ما» والثاني: أنه الهاء العائدةٌ على الموصول، وهو في المعنى كالأول. والجوارح: جمع «جارحة» ، والهاءُ للمبالغة سُمِّيَتْ بذلك لأنها تَجْرَحُ الصيدَ غالباً أو لأنها تَكْسَبُ، والجَرْحُ: الكَسْبُ ومنه: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار﴾ [الأنعام: ٦٠] . والجارحَةُ: صفةٌ جارية مجرى الأسماء لأنها لم يذكر موصوفها غالباً. وقرأ عبد الله بن عباس وابن الحنفية: «عُلِّمتم» مبنياً للمفعول، وتخريجها أن يكون ثَمَّ مضافٌ محذوف أي: وما عَلَّمكم الله من أمر الجوارح. «مكلِّبين» حالٌ من فاعل «عَلَّمتم» ، ومعنى «مكلِّبين» مؤدبين ومُضْرِين ومُعَوِّدين قال الشيخ «وفائدةٌ هذه الحالِ - وإنْ كانت مؤكدةً لقولِه:» عَلَّمتم «فكان يَسْتغنى عنها - أن يكون المعلمُ ماهراً بالتعليم حاذقاً فيه موصوفاً به» انتهى، وفي جَعْلِه هذه الحالِ مؤكدةً نظرٌ، بل هي مؤسسةٌ. واشتُقَّت هذه الحالُ من لفظ «الكَلْب» هذا الحيوانِ المعروفِ وإن كانت الجوارحُ يندرج فيها غيرُه حتى سباعُ الطيور تغليباً له، لأنَّ الصيدَ أكثرُ ما يكون به عند العرب. أو اشتقت من «الكَلَب» وهو الضراوة، يقال: هو كَلِبٌ بكذا أي: حريص، وبه كَلَبٌ أي: حرص، وكأنه أيضاً مشتق من الكَلْبِ هذا الحيوانِ لحرصه، أو اشتقت الكَلْب، والكَلْبُ يُطْلق على السَّبُع أيضاً، ومنه الحديثُ: «اللهم سَلِّط عليه كَلْباً من كلابك» فأَكَله الأسد. قال الشيخ: وهذا الاشتقاقٌ لا يَصحُّ لأنَّ كونَ الأسدِ كلباً هو وصف فيه، والتكليبُ من

стр. 2644

صفة المعلِّم، والجوارحُ هي سباعٌ بنفسها وكلاب بنفسِها لا بجَعْلِ المُعَلِّمِ «ولا طائلَ تحت هذا الرد وقرئ:» مُكْلِبين «بتخفيفِ اللام، وفَعَّل وأَفْعل قد يشتركان في معنى واحد، إلا أن» كَلَّب «بالتشديد معناه عَلَّمها وضَرّاها، و» أَكْلب «معناه صار ذا كِلاب، على أن الزَّجاج قال: رجلُ مُكَلِّب - يعني بالتشديد - ومُكْلِب يعني من أكلب، وكَلاَّب يعني بتضعيف اللام أي: صاحب كلاب» . وجاءَتْ جملةُ الجوابِ هنا فعليةً وجملةُ السؤال اسمية وهي: ماذا أُحِل؟ فيه جوابٌ لها من حيث المعنى لا من حيث اللفظُ؛ إذ مل يتطابقا في الجنس. قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ فيه أربعة أوجه، أحدها: أنها جملة مستأنفة. الثاني: أنها جملة في محلِّ نصب على أنها حال ثانية من فاعل «عَلَّمتم» ومَنَع أبو البقاء ذلك لأنه لا يُجيز للعامل أن يَعْمل في حالين، وتقدَّم الكلامُ في ذلك. الثالث: أنها حال من الضمير المستتر في «مُكَلِّبين» فتكون حالاً من حال وتسمى المتداخلة، وعلى كلا التقديرين المتقدمين فهي حال مؤكدة، لأن معناها مفهوم من «عَلَّمْتُمْ» ومن «مُكَلِّبين» والرابع: أن تكون جملة اعتراضية، وهذا على جَعْل «ما» شرطية، أو موصولة خبرها «فكلوا» فيكون قد اعترض بين الشرط وجوابه أو بين المبتدأ وخبره. فإن قيل: هل يجوز وجهٌ خامس، وهو أن تكون هذه الجملةُ حالاً من الجوارح أي: من الجوارحِ حالَ كونِها تُعَلِّمونهن، لأنَّ في الجملةِ ضميرَ ذي الحال «فالجوابُ أن ذلك لا يجوز، لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى الفصل بين هذه الحال وبين صاحِبها بأجنبي وهو» مكلِّبين «الذي هو حالٌ من فاعل» عَلَّمتم «.

стр. 2645

قوله: ﴿مِمَّآ أَمْسَكْنَ﴾ في» مِنْ «وجهان، أظهرُهما: أنها تبغيضيةٌ، وهي صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، هو مفعولُ الأكل، أي: فكلوا شيئاً مما أمسكنه عليكم. والثاني: أنها زائدةٌ وهو قياسُ قولِ الأخفش، فعلى الأول تتعلَّق» مِنْ «بمحذوفٍ، وعلى الثاني لا تَعَلُّقَ لها، و» ما «موصولةٌ أو نكرةٌ موصوفة، والعائدُ محذوفٌ، وعلى كلا التقديرين أي: أَمْسَكَتْه كما تقدم. والنونُ في «أمسكن» للجوارح. و «عليكم» متعلق ب «أمسكن» والاستعلاءُ هنا مجازٌ. قوله: «عليه» في هذه الهاء ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنها تعود على المصدرِ المفهومِ من الفعل وهو الأكلُ كأنه قيل: واذكروا اسم الله على الأكلِ، ويؤيده ما في الحديث «سَمِّ الله، وكُلْ مِمَّا يَليك» والثاني: أنه يعود على «ما عَلَّمْتم» أي: اذكروا اسمَ الله على الجوارح عند إرسالِها على الصيد، وفي الحديث: «إذا أَرْسَلْت كلبك وذكرت اسمَ الله» والثالثُ: أنَّها تعودُ على «ما أَمْسَكْن» أي: اذكروا اسمَ الله ما أَدْركتم ذكاته مما أَمْسَكَتُه عليكم الجوارح.

стр. 2646

وقوله تعالى: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ﴾ : الكلامُ فيه كالكلامِ فيما قبله. وزعمَ قومٌ أنَّ المرادَ بثلاثةِ الأيام المذكورةِ هنا وقتٌ واحدٌ، وإنما كرره توكيداً، ولاختلافِ الأحداثِ الواقعةِ فيه حَسُنَ تكريره، وليس بشي. وادَّعى بعضُهم أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، وأن الأصل: «فاذكروا اسم اللهِ عليه وكلُوا مِمَّا أَمْسَكْن عليكم» وهذا يُشْبه قولَ مَنْ يعيدُ الضميرَ على الجوارحِ المرسلة.

стр. 2647

قوله: ﴿وَطَعَامُ الذين﴾ فيه وجهان، الصحيحُ منهما أنه مبتدأ، وخبرُه «حِلُّ لكم» أبرز الإِخبارَ بذلك في جملةٍ اسميةٍ اعتناءً بالسؤال عنه. وأجاز أبو البقاء أن يكونَ مرفوعاً عطفاً على مرفوع ما لم يُسَمِّ فاعلُه وهو «الطيبات» وجَعَل قولَه «حِلٌّ لكم» خيرَ مبتدأ محذوف، وهذا يَنْبغي ألاَّ يجوزَ البتة لتقدير ما لا يُحْتاج إليه مع ذهابِ بلاغةِ الكلامِ. وقوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، وقياسُ قولِ أبي البقاء أن يكونَ «طعام» عطفاً على ما قبله، و «حِلٌّ» خبر مبتدأ محذوف، ولم يَذْكره كأنه استشعر الصواب. قوله: ﴿والمحصنات﴾ في رفعه أيضاً وجهان، أحدهما: أنه مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ أي: المُحْصَنات حِلُّ لكم أيضاً، وهذا هو الظاهر. واختار أبو البقاء أن يكونَ معطوفاً على «الطيبات» فإنه قال: «مِن المؤمنات» حالٌ من الضمير في «المُحْصَنات» أو من نفس «المحصنات» إذا عَطَفَتْها على «الطيبات» و «حِلٌّ» : مصدر بمعنى الحال فلذلك لم يُوَنَّث ولم يُثَنَّ ولم يُجْمع، لأنه أحسن الاستعمالين في المصادر الواقعة صفةً للأعيان، ويُقال في الإِتباع: حِلُّ بِلُّ «وهو كقولهم:» حَسَن بَسَن «و» عَطْشان نَطْشان «و» من المؤمنات «حالٌ كما تقدم: إمَّا من الضمير في» المحصنات «أو من» المحصنات «/. وقد تقدَّم الكلامُ في اشتقاق هذه اللفظة واختلافِ القُرَّاء فيها في سورة النساء. قوله: ﴿إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ظرفٌ العاملُ فيه أحدُ شيئين: إمَّا» أُحِلَّ «وإمَّا» حِلُّ «المحذوفُ على حَسَب ما قُرِّرَ. والجملة بعده في محلِّ خفضٍ

стр. 2648

بإضافته إليها، وهي هنا لمجرد الظرفية. ويجوز أن تكونَ شرطيةً وجوابُها محذوف، أي: إذا آتيتموهن أجورَهن حَلَلْنَ لكم، والأولُ أظهر. و» مُحْصِنين «حال، وعاملُها أحد ثلاثة أشياء: إمَّا» آتيتموهُنَّ «، وصاحبُ الحالِ الضميرُ المرفوعُ، وإمَّا» أُحِلَّ «المبني للمفعول، وإمَّا» حِلٌّ «المحذوفُ كما تقدم. وغيرَ» يجوز فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن ينتصب على أنه نعت ل «محصنين» والثاني: أنه يجوزُ نصبُه على الحال، وصاحبُ الحالِ الضميرُ المستتر في «مُحْصِنين» والثالث: أنه حالٌ من فاعل آتيتموهن «على أنها حالٌ ثانيةٌ منه، وذلك عند مَنْ يُجَوِّز ذلك وقوله: ﴿وَلاَ متخذي﴾ يجوزُ فيه الجر على أنه عطفٌ على» مسافحين «وزيدت» لا «تأكيداً للنفي المفهوم من» غير «، والنصبُ على أنه عطفٌ على» غير «باعتبارِ أَوْجهها الثلاثة، ولا يجوز عطفُهُ على» مُحْصِنين «لأنه مقترنٌ ب» لا «المؤكدةِ للنفي المتقدمِ ولا نفيَ مع» محصنين «وتقدَّم معاني هذه الألفاظ. وقوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان﴾ تقدَّم له نظائر. وقيل: المراد بالإِيمان المؤمَنُ به، فهو مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول ك «درهم ضَرْبُ الأمير» وقيل: ثَمَّ مضافٌ محذوف أي: بموجِبِ الإِيمان وهو الباري ﵎. قوله: ﴿وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾ الظاهرُ أنَّ الخبرَ قوله: «من الخاسرين» فيتعلَّقُ قولُه «في الآخرة» بما تعلَّق به هذا الخبر. وقال مكي: «العاملُ في الظرفِ محذوفٌ تقديرُه:» وهو خاسر في الآخرةِ «ودَلَّ على المحذوفِ قولُه:» من الخاسرين «. فإن جعلة الألف واللام في» الخاسرين «ليستا بمعنى الذين جاز أن يكونَ العامل في الظرف» من الخاسرين «يعني أنه لو كانَتْ موصولةً لامتنع أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، لأنَّ الموصولَ لا يتقدم

стр. 2649

عليه ما في حَيِّزه، وهذا كما قالوا في قوله: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ القالين﴾ [الشعراء: ١٦٨] ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين﴾ [يوسف: ٢٠] ، وتقديرُ مكي متعلِّق هذا الظرف وهو» خاسر «إنما هو بناء على كون» أل «موصولةً بدليل قولِه:» فإنْ جعلت الألف واللام ليستا بمعنى «الذين» وبالجملة فلا حاجة إلى هذا التقدير: بل العاملُ فيه كما تقدم العاملُ في الظرفِ الواقعِ خبراً وهو الكون المطلق، ولا يجوز أن يكونَ «في الآخرة» هو الخبر، و «من الخاسرين» متعلِّقٌ بما تعلَّق به لأنه لا فائدة في ذلك، فإنْ جُعِل «من الخاسرين» حالاً من ضميرِ الخبر وتكونُ حالاً لازمةً جاز، وهو ضعيفٌ في الإِعراب، وقد تقدَّم وقد تقدَّم نظيرُ هذه الآية في البقرة عند قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ [الآية: ١٣٠] .

стр. 2650

قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ : قالوا تقديرُه: إذا أردتم القيامَ كقولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ﴾ [النحل: ٩٨] ، وهذا من إقامة المسبِّب مقام السبب، وذلك أنَّ القيامَ متسبِّبٌ عن الإِرادة والإِرادة سببه. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: لِمَ جازَ أن يُعَبِّر عن إرادة الفعل بالفعل» قلت: لأن الفعل يوجَدُ بقدرة الفاعل عليه وإرادته له وهي قصدُه إليه وميلُه وخلوصُ داعيتهِ، فكما غَبَّر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم: «الإِنسانُ لا يطير، والأعمى لا يبصر» أي: لا يَقْدران على الطير والابصار، ومنه قولُه تعالى: ﴿نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أي: قادرين على الإِعادة، كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل؛ وذلك لأن الفعل مُسَبِّب عن

стр. 2651

القدرة، فأقيم المُسَبَّب مُقام السببِ للملابسةِ بينهما ولإِيجاز الكلام «. وقيل: تقديره: إذا قَصَدْتُم الصلاةَ؛ لأنَّ مَنْ توجَّه إلى شيءٍ وقام إليه كان قاصدا له فعبَّر بالقيام عن القصدِ. والجمهورُ قَدَّروا حالاً محذوفة من فاعل» قمتم «، أي: إذا قمتم إلى الصلاةِ مُحْدِثين، إذ لا وضوءَ على غير المحِدث، وإن كان قال به جماعة، قالوا: ويدُلُّ على هذه الحالِ المحذوفة مقابلتُها بقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا﴾ فكأنه قيل: إنْ كنتم مُحْدِثين الحدثَ الأصغر فاغسِلو كذا وامسَحوا كذا، وإنْ كنتم مُحْدثين الحدثَ الأكبر فاغسلوا الجسدَ كله، وهو مَحَلُّ نظر. قوله: ﴿إِلَى المرافق﴾ في» إلى «هذه وجهان، أحدهما: أنها على بابها من انتهاء الغاية، وفيها حنيئذ خلاف، فقائلٌ: إنَّ ما بعدها لا يدخل فيما قبلها، وقائلٌ بعكس ذلك، وقائل: لا تَعَرُّضَ لها في دخولٍ ولا عدَمِه، وإنما يدور الدخولُ والخروج مع الدليل وعدمه. وقائل: إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها دخل في الحكم وإلا فلا، ويُعْزى لأبي العباس. وقائل: إنْ كان ما بعدَها من غير جنس ما قبلها لم يَدْخُل، وإن كان من جنسِه فيحتمل الدخولَ وعَدَمه، وأول هذه الأقوالِ هو الأصحُّ عند النحاة. قال بعضُهم: وذلك أنَّا حيث وَجَدْنا قرينةً مع» إلى «فإن تلك القرينةَ تقتضي الإِخراجَ مما قبلها، فإذا وَرَدَ كلامٌ مجردٌ عن القرائن فينبغي أن يُحْمَلَ على الأمر الفاشي الكثير وهو الإِخراج، وفَرَّق هذا القائل بين» إلى «و» حتى «فجعل» حتى «تقتضي الإِدخالَ، و» إلى «تقتضي الإِخراج بما تقدم من الدليل، وهذه الأقوالُ دلائلها في غيرِ هذا الكتاب، وقد أوضَحْتُها في كتابي» شرح التسهيل «والقول الثاني: أنها بمعنى» مع «أي: مع المرافق، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك عند قوله: ﴿إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] . والمرافقُ: جمع» مَرْفِق «بفتح الميم وكسر الفاء

стр. 2652

على الفصيح من اللغة، وهو مِفْصَلٌ ما بين العَضْد والمِعْصَم. قوله: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ في هذه الباء ثلاثةٌ أوجه، أحدها: أنها للإِلصاق أي: أَلْصِقوا المسحَ برؤوسكم. قال الزمخشري: «المراد إلصاقُ المسحِ بالرأس، وماسحُ بعضِه ومستوعبُه بالمسح كلاهما مُلْصِقٌ المسحَ برأسه» قال الشيخ: «وليس كما ذكر» يعني أنه لا يُطلق على الماسح بعضَ رأسِه أنه ملصقٌ المسحَ برأسِه/. وهذه مُشاحَّةٌ لا طائل تحتها. والثاني: أنها زائدةٌ، كقوله: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، وقوله: ١٦٩ - ٩-. . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ وهو ظاهرُ كلام سيبويه، فإنه حكى: «خَشَّنْتُ صدرَه وبصدره» و «مَسَحْتُ رأسَه وبرأسِه» بمعنَى واحد، وقال الفراء: «تقول العرب:» خُذِ الخِطامَ وبالخطام «و» هَزَّه وهَزَّ به «و» خُذْ برأسِه ورأسَه «والثالث: أنها للتعيضِ كقوله: ١٧٠ - ٠- شَرِبْنَ بماءِ البحرِ ثم ترفَّعَتْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا قولٌ ضعيف، وقد تقدَّم القولُ في ذلك أولَ البسملة. قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم:»

стр. 2653

أرجلكم «نصباً، وباقي السبعة: وأرجلكم» جراً، والحسن بن أبي الحسن: «وأرجلُكم» رفعاً، فأمَّا قراءة النصب ففيها تخريجان، أحدُهما: أنها معطوفةٌ على «ايديكم» فإنَّ حكمَها الغُسْلُ كالأوجه والأيدي، كأنه قيل: «واغسلوا أرجلكم» إلا أنَّ هذا التخريجَ أفسده بعضُهم بأنه يلزم منه الفصلُ بين المتعاطِفَيْنِ بجملةٍ غير اعتراضية لأنها مُنْشِئَةٌ حمكاً جديداً فليس فيها تأكيد للأول. وقال ابن عصفور- وقد ذكر الفصلَ بين المتعاطِفَيْن -: «وأقبحُ ما يكونُ ذلك بالجمل» فدلَّ قولُه على أنه لا يجوزُ تخريجُ الآية على ذلك. وقال أبو البقاء عكسَ هذا فقال: «وهو معطوفٌ على الوجوه» ثم قال «وذلك جائزٌ في العربية بلا خلاف» وجَعَلَ السنِّيَّة الواردة بغسل الرجلين مقويةً لهذا التخريج، وليس بشيء، فإنَّ لقائل أن يقول: يجوز أن يكون النصب على محلِّ المجرور وكان حكمُها المسحَ ولكن نُسِخ ذلك بالسنَّة وهو قولٌ مشهورٌ للعلماء. والثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على محل المجرور قبله، كما تقدَّم تقريرُه قبل ذلك. وأمَّا قراءةُ الجر ففيها أربعةُ تخاريجَ، أحدها: أنه منصوبٌ في المعنى عطفاً على الأيدي المغسولة، وإنما خُفض على الجوار، كقولهم: «هذا جُحْرُ ضبٍّ خَرِبٍ» بجر «خرب» وكان مِنْ حَقِّه الرفعُ لأنه صفة في المعنى للجحر لصحة اتصافه به، والضَّبُّ لا يوصف به، وإنما جَرُّه على الجوار، وهذه المسألة عند النحويين لها شرط وهو أن يُؤْمَنَ اللبس كما تقدم تمثيله، بخلاف: «قام غلام زيد العاقل» إذا جعلت «العاقل» نعتاً للغلام امتنع جَرُّه على الجوار لأجل اللَّبْس، وأنشد أيضاً قول الشاعر: ١٧٠ - ١-

стр. 2654

كأنما ضَرَبَتْ قُدَّامَ أعينِها ... قُطْناً بمستحصِدِ الأوتارِ مَحْلوجِ وقول الآخر: ١٧٠ - ٢- فأياكم وَحيَّةَ بَطْنِ وادٍ ... هموزٍ النابِ ليس لكم بِسِيِّ وقول الآخر: ١٧٠ - ٣- كأن ثَبيراً في عرانينِ وَبْلِه ... كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ وقول الآخر: ١٧٠ - ٤- كأنَّ نَسْجَ العنكبوتِ المُرْمَل ... بجر «محلوج» وهو صفةٌ ل «قطنا» المنصوبِ، وبجر «هموز» وهو صفة ل «حية» المنصوبِ، وبجر «المزمل» وهو صفة «كبير» لأنه بمعنى الملتف، وبجرِّ «المُرْمل» وهو صفة «نَسْج» ، وإنما جُرَّت هذه لأجلِ المجاورِة، وقرأ الأعمش: ﴿إنَّ الله هو الرزاقُ ذو القوةِ المتينِ﴾ بجر المتين مجاورَةً ل «القوة» وهو صفةٌ ل «الرزاق» ، وهذا وإن كان وارداً، إلا ان التخريجَ عليه ضعيفٌ لضَعْفِ الجوارِ من حيث الجملةُ، وأيضاً فإنَّ الخفضَ على الجوارِ إنما وَرَدَ في

стр. 2655

النعتِ لا في العطف، وقد وَرَدَ في التوكيدِ قليلاً في ضرورة الشعر، قال: ١٧٠ - ٥- يا صاحِ بَلَّغ ذوي الزوجاتِ كلِّهمِ ... أَنْ ليسَ وَصْلٌ إذا انْحَلَّتْ عُرَى الذَّنَبِ بجر «كلهم» وهو توكيدٌ ل «ذوي» المنصوب، وإذا لم يَرِد إلا في النعت أو ما شَذَّ من غيره فلا يينبغي أن يُخَرَّج عليه كتاب الله تعالى، وهذه المسألةُ قد أوضَحْتُها وذكرت شواهدها في «شرح التسهيل» وممن نَصَّ على ضعفِ تخريجِ الآية على الجوارمكي بن أبي طالب وغيرُه، قال مكي: «وقال الأخفش وأبو عبيدة:» الخفضُ فيه على الجوار، والمعنى للغسل «وهو بعيد لا يُحْمل القرآن عليه» وقال أبو البقاء «وهو الإِعرابُ الذي يقال: هو على الجوار، وليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته فقد جاء في القرآن والشعر، فَمِنَ القرآن قولُه تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] على قراءة مَنْ جَرَّ، وهو معطوفٌ على قوله: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ وهو مختلفُ المعنى، إذ ليس المعنى: يَطُوف عليهم وِلْدان مخلَّدون بحورٍ عين. وقال النابغة: ١٧٠ - ٦- لم يَبْقَ إلاَّ أسيرٌ غيرُ مُنْفَلِتٍ ... أو مُوْثَقٍ في حبال القومِ مَجْنُوبِ والقوافي مجرورةٌ، والجوارُ مشهورٌ عندهم في الإِعراب» ثم ذكر أشياء

стр. 2656

كثيرةً زعم أنها مقويةٌ لمُدَّعاه، منها: قَلْبُ الإِعراب في الصفات كقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] واليومُ ليس بمحيطٍ، وإنما المحيط [هو] العذابُ، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] و «عاصف» ليس في صفة اليوم بل من صفة الريحِ. ومنها: قَلْبُ بعض الحروف إلى بعض كقول ﵇: «ارجَعْنَ مَأْزوارتٍ غيرَ مأجورات» والأصل: «مَوْزورات» ، ولكنْ أُريد التواخي، وكذلك قولُهم: «إنه ليأتينا بالغدايا والعَشايا» ويعني أنَّ الأصلَ: «بالغَدَاوى» لأنها من الغُدْوة، ولكن لأجل «ياء» العشايا «جاءت بالياء دون الواو. ومنها: تأنيثُ المذكر كقوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فحذف / التاءَ منْ «عشر» وهي مضافةٌ إلى الأمثال وهي مذكرةٌ، ولكنْ لَمَّا جاورت الأمثالُ ضميرَ المؤنث أَجْرى عليها حكمَه، وكذلك قوله: ١٧٠ - ٧- لَمَّا أتى خبرُ الزبيرِ تواضعتْ ... سورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ وقولهم: «ذَهَبَتْ بعضُ أصابعِه» يعني أنَّ «سور» مذكرةٌ «و» بعض «أيضاً كذلك، ولكنْ لَمَّا جاورا المؤنثَ أُعْطيا حكَمه. ومنها:» قامت هند «لَمَّا لم يَفْصِلوا أتوا بالتاء، ولمَّا فَصَلوا لم يأتوا بها، ولا فرق إلا المجاورةُ وعدمُها: ومنها: استحسانُهم النصبَ في الاشتغال بعد جملةٍ فعلية في قولهم:» قام زيدٌ وعمراً كلمته «لمجاورةِ الفعل. ومنها: قَلْبُهم الواوَ المجاورَة للطرفِ همزةً نحو:» أوئل «بخلاف» طواويس «لبُعْدِها من مجاورةِ الطرف. قال:»

стр. 2657

وهذا موضعٌ يَحْتمل أن يكتب فيه أوراقٌ من الشواهدِ، قد بَوَّب النحويون له باباً ورتَّبوا عليه مسائلَ وأصَّلوه بقوله: «هذا جُحْرِ ضبٍ خربٍ» حتى اختلفوا في جواز جر التثنية والجمع، فأجاز الاتباعَ فيهما جماعة من حُذَّاقهم قياساً على المفرد المسموع، ولو كان لا وجهَ له بحالٍ لاقتصروا فيه على المسموع فقط، ويتأيد ما ذكرناه أنَّ الجرَّ في الآية قد أجيز غيره - وهو الرفع والنصب - والرفع والنصب غير قاطعين ولا ظاهرين على أنَّ حكمَ الرِجْلين المسحُ، فكذلك الجرُّ يجب أن يكونَ كالنصب والرفعِ في الحكم دون الإِعراب «انتهى. أمَّا قوله:» إنَّ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من هذا الباب فليس بشيء، لأنه: إمَّا [أن] يقدَّر عطفهُما على ما تقدم بتأويلٍ ذكره الناس كما سيتأتي أو بغير تأويل، وإما أن لا يعطفَهما، فإنْ عَطَفَهما على ما تقدم وجب الجر، وإن لم يعطفهما لم يَجُز الجر، وأمّا جَرُّهما على ما ذكره الناس فقيل: لعطفهما على المجرور بالباء قبلهما على تضمين الفعلِ المتقدم «يتلذذون ويَنْعَمون بأكواب وكذا وكذا» أولا يُضَمَّن الفعلُ شيئاً ويكون لطواف الوالدانِ بالحورِ العين على أهل الجنة لذاذة لهم بذلك، والجواب إنما يكونُ حيث يستحقُ الاسمُ غيرَ الجر فيُجَرُّ لمجاورةِ ما قبله، وهذا - كما ترى - قد صَرَّح هو به أنه معطوفٌ على «بأكواب» غايةُ ما في الباب أنه جَعَلَه مختلفَ المعنى، يعنى أنه عنده لا يجوزُ عطفُهما على «بأكواب» إلا بمعنى آخرَ وهو تضمينُ الفعل، وهذا لا يَقدَحُ في العطفية. وأما البيتُ فجرُّ «موثقٍ» ليس لجواره «ل» منقلتٍ «وإنما هو مراعات للمجرور ب» غير «، لأنهم نَصُّوا على أنك إذا جئت بعد» غير «ومخفوضها بتابعٍ جاز أن يَتْبع لفظَ» غير «وأن يَتبع المضاف إليه، وأنشدوا البيت، ويروى:» لم يبق فيها طريدٌ غيرُ منفلتٍ «وأما باقي الأمثلة التي أوردها فليست من المجاوره التي تؤثر في تغيير الإِعراب، وقد تقدَّم أن النحويين خَصَّصوا ذلك بالنعت وأنه قد جاء في التوكيد ضرورةً.

стр. 2658

التخريج الثاني: أنه معطوفٌ على «برؤوسكم» لفظاً ومعنى، ثم نُسِخ ذلك بوجوبِ الغسل، أو هو حكمٌ باقٍ، وبه قال جماعة، أو يُحمل مسحُ الأرجلِ على بعضِ الأهوال وهو لُبْسُ الخفِّ، ويُعزى للشافعي. التخريج الثالث: انها جُرَّت مَنْبَهَةً على عدم الإِسراف باستعمال الماء لأنها مَظَنَّةٌ لصبِّ الماءِ كثيراً، فَعَطَفَتْ على الممسوح، والمرادُ غَسْلُها لِما تقدم، وإليه ذَهَب الزمخشري. قال: «وقيل:» إلى الكعبين «فجيء بالغاية إماطة لظنَّ ظانَّ يَحْسَبُها ممسوحة، لأنَّ المسح لم تُضْرب له غايةٌ في الشريعة» وكأنه لم ترتضِ هذا القول الدافعَ لهذا الوهمِ وهو كما قال. التخريج الرابع: أنها مجرورةٌ بحرفِ جرٍ مقدرٍ دَلَّ عليه المعنى، ويتعلَّق هذا الحرفُ بفعلٍ محذوفٍ أيضاً يليق بالمحل، فيُدَّعى حذفُ جملةٍ فعلية وحَذْفُ حرفِ جر، قالوا: وتقديرُه: «وافعَلُوا بأرجلِكم غسلاً» . قال أبو البقاء: «وحَذْفُ حرفِ الجر وإبقاءُ الجرِ جائزٌ كقوله: ١٧٠ - ٨- مشائيمُ ليسوا مُصْلِحينَ عشيرةً ... ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غرابُها وقال الآخر: ١٧٠ - ٩- بدا ليَ أنِّي لستُ مُدْرِكَ ما مضى ... ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائِيا

стр. 2659

فجُرَّ بتقديرِ الباء، وليس بموضعِ ضرورةٍ، وقد أَفْرَدْتُ لهذه المسألةِ كتاباً» قوله: «وإبقاء الجر» ليس على إطلاقهِ، وإنما يَطَّرد منه مواضعُ نصَّ عليها أهلُ اللسانِ ليس هذا منها، وأمَّا البيتان فالجرُّ فيهما عند النحاة يسمى «العطف على التوهُّم» يعني كأنه توهَّم وجودَ الباء زائدةً في خبر «ليس» لأنها يكثُر زيادتُها، ونَظَّروا ذلك بقوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ [المنافقون: ١٠] بجزم «أَكُنْ» عطفاً على «فأصَّدَّق» على توهُّم سقوط الفاء من «فأصَّدَّق» نَصَّ عليه سيبويه وغيرُه، فظهرَ فساد هذا التخريج. وأمَّا قراءةُ الرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي: وأرجلُكم مغسولةٌ أو ممسوحة على ما تقدم في حكمها. والكلام في قوله: «إلى الكعبين» كالكلام في «إلى المرفقين» . والكعبان فيهما قولان مشهوران، أشهرهما: أنهما العَظْمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، في كل رِجْلٍ كعبان. والثاني: أنه العظم الناتئ في وجه القدم حيث يجتمع شِراك النعل، ومرادُ الآية هو الأول. والكعبة: كلُّ بيتٍ مربع، وسيأتي بيانُه في موضعِه. قوله: «منه» في محلِّ نصبٍ متعلِّقاً ب «امسحوا» و «مِنْ» فيها وجهان أظهرهما: أنها للتبعيض. والثاني: انها لا بتداء الغايةِ، ولهذا لا يُشْترط عند هؤلاء أن يتعلق باليد غبارٌ. وقوله: «ليجعلَ» الكلامُ في هذه اللامِ كالكلامِ عليها في قوله: ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ، إلا أنَّ مَنْ جَعَلَ مفعولَ الإِرادة محذوفاً وعَلَّقَ به اللامَ مِنْ «ليجعلَ» زاد «مِنْ» في الإِيجاب في قوله «من حرج» ، وساغَ ذلك لأنه في حَيِّز النفي وإن لم يكن النفيُ واقعاً على فعل الحرج. و «من حرج» مفعول «ليجعل» والجعلُ

стр. 2660

يحتمل أنه بمعنى الإِيجاد والخَلْق فيتعدى لواحد وهو «من حرج» و «مِنْ» مزيدةٌ فيه، كما تقدم، ويتعلق عليكم حينئذ بالجعل / ويجوز أن يتعلق ب «حرج» فإن قيل: هو مصدرٌ، والمصدرُ لا يتقدَّم معمولُه عليه. قيل: ذلك في المصدر المؤول بحرفٍ مصدري وفعل لأنه بمعنى الموصول، وهذا ليس مؤولاً بحرف مصدري، ويجوز أن يكونَ الجَعْلُ بمعنى التصيير فيكون «عليكم» هو المفعولَ الثاني. قوله: ﴿عَلَيْكُم﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه متعلق ب «يتم» . والثاني: «أنه متعلقٌ ب» نعمته «والثالث: أنه متعلق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من» نعمته «ذكر هذين الوجهين الأخيرين أبو البقاء وهذه الآيةُ بخلاف التي قبلَها في قوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] حيث امتنع تعلُّقُ الجارِّ بالنعمةِ لتقدُّم معمول المصدر عليه كما تقدَّم بيانه. قال الزمخشري» وقرئ فَأَطْهِروا أي: أَطْهروا أبدانَكم، وكذلك: «ليُطْهِركم» يعين أنه قُرِئ: «أَطِهِروا» أمراً من أَطْهَر رباعياً كَأَكْرم، ونسب الناسُ القراءة الثانية - أعني قوله «لِيُطهِرَكم» لسعيد بن المسيب.

стр. 2661

قوله تعالى: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا﴾ : «إذا» فيه ثلاثةُ أوجهٍ أظهرُها: أنه منصوبٌ ب «واثقكم» الثاني: أنه منصوبٌ على الحال من الهاء في «به» الثالث: أنه حالٌ مِنْ «ميثاقه» وعلى هذين الوجهين الأخيرين يتعلق بمحذوفٍ على القاعدة المقررةِ، و «قلتم» في محلِّ خفضِ بالظرف، و «سَمِعْنا» في محل نصب بالقول.

стр. 2662

قوله تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ﴾ : تقدَّم نظيرُها في النساء إلا أنه هناك قَدَّم لفظة «القسط» وهنا أُخِّرت، وكأن الغرضَ في ذلك - والله أعلمُ - أنَّ آية النساء جيء بها معرض الإِقرار على نفسِه ووالديه وأقاربه فبُدِىء فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباةِ نَفْس ولا والدٍ ولا قرابة والتي هنا: جِيء بها في معرض تكر العداوة فبُدِئ فيها بالأمر بالقيام لله؛ لأنه أردعُ للمؤمنين، ثم ثَنَّى بالشهادة بالعدل، فجيء في كل مَعْرِضٍ بما يناسِبُه. وقوله: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُم﴾ [المائدة: ٢] تقدَّم مثله، وظهورُ حرفِ الجر هنا يرجِّع تقديرَه قبلُ. «هو أقرب» : «هو» ضمير المصدر المفهوم من الفعل أي: العدل، وقد تقدَّم له نظائُر كثيرة.

стр. 2663

قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله﴾ : «وعد» يتعدَّى لاثنين أولهما الموصول، والثاني محذوفٌ أي: الجنةَ، وقد صَرًَّح بهذا المفعولِ في غير هذا الموضع وعلى هذا فالجملة من قوله: «لهم مغفرة» لا محل لها لأنها مفسرةٌ لذلك المحذوفِ تفسيرَ السبب للمسبب، فإن الجنةَ مسببةٌ عن المغفرةِ وحصولِ الأجر العظيم، والكلامُ قبلها تام بنفسه. وذكر الزمخشري في الآية احتمالاتٍ أخَرَ، أحدها: أنَّ الجملةَ من قوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ بيانٌ للوعد، كأنه قال: قَدَّم لهم وعداً، فقيل: أيَّ شيء وعده؟ فقال: لهم مغفرة وأجر عظيم، وعلى هذا فلا محلَّ لها أيضاً، وهذا أَوْلى من الأول لأن تفسيرَ الملفوظِ به أَوْلى من ادِّعاء تفسير شيء محذوف. الثاني: أنَّ الجملةَ منصوبةٌ بقولٍ محذوفٍ كأنه قيل: وَعَدهم وقال لهم مغفرة. الثالث: إجراءُ

стр. 2664

الوعد مُجرى القول لأنه ضَرْبٌ منه، ويجعل «وعد» واقعاً على الجملة التي هي قوله: «لهم مغفرة» كما وقع «تَرَكْنا» على قوله: ﴿سَلاَمٌ على نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩] ، كأنه قيل: وعدهم هذا القول، وإذا وعدهم مَنْ لا يُخْلِفُ الميعادَ فقد وعدهم مضمونَة من المغفرة والأجر العظيم، وإجراءُ الوعدِ مُجْرى القولِ مذهبٌ كوفي.

стр. 2665

قوله تعالى: ﴿والذين كَفَرُواْ﴾ : مبتدأ، و «أولئك» مبتدأ ثان، و «أصحاب» خبره، والجملة خبر الأول، وهذه الجملة مستأنفة أُتي بها اسميةً دلالة على الثبوت والاستقرار، ولم يُؤْتَ بها في سياق الوعيد كما أتى بالجملة قبلها في سياق الوعد حسماً لرجائهم، وأجاز بعضُهم أن تكونَ هذه الجملةُ داخلةً في حَيِّز الوعد، على ما تقدَّم تقريرُه في الجملةِ قبلَها، قال: «لأنَّ الوعيد اللاحقَ بأعدائهم مِمَّا يَشْفي صدروَهم، ويُذْهب ما كانوا يَجِدونه من أذاهم، ولا شك أن الأذى اللاحقَ للعدوِّ مِمَّا يَسُرُّ، ويُفْرِحُ ما عند عدوه» وفيه نظرٌ، فإنَّ الاستئناف وافٍ بهذا المعنى؛ فإنَّ الإِنسانَ إذا سمع خبراً يسوءُ عدوَّه سُرَّ بذلك، وإن لم يُوعَدْ به، وقد يَتَقوّى صاحبُ هذا القول المتقدم بأن الزمخشري قد نَحا إلى هذا المعنى في سورة سبحان، قال: «فإن قلت: علامَ عطف ﴿وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الإِسراء: ١٠] ؟ قلت: على ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإِسراء: ٩] ، على أنه بَشَّر المؤمنين ببشارتين اثنتين: بثوابِهم وبعقابِ أعدائهم، فجعل عقابَ أعدائِهم داخلاً في حَيِّز البِشارة، فالبشارةُ هناك كالوعدِ هنا.
следующие страницы →