Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ : فيه وجهان، أظهرُهما: أنه منصوبٌ ب «مُحَرَّمة» فإنه رُوي في القصة أنهم بعد الأربعين دَخَلوها فيكون قد قَيَّد تحريمَها عليهم بهذه المدةِ، وأخبر أنهم يتيهون، ولم يبيِّن كمية التيه، وعلى هذا ففي «يتيهون» احتملان، أحدهما: أنه مستأنفٌ، والثاني: أنه حالٌ من الضمير في «عليهم» الوجه الثاني: أنَّ «أربعين» منصوبٌ ب «يتيهون» فيكونُ قد قَيَّد التيه بالأربعين، وأمَّا التحريمُ فمطلقٌ، فيحتمل أن يكونَ مستمراً وأن يكونَ منقطعاً، وأنها أُجِّلتْ لهم، وقد قيل بكلِّ من الاحتمالين، رُوي أنه لم يَدْخُلْها أحد مِمَّن كان في التيه ولم يَدْخُلْها إلا أبناؤهُم، وأما الآباءُ فماتوا. وما أدري ما الذي حَمَل أبا محمد ابن عطية على تجويزِه أن يكونَ العاملُ في «أربعين» مضمراً يفسِّره «يتيهون» المتأخر، ولا ما اضطره إلى ذلك من مانعٍ صناعي أو معنوي؟ وجوازُ الوقف والابتداء بقوله: «عليهم» و «يتيهون» مفهومان ممَّا تقدَّم من الإِعراب.
стр. 2697
والتِّيه: الحَيْرةُ، ومنه: «أرضٌ تَيْهاء» لحَيْرة سالكها، قال:
١٧١ - ٥- بتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كأنها ... قَطا الحَزْن قد كانَتْ فراخاً بيوضُها
ويقال: «تاه يتيه» و «هو أَتْيَهُ منه» و «تاه يَتُوه» و «هو أتْوَهُ منه» فقولُ مَنْ قال: «يتيه» و «تَوَّهْتُه» من التداخل. ومثله «:» طاح «في كونِه سُمع في عينِه الوجهان، وأنَّ فيه التداخلَ أيضاً، فإنَّ مَنْ قال» يطيح «قال» طَوَّحته «و» هو أَطْوَحُ منه «.
والأسى: الحُزْن، يقال: أَسِي - بكسر العين - يَأْسَى، بفتحها ولامُ الكلمة تحتمل أن تكونَ من واوٍ، وهو الظاهرُ لقولهم:» رجل أَسْوان «بزنة سَكْران، أي: كثير الحزنِ، وقالوا في تثنية الأسى: أَسَوان، وإنما قُلبت الواوُ في» أَسِيَ «ياءً لانكسارِ ما قبلَها، ويُحْتمل ان تكون ياءً فقد حُكى» رجل أسْيان «أي: كثيرُ الحزن، فتثنيتُه على هذا» أَسَيان «.
وعادةُ الناسِ يسْأَلُون هنا سؤالاً: وهو - كما قال الزمخشري -» كيف نُوَفِّقُ بين قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وبين قوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ؟ وأجابَ بوجهين، أحدُهما: أن يكونَ كَتَبها لهم بشرط أن يجاهدوا فلم [يجاهدوا] ، والثاني: أنَّ التحريم كان مؤقتاً بمدة الأربعين، فلما انتهت دَخَلُوها/.
стр. 2698
قوله تعالى: ﴿بالحق﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه حال من فاعل «اتلُ» أي: اتلُ ذلك حالَ كونِك ملتبساً بالحق أي: بالصدق.
стр. 2699
الثاني: أنه حالٌ من مفعولِه وهو «نبأ» أي: اتلُ نبأَهما ملتبساً بالصدق موافقاً لِما في كتب الأولين لتثبتَ عليهم الحجةُ برسالتك. الثالث: أنه صفةٌ لمصدرِ «اتلُ» أي: اتل ذلك تلاوةً ملتبسةً بالحقِّ والصدق، وكأنه اختيار الزمخشري إذ به بدأ، وعلى الأوجهِ الثلاثةِ فالباء للمصاحبة، وهي متعلقةٌ بمحذوفٍ. وقرأ أبو عمرو بسكون الميم من «آدم» قبل باءِ «بالحق» ، وكذا كلُّ ميمٍ قبلها متحركٌ وبعدها باءٌ.
قوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها - وبه بدأ الزمخشري وأبو البقاء - أن يكونَ متعلقاً بنفسِ النبأ، أي: قصتُهما وحديثهما في ذلك الوقتِ، وهذا واضحٌ. الثاني: أنه بدلٌ من «نبأ» على حذف مضافٍ تقديرُه: واتلُ عليهم النبأَ نبأَ ذلك الوقتِ، كذا قَدَّره الزمخشري. قال الشيخ: «ولا يجوزُ ما ذَكَر لأنَّ» إذ «لا يُضافُ إليهما إلا الزمانُ، و» نبأ «ليس بزمان. الثالث: ذكَره أبو البقاء - أنه حالٌ من» نبأ «وعلى هذا فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، لكن هذا الوجهَ غيرُ واضحٍ، قال أبو البقاء:» ولا يكونُ ظرفاً ل «اتلُ» قلت: لأنَّ الفعلَ مستقبل و «إذ» وقتٌ ماضٍ فيكف يتلاقيان؟
والقُرْبان: فيه احتملان، احدُهما: وبه قال الزمخشري - أنه اسمٌ لِما يُتَقَرَّب به، قال: «كما أنَّ الحُلْوان اسم ما يُحَلِّي أو يُعْطي يقال:» قَرَّبَ
стр. 2700
صدقةً وتقرَّب بها «لأن» تقرَّب «مطاوعُ» قَرَّب «قال الأصمعي:» تَقَرَّبوا قِرْفَ القِمَع «فيُعَدَّى بالباء حتى يكون بمعنى قَرَّب» أي: فيكونُ قوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً﴾ يَطْلُبُ مطاوعاً له، فالتقدير: إذ قَرَّباه فتقرَّبا به، وفيه بُعْدٌ. قال الشيخ: «وليس» تقرَّب بصدقة «مطاوع» قَرَّب صدقة «لاتحاد فاعلِ الفعلين، والمطاوعةُ يختلف فيها الفاعل يكونُ من أحدِهما فعلٌ ومن الآخر انفِعال نحو: كَسَرْتُه فانكسر وفَلَقْتُه فانقلق، فليس قَرَّب صدقته وتقرَّب بها من هذا الباب، فهو غلط فاحش» . وفيما قاله الشيخ نظرٌ، لأنَّا لا نسَلِّم هذه القاعدة. والاحتمال الثاني: أن يكونَ في الأصلِ مصدراً ثم أُطلق على الشيء المتقرَّب به كقولهم: «نَسْج اليمن» و «ضَرْب الأمير» ويؤيِّد ذلك أنه لم يُثَنَّ والموضعُ موضعُ تثنية؛ لأنَّ كلاً من قابيل وهابيل له قُرْبان يَخُصُّه، فالأصلُ: إذ قَرَّبا قربانين وإنما لم يُثَنَّ لأنه مصدرٌ في الأصل. وللقائل بانه اسمُ ما يُتَقَرَّب [به] لا مصدرٌ أن يقولَ: إنما لم يُثَنَّ،.
لأنَّ المعنى - كما قاله أبو علي الفارسي - إذ قَرَّبَ كلُّ واحدٍ منهما قرباناً كقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أي: كلَّ واحدٍ منهم.
وقوله: ﴿قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ﴾ أي: قال الذي لم يُتَقَبَّلْ منه للمقبول منه. وقرأ الجمهور: «لأقتلنَّك» بالنون الشديدة. وهذا جوابُ قسم محذوف، وقرأه زيد بالخفيفة. قال: إنما يتقبَّل الله «مفعولُه محذوفٌ لدلالةِ المعنى عليه أي: قرابينَهم وأعمالَهم، ويجوز ألاَّ يُراد له مفعول كقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى
стр. 2701
واتقى﴾ [الليل: ٥] هذه الجملة قال أبو محمد بن عطية:» قبلها كلامٌ محذوف، تقديره: لِمَ تَقْتُلني وأنا لم أَجْنِ شيئاً ولا ذنبَ لي في تقبُّل الله قرباني دونَ قربانِك؟ «وذكَر كلاماً كثيراً. وقال غيرُه:» فيه حذْفٌ يَطُول «وذكرَ نحوه، ولا حاجة إلى تقدير ذلك كلِه، إذ المعاني المفهومةُ من فَحْوى الكلام إذا قُدِّرَتْ قصيرةً كان أحسنَ، والمعنى هنا: قال لأقلنك حسداً على تقبُّل قربانك فعرّض له بأنَّ سببَ التقبُّل التقوى. وقال الزمخشري:» فإنْ قلت: كيف كان قولُه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين﴾ جواباً لقوله: «لأقتلنَّك» ؟ قلت: لَمَّا كان الحَسَدُ لأخيه على تقبُّل قربانه هو الذي حَمَله على توعُّدِه بالقتل، قال: إنما أُتيت مِنْ قِبل نفسك لانسلاخِها من لباس التقوى «انتهى. وهذا ونحوه من تفسير المعنى لا الإِعراب. وقيل: إن هذه الجملةَ اعتراضٌ بين كلام القاتل وبين كلام المقتول. والضمير في» قال «إنما يعود على الله تعالى، أي: قال الله ذلك لرسوِله فيكونُ قد اعترضَ بقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله﴾ بين كلامِ قابيل وهو:» قال لأقتلنَّك «وبين كلامِ هابيل، وهو» لئن بَسَطْتَ «إلى آخره، وهو في غاية البُعْد لتنافِرِ النظم.
стр. 2702
واللامُ في قوله: ﴿لَئِن﴾ : هي الموطئةُ. وقوله: ﴿مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ﴾ جوابُ القسم المحذوف، وهذا على القاعدة المقرَّرة من أنه إذا اجتمعَ شرطٌ وقسمٌ أُجيب سابقُهما إلا في صورته تقدَّم التنبيه عليها.
وقال الزمخشري: «فإنْ قلت: لِمَ جاء الشرطُ بلفظِ الفعلِ، والجزاء بلفظِ اسمِ الفاعلِ وهو قوله: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ﴾ ؟ قلت: ليفيدَ أنه
стр. 2703
لا يفعلُ هذا الوصفَ الشنيعَ، ولذلك أكَّده بالباء المفيدة لتأكيد النفي» وناقشه الشيخ في قوله: ﴿مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ﴾ «جزاءٌ للشرط» قال: «لأنَّ هذا جوابٌ للقسمِ لا للشرطِ» قال: «لأنه لو كان جواباً للشرطِ لَزِمَتْه الفاءُ لكونِه منفياً ب» ما «والأداةُ جازمةٌ، ولَلَزِم أيضاً خَرْمُ تلك القاعدة، وهو كونُه لم / يُجَبِ الأسبقُ منهما» وهذا ليس بشيء لأن أبا القاسم سَمَّاه جزاء للشرط لَمَّا كان دالاً على جزاء الشرط، ولا نكير في ذلك، مُغْرَى بأَنْ يُقال: قد اعترض على الزمخشري: وقال أيضاً: «وقد خالفَ الزمخشري كلامَه هنا بما ذكَره في البقرة في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾ [الآية: ١٤٥] من كونِه جَعَله جواباً للقسم ساداً مسدَّ جوابِ الشرط، وله معه هناك كلامُ قد قَدَّمته عنه في موضعِه فَلْيُراجَعْ.
стр. 2704
قوله تعالى: ﴿إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ﴾ : فيه ثلاثة تأويلات، أحدها: أنه على حَذْفِ همزةِ الاستفهام، وتقديرُه: أإني أريد، وهو استفهام إنكارٍ لأنَّ إرادة المعصيه قبيحةٌ، ومن الأنبياء أقبحُ؛ فهم معصومون عن ذلك، ويؤيِّد هذا التأويل قراءةُ مَنْ قرأ: «أنَّي أريد» بفتح النون وهي أنَّى التي بمعنى «كيف» أي: كيف أريد ذلك. والثاني: أنَّ «لا» محذوفة تقديره: إني أريدُ أن لا تبوء كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أي: أن لا تضلوا، وأَنْ لا تميد، وهو مستفيضٌ، وهذا أيضاً فرارٌ من إثبات الإِرادة له. وضَعَّفَ بعضهم هذا التأويلَ بقوله ﵇: «لا تُقْتَلُ
стр. 2705
نفسٌ ظلماً إلا كان على ابنِ آدم الأولِ كِفْلٌ من دمِها؛ لأنه أولُ مَنْ سَنَّ القتل» فثبت بهذا أنَّ الإِثم حاصلٌ، وهذا الذي ضَعَّفَه به غيرُ لازمٍ؛ لأنَّ قائل هذه المقالة يقول: لا يلزم من عدمِ إرادته الإِثمَ لأخيه عدمُ الإِثم، بل قد يريد عدَمَه ويقع. والثالث: أن الإِرادة على حالِها، وهي: إمَّا إرادةٌ مجازية أو حقيقةٌ على حَسَبِ اختلاف أهلِ التفسير في ذلك، وجاءت إرادةُ ذلك به لمعانٍ ذكروها، مِنْ جملتها أنه ظَهَرَتْ له قرائنُ تَدُلُّ على قرب أجلِه وأنَّ أخاه كافر وإرادةُ العقوبةِ بالكافرِ حسنةٌ. وقولُه: «بإثمي» في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل «تَبُوء» أي: ترجعُ حاملاً له وملتبساً به، وتقدَّم نظيرُه في قوله ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] . وقالوا: للا بُدَّ من مضافٍ، فقدَّره الزمخشري: «بمثلِ إثْمي» قال: «على الاتساعِ في الكلام كما تقول: قرأتُ قراءة فلانٍ، وكتبت كتابتَه» وقَدَّره بعضُهم: بإثم قتلي. وقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ﴾ يَحْتَمل أَنْ يكونَ من كلامِه وأن يكونَ مِنْ كلامِ اللَّهِ تعالى.
стр. 2706
قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ﴾ : الجمهورُ على «طَوَّعت» مشددَ الواو من غير ألفٍ بمعنى «سَهَّلَتْ وبعثت» قال الزمخشري: «وسَّعَتْه وَيسَّرَتْه من» طاع له المرتعُ «إذا اتسع» انتهى. والتضعيفُ فيه للتعدية لأنَّ الأصلَ: طاعَ له قتلُ أخيه، أي: انقادَ، من الطواعية فَعُدِّي بالتضعيف، فصار الفاعلُ مفعولاً كحالِه مع الهمزة. وقرأ الحسن وزيد بن علي وجماعةٌ كثيرة: «فطاوعت» ، وأبدَى الزمخشري فيها احتمالين، أحدُهما: أن يكونَ
стр. 2707
مِمَّا جاء فيه فاعَلَ لغير مشاركه بين شيئين، بل بمعنى فَعَّل نحو: ضاعفتُه وضَعَّفْته وناعمته ونَعَمْتُه، وهذان المثالان من أمثلةِ سيبويه، قال: «فجاؤوا به على مثال عاقَبْتُه» قال: «وقد تجيء فاعَلْتُ لا تريد بها عملَ اثنين، ولكنهم بَنَوا عليه الفعلَ كما بَنَوه على أَفْعَلْتُ» وذكر أمثلةً منها «عافاه الله» وقَلَّ مَنْ ذَكَر أنَّ فاعَلَ يَجيءُ بمعنى فَعَّلْتُ. والاحتمال الثاني: أن تكن على بابها من المشاركة وهو أنَّ قَتْلَ أخيه كأنه دعا نفسَه إلى الإِقدامِ عليه فطاوَعَتْه «انتهى. وإيضاحُ العبارةِ في ذلك أَنْ يُقال: جَعَل القتلَ يدعو إلى نفسه لأجل الحَسَدِ الذي لحق قابيل، وجَعَلَتِ النفسُ تَأْبى ذلك وتشمئز منه، فكلُّ منهما - أعني القتلَ والنفسَ - كأنه يريد من صاحبه أن يطيعَه إلى أن غَلَب القتلُ النفسَ فطاوعته.
و» له «متعلقٌ ب» طَوَّعت «على القراءتين. قال الزمخشري: و» له «لزيادة الربط، كقولك: حَفِظْتُ لزيدٍ مالَه» يعني أنه الكلام تام بنفسه لو قيل: فَطَوَّعَتْ نفسُه قتلَ اخيه، كما كانَ كذلك في قولك «حَفِظْتُ مالَ زيد» فأتى بهذه اللامِ لقوةِ ربطِ الكلام. وقال أبو البقاء «وقال قوم: طاوَعَتْ تتعدَّى بغير لام، وهذا خطأ، لأنَّ التي تتعدى بغير اللام تتعدَّى لمفعولٍ واحد، وقد عَدَّاه هنا إلى قَتْل أخيه، وقيل: التقدير: طاوعَتْه نفسُه على قَتْلِ أخيه، فزادَ اللامَ وحَذَفَ» على «أي: زاد اللام في المفعولِ به وهو الهاء، وحَذَفَ» على «الجارَّة ل» قتل أخيه «.
стр. 2708
قوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي﴾ : هذه اللامُ يجوز فيها وجهان، أحدهما: انها متعلقةٌ ب «يبحث» أي: يَنْبُشُ ويُثير الترابَ للإِراءة،
стр. 2709
الثاني: انها متعلقةٌ ب «بَعَثَ» ، و «كيف» معمولةٌ ل «يُوارِي» ، وجملةُ الاستفهامِ معلقةٌ للرؤيةِ البصريةِ، فهي في محلِّ المفعولِ الثاني سادةٌ مسدَّه، لأن «رأى» البصرية قبل تعدِّيها بالهمزةِ متعديةٌ لواحد فاكتسبت بالهمزةِ آخرَ، وتقدَّم نظيرُها في قوله: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] والسَّوْءَةُ هنا المرادُ بها ما الا يَجُوز أن ينكشِفَ مِنْ جسِده، وهي الفضيحة أيضاً قال:
١٧١ - ٦-. . . . . . . . . . . . . . . . . ... يالقَومي لِلسَّوْءَة السَّوْآءِ
ويجوزُ تخفيفُها بإلقاءِ حركةِ الهمزة على الواوِ وهي قراءةُ الزهري، وحينئذ فلا يجوزُ قَلْبُ هذه الواوِ ألفاً وإنْ صَدَقَ علَيها أنها حرفُ علةٍ متحركٌ منتفحُ ما قبلَه، لأنَّ حركتَها عارضةٌ، ومثلُها: «جَيَلَ» «وتَوَم» مخفَّفَيْ جَيْئَل وتَوْءَم، يجوزُ أيضاً قلْبُ هذه الهمزةِ واواً، وإدغام ما قبلها فيها تشبيهاً للأصلي بالزائد وهي لغةٌ، يَقُولون في «شيء» و «ضوء» : شيّ، وضوّ، قال:
١٧١ - ٧- وإنْ يَرَاوسَيَّةً طاروا بها فَرحاً ... مني وما سَمِعُوا من صالحٍ دفَنُوا
стр. 2710
وبهذا الوجهِ قرأ أبو جعفر.
قوله: ﴿يَاوَيْلَتَا﴾ قلب ياءَ المتكلم ألفاً وهي لغةٌ فاشية في المنادى المضافِ إليها، وهي إحدى اللغاتِ الست، وقد تقدَّم ذكرها، وقُرئ كذلك على الأصل، وهي قراءةُ الحسن البصري. والنداء وإن كان أصلُه لِمَنْ يتأتَّى منه الإِقبالُ وهم العقلاءُ، إلا أن العرب تتجَوَّز فتنادي ما لا يعقل، والمعنى: يا ويلتي احْضُري فهذا أوانُ حضورك، ومثله: ﴿ياحسرة عَلَى العباد﴾ [يس: ٣٠] /، و ﴿ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ﴾ [الزمر: ٥٦] . وأمال حمزة والكسائي وأبو عمرو في رواية الدوري ألف «حسرتا» والجمهورُ قرأ «أعَجْزْتَ» بفتح الجميم وهي اللغة الفصحية يقال: «عَجَزت» - بالفتح في الماضي - «أعجِزُ» بكسرِها في المضارع. وقرأ الحسن والفياض وابن مسعود وطلحة بكسرها وهي لُغَيَّةٌ شاذة، وإنما المشهور أن يقال: «عَجِزت المرأة» بالكسر، أي كَبُرت عجيزتُها. و «أن أكون» على اسقاطِ الخافضِ أي عَنْ أكونَ، فلمَّا حُذِف جَرَى فيه الخلافُ المشهور.
قوله: ﴿فَأُوَارِيَ﴾ قرأ الجمهورُ بنصب الياء، وفيها تخريجان أصحُّهما: أنه عطفٌ على «أكونَ» المنصوبةِ «ب» أَنْ «منتظماً في سلكه أي: أعجَزْت عن كوني مشبهاً للغراب فموارياً. والثاني: - ولم يذكر الزمخشري غيره - أنه منصوبٌ على جواب الاستفهام في قوله:» أعجَزْتُ يعني فيكونُ من باب
стр. 2711
قوله: ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ﴾ [الأعراف: ٥٣] وهذا الذي ذكره أبو القاسم رَدَّه أبو البقاء بعد أن حكاه عن قوم، قال: «وذَكَر بعضُهم أنه يجوزُ أن ينتصِبَ على جواب الاستفهام وليس بشيء، إذ ليس المعنى: أيكونُ مني عجزٌ فمواراةٌ، ألا تَرى أنَّ قولَك:» أين بيتُك فأزورَك «معناه: لو عَرَفْتُ لزرتُ، وليس المعنى هنا لو عَجَزت لَوارَيْتَ» قلت: وهذا الردُّ على ظاهرِه صحيحٌ، وبَسْطُ عبارةِ أبي البقاء أنَّ النحاةَ يشترطون في جوازِ نَصْبِ الفعلِ بإضمار «أنْ» بعد الأشياء الثمانية - غير النفي - أن ينحلَّ الكلامُ إلى شرطٍ وجزاء، فإنْ انعقدَ منه شرطٌ وجزاءٌ صَحَّ النصبُ، وإلاَّ امتنعَ، ومنه: «أين بيتك فأزورَك» [أي:] إن عَرَّفْتَني بيتك أزرُك، وفي هذا المقام لو حَلَّ منه شرط وجزاء لفسدَ المعنى، إذ يصير التقديرُ: إنْ عَجَزْت وارَيْتَ، وهذا ليس بصحيح، لأنه إذا عَجَز كيف يواري.
وردَّ الشيخ على أبي القاسم بما تقدَّم، وجعله غلطاً فاحِشاً، وهو مسبوقٌ إليه كما رأيت، فأساءَ عليه الأدبَ بشيءٍ نقله عن غيرِه، اللَّهُ أعلمُ بصحتِه.
وقرأ الفياضُ بن غزوان وطلحة بن مصرف بسكون الياء، وخَرَّجَها الزمخشري على أحدِ وجهين: إمَّا القطعِ، أي: فأنا أواري، وإمَّا على التسكين في موضعِ النصب تخفيفاً. وقال ابن عطية: «هي لُغَيَّةٌ لتوالي الحركاتِ» قال الشيخ: «ولا يَصِحُّ أَنْ تعلل القراءة بهذا ما وُجِد عنه
стр. 2712
مندوحةٌ، إذ التسكينُ في الفتحة لا يجوزُ إلا ضرورةً، وأيضاً فلم تتوالَ حركاتٌ» .
وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ بمعنى صار، قال ابنُ عطية: «قوله:» فأصبح «عبارةٌ عن جميعِ أوقاته أٌقيم بعضُ الزمانِ مُقامَ كله، وخُصَّ الصباحُ بذلك لأنه بَدْءُ النهارِ والانبعاثِ إلى الأمور ومَظَنَّةُ النشاط، ومنه قولُ الربيع:
١٧١ - ٨- أصبحتُ لا أحملُ السلاح ولا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقولُ سعد بن أبي وقاص:» ثم أَصْبحت بنو أسد تعذرني على الإِسلام «إلى غير ذلك» . قال الشيخ: «وهذا التعليلُ الذي ذكره لكونِ» أصبح «عبارةً عن جميعِ أوقاته وإنما خُصَّ الصباحُ لكونِه بدءَ النهار ليس بجيدٍ، لأنَّ العربَ استعملت أضحى وبات وأمْسى بمعنى صار، وليس شيءٌ منها بدءَ النهار» وكيف يَحْسُنُ أَنْ يرُدَّ على أبي محمد بمثل هذا؟ وهو لم يَقُلْ إنها لَمَّا أُقيمت مُقامَ أوقاتِه للعلةِ التي ذَكَرها تكونُ بمعنى صار حتى يلزمَ بأخواتِها ما نقضه عليه.
стр. 2713
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلك﴾ : فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلق ب «كتبنا» ، و «ذلك إشارةٌ إلى القتل، والأجْلُ في الأصل هو الجناية، يقال: أَجَلَ الأمر إجْلاً وأَجْلاً بفتح الهمزة وكسرها إذا جَناه وحدَه ومنه قولُ زهير:
١٧١ - ٩-
стр. 2714
وأهلِ خباءٍ صالحٍ ذاتُ بينِهم ... قد احتربوا في عاجلٍ أنا آجِلُهْ
أي: جانيه، ومعنى قول الناس:» فَعَلْتُه من أجْلِك ولأجلك «أي: بسببك، يعني مِنْ أَنْ جَنَيْتَ فَعْلَه وأوجبته، وكذلك قولهم:» فَعَلْتُه من جَرَّائك «أصله مِنْ أَنْ جَرَرْتُه، ثم صار يستعمل بمعنى السبب، ومنه الحديث:» مِنْ جَرَّاي «أي من أجلي. و» من «لابتداء الغاية أي: نشأ الكَتْبُ وابتدأ من جناية القتل، ويجوزُ حَذْفُ» مِنْ «واللام وانتصابُ» أَجْل «على المفعول له إذا استكمل الشروط، قال:
١٧٢ - ٠- أَجْلَ أنَّ اللهَ قد فَضَّلكمْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني - أجازَه بعضُ الناس - أن يكونَ متعلقاً بقوله:» مِن النادمين «أي: ندم من أجل ذلك: أي: قَتْلِه أخاه، قال أبو البقاء:» ولا تتعلق ب «النادمين» لأنه لا يحسن الابتداء ب «كتبنا» هنا، وهذا الرد غير واضح، وأين عدمُ الحسنِ بالابتداء بذلك.؟ ابتدأ الله إخباراً بأنه كَتَب ذلك، والإِخبارُ متعلق بقصة ابنَيْ آدم، إلا أنَّ الظاهرَ خلافُه كما تقدم.
والجمهورُ على فتح همزة «أجل» ، وقرأ أبو جعفر بكسرها، وهي لغة كما تقدم، ورُوي عنه حذفُ الهمزة وإلقاءُ حركتها وهي الكسرة على نون «من» ، كما ينقل ورش فتحتها إليها. والهاء في «أنه» ضمير الأمر والشأن،
стр. 2715
و «مَنْ» شرطيةٌ مبتدأ، وهي خبرُها في محل رفع خبراً ل «أن» . قوله: «بغير نفسٍ» فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بالقتل قبلها. والثاني: أنه في محلِّ حالٍ من ضمير الفاعل في «قَتَل» أي: قتلها ظالماً، ذكره أبو البقاء.
قوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ﴾ الجمهور على جره، عطفاً على «نفس» المجرور بإضافةِ «غير» إليها. وقرأ الحسن بنصبه، وفيه وجهان، أظهرهما: أنه منصوبٌ على المفعولِ به بعاملٍ مضمرٍ يَليقُ بالمحلِّ أي: أو أتى - أو عمل - فساداً والثاني: أنه مصدرٌ، والتقدير: أو أَفْسَدَ فساداً بمعنى إفساداً، فهو اسمُ مصدرٍ كقوله:
١٧٢ - ١-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وبعد عطائِكَ المئةَ الرِّتاعا
ذكره أبو البقاء و «في الأرض» متعلقٌ بنفس «فساد» لأنك تقول: «افسد في الأرض» إلا في قراءةِ الحسن بنصبه، وخَرَّجناه على النصب على المصدريةِ - كما ذكره أبو البقاء - فإنه لا يتعلَّقُ به، لأنه مصدر مؤكد فقد نَصُّوا على أن المؤكِّدة لا يعمل، فيكون «في الأرض» متعلقاً بمحذوف على أنه صفةٌ ل «فساداً» والفاء في: «فكأنما» في الموضعين جواب الشرط واجبةُ الدخولِ، و «ما» كافةٌ لحرفِ التشبيه، والأحسن / أَنْ تُسَمَّى هنا مهيئةً لوقوعِ الفعلِ بعدها.
و «جميعاً» إمَّا حال أو توكيد.
قوله: ﴿بَعْدَ ذلك فِي الأرض﴾ هذا الظرفُ والجارُّ بعده يتعلقان بقولِه: «لمُسْرِفون» الذي هو خبر «إنَّ» ولا تَمْنَعُ من ذلك لامُ الابتداء فاصلةً بين
стр. 2716
العامل ومعمولِه المتقدِّم عليه، لأنَّ دخولها على الخبر على خلافِ الأصل، إذ الأصلُ دخولُها على المبتدأ، وإنما مَنَع منه دخولُ «إنَّ» و «ذلك» إشارةٌ إلى مجيء الرسل بالبينات.
стр. 2717
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الذين﴾ : مبتدأٌ، وخبرُه: «أن يُقَتَّلوا» وما عُطف عليه، أي: إنما جزاؤهم التقتيل أو التصليب أو النفي. وقوله: ﴿يُحَارِبُونَ الله﴾ أي: يحاربون أولياءَه، كذا قَدَّره الجمهور. وقال الزمخشري: «يحاربون رسولَ الله، ومحاربةُ المسلمين في حكم محاربته» يعني أنَّ المقصودَ أنْ يخبرَ بأنهم يحاربون رسولَ الله، وإنما ذَكَر اسمَ الله ﵎ تعظيماً وتفخيماً لِمَنْ يُحارَبُ، كقوله: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك وتقديرُه عند قوله: ﴿يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] . وقيل: معنى المحاربةِ المخالفةُ لأحكامهما، وعلى هذه الأوجهِ لا يلزَمُ في قوله تعالى: ﴿يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ الجمعُ بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة، ومَنْ يُجِزْ ذلك لم يحتجْ إلى تأويلٍ من هذه التأويلات، بل يقول: تُحْمَلُ محاربتُهم لله تعالى على معنى يليق بها وهي المخالفة مجازاً، ومحاربتُهم لرسولِ على المقاتلة حقيقة.
قوله: ﴿فَسَاداً﴾ في نصبه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه مفعول من أجلِه أي: يحاربُون ويَسْعون لأجل الفاسد، وشروطُ النصبِ موجودة الثاني: أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحال، أي: ويسعون في الأرض مفسدين، أو ذوي فساد، أو جُعِلوا نفسَ الفساد مبلغة، ثلاثةٌ مذاهبَ مشهورةٌ تقدَّم تحريرها. الثالث: أنه منصوبٌ على المصدر اي: إنه نوع من العامل قبله، فإن معنى «يَسْعَون» هنا
стр. 2718
يفسدون، وفي الحقيقة ففساد اسمُ مصدر قائمٌ مقامَ الإِفساد، والتقدير: ويُفْسِدون في الأرض بسعيهم إفساداً. «وفي الأرض» الظاهرُ أنه متعلق بالفعل قبله، كقوله: ﴿سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ، وقد أُجيز أن يكونَ في محل نصب على الحال؛ لأنه يجوزُ أَنْ لو تأخَّرت عنه ان يكونَ صفةً له، وأُجيز أيضاً أن يتعلق بنفس «فساداً» وهذا إنما يتمشَّى إذا جَعَلْنا «فساداً» حالاً، أما إذا جَعَلْناه مصدراً امتنع ذلك لتقدُّمه عليه، ولأنَّ المؤكِّد لا يعمل. وقرأ الجمهور: «أَنْ يُقَتَّلوا» وما بعده من الفعلين بالتثقيل، ومعناه التكثير بالنسبة إلى مَنْ تقعُ به هذه الأفعالُ. وقرأ الحسن وابن محيصن بتخفيفِها.
قوله: «من خِلافٍ» في محلِّ نصب على الحال من «أيديهم» و «أرجلُهم» أي بقَطْعٍ مختلِف، بمعنى أن تُقْطَعَ يَدُه اليمنى ورجلُه اليسرى. والنفي: الطرد، والأرض: المراد بها هنا ما يريدون الإِقامة بها، أو يُرادُ مِنْ أرضهم، وأل عوضٌ من المضاف إليه عند مَنْ يراه. قوله: ﴿ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا﴾ : «ذلك» [إشارةٌ إلى الخبر المتقدم أيضاً] ، وهو مبتدأُ. وقوله: ﴿لَهُمْ خِزْيٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكونَ «لهم» خبراً مقدماً، و «خِزْيٌ» مبتدأ مؤخراً و «في الدنيا» صفةً له، فيتعلَّق بمحذوف، أو يتعلق بنفس «خزي» على أنه ظرفُه، والجملةُ في محل رفع خبراً ل «ذلك» الثاني: أن يكون «خزي خبراً ل» ذلك «، و» لهم «متعلقٌ بمحذوف على أنه حالٌ من» خِزْي «؛ لأنه في الأصلِ صفةٌ له، فلمَّا قُدِّم انتصب حالاً.
وأما «في الدنيا» فيجوزُ فيه الوجهان المتقدمان مِنْ كونِه صفةً ل «خزي» أو متعلقاً به، ويجوز فيه أن يكونَ متعلقاً بالاستقرار الذي تعلَّق به «لهم» الثالث: أنه يكونَ «لهم»
стр. 2719
خبراً ل «ذلك» و «خزي» فاعل، ورَفَع الجارُّ هنا الفاعلَ لَمَّا اعتمد على المبتدأ، و «في الدنيا» على هذا فيه الأوجهُ الثلاثة.
стр. 2720
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على الاستثناء من المحاربين، وللعلماءِ خلافٌ في التائبِ من قطاع الطريق: هل تسقط عنه العقوبات كلها أو عقوبةُ قطعِ الطريق فقط، وأما ما يتعلق بالأموال وقَتْلِ الأنفس فلا تَسْقُطُ، بل حكمُه إلى صاحب المال وولي الدم؟ والظاهر الأول. الثاني: أنه مرفوع بالابتداء، والخبر قوله: ﴿أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ والعائدُ محذوف أي غفور لهم، ذكر هذا الثاني أبو البقاء، وحينئذ يكون استثناء منقطعاً بمعنى: لكن التائب يُغفر له.
стр. 2721
قوله تعالى: ﴿وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة﴾ : في «إليه» ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلقٌ بالفعل قبله. الثاني: أنه متعلقٌ بنفس الوسيلة. قال أبو البقاء: «لأنها بمعنى المتوسَّل به، فلذلك عِمَلَتْ فيها قبلها» يعني أنها ليسَتْ بمصدرٍ حتى يمتنَع أَنْ يتقدَّم معمولُها عليها. الثالث: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «الوسيلة» وليسَ بذاك.
стр. 2722
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ : قد تقدَّم الكلامُ على «أنَّ» الواقعة بعد «لو» وأنَّ فيها مذهبين، و «لهم» خبر ل «أَنَّ» و «ما في الأرض» اسمُها، «وجميعاً» توكيد له أو حالٌ منه. و «مثلَه» في نصبِه وجهان، أحدُهما: أنه عطفٌ على اسم «أنَّ» وهو «ما» الموصولة. والثاني: أنه منصوبٌ على المعية وهو رَأْيُ الزمخشري وسيأتي ما يَرِدُ على ذلك والجوابُ عنه.
стр. 2723
و «معه» ظرفٌ موقعَ الحال، واللام في «ليفتدوا» متعلقة بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو «لهم» و «به» و «مِنْ عذاب» متعلِّقان بالافتداءِ، والضميرُ في «به» عائدٌ على «ما» الموصولة، وجيء بالضمير مفرداً وإنْ تقدَّمه شيئان وهما: «ما في الأرض» و «مثلَه» إمَّا لتلازُمِهما، فهما في حكمٍ شيء واحد، وإمَّا لأنه حذف من الثاني لدلالةِ ما في الأول عليه كقولهِ:
١٧٢ - ٢-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فإني وقَيَّارٌ بها لَغَريبُ
أي: لو أنَّ لهم ما في الأرض ليفتدوا به ومثله معه ليفتدوا به، وإمَّا لإِجراء الضمير مُجْرى اسم الإِشارة كقوله:
١٧٢ - ٣- كأنَّه الجِلْدِ. . . . . . . . . . . . . . . . ... وقد تقدَّم في البقرة. و «عذاب» بمعنى تعذيب، وبإضافته إلى «يوم» خَرج «يوم» عن الظرفية. و «ما» نافيةٌ، وهي جوابُ «لو» / وجاء على الأكثر من كونِ الجوابِ المنفيِّ بغير لام، والجملةُ الامتناعية في محل رفعٍ خبراً ل «إنَّ» .
وجَعَل الزمخشري توحيدَ الضيمرِ في «به» لمَدْركٍ آخرَ، وهو أن الواوَ في «ومثلَه» واوُ «مع» ، قال بعد أن ذكر الوجهين المتقدمين: «ويجوز أن تكونَ الواوُ في» ومثلَه «بمعنى» مع «فيتوحَّد المرجوع إليه. فإن قلت: فبِمَ يُنْصَبُ المفعول معه؟ قلت: بما تستدعيه» لو «من الفعل، لأن التقدير: لو ثبت أن لهم ما في الأرض» يعني أن حكمَ ما قبل المفعول معه في الخبر والحالِ
стр. 2724
وعودِ الضمير حكمُ لو لم يكن بعده مفعولٌ معه، تقول: «كنتُ وزيداً كالأخ» قال:
١٧٢ - ٤- وكان وإيَّاها كحَرًَّان لم يُفِقْ ... عن الماءِ إذ لاقَاه حتى تَقَدَّدا
فقال: «كحَرَّان» بالإِفراد، ولم يَقُلْ «كحرَّانَيْنِ» وتقول: «جاء زيد وهنداً ضاحكاً في داره» وقد أجاز الأخفش أن يُعْطَى حكمَ المتعاطفين، يعني فيطابقُ الخبرَ، والحالُ والضميرُ له ولما بعده، فتقول: «كنتُ وزيداً كالأخوين» . قال بعضُهم: «والصحيحُ جوازُه على قلة» .
وقد رَدَّ الشيخ على أبي القاسم وطَوَّل معه، فلا بُدَّ من نَقْل نَصِّه قال: «وقولُ الزمخشري:» ويجوزُ أَنْ تكونَ الواوُ بمعنى «مع» لأنه يصيرُ التقدير: مع مثلِه معه أي: مع مثلِ ما في الأرض مع ما في الأرض، إنْ جَعَلْتَ الضميرَ في «معه» عائداً على «ما» يكون «معه» حالاً من مثلَه «، وإذا كان ما في الأرض مع مثله كان مثلُه معه ضرورةً، فلا فائدة ي ذِكْر» معه «لملازمةِ معيَّة كلٍّ منهما للآخر، وإنْ جَعَلْتَ الضمير عائداً على» مثله «أي: مع مثلِه مع ذلك المثلِ، فيكونُ المعنى مع مثلين، فالتعبير في هذا المعنى بتلك العبارة عِيُّ، إذ الكلامُ المنتظمُ أَنْ يكونَ التركيب إذا أُريد ذلك المعنى مع مِثْلَيْه، وقول الزمخشري:» فإنْ قلت «إلى آخرِ الجواب هذا السؤالُ لايَرِدُ، لأنَّا قد بَيَّنَّا فسادَ أن تكونَ الواو واوَ مع، وعلى تقديرِ ورودِه فهذا بناءً منه على أن» أنَّ «إذا جاءت بعد» لو «كانت في محل رفع بالفاعلية، فيكون التقدير على
стр. 2725
هذا: لو ثبت كينونةُ ما في الأرض مع مثلِه لهم ليفتدوا به، فيكونُ الضمير عائداً على» ما «فقط. وهذا الذي ذكره هو تفريعٌ منه على مذهب المبرد في أنَّ» أنَّ «بعد» لو «في محلِّ رفع على الفاعلية، وهو مذهب مرجوح، ومذهبُ سيبويه أنَّ» أنَّ «بعد» لو «في محل مبتدأ والذي يظهرُ في كلام الزمخشري هنا وفي تصانيفه أنه ما وقف على مذهب سيبويه في هذه المسألةِ، وعلى المفرع على مذهبِ المبرد لا يجوز أن تكون الواوُ بمعنى مع، والعاملُ فيها» ثَبَتَ «المقدَّر لِما تقدَّم مِنْ وجودِ لفظةِ معه، وعلى تقديرِ سقوطِها لا يَصِحُّ، لأن» ثبت «ليس رافعاً ل» ما «العائدِ عليها الضميرُ، وإنما هو رافعٌ مصدراً منسبكاً من أنَّ وما بعدها وهو كونٌ، إذ التقدير: لو ثبت كونُ ما في الأرض جميعاً لهم ومثلِه معه ليفتدوا به، والضميرُ عائدٌ على ما دونَ الكون، فالرافع للفاعل غيرُ الناصب للمفعول معه، إذ لو كان إياه لَلَزِمَ من ذلك وجود الثبوت مصاحباً للمثل، والمعنى على كينونة ما في الأرض مصاحباً للمثل لا على ثبوت ذلك مصاحباً للمثْل، وهذا فيه غموضٌ، وبيانه: إذا قلت:» يعجبني قيامُ زيدٍ وعمراً «جعلت» عمراً «مفعولاً معه، والعامل فيه» يعجبني «لَزِم من ذلك أنَّ عمراً لم يَقُم، وأعجبك القيامُ وعمروٌ، وإنْ جعلت العاملَ فيه القيامَ كان عمروٌ قائماً، وكان الإِعجابُ قد تعلَّق بالقيام مصاحباً لقيامِ عمرو، فإن قلت: هل كان» ومثلَه معه «مفعولاً معه، والعامل فيه هو العامل في» لهم «إذ المعنى عليه» قلت: لا يصح ذلك لما ذكرناه من وجودِ «معه» في الجملة، وعلى تقديرِ سقوطها لا يَصِحُّ، لأنهم نَصُّوا على أنَّ قولك: «هذا لك وأباك» ممنوعٌ في الاختيار، قال سيبويه: «وأما هذا لك وأباك» فقبيحٌ لأنه لم يَذْكر فعلاً ولا حرفاً فيه معنى فعل، حتى يصيرَ كأنه قد تكلم بالفعل «فأصبح سيبويه
стр. 2726
بأن اسمَ الإِشارة وحرفَ الجر المتضمِّن لمعنى الاستقرار لا يعملان في المفعول معه، وقد أجاز بعضُ النحويين في حرفِ الجر والظرف أن يعملا في المفعول معه نحو:» هذا لك وأباك «فقولُه:» وأباك «يكون مفعولاً معه والعامل الاستقرار في» لك «انتهى.
ومع هذا الاعتراضِ الذي ذكره فقد يظهرُ عنه جواب وهو أنَّا نقول: نختار أن يكونَ الضميرُ في قوله: ﴿معه﴾ عائداً على «مثلَه» ويصيرُ المعنى: مع مِثْلين، وهو أبلغُ من أَنْ يكونَ مع مثل واحد، وقوله: «تركيبٌ عِيُّ» فَهْمٌ قاصر. ولا بد من جملة محذوفة قبل قوله: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ تقديره: «وبذلوه أو وافتدوا به» ليصِحَّ الترتيب المذكور، إذ لا يترتب على استقرار ما في الأرض جميعاً ومثلِه معه لهم عدمُ التقبل، إنما يترتب عدمُ التقبل على البذل والافتداء. والعامةُ على «تُقُبِّل» مبنياً للمفعول حُذِف فاعله لعظمته وللعلم به. وقرأ يزيد بن قطيب: «ما تَقَبَّل» مبنياً للفاعل، وهو ضميرُ الباري ﵎.
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾ مبتدأٌ وخبرُه مقدَّم عليه. و «أليم» صفتُه بمعنى مُؤْلم. وهذه الجملةُ أجازُوا فيها ثلاثةَ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ تكونَ حالاً، وفيه ضَعْفٌ مِنْ حيثُ المعنى. الثاني: أَنْ تكونَ في محل رفع عطفاً على خبر «أنَّ» أخبر عن الذين كفروا بخبرين: لو استقر لهم جميع ما في الأرض مع مثله فبذلوه لم يُتَقَبَّلْ منهم، وأن لهم عذاباً أليماً. الثالث أن تكون معطوفةً على الجملة من قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ وعلى هذا فلا محلَّ لها لعطفها على ما محلَّ له.
стр. 2727
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ﴾ : كقوله: ﴿يُرِيدُ الله
стр. 2728
أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] ، وقد تقدَّم. والجمهورُ على «أن يخرجوا» مبنياً للفاعل، وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي: «يُخْرَجوا» مبنياً للمفعول، وهما واضحتا التخريج.
стр. 2729
قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ : قراءةُ الجمهور بالرفعِ، وعيسى بن عمر وابن أبي عبلة بالنصبِ، ونُقِل عن أُبَي: «والسُّرَّقُ والسُّرَّقةُ» بضم السين وفتح الراء مشددتين. قال الخفاف: «وجَدْتُه في مُصحف أُبي كذلك» ومِمَّنْ ضبطَهما بما ذكرت أبو عمرو، إلا أن ابن عطية جَعَل هذه القراءة تصحيفاً فإنه قال: «ويشبه أن يكون هذا تصحيفاً من الضابط، لأنَّ قراءة الجماعة إذا كُتِبت:» والسارق «بغير ألف وافقت في الخط هذه» قلت: ويظهر توجيهُ هذا القراءة بوجه ظاهر وهو أن السُّرَّق جمع سارق، فإنَّ فُعَّلاً يطَّرد جمعاً لفاعل صفةً نحو: ضارب وضُرَّب، والدليل على أن المرادَ الجمعُ قراءةُ عبد الله: «والسارقون والسارقات» بصيغتي جمع السلامة، فدلَّ على أن المرادَ الجمع، إلا أنه يُشْكل علينا في هذا شيءٌ وهو أن فُعَّلاً يكون جمعَ فاعِل وفاعِله أيضاً، تقول: «نساء ضُرَّب» كما تقول: «رجالٌ ضُرَّب» ولا يدخلون عليه تاء التأنيث حين يراد به الإِناث، والسُّرَّقة هنا - كما رأيت - في هذه القراءة بتاء التأنيث حين أريد ب «فُعَّل» جمع فاعله، فهو مُشْكل من هذه الجهة، لا يقال: إن هذا التاء يجوز أن تكونَ لتأكيدِ الجمع، لأنَّ ذلك محفوظٌ لا يقاس عليه نحو: «حِجارة» .
стр. 2730
فأمَّا قراءةُ الجمهورِ ففيها وجهان، أحدُهما- وهو مذهبُ سيبويه والمشهورُ من أقوالِ البصريين - أنَّ «السارقُ» مبتدأُ محذوفُ الخبر، تقديره: «فيما يتلى عليكم - أو فيما فُرِضَ -» السارقُ «والسارقة، أي حكمُ السارق، ويكون قولُه:» فاقْطَعُوا «بياناً لذلك الحكمِ المقدَّر، فما بعد الفاءِ مرتبطٌ بما قبلها، ولذلك أُتِي بها فيه لأنه هو المقصودُ، ولم يأتِ بالفاء لتُوُهِّم أنه أجنبي، والكلام على هذا جملتان: الأولى خبرية، والثانية أمريةٌ. والثاني - وهو مذهبُ الأخفش، ونُقِل عن المبرد وجماعةُ كثيرة - أنه مبتدأُ أيضاً، والخبر الجملة الأمرية من قوله: ﴿فاقطعوا﴾ وإنما دَخَلَتِ الفاءُ في الخبر لأنه يُشْبه الشرطَ، إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذي والتي، والصفةُ صلتُها فيه في قوة قولك:» والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا «وأجاز الزمخشري الوجهين، ونسب الأول لسيبويه، ولم يَنْسُبِ الثاني، بل قال:» ووجهٌ آخر وهو أن يرتفعا بالابتداء، والخبر «فاقطعوا» .
وإنما اختار سيبويه أنَّ خبرَه محذوف كما تقدَّم تقديرُه دون الجملة الطلبية بعده لوجهين، أحدُهما: أنَّ النصبَ في مثله هو الوجه في كلام العرب نحو: «زيداً فاضربه» لأجلِ الأمر بعده، قال سيبويه في هذه الآية: «الوجهُ في كلامِ العربِ النصبُ، كما تقول:» زيداً فاضربه «ولكن أَبَت العامةُ إلا الرفعَ» والثاني: دخولُ الفاءِ في خبره، وعنده أن الفاءَ لا تدخلُ إلا في خبر الموصول الصريح كالذي و «مَنْ» بشروط أُخَرَ ذكرْتُها في كتبي النحوية؛ وذلك لأنَّ الفاءَ إنما دخلت لشبه المبتدأ بالشرط، واشتَرطوا في صلتِه أَنْ تصلح لأداة الشرط من كونها جملةً فعلية مستقبلة المعنى، أو ما يقوم مقامَها من ظرفٍ
стр. 2731
وشبهه، ولذلك إنها إذا لم تصلح لأداةِ الشرط لم يَجُزْ دخولُ الفاء في الخبر، وصلةُ «أل» لا تصلح لمباشرة أداةِ الشرط فلذلك لا تدخُلُ الفاءُ في خبرها، وأيضاً ف «أل» وصلتُها في حكمِ اسمٍ واحدٍ ولذلك تَخَطَّاها الإِعرابُ.
وأمَّا قراءةُ عيسى بن عمر وإبراهيم فالنصبُ بفعلٍ مضمر يفسِّره العامل في سببِّيهما نحو: «زيداً فأكرم أخاه» والتقدير: فعاقبوا السارق والسارقة، تقدِّره فعلاً من معناها نحو: «زيداً ضربْتُ غلامه» أي: أهنتُ زيداً، ويجوز أن يقدَّرَ العاملُ موافقاً لفظاً لأنه يُساغ أَنْ يقال: «قطعت السارق» وهذه قراءةٌ واضحةٌ لمكانِ الأمر بعد الاسم المشتغل عنه.
قال الزمخشري «وفَضَّلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر؛ لأنَّ» زيداً فاضربه «أحسنُ مِنْ» زيدٌ فاضربه «وفي نقله تفضيلَ النصب على قراءة العامة نظر، ويظهر ذلك بنصِّ سيبويه، قال سيبويه:» الوجه في كلام العرب النصبُ كما تقول: «زيداً اضربه» ولكن أَبت العامة إلا الرفعَ «، وليس في هذا ما يقتضي تفضيلَ النصب، بل معنى كلامه أن هذه الآية ليست في الاشتغال في شيء، إذ لو كانت من باب الاشتغال لكن الوجهُ النصبَ، ولكن لم يَقْرأها الجمهورُ إلا بالرفع، فدلَّ على أن الآية محمولةٌ على كلامَيْنِ كما تقدَّم، لا على كلامٍ واحدٍ، وهذا ظاهرٌ.
وقد ردَّ الفخر الرازي على سبيويه بخمسة أوجه، وذلك أنه فَهم كما فهم صاحب» الكشاف «من تفضيل النصب، قال الفخر الرازي،» الذي ذهبَ إليه سيبويه ليس بشيء، ويدلُّ على فساده وجوهٌ، الأول: أنه طعن في القراءة المتواترة المنقولةِ عن الرسول وعن أعلام الأمة، وذلك باطلٌ قطعاً، فإن قال سيبويه: لا أقول إن القراءة بالرفع غير جائزة، ولكني أقول: القراءةُ بالنصب أَوْلى، فنقول: رديء أيضاً لأنَّ ترجيحَ قراءةٍ لم يقرأ بها إلا عيسى بن عمر على قراءةِ الرسول وجميعِ الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمرٌ منكرٌ وكلامٌ مردودٌ. الثاني: لو كانت القراءةُ بالنصبِ أَوْلى لوجَبَ أن يكونَ في القراء مَنْ يقرأ ﴿واللذان يأتيانِها منكم فآذوهما﴾ بالنصب، ولمَّا لم يوجد في القُرَّاء مَنْ يقرأ كذلك عَلِمْنا سقوطَ هذه القول. الثالث: أنَّا إذا جعلنا «السارق والسارقة» مبتدأً وخبرُه مضمرٌ وهو الذي يقدِّره: «فيما يتلى عليكم» بقي شيء آخر تتعلَّق به الفاء في قوله: ﴿فاقطعوا﴾ فإنْ قال:
стр. 2732
الفاء تتعلق بالفعل الذي دلَّ عليه قولُه: «والسارق والسارقة» يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يده، فنقول: إذا احتجت في آخر الأمر [أن تقول] : السارق والسارقة [تقديرُه] : مَنْ سرق، فاذكر هذا أولاً حتى لا تحتاج إلى الإِضمار الذي ذكرته.
الرابع: أنَّا إذا اختَرْنا القرءاةَ بالنصب لم تدلَّ على أنَّ السرقةَ علةٌ لوجوب القطع، وإذا اخترنا القراءةَ بالرفع افادت الآيةُ هذا المعنى، ثم إنَّ هذا المعنى متأكدٌ بقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَسَبَا﴾ فثبت أنَّ القراءةَ بالرفعِ أَوْلى. الخامس: أن سيبويه قال: «وهم يقدِّمون الأهمَّ والذي هم ببيانِه أَعْنى» فالقراءةُ بالرفعِ تقتضي تقديمَ ذِكْرِ كونه سارقاً على ذِكْرِ وجوب القطع، وهذا يقتضي أن يكون أكبر العناية مصروفاً إلى شرح ما يتعلق بحال السارق من حيث إنه سارق، وأما القراءة بالنصب فإنها تقتضي أن تكونَ العنايةُ بيان القطع أتمَّ من العناية بكونه سارقاً، ومعلوم أنه ليس كذلك فإن المقصود في هذه الآية تقبيحُ السرقة والمبالغةُ في الزجر عنها، فثبت أن القراءة بالرفع هي المتعينة «انتهى ما زعم أنه ردُّ على إمام الصناعة.
والجوابُ عن الوجه الأول ما تقدَّم جواباً عما قاله الزمخشري، وقد تقدم، ويؤيده نص سيبويه فإنه قال:» وقد يَحْسُن ويستقيم: «عبدُ الله فاضربه»
стр. 2733
إذا كان مبنياً على مبتدأ مُظْهَرٍ أو مضمر، فأمَّا في المُظْهَرِ فقولُه: «هذا زيدٌ فاضرِبْه» وإن شئت لم يظهر هذا ويعمل كعمله إذا كان مظهراً، وذلك قولك: «الهلالُ واللَّهِ فانظرْ إليه» فكأنك قلت: «هذا الهلال» ثم جئت بالأمر، ومن ذلك قولُ الشاعر:
١٧٢ - ٥- وقائلةٍ: خَوْلانُ فانكِحْ فتاتَهُمْ ... وأُكْرومةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كما هِيا
هكذا سُمع من العربِ تُنْشدُه «يعني برفع» خولان فمع قوله: «يحسن ويستقيم» كيف [يكونُ] طاعناً في الرفع؟ وقولُه: «فإنْ قال سيبويه إلى آخره» فسيبويه لا يقول ذلك، وكيف يقوله وقد رجَّح الرفعَ بما أوضحته، وقوله: «لم يقرأ بها إلا عيسى» ليس كما زعم، بل قرأ بها جماعة كإبراهيم ابن أبي عبلة، وأيضاً فهؤلاء لم يَقْرَؤُوها من تلْقاء أنفسِهم، بل نقلوها إلى أن تتصل بالرسول ﷺ ، غايةُ ما في الباب أنها ليست في شهرة الأولى. وعن الثاني: أن سيبويه لم يَدَّعِ ترجيحَ النصبِ حتى يُلْزمَ بما قاله، بل خَرَّج قراءة العامة على جملتين، لِما ذكرت لك فيما تقدم من دخول الفاء، ولذلك لمَّا مَثَّل سيبويه جملةَ الأمرِ والنهي بعد الاسمِ مثَّلهما عاريتين من الفاء، قال: «وذلك قولك:» زيداً اضربْه «» وعمراً امرُرْ به «وعن الثالث: ما تقدم من الحكمةِ المقتضية للمجيء بالفاء وكونها رابطة للحكم بما قبله، وعن الرابع: بالمنع أن يكون بين الرفع والنصب فَرْقٌ بأنَّ الرفعَ يقتضي العلةَ، والنصبَ لا يقتضيه، وذلك أن الآية من باب التعليل بالوصفِ المُرَتَّب عليه الحكمُ، ألا ترى أن قولك:» اقطع السارق «يفيد العلةَ، أي: إنه جَعَلَ علةً
стр. 2734
القطعِ اتصافَه بالسرقةِ، فهذا يشعر بالعلةِ مع التصريحِ بالنصبِ، وعن الخامس: انهم يُقَدِّمون الأهمَّ حيث اختلفت النسبَةُ الإِسناديةُ كالفاعِل مع المفعولِ، وَلْنَسْرُدْ نصَّ سيبويه ليتبيِّن ما ذكرناه، قال سيبويه:» فإنْ قَدَّمْتَ [المفعول] وأخَّرت الفاعلَ جرى اللفظُ كما جرى في الأول «يعني في:» ضرب عبدُ الله زيداً «قال:» وذلك: ضرب زيداً عبدُ الله، لأنك إنما أردت به مؤخراً ما أردت به مقدماً، ولم تُرِد أن يشتغل الفعلُ بأولَ منه وإن كان مؤخراً في اللفظ، فمِن ثَمَّ كان حَدُّ اللفظِ أن يكونَ فيه مقدماً وهو عربي جيدٌ كثير، كأنهم يُقَدَّمون الذي بيانُه اهمُّ لهم، وهم ببيانِه أَعْنَى، وإن كانا جميعاً يُهِمَّانِهم ويَعْنِيانهم «والآية الكريمة ليست من ذلك.
قوله: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ جمعٌ واقعٌ موقعَ التثنيةِ لأمْنِ اللَّبْس، لأنه معلومٌ أنه يُقْطَعُ مِنْ كلِّ سارقٍ يمينه، فهو من باب ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ، ويدل على ذلك قراءةُ عبد الله: «فاقطعوا أيمانَهما» واشترط النحويون في وقوعِ الجمع موقعَ التثنية شروطاً، ومن جملتها: ان يكون ذلك الجزءُ المضافُ مفرداً من صاحبِه نحو: «قلوبكما» و «رؤوس الكبشين» لأمن الإِلباس بخلافِ العينين واليدين والرجلين، لو قلت: «فَقَأْتُ أعينَهما» / وأنت تعني عينيهما، و «كَتَّفْتُ أيديَهما» وأنت تعني «يديهما» لم يَجُزْلِلَّبْسِ، فلولا أنَّ الدليل دَلَّ على أن المراد اليدان اليمنيان لَما ساعَ ذلك، وهذا مستفيضٌ في لسانهم - أعني وقوعَ الجمعِ موقعَ التثنيةِ بشروطِه - قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] .
وَلْنذكر المسألةَ فنقول: كلُّ جزأين أضيفا إلى كُلَّيْهما لفظاً أو تقديراً وكانا مفردَيْنِ من صاحبيهما جازَ فيهما ثلاثةُ أوجهٍ: الأحسنُ الجمعُ، ويليه
стр. 2735
الإِفرادُ عند بعضِهم، وليله التثنيةُ، وقال بعضُهم: الأحسنُ الجمعُ ثم التثينةُ ثم الإِفرادُ نحو: «قَطَعْتُ رؤوسَ الكبشين ورأسَ الكبشين ورأسَيْ الكبشين» ، قال:
١٧٢ - ٦- ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ ... ظهراهُما مثلُ ظهورِ التُّرْسَيْنْ
فقولي: «جزآن» تَحَرُّزٌ من الشين المنفصلين، لو قلت: قبضت دارهمكما «تعني: دِرْهميكما لم يَجُزْ لِلَّبْس، فلو أُمِنَ جاز كقوله: اضرباه باسيافِكما» «إلى مضاجعكما» وقولنا «أُضيفا» تحرُّزٌ من تفرُّقهما كقوله: ﴿على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] ، وقولنا «لفظاً مثالُه: فإنَّ الإِضافةَ فيه لفظيةٌ. وقولُنا» أو تقديراً «نحو قوله:
١٧٢ - ٧- رأيت بني البكري في حومة الوغى ... كاغِرَي الأفواهِ عند عَرِين
فإنَّ تقديره: كفاغري أفواهما. وقولنا «مفردين» تحرزٌ من العينين ونحوهما: إنما اختير الجمع على التثنية وإن كانت الأصل لاستثقال توالي تثنيتين، وكان الجمعُ أولى من المفرد لمشاركةِ التثنيةِ في الضم، وبعده المفردُ لعدم الثقل، هذا عند بعضِهم قال: «لأنَّ التثنيةَ لم تَرِدْ إلا ضرورةً كقوله:
١٧٢ - ٨- هما نَفَثا في فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِما ... على النابحِ العاوي أشدَّ رِجامِ
следующие страницы →