Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
قوله تعالى: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا﴾ : «إذا» فيه ثلاثةُ أوجهٍ أظهرُها: أنه منصوبٌ ب «واثقكم» الثاني: أنه منصوبٌ على الحال من الهاء في «به» الثالث: أنه حالٌ مِنْ «ميثاقه» وعلى هذين الوجهين الأخيرين يتعلق بمحذوفٍ على القاعدة المقررةِ، و «قلتم» في محلِّ خفضِ بالظرف، و «سَمِعْنا» في محل نصب بالقول.
стр. 2662
قوله تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ﴾ : تقدَّم نظيرُها في النساء إلا أنه هناك قَدَّم لفظة «القسط» وهنا أُخِّرت، وكأن الغرضَ في ذلك - والله أعلمُ - أنَّ آية النساء جيء بها معرض الإِقرار على نفسِه ووالديه وأقاربه فبُدِىء فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباةِ نَفْس ولا والدٍ ولا قرابة والتي هنا: جِيء بها في معرض تكر العداوة فبُدِئ فيها بالأمر بالقيام لله؛ لأنه أردعُ للمؤمنين، ثم ثَنَّى بالشهادة بالعدل، فجيء في كل مَعْرِضٍ بما يناسِبُه. وقوله: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُم﴾ [المائدة: ٢] تقدَّم مثله، وظهورُ حرفِ الجر هنا يرجِّع تقديرَه قبلُ. «هو أقرب» : «هو» ضمير المصدر المفهوم من الفعل أي: العدل، وقد تقدَّم له نظائُر كثيرة.
стр. 2663
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله﴾ : «وعد» يتعدَّى لاثنين أولهما الموصول، والثاني محذوفٌ أي: الجنةَ، وقد صَرًَّح بهذا المفعولِ في غير هذا الموضع وعلى هذا فالجملة من قوله: «لهم مغفرة» لا محل لها لأنها مفسرةٌ لذلك المحذوفِ تفسيرَ السبب للمسبب، فإن الجنةَ مسببةٌ عن المغفرةِ وحصولِ الأجر العظيم، والكلامُ قبلها تام بنفسه. وذكر الزمخشري في الآية احتمالاتٍ أخَرَ، أحدها: أنَّ الجملةَ من قوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ بيانٌ للوعد، كأنه قال: قَدَّم لهم وعداً، فقيل: أيَّ شيء وعده؟ فقال: لهم مغفرة وأجر عظيم، وعلى هذا فلا محلَّ لها أيضاً، وهذا أَوْلى من الأول لأن تفسيرَ الملفوظِ به أَوْلى من ادِّعاء تفسير شيء محذوف. الثاني: أنَّ الجملةَ منصوبةٌ بقولٍ محذوفٍ كأنه قيل: وَعَدهم وقال لهم مغفرة. الثالث: إجراءُ
стр. 2664
الوعد مُجرى القول لأنه ضَرْبٌ منه، ويجعل «وعد» واقعاً على الجملة التي هي قوله: «لهم مغفرة» كما وقع «تَرَكْنا» على قوله: ﴿سَلاَمٌ على نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩] ، كأنه قيل: وعدهم هذا القول، وإذا وعدهم مَنْ لا يُخْلِفُ الميعادَ فقد وعدهم مضمونَة من المغفرة والأجر العظيم، وإجراءُ الوعدِ مُجْرى القولِ مذهبٌ كوفي.
стр. 2665
قوله تعالى: ﴿والذين كَفَرُواْ﴾ : مبتدأ، و «أولئك» مبتدأ ثان، و «أصحاب» خبره، والجملة خبر الأول، وهذه الجملة مستأنفة أُتي بها اسميةً دلالة على الثبوت والاستقرار، ولم يُؤْتَ بها في سياق الوعيد كما أتى بالجملة قبلها في سياق الوعد حسماً لرجائهم، وأجاز بعضُهم أن تكونَ هذه الجملةُ داخلةً في حَيِّز الوعد، على ما تقدَّم تقريرُه في الجملةِ قبلَها، قال: «لأنَّ الوعيد اللاحقَ بأعدائهم مِمَّا يَشْفي صدروَهم، ويُذْهب ما كانوا يَجِدونه من أذاهم، ولا شك أن الأذى اللاحقَ للعدوِّ مِمَّا يَسُرُّ، ويُفْرِحُ ما عند عدوه» وفيه نظرٌ، فإنَّ الاستئناف وافٍ بهذا المعنى؛ فإنَّ الإِنسانَ إذا سمع خبراً يسوءُ عدوَّه سُرَّ بذلك، وإن لم يُوعَدْ به، وقد يَتَقوّى صاحبُ هذا القول المتقدم بأن الزمخشري قد نَحا إلى هذا المعنى في سورة سبحان، قال: «فإن قلت: علامَ عطف ﴿وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الإِسراء: ١٠] ؟ قلت: على ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإِسراء: ٩] ، على أنه بَشَّر المؤمنين ببشارتين اثنتين: بثوابِهم وبعقابِ أعدائهم، فجعل عقابَ أعدائِهم داخلاً في حَيِّز البِشارة، فالبشارةُ هناك كالوعدِ هنا.
стр. 2666
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ : يجوزُ أَنْ يتعلَّق ب «نعمة» وأن يتعلق بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها. و «إذ هم» ظرفٌ، ناصبُه النعمة أيضاً أي: اذكروا نعمته عليكم في وقتِ هَمِّهم، ويجوز أن يتعلقَ هذا الظرفُ
стр. 2667
بما تعلّق به «عليكم» إذا جعلتَه حالاً من «نعمة» ، ولا يجوزُ أَنْ يكون منصوباً ب «اذكروا» لتنافي زمنيهما، فإنَّ «إذ» للمضي، و «اذكروا» مستقبل. و «أن يَبْسُطوا» على إسقاط الباء أي: هَمُّوا بأن يبسطوا، ففي موضع «أَنْ» الخلافُ المشهور.
стр. 2668
قوله تعالى: ﴿مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً﴾ : «منهم» يجوز أن يتعلق ب «بَعَثْنا» وأَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حال مِنْ «اثني عشر» لأنه في الأصلِ صفةُ له، فلما قُدُّمِ نُصِب حالاً. وقد تقدَّم الكلامُ في تركيب «اثني عشر» وبنائه وحَذْفِ نونِه في البقرة فَأَغْنى عن إعادته. و «ميثاق» يجوزُ أَنْ يكونَ مضافاً إلى المفعول - وهو الظاهر - أي: إن الله تعالى واثَقَهم، وأَنْ يكونَ مضافاً لفاعله: أي: إنهم واثقوه تعالى. والمفاعلة يجوز نسبةُ الفعلِ فيها إلى كلِّ من المذكورَيْنِ. والنقيب: فعيل، قيل: بمعنى فاعِل مشتقاً من النَّقْب وهو التفتيس، ومنه: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي البلاد﴾ [ق: ٣٦] وسُمِّي بذلك لأنه يفتشُ عن أحوالِ القوم وأسرارهم. وقيل: هو بمعنى مفعول، كأن القوم اختاره على علمٍ منهم تفتيشٍ على أحواله. وقيل: هو للمبالغةِ كعليم وخبير.
قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ هذه اللامُ هي الموطئة للقسم، والقسم معها محذوفٌ، وقد تقدَّم أنه إذا اجتمع شرطٌ وقسمٌ أجيب سابقهما، إلا أن يتقدَّم ذو خبرٍ فيُجاب الشرطُ مطلقاً. وقوله: ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾ هذه اللام هي جوابُ القسم لسبقه، وجوابُ الشرط محذوفٌ / لدلالة جواب القسم عليه، وهذا معنى قول الزمخشري أنَّ قوله «لأكفرنَّ» سادٌّ مسد جوابي القسم والشرط، لا كما فهمه بعضُهم، وردَّ عليه ذلك. ويجوز أن يكون «لأكفرن» جواباً لقوله تعالى قبل
стр. 2669
ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ﴾ لِما تَضَمَّنه الميثاقُ من معنى القسم، وعلى هذا فتكون الجملتان - أعني قوله: «وبعثنا» «وقال الله» - فيهما وجهان، أحدهما: أنهما في محلِّ نصبٍ على الحال، والثاني: أن تكونا جملتي اعتراض، والظاهرُ أنَّ قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ جوابُه: «لأكفرنَّ» كم تقدم، وجملةُ هذا القسمِ المشروطِ وجوابُه مفسرةٌ لذلك الميثاق المتقدم.
والتعزير: التعظيم، قال:
١٧١ - ٠- وكم من ماجدٍ لهُمُ كريمٍ ... ومِنْ لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ
وقيل: هو الثناء بخير، قال يونس، وهو قريب من الأول. وقيل: هو الردُّ عن الظلم قاله الفراء. وقال الزجاج: «هو الردع والمنع» فعلى القولين الأولين يكون المعنى: «وعَظَّمْتُموهم وأثنيتم عليهم خيراً» وعلى الثالث والرابع يكون المعنى: «وردَدْتم وردَعْتم سفهاءَهم عنهم. قال الزجاج:» عزرت فلاناً «: فَعَلْتُ به ما يردعه عن القبيح، مثل نَكَّلت، فعلى هذا يكون» عَزَّرْتُموهم «رَدّدْتم عنهم اعداءهم» وقرأ الحسن البصري: «برسْلي» بسكون العين حيث وقع. وقرأ الجحدري: «وعَزَرْتموهم» خيفيفةَ الزاي وهي لغة. وقرأ في الفتح: «وتَعْزُوروه» بفتح حرف المضارعة وسكون العين وضم الزاي، وهي موافقة لقراءته هنا.
стр. 2670
وقوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً﴾ تقدَّم الكلام في «قَرْضا» وفي نصبه في البقرة.
стр. 2671
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ تقدم الكلام على نظيره، وكذلك ﴿سَوَآءَ السبيل﴾ [النساء: ١٥٥] . وقرأ الجمهور: «قاسيةً» اسم فاعل من قسا يقسو، وقرأ الأَخَوان: - وهي قراءة عبد الله - «قَسِيَّةً» بفتح القاف وكسر السينِ وتشديدِ الياء. واختلفَ الناسُ في هذه القراءةِ: فقال الفارسي: «ليست في ألفاظِ العربِ في الأصل، وإنما هي كلمةٌ أعجميه معرَّبة» يعني أنها مأخوذةٌ من قولِهم: «دِرْهم قِسِيّ» أي: مَغْشُوش، شَبَّه قلوبَهم في كونِها غيرَ صافيةٍ من الكَدَر بالدارهم المغشوشةِ غير الخالصةِ، وأنشدوا قولَ أبي زبيد:
١٧١ - ١- لها صَواهِلُ في صُمِّ السِّلام كما ... صاحَ القَسِيَّات في أَيْدي الصياريفِ
وقوله الآخر:
١٧١ - ٢- وما زَوَّدوني غيرَ سَحْقِ عِمامةٍ ... وخمسَ مِئٍ منها قِسِيُّ زائفُ
وقال صحاب الكشاف: «وقرأ عبد الله:» قَسِيَّة «أي: رديئة مغشوشة
стр. 2672
مِنْ قولِهم:» درهم قَسِيّ «وهو من القسوة؛ لأنَّ الذهبَ والفضة الخالصين فهيما لينٌ، والمغشوشُ فيه صلابةٌ ويُبس، والقسي والقاسح - بالحاءِ المهملة - أَخَوانِ في الدلالة على اليُبْس» وهذا القول سبقه إليه المبردُ فإنه قال: «يُسَمَّى الدرهمُ المغشوشُ قَسِيّاً لصلابته وشدتِه للغشِّ الذي فيه» ، وهو يَرْجِعُ للمعنى الأول، والقاسي والقاسح، بمعنى واحد، وعلى هذين القولين تكوت اللفظةُ عربية، وقيل: بل هذه القراءة توافِقُ قراءةُ الجماعة في المعنى والاشتقاق، لأنه فعيل للمبالغة كشاهد وشهيد فكذلك قاسٍ وقسِيّ، وإنما أُنِّث على معنى الجماعةِ. وقرأ الهَيْصم بن شداخ: «قُسِيَّة» بضم القاف وتشديد الياء. وقرئ «قِسَّية» بكسر القاف إتباعاً، وأصل القراءتين: قاسِوَة وقَسِيوة لأنَّ الاشتقاق من القسوة.
قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ في هذه الجملة أربعة أوجه، أنها مستأنفة بيانٌ لقسوة قلوبهم، لأنه لا قسوةَ أعظمُ من الافتراء على الله تعالى. والثاني: أنها حال من مفعول «لعنَّاهم» أي: لعنَّاهم حالَ اتصافهم بالتحريف. والثالث: - قال أبو البقاء - أنه حال من الضمير المستتر في «قاسية» ، وقال: «ولا يجوزُ أن يكون حالاً من القلوب، لأن الضمير في» يُحَرِّفون «لا يرجع إلى القلوب» وهذا الذي قاله فيه نظر، لأنه من حيث جَوَّز أن يكونَ حالاً من الضمير في «قاسية» يلزَمُه أن يُجَوِّز أن يكون حالاً من «القلوب» لأنَّ الضميرَ المسترر في «قاسية» يعودُ على القلوب، فكما يمتنع أن يكونَ حالاً مِنْ ظاهره،
стр. 2673
يمتنع أن يكونَ حالاً من ضميرِه، وكأن المانع الذي توهَّمه كونُ الضمير - وهو الواو في «يُحَرِّفون - إنما يعود على اليهود بجملتِهم لا على قلوبهم خاصةً، فإنَّ القلوبَ لا تُحَرِّف، إنما يحرِّف أصحاب القلوب، وهذا لازمٌ له في تجويزه الحاليةَ من الضمير في» قاسية «.
ولقائل أن يقولَ: المرادُ بالقلوبِ نفسُ الأشخاص، وإنما عَبَّر عنهم بالقلوب لأن هذه الأعضاءَ هي محلُّ التحريف أي: إنه صادرٌ عنها بتفكُّرها فيه، فيجوزُ على هذا أن يكونَ حالاً من القلوب. والرابع: أن تكون حالاً من «هم» قال أبو البقاء: «وهو ضعيفٌ» يعني لأنَّ الحالَ من المضاف إليه لا تجوزُ، وغيرُه يجوِّزُ ذلك في مثلِ هذا الموضعِ؛ لأنَّ المضاف بعضُ المضاف إليه. / وقرأ الجمهورُ بفتح الكافِ وكسرِ اللامِ وهو جمعُ «كلمة» وقرأ أبو رجاء: «الكِلْمِ» بكسر الكافِ وسكونِ اللام، وهو تخفيفُ قراءة الجماعة، وأصلُها أنه كَسَرَ الكافَ إتباعاً ثم سكَّن العينَ تخفيفاً، وقرأ السُلمي والنخغي: «الكلام» بالألف. «وعن مواضِعه» قد ذُكِر مثلُه في النساء.
قوله: ﴿على خَآئِنَةٍ﴾ في «خائنة» ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها اسمُ فاعل والهاء للمبالغة كراوية ونسَّابة أي: على شخص خائن، قال الشاعر:
١٧١ - ٣- حَدَّثْتَ نفسَك بالوفاءِ ولم تَكُنْ ... للغدرِ خائنةً مُغِلَّ الإصبَعِ
الثاني: أن التاء للتأنيث، وأُنِّث على معنى طائفة أو نفس أو فَعْلَة خائنة. الثالث: أنها مصدرٌ كالعافية والعاقبة، ويؤِّيد هذ الوجه قراءةُ
стр. 2674
الأعمش: ﴿على خيانة﴾ وأصل خائِنة: خاونة، وخيانة: خِوانة، لقولهم: تَخَوَّن وخَوَّان وهو أَخْوَن، وإنما أُعِلاَّ إعلالَ «قائمة وقيام» و «منهم» صفة ل «خائنة» إن أريد بها الصفة، وإن أريد بها المصدرُ قُدِّر مضافٌ أي: من بعض خياناتهم.
قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ منصوبٌ على الاستثناء، وفي المستنثى منه أربعةُ أقوالٍ، أظهرُها: أنه لفظ خائنة، وهمُ الأشخاصُ المذكورون في الجملة قبله أي: لا تزالُ تَطَّلع على مَنْ يَخْون منهم إلى القليلَ، فإنه لا يخون فلا تَطَّلِعُ عليه، وهؤلاء هم عبد الله بن سلام وأصحابه. قال أبو البقاء «ولو قرئ بالجر على البدل لكان مسقيماً» يعني على البدل من «خائنة» فإنه في حَيِّز كلام غير موجب. والثاني: ذكره ابن عطية أنه الفعل أي: لا تزال تطَّلع على فِعْل الخيانة إلا فعلاً قليلاً، وهذا واضح إنْ أُريد بالخيانة أنها صفة للفعلة المقدرة كما تقدَّم، ولكن يُبْعِدُ ما قاله ابنُ عطية قولُه بعدَه «منهم» ، وقد تقدَّم لنا نظيرُ ذلك في قوله ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] ، حيث جَوَّز الزمخشري فيه أن يكونَ صفةً لمصدرٍ محذوفٍ. الثالث: أنه «قلوبهم» في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ قال صاحبُ هذا القول: «والمرادُ بهم المؤمنون لأن القسوة زالَتْ عن قلوبهم» وهذا فيه بُعْدٌ كبير، لقوله «لعنَّاهم» الرابع: أنه الضمير في «منهم» مِنْ قوله تعالى: ﴿على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ قاله مكيّ.
стр. 2675
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الذين قَالُواْ﴾ : فيه خمسةُ أوجه،
стр. 2676
أحدهما: - وهو الظاهر- أنَّ «مِنْ» متعلقة بقوله «أخذنا» والتقدير الصحيح فيه أن يقال: تقديرُه: «وأَخَذْنا من الذين قالوا: إنَّا نصارى ميثاقهم» فتوقع «الذين بعد» أَخَذْنا «وتؤخِّر عنه» ميثاقهم «ولا يجوز أن تقدِّر» وأَخَذْنا ميثاقَهم من الذين «فتقدم» ميثاقَهم «على» الذين قالوا «وإنْ كان ذلك جائزاً من حيثُ كونُهما مفعولين، كلُّ منهما جائزُ التقديم والتأخيرِ، لأنه يلزم عودُ الضميرِ على متأخر لفظاً ورتبة، وهو لا يجوز إلا في مواضعَ محصورةٍ، نصَّ على ذلك جماعةٌ منهم مكي وأبو البقاء الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ قامَتْ صفتُه مَقامه، والتقدير:» ومن الذين قالوا إنّا نصارى قومٌ أخذنا ميثاقهم «فالضمير في» ميثاقهم «يعود على ذلك المحذوف. والثالث: أنه خبر مقدم أيضاً، ولكن قَدَّروا المبتدأ موصولاً حُذِف وبقيت صلتُه، والتقدير:» ومن الذين قالوا: إنَّا نصارى مَنْ أخذنا ميثاقهم «فالضمير في» ميثاقهم «عائد على» مَنْ «والكوفيون يجيزون حَذْفَ الموصول، وقد تقدم لنا معهم البحث في ذلك. ونقل مكي مذهب الكوفيين هذا، وقَدَّره عندهم:» ومن الذين قالوا: إنَّ نصارى مَنْ أخذنا «وهذا التقدير لايؤخذ منه أن المحذوف موصول فقط، بل يجوز أن تكونَ» مَنْ «المقدرةُ نكرةً موصوفةً حُذِفت وبقيت صفتُها، فيكون كالمذهب الأول. الرابع: أن تتعلِّق» مِنْ «ب» أخذنا «كالوجه الأول، إلا أنه لا يلزَمُ فيه ذلك التقديرُ، وهو أن توقع» من الذين «بعد» أخذنا «وقبل» ميثاقهم «، بل يجوز أن يكون التقدير على العكسِ، بمعنى أنَّ الضميرَ في» ميثاقهم «يعودُ على بني إسرائيل، ويكون المصدرُ من قوله» ميثاقهم «مصدراً تشبيهياً، والتقدير: وأخذنا من النصارى ميثاقاً مثلَ ميثاق بني إسرائِيل كقولك:» أخَذْتُ من زيد ميثاق عمرو «أي: ميثاقاً
стр. 2677
مثل ميثاق عمرو، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري فإنه قال:» أَخَذْنا من النصارى ميثاقَ مَنْ ذُكِر قبلَهم من قوم موسى أي: مثل ميثاقِهم بالإِيمان بالله والرسل. الخامس: أنَّ «من الذين» معطوف على «منهم» من قوله تعالى: «ولا تزال تَطَّلِعُ على خائنةٍ منهم أي: من اليهود، والمعنى: ولا تزال تَطَّلع على خائنةٍ من اليهود ومن الذين قالوا إنَّا نصارى، ويكون قوله: ﴿اأَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ على هذا مستأنفاً. وهذا ينبغي ألاَّ يجوز لوجهين، أحدهما: الفصلُ غيرُ المغتفر. والثاني: أنه تهيئةٌ للعامل في شيء وقطعه عنه، وهو لا يجوز.
قوله: ﴿بَيْنَهُمُ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه ظرفٌ ل «أغرينا» . والثاني: أنه حالٌ من «العداوة» فيتعلق بمحذوف، ولا يجوز أن يكون ظرفاً للعداوة، لأنَّ المصدر لا يتقدم معموله عليه. «وإلى يوم القيامة» أجاز فيه أبو البقاء أن يتعلَّق بأغرينا، أو بالعداوة، أو بالبغضاء، أي: أغرينا إلى يوم القيامة بينهم العداوة والبغضاء، أو أنهم يتعادَون إلى يوم القيامة، أو يتباغضون إلى يوم القيامة. وعلى مأ أجازه أبو البقاء تكونُ المسألةُ من باب الإعمال، ويكون قد وُجد التنازع بين ثلاثة عوامل، ويكون من إعمال الثالث للحذف من الأول والثاني، وتقدم تحرير ذلك. و «أغرينا» مِنْ أغراه بكذا أي: ألزمه إياه، وأصلُه من الغِراء الذي يُلْصَقُ به ولامه واو، فالأصل: أَغْرَوْنا، وإنما قُلِبت الواو ياء لوقوعها رابعة كأغوينا، ومنه قولُهم: «سَهْمٌ مَغْرُوُّ» أي معمول بالغِراء، يقال «غَرِيَ بكذا يَغْرى غَرَاء وغِراء، فإذا أريد / تعديتُه عُدِّي بالهمزة، فقيل:» أغريته بكذا «. والضميرُ في» بينهم «يحتمل أن يعود على» الذين قالوا إنَّا نصارى «وأن يعودَ على اليهود المتقدمين الذكر، وبكلٍ قال جماعةٌ، وهذا الكلامُ معطوف على الكلام قبله من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ﴾
стр. 2678
أي: ولقد أخذ اللهُ ميثاقَ بين إسرائيل، وأخذنا مِنَ الذين قالوا.
стр. 2679
قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال من «رسولنا» أي: جاءكم رسولنا في هذه الحالة. و «ممَّا» يتعلق بمحذوف لأنه صفة ل «كثيراً» و «ما» موصولةٌ اسميةٌ، و «تُخْفون» صلتُها والعائد محذوف أي: من الذين كنتم تخفونه. «ومن الكتاب» متعلق بمحذوف على أنه حالٌ من العائد المحذوف. وقوله: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ﴾ لا محلِّ له لاستئنافِه، والضميرُ في «يبيِّن» و «يَعْفُو» يعود على الرسول، وقد جَوِّز قوم أَنْ يعودَ على الله تعالى، وعلى هذا فلا محلِّ لقوله: «يبيِّن» من الإِعراب. ويمتنع أن يكونَ حالاً من «رسولنا» لعدمِ الرابط، وصفة «كثير» محذوفةٌ للعلم بها تقديرُه: عن كثير من ذنوبكم، وحَذْفُ الصفة قليل. وقوله: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله﴾ لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافها، و «من الله» يجوز أَنْ يتعلَّق ب «جاء» وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حال من «نور» قُدِّمَتْ صفةُ النكرة عليها فنُصِبَتْ حالا.
стр. 2680
قوله تعالى: ﴿يَهْدِي﴾ : فيه خمسة أوجه، أظهرها: انه في محل رفع لأنه صفة ثانية ل «كتاب» وَصَفه بالمفرد ثم بالجملة وهو الأصل. الثاني: أن يكون صفة أيضاً لكن ل «نور» ذَكَره أبو البقاء، وفيه نظر، إذ القاعدة انه إذا اجتمعت التوابعُ قُدِّم النعتُ على عطف النسق تقول: «جاء زيدٌ العاقلُ وعمرو» ولا تقول: «جاء زيدٌ وعمرو العاقل» ولأن فيه إلباساً أيضاً. الثالث: أن يكونَ حالاً من «كتاب» لأنَّ النكرة لَمَّا تخصصت بالوصفِ قَرُبَتْ من المعرفة، وقياسُ قول أبي البقاء أنه يجوز أن يكونَ حالاً من «نور» كما جاز أن يكون صفة له. الرابع: أنه حال من «رسولنا» بدلاً من الجملة الواقعة حالاً له وهي قوله «يبين» الخامس: أنه حالٌ من الضمير في «يبيِّن» ذكرهما
стр. 2681
أبو البقاء ولا يَخْفى ما فيها من الفصل، ولأنَّ فيه ما يُشْبه تهيئة العامل للعمل وقطعَه عنه.
والضميرُ في «به» يعودُ على مَنْ جَعَلَ «يَهْدي» حالاً منه أو صفة له، قال أبو البقاء: «فلذلك أُفْرِد، أي: إنَّ الضمير في» به «أتى به مفرداً، وقد تقدَّمه شيئان، وهما نورٌ وكتابٌ، ولكنْ لَمَّا قَصَد بالجملة من قوله» يهدي «الحالَ أو الوصفَ من أحدهما أفردَ الضمير، وقيل: الضمير في» به «يعودُ على الرسول. وقيل: يعودُ على السلام، وعلى هذين القولين لا تكونُ الجملة من قوله» يهدي «حالاً ولا صفةً لعدم الرابط. و» مَنْ «موصولةٌ أو نكرة موصوفة، وراعى لفظَها في قوله» اتَّبع «فلذلك أفرد الضمير، ومعناها، فلذلك جَمَعَه في قوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾ .
وقرأ عبيد بن عمير ومسلم بن جندب والزهري:» بهُ «بضمِّ الهاء حيث وقع، وقد تقدم أنه الأصل. وقرأ الحسن:» سُبْل «بسكون الباء، وهو تخفيف قياسي به كقولهم في» عُنُق «:» عُنْق «، وهذا أولى لكونه جمعاً، وهو مفعول ثاني ل» يهدي «على إسقاط حرف الجر أي: إلى سبل، وتقدم تحقيق نظيره، ويجوز أن ينتصب على أنه بدلٌ من» رضوانه «: إمَّا بدلُ كل مِنْ كل؛ لأن» سبل السلام «هي رضوان الباري تعالى، وإمَّا بدل اشتمال لأن الرضوان مشتمل على سبل السلام، أو لأنها مشتملة على رضوان الله تعالى، وإما بدل بعض من كل، لأنَّ سبل السلام بعض الرضوان. و» بإذنه «متعلق
стр. 2682
ب» يخرجهم «أي بتيسيره أو بأمره، والباء للحال أي: مصاحبين لتيسيره، أو للسببية، أي: بسببِ امره المنزل على رسوله.
стр. 2683
قوله تعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ﴾ : الفاءُ عاطفةٌ هذه الجملةَ على جملة مقدرة قبلها، والتقديرُ: قل كذبوا - أوليس الأمر كذلك - فمن يملك؟ وقوله: «من الله» في احتمالان، أظهرهما: أنه متعلق بالفعل قبله. والثاني: ذَكَره أبو البقاء أنه حال من «شيئاً» يعني من حيث إنه كان صفةً في الأصل للنكرة فقُدِّم عليها فانتصب حالاً، وفيه بٌعْدٌ أو منعٌ. وقوله: ﴿فَمَنْ﴾ استفهامُ توبيخ وتقرير، وهو دالٌ على جواب الشرط بعده عند الجمهورِ. وقوله: ﴿وَمَن فِي الأرض﴾ من باب عطف العام على الخاص حتى يبالِغَ في نفي الإِلهية عنهما، فكأنه نصَّ عليهما مرتين مرة بذكرهما مفردين، ومرةً باندراجِهما في العموم و «جميعاً» حالٌ من المسيح وأمه ومَنْ في الأرض، أو من «مَنْ» وحدها لعمومها، ويجوز أن تكونَ منصوبةً على التوكيد مثل «كل» ، وذكرها بعض النحويين من ألفاظ التوكيد. وقوله: ﴿يَخْلُق﴾ جملةٌ لا محلَّ لها لاستئنافها.
стр. 2684
قوله تعالى: ﴿فَلِمَ﴾ : هذه الفاءُ جوابُ شرط مقدر وهو ظاهرُ كلام الزمخشري فإنه قال: «فإن صَحَّ أنكم أبناء الله وأحباؤه فلِمَ تُذْنبون وتُعَذَّبون؟» ويجوز أن تكون كالفاء قبلها في كونها عاطفة على جملة مقدرة أي: كَذَبْتُمْ فلِمَ يعذبكم؟ والباء في «بذنوبكم» سببية. و «مِمَّن خلق» صفةٌ ل «بشر» فهو في محل رفع متعلق بمحذوف.
стр. 2685
قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ : تقدَّم نظيره. وقوله: «على فترة» فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه متعلقٌ ب «جاءكم» أي: جاءكم / على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي، ذكره الزمخشري والثاني: أنه حال من فاعل «يبين» أي: يبين في حال كونه على فترة. والثالث: أنه حال من الضمير المجرور في «لكم» فيتعلَّق على هذين الوجهين بمحذوفٍ. و «من الرسل» صفةٌ ل «فترة» على أن معنى «من» ابتداءُ الغاية أي: فترةٍ صادرة من إرسال الرسل. قوله: ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ مفعول من أجله، فقدَّره الزمخشري: «كراهة أن تقولوا» وأبو البقاء: مخافةَ أن تقولوا، والأول أَوْلى. وقوله: «يبيِّن» يجوز ألاَّ يُرادَ له مفعول البتة، والمعنى: يبذل لكم البيانَ، ويجوز أن يكون محذوفاً: إمَّا لدلالة اللفظ عليه وهو ما تقدَّم من قوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً﴾ [المائدة: ١٥] وإمَّا لدلالة الحال أي: يبيِّن لكم ما كنتم تختلفون فيه. «ومن بشير» فاعل، زِيْدَتْ فيه «مِنْ» لوجود الشرطين و «لا نذير» عطف على لفظه، ولو قرئ برفعه مراعاةً لموضعه جاز. وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ عطف على جملة مقدرة أي: لا تعتذروا فقد جاءكم. وما بعد هذا من الجمل واضحُ الإِعرابُ لِما تقدم من نظائره.
стр. 2686
قوله تعالى: ﴿على أَدْبَارِكُمْ﴾ : حالٌ من فاعل «ترتدَّوا» أي: لا ترتدَّوا منقلبين، ويجوز أن يتعلَّق بنفس الفعل قبله، وقوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ فيه وجهان أظهرهما: أنه مجزومُ عطفاً على فعل النهي. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار «أنْ» بعد الفاء في جواب النهي. و «خاسرين» حال. وقرأ ابن
стр. 2687
محيصن هنا وفي جميع القرآن: ﴿يا قومُ﴾ مضمومَ الميم، ويُروى قراءةً عن ابن كثير، ووجهُها أنها لغةٌ في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم كقراءة: ﴿قل ربُّ احكمْ بالحق﴾ وقد بَيَّنْتُ هذه المسألة قبل ذلك. وقرأ ابن السَّمَيْفَع: ﴿يا قوميَ ادخلوا﴾ بفتح الياء.
стр. 2688
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ : أي: فإنَّا داخلون الأرضَ حَذَفَ المفعولَ للدلالة عليه.
стр. 2689
قوله تعالى: ﴿مِنَ الذين يَخَافُونَ﴾ : هذا الجارُّ والمجرور في محل رفعٍ صفةً ل «رجلان» ، ومفعولُ «يخافون» محذوفٌ، تقديرُه: يخافون اللَّهَ أو يخافون العدوَّ، ولكن ثَبَّتهما الله تعالى بالإِيمان والثقة به حتى قالوا هذه المقالةَ، ويؤِّيد التقديرَ الأول التصريحُ بالمفعول في قراءة ابن مسعود: ﴿يخافون الله﴾ ، وهذان التأويلانِ بناءً على ما هو المشهور عند الجمهور مِنْ كَوْنِ الرجلين القائلَيْن ذلك مِنْ قومَ موسى وهما يُوشع وكالب، وقيل: الرجلان من الجبارين، ولكن أنعم الله عليهما بالإِيمان حتى قالا هذه المقالة يُحَرِّضهم على قومهم لمعاداتهم لهم في الدين، وعلى هذا القول فيحتمل أن يكونَ مفعولُ «يخافون» كما تقدَّم، أي: يخافون الله أو العدو، والمعنى كما تقدَّم، ويحتمل أن يكون المفعول ضميراً عائداً على الموصول ويكونُ الضميرُ المرفوع في «يخافون» ضميرَ بني اسرائيل، والتقدير: من الذين يخافهم بنو اسرائيل، وأيَّد الزمخشري هذا التأويل بقراءة مَنْ قرأ «يُخافون» مبنياً للمفعول، وبقوله أيضاً: ﴿أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا﴾ فإنه قال: «وقراءةُ
стр. 2690
مَنْ قرأ» يُخافون «بالضم شاهدة له، ولذلك أنعم الله عليهما، كأنه قيل: مِنْ المُخَوَّفين» انتهى. والقراءة المذكورة مرويةٌ عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد، وأبدى الزمخشري أيضاً في هذه القراءةِ احتمالاً آخرَ وهو أن تكون من الإِخافة، ومعناه: من الذين يُخَوَّفُون من الله بالتذكرة والموعظةِ أو يُخَوِّفهم وعيدُ الله بالعقاب. وتحتملُ القراءةُ أيضاً وجهاً آخر: وهو أن يكونَ المعنى: «يُخافون» أي: يُهابون ويُوَقَّرون، ويُرْجَعُ إليهم لفضلِهم وخيرِهم، ومع هذين الاحتمالين الأخيرين فلا ترجيحَ في هذه القراءة لكونِ الرجيلن من الجبارين. وأما قوله: وكذلك «أنعم الله عليهما» أي: في كونه مرجِّحاً أيضاً لكونهما من الجبارين فغيرُ ظاهرٍ، لكون هذه الصفةِ مشتركةً بين يوشع وكالب وبين غيرِهما مِمَّن أنعمَ الله عليه.
قوله: ﴿أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا﴾ في هذه الجملةِ خمسةُ أوجه، أظهرهم: أنها صفةٌ ثانيةٌ فمحلُّها الرفعُ، وجِيء هنا بأفصحِ الاستعمالين من كون قَدَّم الوصفَ بالجارِّ على الوصف بالجملةِ لقُربه من المفرد. والثاني: أنها معترضةٌ، وهو أيضاً ظاهرٌ. الثالث: أنها حالٌ من الضمير في «يَخافون» قاله مكي. الرابع: أنها حالٌ من «رجلان» وجاءت الحالُ من النكرةِ لتخصُّصِها بالوصفِ. الخامس: أنها حالٌ من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرورِّ، وهو «مِنَ الذين» لوقوعِه صفةً لموصوف، وإذا جَعَلْتَها حالاً فلا بُدَّ من إضمارِ «قد» مع الماضي على خلافٍ سلف في المسألة.
стр. 2691
قوله تعالى: ﴿مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾ : «ما» مصدريةٌ ظرفيةٌ، و «داموا» صلتُها، وهي «دام» الناقصةُ، وخبرُها الجارُّ بعدَه، وهذا الظرفُ بدل من «أبداً» وهو بدلُ بعضٍ من كل؛ لأنَّ الأبَدَ يَعُمُّ الزمنَ المستقبل كلَّه، ودوامُ
стр. 2692
الجبارين فيها بعضُه، وظاهرُ عبارة الزمخشري يحتمل أن يكون بدلَ كل من كل أو عطفَ بيان، والعطفُ قد يقع بين النكرتين على كلامٍ فيه تقدَّم، قال الزمخشري: «وأبداً» تعليقٌ للنفي المؤكد الدهر المتطاول، و «ما داموا فيها» بيانُ الأمر «فهذه العبارة تحتمل أنه بدلُ بعضٍ من كل، لأنَّ بدلَ البعض من الكل مبيِّنٌ للمراد نحو:» أكلت الرغيف ثلثه «ويَحْتمل أن يكون بدلَ من كل فإنه بيانٌ أيضاً للأولِ وإيضاحٌ له، نحو:» رأيت زيداً أخاك «، ويحتمل أن يكونَ عطفَ بيان.
قوله: ﴿وَرَبُّكَ﴾ فيه أربعة أوجه، أحدهما: أنه مرفوع عطفاً على الفاعل المستتر في» اذهب «وجازَ ذلك للتأكيد بالضمير. الثاني: أنه مرفوعٌ بفعل محذوف أي: وليذهب ربك، ويكون من عطف الجمل، وقد تقدم لي نقلُ هذا القول والردُّ عليه ومخالفتهُ لنصِّ سيبويه عند قوله تعالى: ﴿اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ [البقرة: ٣٥] . الثالث: أنه مبتدأ والخبرُ محذوفُ والواوُ للحالِ. الرابع: أن الواوَ للعطفِ وما بعدها مبتدأ محذوفُ الخبرِ أيضاً، ولا محلَّ لهذه الجملة لكونِها دعاءً، والتقدير: وربُّك يعينُك. قوله:» ههنا قاعدون «» هنا «وحدَه هو الظرف المكاني الذي لا يتصرَّفُ إلا بجرِّه ب» مِنْ «و» إلى «، و» ها «قبله للتنبيه كسائر أسماءِ الإِشارة، وعاملُه» قاعدون «وقد أُجيز أن يكونَ خبرَ» إنَّ «،» وقاعدون «خبرٌ ثان وهو بعيدٌ، وفي غير القرآن إذا اجتمع ظرف يصلح الإِخبار به مع وصفٍ آخرَ يجوزُ أن يُجْعَلَ الظرفُ خبراً والوصفُ حالاً، وأن يكونَ الخبرُ الوصفَ والظرفُ منصوبٌ به كهذه الآية.
стр. 2693
قوله تعالى: ﴿وَأَخِي﴾ : في ستة أوجه أظهرها: أنه منصوب عطفاً على «نفسي» والمعنى: ولا أملك إلا أخي مع مِلْكي لنفسي دون غيرنا.
стр. 2694
الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على اسمِ «إنَّ» ، وخبرُه محذوفٌ للدلالة اللفظية عليه أي: وإنَّ أخي لا يملك إلا نفسَه. الثالث: أنه مرفوعٌ عطفاً على محل اسم «إنَّ» لأنه بعد استكمالِ الخبر، على خلافٍ في ذلك، وإن كان بعضُهم قد ادَّعى الإِجماعَ على جوازِه. الرابع: أنه مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ للدلالة المتقدمة، ويكون قد عَطَف جملةً غيرَ مؤكدة على جملة مؤكَّدة ب «إنَّ» الخامس: انه مرفوع عطفاً على الضمير المستكنِّ في «أملك» ، والتقدير: ولاَ يَمْلِكُ أخي إلا نفسَه، وجاز ذلك للفصلِ بقوله: ﴿إِلاَّ نَفْسِي﴾ وقال بهذا الزمخشري ومكي وابن عطية وأبو البقاء وردَّ الشيخ هذا الوجهَ بأنه يلزم منه أن موسى وهرون لا يملكان إلا نفسَ موسى فقط، وليس المعنى على ذلك «. وهذا الردُّ ليس بشيءٍ، لأنه القائلَ بهذا الوجهِ صرَّح بتقدير المفعول بعد الفاعل المعطوف، وأيضاً اللَّبْسُ مأمونٌ، فإنَّ كلَّ أحدٍ يتبادر إلى ذهنه انه يملك أمرَ نفسِه. السادس: أنه مجرورٌ عطفاً على الياء في» نفسي «أي: إلا نفسي ونفسَ أخي، وهو ضعيفٌ على قواعد البصريين للعطف على الضمير المجرور مِنْ غيرِ إعادةِ الجارّ وقد تقدَّم ما فيه.
والحسن البصري يقْرأ فتحِ ياء» نفسي «و» أخي «وقرأ يوسف ابن
стр. 2695
داود وعبيد بن عمير:» فافرِقْ «بكسرِ الراء وهي لغة: فَرَق يفرِق كيضرِب. قال الراجز:
١٧١ - ٤- يا ربِّ فافرُقْ بينه وبيني ... أشدَّ مَا فرَّقْتَ بين اثنَيْنِ
وقرأ ابن السَّمَيْفَع:» فَفرَّقْ «مضعفاً وهي مخالفةٌ للرسم. و» بين «معمولةٌ ل» افْرُق «، وكان مِنْ حَقِّها ألاَّ تُكَرَّر في العطف، تقول: المال بين زيد وعمرو» وإنما كُرِّرت للاحتياج إلى تكرُّرِ الجار في العطف على الضمير المجرور، وهو يؤيِّدُ مذهبَ البصريين.
стр. 2696
قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ : فيه وجهان، أظهرُهما: أنه منصوبٌ ب «مُحَرَّمة» فإنه رُوي في القصة أنهم بعد الأربعين دَخَلوها فيكون قد قَيَّد تحريمَها عليهم بهذه المدةِ، وأخبر أنهم يتيهون، ولم يبيِّن كمية التيه، وعلى هذا ففي «يتيهون» احتملان، أحدهما: أنه مستأنفٌ، والثاني: أنه حالٌ من الضمير في «عليهم» الوجه الثاني: أنَّ «أربعين» منصوبٌ ب «يتيهون» فيكونُ قد قَيَّد التيه بالأربعين، وأمَّا التحريمُ فمطلقٌ، فيحتمل أن يكونَ مستمراً وأن يكونَ منقطعاً، وأنها أُجِّلتْ لهم، وقد قيل بكلِّ من الاحتمالين، رُوي أنه لم يَدْخُلْها أحد مِمَّن كان في التيه ولم يَدْخُلْها إلا أبناؤهُم، وأما الآباءُ فماتوا. وما أدري ما الذي حَمَل أبا محمد ابن عطية على تجويزِه أن يكونَ العاملُ في «أربعين» مضمراً يفسِّره «يتيهون» المتأخر، ولا ما اضطره إلى ذلك من مانعٍ صناعي أو معنوي؟ وجوازُ الوقف والابتداء بقوله: «عليهم» و «يتيهون» مفهومان ممَّا تقدَّم من الإِعراب.
стр. 2697
والتِّيه: الحَيْرةُ، ومنه: «أرضٌ تَيْهاء» لحَيْرة سالكها، قال:
١٧١ - ٥- بتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كأنها ... قَطا الحَزْن قد كانَتْ فراخاً بيوضُها
ويقال: «تاه يتيه» و «هو أَتْيَهُ منه» و «تاه يَتُوه» و «هو أتْوَهُ منه» فقولُ مَنْ قال: «يتيه» و «تَوَّهْتُه» من التداخل. ومثله «:» طاح «في كونِه سُمع في عينِه الوجهان، وأنَّ فيه التداخلَ أيضاً، فإنَّ مَنْ قال» يطيح «قال» طَوَّحته «و» هو أَطْوَحُ منه «.
والأسى: الحُزْن، يقال: أَسِي - بكسر العين - يَأْسَى، بفتحها ولامُ الكلمة تحتمل أن تكونَ من واوٍ، وهو الظاهرُ لقولهم:» رجل أَسْوان «بزنة سَكْران، أي: كثير الحزنِ، وقالوا في تثنية الأسى: أَسَوان، وإنما قُلبت الواوُ في» أَسِيَ «ياءً لانكسارِ ما قبلَها، ويُحْتمل ان تكون ياءً فقد حُكى» رجل أسْيان «أي: كثيرُ الحزن، فتثنيتُه على هذا» أَسَيان «.
وعادةُ الناسِ يسْأَلُون هنا سؤالاً: وهو - كما قال الزمخشري -» كيف نُوَفِّقُ بين قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وبين قوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ؟ وأجابَ بوجهين، أحدُهما: أن يكونَ كَتَبها لهم بشرط أن يجاهدوا فلم [يجاهدوا] ، والثاني: أنَّ التحريم كان مؤقتاً بمدة الأربعين، فلما انتهت دَخَلُوها/.
стр. 2698
قوله تعالى: ﴿بالحق﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه حال من فاعل «اتلُ» أي: اتلُ ذلك حالَ كونِك ملتبساً بالحق أي: بالصدق.
стр. 2699
الثاني: أنه حالٌ من مفعولِه وهو «نبأ» أي: اتلُ نبأَهما ملتبساً بالصدق موافقاً لِما في كتب الأولين لتثبتَ عليهم الحجةُ برسالتك. الثالث: أنه صفةٌ لمصدرِ «اتلُ» أي: اتل ذلك تلاوةً ملتبسةً بالحقِّ والصدق، وكأنه اختيار الزمخشري إذ به بدأ، وعلى الأوجهِ الثلاثةِ فالباء للمصاحبة، وهي متعلقةٌ بمحذوفٍ. وقرأ أبو عمرو بسكون الميم من «آدم» قبل باءِ «بالحق» ، وكذا كلُّ ميمٍ قبلها متحركٌ وبعدها باءٌ.
قوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها - وبه بدأ الزمخشري وأبو البقاء - أن يكونَ متعلقاً بنفسِ النبأ، أي: قصتُهما وحديثهما في ذلك الوقتِ، وهذا واضحٌ. الثاني: أنه بدلٌ من «نبأ» على حذف مضافٍ تقديرُه: واتلُ عليهم النبأَ نبأَ ذلك الوقتِ، كذا قَدَّره الزمخشري. قال الشيخ: «ولا يجوزُ ما ذَكَر لأنَّ» إذ «لا يُضافُ إليهما إلا الزمانُ، و» نبأ «ليس بزمان. الثالث: ذكَره أبو البقاء - أنه حالٌ من» نبأ «وعلى هذا فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، لكن هذا الوجهَ غيرُ واضحٍ، قال أبو البقاء:» ولا يكونُ ظرفاً ل «اتلُ» قلت: لأنَّ الفعلَ مستقبل و «إذ» وقتٌ ماضٍ فيكف يتلاقيان؟
والقُرْبان: فيه احتملان، احدُهما: وبه قال الزمخشري - أنه اسمٌ لِما يُتَقَرَّب به، قال: «كما أنَّ الحُلْوان اسم ما يُحَلِّي أو يُعْطي يقال:» قَرَّبَ
стр. 2700
صدقةً وتقرَّب بها «لأن» تقرَّب «مطاوعُ» قَرَّب «قال الأصمعي:» تَقَرَّبوا قِرْفَ القِمَع «فيُعَدَّى بالباء حتى يكون بمعنى قَرَّب» أي: فيكونُ قوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً﴾ يَطْلُبُ مطاوعاً له، فالتقدير: إذ قَرَّباه فتقرَّبا به، وفيه بُعْدٌ. قال الشيخ: «وليس» تقرَّب بصدقة «مطاوع» قَرَّب صدقة «لاتحاد فاعلِ الفعلين، والمطاوعةُ يختلف فيها الفاعل يكونُ من أحدِهما فعلٌ ومن الآخر انفِعال نحو: كَسَرْتُه فانكسر وفَلَقْتُه فانقلق، فليس قَرَّب صدقته وتقرَّب بها من هذا الباب، فهو غلط فاحش» . وفيما قاله الشيخ نظرٌ، لأنَّا لا نسَلِّم هذه القاعدة. والاحتمال الثاني: أن يكونَ في الأصلِ مصدراً ثم أُطلق على الشيء المتقرَّب به كقولهم: «نَسْج اليمن» و «ضَرْب الأمير» ويؤيِّد ذلك أنه لم يُثَنَّ والموضعُ موضعُ تثنية؛ لأنَّ كلاً من قابيل وهابيل له قُرْبان يَخُصُّه، فالأصلُ: إذ قَرَّبا قربانين وإنما لم يُثَنَّ لأنه مصدرٌ في الأصل. وللقائل بانه اسمُ ما يُتَقَرَّب [به] لا مصدرٌ أن يقولَ: إنما لم يُثَنَّ،.
لأنَّ المعنى - كما قاله أبو علي الفارسي - إذ قَرَّبَ كلُّ واحدٍ منهما قرباناً كقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أي: كلَّ واحدٍ منهم.
وقوله: ﴿قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ﴾ أي: قال الذي لم يُتَقَبَّلْ منه للمقبول منه. وقرأ الجمهور: «لأقتلنَّك» بالنون الشديدة. وهذا جوابُ قسم محذوف، وقرأه زيد بالخفيفة. قال: إنما يتقبَّل الله «مفعولُه محذوفٌ لدلالةِ المعنى عليه أي: قرابينَهم وأعمالَهم، ويجوز ألاَّ يُراد له مفعول كقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى
следующие страницы →