← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

وشبهه، ولذلك إنها إذا لم تصلح لأداةِ الشرط لم يَجُزْ دخولُ الفاء في الخبر، وصلةُ «أل» لا تصلح لمباشرة أداةِ الشرط فلذلك لا تدخُلُ الفاءُ في خبرها، وأيضاً ف «أل» وصلتُها في حكمِ اسمٍ واحدٍ ولذلك تَخَطَّاها الإِعرابُ. وأمَّا قراءةُ عيسى بن عمر وإبراهيم فالنصبُ بفعلٍ مضمر يفسِّره العامل في سببِّيهما نحو: «زيداً فأكرم أخاه» والتقدير: فعاقبوا السارق والسارقة، تقدِّره فعلاً من معناها نحو: «زيداً ضربْتُ غلامه» أي: أهنتُ زيداً، ويجوز أن يقدَّرَ العاملُ موافقاً لفظاً لأنه يُساغ أَنْ يقال: «قطعت السارق» وهذه قراءةٌ واضحةٌ لمكانِ الأمر بعد الاسم المشتغل عنه. قال الزمخشري «وفَضَّلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر؛ لأنَّ» زيداً فاضربه «أحسنُ مِنْ» زيدٌ فاضربه «وفي نقله تفضيلَ النصب على قراءة العامة نظر، ويظهر ذلك بنصِّ سيبويه، قال سيبويه:» الوجه في كلام العرب النصبُ كما تقول: «زيداً اضربه» ولكن أَبت العامة إلا الرفعَ «، وليس في هذا ما يقتضي تفضيلَ النصب، بل معنى كلامه أن هذه الآية ليست في الاشتغال في شيء، إذ لو كانت من باب الاشتغال لكن الوجهُ النصبَ، ولكن لم يَقْرأها الجمهورُ إلا بالرفع، فدلَّ على أن الآية محمولةٌ على كلامَيْنِ كما تقدَّم، لا على كلامٍ واحدٍ، وهذا ظاهرٌ. وقد ردَّ الفخر الرازي على سبيويه بخمسة أوجه، وذلك أنه فَهم كما فهم صاحب» الكشاف «من تفضيل النصب، قال الفخر الرازي،» الذي ذهبَ إليه سيبويه ليس بشيء، ويدلُّ على فساده وجوهٌ، الأول: أنه طعن في القراءة المتواترة المنقولةِ عن الرسول وعن أعلام الأمة، وذلك باطلٌ قطعاً، فإن قال سيبويه: لا أقول إن القراءة بالرفع غير جائزة، ولكني أقول: القراءةُ بالنصب أَوْلى، فنقول: رديء أيضاً لأنَّ ترجيحَ قراءةٍ لم يقرأ بها إلا عيسى بن عمر على قراءةِ الرسول وجميعِ الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمرٌ منكرٌ وكلامٌ مردودٌ. الثاني: لو كانت القراءةُ بالنصبِ أَوْلى لوجَبَ أن يكونَ في القراء مَنْ يقرأ ﴿واللذان يأتيانِها منكم فآذوهما﴾ بالنصب، ولمَّا لم يوجد في القُرَّاء مَنْ يقرأ كذلك عَلِمْنا سقوطَ هذه القول. الثالث: أنَّا إذا جعلنا «السارق والسارقة» مبتدأً وخبرُه مضمرٌ وهو الذي يقدِّره: «فيما يتلى عليكم» بقي شيء آخر تتعلَّق به الفاء في قوله: ﴿فاقطعوا﴾ فإنْ قال:

стр. 2732

الفاء تتعلق بالفعل الذي دلَّ عليه قولُه: «والسارق والسارقة» يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يده، فنقول: إذا احتجت في آخر الأمر [أن تقول] : السارق والسارقة [تقديرُه] : مَنْ سرق، فاذكر هذا أولاً حتى لا تحتاج إلى الإِضمار الذي ذكرته. الرابع: أنَّا إذا اختَرْنا القرءاةَ بالنصب لم تدلَّ على أنَّ السرقةَ علةٌ لوجوب القطع، وإذا اخترنا القراءةَ بالرفع افادت الآيةُ هذا المعنى، ثم إنَّ هذا المعنى متأكدٌ بقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَسَبَا﴾ فثبت أنَّ القراءةَ بالرفعِ أَوْلى. الخامس: أن سيبويه قال: «وهم يقدِّمون الأهمَّ والذي هم ببيانِه أَعْنى» فالقراءةُ بالرفعِ تقتضي تقديمَ ذِكْرِ كونه سارقاً على ذِكْرِ وجوب القطع، وهذا يقتضي أن يكون أكبر العناية مصروفاً إلى شرح ما يتعلق بحال السارق من حيث إنه سارق، وأما القراءة بالنصب فإنها تقتضي أن تكونَ العنايةُ بيان القطع أتمَّ من العناية بكونه سارقاً، ومعلوم أنه ليس كذلك فإن المقصود في هذه الآية تقبيحُ السرقة والمبالغةُ في الزجر عنها، فثبت أن القراءة بالرفع هي المتعينة «انتهى ما زعم أنه ردُّ على إمام الصناعة. والجوابُ عن الوجه الأول ما تقدَّم جواباً عما قاله الزمخشري، وقد تقدم، ويؤيده نص سيبويه فإنه قال:» وقد يَحْسُن ويستقيم: «عبدُ الله فاضربه»

стр. 2733

إذا كان مبنياً على مبتدأ مُظْهَرٍ أو مضمر، فأمَّا في المُظْهَرِ فقولُه: «هذا زيدٌ فاضرِبْه» وإن شئت لم يظهر هذا ويعمل كعمله إذا كان مظهراً، وذلك قولك: «الهلالُ واللَّهِ فانظرْ إليه» فكأنك قلت: «هذا الهلال» ثم جئت بالأمر، ومن ذلك قولُ الشاعر: ١٧٢ - ٥- وقائلةٍ: خَوْلانُ فانكِحْ فتاتَهُمْ ... وأُكْرومةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كما هِيا هكذا سُمع من العربِ تُنْشدُه «يعني برفع» خولان فمع قوله: «يحسن ويستقيم» كيف [يكونُ] طاعناً في الرفع؟ وقولُه: «فإنْ قال سيبويه إلى آخره» فسيبويه لا يقول ذلك، وكيف يقوله وقد رجَّح الرفعَ بما أوضحته، وقوله: «لم يقرأ بها إلا عيسى» ليس كما زعم، بل قرأ بها جماعة كإبراهيم ابن أبي عبلة، وأيضاً فهؤلاء لم يَقْرَؤُوها من تلْقاء أنفسِهم، بل نقلوها إلى أن تتصل بالرسول ﷺ ، غايةُ ما في الباب أنها ليست في شهرة الأولى. وعن الثاني: أن سيبويه لم يَدَّعِ ترجيحَ النصبِ حتى يُلْزمَ بما قاله، بل خَرَّج قراءة العامة على جملتين، لِما ذكرت لك فيما تقدم من دخول الفاء، ولذلك لمَّا مَثَّل سيبويه جملةَ الأمرِ والنهي بعد الاسمِ مثَّلهما عاريتين من الفاء، قال: «وذلك قولك:» زيداً اضربْه «» وعمراً امرُرْ به «وعن الثالث: ما تقدم من الحكمةِ المقتضية للمجيء بالفاء وكونها رابطة للحكم بما قبله، وعن الرابع: بالمنع أن يكون بين الرفع والنصب فَرْقٌ بأنَّ الرفعَ يقتضي العلةَ، والنصبَ لا يقتضيه، وذلك أن الآية من باب التعليل بالوصفِ المُرَتَّب عليه الحكمُ، ألا ترى أن قولك:» اقطع السارق «يفيد العلةَ، أي: إنه جَعَلَ علةً

стр. 2734

القطعِ اتصافَه بالسرقةِ، فهذا يشعر بالعلةِ مع التصريحِ بالنصبِ، وعن الخامس: انهم يُقَدِّمون الأهمَّ حيث اختلفت النسبَةُ الإِسناديةُ كالفاعِل مع المفعولِ، وَلْنَسْرُدْ نصَّ سيبويه ليتبيِّن ما ذكرناه، قال سيبويه:» فإنْ قَدَّمْتَ [المفعول] وأخَّرت الفاعلَ جرى اللفظُ كما جرى في الأول «يعني في:» ضرب عبدُ الله زيداً «قال:» وذلك: ضرب زيداً عبدُ الله، لأنك إنما أردت به مؤخراً ما أردت به مقدماً، ولم تُرِد أن يشتغل الفعلُ بأولَ منه وإن كان مؤخراً في اللفظ، فمِن ثَمَّ كان حَدُّ اللفظِ أن يكونَ فيه مقدماً وهو عربي جيدٌ كثير، كأنهم يُقَدَّمون الذي بيانُه اهمُّ لهم، وهم ببيانِه أَعْنَى، وإن كانا جميعاً يُهِمَّانِهم ويَعْنِيانهم «والآية الكريمة ليست من ذلك. قوله: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ جمعٌ واقعٌ موقعَ التثنيةِ لأمْنِ اللَّبْس، لأنه معلومٌ أنه يُقْطَعُ مِنْ كلِّ سارقٍ يمينه، فهو من باب ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ، ويدل على ذلك قراءةُ عبد الله: «فاقطعوا أيمانَهما» واشترط النحويون في وقوعِ الجمع موقعَ التثنية شروطاً، ومن جملتها: ان يكون ذلك الجزءُ المضافُ مفرداً من صاحبِه نحو: «قلوبكما» و «رؤوس الكبشين» لأمن الإِلباس بخلافِ العينين واليدين والرجلين، لو قلت: «فَقَأْتُ أعينَهما» / وأنت تعني عينيهما، و «كَتَّفْتُ أيديَهما» وأنت تعني «يديهما» لم يَجُزْلِلَّبْسِ، فلولا أنَّ الدليل دَلَّ على أن المراد اليدان اليمنيان لَما ساعَ ذلك، وهذا مستفيضٌ في لسانهم - أعني وقوعَ الجمعِ موقعَ التثنيةِ بشروطِه - قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] . وَلْنذكر المسألةَ فنقول: كلُّ جزأين أضيفا إلى كُلَّيْهما لفظاً أو تقديراً وكانا مفردَيْنِ من صاحبيهما جازَ فيهما ثلاثةُ أوجهٍ: الأحسنُ الجمعُ، ويليه

стр. 2735

الإِفرادُ عند بعضِهم، وليله التثنيةُ، وقال بعضُهم: الأحسنُ الجمعُ ثم التثينةُ ثم الإِفرادُ نحو: «قَطَعْتُ رؤوسَ الكبشين ورأسَ الكبشين ورأسَيْ الكبشين» ، قال: ١٧٢ - ٦- ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ ... ظهراهُما مثلُ ظهورِ التُّرْسَيْنْ فقولي: «جزآن» تَحَرُّزٌ من الشين المنفصلين، لو قلت: قبضت دارهمكما «تعني: دِرْهميكما لم يَجُزْ لِلَّبْس، فلو أُمِنَ جاز كقوله: اضرباه باسيافِكما» «إلى مضاجعكما» وقولنا «أُضيفا» تحرُّزٌ من تفرُّقهما كقوله: ﴿على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] ، وقولنا «لفظاً مثالُه: فإنَّ الإِضافةَ فيه لفظيةٌ. وقولُنا» أو تقديراً «نحو قوله: ١٧٢ - ٧- رأيت بني البكري في حومة الوغى ... كاغِرَي الأفواهِ عند عَرِين فإنَّ تقديره: كفاغري أفواهما. وقولنا «مفردين» تحرزٌ من العينين ونحوهما: إنما اختير الجمع على التثنية وإن كانت الأصل لاستثقال توالي تثنيتين، وكان الجمعُ أولى من المفرد لمشاركةِ التثنيةِ في الضم، وبعده المفردُ لعدم الثقل، هذا عند بعضِهم قال: «لأنَّ التثنيةَ لم تَرِدْ إلا ضرورةً كقوله: ١٧٢ - ٨- هما نَفَثا في فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِما ... على النابحِ العاوي أشدَّ رِجامِ

стр. 2736

بخلافِ الإِفراد فإنه وَرَدَ في فصيحِ الكلامِ، ومنه:» مَسَح أذنيه ظاهرَهما وباطنَهما «. وقال بعضُهم:» الأَحسنُ الجمعُ ثم التثنيةُ ثم الإِفراد كقوله: ١٧٢ - ٩- حمامةَ بطنِ الواديَيْن تَرَنَّمي ... سَقاكِ من الغُرَِّ الغوادِي مطيرُها وقال الزمخشري: «أيديهما: يديهما، ونحوه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] اكتفى بتثنيةِ المضاف إليه عن تثنيةِ المضاف، وأريد باليدين اليُمْنَيان، بدليلِ قراءة عبد الله:» والسارقون والسارقات فقطعوا أَيْمانهم «وردَّ عليه الشيخ بأنهما ليسا بشيئين، فإنَّ النوعَ الأول مطردٌ فيه وضعُ الجمعِ موضعَ التثينةِ، بخلافِ الثاني فإنه لا ينقاس، لأن المتبادَرَ إلى الذهن من قولك:» قَطَعْتُ آذانَ الزيدين: أربعة الآذان «وهذا الردُّ ليس بشيءٍ لأنَّ الدليلَ دَلَّ على أن المراد اليمنيان. قوله: ﴿جَزَآءً﴾ فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المصدر بفعلٍ مقدر أي: جازوهما جزاءً. الثاني: أنه مصدر أيضاً لكنه منصوب على معنى نوع المصدر، لأنه قوله:» فاقطعوا «في قوة: جازُوهما بقطع الأيدي جزاء» الثالث: أنه منصوب على الحال، وهذه الحالُ يُحْتمل أن تكونَ من الفاعل أي: مُجازِين لهما بالقطع بسببِ كسبِهما، وأن تكونَ من المضافِ إليه في «أيديهما» أي: في حالِ كونها مجازَيْن، وجاز مجيءُ الحالِ من المضاف

стр. 2737

إليه لأن المضاف جزؤه كقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً﴾ [الحجر: ٤٧] . الرابع: أنه مفعولٌ من أجله أي: لأجلِ الجزاءِ، وشروطُ النصبِ موجودةٌ. و «نَكالاً» منصوبٌ كما نُصِب «جزاء» ولم يذكر الزمخشري فيهما غيرَ المفعولِ من أجله. قال الشيخ: «تَبع في ذلك الزجاج» ثم قال: «وليس بجيدٍ، إلاَّ إذا كان الجزاءُ هو النَّكالَ فيكون ذلك طريق البدلِ، وأما إذا كان متباينين فلا يجوز ذلك إلى بوساطة حرف العطف» قلت: النكالُ نوعٌ من الجزاء فهو بدل منه، [على أن الذي ينبغي أن يُقال هنا إن «جزاء» مفعول من أجله، العاملُ فيه] «فاقطعوا» فالجزاءُ علةٌ للأمر بالقطع، و «نَكالاً» مفعول من أجله أيضاً، العاملُ فيه «جزاء» والنكال علة للجزاء، فتكون العلة معللةً بشيء آخرَ فتكونُ كالحال المتداخلة، كما تقول: «ضربته تأديباً له إحساناً إليه» فالتأديبُ علةٌ للضرب والإِحسان علة للتأديب، وكلامُ الزمخشري والزجاج قبله لا يُنافي ما ذكرته، فإِنه لا منافاة بين هذا وبين قولهما «جزاء» مفعولٌ من أجله، وكذلك «نكالاً» فتأمَّلْه، فإنه وجه حسن، فطاحَ الاعتراضُ على الزمخشري والزجاج، والتفصيلُ المذكورُ في قوله: «إلا إذا كان الجزاءُ هو النكال» ثم ظَفِرت بعد ذلك بأنه يجوز في المفعول له أن يَنْصِبَ مفعولاً له آخرَ [يكون علة] فيه، وذلك أنَّ المُعْرِبين أجازوا في قوله تعالى ﴿أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ الله بَغْياً﴾ [البقرة: ٩٠] أن يكون «بغياً» مفعولاً له، ثم ذكروا في

стр. 2738

قوله: «أَنْ يُنَزِّل الله» أنه مفعول له ناصبه «بغياً» فهو علةٌ له، صَرَّحوا بذلك فظهر ما قلت؟ و «بما» متعلق ب «جزاء» و «ما» يجوز أن تكون مصدرية أي: بكسبِهما، وأن تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ لاستكمال الشروطِ أي: بالذي كَسَباه، والباء سببية.

стр. 2739

قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ : متعلق ب «تاب» و «ظلم» مصدرٌ مصافٌ إلى فاعله أي: من بعد أَنْ ظَلَمَ غيرَه بأخذِ ماله، وهذا واضحٌ، وأجاز بعضُهم أن يكونَ مضافاً للمفعول أي: من بعد أن ظلم نفسَه، وفي جوازِ هذا نظرٌ، إذ يصير التقديرُ: مِنْ بعد أن ظلمه، ولو صَرَّح بهذا الأصلِ لم يجز لأنه يؤدي إلى تعدِّي فعلِ المضمر إلى ضميره المتصل، وذلك لا يجوز إلا في باب ظن وفَقَدَ وعَدِم، كذك قاله الشيخ، وفي نظره نظر، لأنَّا إذا حَلَلْنا المصدرَ لحرف مصدري وفعل فإنما يَأتي بعد الفعل بما يَصِحُّ تقديرُه، وهو لفظُ النفسِ، أي من بعدِ أن ظلَم نفسَه.

стр. 2740

قوله تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنكَ الذين﴾ : قد تقدَّم أنَّ «يحزن» يُقرأ بفتحِ الياءِ وضَمِّها وأنهما لغتان، وهل هما بمعنًى أو بينهما فرقٌ؟ والنهيُ للذين في الظاهر وهو من بابِ قوله: «لا أُرَيَنَّكَ ههنا» أي: لا تتعاطَ أسباباً يحصُل لك بها حزنٌ من جهتهم، وتقدم لك تحقيق ذلك مراراً، وقول أبي البقاء في «يحزنك» : «والجيد فتح الياء وضم الزاي، ويُقرأ بضم الياء وكسر الزاي من أحزنني وهي لغة» ليس بجيد، لأنها قراءةٌ متواترةٌ، وقد تقدَّم

стр. 2741

دليلها في آل عمران و «يُسارعون» من المسارعة، و «في الكفر» متعلق بالفعل قبله، وقد تقدَّم نظيرُها في آل عمران. قوله: ﴿مِنَ الذين قالوا﴾ يجوز أَنْ يكونَ حالاً من الفاعل في «يُسارعون» أي: يُسارعون حالَ كونِهم / بعضَ الذين قالوا، ويجوز أن يكونَ حالاً من نفس الموصول وهو قريبٌ من معنى الأول، ويجوز أن تكونَ «مِنْ» بياناً لجنس الموصول الأول وكذلك «مِنْ» الثانية، فتكون تبييناً وتقسيماً للذين يُسارعون في الكفر، ويكون «سَمَّاعون» على هذا خبرَ مبتدأ محذوف. و «آمنَّا» منصوبٌ ب «قالوا» وب «أفواههم» متعلق ب «قالوا» لا ب «آمنًّا» بمعنى أنه لم يُجَاوِزْ قولُهم أفواهَهم، إنما نطقوا به غيرَ معتقدين له بقلوِبهم وقوله: ﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ جملةٌ حالية. قوله: ﴿وَمِنَ الذين هِادُواْ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: ما تقدم، وهو أن يكونَ معطوفاً على «من الذين قالوا» بياناً وتقسيماً. والثاني: ان يكونَ خبراً مقدماً، و «سَمَّاعون» مبتدأ والتقدير: «ومن الذين هادوا قومٌ سَمَّاعون» فتكونُ جملةً مستأنفة، إلا أنَّ الوجه الأول مُرَجَّح بقراءة الضحاك: «سَمَّاعين» على الذم بفعل محذوف، فهذا يدل على أن الكلامَ ليس جملةً مستقلة، بل قوله: ﴿وَمِنَ الذين هِادُواْ﴾ عطفٌ على «من الذين قالوا» . وقوله «سَمَّاعون» مثال مبالغة، و «للكذب» فيه وجهان، أحدُهما أن اللامَ زائدةٌ، و «الكذب» هو المفعول، أي: سَمَّاعون الكذب، وزيادةُ اللامِ هنا مطردةٌ لكونِ العاملِ فَرْعاً فَقَوِي باللام، ومثلُه: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] . والثاني: على بابها من التعليل، ويكون مفعول «سَمَّاعون» محذوفاً، أي: سَمَّاعون أخباركم وأحاديثم ليكذبوا فيها بالزيادةِ والنقصِ والتبديلِ بأَنْ يُرْجِفوا بقتل المؤمنين في السرايا كما

стр. 2742

نُقِل من مخازيهم. وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ﴾ يجوز ان تكون هذه تكريراً للأولى، فعلى هذا يجوز أَنْ يتعلَّقَ قولُه «لقوم» بنفس الكذب أي: يَسْمعون ليكذبوا لأجل قوم، ويجوزُ أن تتعلق اللام بنفس «سَمَّاعون» أي: سَمَّاعون لأجلِ قومٍ لم يأتوك لأنهم لبغضِهم لا يقربون مجلسَك وهم اليهودُ، و «لم يأتوك» في محلِّ جرٍّ لأنه صفة ل «قوم» . قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ يجوز أن يكونَ صفةً ل «سَمَّاعون» أي: سَمَّاعون مُحَرِّفون، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في «سَمَّاعون» ويجوز أن يكون مستأنفاً لا محل له، ويجوز أن يكونَ خبر مبتدأ محذوف أي: هم مُحَرِّفون، ويجوزُ أَنْ يكونَ في محلِّ جر صفة ل «قوم» أي: لقوم محرفين. و «من بعد مواضعِه» قد أتقنته في النساء و «يقولون» ك «يحرفون» ويجوز أن يكون حالاً من ضمير «يحرفون» . والجملة الشرطية من قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ﴾ مفعولةٌ بالقول، و «هذا» مفعولٌ ثان لأوتيتم، والأول قائمٌ مقامَ الفاعل، والفاءُ جوابُ الشرطِ وهي واجبةٌ لعدم صلاحيةِ الجزاء لأن يكونَ شرطاً، وكذلك الجملةُ من قوله: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ﴾ وقوله: ﴿وَمَن يُرِدِ﴾ «مَنْ» مفعول مقدم وهي شرطية. وقوله: ﴿فَلَن تَمْلِكَ﴾ جوابه، والفاء أيضاً واجبةٌ لما تقدم، و «شيئاً» مفعولٌ به أو مصدر. و «من الله» متعلقٌ ب «تملكَ» ، وقيل: هو حالٌ من «شيئاً» لأنه صفتُه في الأصل. قوله: ﴿أولئك﴾ مبتدأ، و ﴿لَمْ يُرِدِ الله﴾ جملة فعلية خبره.

стр. 2743

وقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ : يجوز أَنْ يكونَ مكرراً للتوكيد إن كان من وصفِ المنافقين، وغيرَ مكرر إنْ كان مِنْ وصف بني إسرائيل، وإعرابُ مفرداته تقدَّم، ورفعُه على خبر ابتداء مضمر، أي: هم سَمَّاعون وكذلك أكَّالون. و «للسحتِ» في اللام الوجهان المذكوران في قوله: «للكذب» و «السَّحْتُ» الحرامُ، سُمِّي بذلك لأنه يُذْهِبُ البركة ويُمْحَقُها،

стр. 2744

يقال: سَحَته الله وأسحته، أي: أهلكه وأذهبه، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُم﴾ [طه: ٦١] بالوجهين من سحته وأَسْحته. وقال الفرزدق. ١٧٣ - ٠- وعضُّ زمانٍ يابنَ مروانَ لم يَدَعْ ... من المالِ إى مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ وعن الفراء: «السُّحْتُ: كلبُ الجوع» وهو راجعٌ للهلكة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة: «السُّحْت» بضم السين وسكون الحاء، والباقون بضمهما، وزيد بن علي وخارجة بن مصعب عن نافع بالفتح وسكون الحاء، وعبيد بن عمير بالكسر والسكون وقُرئ بفتحتين، فالضمتان اسم للشيء المسحوت، والضمة والسكون تخفيفُ هذا الأصل، والفتحتان والكسر والسكونُ اسمٌ له أيضاً، وأمَّا المفتوحُ السين الساكنُ الحاءِ فمصدرٌ أريد به اسمُ المفعول كالصيد بمعنى المصيد، ويجوز أن يكون تخفيفاً من المفتوح وهو ضعيف.

стр. 2745

قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ : كقوله: ﴿كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] وقد تقدَّم قولُه: ﴿وَعِنْدَهُمُ التوراة﴾ الواوُ للحالِ، و «التوراة» يجوز أن يكونَ متبدأً والظرفُ خبرُه، ويجوز أَنْ يكونَ الظرفُ حالاً و «التوراة» فاعلٌ به لاعتمادِه على ذي الحال، والجملةُ الاسميةُ أو الفعلية في محل نصب على الحال. وقوله: ﴿فِيهَا حُكْمُ الله﴾ «فيها» خبرٌ مقدم و «حكم» مبتداٌ أو فاعلٌ كما تقدَّم في «التوراة» والجملةُ حال من «التوراة» أو الجار وحده، و «حكم»

стр. 2746

مصدرٌ مضافٌ لفاعله. وأجاز الزمخشري ألاَّ يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب، بل هي مبيِّنة لأنَّ عندهم ما يُغْنيهم عن التحكيمِ، كما تقولُ: «عندكَ زيدٌ ينصحك ويُشير عليك بالصواب فما تصنعُ بغيرِه؟» وقوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ معطوفٌ على «يحكِّمونك» فهو في سياقِ التعجبِ المفهومِ من «كيف» .

стр. 2747

قوله تعالى: ﴿فِيهَا هُدًى﴾ : يحتملُ الوَجْهين المذكورين في قوله: ﴿وَعِنْدَهُمُ التوراة﴾ ف «هُدَى» مبتدأٌ أو فاعلٌ، والجملةُ حالٌ من التوراة. وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ يجوز أن تكونَ جملةً متسأنفة، ويجوز أن تكون منصوبةً المحلِّ على الحال: إمَّا من الضميرِ في «فيها» وإمَّا من التوارة. وقوله: ﴿الذين أَسْلَمُواْ﴾ صفةٌ ل «النبيون» وصفهم بذلك على سبيل المدحِ والثناء لا على سبيلِ التفصيلِ فإنَّ الأنبياءَ كلَّهم مسلمون، وإنما أثنى عليهم بذلك كما تَجْري الأوصافُ على أسماءِ اللَّهِ تعالى. قال الزمخشري: «أُجْرِيَتْ على النبيين على سبيلِ المدحِ كالصفات الجاريةِ على القديم سبحانه لا للتفصلة والتوضيح، وأُريد بإجرائِها التعريضُ باليهود وأنهم بُعَداءُ من ملةِ الإِسلام الذي هو دينُ الأنبياء كلِّهم في القديم والحديث، فإنَّ اليهودَ/ بمعزل عنها، وقوله: ﴿الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ منادٍ على ذلك» أي دليلٌ على ما ادِّعاه. قوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ في هذه اللامِ ثلاثةُ أقوالٍ، أظهرُهما: أنها متعلقةٌ ب «يحكم» فعلى هذا معناها الاختصاصُ، وتشمل مَنْ يحكم له ومَنْ يحكم عليه، ولهذا ادَّعى بعضُهم أنَّ في الكلام حَذْفاً تقدره: «يحكم بها النبيون

стр. 2748

للذين هادوا وعليهم» ذكره ابن عطية وغيره. والثاني: أنها متعلقةٌ بأنزلنا، أي: أنزلنا التوراةَ للذين هادُوا يحكمُ بها النبيون. والثالث: أنها متعلقةٌ بنفسِ «هُدى» أي: هدى ونور للذين هادوا، وهذا فيه الفصلُ بين المصدرِ ومعمولِه، وعلى هذا الوجهِ يجوز ان يكون «للذين هادوا» صفةً ل «هدى ونور» أي: هدى ونور كائن للذين هادوا، وأولُ هذه الأقوالِ هو المقصودُ. قوله: ﴿والربانيون﴾ عطفٌ على «النبيون» أي: إنَّ الربانيين - وقد تقدَّم تفسيرُهم في آل عمران - يَحْكُمون أيضاً بمقتضى ما في التوراةِ. والأحبارُ: جمع «حَبرْ» بفتح الحاء وكسرها وهو العالم، وأنكر أبو الهيثم الكسر، والفراء والفتح، وأجاز أبو عبيد الوجهين، واختار الفتحَ، فأمَّا «الحِبْر» الذي يُكْتَبُ به فالبكسر فقط، وأصلُ المادةِ الدلالةُ على التحسين والمسرَّة، وسُمِّي ما يكتب به حِبراً لتحسينِ الخط، وقيل: لتأثيره، ويدلُّ للأول قولُه تعالى: ﴿أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] أي: تفرحون وتُزَيَّنون وقال أبو البقاء: «وقيل الربانيون [مرفوع] بفعل محذوف أي: ويحكم الربانيون والأحبار بما استُحْفِظوا» انتهى. يعني أنه لَمَّا اختلف متعلَّقٌ الحكم غاير بين الفعلين أيضاً فإنَّ النبيين يحكمُون بالتوارة، والأحبارُ والربانيون يحكمون بما ساتحفظهم اللهُ، وهذا بعيدٌ عن الصواب؛ لأنَّ الذي استحفظهم الله هو مقتضى ما في التوراة، فالنبيون والربانيون حاكمون بشي واحد، على أنه سيأتي أنَّ الضميرَ في «استُحْفِظوا» عائدٌ على النبيين فَمَنْ بعدهم. قوله: ﴿بِمَا استحفظوا﴾ أجاز أبو البقاء فيه ثلاثة أوجه، أحدُهما: أنَّ «

стр. 2749

بما» بدلٌ من قوله «بها» بإعادةِ العامل لطول الفصل، قال: «وهو جائزٌ وإنْ لم يَطُلْ» أي: يجوزُ إعادةُ العامل في البدل وإن لم يَطُلْ، قلت: وإنْ لم يُفْصَلْ أيضاً: الثاني: أن يكون متعلقاً بفعلٍ محذوفٍ، أي: ويحكم الربَّانيون بما استُحْفِظوا، كما قدمته عنه. والثالث: أنه مفعولٌ به أي: يَحْكُمون بالتوارةِ بسبب استحفاظهم ذلك، وهذا الوجهُ الأخير هو الذي نَحَا إليه الزمخشري فإنه قال: «بما استُحْفِظوا بما سألهم أنبياؤهم حِفْظَه من التوراة، أي: بسبب سؤالِ أنبيائِهم إياهم أَنْ يحفَظُوه من التبديلِ والتغيير» وهذا على أن الضميرَ يعودُ على الربانيين والأحبار دون النبيين، فإنه قَدَّر الفاعلَ المحذوف «النبيين» ، وأجازَ أن يعودَ الضميرُ في «استُحْفِظوا» على النبيين والربانيين والأحبار، وقَدَّر الفاعلَ المنوبَ عنه الباري تعالى أي: بما استحفظهم الله، يعني بما كلَّفهم حِفْظَه. وقوله: ﴿مِن كِتَابِ الله﴾ قال الزمخشري: «و» مِنْ «في» مِنْ كتاب الله «للتبين» يعني أنها لبيانِ الجنسِ المبهمِ في «بما» فإن «ما» يجوز أن تكونَ موصولةً اسمية بمعنى الذي والعائد محذوف أي: بما استحفظوه، وأن تكونَ مصدريةً أي: باستحفاظهم. وجَوَّز أبو البقاء أن تكونَ حالاً من أحدِ شيئين: إمَّا من «ما» الموصولةِ أو مِنْ عائدها المحذوفِ، وفيه نظرٌ من حيث المعنى. وقوله: «وكانوا» داخل في حَيِّز الصلة أي: وبكونِهم شهداءَ عليه أي: رُقَبَاء لئلا يُبَدِّل، ف «عليه» متعلقٌ ب «شهداء» والضميرُ في «عليه» يعودُ على «كتاب الله» وقيل: على الرسولِ، أي: شهداءَ على نبوتِه ورسالتِه، وقيل: على الحُكْم، والأولُ هو الظاهرُ.

стр. 2750

قوله تعالى: ﴿أَنَّ النفس بالنفس﴾ : الآية. «عليهم»

стр. 2751

الضمير للذين هادُوا، و «فيها» للتوراةِ و «أن النفس بالنفس» : «أن» واسمُا وخبرُها في محلِّ نصبٍ على المفعولية ب «كتبنا» والتقدير: وكتبنا عليهم أَخْذَ النفسِ بالنفس. وقرأ الكسائي و «العينُ» وما عطف عليها بالرفع، وقرأ نافع وحمزة وعاصم بنصب الجميع، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر بالنصب فيما عدا «الجروح» فإنهم يرفعونها. فأما قراءة الكسائي فوجَّهَها أبو علي الفارسي بثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أن تكونَ الواوُ عاطفةً جملةً اسية على جملةٍ فعليةٍ فَتَعْطِفُ الجملَ كما تعطِفُ المفردات، يعني أنَّ قولَه: «والعين» مبتدأ، و «بالعين» خبره، وكذا ما بعدها والجملةُ الاسميةُ عطفٌ على الفعليةِ من قولِه: «وكتبنا» وعلى هذا فيكون ذلك ابتداءَ تشريع، وبيانَ حكمٍ جديد غير مندرجٍ فيما كتب في التورة، قالوا: وليست مشركة للجملة مع ما قبلها لا في اللفظ ولا في المعنى. وعَبَّر الزمخشري عن هذا الوجه بالاستئناف، قال: «أو للاستنئافِ، والمعنى: فَرَضْنا عليهم أنَّ النفسَ مأخوذةٌ بالنفسِ مقتولةٌ بها إذا قَتَلتْها بغيرِ حقٍّ، وكذلك العينُ مفقوءةٌ بالعينِ، والأنفُ مجدوعٌ بالأنف، والأذنُ مصلومةٌ أو مقطوعة بالأذن، والسنُّ مقلوعةٌ بالسن، والجروحُ قصاصٌ وهو المُقاصَّة» وتقديرُه: أنَّ النفسَ مأخوذةٌ بالنفس، سبقه إليه الفارسي، إلا أنه قَدَّر ذلك في جميعِ المجروراتِ، أي: والعينُ مأخوذةٌ بالعين إلى آخره، والذي قَدَّره الزمخشري مناسبٌ جداً، فإنه قَدَّر متعلَّق كلِّ مجرور بما يناسِبُه: فالفَقْءُ للعينِ، والقلعُ للسنِّ، والصَّلْمُ للأذن، والجَدْعُ للأنف. إلا أنَّ الشيخ كأنه غَضَّ منه حيث قَدَّر الخبرَ تعلَّق به المجرورُ كوناً مقيداً. والقاعدةُ في ذلك إنما يقدِّر كوناً مطلقاً، قال: «وقال الحوفي:» بالنفس «يتعلَّقُ بفعلٍ

стр. 2752

محذوفٍ تقديرُه يجب أو يستقر، وكذا العينُ بالعينِ وما بعدها، فقدَّر الكونَ المطلقَ، والمعنى: يستقر قَتْلُها بقتل النفس» إلا أنه قال قبلَ ذلك: «وينبغي أَنْ يُحمل قولُ الزمخشري على تفسيرِ المعنى لا تفسيرِ الاعراب» ثم قال: «فقدَّر - يعني الزمخشري - ما يقرب من الكونِ المطلق وهو:» مأخوذٌ «فإذا قلت:» بعت الشياه شاةً بدرهم فالمعنى: مأخوذة بدرهم، وكذلك الحر بالحر أي: مأخوذ «. الوجه الثاني من توجيه الفارسي: أن تكونَ الواوُ عاطفةً جملةً اسمية على الجملة من قوله: ﴿أَنَّ النفس بالنفس﴾ لكنْ من حيث المعنى لا من حيث اللفظُ، فإنَّ معنى» كَتَبْنا عليهم أنَّ النفس بالنفس «قلنا لهم النفس بالنفس، فالجملُ مندرجةٌ تحت الكَتْبِ من حيث المعنى لا من حيث اللفظُ. وقال ابنُ عطية: «ويُحْتمل أن تكونَ الواوُ عاطفةً على المعنى، وذكر ما تقدم، ثم قال:» ومثلُه لَمَّا كان المعنى في قوله: ﴿يُطاف عليهم بكأسٍ من مَعين﴾ يُمْنحون عَطَفَ «وحوراً عينا» عليه، فنظَّر هذه الآية بتلك لا شتراكِهما في النظرِ إلى المعنى دونَ اللفظِ وهو حسنٌ. قال الشيخ: «وهذا من العطف على التوهُّم، إذ توهَّم في قوله ﴿أَنَّ النفس بالنفس﴾ : النفسُ بالنفسِ / وضعَّفه بأن العطفَ على التوهُّمِ لا ينقاس. والزمخشري نحا إلى هذا المعنى، ولكنه عَبَّر بعبارةٍ آخرى فقال:» الرفع [للعطف] على محلِّ «أنَّ النفسَ» لأن المعنى: «وكتبنا عليهم النفسُ: إمَّا لإِجراء» كتبنا «» مُجْرى «قُلْنا، وإمَّا أن معنى الجملة التي هي» النفس بالنفس «مِمَّا يقع عليه الكَتْب كما تقع عليه القراءة

стр. 2753

تقول: كَتَبْتُ: الحمدُ لله، وقرأت: سورةٌ أَنْزلناها، ولذلك قال الزجاج:» لو قُرئ إنَّ النفسَ بالنفسِ بالكسر لكانَ صحيحاً «قال الشيخ:» هذا هو [الوجهُ] الثاني من توجيه أبو عليّ، إلا أنه خَرَج عن المصطلح حيث جَعَله من العطفِ على المحلِّ وليس منه، لأنَّ العطف على المحل هو العطفُ على الموضعِ، وهو محصورٌ ليس هذا منه، ألا ترى أنَّا لا نقول: «أنَّ النفسَ بالنفس» في محلِّ رفعٍ لأنَ طالبَه مفقودٌ، بل «أن» وما في حَيِّزها بتأويلِ مصدرٍ لفظُه وموضعُه نصبٌ، إذ التقديرُ: كَتَبْنا عليهم أَخْذَ النفسِ «قلت: والزمخشري لم يَعْنِ أنَّ» انَّ «وما في حَيِّزها في محل رفع فعطف عليها المرفوعَ حتى يُلْزِمَه الشيخُ بأنَّ لفظها ومحلَّها نصبٌ، إنما عَنَى أنَّ اسمَها محلُّه الرفعُ قبلَ دخولِها، فراعى العطفَ عليه كما راعاه في اسم» إنَّ «المكسورة. وهذا الردُّ ليس للشيخِ، بل سَبَقَه إليه أبو البقاء فأخذه منه. قال أبو البقاء:» ولا يجوز أن يكونَ معطوفاً على «أَنَّ» وما عملت فيه؛ لأنها وما عملت فيه في موضع نصب «انتهى. وليس بشيءٍ لما تقدم. قال الشيخ شهاب الدين أو شامة:» فمعنى الحديثِ: قُلْنا لهم: النفسُ بالنفسُ، فَحَمَل «العين بالعين» على هذا، لأنَّ «أنَّ» لو حُذِفت لاستقام المعنى بحذفِها كما اسقام بثبوتِها، وتكون «النفس» مرفوعةً فصارت «أنَّ» هنا ك «إنَّ» المكسورة في أنَّ حَذْفَها لا يُخِلُّ بالجملةِ، فجاز العطفُ على محل اسمِها كما يجوزُ على محلِّ اسم المكسورة، وقد حُمِل على ذلك: ﴿أَنَّ الله برياء مِّنَ المشركين وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] قال الشيخ أبو عمرو - يعني أن الحاجب - ورسولُه بالرفع معطوف على اسم «انَّ» وإنْ كانت مفتوحة لأنها في حكم المكسورة،

стр. 2754

وهذا موضعٌ لم يُنَبِّه عليه النحويون «قلت: بلى قد نَبَّه النحويون على ذلك واختلفوا فيه، فجوَّزه بعضهم وهو الصحيحُ، وأكثرُ ما يكون ذلك بعد» علم «أو ما في معناه كقوله: ١٧٣ - ١- وإلا فاعلموا أنَّا وأنتمْ ... بُغاةٌ ما بَقِينا في شقاق وقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ الله﴾ [التوبة: ٣] الآية؛ لأنَّ الأذانَ بمعنى الإِعلام. الوجه الثالث: أنَّ «العين» عطفٌ على الضمير المرفوع المستتر في الجارِّ الواقعِ خبراً، إذ التقديرُ: أنَّ النفسَ بالنفس هي والعينُ، وكذا ما بعدها، والجارُّ والمجرور بعدها في محل نصب على الحال مبينةً للمعنى، إذ المرفوعُ هنا مروفوعٌ بالفاعلية لعطفِه على الفاعل المستتر، وضُعِّفَ هذا بأنّ هذه أحوالٌ لازمةٌ، والأصلُ أن تكون منتقلةً، وبأنه يلزَمُ العطفُ على الضميرِ المرفوع المتصلِ من غير فصلٍ بين المتعاطفينِ ولا تأكيدٍ ولا فصلٍ ب «لا» بعد حرف العطف كقوله: ﴿مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وهذا لا يجوزُ عند البصريين إلا ضرورةً، قال أبو البقاء: «وجاز العطفُ من غيرِ توكيدٍ كقوله: ﴿مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] قلت: قام الفصلُ ب» لا «بين حرف العطف والمعطوف مقامَ التوكيدِ فليس نظيرَه. وللفارسي [بحثٌ في قوله: ﴿ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ مع سيبويه، فإنَّ سيبويه يجعلُ طولَ الكلامِ ب» لا «عوضاً عن التوكيد بالمنفصل،

стр. 2755

كما طال] الكلامُ في قولهم:» حضر القاضيَ اليومَ امرأةٌ «قال الفارسي:» هذا يستقيمُ إذا كان قبل حرف العطف، أما إذا وقع بعده فلا يَسُدُّ مسدَّ الضمير، ألا ترى أنك لو قلت: «حضر امرأة القاضي اليوم» لم يُغْنِ طولُ الكلامِ في غير الموضعِ الذي ينبغي أن يقع فيه «. قال ابنُ عطية:» وكلامُ سيبويهِ متجهٌ على النظرِ النحوي وإن كان الطول قبل حرفِ العطف أَتَمَّ، فإنه بعد حرفِ العطفِ مؤثِّرٌ لا سيما في هذه الآيةِ لأن «لا» رَبَطتِ المعنى، إذ قد تَقدَّمها نفيٌ ونَفَتْ هي أيضاً عن الآباءِ فيمكن العطفُ «. واختار أبو عبيد قراءةَ رفعِ الجميع، وهي روايةٌ الكسائي، لأن أَنَساً رواها قراءةً للنبي ﷺ . ورَوَى أنس عنه السلام أيضاً» أنْ النفسُ بالنفس «تبخفيف» أَنْ «ورفعِ النفس وفيها تأويلان، أحدهما: أَنْ تكونَ» أَنْ «مخففةً من الثقيلة واسمُها ضميرُ الأمر والشأن محذوفٌ، و» النفسُ بالنفس «مبتدأ وخبر، في محلِّ رفع خبراً ال» أَنْ «المخففة، كقوله: ﴿أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: ١٠] ، فيكون المعنى كمعنى المشددة. والثاني: أنها» أَنْ «المفسرةُ لأنها بعدما هو بمعنى القولِ لا حروفِه وهو» كَتَبْنا «والتقديرُ: أي النفسُ بالنفس، ورُجِّح هذا على الأول بأنه يلزَمُ من الأولِ وقوعُ المخففةِ بعد غيرِ العلمِ وهو قليل أو ممنوعٌ، وقد يُقال: إن» كتبنا «لَمَّا كان بمعنى» قضينا «قَرُبَ من أفعال اليقين. وأمَّا قراءةُ نافع ومَنْ معه فالنصبُ على اسم «أَنَّ» لفظاً وهي النفس والجارُّ بعدَه خبرُه، و «قصاصٌ» خبر «الجروح» أي: وأنَّ الجروحَ قصاص، وهذا من عطفِ الجملِ، عَطَفنا الاسمَ على الاسم والخبرَ على الخبر،

стр. 2756

كقولك «إنَّ زيداً قائمٌ وعمراً منطلق» عطفْتَ «عمراً» على «زيداً» و «منطلق» على «قائم» ويكون الكَتْبُ شاملاً للجميع، إلاَّ أنَّ في كلام ابن عطية ما يقتضي أن يكونَ «قصاص» خبراً على المنصوباتِ أجمعَ فإنه قال: «وقرأ نافع وحمزة وعاصم بنصبِ ذلك كلِّه، و» قصاص «خبرُ أَنَّ» وهذا وإنْ كان يَصْدُقُ أنَّ أَخْذَ النفسِ بالنفسِ والعينَ بالعينِ قصاص، إلا أنه صار هنا بقرينة المقابلة مختصاً بالجروح، وهو محلُّ نظر. وأمَّا قراءة أبي عمرو ومَنْ معه فالمنصوبُ كما تقدَّم في قراءة نافع، لكنهم لم يَنْصِبُوا «الجروح» قطعاً له عَمَّا قبله، وفيه أربعة أوجه: الثلاثة المذكورة في توجيهِ قراءة الكسائي، وقد تقدَّم إيضاحُه. والرابع: أنه مبتدأ وخبره «قصاص» يعني أنه ابتداءُ تشريعٍ، وتعريفُ حكمٍ جديد، قال أبو عليّ «فأمَّا والجروحُ قصاص: فمن رفعه يَقْطَعْه عما قبله، فإنه يحتمل هذه الأوجهَ الثلاثةَ التي ذكرناها في قراءة مَنْ رفع» والعينُ بالعين «ويجوز أن يُستأنف:» والجروحُ قصاص «ليس على أنه مما كُتِب عليهم في التوراة، ولكنه على الاستئناف وابتداءِ تشريع» انتهى. إلا أنَّ أبا شامة قال: قبل أن يَحْكي عن الفارسي هذ الكلامَ - «ولا يستقيم في رفع الجروح الوجهُ الثالث وهو أنه عطفٌ على الضمير الذي في خبر» النفس «وإنْ جاز فيما قبلها، وسببُه استقامةُ المعنى في قولك: مأخوذةٌ هي بالنفس، والعينُ هي مأخوذة بالعين، ولا يَسْتقيم: والجروحُ مأخوذةٌ قصاص، وهذا معنى قولي» لَمَّا خلا قولُه «الجروح قصاص» عن الباءِ في الخبر خالَف الأسماءَ التي قبلها فخولِفَ

стр. 2757

بينهما في الاعراب «قلت: وهذا الذي قاله واضح، ولم يتنبَّه لم كثيرٌ من المُعْرِبين. وقال بعضُهم:» إنما رُفِع «الجروح» ولم يُنْصَبْ تَبَعاً لِما قبله فرقاً بين المجملِ والمفسرِ «يعني أنَّ قَولَه» النفس بالنفس والعينَ بالعين «مفسَّرٌ غيرُ مجملٍ، بخلاف» الجروح «فإنها مجملةٌ؛ إذ ليس كلُّ جرح يَجْرَي فيه قصاصٌ: بل ما كان يُعْرَفُ فيه المساواةُ وأمكن ذلك فيه، على تفصيل معروف في كتب الفقه. وقال بعضُهم: خُولِف في الإِعراب لاختلافِ الجراحات وتفاوتِها، فإذن الاختلافُ في ذلك كالخلاف المشارِ إليه، وهذان الوجهان لا معنى لهما، ولا ملازمةَ بين مخالفة الإِعراب ومخالفةِ الأحكامِ المشار إليها بوجهٍ من الوجوهِ، وإنما ذَكَرْتُها تنبيهاً على ضَعْفِها. وقرأ نافع: «والأذْن بالأذْن» سواء كان مفرداً أم مثنى كقوله: ﴿كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان: ٧] بسكون الذال وهو تخفيفٌ للمضوم كعُنْق في «عُنُق» والباقون بضمِّها، وهوا لأصل، ولا بد من حذف مضاف في قوله: ﴿والجروح قِصَاصٌ﴾ : إمَّا من الأول، وإمَّا من الثاني، وسواءً قُرئ برفعه أو بنصبِه تقديرُه: وحكمُ الجروحِ قصاصٌ، أو: والجروحُ ذاتُ قصاص. والقِصاص: المُقاصَّةُ، وقد تقدَّم الكلامُ عليه في البقرة وقرأ أُبي بنصب «النفس» والأربعة بعدها و «أنِ الجروحُ» بزيادة «أن» الخفيفة، ورفع «الجروحُ، وعلى هذه القراءة يتعيِّن أَنْ تكونَ المخففةَ، ولا يجوز أن تكونَ المفسرةَ، بخلافِ ما تقدَّم من قراءةِ أنس عنه ﵇ بتخفيف» أن «ورفعِ»

стр. 2758

النفس «حيث جَوَّزْنا فيها الوجهين، وذلك / لأنه لو قَدَّرْتها التفسيريةَ وجَعَلْتَها معطوفةً على ما قبلَها فَسَدَ من حيث إنَّ» كتبنا «يقتضي أَنْ يكونَ عاملاً لأجل» أنَّ «المشددة غيرُ عامل لأجل» أَنْ «التفسيرية، فإذا انتفى تسلُّطُه عليها انتفى تشريكُها مع ما قبلها، لأنه إذا لم يكن عملٌ فلا تشريكٌ، فإذا جعلتها المخففةَ تسلَّط عملُه فاقتضى العملُ التشريكَ في انصبابِ معنى الكَتْب عليهما. وقرأ أبيّ:» فهو كفارتُه له «أي: التصدُّق كفارةٌ، يعني الكفارة التي يستحفها له لا ينقصُ منها، وهو تعظيمٌ لِما فَعَلَ كقوله: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾ [الشورى: ٤٠] . قوله: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: بالقصاصِ المتعلِّق بالنفس أو بالعين أو بما بعدَها، فهو أي: فذلك التصدقُ عاد الضمير على المصدر لدلالة فعلِه عليه، وهو كقوله تعالى: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨] . والضميرُ في» له «فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها - وهو الظاهر -: أنه يعود على المتصدِّق والمرادُ به مَنْ يستحِقُّ القِصاصَ مِنْ مصابٍ أو وليّ، أي: فالتصدقُ كفارةٌ لذلك المتصدِّق بحقه، وإلى هذا ذهب جماعة كثيرة من الصحابة فمَنْ بعدَهم. والثاني: أنَّ الضميرَ يُراد به الجاني، والمراد بالمتصدِّق كما تقدم مستحقُ القصاص، والمعنى: انه إذا تصدَّق المستِحقُّ على الجاني كان ذلك التصدُّقُ كفارةً للجاني حيث لم يُؤَاخَذْ به. قال الزمخشري:» وقيل: فهو كفارةٌ له أي: للجاني إذا تجاوز عنه صاحبُ الحق سَقَط عنه ما لَزِمه «وإلى هذا ذهب ابن عباس في آخرين. والثالث: أن الضميرَ يعودُ على المتصدِّق أيضاً، لكن المرادَ به الجاني نفسه، ومعنى كونِه متصدِّقاً أنه إذا جنى جنايةً ولم يَعْرِفْ به أحدٌ فَعَرَّف هو بنفسه كان ذلك الاعترافُ بمنزلةِ التصدُّق الماحي لذنبِه وجنايِته، قاله

стр. 2759

مجاهد، ويُحْكى عن عروة بن الزبير أنه أصاب إنساناً في طوافه فلم يَعْرف الرجلُ مَنْ أصابه، فقال له عروة:» أنا أصبتك وأنا عروة بن الزبير، فإنْ كان يعنيك شيءٌ فيها أنا ذا «، وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون» تصدَّق «من الصدَقة وأن يكون من الصِدْق. قلت: الأول واضح، والثاني معناه أنه يتَكَلَّفُ الصدق، لأن ذلك مما يَشُقُّ. وقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم﴾ يجوزُ في «مَنْ» أن تكونَ شرطيةٌ، وهو الظاهر، وأن تكون موصولةً، والفاءُ في الخبر زائدةٌ لشبهِه بالشرط. و «هم» في قوله: ﴿هُمُ الكافرون﴾ ونظائرهُ فصلٌ أو مبتدأٌ، وكلُّه ظاهرٌ مِمَّا تقدَّم في نظائره.

стр. 2760

قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِعَيسَى﴾ : قد تقدَّم معنى «قَفَّينا» وأنه من قفا يقفو أي: تبع قفاه في البقرة. وقوله: ﴿على آثَارِهِم بِعَيسَى﴾ كِلا الجارَّيْن متعلقٌ به على تضمينِه معنى «جئْنا به على آثارهم قافياً لهم» وتقدَّم أيضاً أن التضعيفَ فيه ليس للتعديةِ لعلة ذُكِرت هناك. وإيضاحُها أنَّ «قَفا» متعدٍ لواحدٍ قبلَ التضعيفُ، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإِسراء: ٣٦] ف «ما» موصولةٌ بمعنى الذي هي مفعول، وتقول العربُ: «قَفا فلانٌ أثرَ فلانٍ» أي: تَبِعه، فلو كان التضعيف للتعدِّي لتَعَدَّى إلى اثنين، فكان التركيبُ يكون: «ثم قَفَّيْنا هم عيسى بن مريم» ف «هم» مفعول ثاني و «عيسى» أول، ولكنه ضُمِّن كما تقدم، فلذلك تعدَّى بالباء و «على» . قال الزمخشري: «قَفْيْتُه» مثل: عَقَّبْتُه إذا أتبعته، ثم يقال: «قَفَّيْتُه بفلان» مثل: عَقَّبْتُه به، فتعدِّيه إلى الثاني بزيادةِ الباء. فإنْ قلت: أين المفعولُ الأول؟ قلت: هو محذوفٌ

стр. 2761

والظرفُ الذي «على آثارهم» كالسادِّ مسدِّه، لأنه إذا قَفَّى به على اثرِه فقد قَفَّى به إياه «فكلامُه هنا ينحو إلى أنَّ» قَفَّيه «مضعفاً كقفوتُه ثلاثياً ثم عَدَّاه بالباء، وهذا وإنْ كان صحيحاً من حيث إنَّ فَعًّل قد جاء بمعنى فَعَل المجرد كقَدَّر وقَدَر، إلا أنّ بعضهم زعم أن تعديةَ المتعدي لواحد لا يتعدَّى إلىثاني بالباء، لا تقول في» طعم زيد اللحمَ «:» أطعمتُ زيداً باللحم «ولكنَّ الصوابَ أنه قليل غيرُ ممتنعٍ، جاءت منه ألفاظٌ قالوا:» صَكَّ الحجُر الحجرَ «ثم يقولون: صككتُ الحجرَ بالحجرِ، و» دفع زيدٌ عمراً «ثم: دَفَعْتُ زيداً بعمرو، أي: جعلتُه دافعاً له، فكلامُه: إما ممتنع أو محمولٌ على القليل، وقد أشَرْتُ إلى منعِ أدِّعاء حذفِ المفعول من نحو: ﴿َقَفَّيْنَا﴾ [الآية: ٨٧] في البقرة فليُطلب ثَمَّة. وناقشَه الشيخ في قوله:» فقد قَفَّى به إياه «من حيث إنه أتى بالضمير المنفصل مع قدرته على المتصل، فيقول:» قَفَّيْتُه به «قال:» ولو قلت: زيدٌ ضربْتُ بسوط إياه «لم يجز إلا في ضرورة شعر، بل ضربتُه بسوط» وهذا ليس بشيء، لأن ذلك من باب قوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [النساء: ١٣١] وقد تقدَّم تحقيقه. والضمير في «آثارهم» إمَّا للنبيين لقولِه: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النبيون﴾ ، وإمَّا لِمَنْ كُتبت عليهم تلك الأحكام، والأول أظهر لقوله في موضع آخر: ﴿بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ [الحديد: ٢٧] و «مصدقاً» حال من «عيسى» قال ابن

стр. 2762

عطية «وهي حالٌ مؤكدة» وكذلك قال في «مصدقاً» الثانية، وهو ظاهرٌ فإنَّ مِنْ لازم الرَّسول والإِنجيل الذي هو كتاب إلهي أن يكونا مصدِّقَيْن. و «لِما» متعلق به، وقوله: ﴿مِنَ التوراة﴾ حال: إمَّا من الموصول وهو «ما» المجرورةُ باللام، وإمَّا من الضمير المستكنِّ في الظرف لوقوعِه صلةً، ويجوز ان تكونَ لبيانِ جنس الموصول. قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾ يجوزُ فيها وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ عطفاً على قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ فلا يكونُ لها محلُّ، كما أنا المعطوف عليه لا محلَّ له، ويجوز أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ عطفاً على «مصدقاً» الأول إذا جُعل «مصدقاً» الثاني حالاً مِنْ «عيسى» أيضاً كما سيأتي، ويجوز ان تكون الجملةُ حالاً وإنْ لم يكن «مصدقاً» الثاني حالاً من «عيسى» . وقوله: ﴿فِيهِ هُدًى﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ «فيه» وحدَه حالاً من الإِنجيل «، و» هُدى «فاعل به، لأنه لَمَّا اعتمد على ذي الحال رَفَعَ الفاعل، ويجوز أن يكون» فيه «خبراً مقدماً، و» هدى «مبتدأ مؤخرٌ والجملةُ حال،» ومصدقاً «حالٌ عطفاً على محل» فيه هدى «بالاعتبارين: أعني اعتبار أنيكون» فيه «وحدَه هو الحالَ فعطفْتَ هذه الحال عليه، وأن يكون» فيه هدى «جملةً اسميةً محلُّها النصب، و» مصدقاً «عَطْفٌ على محلها، وإلى هذا ذهب ابن عطية، إلا أنَّ هذا مرجوحٌ من وجهين، أحدهما: أنَّ أصلَ الحال أن تكونَ مفردةً والجارُّ أقربُ إلى المفرد من الجمل. الثاني: أنَّ الجملةَ الاسمية والقعة حالاً الأكثرُ أَنْ تأتيَ فيها بالواوِ وإنْ كان فيها ضميرٌ، حتى زعم / الفراء - وتَبِعه الزمخشري - أنَّ ذلك لا يجوز إلا شاذاً وكونُ» مصدقاً «هذا حالاً مِنَ» الإِنجيل «هو الظاهرُ وأجاز

стр. 2763

مكي بن أبي طالب - وتبعه أبو البقاء - أن يكون» مصدقاً «الثاني حالاً أيضاً من» عيسى «كُرِّر توكيداً. قال ابن عطية:» وهذا فيه قلقٌ من جهة اتِّساق المعاني «قلت: إذا جعلنا» وآتيناه «حالاً منه، وعَطَفْنا عليها هذه الحالَ الأخرى فلا أدري وجهَ القلق من الحيثية المذكورة؟ وقوله: ﴿وَهُدًى﴾ الجمهورُ على النصب وهو على الحال: إمَّا من الإِنجيل، عطفْتَ هذه الحال على ما قبلها، وإمَّا من» عيسى «أي: ذا هدى وموعظة أو هادياً، أو جُعِل نفسُ الهدى مبالغة. وأجاز الزمخشري أن ينتصبا على المفعول من أجله، وجعل العاملَ فيه قولَه تعالى: ﴿آتيناه﴾ قال:» وأَنْ نتصِبا مفعولاً لهما لقوله: ﴿وليحكمَ﴾ كأنه قيل: وللهدى وللموعظةِ آتنياه الإِنجيل وللحكم. وجَوَّز أبو البقاء وغيرُه أن يكونَ العاملُ فيه: «قَفَّينا» أي: فقينا للهدى والموعظة، وينبغي إذا جُعِلا مفعولاً من أجله أَنْ يُقَدَّر إسنادها إلى الله تعالى لا إلى الإِنجيل ليصِحَّ النصبُ، فإنَّ شرطَه اتحادُ المفعول له مع عاملِه فاعلاً وزماناً، ولذلك لَمَّا اختلف الفاعلُ في قوله: «وليحكم أهل الإِنجيل» عُدِّي إليه باللام، ولأنه خالفَة أيضاً في الزمان، فإنَّ زمنَ الحكم مستقبلٌ وزمنَ الأنبياءِ ماضٍ، بخلاف الهداية والموعظة فإنهما مقارنان في الزمان للإِيتاء. و «للمتقين» يجوز أن يكونَ صفة ل «موعظة» ويجوز ان تكونَ اللامُ زائدةً مقويةً، و «المتقين» مفعول «ب» موعظة، ولم تمنع تاءُ التأنيث من عمله لأنه مبنيٌّ عليها كقوله: ١٧٣ - ٢-. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2764

ورهبةٌ ... عقابَك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد تقدَّم الكلام على «الإِنجيل» واشتقاقُه وقراءةُ الحسن فيه بما أغنى عن إعادته. وقرأ الضحاك بن مزاحم: «وهدى وموعظة» بالرفع، ووجهُها أنها خبرُ ابتداء مضمر أي: وهو هدى وموعظة.

стр. 2765

قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ : قرأ الجمهورُ بسكونِ اللامِ وجزمِ الفعل بعدها على أنها لامُ الأمر سُكِّنَتْ تشبيهاً ب «كَتْف» وإن كان أصلها الكسرَ، وقد قرأ بعضُهم بهذا الأصلِ. وقرأ حمزة ﵀ بكسرِها ونصبِ الفعل بعدها، جعلها لامَ كي، فنصبَ الفعلَ بعدها بإضمار «أن» على ما تقرر غيرَ مرة، فعلى قراءة الجمهور والشاذ تكونُ جملةً مستأنفة، وعلى قراءة حمزة يجوز أن تتعلق اللام ب «آتينا» أو ب «قَفَّيْنا» إن جعلنا «هدى وموعظة» مفعولاً لهما أي: قَفَّيْنا للهدى والموعظة وللحكم، أو آتيناه الهدى والموعظةَ والحكم، وإنْ جعلناهما حالين معطوفين على «مصدقاً» تعلَّق «وليحكم» في قراءته بمحذوف دلَّ عليه اللفظ كأنه قيل: وللحكمِ آيتناه ذلك. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: فإنْ نَظَّمْتَ» هدى وموعظة «في سِلْك» مصدقاً «فما تصنعُ بقوله:» وليحكم «؟ قلت: أصنعُ به ما صنعت ب» هدى وموعظة «حيث جعلتُهما مفعولاً لهما فأقدِّر:» وليحكم أهل الإِنجيل بما أنزل الله آتيناه إياه «وقال ابن عطية قريباً من الوجه الأول - أعني كون» وليحكم «

стр. 2766

مفعولاً له عطفاً على» هدى «والعاملُ» آتيناه «الملفوظُ به - فإنه قال:» وآيتناه الإِنجيل ليتضمِّن الهدى والنورَ والتصديق وليحكم أهل الإِنجيل «قال الشيخ:» فعطفَ «وليحكم» على توهُّم علةٍ، ولذلك قال: «ليتضمن» وذكر الشيخُ قولَ الزمخشري السابقَ، وجعله أقربَ إلى الصواب من قول ابن عطية، قال: «لأنَّ الهدى الأول والنور والتصديق لم يؤتَ بها على أنها علةٌ، إنما جيء بقوله ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ على معنى كائناً فيه ذلك ومصدقاً، وهذا معنى الحال، والحالُ لا تكونُ علةً، فقوله:» ليتضمَّن كيتَ وكيت وليحكم «بعيدٌ. وقد خُتِمت الآيةُ الأولى ب» الكافرون «والثانية ب» الظالمون «والثالثة ب» الفاسقون «لمناسباتٍ ذكرَها الناس، وأحسنُ ما قيل فيها ما ذكره الشعبي من أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، وذلك أنَّ قبل الأولى» فإنْ جاؤوك فاحكُمْ «وكيف» يُحَكِّمونك «ويَحْكُم بها النبيون» وقبل الثانية: «وكَتَبْنا عليهم» وهم اليهود، وقبل الثالثة: «وليحكم أهل الإِنجيل» وهم النصارى، فكأنه خصَّ كلَّ واحدة بما يليه. وقرأ أُبيّ: «وأن ليحكم» بزيادة «أن» ، وليس موضعَ زيادتِها.

стр. 2767

قوله تعالى: ﴿بالحق﴾ : الباء يجوزُ أن تكونَ للحال من «الكتاب» أي: ملتبساً بالحق والصدق، وهي حالٌ مؤكدة، ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل أي: مصاحبِين للحق، أو حالاً من الكاف في «إليك» أي: وأنت ملتبسٌ بالحق. و «من الكتاب» تقدَّم نظيرُه. و «أل» في الكتاب الأول للعهدِ وهو القرآنُ بلا خلافٍ، وفي الثاني: يُحْتمل أن تكونَ للجنس، إذ المرادُ الكتبُ السماوية. وجَوَّز الشيخ أن تكونَ للعهد؛ إذ المراد نوعٌ

стр. 2768

معلومٌ من الكتاب، لا كلُّ ما يقع عليه هذا الاسمُ، والفرق بين الوجهين أنَّ الأولَ يحتاج إلى حذف صفة أي: الكتاب الإِلهي، وفي الثاني لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنَّ العهدَ في الاسم يتضَّمنه بجميعِ صفاته. قوله: ﴿وَمُهَيْمِناً﴾ الجمهورُ على كسر الميم الثانية، اسمَ فاعل وهو حال من «الكتاب» الأول لعطفِه على الحال منه وهي «مصدقاً» ، ويجوز في «مصدقاً» و «مهيمناً» أن يكونا حالين من كافِ «إليك» وسيأتي تحقيقُ ذلك عند ذِكْرِ قراءةِ مجاهد ﵀. و «عليه» متعلق «بمهيمِن» والمهيمِن: الرقيب: قال: ١٧٣ - ٣- إنَّ الكتابَ مهيمِنٌ لنبيِّنا ... والحقُّ يعرِفُه ذَوُو الأَلْبابِ والحافظ أيضاً، قال: ١٧٣ - ٤- مليكٌ على عرشِ السماء مهيمِنٌ ... لعزته تَعْنُو الوجوهُ وتَسْجُدُ وهو الشاهد أيضاً. واختلفوا فيه: هل هو أصلٌ بنفسه أي: ليس مبدلاً من شيء، يقال: هَيْمَن يُهَيْمن فهو مُهَيْمِن، كبَيْطَر يُبَيْطِر فهو مُبَيْطر قال أبو عبيدة: «لم يَجِيءْ في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعةُ ألفاظ:» مبيطِر ومُسَيْطر ومُهَيْمِن ومُحَيْمِر «وزاد أبو القاسم الزجاجي في شَرْحه

стр. 2769

لخطبة» أدب الكاتب «لفظاً خامساً وهو:» مُبَيْقِر، اسمَ فاعل مِنْ بَيْقَر يُبَيْقِرُ أي خَرَج من أفق إلى أفق، أو البُقَّيْرى وهي لعبةٌ معروفة للصبيان، وقيل: إنَّ هاء مبدلة من همزة وأنه اسمُ فاعل من آمنَ غيرَه من الخوفِ، والأصلُ: «مُأَأْمِن» بهمزتين / أُبْدِلت الثانيةُ ياءً كراهيةَ اجتماعِ همزتين ثم أُبْدلت الأولى هاءً ك هراق وهَراح وهَبَرْتُ الثوب في: أراق وأراح وأَبَرْت الثوب، وهذا ضعيفٌ أو فيه تكلفٌ لا حاجةَ إليه، مع أنَّ له أبنيةً يمكنُ إلحاقه بها كمُبَيْطِر وإخوانِه، وأيضاً فإن همزة «مُأَأْمِن» اسمَ فاعل من «آمن» قاعدتُها الحذفُ فلا يُدَّعى فيها أُثْبِتَتْ ثم أُبْدِلَت هاءً، هذا ما لا نظير له. وقد سقطَ ابنُ قتيبة سقطةً فاحشة حيث زعم أن «مُهَيْمِناً» مصغرٌ، وأن أصله «مُؤَيْمِن» تصغيرُ «مُؤْمن» اسمَ فاعل، ثم قُلبت همزتُه هاء كهَراق، ويُعْزى ذلك لأبي العباس المبرد أيضاً. إلاَّ أنَّ الزجاج قال: «وهذا حسنٌ على طريقِ العربية، وهو موافقٌ لِما جاء في التفسير من أنَّ معنى مُهَيْمن: مُؤْمن» وهذا الذي قال الزجاج [واستحسنه أنكره الناسُ عليه وعلى المبرد ومَنْ تَبِعَهما] ، ولما بلغ أبا العباس ثعلباً هذا القولُ أنكره أشدَّ إنكار وأنحى على ابن قتيبة وكتب إليه: أَنِ اتقِ الله فإن هذا كفرٌ أوما أشبهه، لأن أسماء الله تعالى لا تُصَغَّر وكذلك كل اسمٍ معظَّم شرعاً. وقال ابن عطية: «إن النقاش حَكَى أنَّ ذلك لَمَّا بلغ ثعلباً فقال: إنَّ ما قاله ابنُ قتيبة رديءٌ باطل، والوثوبُ على القرآن شديد، وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف، وإنما جمع الكتب من هَوَسٍ غلبه» [وقال أبو البقاء: «وأصل مُهَيْمن: مُؤْيْمِن لأنه مشتق من

стр. 2770

الأمانة لأن المهيمنَ الشاهدُ، وليس في الكلام» هَيْمن «حتى تكون الهاء أصلاً» وهذا الذي قاله لي بشيء لِما تقدم من حكايةِ أهلا للغة هَيْمَن] وغايةُ ما في الباب أنهم لم يَسْتعملوه إلا مزيداً فيه الياءُ كبَيْطر وبابِه. وقرأ ابن محيصن ومجاهد: «ومُهَيْمَنا» بفتح الميم الثانية على أنه اسمُ معفولٍ بمعنى أنه حوفظ عليه من التبديل والتغيير، والفاعل هو الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أو لحافظ له في كل بلد، حتى إنه إذا غُيِرت منه الحركةُ تنبَّه لها الناسُ ورَدُّوا على قارئِها بالصواب، والضمير في «عليه» على هذه القراءة عائد على الكتاب الأول، وعلى القراءةِ المشهورة عائد على الكتاب الثاني. وروي ابن أبي نجيح عن مجاهد قراءته بالفتح وقال: «معناه: محمد مُؤْتَمَنٌ على القرآن» قال الطبري: «فعلى هذا يكون» مهيمناً «حالاً من الكاف في» إليك «وطَعَن على هذا القول لوجود الواو في» ومهيمنا «لأنها عطف على» مصدقاً «و» مصدقاً «حال من الكتاب لا حال من الكاف؛ إذ لو كان حالاً منها لكان التركيب:» لما بين يديك «بالكاف. قال الشيخ:» وتأويلُه على أنه من الالتفات من الخطاب إلى الغيبة بعيدٌ عن نظم القرآن، وتقديره: «وجعلناك يا محمد مهيمناً» أبعدُ «يعني أن هذين التأويلين يصلحان أن يكونا جوابين عن قول مجاهد، لكن الأول بعيدٌ والثاني
следующие страницы →