← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

والخَيْرات: جمع خَيْرة على فَعْلة بسكون العين وهو المستحسَنْ من كل شيء، وغَلَبَ استعمالُه في النساء، ومنه قوله تعالى: ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ وقول الشاعر: ٢٥٢٨ - ولقد طَعَنْتُ مَجامِع الرَّبَلاتِ ... رَبَلاتِ هندٍ خَيْرةٍ الملَكاتِ

стр. 4377

قوله تعالى: ﴿المعذرون﴾ : قُرىء بوجوهٍ كثيرة، فمنها قراءة الجمهور: فَتْحُ العين وتشديدُ الذال. وهذه القراءة تحتمل وجهين: أن يكون وزنه فَعَّل مضعّفاً، ومعنى التضعيف فيه التكلف، والمعنى: أنه تَوَهَّم أن له عُذْراً، ولا عُذْرَ له. والثاني: أن يكون وزنه افتعل والأصل: اعتذرَ فأُدْغمت التاءُ في الذال بأنْ قُلبت تاءُ الافتعال ذالاً، ونُقِلت حركتها إلى الساكن قبلها وهو العين، ويدلُّ على هذا قراءةُ سعيد بن جبير «المعتذرون» على الأصل. وإليه ذهب الأخفش والفراء وأبو عبيدة وأبو حاتم والزجاج.

стр. 4378

وقرأ زيدٌ بن علي والضحاك والأعرج وأبو صالح وعيسى بن هلال وهي قراءةُ ابنِ عباس أيضاً ويعقوب والكسائي «المُعْذِرون» بسكون العين وكسرِ الذال مخففةً مِنْ أَعْذَر يُعْذِر كأكرم يكرم. وقرأ مسلمة «المُعَّذَّرون» بتشديد العين والذال مِنْ تعذَّر بمعنى اعتذر. قال أبو حاتم: «أراد المتعذرون، والتاء لا تدغم في العين لبُعْد المخارج، وهي غلطٌ منه أو عليه» . قوله: ﴿لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ متعلقٌ ب «جاء» وحُذِفَ الفاعلُ وأُقيم الجارُّ مُقَامه للعلمِ به، أي: ليأذن لهم الرسول. وقرأ الجمهور «كَذَبوا» بالتخفيف، أي: كذبوا في إيمانهم. وقرأ الحسن في المشهور عنه وأُبَيٌّ وإسماعيل «كذَّبوا» بالتشديد، أي: لم يُصَدِّقُوا ما جاء به الرسول عن ربه ولا امتثلوا أمره.

стр. 4379

وقرأ أبو حيوة: «نصحوا اللَّهَ» بدون لام، وقد تقدم أن «نَصَح» يتعدَّى بنفسِه وباللام. وقوله: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ فاعل بالجارِّ لاعتماده على النفي، ويجوز أن يكونَ مبتدأً والجارُّ قبلَه خبرُه، وعلى كلا القولين ف «مِنْ» مزيدةٌ فيه، أي: ما على المحسنين سبيل. قال بعضُهم: وفي هذه الآيةِ نوعٌ من البديع يسمى التمليح وهو: أن يُشارَ إلى قصةٍ مشهورة أو مثلٍ سائرٍ أو شعر نادر في فحوى كلامك من غير ذِكْره، ومنه قوله:

стр. 4380

٢٥٢٩ - اليومَ خمرٌ ويبدو بعده خَبَرٌ ... والدهرُ مِنْ بين إنعامٍ وإبْآسِ يشير لقول امرىء القيس لَمَّا بلغه قَتْلُ أبيه: «اليومَ خمرٌ وغداً أمره» ، وقول الآخر: ٢٥٣٠ - فواللَّهِ ما أدري أأحلامُ نائمٍ ... أَلَمَّت بنا أم كان في الركب يوشَعُ يُشير إلى قصة يوشع ﵇ واستيقافه الشمس. وقول الآخر: ٢٥٣١ - لعَمْروٌ مع الرَّمْضاءِ والنارُ تَلْتَظِي ... أرقُّ وأحفى منكَ في ساعة الكَرْبِ أشار إلى البيت المشهور: ٢٥٣٢ - المستجيرُ بعمروٍ عند كُرْبته ... كالمستجير مِنَ الرَّمْضاءِ بالنار وكأن هذا الكلامَ وهو «ما على المحسنين من سبيل» اشتهُر ما هو بمعناه بين الناس، فأشار إليه مِنْ غير ذكر لفظه. ولمَّا ذكر الشيخ التمليح لم يُقَيِّده بقوله «من غير ذكره» ولا بد منه، لأنه إذا ذكره بلفظه كان اقتباساً وتضميناً.

стр. 4381

قوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الذين﴾ : فيه أوجه، أحدها: أن يكون معطوفاً على «الضعفاء» ، أي: ليس على الضعفاء ولا على الذين إذا

стр. 4382

ما أَتَوْك، فيكونون داخلين في خبر ليس، مُخبراً بمتعلقهم عن اسمِها وهو «حَرَج» . الثاني: أن يكون معطوفاً على «المحسنين» فيكونون داخلين فيما أَخْبر به عن قوله «من سبيل» ، فإنَّ «مِنْ سبيل» يحتمل أن يكون مبتدأً، وأن يكون اسمَ «ما» الحجازية، و «مِنْ» مزيدةٌ في الوجهين. الثالث: أن يكون ﴿وَلاَ عَلَى الذين﴾ خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: ولا على الذين إذا ما أتوك إلى آخرِ الصلةِ حرجٌ أو سبيل، وحُذِفَ لدلالةِ الكلامِ عليه، قاله أبو البقاء، ولا حاجةَ إليه لأنه تقديرٌ مُسْتغنىً عنه، إذ قد قَدَّر شيئاً يقومُ مقامَه هذا الموجودُ في اللفظ والمعنى. وهذا الموصولُ يحتمل أن يكونَ مندرجاً في قوله ﴿وَلاَ عَلَى / الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾ وذُكِروا على سبيل نفي الحرج عنهم وأن لا يكونوا مندرجين، بأن يكون هؤلاء وجدوا ما ينفقون، إلا أنهم لم يجدوا مَرْكوباً. وقرأ معقل بن هرون «لنَحْملهم» بنونِ العظمة. وفيها إشكالٌ، إذ كان مقتضى التركيبِ: قلت لا أجدُ ما يَحْملكم عليه الله. قوله: «قلت» فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه جوابُ «إذا» الشرطية، و «إذا» ، وجوابُها في موضعِ الصلة، وقعت الصلةُ جملةً شرطيةً، وعلى هذا فيكون قوله «تَوَلَّوا» جواباً لسؤالٍ مقدرٍ، كأن قائلاً قال: «ما كان حالُهم إذا أُجيبوا بهذا الجواب؟ فأُجيب بقوله» تولُّوا «. الثاني: أنه في موضع نصب على الحال من كاف» أَتَوْك «، أي: إذا أَتَوْك وأنت قائلٌ: لا أجدُ ما أحملكم عليه، و» قد «مقدرة عند مَنْ يشترط ذلك في الماضي الواقع حالاً كقوله: ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] في أحد أوجهه، كما تقدم تحقيقه، وإلى

стр. 4383

هذا نحا الزمخشري. الثالث: أن يكونَ معطوفاً على الشرط، فيكونَ في محلِّ جرٍ بإضافة الظرف إليه بطريق النَّسَق، وحُذِفَ حرفُ العطفِ، والتقدير: وقلت: وقد تقدم لك كلامٌ في هذه المسألةِ وما استشهد الناس به عليها. وإلى هذا ذهب الجرجانيُّ، وتبعه ابن عطية، إلا أنه قدَّر العاطفَ فاءً، أي: فقلت. الرابع: أن يكونَ مستأنفاً. قال الزمخشري:» فإنْ قلت: هل يجوزُ أن يكونَ قولُه «قلت لا أجدُ» استئنافاً مثله «يعني مثل ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف﴾ كأنه قيل: إذا ما أَتَوْك لتحملهم تَوَلَّوا، فقيل: ما لهم تَوَلَّوا باكين [فقيل] قلت: لا أجد ما أحملكم عليه، إلا أنه وسطٌ بين الشرطِ والجزاءِ كالاعتراض. قلت: نعم ويَحْسُن «انتهى. قال الشيخ:» ولا يجوزُ ولا يَحْسُن في كلام العرب فكيف في كلام الله؟ وهو فَهْمُ أعجميٍّ «. قلت: وما أدري ما سَبَبُ منعه وعدم استحسانه له مع وضوحه وظهوره لفظاً ومعنى؟ وذلك لأن تولِّيَهم على حاله، فيصير الدمع ليس مترتباً على مجردِ مجيئهم له ﵇ ليحملَهم، بل على قوله لهم ﴿لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ﴾ ، وإذا كان كذلك فقوله ﵇ لهم ذلك سببٌ في بكائهم، فَحَسُن أن يُجْعَلَ قوله ﴿قُلْتَ: لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ﴾ جواباً لمَنْ سأل عن علِة تَوَلِّيهم وأعينُهم فائضةٌ دمعاً، وهو المعنى الذي قَصَدَه أبو القاسم. وعلى هذه الأوجهِ الثلاثة التي قَدَّمتها في» قلت «يكون جوابه قوله» تولَّوا «، وقوله»

стр. 4384

لتحملَهم «علةٌ ل» أَتَوْك «. وقوله» لا أجد «هي المتعديةُ لواحدٍ لأنها من الوُجْد. و» ما «يجوز أن تكونَ موصولةً أو موصوفةً. قوله: ﴿وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ فاعل» تَوَلَّوا «، قال الزمخشري:» تفيضُ من الدمع «كقولك: تفيض دمعاً، وقد تقدَّم هذا في المائدة مستوفىً عند قوله: ﴿ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع﴾ [التوبة: ٨٣] وأنه جعل» من الدمع «تمييزاً، و» مِنْ «مزيدةً، وتقدَّم الردُّ عليه في ذلك هناك فعليك بالالتفات إليه. قوله: ﴿حَزَناً﴾ في نصبه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه مفعولٌ مِنْ أجله والعاملُ في» تفيض «قاله الشيخ. لا يُقال إن الفاعلَ هنا قد اختلف، فإن الفَيْضَ مسند للأعين والحزنَ صادرٌ من أصحاب الأعين، وإذا اختلف الفاعل وَجَبَ جرُّه بالحرف لأنَّا نقول: إن الحزنَ يُسْنَدُ للأعين أيضاً مجازاً يقال: عين حزينةٌ وسخينة، وعين مسرورةٌ وقريرة في ضدِّ ذلك. ويجوز أن يكونَ الناصب له» تَوَلَّوا «وحينئذٍ يتحد فاعلا العلةِ والمعلول حقيقةً. الثاني: أنه في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: تَوَلَّوا حزينين أو تفيض أعينُهم حزينةً على ما تقدَّم من المجاز. الثالث: أنه مصدر ناصبُه مقدرٌ مِنْ لفظِه، أي: يحزنون حزناً قاله أبو البقاء. وهذه/ الجملةُ التي قدَّرها ناصبة لهذا المصدر هي أيضاً في محلِّ نصبٍ على الحال: إمَّا من فاعل» تَوَلَّوا «وإمَّا من فاعل» تفيض «. قوله: ﴿أَلاَّ يَجِدُواْ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ من أجله، والعامل فيه» حَزَناً «إنْ أعربناه مفعولاً له أو حالً، وأمَّا إذا أعربناه مصدراً فلا،

стр. 4385

لأن المصدر لا يعمل إذا كان مؤكداً لعامِله، وعلى القول بأنَّ» حَزَناً «مفعول من أجله يكون» أن لا يَجِدوا «علةً العلة، يعني أنه يكون عَلَّلَ فيْضَ الدمع بالحزن، وعَلَّل الحزن بعدم وُجْدان النفقة، وهذا واضحٌ، وقد تقدَّم لك نظيرُ ذلك في قوله ﴿جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله﴾ [المائدة: ٣٨] . والثاني: أنه متعلق ب» تفيض «. قال الشيخ:» قال أبو البقاء: «ويجوز أن يتعلَّق ب» تفيض «. ثم قال الشيخ:» ولا يجوز ذلك على إعرابه «حزناً» مفعولاً له، والعامل فيه «تفيض» ، إذ العاملُ لا يقتضي اثنين من المفعول له إلا بالعطف أو البدل «.

стр. 4386

قولُه تعالى: ﴿رَضُواْ﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنه مستأنفٌ كأنه قال قائل: ما بالُهم استأذنوا في القعود وهم قادرون على الجهاد؟ فَأُجيب بقوله «رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالِفِ» . وإليه مال الزمخشري. والثاني: أنه في محل نصبٍ على الحال و «قد» مقدرةٌ في قوله [ «رَضُوا» ] . وقوله: ﴿وَطُبَعَ﴾ نسقٌ على «رضُوا» تنبيهاً على أن السببَ في تخلُّفهم رضاهم بقعودهم وطَبْعُ الله على قلوبهم. وقوله ﴿إِنَّمَا السبيل على﴾ فأتى ب «على» وإن كان قد يَصِل ب «إلى» لفَرْقٍ ذكروه: وهو أنَّ «على» تدل على الاستعلاء وقلة مَنَعَة مَنْ تدخل عليه نحو: لي سبيل عليك، ولا سبيلَ لي عليك، بخلافِ «إلى» . فإذا قلت: «

стр. 4387

لا سبيل عليك» فهو مغايرٌ لقولِك: لا سبيلَ إليك. ومن مجيء «إلى» معه، قوله: ٢٥٣٣ - ألا ليت شِعْري هل إلى أمِّ سالمٍ ... سبيلٌ فأمَّا الصبرُ عنها فلا صبرا وقوله: ٢٥٣٤ - هل من سبيلٍ إلى خَمْرٍ فأشربَها ... أم من سبيل إلى نَصْرِ بن حَجَّاجِ

стр. 4388

قوله تعالى: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ : فيها وجهان، أحدهما: أنها المتعديةُ إلى مفعولين أولهما «ن» والثاني: قوله «مِنْ أخباركم» . وعلى هذا ففي «مِنْ» وجهان، أحدهما: أنها غيرُ زائدةٍ، والتقدير: قد نَبَّأنا اللَّهُ أخباراً مِنْ أخباركم، أو جملةً من أخباركم، فهو في الحقيقة صفةٌ للمفعول المحذوف. والثاني: أن «مِنْ» مزيدةٌ عند الأخفش لأنه لا يَشْترط فيها شيئاً. والتقدير: قد نبَّأنا الله أخباركم. الوجه الثاني من الوجهين الأوَّلَيْن: أنها متعديةٌ لثلاثة ك أعلم، فالأولُ والثاني ما تقدَّم، والثالث محذوف اختصاراً للعلم به والتقدير: نَبَّأنا الله مِنْ أخباركم كَذِباً ونحوه. قال أبو البقاء: «قد تتعدَّى إلى ثلاثةٍ، والاثنان الآخران محذوفان، تقديره: أخباراً مِنْ أخباركم مُثْبَتَة، و» مِنْ أخباركم «تنبيه على المحذوف وليست» مِنْ «زائدة، إذ لو كانت زائدة لكانت مفعولاً ثانياً، والمفعول الثالث محذوفٌ، وهو خطأ لأن المفعول الثاني متى ذُكِر في هذا

стр. 4389

البابِ لَزِم ذِكْرُ الثالث. وقيل:» مِنْ «بمعنى عن» . قلت: قوله: «إنَّ حذف الثالث خطأ» إنْ عنى حَذْفَ الاقتصارِ فمسَلَّم، وإن عنى حَذْفَ الاختصار فممنوعٌ، وقد مَرَّ بك في هذه المسألة مذاهبُ الناس.

стр. 4390

قوله تعالى: ﴿جَزَاءً﴾ : يجوز أن ينتصبَ على المصدر بفعل مِنْ لفظه مقدرٍ، أي: يُجْزَوْنَ جزاء، وأن ينتصب بمضمونِ الجملة السابقة لأنَّ كونَهم يَأْوُوُن في جهنم في معنى المجازاة. ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله.

стр. 4391

قوله تعالى: ﴿الأعراب﴾ : صيغة جمعٍ وليس جمعاً لعرب قاله سيبويه؛ وذلك لئلا يلزمَ أن يكونَ الجمعُ أخصَّ من الواحد، فإن العرب هذا الجيل الخاص سواء سكن البوادي أم سكن القرى، وأما الأعرابُ فلا يُطْلق إلى على مَنْ يَسْكن البواديَ فقط. وقد تقدَّم لك في أوائل هذا الموضوع عند قوله تعالى: ﴿رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ١] ، ولهذا الفرقِ نُسِب إلى الأعراب على لفظه فقيل: أعرابيّ. ويُجْمع/ على أعاريب. وقوله: ﴿وَأَجْدَرُ﴾ ، أي: أحقُّ وأَوْلى، يقال: هو جديرٌ وأجدر وحقيق وأحقّ وقمين وأَوْلى وخليق بكذا، كلُّه بمعنى واحد. قال الليث: «جَدَر يَجْدُر جَدارةً فهو جديرٌ، ويؤنَّث ويثنَّى ويُجمع قال الشاعر: ٢٥٣٥ - بِخَيْلٍ عليها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ... جديرون يوماً أن يَنَالوا وَيَسْتَعْلوا وقد نبَّه الراغب على أصلِ اشتقاقِ هذه المادة وأنها من الجِدار أي

стр. 4392

الحائط، فقال:» والجديرُ: المنتهى لانتهاء الأمر إليه انتهاءَ الشيء إلى الجدار «والذي يظهر أن اشتقاقَه مِنَ الجَدْر وهو أصل الشجرة فكأنه ثابت كثبوت الجَدرْ في قولك» جدير بكذا «. قوله: ﴿أَلاَّ يَعْلَمُواْ﴾ ، أي: بأن لا يَعْلموا فحذف حرفَ الجر فجرى الخلافُ المشهور بين الخليل والكسائي مع سيبويه والفراء.

стр. 4393

قوله تعالى: ﴿مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً﴾ : «مَنْ» مبتدأ وهي: إمَّا موصولةٌ وإمَّا موصوفةٌ. ومَغْرَماً مفعول ثانٍ لأنَّ «اتخذ» هنا بمعنى صَيَّر. والمَغْرَمُ: الخُسْران، مشتق مِنَ الغَرام وهو الهلاك لأنه سيئةٌ، ومنه ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [الفرقان: ٦٥] . وقيل: أصلُه الملازمةُ ومنه «الغَريمُ» للزومه مَنْ يطالبه. قوله: ﴿وَيَتَرَبَّصُ﴾ عطفٌ على «يَتَّخِذ» فهو: إمَّا صلة وإمَّا صفة. والتربُّصُ: الانتظار. والدوائر: جمعُ دائرة، وهي ما يُحيط بالإِنسان مِنْ مصيبة ونكبة، تصوُّراً من الدائرة المحيطةِ بالشيء من غير انفلاتٍ منها. وأصلها داوِرَة لأنها مِنْ دار يدور، أي: أحاط. ومعنى «تربُّص الدوائر» ، أي: انتظار المصائب قال: ٢٥٣٦ - تَرَبَّصْ بها رَيْبَ المَنون لعلها ... تُطَلَّقُ يوماً أو يموتُ حليلُها قوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء﴾ هذه الجملةُ معترضة بين جمل هذه القصة وهي دعاءٌ على الأعراب المتقدمين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا «السُّوء»

стр. 4394

وكذا الثانية في الفتح بالضم، والباقون بالفتح. وأما الأولى في الفتح وهي «ظنَّ السَّوْ» فاتفق على فتحها السبعة. فأما المفتوح، فقيل: هو مصدر. قال الفراء: «يقال: سُؤْتُه سُوْءاً ومَساءةً وسَوائِية ومَسَائِية، وبالضم الاسم» قال أبو البقاء: «وهو الضَّرر وهو مصدر في الحقيقة» . قلت: يعني أنه في الأصل كالمفتوح في أنه مصدرٌ ثم أُطْلِق على كل ضررٍ وشرٍّ. وقال مكي: «مَنْ فتح السينَ فمعناه الفساد والرداءة، ومَنْ ضمَّها فمعناه الهزيمةُ والبلاءُ والضرر» . وظاهر هذا أنهما اسمان لِما ذكر، ويحتمل أن يكونا في الأصل مصدراً ثم أُطْلِقا على ما ذكر. وقال غيرُه: الضموم: العذاب والضرر، والمفتوح: الذم، ألا ترى أنه أْجُمع على فتح ﴿ظَنَّ السوء﴾ [الفتح: ٦] وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] ولا يليق ذِكْرُ العذاب بهذين الموضعين. وقال الزمخشري فأحسن: «المضموم: العذاب، والمفتوحُ ذمٌّ لدائرة، كقولك:» رجلُ سَوْء «في نقيض» رجل عدل «، لأنَّ مَنْ دارَتْ عليه يَذُمُّها» يعني أنها من باب إضافة الموصووف إلى صفته فوُصِفَتْ في الأصل بالمصدر مبالغةً، ثم أُضِيْفَتْ لصفتِها كقولِه تعالى: ﴿مَا كَانَ

стр. 4395

أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] . قال الشيخ: «وقد حُكي بالضم» وأنشد: ٢٥٣٧ - وكنت كذئبِ السُّوء لمَّا رأى دماً ... بصاحبه يوماً أحال على الدَّم وفي الدائرة مذهبان أظهرهُما: أنها صفةٌ على فاعِلة كقائمة. وقال الفارسي: «إنها يجوز أن تكون مصدراً كالعافية» . وقوله: ﴿بِكُمُ الدوائر﴾ فيه وجهان، أظهرهُما: أن الباء متعلقة بالفعلِ قبلها. والثاني: أنها حالٌ من «الدوائر» قاله أبو البقاء. وليس بظاهرٍ، وعلى هذا فيتعلَّقُ/ بمحذوف على ما تقرر غير مرة.

стр. 4396

قوله تعالى: ﴿قُرُبَاتٍ﴾ : مفعولٌ ثان ليتخذ كما مرَّ في «مَغْرَما» . ولم يختلف قُرَّاء السبعة في ضم الراء من «قُرُبات» مع اختلافهم في راء «قربة» كما سيأتي، فيحتمل أن تكون هذه جمعاً لقُرُبة بالضم كما هي قراءة ورش عن نافع، ويحتمل أن تكون جمعاً للساكنها، وإنما ضُمَّت اتباعاً ل «غرفات» وقد تقدم التنبيه على هذه القاعدة وشروطها عند قوله تعالى ﴿فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [الآية: ١٧] أولَ البقرة. قوله: ﴿عِندَ الله﴾ في هذا الظرفِ ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه متعلقٌ ب «يَتَّخذ» . والثاني: أنه ظرف ل «قربات» قاله أبو البقاء، وليس بذاك. الثالث: أنه متعلقٌ بمحذوف لأنه صفةٌ ل «قربات» . قوله: ﴿وَصَلَوَاتِ الرسول﴾ فيه وجهان أظهرهما: أنه نسق على «قربات» وهو ظاهرُ كلام الزمخشري فإنه قال: «والمعنى أنَّ ما ينفقه سببٌ لحصور القربات عند الله» وصلوات الرسول «لأنه كان يدعو للمتصدِّقين بالخير كقوله:» اللهم صل على آل أبي أوفى «والثاني: وجَوَّزَه ابن عطية

стр. 4397

ولم يذكر أبو البقاء غيره أنها منسوقةٌ على» ما ينفق «، أي: ويتخذ بالأعمال الصالحة وصلوات الرسول قربة. قوله: ﴿ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ﴾ الضمير في» إنها «قيل: عائد على» صلوات «وقيل: على النفقات أي المفهومة من» يُنفقون «. وقرأ ورش» قُرُبَة «بضم الراء، والباقون بسكونها فقيل: لغتان. وقيل: الأصل السكون والضمة إتباع، وهذا قد تقدم لك فيه خلاف بين أهل التصريف: هل يجوز تثقيل فُعْل إلى فُعُل؟ وأن بعضَهم جعل عُسُراً يُسُراً بضم السين فَرْعين على سكونها. وقيل: الأصل قُرُبة بالضم، والسكون تخفيف، وهذا أَجْرى على لغة العرب إذ مبناها الهرب مِنَ الثِّقَل إلى الخفة. وفي استئناف هذه الجملة وتصدُّرِها بحرفَيْ التنبيه والتحقيق المُؤْذنين بثبات الأمر وتمكُّنه شهادةٌ من الله بصحة ما اعتقده من إنفاقه، قال معناه الزمخشري قال:» وكذلك سيُدْخلهم، وما في السين من تحقيق الوعد «.

стр. 4398

قوله تعالى: ﴿والسابقون﴾ : فيه وجهان، أظهرهما: أنه مبتدأ، وفي خبره ثلاثة أوجه، أحدُهما وهو الظاهر أنه الجملة الدعائية من قوله: «﵃» . والثاني: أن الخبر قوله: «الأوَّلون» والمعنى: والسابقون أي بالهجرة [هم] الأوَّلون مِنْ أهل هذه المِلَّة، أو السابقون إلى

стр. 4399

الجنة الأولون من أهل الهجرة. الثالث: أن الخبرَ قولُه: ﴿مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ والمعنى فيه الإِعلام بأن السَّابقين من هذه/ الأمة من المهاجرين والأنصار، ذكر ذلك أبو البقاء، وفي الوجهين الأخيرين تكلُّفٌ. الثاني من وجهي «السابقين» : أن يكون نَسَقاً على ﴿مَن يُؤْمِنُ بالله﴾ أي: ومنهم السابقون. وفيه بُعْدٌ. والجمهورُ على جَرِّ «الأنصار» نسقاً على المهاجرين. يعني أن السابقين من هذين الجنسين. وقرأ جماعة كثيرة أَجِلاَّء: عمر بن الخطاب وقتادة والحسن وسلام وسعيد بن أبي سعيد وعيسى الكوفي وطلحة ويعقوب: «والأنصارُ» برفعها. وفيه وجهان أحدهما: أنه مبتدأ، وخبرُه «﵃» . والثاني: عطف على «السابقون» . وقد تقدم ما فيه فيُحكم عليه بحكمه. قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ متعلقٌ بمحذوف؛ لأنه حالٌ من فاعل «اتَّبعوهم» . وكان عمر بن الخطاب ﵁ يرى أن الواوَ ساقطةٌ من قوله: «والذين اتبعوهم» ويقول: إن الموصول صفةٌ لمن قبله، حتى قال له زيد بن ثابت إنها بالواو فقال: ائتوني بأُبَيّ. فأتَوه به فقال له: تصديق ذلك في كتاب الله في أول الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ [الآية: ٣] ، وأوسط الحشر: ﴿والذين

стр. 4400

جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الآية: ١٠] ، وآخر الأنفال: ﴿والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ﴾ [الآية: ٧٥] . ورُوِي أنه سمع رجلاً يقرؤها بالواو فقال: مَنْ أقرأك؟ قال: أُبَيّ. فدعاه فقال: أَقْرَأنيه رسولُ الله ﷺ وإنك لتبيع القَرَظ بالبقيع. قال: صَدَقْتَ وإن شئت قل: شهدنا وغِبْتم، ونَصَرْنا وخَذَلْتم، وآوَيْنا وطَرَدْتم. ومن ثَمَّ قال عمر: لقد كنتُ أرانا رُفِعْنا رَفْعةً لا يَبْلُغها أحدٌ بعدنا. وقرأ ابن كثير: ﴿تجري من تحتها﴾ ب «مِنْ» الجارة، وهي مرسومةٌ في مصاحف مكة. والباقون «تحتها» بدونها، ولم تُرْسَمْ في مصاحفهم، وأكثرُ ما جاء القرآن موافقاً لقراءة ابن كثير هنا: ﴿تجري مِنْ تحتها﴾ في غير موضع.

стр. 4401

قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ : خبر مقدم. و «منافقون» مبتدأ، و «مَنْ» يجوز أن تكون الموصولةَ والموصوفة، والظرف صلة أو صفة. وقوله: ﴿مِّنَ الأعراب﴾ لبيان الجنس. وقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ المدينة﴾ يجوز أن يكونَ نسقاً على «مَنْ» المجرورة ب «مِنْ» فيكونَ المجروران مشتركَيْن في الإِخبارِ عن المبتدأ وهو «منافقون» ، كأنه قيل: المنافقون من قومٍ حولَكم ومِنْ أهل المدينة، وعلى هذا هو من عطف المفردات إذ عَطَفَتْ خبراً على خبر، وعلى هذا فيكون قوله «مَرَدُوا» مستأنفاً لا محلَّ له. ويجوز أن يكون الكلامُ تمَّ عند قوله «منافقون» ، ويكون قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ المدينة﴾ خبراً مقدماً، والمبتدأ بعده محذوفٌ قامت صفتُه مَقامه/ وحَذْفُ الموصوفِ وإقامةُ صفتِه

стр. 4402

مُقامَه وهي جملة مطردُ مع «مِنْ» التبعيضية وقد مَرَّ تحريره نحو «منا ظَعَن ومنا أقام» والتقدير: ومن أهلِ المدينة قومٌ أو ناسٌ مردوا، وعلى هذا فهو من عطفِ الجمل. ويجوز أن يكون «مَرَدُوا» على الوجه الأول صفةً ل «مافقون» ، وقد فُصِل بينه وبين صفته بقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ المدينة﴾ . والتقدير: وممَّن حولَكم ومِنْ أهلِ المدينة منافقون ماردون. قال ذلك الزجاج، وتبعه الزمخشري وأبو البقاء أيضاً. واستبعده الشيخ للفصلِ بالمعطوف بين الصفة وموصوفها، قال: «فيصير نظيرَ:» في الدار زيدٌ وفي القصرِ العاقلُ «يعني فَفَصَلْتَ بين زيد والعاقل بقولك:» وفي القصر «. وشبَّه الزمخشري حَذْفَ المبتدأ الموصوف في الوجه الثاني وإقامة صفته مُقامَه بقولِه: ٢٥٣٨ - أنا ابنُ جلا. . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الشيخ:» إن عنى في مطلق حذف الموصوف فَحَسَنٌ، وإن كان شبَّهه به في خصوصيته فليس بحسنٍ؛ لأن حَذْفِ الموصوف مع «مِنْ» مطردٌ، وقوله: «أنا ابن جلا» ضرورة كقوله: ٢٥٣٩ - يَرْمِي بكفَّيْ كان مِنْ أَرْمَى البشَرْ ...

стр. 4403

قلت: البيتُ المشار إليه هو قوله: ٢٥٤٠ - أنا ابن جَلا وطَلاَّعُ الثَّنايا ... متى أَضَعِ العِمامةَ تعرفونِي وللنحاةِ في هذا البيت تأويلات، أحدها: ما تقدم. والآخر: أن هذه الجملة محكية لأنها قد سُمِّي بها هذا الرجل، فإنَّ «جلا» فيه ضمير فاعل، ثم سُمِّيَ بها وحُكِيَتْ كما قالوا: «شاب قَرْناها» و «ذرى حَبَّا» وقوله: ٢٥٤١ - نُبِّئْتُ أخوالي بني يزيدُ ... ظُلْماً علينا لهمُ فَدِيدُ والثالث: وهو مذهب عيسى بن عمر أنه فعلٌ فارغ من الضمير، وإنما لم يُنَوَّنْ لأنه عنده غيرُ منصرفٍ فإنه يُمْنع بوزن الفعل المشترك، فلو سُمِّي بضرب وقتل مَنَعَهما. أمَّا مجردُ الوزنِ من غير نقلٍ مِنْ فعل فلا يُمنع به البتةَ نحو جَمَل وجَبَل. و «مَرَدوا» أي: مَهَروا وتمرَّنوا. وقد تقدم الكلام على هذه المادة في النساء عند قوله: ﴿شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ [الآية: ١١٧] . قوله: ﴿لاَ تَعْلَمُهُمْ﴾ هذه الجملةُ في محلِّ رفعٍ أيضاً صفة ل «منافقون» ويجوز أن تكونَ مستأنفةً، والعلم هنا يحتمل أن يكونَ على بابه فيتعدَّى لاثنين أي: لا نعلمهم منافقين، فحذف الثاني للدلالة عليه بتقدُّم ذِكْرِ المنافقين، ولأن النافقَ من صفات القلب لا يُطَّلع عليه. وأن تكون العِرْفانية فتتعدَّى لواحد، قاله أبو البقاء. وأمَّا «نحن نعلمهم» فلا يجوز أن تكون إلا على

стр. 4404

بابها لبحثٍ ذكرتُه لك في الأنفال، وإن كان الفارسيُّ في «إيضاحه» صرَّح بإسناد المعرفة إليه تعالى، وهو محذورٌ لِما عرفته. وقوله: ﴿مَّرَّتَيْنِ﴾ قد تقدَّم الكلام في نصب «مرة» وأنه من وجهين: إمَّا المصدريةِ وإمَّا الظرفيةِ فكذلك هذا. وهذه التثنية يحتمل أن يكون المرادُ بها شَفْعَ الواحد وعليه الأكثر، واختلفوا في تفسيرهما، وأن لا يراد بها التثنية الحقيقية بل يُراد بها التكثيرُ كقوله تعالى: ﴿فارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أي: كَرَّاتٍ، بدليل قوله: «ينقلبْ إليك البصرْ خاسئاً وهو حسير» أي مزدجراً وهو كليلٌ، ولا يصيبُه ذلك «إلا بعد كَرَّات، ومثلُه. لَبَّيْك وسَعْدَيْك وحنانَيْكَ. وروى عباس عن أبي عمرو:» سنعذِّبْهم «بسكون الباء وهو على عادته في تخفيفِ توالي الحركات كينصركم وبابه/ وإن كان باب» ينصركم «أحسنَ تسكيناً لكونِ الراءِ حرفَ تكرار، فكأنه توالي ضمَّتان بخلاف غيره. وقد تقدَّم تحريرُ هذا. وقال الشيخ:» وفي مصحفِ أنس: «سيعذبهم» بالياء «. وقد تقدم أن المصاحف كانت مهملةً من النَّقْط والضبط بالشكل فكيف يُقال هذا؟

стр. 4405

قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ﴾ : نسقٌ على «منافقون» أي:

стр. 4406

وممن حولكم آخرون، أو ومن أهلِ المدينة آخرون. ويجوز أن يكون مبتدأ و «اعترفوا» صفتَه، والخبر قولُه «خلطوا» . قوله: ﴿وَآخَرَ﴾ نسقٌ على «عملاً» . قال الزمخشري: «فإن قلت: قد جُعِل كلُّ واحد منهما مخلوطاً فما المخلوط به؟ قلت: كلُّ واحدٍ مخلوطٌ ومخلوطٌ به، لأن المعنى: خلط كل واحدٍ منهما بالآخر كقولك:» خَلَطْتُ الماء واللبن «تريد: خَلَطْتُ كلَّ واحد منهما بصاحبه، وفيه ما ليس في قولك:» خَلَطْتُ الماءَ باللبن «لأنك جَعَلْتُ الماءَ مخلوطاً واللبن مخلوطاً به. وإذا قلته بالواو جَعَلْتَ الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما، كأنك قلت: خَلَطْتُ الماء باللبن واللبن بالماء» . ثم قال: «ويجوز أن يكونَ مِنْ قولهم:» بِعْتُ الشاء: شاةً ودرهماً «بمعنى: شاة بدرهم» قلت: لا يريد أن الواو بمعنى الباء، وإنما هذا تفسيرُ معنى. وقال أبو البقاء: «ولو كان بالباء جاز أن تقول: خلطْتُ الحِنْطة والشعير، وخلطت الحنطةَ بالشعير» . قوله: ﴿عسى الله﴾ يجوز أن تكون الجملةُ مستأنفةً، ويجوز أن تكونَ في محل رفع خبراً ل «آخرون» ، ويكون قولُه: «خلطوا» في محلِّ نصبٍ على الحال، و «قد» معه مقدرةٌ أي: قد خلطوا. فتلخَّص في «آخرون» أنه معطوفٌ على «منافقون» ، أو مبتدأٌ مخبر عنه ب «خلطوا» أو الجملةِ الرجائية.

стр. 4407

قوله تعالى: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ : يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ ب «خُذْ» و «مِنْ» تبعيضية. والثاني: أن تتعلق بمحذوف لأنها حالٌ مِنْ «صدقة» إذ هي في الأصل صفةٌ لها فلمَّا قُدِّمت نُصِبَتْ حالاً. قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ يجوز أن تكونَ التاء في «تُطَهِّرهم» خطاباً

стр. 4408

للنبي ﵇، وأن تكون للغَيْبة، والفاعل ضمير الصدقة. فعلى الأولِ تكونُ الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ فاعل «خذ» . ويجوز أيضاً أن تكونَ صفةً ل «صدقةً» ، ولا بد حينئذ من حذف عائد تقديره تطهِّرهم بها. وحُذِف «بها» لدلالة ما بعده عليه. وعلى الثاني تكون الجملة صفةً لصدقة ليس إلا. وأما «وتُزَكّيهم» فالتاءُ فيه للخطاب لا غير لقوله «بها» فإن الضميرَ يعود على الصدقة فاستحالَ أن يعودَ الضمير مِنْ «تزكِّيهم» إلى الصدقة، وعلى هذا فتكون الجملةُ حالاً مِنْ فاعل «خُذْ» على قولنا إنَّ «تُطَهِّرهم» حال منها وإن التاء فيه للخطاب. ويجوز أيضاً أن تكون صفة إن قلنا إن «تطهِّرهم» صفةٌ، والعائدُ منها محذوفٌ. وجَوَّز مكي أن يكون «تُطَهِّرهم» صفةً لصدقة على أن التاء للغيبة، و «تُزَكِّيهم» حالاً من فاعل «خُذْ» على أن التاء للخطاب. وقد رَدُّوه عليه بأن الواوَ عاطفةٌ أي: صدقةً مطهِّرةً ومُزَكَّيَاً باه، ولو كان بغير واوٍ جاز. قلت: ووجهُ الفسادِ ظاهرٌ فإن الواوَ مُشَرِّكَةٌ لفظاً ومعنى، فلو كانت «وتزكيهم» عطفاً على «تُطَهِّرهم» لَلَزِمَ أن تكونَ صفةً كالمعطوف عليه، إذ لا يجوز اختلافُهما، ولكن يجوزُ ذلك على أن «تزكِّيهم» خبر مبتدأ محذوف، وتكون الواوُ للحال تقديره: وأنت تزكِّيهم. وفيه ضعفٌ لقلةِ نظيرِه في كلامهم. فتلخَّص من ذلك أن الجملتين يجوز أن تكونا حالَيْن من فاعل «خُذْ» على أن تكونَ التاءُ للخطاب، وأن تكونا صفتين لصدقة، على أن التاء للغيبة، والعائد محذوفٌ من الأولى، وأن تكون «تطهِّرهم» حالاً أو صفةً، و «تزكِّيهم» حالاً على ما جَوَّزه مكي، وأن تكونَ «تزكِّيهم» خبرَ مبتدأ محذوف، والواوُ للحال.

стр. 4409

وقرأ الحسن: «تُطْهِرهم» مخفَّفاً مِنْ «أطهر» عَدَّاه بالهمزة. قوله: ﴿إِنَّ صلاوتك﴾ قرأ الأخوان وحفص: «إنَّ صلاتَكَ» ، وفي هود: «أصلاتك تأمُرك» بالتوحيد، والباقون: «إنَّ صلواتك» «أصلواتُك» بالجمع فيهما وهما واضحتان، إلا أنَّ الصلاةَ هنا الدعاء وفي تِيْكَ العبادة. والسَّكَنُ: الطمأنينة قال: ٢٥٤٢ - يا جارةَ الحيِّ ألاَّ كنتِ لي سَكَناً ... إذ ليس بعضٌ من الجيران أَسْكَنني ففَعَل بمعنى مفعول كالقَبْض بمعنى المقبوض والمعنى: يَسْكنون إليها. قال أبو البقاء: «ولذلك لم يؤنِّثْه» لكن الظاهر أنه هنا بمعنى فاعل/ لقولِه «لهم» ، ولو كان كما قال لكان التركيب «سكنٌ إليها» أي مَسْكون إليها، فقد ظهر أن المعنى: مُسَكِّنة لهم.

стр. 4410

قوله تعالى: ﴿هُوَ يَقْبَلُ﴾ : «هو» مبتدأ، و «يَقْبَلُ» خبره والجملةُ خبر أنَّ، وأنَّ وما في حيِّزها سادةٌ مَسَدَّ المفعولين أو مسدَّ الأول. ولا يجوز أن يكونَ «هو» فصلاً لأنَّ ما بعده لا يوهم الوصفيَّة، وقد تحرَّر مِنْ ذلك فيما تقدم. وقرأ الحسن قال الشيخ: وفي مصحف أُبي «ألم تعلموا» بالخطاب. وفيه احتمالات، أحدها: أن يكون خطاباً للمتخلِّفين الذين قالوا: ما هذه الخاصية التي اختصَّ بها هؤلاء؟ و [الثاني] : أن يكون التفاتاً من غير

стр. 4411

إضمارِ قولٍ، والمرادُ التائبون. و [الثالث] : أن يكون على إضمارِ قولٍ أي: قل لهم يا محمد ألم تعلموا. قوله: ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ متعلقٌ ب «يَقْبَل» ، وإنما تعدَّى ب «عن» فقيل: لأنَّ معنى «مِنْ» ومعنى «عن» متقاربان. قال ابن عطية: «وكثيراً ما يُتَوَصَّل في موضع واحد بهذه وبهذه نحو» لا صدقةَ إلا عن غني ومِنْ غني «، و» فعل ذلك فلانٌ مِنْ أَشَره وبَطَره، وعن أَشَره وبَطَره «. وقيل: لفظه» عن «تُشعر ببُعْدٍ ما، تقول:» جلس عن يمين الأمير «أي مع نوعٍ من البعد. والظاهرُ أنَّ» عن «هنا للمجاوزة على بابها، والمعنى: يتجاوز عن عباده بقبول توبتهم، فإذا قلت:» أخذت العلم عن زيد «، فمعناه المجاوزةُ، وإذا قلت: منه فمعناه ابتداء الغاية. قوله: ﴿هُوَ التواب﴾ يجوز أن يكون فصلاً، وأن يكون مبتدأ بخلافِ ما قبلَه.

стр. 4412

قوله تعالى: ﴿مُرْجَوْنَ﴾ : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم «مُرْجَؤُون» بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة. والباقون «مُرْجَوْن» دون تلك الهمزة، وهذا كقراءتهم في الأحزاب: «تُرْجِىء» بالهمزة، والباقون بدونه. وهما لغتان يقال: أَرْجَأْتُه وأَرْجَيْتُه كأَعْطيته. ويحتمل أن يكونا أصلين بنفسِهما، وأن تكونَ الياءُ بدلاً من الهمزة، ولأنه قد عُهِد تحقيقُها كثيراً كقَرَأْت وقَرَيْتُ، وتوضَّأْت وتوضَّيْت.

стр. 4413

قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ في محل رفع خبراً، و «مُرْجَوْن» يكون على هذا نعتاً للمبتدأ، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكونَ في محل نصبٍ على الحال أي: هم مُؤَخَّرون: إمَّا معذَّبين وإمَّا متوباً عليهم. و «إمَّا» هنا للشك بالنسبة إلى المخاطب، وإمَّا للإِبهام بالنسبة إلى أنه أَبْهَمَ على المخاطبين.

стр. 4414

قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا﴾ : قرأ نافع وابن عامر: «الذين اتخذوا» بغير واو، والباقون بواو العطف. فأمَّا قراءةُ نافع وابن عامر فلموافقة مصاحفِهم، فإنَّ مصاحف المدينة والشام حُذفت منها الواوُ وهي ثابتةٌ في مصاحف غيرهم. و «الذين» على قراءة مَنْ أسقط الواوَ قبلها فيها أوجه، أحدها: أنها بدلٌ مِنْ «آخرون» قبلها. وفيه نظر لأن هؤلاء الذين اتخذوا مسجداً ضِراراً، لا يُقال في حَقِّهم إنهم مُرْجَوْن لأمر الله، لأنه يُروى في التفسير أنهم من كبار المنافقين كأبي عامر الراهب. الثاني: أنه مبتدأ وفي خبره حينئذٍ أقوالٌ أحدها: أنه «أفَمَنْ أَسَّسَ بنيانَه» والعائد محذوفٌ تقديره: بنيانَه منهم. الثاني: أنه «لا يزال بنيانُهم» قاله النحاس والحوفي، وفيه بُعْدٌ لطول الفصل. الثالث: أنه «لا تقمْ فيه» قاله الكسائي. قال ابن عطية: «ويتجه بإضمارٍ: إمَّا في أول الآية، وإمَّا في آخرها بتقدير: لا تقم في مسجدهم» . الرابع: أن الخبرَ محذوفٌ تقديرُه: معذَّبون ونحوه، قاله المهدوي. الوجه الثالث أنه منصوبٌ على الاختصاص. وسيأتي هذا الوجهُ أيضاً في قراءة الواو.

стр. 4415

وأمَّا قراءةُ الواو ففيها ما تقدَّم، إلا أنه يمتنع وجهُ البدل مِنْ «آخرون» لأجل العاطف. وقال الزمخشري: «فإن قلت:» والذين اتخذوا «ما محلُّه من الإِعراب؟ قلت: محلُّه النصب على الاختصاص، كقوله تعالى: ﴿والمقيمين الصلاة﴾ [النساء: ١٦٢] . وقيل: هو مبتدأ وخبرُه محذوفٌ معناه: فيمَنْ وَصَفْنا الذين اتخذوا، كقوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨] ، قلت: يريد على مذهب سيبويه فإن تقديره: فيما يُتْلى عليكم السارق، فحذف الخبرَ وأبقى المبتدأ كهذه الآية. قوله: ﴿ضِرَاراً﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: / أنه مفعولٌ من أجله أي: مُضَارَّةً لإِخوانهم. الثاني: أنه مفعولٌ ثان ل» اتَّخذ «قاله أبو البقاء. الثالث: أنه مصدر في موضع الحال من فاعل» اتخذوا «أي: اتخذوه مضارِّين لإِخوانهم، ويجوز أن ينتصبَ على المصدرية أي: يَضُرُّون بذلك غيرهم ضِراراً، ومتعلَّقاتُ هذه المصادرِ محذوفةٌ أي: ضِراراً لإِخوانهم وكفراً بالله. قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فيه وجهان، أحدهما وهو الذي لم يذكر الزمخشري غيره أنه متعلقٌ بقوله:» اتخذوا «أي: اتخذوا مسجداً مِنْ قبل أن ينافقَ هؤلاء. والثاني: أنه متعلقٌ ب» حارب «أي: حارب مِنْ قبل اتِّخاذ هذا المسجد. قوله: ﴿وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ لَيَحْلِفُنَّ: جوابُ قسم مقدر أي: والله
следующие страницы →