Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
الثاني: أنهم بدَّلوا نفسَ النعمةِ كفراً، على أنهم لمَّا كَفَروها سُلِبوها، فبَقُوا مَسْلوبِي النعمةِ موصوفين بالكفر حاصلاً لهم. قالهما الزمخشري. قلت: وعلى هذا فلا يُحتاج إلى حَذْفِ مضاف على هذا، وقد تقدَّم أن «بَدَّلَ» يتعدَّى لاثنين، أَوَّلُهما من غير حرف، والثاني بالباء، وأن المجرورَ هو المتروكُ، والمنصوبَ هو الحاصلُ، ويجوز حَذْفُ الحرفِ، فيكونُ المجرورُ بالباءِ هنا هو «نعمة» لأنها المتروكةُ. وإذا عَرَفْتَ هذا عَرَفْتَ أنَّ قولَ الحوفيِّ وأبي البقاء أنَّ «كفراً» هو المفعولُ الثاني ليس بجيدٍ؛ لأنه هو الذي يَصِل إليه الفعل بنفسِه لا بحرف الجر، وما كان كذا فهو المفعولُ الأول.
стр. 5287
قوله تعالى: ﴿جَهَنَّمَ﴾ : فيه ثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أنه بدلٌ من «دارَ» . الثاني: أنه عطفُ بيانٍ لها. وعلى هذين الوجهين فالإِحلالُ يقع في الآخرة. الثالث: أَنْ يَنْتَصِبَ على الاشتغال بفعلٍ مقدَّر، وعلى هذا فالإِحلالُ يقع في الدنيا، لأنَّ قولَه ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ واقعٌ في الآخرة.
ويؤيِّد هذا التأويلَ قراءةُ ابن أبي عبلة «جهنمُ» بالرفع، على أنها مبتدأٌ، والجملةُ بعدها الخبرُ. وتحتمل قراءةُ ابن أبي عبلة وجهاً أخرَ: وهو أن يرتفعَ على خبرِ ابتداءٍ مضمر، و «يَصْلَوْنها» حالٌ: إمَّا مِنْ «قومَهم» ، وإمَّا مِنْ «دارَ» ، وإمَّا مِنْ «جهنمَ» . وهذا التوجيهُ أَوْلى من حيث إنه لم يتقدَّمْ ما يرجِّح النصبَ، ولا ما يَجْعلُه مساوياً، والقرَّاءُ الجماهيرُ على النصبِ، فلم يكونوا ليتركُوا الأفصحَ، إلاَّ لأن المسألة لَيستْ من الاشتغالِ في شيءٍ. وهذا الذي ذكرتُه أيضاً مُرَجِّح لنصبهِ على البدليَّة أو البيانِ على انتصابِه على الاشتغال.
стр. 5288
والبَوارُ: الهَلاكُ، قال الشاعر:
٢٨٨ - ٨- فلم أرَ مثلَهُم أبطالَ حربٍ ... غداةَ الرَّوْعِ إذ خِيْفَ البوارُ
وأصلُه من الكَسادِ، كما قيل: كَسَد حتى فَسَد، ولَمَّا كان الكسادُ يؤدي إلى الفسادِ والهلاكِ أُطْلِقَ عليه البَوار. ويقال: بار يَبُورُ بَواراً وبُوراً، ورجل حائرٌ بائرٌ، وقوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ [الفتح: ١٢] يحتمل أن يكونَ مصدراً وُصِفَ به الجمعُ، وأن يكونَ جمع بائر في المعنى. ومِنْ وقوعِ «بُور» على الواحد قوله:
٢٨٨ - ٩- يا رسولَ المَليكِ إنَّ لساني ... راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذ أنا بُوْرُ
أي: هالِكٌ.
стр. 5289
قوله تعالى: ﴿لِّيُضِلُّواْ﴾ : قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيَضِلُّواْ﴾ بفتح الياء، والباقون بضمِّها، مِنْ «أَضَلَّه» . واللامُ هي لامُ الجرِّ مضمرةً «أنْ» بعدها، وهي لامُ العاقبةِ لمَّا كان مآلُهم إلى كذلك. ويجوز أن تكونَ للتعليل. وقيل: هي مع فتحِ الياءِ للعاقبةِ فقط، ومع ضمِّها محتملةٌ للوجهين، كأنَّ هذا القائلَ تَوَهَّم أنهم لم يجعلوا الأندادَ لضلالِهم، وليس كما زَعَم؛ لأنَّ منهم مَنْ كفر عناداً، واتخذ الآلهةَ ليضلَّ بنفسِه.
стр. 5290
قوله: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار﴾ «إلى النارِ» خبرُ «إنَّ» . و «المصير» مصدرٌ ل صار التامة، أي: فإنَّ مرجعَكم كائن إلى النار. وأجاز الحوفيُّ أَنْ يتعلقَ «إلى النار» ب «مصيرَكم» . وقد ردَّ هذا بعضُهم بأنه لو جعلناه مصدراً صار بمعنى انتقل، و «إلى النار» متعلقٌ به، بقيَتْ «إنَّ» بلا خبر، لا يقال: خبرُها حينئذ محذوفٌ؛ لأنَّ حَذْفَه في مثل هذا يَقِلُّ، وإنما يكثرُ حَذْفُه إذا كان الاسمُ نكرةً: والخبرُ ظرفاً أو جارَّاً كقوله:
٢٨٩ - ٠- إنَّ مَحَلاًّ وإنْ مُرْتَحَلا ... وإنَّ في السَّفْرِ ما مَضَى مَهَلا
стр. 5291
قوله تعالى: ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّ «يُقيموا» مجزومٌ بلامِ أمرٍ محذوفةٍ تقديرُه: ليقيموا، فحُذِفَتْ وبقي عملُها، كما يُحْذَفُ الجارُّ ويبقى عملُه، كقولِه:
٢٨٩ - ١- محمدُ تَفْدِ نفسَك كلُ نفسٍ ... إذا ما خِفْتَ مِنْ شيءٍ تَبالا
يريد: لِتَفْدِ. أنشده سيبويه، إلا أنَّه خَصَّه بالشعر. قال الزمخشري: «ويجوزُ أن يكونَ» يُقيموا «و» يُنْفِقوا «بمعنى: لِيُقيموا ولِيُنْفقوا، ويكون هذا هو المَقُولَ. قالوا: وإنما جاز حَذْفُ اللامِ لأنَّ الأمرَ الذي هو» قُلْ «عِوَضٌ منها، ولو قيل: يقيموا الصلاة ويُنفقوا ابتداءً بحذف اللام لم يَجُزْ» . قلت: وإلى قريبٍ من هذا نحا ابن مالك فإنه جَعَلَ حَذْفَ
стр. 5292
هذه اللامِ على أضربٍ: قليلٍ وكثيرٍ ومتوسطٍ. فالكثيرُ: أن يكونَ قبلَه قولٌ بصيغة الأمر كالآيةِ الكريمةِ، والقليلُ: أن لا يتقدَّمَ قولٌ كقوله: «محمدُ تَفْدِ» البيت، والمتوسط: أن يتقدَّمَ بغيرِ صيغةِ الأمرِ كقوله:
٢٨٩ - ٢- قُلْتُ لبَوَّابٍ لديهِ دارُها ... تِيْذَنْ فإني حَمْؤُها وجارُها
الثاني: أنَّ «يُقيموا» مجزوم على جوابِ «قُلْ» ، وإليه نحا الأخفش والمبرد. وقد رَدَّ الناسُ عليهما هذا بأنه لا يلزمُ مِنْ قوله لهم: أقيموا «أَنْ يَفْعلوا، وكم مَنْ تخلَّف عن هذا الأمر. وقد أجيب عن هذا: بأنَّ المرادَ بالعباد المؤمنون، ولذلك أضافهم إليه تشريفاً، والمؤمنون متى أَمَرَهم امْتَثَلُوا.
الثالث: أنه مجزومٌ على جوابِ المقولِ المحذوفِ تقديره: قل لعبادي: أقيموا وأَنْفِقُوا، يُقيموا وينفقوا. قال أبو البقاء: وعزاه للمبرد-» كذا ذكره جماعة ولم يتعرَّضوا لإِفسادِه. وهو فاسد لوجهين، أحدُهما: أنَّ جوابَ الشرطِ يُخالِفُ الشرطَ: إمَّا في الفعلِ أو في الفاعل أو فيهما، فأمَّا إذا كان مثلَه في الفعلِ والفاعلِ فهو خطأٌ كقولِك: قم تقمْ، والتقديرُ على ما ذُكِرَ في هذا الوجه: إنْ يُقيموا يُقيموا. والوجه الثاني: أنَّ الأمرَ المقدَّرَ للمواجهة، و «يُقيموا» على لفظ الغَيْبَةِ وهو خطأٌ، إذا كان الفاعل
стр. 5293
واحداً «. قلت: أمَّا الإِفسادُ الأولُ فقريبٌ، وأمَّا الثاني فليس بشيء؛ لأنه يجوز أن يقول: قل لعبدي أَطِعْني يُطِعْك، وإن كان للغَيْبة بعد المواجهة باعتبارِ حكايةِ الحال.
الرابع: أنَّ التقديرَ: إن تَقُلْ لهم: أقيموا، يُقيموا، وهذا مَرْوِيٌّ عن سيبويه فيما حكاه ابن عطية. قلت: وهذا هو القولُ الثاني.
الخامس: قال ابن عطية:» ويحتمل أن يكونَ «يُقيموا» جوابَ الأمرِ الذي يعطينا معناه قولُه «قُلْ» ؛ وذلك أن تجعلَ قولَه «قُلْ» في هذه الآيةِ بمعن بَلّغْ وأَدِّ الشريعةَ يُقيموا «.
السادس: قال الفراء:» الأمرُ معه شرطٌ مقدَّرٌ تقول: «أَطِعِ اللهَ يُدْخِلْكَ الجنَّةَ» .
والفرقُ بين هذا وبين ما قبله: أنَّ ما قبله ضُمِّن فيه الأمرُ نفسُه معنى الشرط، وفي هذا قُدر فعلُ الشرطِ بعد فعلِ الأمرِ مِنْ غيرِ تضمينٍ.
السابع: قال الفارسيُّ: «إنَّه مضارعٌ صُرِف عن الأمرِ إلى الخبرِ ومعناه: أقيموا» . وهذا مردودٌ؛ لأنه كان ينبغي أن يُثْبِتَ نونَه الدالَّةَ على إعرابه. وأُجيبَ عن هذا بأنه بُني لوقوعِه موقعَ المبني، كما بُني المنادى في نحو: «يا زيدُ» لوقوعِه موقعَ الضمير، ولو قيل بأنه حُذِفَتْ نونُه تخفيفاً على
стр. 5294
حَدِّ حَذْفها في قولِه: «لا تَدْخُلوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا» .
وفي معمول «قُلْ» ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: الأمرُ المقدَّرُ، أي: قُلْ لهم: أقيموا، يُقيموا، الثاني: أنه نفسُ «يُقيموا» على ما قاله ابنُ عطية الثالث: أنَّه الجملةُ من قولِه ﴿الله الذي خَلَقَ﴾ إلى آخره، قاله ابن عطية. وفيه تفكيكٌ للنَّظْم، وجَعْلُ الجملةِ «يُقيموا الصلاة» إلى آخره مُفلتاً ممَّا قبلَه وبعدَه، أو يكونُ جواباً فَصَل بين القولِ ومعمولِه، لكنه لا يترتَّبُ على قولِ ذلك إقامةُ الصلاةِ والإِنفاقُ، إلا بتأويلٍ بعيدٍ جداً.
قوله: «سِرَّاً وعلانِيَةً» في نصبِهِما ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُهما: أنهما حالان ممَّا تقدَّم، وفيهما ثلاثةُ التأويلاتِ في «زيد عَدْل» ، أي: ذوي سر وعلانية أو مُسِرِّين ومُعْلِنين، أو جُعِلوا نفسَ السِّرِّ والعَلانية مبالغةً. الثاني: أنهما منصوبان على الظرف، أي: وَقْتَيْ سِرٍّ وعلانية. الثالث: أنهما/ منصوبان على المصدرِ، أي إنفاق سرّ وإنفاق علانية.
قوله: «مِنْ قبل» متعلِّقٌ ب «يُقيموا» و «يُنْفِقوا» ، أي: يفعلون ذلك قبل هذا اليوم.
وقد تقدَّم خلاف القراء في ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ﴾ . والخِلال: المُخالَّة وهي المصاحبةُ. يقال: خالَلْتُه خِلالاً ومُخَالَّةً. قال طرفة:
٢٨٩ - ٣- كلُّ خليلٍ كنتُ خالَلْتُه ... لا تَرَكَ اللهُ له واضِحَهْ
стр. 5295
وقال امرؤ القيس:
٢٨٩ - ٤- صَرَفْتُ الهَوَى عنهنَّ مِنْ خشيةِ الرَّدى ... ولستُ بمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ
وقال الأخفش: «خِلال جمعاً لخُلَّة، نحو: بُرْمَة وبِرام» .
стр. 5296
قوله تعالى: ﴿مِنَ السمآء﴾ يجوز أن يتعلَّق بأًنْزَل، و «مِنْ» لابتداءِ الغاية، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ «ما» لأنه صفةٌ، في الأصل، وكذلك «مِن الثمرات» في الوجهين.
وجَوَّز الزمخشريُّ وابنُ عطيةَ أن تكونَ «مِنْ» لبيان الجنسِ، أي: رِزْقاً هو الثمرات. ويُرَدُّ عليهما: بأنَّ التي للبيان إنما تجيء بعد المبهم. وقد يُجاب عنهما: بأنهما أرادا ذلك من حيث المعنى لا الإِعراب. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك في البقرة.
و «بأَمْرِهِ» يجوز ان يكونَ متعلِّقاً ب «تَجْرِي» ، أي: بسببِه، أو بمحذوفٍ على أنها للحالِ، أي: ملتبسةً به.
стр. 5297
قوله تعالى: و ﴿دَآئِبَينَ﴾ : حالٌ مِنَ الشمسِ والقمرِ، وتقدَّم اشتقاقُ الدَّأْبِ.
стр. 5298
قوله تعالى: ﴿مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ : العامَّةُ على إضافةِ «كُلّ» إلى «ما» وفي «مِنْ» قولان، أحدُهما: أنها زائدةٌ في المفعولِ الثاني، أي: كُلِّ ما سألمتموه، وهذا إنما يتأتَّى على قولِ الأخفش. والثاني: أن تكونَ تبعيضيَّةً، أي: آتاكم بعضَ جميعِ ما سالتموه نظراً لكم ولمصالحكم، وعلى هذا فالمفعولُ محذوفٌ، تقديرُه، وآتاكم شيئاً مِنْ كُلِّ ما سألتموه، وهو رأيُ سيبويه.
و «ما» يجوز فيها أن تكونَ موصولةً اسمية أو حرفية أو نكرةً موصوفةً، والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعولِ، أي: مَسْؤولكم. فإن كانت مصدريَّةً فالضميرُ في «سَأَلْتموه» عائدٌ على الله تعالى، وإن كانتْ موصولةً أو موصوفةً كان عائداً عليها، ولا يجوزُ أن يكون عائداً على اللهِ تعالى، وعائدُ الموصولِ أو الموصوفِ محذوفٌ؛ لأنه: إمَّا أن يُقَدَّر متصلاً: سألتموهوه أو منفصلاً: سألتموه إياه، وكلاهما لا يجوز فيه الحَذْفُ لِما قدَّمْتُ لك أولَ البقرةِ في قوله ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ .
وقرأ ابنُ عباس ومحمد بن علي وجعفر بن محمد والحسن والضحّاك وعمرو بن فائد وقتادة وسلام ويعقوب ونافع في روايةٍ، ﴿مِّن كُلِّ﴾ منونةً. وفي «ما» على هذه القراءة وجهان، أحدُهما: أنها نافية، وبه بدأ الزمخشري فقال: «وما سأَلْتُموه نفيٌ، ومحلُّه النصبُ على الحال، أي:
стр. 5299
آتاكم من جميعِ ذلك غيرَ سائِلية» . قلت: ويكون المفعولُ الثاني هو الجارِّ مِنْ قوله «مِنْ كُلٍ» ، كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] .
والثاني: أنها موصولةٌ بمعنى الذي، هي المفعول الثاني لآتاكم. وهذا التخريجُ الثاني أَوْلَى، لأنَّ في الأول منافاةً في الظاهر لقراءةِ العامَّة. قال الشيخ: «ولما أحسَّ الزمخشريُّ بظهورِ التنافي بين هذه القراءةِ وبين تلك قال:» ويجوز أن تكونَ «ما» موصولةً على: وآتاكم مِنْ كُلِّ ذلك ما احتجتم إليه، ولم تصلُحْ أحوالُكُم ولا معائِشُكم إلا به، فكأنكم طلبتموه أو سألتموه بلسانِ الحال، فتأوَّل «سَأَلْتموه» بمعنى ما احتجتم إليه «.
قول:» نعمةَ «في معنى المُنْعِمِ به، وخُتِمَتْ هذه ب ﴿إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ﴾ ، ونظيرتُها في النحل ب ﴿إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ، لأنَّ في هذه تقدَّمَ قولُه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾ [إبراهيم: ٢٨] ، وبعده ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ [إبراهيم: ٣٠] ، فجاء قولُه ﴿إِنَّ الإنسان﴾ شاهداً بقُبْحِ مَنْ فَعَلَ ذلك، فناسَبَ خَتْمَها بذلك، والتي في النحل ذكر فيها عدةَ تفصيلاتٍ وبالَغَ فيها، وذكر قولَه ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] ، أي: مَنْ أوجَدَ هذه النِّعَمَ السابقَ ذكرُها كَمَنْ لم يَقْدِرْ منها على شيءٍ، فَذَكَرَ أيضاً أنَّ مِنْ جملة تَفَضُّلاتِه اتصافَه بهاتين الصفتين.
стр. 5300
قوله تعالى: ﴿هذا البلد آمِناً﴾ : مفعولا الجَعْلِ التصييري، وقد تقدَّم تحريرُه في البقرة. قال الزممخشري: «فإن قلت: أيُّ فَرْقٍ بين قولِه ﴿اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: ١٢٦] وبين قولِه ﴿هذا البلد آمِناً﴾ ؟ قلت: قد سأل في الأول أن يجعلَه مِنْ جملة البلادِ التي يأْمَنُ أهلُها ولا يخافون، وفي الثاني أن يُخْرجَه مِنْ صفةٍ كان عليها من الخوفِ إلى ضِدِّها من الأمنِ، كأنه قال: هو بلدٌ مَخُوفٌ فاجْعَلْه آمِناً» .
قوله: ﴿واجنبني﴾ يُقال: جَنَبَه شرَّاً، / وأَجْنَبَه إياه، ثلاثياً، ورباعياً، وهي لغةُ نجدٍ، وجَنِّبه إياه مشدداً، وهي لغةُ الحجازِ، وهو المَنْعُ، وأصلُه مِنَ الجانب. وقال الراغب: «وقولُه تعالى: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ﴾ مِنْ جَنَبْتُه عن كذا، أي: أَبْعَدْتُه منه. وقيل: مِنْ جَنَبْتُ الفَرَسَ كأنما أن يقودَه عن جانبِ الشِّرْك بألطافٍ منه وأسبابٍ خفيَّةٍ» .
و ﴿أَن نَّعْبُدَ﴾ على حَذْفِ الحرف، أي: عن أن. وقرأ الجحدريُّ وعيسى الثقفي «وأَجْنِبْني» بقطعِ الهمزة مِنْ أَجْنَبَ.
стр. 5301
والضميرُ في «إنَّهُنَّ» و «أَضْلَلْنَ» عائدٌ على الأصنامِ لأنها جمعُ تكسيرٍ غيرُ عاقلٍ. وقوله «مني» ، أي: من أشياعي.
قوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ شرطٌ، ومحلُّ «مَنْ» الرفعُ بالابتداءِ، والجوابُ ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ والعائدُ محذوفٌ، اي: له.
стр. 5302
قوله تعالى: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ : يجوزُ أَنْ يكون المفعولُ محذوفاً، وهذا الجارُّ صفتُه، أي: أسكنْتُ ذريةً مِنْ ذريتي. ويجوز أن تكونَ «مِنْ» مزيدةً عند الأخفش.
قوله: «بوادٍ» ، أي: في وادٍ، نحو: هو بمكة.
قوله: ﴿عِندَ بَيْتِكَ﴾ يجوز أن يكونَ صفةً ل «وادٍ» . وقال أبو البقاء: «ويجوز أن يكونَ بدلاً منه» ، يعني أنه يكونُ بدلَ بعضٍ مِنْ كُلّ، لأنَّ الواديَ أعمُّ مِنْ حضرةِ البيت. وفيه نظرٌ، من حيث إنَّ «عند» لا تتصرَّف.
قوله: «ليُقِيموا» يجوز أَنْ تكونَ هذه اللامُ لامَ أمرٍ، وأن تكونَ لامَ علَّة. وفي متعلقها حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أنها متعلقةٌ بأَسْكنْتُ وهو ظاهرٌ، ويكون النداءُ معترضاً. الثاني: أنها متعلقةٌ باجْنُبْني، أي: اجْنُبْهم الأصْنامَ ليُقِيموا، وفيه بُعْدٌ.
قوله: ﴿أَفْئِدَةً مِّنَ الناس﴾ العامَّةُ على «أفْئِدة» جمع «فُؤاد» كغُراب وأَغْربة. وقرأ هشام عن ابن عامر بياءٍ بعد الهمزة، فقيل: إشباع، كقوله:
٢٨٩ - ٥-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... يُحِبَّك عَظْمٌ في الترابِ تَرِيْبُ
стр. 5303
أي: تَرِب، وكقوله:
٢٨٩ - ٦- أعوذُ باللهِ مِنَ العَقْرابِ ... الشائلاتِ عُقدَ الأَذْنابِ
وقد طعن جماعةٌ على هذه القراءةِ وقالوا: الإِشباعُ من ضرائرِ الشعر فكيف يُجْعَلُ في أفصحِ كلامٍ؟ وزعم بعضُهم أنَّ هشاماً إنَّما قرأ بتسهيلِ الهمزةِ بين بين، فظنَّها الراوي زيادةَ ياءٍ بعد الهمزة، قال: «كما تُوُهِّم عن أبي عمروٍ واختلاسُه في» بارئكم «و» يَأْمُركم «أنه سَكَّن» . وهذا ليس بشيءٍ فإنَّ الرواةَ أجلُّ من هذا.
وقرأ زيدٌ بن عليّ «إفادة» بزنةِ «رِفادة» ، وفيها وجهان، أحدهما: أن يكونَ مصدراً لأِفاد كأَقام إقامةً، أي: ذوي إفادةٍ، وهم الناسُ الذين يُنْتَفَعُ بهم. والثاني: أن يكون أصلُها «وِفادة» فأُبْدِلَتِ الواوُ همزةً نحو: إشاح وإعاء.
وقرأت أمُّ الهيثم «أَفْوِدَة» بواوٍ مكسورة، وفيها وجهان، أحدُهما: أن يكونَ جمع «فُوَاد» المُسَهًّل: وذلك أنَّ الهمزةَ المفتوحةَ المضمومَ ما قبلها يَطَّرِد قَلْبُها واواً نحو: جُوَن، ففُعِل في «فُؤاد» المفرد ذلك، فأُقِرَّت في الجمع على حالها. والثاني: قال صاحب «اللوامح» : «هي جمعُ وَفْد» . قلت: فكان ينبغي أن يكونَ اللفظ «أَوْفِدة» بتقديم الواو، إلا أن يُقال: إنه
стр. 5304
جَمَعَ «وَفْداً» على «أَوْفِدَة» ثم قلَبه فوزنه أَعْفِلَة، كقولهم: آرام في أرْآم وبابِه، إلا أنه يَقِلُّ جمعُ فَعْل على أفْعِلة نحو: نَجْد وأَنْجدة، وَوَهْي وأَوْهِيَة. وأمُّ الهيثمِ امرأةٌ نُقِلَ عنها شيءٌ من اللغة.
وقُرِىء «آفِدَة» بزِنَةِ ضارِبة، وهي تحتمل وجهين، أحدُهما: أن تكونَ مقلوبةً مِنْ أَفئدة بتقديم الهمزة على الفاء فَقُلِبَتْ الهمزةُ ألفاً، فوزنها أَعْفِلة كآرام في أرْآم.
والثاني: أنها اسمُ فاعلٍ مِنْ أَفِد يَأْفَدُ، أي: قَرُب ودَنا، والمعنى: جماعة آفِدَة، أو جماعات آفِدة.
وقُرِئ «آفِدَة» بالقَصْرِ، وفيها وجهان أيضاً، أحدُهما: أن يكونَ اسمَ فاعلٍ على فَعِل كفَرِحَ فهو فَرِح. [والثاني] : أن تكونَ محففةً من «أَفْئِدة» . بنَقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى الساكن قبلها، وحَذْفِ الهمزةِ.
و «من الناس» في «مِنْ» وجهان، أحدُهما: أنها لابتداءِ الغاية. قال الزمخشريُّ: «ويجوز أن تكونَ» مِنْ «لابتداءِ الغايةِ كقولك:» القلبُ مني سقيم «تريد: قلبي، كأنه قيل: أفئدةَ ناسٍ، وإنما نَكَّرْتَ المضافَ في هذا التمثيلِ لتنكيرِ» أَفْئدة «لأنها في الآية نكرةٌ، ليتناولَ بعضَ الأفئدةِ» . قال الشيخ: «ولا يَظْهر كونُها للغايةِ؛ لأنه ليس لنا فِعْلٌ يُبتدأ فيه بغايةٍ ينتهي إليها، إذ/ لا يَصِحُّ جَعْلُ ابتداءِ الأفئدة من الناس» .
стр. 5305
والثاني: أنها للتبعيضِ، وفي التفسير: لو لم يقل «من الناس» لحجَّ الناسُ كلُّهم.
قوله: «تَهْوي» هذا هو المفعولُ الثاني للجَعْل. والعامَّة «تَهْوِي» بكسرِ العين بمعنى: تُسْرِعُ وتَطيرُ شوقاً إليهم. قال:
٢٨٩ - ٧- وإذا رَمَيْتَ به الفِجاجَ رَأَيْتَه ... يَهْوي مخارمَها هُوِيَّ الأجْدَلِ
وأصلُه أنْ يتعدَّى باللام، كقوله:
٢٨٩ - ٨- حتى إذا ما هَوَتْ كفُّ الغلامِ لها ... طارَتْ وفي كَفِّه مِنْ ريشِها بِتَكُ
وإنَّما عُدِّي ب «إلى» لأنه ضُمِّنَ معنى «تميل» ، كقوله:
٢٨٩ - ٩- تَهْوي إلى مكَّةَ تَبْغي الهدى ... ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كأَنْجاسِها
وقرأ أميرُ المؤمنين علي وزيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر ابن محمد ومجاهد بفتح الواو، وفيه قولان، أحدُهما: أنَّ «إلى» زائدةٌ، أي: تهواهم. والثاني: أنه ضُمِّنَ معنى تَنْزِعُ وتميل، ومصدرُ الأول على «هُوِيّ» ، كقوله:
٢٩٠ - ٠-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ...
стр. 5306
يَهْوي مخارِمَها هُوِيَّ الأجْدَل
والثاني على «هَوَى» . وقال أبو البقاء: «معناهما متقاربان إلاَّ أَنَّ هَوَى - يعني بفتح الواو- متعدٍّ بنفسه، وإنما عُدِّيَ بإلى حَمْلاً على تميل» .
وقرأ مسلمة بن عبد الله: «تُهْوَى» بضم التاء وفتح الواو مبنياً للمفعول مِنْ «أهوى» المنقول مِنْ «هَوِيَ» اللازمِ، أي: يُسْرَع بها إلى إليهم.
стр. 5307
قوله تعالى: ﴿عَلَى الكبر﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ «على» على بابها من الاستعلاءِ المجازيِّ. والثاني: أنها بمعنى مع كقوله:
٢٩٠ - ١- إنِّي على ما تَرَيْنَ من كِبَري ... أعلمُ مِنْ تُؤْكَلُ الكَتِفَ
قاله الزمخشري. ومحلُّ هذا الجارِّ النصبُ على الحالِ من الباء في «هَبْ لي» .
قوله: ﴿لَسَمِيعُ الدعآء﴾ فيه أوجه، أحدُها: أن يكون فعيل مثالَ مبالغةٍ مضافاً إلى مفعولِه، وإضافتُه مِنْ نصبٍ، وهذا دليلٌ لسيبويه على أن فَعِيلاً يعملُ عملَ اسمِ الفاعل، وإن كان قد خالف جمهور البصريين والكوفيين.
стр. 5308
الثاني: انَّ الإِضافةَ ليسَتْ مِنْ نصبٍ، وإنما هو كقولك: «هذا ضاربُ زيدٍ أمس» . الثالث: أنَّ سميعاً مضافٌ لمرفوعه ويُجْعَلُ دعاءُ الله سميعاً على المجاز، والمراد سماع الله، قاله الزمخشري.
قال الشيخ: «وهو بعيدٌ لاستلزامِهِ أن يكونَ من الصفة المشبهة والصفةُ متعديةُ، وهذا إنما يتأتَّى على قولِ الفارسيِّ فإنه يُجيز أن تكونَ الصفةُ المشبهة من الفعلِ المتعدِّي بشرطِ أَمْنِ اللَّبْس نحو:» زيد ظالمُ العبيد «إذا عُلِم أن له عبيداً ظالمين، وأمَّا هنا فالَّبْسُ حاصلٌ؛ إذ الظاهرُ أنه من إضافةِ المثالِ للمفعولِ لا للفاعل» .
قلت: واللَّبْسُ أيضاً هنا مُنْتَفٍ لأن المعنى على الإِسناد المجازي كما تقرَّر فانتفى اللَّبْسُ.
стр. 5309
قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَتِي﴾ : عطفٌ على المفعولِ الأول ل «اجعلني» ، أي: واجعل بعضَ ذرِّيَّتي مقيمَ الصلاة. وهذا الجارُّ في الحقيقة صفةٌ لذلك المحذوفِ، أي: وبعضاً من ذريتي.
قوله: ﴿وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾ قرأ أو عمروٍ وحمزةُ وورشٌ بإثبات الياء وصلاً وحَذْفِها وقفاً، والبزيُّ بإثباتها في الحالين، والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً، وقد روي بعضُهم إثباتَها وقفاً أيضاً.
стр. 5310
قوله تعالى: ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ : العامَّةُ على «والِدَيَّ» بألفٍ
стр. 5311
بعد الواو وتشديدِ الياء، وابن جبير كذلك، إلا أنه سَكَّن الياءَ أراد والده وحدّه كقولِه ﴿واغفر لأبي﴾ [الشعراء: ٨٦] .
وقرأ الحسين بن علي ومحمد وزيد ابنا علي بن الحسين وابن يعمر «ولولدي» دون ألف، تثنية وَلَد، ويعني بهما إسماعيل وإسحاق، وأنكرها الجحدريُّ بأنَّ في مصحف أُبَيّ «ولأبويَّ» فهي مفسِّرةٌ لقراءةِ العامَّة.
ورُوي عن ابنِ يعمر أنَّه قرأ «ولِوُلْدي» بضمِّ الواو وسكونِ الياء، وفيها تأويلان، أحدُهما: أنه جمع «وَلَد» كأُسْد في «أَسَد» ، وأنْ يكونَ لغةً في الوَلَد كالحُزْن والحَزَن، والعَدَم والعُدْم، والبُخْل والبَخَل، وعليه قول الشاعر:
٢٩٠ - ٢- فليتَ زياداً كان في بَطْنِ أمِّه ... وليت زياداً كان وُلْدَ حمارِ
وقد قُرِئَ بذلك في مريم والزخرف ونوح في السبعة، كما سيأتي إن شاء اللهُ تعالى. و «يومَ» نصبٌ ب «اغفر» .
стр. 5312
قوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ﴾ : أي: لأَجْلِ يومٍ، فاللامُ للعلَّة وقيل: بمعنى إلى، أي: للغاية. وقرأ العامَّة «يُؤَخِّرُهم» بالياء لتقدُّم اسمِ الله
стр. 5313
الكريم. وقرأ الحسن والسلميُّ والأعرج وخلائق - وتُروى عن أبي عمرو - «نَؤَخِّرُهم» بنون العظمة. و «تَشْخَصُ» صفةٌ ل «يوم» ومعنى شُخُوصِ البصر حِدّةُ النظرِ وعَدَمُ استقرارِه في مكانِه، ويقال: شَخَص سَهْمُهُ وبَصَرُه وأشخصَهما صاحبُهما، وشَخَصَ بصرُه: لم يَطْرِفْ جَفْنُه، ويقال: شَخَص/ مِنْ بلدِه، أي: بَعُدَ، والشَّخْص: سوادُ الإِنسانِ المَرْئِيِّ من بعيد.
стр. 5314
قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ : حالان من المضافِ المحذوفِ؛ إذ التقديرُ: أصحاب الأبصار، إذ يُقال: شَخَصَ زيدٌ بصرَه، أو تكون الأبصارُ دلَّتْ على أربابِها فجاءت الحالُ مِن المدلولِ عليه، قالهما أبو البقاء. وقيل: «مُهْطِعين» منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، اي: يُبْصِرُهم مُهْطِعين. ويجوز في «مُقْنِعي» أن يكونَ حالاً من الضمير في «مُهْطِعين» فتكون حالاً متداخلةً. وإضافة «مُقْنعي» غيرُ حقيقيةٍ فلذلك وَقَعَتْ حالاً.
والإِهطاع: قيل: الإِسراعُ في المشي قال:
٢٩٠ - ٣- إذا دعانا فأَهْطَعْنا لدَعْوَته ... داعٍ سميعٌ فَلَفُّونا وساقُوْنا
стр. 5315
وقال:
٢٩٠ - ٤- وبمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأن عِنَانَه ... في [رأس] جَذْعٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال أبو عبيدة: «قد يكون الإِسراعَ وإدامةَ النظر» . وقال الراغب: «هَطَع الرجلُ ببصره إذا صَوَّبه، وبعيرٌ مُهْطِعٌ إذا صَوَّب عُنُقَه» . وقال الأخفش: «هو الإِقبالُ على الإِصغاء» وأنشد:
٢٩٠ - ٥- بِدِجْلَةَ دارُهُمْ ولقد أراهُمْ ... بِدِجْلِةَ مُهْطِعِيْن إلى السَّماعِ
والمعنى: مُقْبِلِيْن برؤوسهم إلى سَماع الدَّاعي. وقالَ ثعلب: «أَهْطِع الرجلُ إذا نظر بِذُلٍّ وخُشُوعِ، لا يُقْلِعُ ببصره» ، وهذا موافِقٌ لقول أبي عبيدٍ فقد سُمِعَ فيه: أَهْطَعَ وهَطَعَ رباعياً وثلاثياً.
стр. 5316
والإِقناع: رَفْعُ الرأسِ وإدامةُ النظر من غيرِ التفاتٍ إل غيرِه، قاله القتبيُّ وابنُ عرفة، ومنه قولُه يَصِفُ إبلاً ترعى أعالي الشجر فترفع رؤوسها:
٢٩٠ - ٦- يُباكِرْن العِضَاهَ بمُقْنَعاتٍ ... نواجِذُهُنَّ كالِحَدأ الوَقيع
ويقال: أَقْنَعَ رأسَه، أي: طَأْطَأها ونَكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعَةُ: الاجتِزاءُ باليسير، ومعنى قَنِع بكذا: ارتفع رأسُه عن السؤال، وفَمٌ مُقَنَّع: مَعْطُوفُ الأسنان داخله ورجلٌ مُقَنَّعٌ بالتشديد. ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعةً وقَنَعاً إذا رَضِيَ، وقَنَعَ قُنُوعاً إذا سَأَل، فوقع الفرقُ بالمصدر.
وقال الراغب: «قال بعضُهم:» أصلُ هذه الكلمةِ مِن القِناع، وهو ما يُغَطَّي الرأسَ، والقانِعُ مَنْ [لا] يُلحُّ في السؤال فَيَرْضَى بما يأتيه كقوله:
٢٩٠ - ٧-
стр. 5317
لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْني ... مَفاقِرَه أعفُّ مِنَ القُنُوعِ
ورجل مَقْنَعٌ يُقْنِعُ به. قال:
٢٩٠ - ٨-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... شُهودِيْ على لَيْلَى عُدُولٌ مَقانِعُ
والرُّؤوس: جمع رَأْس وهو مؤنثٌ، ويُجْمَع في القلة على أَرْؤُس، وفي الكثرةِ على رُؤوس، والأَرْأَسُ: العظيم الرأسِ، ويُعَبَّر بها عن الرجل العظيم كالوجهِ، والرئيس مشتق مِنْ ذلك، ورِئاسُ السيفِ مَقْبَضُهُ، وشاةٌ رَأْساء اسْوَدَّت رأسُها.
قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ﴾ في محلِّ نصب على الحال أيضاً من الضمير في «مُقْنِعِي» . ويجوز أن يكونَ بدلاً من «مُقْنِعي» كذا قال أبو البقاء، يعني أنه يَحُلُّ مَحَلَّه. ويجوز أن يكونَ استئنافاً.
والطَّرْفُ في الأصل مصدرٌ، وأُطْلِقَ على الفاعلِ لقولِهم: «ما فيهم عَيْنٌ تَطْرِفُ» ، [ولعلَّه] هنا العينُ. قال:
٢٩٠ - ٩- وأَغُضُّ طَرْفي ما بَدَتْ لي جارَتي ... حتى يُواري جارَتي مَأْواها
стр. 5318
والطَّرْفُ: الجَفْنُ أيضاً، يقال: ما طَبَّق طَرْفَه - أي: جَفْنَه - على الآخر، والطَّرْفُ أيضاً تحريكُ الجَفْن.
قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ يجوز أن يكونَ استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعاملُ فيه: إمَّا «يَرْتَدُّ» ، وإمَّا ما قبله من العوامل. وأفرد «هواء» وإن كان خبراً عن جمعٍ لأنه في معنى: فارغة متخرِّقة، ولو لم يقصِدْ ذلك لقال: «أَهْوِيَة» ليُطابِقَ الخبرُ مبتدأه.
والهواءُ: الخالي من الأجسام، ويُعَبَّر به عن الجبن، يقال: جَوْفُه هواءٌ، أي: فارغ، قال زهير:
٢٩١ - ٠- كأن ارَّحْلَ منها فوق صَعْلٍ ... من الظَّلْمَانِ جُؤْجُؤُه هَواءُ
وقال حسان بن ثابت ﵁:
٢٩١ - ١-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وأنت مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هواءُ
النَّخِب: الذي أَخَذْتَ نُخْبَته، أي: خِيارَه.
стр. 5319
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ : مفعولٌ ثانٍ ل «أَنْذِرْ» ، أي: خَوِّفْهم عذابَ يومٍ، كذا قدَّره أبو البقاء، وفيه نظرٌ؛ إذ يَؤُول إلى قولِك: أَنْذِرْ عذابَ يومِ يأتيهم العذابُ، فلا حاجةَ إلى ذلك. ولا جائزٌ أن يكونَ ظرفاً
стр. 5320
له، لأنَّ ذلك اليومَ لا إنذارَ فيه، سواءً قيل: إنه يومُ القيامةِ، أو يومٌ لهلاكهم، أو يومَ يلقاهم الملائكةُ. وقوله: «نُجِبْ» جوابُ الأمر.
قوله: ﴿أَوَلَمْ تكونوا﴾ قال الزمخشريُّ: «على إرادةِ القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بَطَراً وأَشَرَاً، وأَنْ يقولوه بلسان الحالِ حيث بَنَوْا شديداً وأمَّلوا بعيداً» .
و «مالكم» جوابُ القسمِ، وإنما جاء بلفظِ الخطابِ، لقوله: «أَقْسَمْتُمْ» ولو جاء بلفظِ المُقْسِمين لقيل: ما لنا. وقَدَّر الشيخ ذلك القولَ من قولِ الله تعالى أو الملائكةِ، أي: فيقال لهم: أو لم تكونوا. وهو عندي أظهرُ مِن الأول، أعني جَرَيانَ القولِ مِنْ غيرهم لا منهم.
стр. 5321
قوله تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن﴾ : أصلُ «سَكَن» التعدِّي ب «في» كما في هذه الآيةِ، وقد يتعدَّى بنفسه. قال الزمخشريُّ: «السُّكْنَى مِن السكونِ الذي هو اللُّبْث، وأصلُ تَعَدِّيه ب» في «كقولك: قَرَّ/ في الدارِ، وأقامَ فيها، وغَنِي فيها، ولكنه لمَّا نُقِل إلى سكونٍ خاص تصَرَّفَ فيه، فقيل:» سَكَنَ الدارَ «كما قيل: تبوَّأَها وأَوْطَنها، ويجوز ان يكونَ مِن السُّكون، اي: قَرُّوا فيها واطمأنُّوا» .
قوله: «وتَبَيَّنَ» فاعلُه مضمرٌ لدلالةِ الكلامِ عليه، [أي] : حالُهم وخبرُهم وهلاكُهم. و «كيف» نَصْبٌ بفَعَلْنا، وجملةُ الاستفهامِ ليست معمولةً ل «تَبَيَّن» ؛ لأنه من الأفعال التي لا تُعَلَّق، ولا جائزٌ أن يكونَ «كيف» فاعلاً،؛
стр. 5322
لأنها: إمَّا شرطيةٌ أو استفهاميةٌ، وكلاهما لا يعمل فيه ما تقدَّمه، والفاعلُ لا يتقدَّم عندنا.
وقال بعض الكوفيين: «إنَّ جملةَ» كيف فَعَلْنا «هو الفاعلُ» ، وهم يُجيزون أن تكونَ الجملةُ فاعلاً، وقد تقدم هذا قريباً في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] .
والعامَّةُ على «تَبَيَّن» فعلاً ماضياً. وقرأ عمر لن الخطاب والسُّلَمي في روايةٍ عنه: «ونُبَيِّنَ» بضمِّ النونِ الأولى والثانية، مضارع «بَيَّن» ، وهو خبرُ مبتدأ مضمرٍ، والجملةُ حالٌ، أي: ونحنُ نبيِّن. وقرأ السُّلَميُّ - فيما نقل المهدويُّ - كذلك إلاَّ أنه سَكَّن النونَ للجزمِ نَسَقاً على «تكونوا» ، فيكونُ داخلاً في حيِّز التقدير.
стр. 5323
قوله تعالى: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ : يجوز أن يكونَ هذا المصدرُ مضافاً لفاله كالأولِ بمعنى: أنَّ مَكْرَهُمْ الذي مكروه جزاؤُه عند الله تعالى، أو للمفعولِ، بمعنى: أنَّ عند الله مَكْرَهم الذي يَمْكُرُهم به، أي: يُعَذِّبهم. قالهما الزمخشري. قال الشيخ: «وهذا لا يَصِحُّ إلا إنْ كان» مَكَرَ «يتعدَّى بنفسِه كما قال هو، إذ قدَّر: يمكرهم به، والمحفوظ أنَّ» مَكَر «لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسِه. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: ٣٠] ، وتقول: زيدٌ ممكورٌ به، ولا يُحْفظ» زيدٌ ممكورٌ «بسبب كذا» .
стр. 5324
قوله «لِتَزُولَ» قرأ العامَّةُ بكسر اللام، والكسائيُّ بفتحِها فأمَّا القراءةُ الأولى ففيها ثلاثة أوجه، أحدُها: أنها نافيةٌ واللامُ لامُ الجحودِ؛ لأنها بعد كونٍ منفيّ، وفي «كان» حينئذٍ قولان، أحدُهما: أنها تامَّةٌ، والمعنى: تحقيرُ مَكْرِهم، أنه ما كان لتزولَ منه الشرائع التي كالجبالِ في ثبوتِها وقوتِها. ويؤيد كونَها نافيةً قراءةُ عبد الله: «وما كان مَكْرُهم» . القول الثاني: أنها ناقصةٌ، وفي خبرِها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين: هل هو محذوفٌ واللامُ متعلقةٌ به، وإليه ذهب البصريون، أو هذه اللام وما جَرَّتْه، كما هو مذهبُ الكوفيين، وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.
الوجه الثاني: أن تكونَ المخففةَ من الثقيلة. قال الزمخشري: «وإنْ عَظُمَ مكرُهم وتبالغَ في الشدَّةِ، فضرب زوالَ الجبالِ منه مثلاً لشدَّته، أي: وإنْ كان مَكْرُهم مُعَدَّاً لذلك» . وقال ابن عطية: «ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءةِ: تَعظيمَ مَكْرِهم، أي: وإن كان شديداً، إنما يفعل لتذهب به عظامُ الأمور» فمفهومُ هذين الكلامين أنها مخففةٌ لأنه إثباتٌ.
والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابُها محذوف، أي: وإنْ كان مكرُهم مُعَدَّاً لإِزالةِ أشباهِ الجبال الرواسي، وهي المعجزات والآيات، فالله مجازِيْهم بمكرٍ هو أعظمُ منه. وقد رُجَّح الوجهان الأخيران على الأول وهو أنها نافيةٌ؛ لأن فيه
стр. 5325
معارضةً لقراءة الكسائي، وذلك أن قراءَته تُؤْذِنُ بالإِثباتِ، وقراءةَ غيره تُؤْذن بالنفي.
وقد أجاب بعضُهم عن ذلك بأنَّ الحالَ في قراءة الكسائي مُشارٌ بها إلى أمورٍ عظام غيرِ الإِسلامِ ومُعجزاتِه كمكرهم صلاحيةَ إزالتها، وفي قراءةِ الجماعةِ مُشارُ بها إلى ما جاء به النبيُّ ﷺ من الدين الحق، فلا تَعارُضَ، إذ لم يتواردا على معنى واحدٍ نفياً وإثباتاً.
وأمَّا قراءةُ الكسائي ففي «إنْ» وجهان: مذهبُ البصريين، أنها المخففةُ واللام فارقة، ومذهبُ الكوفيين: أنها نافيةٌ واللامُ بمعنى «إلا» ، وقد تقدَّم تحقيقُ المذهبين.
وقرأ عمرُ وعليٌّ وعبد الله وزيد بن علي وأبو سلمة وجماعة «وإن كاد مكرهم لَتزول» كقراءةِ الكسائي إلا أنهم جعلوا مكان نون «كان» دالاًّ فعلَ مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوالَ غيرُ واقعٍ.
وقُرِء «لَتَزُوْل» بفتح اللامين. وتخريجهما على إشكالها أنها جاءَتْ على لغةِ مَنْ يفتح لام «كي» .
следующие страницы →