← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

وقرأ عليٌّ وابن مسعود» أمثال الجنة «، أي: صفاتها. و ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ كقوله» تَجْرِي «في الاستئناف التفسيري أو الخبرية أو الحالية. وقد تقدَّم خلافُ القرَّاءِ فيه في البقرة» .

стр. 5217

قوله تعالى: [ ﴿ولا أُشْرِكَ﴾ ] : قرأ نافع في روايةٍ عنه برفع ﴿ولا أُشْرِكُ﴾ وهي تحتمل القطع، أي: وأنا لا أُشْرِك، وقيل: هي حالٌ. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ المنفيَّ ب «لا» كالمُثْبِتِ في عدمِ مباشرة واوِ الحال له.

стр. 5218

و ﴿حُكْماً﴾ حال/ من مفعولِ «أنزلناه» . والكاف في «كذلك» نصب، أي: وكما يَسَّرنا هؤلاء للفرحِ، وهؤلاء لإِنكار البعضِ كذلك اَنْزَلْناه حُكْماً.

стр. 5219

وقرأ أبو عمروٍ وابنُ كثيرٍ وعاصمٌ: «ويُثْبتُ» مخففاً مِنْ اَثْبَتَ، والباقون بالتشديد والتضعيف، والهمزةُ للتعدية. ولا يَصِحُّ ان يكونَ التضعيفُ للتكثير، إذ من شرطِه أن يكون متعدياً قبل ذلك. ومفعولُ «يُثْبِتُ» محذوفٌ، أي: ويُثْبِتُ ما يشاء.

стр. 5220

قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ﴾ : جوابٌ للشرط قبله. قال الشيخ: «والذي تقدَّم شرطان؛ لأنَّ المعطوفَ على الشرط شرطٌ: فامَّا كونُه جواباً للشرط الأول فليس بظاهرٍ؛ لأنه لا يترتَّب عليه؛ إذ يصير

стр. 5221

المعنى: وإمَّا نُرِيَنَّك بعضَ ما نَعِدُهم من العذاب فإنَّما عليك البلاغُ، وأمَّا كونُه جواباً للشرطِ الثاني وهو ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ فكذلك؛ لأنه يصير التقدير: إنْ ما نَتَوَفَّيَنَّك فإنَّما عليك البلاغُ، ولا يترتَّب جوابُ التبليغِ عليه - على وفاتِه ﵇ لأنَّ التكليفَ ينقطعُ عند الوفاة فيُحتاج إلى تأويل: وهو أنْ يُقَدَّرَ لكلِّ شرطٍ ما يناسبُ أَنْ يكون جزاءً مترتباً عليه، والتقدير: وإمَّا نُرِيَنَّك بعضَ الذي نَعِدُهم فذلك شافيك مِنْ أعدائك، أو: إنْ نَتَوَفَّيَنَّك قبل خَلْقِه لهم فلا لَوْمَ عليك ولا عَتَبَ» .

стр. 5222

قوله تعالى: ﴿نَنقُصُهَا﴾ : حال: إمَّا مِنْ فاعل «نأتي» أو مِنْ مفعوله. وقرأ «نُنَقِّصُها» بالتضعيف الضحَّاكُ، عدَّاه بالتضعيف. قوله: ﴿لاَ مُعَقِّبَ﴾ جملةٌ حالية، وهي لازمةٌ. والمُعَقِّبُ: الذي يكُرُّ على الشيء، فيُبْطله. قال لبيد. ٢٨٦ - ٤-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّه المَظْلومُ

стр. 5223

قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ والكوفيون «الكفَّار» جمعَ تكسير، والباقون «الكافر» بالإِفراد، ذهاباً إلى الجنس. وقرأ عبد الله «الكافرون» جمعَ سلامةٍ.

стр. 5224

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِندَهُ﴾ : العامَّة [على فتح ميم] «مَنْ» ، وهي موصولةٌ، وفي محلِّها أوجهٌ، أحدُها: أنها مجرورةُ المحلِّ نَسَقاً على لفظ الجلالةِ، أي: بالله وبمَنْ عنده عِلْمُ الكتابِ كعبد الله بن سلام ونحوِه. والثاني: أنها في محلِّ رفعٍ عطفاً على محل [الجلالة، إذ هي] فاعلةٌ، والباءُ زائدةٌ فيها. الثالث: أن يكونَ مبتدأً، وخبرُه محذوف، أي: ومَنْ عنده عِلْم الكتاب أَعْدَلُ وأمضى قولاً. و ﴿عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ يجوز أن يكونَ الظرفُ صلةً، و «عِلْمُ» فاعلٌ به. واختاره الزمخشري، وتقدَّم تقريرُه، وأن يكونَ مبتدأً وما قبله الخبرُ، والجملةُ صلةٌ ل «مَنْ» . والمراد بمَنْ عنده عِلْمُ الكتاب: إمَّا ابنُ سَلام أو جبريلُ أو اللهُ تعالى. قال ابن عطية: «ويُعْتَرض هذا القولُ بأنَّ فيه عطفَ الصفة على الموصوف ولا يجوز، وإنما تُعْطَفُ الصفاتُُ» . واعترض الشيخُ عليه بأنَّ «مَنْ» لا يُوصَفُ بها

стр. 5225

ولا بغيرِها من الموصولات إلاَّ ما اسْتُثْني، وبأنَّ عطفَ الصفاتِ بعضِها على بعض لا يجوز إلا بشرطِ الاختلاف. قلت: ابن عطية إنما عَنَى الوصفَ المعنويَّ لا الصناعيَّ، وأمَّا شرطُ الاختلافِ فمعلومٌ. وقرأ عليٌّ وأُبَيٌّ وابنُ عباس وعكرمة وابن جبير وعبد الرحمن ابن أبي بكرة والضحاك وابن أبي إسحاق ومجاهد في خَلْق كثير ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ جعلوا «مِنْ» حرفَ جرّ، و «عندِه» مجرورٌ بها، وهذا الجارُّ هو خبرٌ مقدَّمٌ، و «عِلْم» مبتدأ مؤخر. وقرأ عليٌّ أيضاً والحسن وابن السَّمَيْفع ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ يجعلون «مِنْ» جارَّةً، و «عُلِمَ» مبنياً للمفعول، و «الكتابُ» رفعٌ به. وقُرئ كذلك إلاَّ انه بتشديد «عُلِّم» . والضمير في «عنده» على هذه القراءاتِ لله تعالى فقط. وقُرئَ أيضاً «وبمَن» بإعادةِ الباءِ الداخلةِ على الجلالة.

стр. 5226

قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ : يجوزُ أَنْ يرتفعَ خبراً ل «ألر» إن قلنا إنها مبتدأٌ، والجملةُ بعده صفةٌ، ويجوز أن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ، أي: هذا كتابٌ، وأن يرتفعَ بالابتداء، وخبرُه الجملةُ بعده، وجاز الابتداءُ بالنكرةِ لأنها موصوفةٌ تقديراً. تقديره: كتابٌ أيُّ كتابٍ، يعني عظيماً مِنْ بينِ الكتبِ السماوية. قوله: «لِتُخْرِجَ» متعلقٌ ب «أَنْزَلْنا» وقُرِئَ «ليَخْرج الناسُ» بفتح الياء وضمَِّ الراء مِنْ خَرَجَ يَخْرُج، «الناس» رفعاً على الفاعلية. قوله: «بإذنِ» يجوز أن يتعلَّقَ بالإِخراج، أي: بتسهيله وتيسيرِه، ويجوز أَن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ فاعلِ «تُخْرِجَ» ، أي: مأذوناً لك. قوله: ﴿إلى صِرَاطِ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه بدلٌ من قوله ﴿إِلَى النور﴾ بإعادةِ العامل، ولا يَضُرُّ الفصلُ بالجارِّ لأنه من معمولاتِ العاملِ في

стр. 5227

المُبْدَلِ منه. والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنه جوابُ سؤالٍ مقدَّر، كأنه قيل: إلى أيِّ نور؟ إلى صراط.

стр. 5228

قوله تعالى: ﴿الله الذي﴾ : قرأ نافعٌ وابن عامرٍ برفعِ الجلالةِ والباقون - ورواها الأصمعيُّ عن [نافع]- بالجرِّ. فأمَّا الرفعُ فعلى وجهين، أحدُهما: أنه مبتدأٌ، خبرُه الموصولُ بعده، أو محذوفٌ تقديرُه: اللهُ الذي له ما في السماواتِ وما في الأرضِ العزيزُ الحميد، حُذِف لدلالة ما تقدَّم. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمر، أي: هو اللهُ، وذلك على المدح. وأمَّا الجرُّ فعلى البدلِ عند أبي البقاء والحوفي وابنِ عطية، والبيان عند الزمخشري قال: «لأنه جَرَى مَجْرَى الأسماءِ الأعلام لغلبتِه على المعبودِ بحق كالنجم للثريا» . قال الشيخ: «وهذا التعليلُ لا يتمُّ إلا أن يكونَ أصلُه الإِله، ثم فُعِل فيه ما تقدَّم أولَ هذا الموضوع» . وقال الأستاذ ابن عصفور: «ولا تُقََدَّمُ صفةٌ على مَوصوفٍ إلا حيث سُمِع، وهو قليلٌ، وللعربِ فيه وجهان، أحدُهما: أنْ تتقدَّمَ الصفةُ بحالها، وفيه

стр. 5229

إعرابان للنحويين، أحدُهما: أن تُعْرَبَ صفةً متقدمةً. والثاني: أن يُجعل/ الموصوفُ بدلاً من صفتِه. الثاني من الأولين: أن تُضيفَ الصفةَ إلى الموصوف. فعلى هذا يجوز أن يُعْرَبَ ﴿العزيز الحميد﴾ صفةً متقدِّمة، ومِنْ مجيء تقديمِ الصفةِ قولُه: ٢٨٦ - ٥- والمُؤْمِنِ العائذاتِ الطيرِ يَمْسَحُها ... رُكْبانُ مكةَ بين الغِيل والسَّنَدِ وقول الآخر: ٢٨٦ - ٦- وبالطويل العُمْرِ عُمْراً حَيْدَراً ... يريد: الطير العائذات، وبالعمر الطويل. قلت: وهذا فيما لم يكنِ الموصوفُ نكرةً، أمَّا إذا كان نكرةً صار لنا عملٌ آخرُ: وهو أن تنتصبَ تلك الصفةُ على الحال. قوله: ﴿وَوَيْلٌ﴾ جاز الابتداءُ به لأنه دعاء ك» سلامٌ عليكم «. و» للكافرين «خبره. و ﴿مِنْ عَذَابٍ﴾ متعلِّقٌ بالويل. ومنعه الشيخ. لأنه يَلْزَمُ

стр. 5230

منه الفصلُ بين المصدرِ ومعمولِه، وقد تقدَّم لك بحثٌ في ذلك: وهو أنَّ ذلك ممنوعٌ حيث يتقدَّر المصدرُ بحرفٍ مصدريٍّ وفِعْلٍ، ولذلك جَوَّزوا تعلُّقَ ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] ب» سلام «ولم يَعْترضوا عليه بشيء، وقد تقدَّم ذلك في السورةِ قبلها، ولا فرقَ بين الموضعين. وقال الزمخشريُّ:» فإنْ قلتَ: ما وجهُ اتصالِ قولِه: ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ بالويل؟ قلت: لأنَّ المعنى يُوَلْوِلون من عذاب شديد «. قال الشيخ:» فظاهره يدلُّ على تقدير عاملٍ يتعلَّقُ به ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ . ويجوز أنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ للمبتدأ، وفيه سَلامةٌ من الاعتراضِ المتقدم، ولا يَضُرُّ الفصلُ بالخبر.

стр. 5231

قوله تعالى: ﴿الذين يَسْتَحِبُّونَ﴾ يجوز أن يكون مبتدأً خبرُه «أولئك» وما بعده، وأن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ، أي: هم الذين، وأن يكونَ منصوباً بإضمارِ فعلٍ على المدح فيهما، وأن يكون مجروراً على البدلِ أو البيانِ أو النعتِ، قاله الزمخشري وأبو البقاء والحوفيُّ وغيرُهم. وردَّه الشيخ بأنَّ فيه الفَصْلَ بأجنبي وهو قولُه ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال: «ونظيرُه إذا كان صفةً أن تقول:» الدارُ لزيدٍ الحسنةُ القُرَشِيِّ: وهذا لا يجوز، لأنك

стр. 5232

فَصَلْتَ بين زيد وصفتِه بأجنبيٍّ منهما وهو صفةُ الدار، وهولا يجوز، والتركيبُ الفصيحُ أن تقول: الدارُ الحسنةُ لزيدٍ القرشيِّ، أو: الدارُ لزيدٍ القرشيِّ الحسنةُ «. و» يَسْتَحِبُّون «: استفعلَ فيه بمعنى أَفْعَل كاستجاب بمعنى أجاب، أو يكونُ على بابه، وضُمِّن معنى الإِيثار، ولذلك تعدَّى ب على. وقرأ الحسن» ويُصِدُّون «مِنْ أَصَدَّ، وأَصَدَّ منقولٌ مِنْ صَدَّ اللازمِ، والمفعولُ محذوفٌ، أي: غيرَهم، أو أنفسَهم. و ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ تقدَّم مثله.

стр. 5233

قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ : يجوز أن يكونَ حالاً، أي: إلاَّ متكلِّماً بلغةِ قومِهِ. وقرا العامَّةُ «بلسان» بزِنَةِ «كِتاب» ، أي: بلغةِ قومِه. وأبو الجوزاء وأبو السَّمَّال وأبو عمران الجوني: بِلِسْنِ «بكسر اللام وسكون السين. وفيه قولان، أحدُهما: أنهما بمعنى واحدٍ كالرِّيش والرِّياش. والثاني: أن اللسانَ يُطْلَقُ على العضوِ المعروف وعلى اللغةِ، وأمَّا اللِّسْنُ فخاصٌّ باللغة، ذكره ابن عطية وصاحب» اللوامح «. وأبو رجاء وأبو المتوكل والجحدريُّ» بِلُسُن «بضمِّ اللام والسين وهو جمع» لِسان «ككِتاب وكُتُب. وقرئ بسكونِ السين فقط، وهو تخفيفٌ للقراءةِ قبلَه، نحو: رُسُل في رُسُل، وكُتْب في كُتُب. والهاءُ في» قومه «الظاهرُ عَوْدُها على» رسول «المذكور. وعن

стр. 5234

الضحاك: أنها تعودُ لمحمد ﷺ ، وغَلَّطوه في ذلك؛ إذ يصير المعنى: أنَّ التوراةَ وغيرَها أُنْزِلَتْ بلسان العربِ، ليُبَيِّن لهم النبيُّ ﷺ التوراة. قوله: ﴿فَيُضِلُّ﴾ استئنافُ إخبارٍ، ولا يجوز نصبُه عطفاً على ما قبله، لأنَّ المعطوفَ كالمعطوف عليه في المعنى، والرسلُ اُرْسِلَتْ للبيانِ لا للإِضلالِ. قال الزجاج: لو قَرِئ بنصبِه على أنًّ اللامَ لامُ العاقبة جاز» .

стр. 5235

قوله تعالى: ﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ : يجوز أن تكونَ «أنْ» مصدريةً، أي: بأَنْ أخْرِجْ. والباءُ في «بآياتنا» للحال، وهذه للتعدية. ويجوز أن تكونه مفسرةً للرسالة. وقيل: بل هي زائدةٌ، وهو غلطٌ. قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ﴾ يجوز أن يكونَ منسوقاً على «أَخْرِجْ» فيكونَ من التفسير، وأن لا يكونَ منسوقاً، فيكونَ مستأنفاً. و «أيام الله» عبارةٌ عن نِعَمه، كقوله: ٢٨٦ - ٧- وأيامٍ لنا غُرٍّ طِوالٍ ... عَصَيْنا المَلْكَ فيها أن نَدِينا أو نَقَمه، كقوله: ٢٨٦ - ٨- وأيامُنا مشهورةٌ في عَدُوِّنا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ووجهه: أنَّ العرب تتجوَّزُ فَتُسْنِدُ الحَدَثَ/ إلى الزمان مجازاً، وتُضيفُه إليها كقولهم: نهارٌ صائمٌ، وليل قائمٌ، ومَكْرُ الليلِ.

стр. 5236

قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنجَاكُمْ﴾ : يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ منصوباً ب «نِعْمَةَ» . الثاني: أن يكونَ ب «عليكم» ويوضِّح ذلك ما ذكره الزمخشريُّ فإنه قال: «إذ أنْجاكم ظرفٌ للنعمة بمعنى الإِنعام، أي: إنعامه عليكم ذلك الوقت. فإن قلت: هل يجوزُ أن ينتصِبَ ب» عليكم «؟ قلت: لا يَخْلو: إمَّا أن يكونَ صلةً للنعمة بمعنى الإِنعام، أو غيرَ صلة إذا أردت بالنعمة العَطِيَّة، فإذا كان صلةً لم يعملْ فيه، وإذا كان غيرَ صلةٍ بمعنى: اذكروا نعمةَ الله مستقرةً عليكم عَمِلَ فيه. ويتبيَّن الفرقُ بين الوجهين: أنك إذا قلت: ﴿نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ فإنْ جَعَلْتَه صلةً لم يكن كلاماً حتى تقول: فائضة أو نحوها، وإلاَّ كان كلاماً. والثالث: أنه بدلٌ من» نعمة «، أي: اذكروا وقتَ إنجائِكم وهو مِنْ بدلِ الاشتمال. قوله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ حالٌ أُخرى مِنْ ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ . وفي البقرة دون واو لأنه قُصِد به التفسيرُ فالسَّوْم هنا غيرُ السَّوْمِ هناك.

стр. 5237

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ يجوزُ أن يكونَ نِسَقاً على ﴿إِذْ أَنجَاكُمْ﴾ ، وأن يكونَ منصوباً ب «اذكروا» مفعولاً لا ظرفاً. وجَوَّز فيه الزمخشري أن يكون نَسَقاً على «نعمة» فهو مِنْ قولِ موسى، والتقدير: وإذ قال موسى: اذكروا نعمةَ الله واذكروا حين تَأَذَّن. وقد تقدَّم نظيرُ ذلك في الأعراف. وقرأ ابن محيصن «يَذْبَحون» مخففاً.

стр. 5238

قوله تعالى: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ : بدلٌ أو عطفُ [بيانٍ] . قوله: ﴿والذين مِن بَعْدِهِمْ﴾ يجوز أن يكونَ عطفاً على الموصولِ الأولِ، او على المبدل منه، وأن يكونَ مبتدأً، خبرُه ﴿لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله﴾ ، و «جاءَتْهُم» خبر آخر. وعلى ما تقدَّم يكون «لا يعلمهم» حالاً من «الذين» ، أو من الضمير في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ لوقوعِه صلةً، وهذا عنى أبو البقاء بقوله: «حال من الضمير في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ ، ولا يُريد به الضميرَ المجرورَ، لأنَّ مذهبَه مَنْعُ الحالِ من المضاف إليه، وإن كان بعضُهم جَوَّزه في صورٍ. وجَوَّز أيضاً هو الزمخشري أن تكونَ استئنافاً. وقال الزمخشري:» والجملةُ مِنْ قولِه ﴿لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله﴾ اعتراضٌ. ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ الاعتراضَ إنما يكون بين جُزْأَيْن أحدهما يطلب الآخر، ولذلك لمَّا أَعْرَبَ الزمخشريُّ «والذين» مبتدأً و «لا يَعْلمهم» خبره، قال: «والجملةُ مِنَ المبتدأ والخبر اعتراضٌ» . واعترضه الشيخُ أيضاً بما تقدَّم. ويمكنُ أن يُجابَ عنه في الموضعين: بأنَّ الزمخشريَّ يمكن أن يعتقدَ أنَّ «جاءَتْهم» حالٌ مما تقدَّم، فيكون الاعتراضُ واقعاً بين الحالِ وصاحبِها، وهذا كلامٌ صحيح. قوله: ﴿فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ﴾ يجوز أن تكونَ الضمائرُ للكفَّارِ،

стр. 5239

أي: فَرَدَّ الكفارُ أيديَهم في أفواههم من الغيظ. و «في» على بابِها من الظرفية، أو فَرَدُّوا أيديَهم على أفواههم ضحكاً واستهزاءً. ف «في» بمعنى على، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقوا به من قولِهم: إنَّا كَفَرْنا، فهي بمعنى إلى. ويجوز أن يكونَ المرفوعُ للكفار والآخران للرسل، على أن يُراد بالأيدي النِّعَم، أي: رَدُّوا نِعَمَ الرُّسُل وهي نصائحُهم في أفواهِ الرسل، لأنهم إذا كَذَّبوها كأنهم رَجَعوا بها من حيث جاءَتْ على سبيل المثل. [ويجوز أن يُراد هذا المعنى، والمرادُ بالأيدي الجوارح] . ويجوز أن يكون الأوَّلان للكفار، والأخيرُ للرسُل، أي: فَرَدَّ الكفارُ أيديَهم في أفواهِ الرسُل، أي: أطبِقُوا أفواهَكم، يشيرون إليهم بالسكوت، أو وَضَعُوها على أفواههم يمنعونهم بذلك من الكلامِ. وقيل: «في» هنا بمعنى الباء. قال الفراء: «قد وَجَدْنَا من العرب مَنْ يجعل» في «موضعَ الباء. يُقال: أَدْخَلَكَ بالجنَّة، وفي الجنَّة، وأنشَد: ٢٨٦ - ٩- وأرغَبُ فيها عن لَقيطٍ ورَهْطِهِ ... ولكنَّني عن سِنْبِسٍ لستُ أرغبُ أي: أرغب بها. وقال أبو عبيدةَ:» هذا ضَرْبُ مَثَلٍ، تقول العرب: «رَدَّ يَدَه في فيه» ، إذا أمسكَ عن الجوابِ «، وقاله الأخفش أيضاً. وقال

стр. 5240

القتيبي:» لم نسمعْ أحداً يقول: «رَدَّ يده في فيه» إذا تَرَكَ ما أُمِرَ به «. ورُدَّ عليه، فإنَّ مَنْ حَفِظَ حجةٌ على مَنْ يَحْفَظْ. وقرأ طلحة» تَدْعُونَّا «بإدغامِ نونِ الرفع في نون الضميرِ، كما تُدْغَم في نونِ الوقاية.

стр. 5241

قوله تعالى: ﴿أَفِي الله شَكٌّ﴾ : يجوز في «شَكٌّ» وجهان، أظهرُهما: أنه فاعل بالجارِّ قبله، وجاز ذلك لاعتماده على الاستفهام. والثاني: أنه مبتدأٌ وخبره الجارُّ، والأولُ أوْلَى، بل كان ينبغي أن يَتَعَيَّن لأنه يلزمُ مِنَ الثاني الفصلُ بين الصفة والموصوفِ بأجنبيّ وهو المبتدأ، وهذا بخلاف الأول، فإنَّ الفاصلَ ليسَ أجنبياً؛ إذ هو فاعلٌ، والفاعلُ كالجزء من رافعه. ويدلُّ على ذلك تجويزُهم: «ما رأيت رجلاً أحسنَ في عينه الكحلُ منه في عين زيد» بنصب «أحسنَ» صفةً ورفع «الكحلُ» فاعلاً بأَفْعَلَ، ولم يَضُرَّ الفصلُ به بين أَفْعَل وبين «مِنْ» لكونه كالجزء مِنْ رافعِه، ولم يُجيزوا رَفْعَ «أحسن» خبراً مقدَّماً و «الكحلُ» مبتدأ مؤخر، لئلا يلزم الفصلُ بين أَفْعَل وبين «مِنْ» بأجنبي. ووجهُ الاستشهادِ من هذه المسألة: أنهم جعلوا المبتدأَ أجنبياً بخلاف الفاعل، ولهذه المسألةِ موضعٌ غيرُ هذا. وقرأ العامَّةُ «فاطرِ» بالجرِّ. وفيه وجهان: النعتُ والبدليةُ، قاله أبو البقاء: وفيه نظر؛ فإنَّ الإِبدالَ بالمشتقاتِ يَقِلُّ، ولو جعله عطفَ بيانٍ كان أسهلَ. قال الزمخشريُّ: «أُدْخِلَتْ همزةُ الإِنكارِ على الظرف، لأنَّ

стр. 5242

الكلامَ ليس في الشَّكِّ، إنما هو في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل الشكَّ لظهورِ الأدلَّةِ وشهادتِها عليه/. وقوله:» لِيَغْفِرَ «اللامُ متعلِّقةٌ بالدعاء، أي: لأجلِ غفران ربِّكم، كقوله: ٢٨٧ - ٠- دَعَوْتُ لِما نابني مِسْور ا ... فَلَبَّى فَلَبَّى يَدَيْ مِسْوَرِ ويجوز أن تكونَ اللامُ مُعَدِّيةً كقولِك: دَعَوْتُكَ لِزيدٍ، وقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى [الإيمان] ﴾ [غافر: ١٠] . والتقدير: يَدْعُوْكم إلى غفرانِ ذنوبِكم. وقوله: ﴿أَن تَصُدُّونَا﴾ العامَّة على تخفيفِ النون. وقرأ طلحةُ بتشديدها كما شدَّد» تَدْعُونَّا «. وفيها تخريجان، أحدُهما: ما تقدَّم في نظيرتِها على أَنْ تكونَ» أَنْ «هي المخففةَ لا الناصبةَ، واسمُها ضميرُ الشأنِ، وشذَّ عَدَمُ الفصلِ بينها وبين الجملة الفعلية. والثاني: أنها الناصبةُ، ولكنْ أُهْمِلَتْ حملاً على» ما «المصدريَّةِ، كقراءةِ» أَنْ يُتِمُّ «برفع» يُتِمُّ «. وقد تقدَّمَ القولُ فيه. و» مِنْ «في ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ قيل: مزيدةٌ. وقيل: تبعيضيةٌ. وقيل: بمعنى البدلِ أي: بدلَ عقوبةِ ذنوبكم، كقوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة﴾ [التوبة: ٣٨] .

стр. 5243

قوله:» تُرِيْدون «يجوز أن يكونَ صفةً ثانيةً ل» بَشَرٌ «، وحُمِل على معناه؛ لأنَّ بمنزلةِ القومِ والرَّهْط، كقوله: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦] وأَنْ يكونَ مُسْتَأنفاً.

стр. 5244

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ﴾ : يجوز أن يكونَ خبرَ «كان» : «لنا» ، و ﴿أَن نَّأْتِيَكُمْ﴾ اسمَها، أي: وما كان لنا إتيانُكم بسلطانٍ. و ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ حالٌ. ويجوز أن يكونَ الخبرُ ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ و «لنا» تبيينٌ.

стр. 5245

قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ﴾ : كقوله: ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦] وقد تقدَّم و «لَنَصْبِرَنَّ» جوابُ قسمٍ. وقوله: «ما آذَيْتُمونا» يجوز أَنْ تكونَ «ما» مصدريةً، وهو الأرجحُ لعدم الحاجةِ إلى رابطٍ ادُّعِيَ حَذْفُه على غير قياس والثاني أنها موصولةٌ اسميةٌ، والعائدُ محذوفٌ على التدريج، إذ الأصل: آذيْتُمونا به، ثم حُذِفَت الباءُ، فَوَصَلَ الفعلُ إليه بنفسِه. وقرأ الحسن بكسرِ لامِ الأمرِ في «فَلْيَتَوَكَّلْ» وهو الأصلُ.

стр. 5246

و ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ﴾ : جوابُ قسمٍ مقدَّرٍ، كقوله: «ولَنَصْبِرَنَّ» . قوله: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ في «أوْ» ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها على بابِها مِنْ كونِها لأحدِ الشيئين. والثاني: أنها بمعنى «حتى» . والثالث: أنها بمعنى «إلا» ، كقولهم: «لأَلْزَمَنَّكَ أو تَقْضِيَني حقي» . والقولان الأخيران مَرْدُودان؛ إذ

стр. 5247

لا يَصِحُّ تركيبُ «حتى» ولا تركيبُ «إلا» مع قولِه «لَتَعُودُونَّ» بخلافِ المثال المتقدم. والعَوْدُ هنا: يُحتمل أن يكونَ على بابِه، أي: لَتَرْجِعُنَّ. و ﴿فِي مِلَّتِنَا﴾ متعلقٌ به، وأن يكونَ بمعنى الصيرورةِ، فيكونَ الجارُّ في محلِّ نصبٍ خبراً لها، ولم يذكُرْ الزمخشريُّ غيرَه. [قال:] «فإنْ قلتَ: كأنَّهم على مِلَّتهم حتى يَعُودوا فيها. قلت: مَعاذَ اللهِ، ولكنَّ العَوْدَ بمعنى الصيرورة، وهو كثيرٌ في كلام العرب كثرةً فاشيةً، لا تكاد تسمعهم يستعملون» صار «، ولكن» عاد «: ما عُدْتُ أراه، عاد لا يكلمني، ما عاد لفلان مالٌ، أو خاطبوا به كلَّ رسولٍ ومَنْ آمن به، فَغَلَّبوا في الخطاب الجماعةَ على الواحد» . فقوله «أو خاطبوا» إلى آخره هو الوجهُ الأولُ بالتأويلِ المذكورِ، وهون تأويلٌ حسنٌ. قوله: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ جوابُ قسمٍ مضمر، وذلك القسمُ وجوابُه فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه على إضمارِ القول، أي: قال: لَنُهْلِكَنَّ. والثاني: أنه أجرى الإِيحاءَ مُجْرى القول لأه ضَرْبٌ منه. وقرأ أبو حَيْوَةَ «لَيُهْلِكَنَّ» ، و «لَيُسْكِنَنَّكم» بياءِ الغَيْبة مناسَبَةً لقوله «ربُّهم» .

стр. 5248

قوله تعالى: ﴿ذلك﴾ : مبتدأٌ، وهو مُشارٌ به إلى توريثِ الأرضِ. و «لِمَنْ خاف» الخبر. و «مَقامي» فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مُقْحمٌ وهو بعيدٌ؛ إذ الأسماءُ لا تُقْحم. الثاني: أنه مصدرٌ مضافٌ للفاعل.

стр. 5249

قال الفراء: «مَقامي: مصدرٌ [مضافٌ] لفاعِله، أي: قيامي عليه بالحِفْظ» . الثالث: أنه اسمُ مكانٍ. قال الزجاج: «مكان وقوفِه بين يَدَي الحسابِ، كقولِه ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . قوله:» وَعِيْد «أثبت الياءَ هنا وفي (ق) في موضعين: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرسل فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [الآية: ١٤] ﴿فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [الآية: ٤٥] وصلاً وحَذَفَها وَقْفاً ورشٌ عن نافع، وحذفها الباقون وَصْلاً ووقفاً.

стр. 5250

قوله تعالى: ﴿واستفتحوا﴾ : العامَّةُ على «استفتحوا» فعلاً ماضياً، وفي ضميرِه أقوالٌ، أحدُها: أنه عائدٌ على الرسلِ الكرام، ومعنى الاستفتاحِ: الاستنصارُ: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ [الأنفال: ١٩] . وقيل: طَلَبُ الحكم من الفُتاحة. الثاني: أن يعودَ على الكفَّار، أي: استفتح أُمَمُ الرسلِ عليهم، كقولِه: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: ٣٢] . وقيل: عائدٌ على الفريقين لأنَّ كُلاًّ طلبَ النصرَ على صاحبِه. وقيل: يعودُ على قريشٍ لأنهم في سِنِي الجَدْبِ اسْتَمْطَرُوْا فلم يُمْطِروا، وهو على هذا مستأنفٌ، وأمَّا على غيرِه من الأقوال فهو عطفٌ على قولِه ﴿فأوحى إِلَيْهِمْ﴾ .

стр. 5251

وقرأ ابنُ/ عباسٍ ومجاهدٌ وابنُ محيصن «واسْتَفْتِحوا» على لفظِ الأمر، أمراً للرسل بطلبِ النُّصرة، وهي مقوِّيةٌ لعَوْدَهِ في المشهورةِ على الرسل. والتقدير: قال لهم: لنهلكنَّ وقال لهم: اسْتَفْتِحُوا. قوله: «وخابَ» هو في قراءةِ العامَّةِ عطفٌ على محذوفٍ تقديرُه: انتَصروا وظَفِرُوا وخاب. ويجوز أن يكونَ عطفاً على «اسْتَفْتحوا» على انَّ الضميرَ فيه للكفار. وفي غيرها على القولِ المحذوف، وقد تقدَّم أنه يُعْطَفُ الطلبُ على الخبر وبالعكس.

стр. 5252

و ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ : جملةٌ في محل جَرٍّ صفةً ل «جبارٍ» . ويجوز أَنْ تكونَ الصفةُ وحدَها الجارِّ، و «جهنمُ» فاعلٌ به. وقوله: «ويُسْقََى» صفةٌ معطوفةٌ على الصفةِ قبلَها، جملةٌ فعلية على اسمية. وإنْ جَعَلْتَ الصفةَ من الجارِّ وحدَه، وعَلَّقْته بفعلٍ كان من عطفِ فعليةٍ على فعلية. وقيل: عطفٌ على محذوفٍ، أي: يُلْقَى فيها ويُسْقَى. و «وراء» هنا على بابها. وقيل: بمعنى «أمام» فهو من الأضداد، وهذا عنى الزمخشري بقوله: «منْ بين يديه» وأنشد: ٢٨٧ - ١- عَسَى الكربُ الذي أَمْسَيْتُ فيه ... يكون وراءَه فَرَجٌ قريبُ وهو قولُ أبي عبيدة وقطرب وابن جرير. وقال الآخَرُ في

стр. 5253

ذلك: ٢٨٧ - ٢- أيَرْجُو بنو مروانَ سَمْعي وطاعتي ... وقومي تميمٌ والفلاةُ ورائِيا أي: قُدَّامي. وقال آخر: ٢٨٧ - ٣- أليس ورائي إنْ تراخَتْ مَنِيَّتي ... لُزومُ العَصَا تُحْنى عليها الأَصابعُ وقال ثعلب: «هو اسمٌ لِما توارَى عنك، سواءً كان خلفَكَ أم قدَّامك» . قوله: ﴿مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ في «صديد» ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: أنه نعتٌ ل «ماء» وفيه تأويلان، أحدهما: أنه على حَذْفِ أداة التشبيه، أي: ماءٍ مثلِ صديد، وعلى هذا فليس الماءُ الذي يَشْرَبونه صَديداً، بل مثلُه. والثاني: أنَّ الصديدَ لَمَّا كان يُشبه الماءَ أُطْلِقَ عليه ماءٌ، وليس هو ماءً حقيقةً، وعلى هذا فيكونون يشربون نفسَ الصديد المُشْبِهِ للماء. وهو قول ابن عطية. وإلى كونِه صفةً ذَهَبَ الحوفيُّ وغيره. وفيه نظرٌ؛ إذ ليس بمشتقٍ، إلا على مَنْ فسَّره بأنه صَدِيدٌ بمعنى مَصْدود، أخذه مِن الصَّدِّ، فكأنه لكراهيِتِه مَصْدودٌ عنه، أي: يَمْتنع عنه كلُّ أحدٍ. الثاني: أنه عطفُ بيانٍ، وإليه ذهب الزمخشريُّ، وليس مذهبَ البصريين جريانُه في النكرات، إنما قال به الكوفيون، وتَبعهم الفارسيُّ أيضاً. الثالث: أن يكونَ بدلاً. وأعرب الفارسيُّ «زَيتونةٍ» مِنْ قولِه: « [بُوْقَدُ] مِنْ

стр. 5254

شجرةٍ مباركةٍ زَيْتُونةٍ» عطفَ بيان أيضاً. والصَّديدُ: ماءٌ يسيل مِنْ أجساد أهل النار. وقيل: ما حالَ بين الجلدِ واللحمِ مِنَ القَيْحِ.

стр. 5255

قوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ : يجوز أن تكونَ الجملةُ صفةً ل «ماءٍ» ، وان تكونَ حالاً من الضمير في «يُسْقَى» ، وأن تكونَ مستأنفةً. و «تَجَرَّع» تَفَعَّل وفيه احتمالاتٌ، أحدُها: أنه مطاوعٌ لجَرَّعْتُه نحو: عَلَّمْتُه فَتَعَلَّمْ. والثاني: أن يكونَ للتكلُّف نحو: تَحَلَّم، أي، يتكلَّفُ جَرْعَه، ولم يذكر الزمخشريُّ غيرَه: الثالث: أنه دالٌّ على المُهْلة نحو: فَهَّمته، أي: يتناوله شيئاً فشيئاً بالجَرْع، كما يَفْهم شيئاً فشيئاً بالتفهيم. الرابع: أنه بمعنى جَرَع المجرد نحو: «عَدَوْت الشيءَ» و «تَعَدَّيْتُه» . ﴿وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ ، أي: لم يقارِبْ إساغَته فكيف بحصولها؟ كقوله: «لَمْ يَكَدْ يَرَاها» وستأتي إن شاء الله. قوله: ﴿وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ في الضمير وجهان، أظهرُهما: أنه عائدٌ على «كل جبار» . والثاني: أنه عائدٌ على العذابِ المتقدِّمِ.
следующие страницы →