Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
قوله تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن﴾ : أصلُ «سَكَن» التعدِّي ب «في» كما في هذه الآيةِ، وقد يتعدَّى بنفسه. قال الزمخشريُّ: «السُّكْنَى مِن السكونِ الذي هو اللُّبْث، وأصلُ تَعَدِّيه ب» في «كقولك: قَرَّ/ في الدارِ، وأقامَ فيها، وغَنِي فيها، ولكنه لمَّا نُقِل إلى سكونٍ خاص تصَرَّفَ فيه، فقيل:» سَكَنَ الدارَ «كما قيل: تبوَّأَها وأَوْطَنها، ويجوز ان يكونَ مِن السُّكون، اي: قَرُّوا فيها واطمأنُّوا» .
قوله: «وتَبَيَّنَ» فاعلُه مضمرٌ لدلالةِ الكلامِ عليه، [أي] : حالُهم وخبرُهم وهلاكُهم. و «كيف» نَصْبٌ بفَعَلْنا، وجملةُ الاستفهامِ ليست معمولةً ل «تَبَيَّن» ؛ لأنه من الأفعال التي لا تُعَلَّق، ولا جائزٌ أن يكونَ «كيف» فاعلاً،؛
стр. 5322
لأنها: إمَّا شرطيةٌ أو استفهاميةٌ، وكلاهما لا يعمل فيه ما تقدَّمه، والفاعلُ لا يتقدَّم عندنا.
وقال بعض الكوفيين: «إنَّ جملةَ» كيف فَعَلْنا «هو الفاعلُ» ، وهم يُجيزون أن تكونَ الجملةُ فاعلاً، وقد تقدم هذا قريباً في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] .
والعامَّةُ على «تَبَيَّن» فعلاً ماضياً. وقرأ عمر لن الخطاب والسُّلَمي في روايةٍ عنه: «ونُبَيِّنَ» بضمِّ النونِ الأولى والثانية، مضارع «بَيَّن» ، وهو خبرُ مبتدأ مضمرٍ، والجملةُ حالٌ، أي: ونحنُ نبيِّن. وقرأ السُّلَميُّ - فيما نقل المهدويُّ - كذلك إلاَّ أنه سَكَّن النونَ للجزمِ نَسَقاً على «تكونوا» ، فيكونُ داخلاً في حيِّز التقدير.
стр. 5323
قوله تعالى: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ : يجوز أن يكونَ هذا المصدرُ مضافاً لفاله كالأولِ بمعنى: أنَّ مَكْرَهُمْ الذي مكروه جزاؤُه عند الله تعالى، أو للمفعولِ، بمعنى: أنَّ عند الله مَكْرَهم الذي يَمْكُرُهم به، أي: يُعَذِّبهم. قالهما الزمخشري. قال الشيخ: «وهذا لا يَصِحُّ إلا إنْ كان» مَكَرَ «يتعدَّى بنفسِه كما قال هو، إذ قدَّر: يمكرهم به، والمحفوظ أنَّ» مَكَر «لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسِه. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: ٣٠] ، وتقول: زيدٌ ممكورٌ به، ولا يُحْفظ» زيدٌ ممكورٌ «بسبب كذا» .
стр. 5324
قوله «لِتَزُولَ» قرأ العامَّةُ بكسر اللام، والكسائيُّ بفتحِها فأمَّا القراءةُ الأولى ففيها ثلاثة أوجه، أحدُها: أنها نافيةٌ واللامُ لامُ الجحودِ؛ لأنها بعد كونٍ منفيّ، وفي «كان» حينئذٍ قولان، أحدُهما: أنها تامَّةٌ، والمعنى: تحقيرُ مَكْرِهم، أنه ما كان لتزولَ منه الشرائع التي كالجبالِ في ثبوتِها وقوتِها. ويؤيد كونَها نافيةً قراءةُ عبد الله: «وما كان مَكْرُهم» . القول الثاني: أنها ناقصةٌ، وفي خبرِها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين: هل هو محذوفٌ واللامُ متعلقةٌ به، وإليه ذهب البصريون، أو هذه اللام وما جَرَّتْه، كما هو مذهبُ الكوفيين، وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.
الوجه الثاني: أن تكونَ المخففةَ من الثقيلة. قال الزمخشري: «وإنْ عَظُمَ مكرُهم وتبالغَ في الشدَّةِ، فضرب زوالَ الجبالِ منه مثلاً لشدَّته، أي: وإنْ كان مَكْرُهم مُعَدَّاً لذلك» . وقال ابن عطية: «ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءةِ: تَعظيمَ مَكْرِهم، أي: وإن كان شديداً، إنما يفعل لتذهب به عظامُ الأمور» فمفهومُ هذين الكلامين أنها مخففةٌ لأنه إثباتٌ.
والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابُها محذوف، أي: وإنْ كان مكرُهم مُعَدَّاً لإِزالةِ أشباهِ الجبال الرواسي، وهي المعجزات والآيات، فالله مجازِيْهم بمكرٍ هو أعظمُ منه. وقد رُجَّح الوجهان الأخيران على الأول وهو أنها نافيةٌ؛ لأن فيه
стр. 5325
معارضةً لقراءة الكسائي، وذلك أن قراءَته تُؤْذِنُ بالإِثباتِ، وقراءةَ غيره تُؤْذن بالنفي.
وقد أجاب بعضُهم عن ذلك بأنَّ الحالَ في قراءة الكسائي مُشارٌ بها إلى أمورٍ عظام غيرِ الإِسلامِ ومُعجزاتِه كمكرهم صلاحيةَ إزالتها، وفي قراءةِ الجماعةِ مُشارُ بها إلى ما جاء به النبيُّ ﷺ من الدين الحق، فلا تَعارُضَ، إذ لم يتواردا على معنى واحدٍ نفياً وإثباتاً.
وأمَّا قراءةُ الكسائي ففي «إنْ» وجهان: مذهبُ البصريين، أنها المخففةُ واللام فارقة، ومذهبُ الكوفيين: أنها نافيةٌ واللامُ بمعنى «إلا» ، وقد تقدَّم تحقيقُ المذهبين.
وقرأ عمرُ وعليٌّ وعبد الله وزيد بن علي وأبو سلمة وجماعة «وإن كاد مكرهم لَتزول» كقراءةِ الكسائي إلا أنهم جعلوا مكان نون «كان» دالاًّ فعلَ مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوالَ غيرُ واقعٍ.
وقُرِء «لَتَزُوْل» بفتح اللامين. وتخريجهما على إشكالها أنها جاءَتْ على لغةِ مَنْ يفتح لام «كي» .
стр. 5326
قوله تعالى: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾ : العامَّةُ على إضافة «مُخْلِف» إلى «وعدِه» وفيها وجهان، أظهرهما: أن «مُخْلف» يَتَعَدَّى لاثنين كفعلِه، فقدَّم المفعولَ الثاني، وأُضيف إليه اسمُ الفاعل تخفيفاً نحو: «هذا
стр. 5327
كاسِيْ جُبَّةٍ زيداً» قال الفراء وقطرب: «لمَّا تعدَّى/ إليهما جميعاً لم يُبَالَ بالتقديمِ والتأخير» . وقال الزمخشري: «فإن قلت: هلا قيل: مُخْلِفَ رسلِه وعدَه، ولِمَ قَدَّم المفعولَ الثاني على الأول؟ قلت: قَدَّمَ الوعدَ ليُعْلِمَ أنه لا يُخْلِفُ الوعدَ ثم قال» رسله «ليُؤْذِنَ أنه إذا لم يُخْلِفْ وعدَه أحداً - وليس من شأنِه إخلافُ المواعيد - كيف يُخْلِفُه رُسلَهُ» .
وقال أبو البقاء: «هو قريب من قولهم:
٢٩١ - ٢- يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدارِ ... وأنشد بعضُهم نظيرَ الآيةِ الكريمة قولَ الشاعر:
٢٩١ - ٣- ترى الثورَ فيها مُدخِلَ الظلِ رأسَهُ ... وسائرُه بادٍ إلى الشمسِ أجمعُ
والحُسبان هنا: الأمر المنتفي، كقوله:
٢٩١ - ٤- فلا تَحسَبَنْ أني أَضِلُّ مَنِيَّتي ... فكلُّ امرِئٍ كأسَ الحِمام يذوقُ
стр. 5328
الثاني: أنه متعدٍّ لواحدٍ، وهو» وعدِه «، وأمَّا» رُسُلَه «فمنصوبٌ بالمصدر، فإنه يَنْحَلُّ لحرفٍ مصدريٍّ وفعلٍ تقديرُه: مُخْلِفُ ما وعدَ رُسَلَه، ف» ما «مصدريةٌ لا بمعنى الذي.
وقرأت جماعةٌ ﴿مُخْلِفَ وَعْدَ رُسَلَهُ﴾ بنصبِ» وعدَه «وجرِّ» رسلِه «فَصْلاً بالمفعولِ بين المتضايفين، وهي كقراءةِ ابن عامرٍ ﴿قَتْلُ أَوْلاَدَهمْ شُرَكَآئِهِمْ﴾ قال الزمخشري جرأةً منه:» وهذه في الضَّعْفِ كمَنْ قرأ ﴿قَتْلُ أَوْلاَدَهمْ شُرَكَآئِهِمْ﴾ .
стр. 5329
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ﴾ : يجوز فيه عدةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ منصوباً ب «انتقام» ، أي: يقع انتقامُهُ في ذلك اليوم. الثاني: أن ينتصبَ ب «اذكْر» . الثالث: ان ينتصبَ بما يتلخَّص مِنْ معنى ﴿عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ . الرابع: أن يكونَ بدلاً من ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . الخامس: أن ينتصبَ ب «مُخْلِف» . السادس: أن ينتصبَ ب «وَعْدِه» ، و «إنَّ» وما بعدها اعتراضٌ. ومنع أبو البقاء هذين الأخيرين، قال «لأنَّ ما قبل» إنَّ «لا يعمل فيما بعدها» . وهذا غيرُ مانعٍ لأنه كما تقدَّم اعتراضٌ فلا يُبالَى به فاصلاً.
وقوله: «والسماواتُ» تقديرُه: وتُبَدَّل السماواتُ غيرَ السماواتِ. وفي التبديلِ قولان: هل هو متعلِّقٌ بالذات أو بالصفة؟ وإلى الثاني مَيْلُ
стр. 5330
ابنِ عباس، وأنشد:
٢٩١ - ٥- فما الناسُ بالناسِ الذين عَهِدْتُهُمْ ... ولا الدارُ التي كنتُ تَعْلَمُ
وقرئ «نُبَدِّل» بالنون، «الأرضَ» نصباً، و «السماواتِ» نَسَقٌ عليه.
قوله: «وبَرَزوا» فيه وجهان: أحدُهما أنها جملةٌ مستأنفةٌ، أي: ويَبْرُزُون، كذا قدَّره أبو البقاء، يعني أنه ماضٍ يُراد به الاستقبالُ، والأحسنُ أنه مِثْلُ ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: ٥٠] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: ٤٤] ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: ٢] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] لتحقُّقِ ذلك.
والثاني: أنها حالٌ من الأرض، و «قد» معها مُرادةٌ، قاله أبو البقاء، ويكون الضميرُ في «بَرَزوا» للخَلْق دَلَّ عليهم السياقُ، والرابطُ بين الحالِ وصاحِبِها الواوُ.
وقرأ زيدُ بنُ علي «وبُرِّزوا» بضم الباءِ وكسر الراء مشددةً على التكثير في الفعلِ ومفعوله.
стр. 5331
قوله تعالى: ﴿مُّقَرَّنِينَ﴾ : يجوز أن يكونَ حالاً على أنها بَصَرية، وأن يكونَ مفعولاً ثانياً على أنها عِلْمية. و ﴿فِي الأصفاد﴾ متعلِّقٌ به. وقيل: بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ أو صفةٌ ل «مُقَرِّنين» . والمُقَرَّنُ: مَنْ جُمِعَ في القَرَن، وهو الحبلُ الذي يُرْبط به، قال:
٢٩١ - ٦- وابنُ اللَّبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ... لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيٍسِ
وقال آخر:
٢٩١ - ٧- والخيرُ والشرُّ مَلْزُوْزان في قَرَنْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي التفسير: أنَّ كلَّ كافرٍ يُقْرَنُ مع شيطانِه في سلسلة.
والأَصْفاد: جمعُ صَفَد وهوى الغِلُّ والقيد، يُقال: صَفَده يَصْفِدُه صَفْداً: قَيَّده، والاسمُ: الصَّفَد، وصَفَّده مشدداً للتكثير. قال:
٢٩٨ - ١- فآبُوا بالنهَّائِبِ والسَّبايا ... وأُبْنا بالمُلوكِ مُصفَّدينا
والصِّفاد مثلُ الصَّفَدِ، وأَصْفَده، أي: أعطاه، فَفَرَّقوا بين فَعَل وأَفْعل. وقيل: بل يُستعملان في القَيْد وفي العطاء.
قال النابغة:
٢٩١ - ٩-. . . . . . . . . . . . . . . . . . ...
стр. 5332
فلم أُعَرِّض -أبيتَ اللَّعْنَ- بالصَّفَد
أي: بالإِعطاءِ، وسُمِّي العَطاءُ صَفَداً لأنه يُقَيِّدُ مَنْ يعطيه ومنه «أنا مَغْلولُ أياديك، وأَسِيْرُ نِعْمَتِك» .
стр. 5333
قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ : مبتدأ وخبر في محلِّ نصبٍ على الحال: إمَّا من «المجرمين» ، وإمَّا من «مُقَرَّنين» ، وإمَّا مِنْ ضميره. ويجوز أن تكونَ مستانفةً، وهو الظاهر.
والسَّرابيلُ: الثياب. وسَرْبَلْتُه، أي: أَلْبَسْتَه السِّربال. قال:
٢٩٢ - ٠- أَوْدَى بنَعْلَيَّ وسِرْباليَهْ ... ويُطلقُ على ما يُحَصَّنُ في الحَرْب، من الدِّرْع وشبهِه، قال تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] .
والقَطِران: ما يُسْتَخْرج مِنْ شجرٍ، فيُطبخ وتُطْلَى به الإِبلُ الجُرُبُ لِيَذْهَبَ جَرْبُها بِحِدَّته، وهو أفضلُ الأشياءِ للاشتعال به. وفيه لغاتٌ: قَطِران بفتح/ القاف وكسر الطاء، وهي قراءةُ العامَّة. وقَطْران بزنة سَكْران وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. وقال أبو النجم:
٢٩٢ - ١- لَبَّسَه القَطْرانَ والمُسُوحَا ...
стр. 5334
وقِطْران بكسر القافِ وسكونِ الطاء بزنة سِرْحان، ولم يُقْرأ بها فيما عَلِمْت.
وقرأ جماعةٌ كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وابن عباس وأبو هريرة والحسَن «بَقَطِرٍ» بفتح القافِ وكسرِ الطاءِ وتنوينِ الراء، «آنٍ» بوزن عانٍ، جعلوهما كلمتين والقَطِر: النحاس، والآني: اسمُ فاعل مِنْ أَنَى يَأْني، أي: تناهى في الحرارةِ كقوله: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ، وعن عمرَ ﵁ «ليس بالقَطْران، ولكنه النحاسُ الذي يَصير بلَوْنِه» .
وقرىء: «وتَغَشَّى» بتشديدِ الشينِ، أي: وتَتَغشَّى، فحذف إحدى التاءين.
وقُرِئ برفعِ «وجوهُهم» ونصبِ «النار» على سبيلِ المجاز، جَعَلَ ورودَ الوجوهِ النارَ غِشْياناً.
والجملةُ من قوله «وتَغْشى» قال أبو البقاء: «حالٌ أيضاً» ، يعني أنها معطوفةٌ على الحال، ولا يَعْني أنها حالٌ، والواوُ للحال؛ لأنه مضارعٌ مثبتٌ.
стр. 5335
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ : في هذه الآيةِ وجهان. أولاهما: أن يتعلَّق ب «بَرَزُوا» ، وعلى هذا فقولُه «وَتَرَى» جملةٌ معترضةٌ بين المتعلِّق والمتعلِّق به. والثاني: أنها تتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: فَعَلْنا بالمجرمين
стр. 5336
ذلك ليَجْزي كلَّ نفس؛ لأنه إذا عاقب المجرمَ أثاب الطائعَ.
стр. 5337
وقوله تعالى: ﴿هذا﴾ إشارةٌ إلى ما تقدَّم مِن قوله: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ﴾ [إبراهيم: ٤٧] إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن نُزِّل مَنْزِلةَ الحاضر.
قوله: «وَلِيُنْذَروا» فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ، أي: وليُنْذِرُوا به أَنْزَلْنا عليك.
الثاني: أنه معطوفٌ على محذوفٍ، ذلك المحذوفُ متعلقٌ ب «بلاغ» ، تقديره: ليُنْصَحوا ولِيُنْذَروا. الثالث: أن الواوَ مزيدةٌ و «لِيُنْذَروا» متعلقٌ ب «بلاغ» ، وهو رأيُ الأخفش، نقله الماوردي. الرابع: أنه محمولٌ على المعنى، أي: ليُبَلَّغُوا ولِيُنْذَرُوا. الخامس: أن اللامَ لامُ الأمر. قال بعضُهم: وهو حسنٌ لولا قولُه «ولِيَذَّكَّر» فإنه منصوبٌ فقط. قلت: لا محذورَ في ذلك فإنَّ قولَه «ولِيَذَّكَّرَ» ليس معطوفاً على ما تقدَّمه، بل متعلِّقٌ بفعلٍ مقدر، أي: ولِيَذَّكَّر أَنْزَلْناه وأَوْحيناه. السادس: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ. التقدير: هذا بلاغٌ وهو ليذَّكَّر، قاله ابن عطية. السابع: أنه عطفُ مفردٍ على مفردٍ، أي: هذا بلاغٌ وإنذار، قاله المبرد، وهو تفسيرُ معنى لا إعرابٍ.
الثامن: أنه معطوفٌ على قوله ﴿لِتُخْرِجَ الناس﴾ [إبراهيم: ١] في أولِ السورة. وهذا
стр. 5338
غريبٌ جداً. التاسع: قاله أبو البقاء: «المعنى: هذا بلاغٌ للناسِ وللإِنذار، فتعلَّق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جَعَلْتَ» الناس «صفةً، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ تقديره: ولِيُنْذَروا به أُنْزِل وتُلِي» . قلت: فيؤدي التقدير إلى أَنْ يَبْقى التركيبُ: هذا بلاغٌ للإِنذار، والإِنذارُ لا يتأتَّى فيه ذلك.
وقرأ العامَّة: «لِيُنْذَرُوا» مبنياً للمفعول، وقرأ مجاهد وحميد بن قيس: «ولِتُنْذِرُوا» بتاءٍ مضمومة وكسرِ الذال، كأنَّ البلاغَ للعموم والإِنذار للمخاطبين.
وقرأ يحيى بن عُمارة الذارع عن أبيه، وأحمد بن يزيد بن أسيد السلمي. «ولِيُنْذَرُوا» بفتح الياء والذال مِنْ نَذَر بالشيء، أي: عَلِم به فاستعدَّ له، قالوا: ولم يُعرف له مصدرٌ فهو كَعَسَى وغيرِها من الأفعالِ التي لا مصادرَ لها.
стр. 5339
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ تقدَّم نظيرُها في أولِ الرعد. والإِشارة ب «تلك» إلى ما تضمَّنته السورةُ، ولم يذكرْ الزمخشري غيرَه. وقيل: إشارةٌ إلى الكتب السالفة. وتنكيرُ القرآنِ للتفخيم.
стр. 5340
قوله تعالى: ﴿رُّبَمَا﴾ ﴿رُبَ﴾ : فيها قولان، أحدُهما: أنها حرفُ جرٍّ، وزعم الكوفيون وأبو الحسن وابن الطَّراوة أنها اسم. ومعناها التقليلُ على المشهور. وقيل: تفيد التكثير. وقيل: تفيد التكثير في مواضعِ الافتخار كقوله:
٢ ٩٢٢ - ٠- فيا رُبَّ يومٍ قد لَهَوْتُ وليلةٍ ... بآنسةٍ كأنها خطُّ تِمْثالِ
стр. 5341
وقد أُجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النظير. ودلائلُ هذه الأقوال في النحو. وفيها لغاتٌ كثيرةٌ أشهرها: «رُبَ» بالضم والتشديد، أو التخفيف، وبالثانية قرأ نافع وعاصم. و «رَبَ» بالفتح مع/ التشديد والتخفيف، ورُبْ ورَبْ بالضم والفتح مع السكون فيهما. وتتصل تاءُ التأنيث بكلِّ ذلك، وبالتاء قرأ طلحةُ بن مصرف وزيدُ بن علي: رُبَّتَما. وإذا اتصلت بها التاء جاز فيها الإِسكانُ والفتح كثُمَّت ولات، فتكثر الألفاظ، ولها أحكامٌ كثيرةٌ منها: لزومُ تصديرِها، ومنها تنكيرُ مجرورِها وقوله:
٢٩٢ - ٣- رُبَّما الجامِلِ المُؤَبَّلِ فيهمُ ... وعَنَاجيجُ بينهنَّ المهَارى
ضرورةٌ في رواية مَنْ جَرًّ «الجامِل» . وتَجُرُّ ضميراً لازمَ التفسير بنكرةٍ بعده، يُستغنى بتثيِتها وجمعِها وتانيثِها عن تثنية الضمير وجمعِه وتأنيثِه كقولِه «
٢٩٢ - ٤-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ورُبَّه عَطِباً أَنْقَذْتُ مِنْ عَطَبِهْ
стр. 5342
والمطابقةُ نحو:: رُبَّهما رجلين» نادرةٌ. وقد يُعطف على مجرورِها ما أُضيف إلى ضميرِه نحو: «رُبَّ رجلٍ وأخيه» . وها يلزم وَصْفُ مجرورِها، ومُضِيُّ ما يتعلَّق به؟ خلاف، والصحيحُ عدمُ ذلك. فمِنْ مجيئه غيرَ موصوفٍ قولُ هندٍ:
٢٩٢ - ٥- يا رُبَّ قائلةٍ غداً ... يا لهفَ أمِّ مُعاويهْ
ومن مجيء المستقبلِ قولُه:
٢٩٢ - ٦- فإنْ أَهْلَِكْ فربَّ فتىً سيبكيْ ... عليَّ مهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ
وقولُها: «يا رُبَّ قائلةٍ غداً» البيت، وقول سليم:
٢٩٢ - ٧- ومعتصمٍ بالحيِّ من خشية الرَّدى ... سيُرْدى وغازٍ مُشْفِقٍ سَيَؤُوب
فإنَّ حرف التنفيس و «غداً» خَلَّصاه للاستقبالِ.
و «ما» في «رُبما» تحتمل وجهين، أظهرُهما: أنها المهيِّئَةُ، بمعنى: أن «رُبَّ» مختصةٌ بالأسماء، فلمَّا جاءت «ما» هَيَّأت دخولَها على الأفعال. وقد تقدَّم نظيرُ ذلك في «إنَّ» وأخواتها، وتَكُفُّها أيضاً عن العمل كقولِه:
٢٩٢ - ٨- رُبَّما الجامِلُ المُؤَبَّلُ. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في روايةِ مَنْ رَفَعه، كما جَرَى ذلك في كاف التشبيه. والثاني: أنَّ «
стр. 5343
ما» نكرةٌ موصوفةٌ بالجملةِ الواقعة بعدها، والعائدُ على «ما» محذوفٌ، تقديره: رُبَّ شيءٍ يَوَدُّه الذين كفروا.
وقوله: ﴿يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ مَنْ لم يلتزمْ مُضِيَّ متعلِّقِها لم يَحْتَجْ إلى تأويلٍ، ومَنْ التَزَم ذلك قال: لأن المُتَرَقَّب في أخبار الله تعالى واقعٌ لا محالةَ، فعبَّر عنه بالماضي تحقيقاً لوقوعِه، كقوله: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] ونحوِه.
قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ﴾ يجوز في «لو» أن تكونَ الامتناعيةَ، وحينئذٍ يكون جوابُها محذوفاً. تقديره: لو كانوا مسلمين لسُرُّوا بذلك، أو لَخَلصوا ممَّا هم فيه. ومفعولُ «يَوَدُّ» محذوفٌ على هذا التقديرِ: أي: رُبَّما يودُّ الذين كفروا النجاةَ، دَلَّ عليه الجملةُ الامتناعية.
والثاني: أنها مصدرية عند مَنْ يرى ذلك كما تقدَّم تقريرُه في البقرة. وحينئذٍ يكون هذا المصدرُ هو المفعولَ للوَدادة، أي: يَوَدُّون كونَهم مسلمين، إنْ جعلنا «ما» كافةً، وإنْ جعلناها نكرةً كانت «لو» وما في حَيِّزِها بدلاً مِنْ «ما» .
стр. 5344
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ﴾ : هذا لا يُستعمل له ماضٍ إلا قليلاً استغناءً عنه ب «تَرَكَ» بل يُستعمل منه المضارعُ نحو: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦] . ومن مجيء الماضي قولُه ﵇: «ذَرُوا الحبشة ما وَذَرَتْكم» ، ومثله: دَعْ
стр. 5345
ويَدَعُ، ولا يقال «وَدَعَ» إلاَّ نادراً، وقد قرئ «ما وَدَعك» مخفَّفاً، وأنشدوا قوله:
٢٩٢ - ٩- سَلْ أميري ما الذي غيَّرهْ ... عن وصالي اليومَ حتى وَدَعَهْ
و ﴿يَأْكُلُواْ﴾ مجزومٌ على جوابِ الأمر، وقد تقدَّم أنَّ «تَرَكَ» و «ذَرْ» يكونان بمعنى صَيَّر، فعلى هذا يكون المفعولُ الثاني محذوفاً، أي: ذَرْهُمْ مُهْمِلين، ولا يكونوا هو الثاني ولا حالاً؛ إذ كان يجبُ رفعه.
стр. 5346
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ﴾ : فيه أوجه، أحدُها: - وهو الظاهرُ- أنها واوُ الحالِ، ثم لك اعتباران، أحدُهما: أن تجعل الحالَ وحدَها الجارَّ، ويرتفع «كتابٌ» به فاعلاً. والثاني: أن تجعلَ الجارَّ خبراً مقدماً، و «كتاب» مبتدأ والجملةُ حالٌ، وهذه الحالُ لازمةٌ.
الثاني: أنَّ الواوَ مزيدةٌ، وأيَّد هذا قولَه بقراءة ابن أبي عبلة «إلا لها» بإسقاطِها. والزيادةُ ليسَتْ بالسهلةِ.
الثالث: أنَّ الواوَ داخِلةٌ على الجملةِ الواقعة صفةً تأكيداً، قال الزمخشري: «/والجملةُ واقعةٌ صفةً لقرية، والقياسُ أن لا تتوسطَ هذه الواوُ بينهما كما في قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وإنما توسَّطَتْ
стр. 5347
لتأكيدِ لصوق الصفة بالموصوف، كما تقول:» وجاءني زيد عليه يوبُه، وجاءني وعليه ثوبُه «. وقد تَبِعَ الزمخشريُّ في ذلك أبو البقاء تعالى: وقد سبق له ذلك أيضاً في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [الآية: ٢١٦] .
قال الشيخ:» ولا نَعْلَمُ أحداً قاله من النحويين، وفي محفوظي أنَّ ابنَ جني سَبَقهما إلى ذلك «. ثم قال الشيخ:» وهو مبنيٌّ على جوازِ أنَّ ما بعد «إلا» يكون صفةً، وقد مَنَعُوا ذلك. قال الأخفش: «لا يُفْصَل بين الصفةِ والموصوفِ ب» إلا «. ثم قال: وأمَّا نحوُ:» ما جاءني رجلٌ إلا راكبٌ «على تقدير: إلا رجلٌ راكب، وفيه قُبْحٌ لِجَعْلِكَ الصفةَ كالاسم» . وقال أبو عليّ: «تقول: ما مررتُ بأحدٍ إلا قائماً،» قائماً «حال، ولا تقول: إلا قائمٍ، لأنَّ» إلاَّ «لا تعترضُ بين الصفةِ والموصوفِ» . وقال ابنُ مالك -وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله «ما مررت بأحدٍ إلا زيدٌ خيرٌ منه» : إنَّ الجملة بعد «إلا» صفةٌ ل «أحد» : «إنه مذهبٌ لا يُعرف لبصريٍّ ولا كوفيٍّ، فلا يُلتفتُ إليه، وأَبْطَلَ قولَه: إن الواوَ توسَّطت لتأكيدِ لُصوقِ الصفةِ بالموصوف.
قلت: قولُ الزمخشريُّ قويٌّ من حيث القياسُ، فإنَّ الصفةَ كالحال في المعنى، وإن كان بينهما فرقٌ مِنْ بعضِ الوجوهِ، فكما أن الواوُ تدخلُ على الجملةِ الواقعةِ حالاً كذلك تَدْخلُ عليها واقعةً صفةً. ويقوِّيه أيضاً ما نظَّره به
стр. 5348
من الآيةِ الأخرى في قوله ﴿إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ ويُقَوِّيه أيضاً قراءةُ ابن أبي عبلة المتقدمةُ.
وقال منذر بن سعيد:» هذه الواوُ هي التي تعطي أنَّ الحالةَ التي بعدها في اللفظ هي في الزمنِ قبل الحالةِ التي قبل الواوِ، ومنه قولُه تعالى: ﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] .
стр. 5349
قوله تعالى: ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ فاعلُ «تَسْبِقُ» ، و «مِنْ» مزيدةٌ للتأكيد، وحُمِل على لفظِ «أمَّة» في قوله «أجلَها» فأفردَ وأنَّثَ. وعلى معناها في قولِه ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ فَجَمَعَ وَذَكَّرَ. وحَذَفَ متعلِّق «يَسْتأخِرُون» ، تقديرُه: «عنه» للدلالةِ عليه، ولوقوعِه فاصلةً.
стр. 5350
قوله تعالى: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ العامَّةُ على «نُزِّل» مشدَّداً مبنيَّاً للمفعول، وزيدُ بنُ علي «نَزَلَ» مخففاً مبنياً للفاعل.
стр. 5351
قوله تعالى: ﴿لَّوْ مَا﴾ حرفُ تحضيضٍ كهَلاَّ، وتكون أيضاً حرفَ امتناعٍ لوجود، وذلك كما أنَّ «لولا» مترددةٌ بين هذين المعنيين، وقد عُرِف الفرقُ بينهما: وهو أنَّ التحضيضيَّةَ لا يليها إلا الفعلُ ظاهراً أو مضمراً كقولِهِ:
٢٩٣ - ٠-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . لولا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
والامتناعيةُ لا يليها إلا الأسماءُ لفظاً أو تقديراً عند البصريين. وقولُه:
٢٩٣ - ١-
стр. 5352
ولولا يَحْسَبُون الحِلْمَ عَجْزاً ... لَمَا عَدِمَ المُسِيْئُون احتمالي
مؤولٌ خلافاً للكوفيين. فمِنْ مجئ «لَوْما» حرفَ امتناعٍ قولُه:
٢٩٣ - ٢- لَوْما الحياءُ ولوما الدينُ عِبْتُكما ... ببعضِ ما فيكما إذ عِبْتُما عَوَري
واخْتُلِف فيها: هل هي بسيطةٌ أم مركبةٌ؟ فقال الزمخشري: «لو» رُكِّبَتْ مع «لا» ومع «ما» لمعنيين، وأمَّا «هل» فلم تُرَكَّب إلا مع «لا» وحدَها للتحضيض. واخْتُلِف أيضاً في «لوما» : هل هي أصلٌ بنفسِها أو فرعٌ على «لولا» ؟ وأن الميمَ مبدلةٌ من اللامِ كقولهم: خالَلْتُه وخالَمْته فهو خِلِّي وخِلْمي، أي: صديقي. وقالوا: استولى عليَّ كذا، واستومَى عليه بمعنى؟ خلاف مشهور. وهذه الجملةُ من التحضيضِ دالَّةٌ على جوابِ الشرطِ بعدَها.
стр. 5353
قوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة﴾ قرأ أبو بكر: «ما نُنَزِّل» بضمِّ التاء وفتحِ النونِ والزايِ مشددةً مبنياً للمفعول، «الملائكةُ» مرفوعاً لقيامِه مَقامَ فاعلِه، وهو موافقٌ لقولِه: ﴿وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٥] ، ولأنها لا تُنَزَّلُ إلا بأمرٍ من الله، فغيرُها هو المُنَزِّل لها وهو الله تعالى.
وقرأ الأخَوان وحفصٌ بضم النون وفتح الثانية وكَسْرِ الزاي
стр. 5354
مشددةً مبنياً للفاعل المعَظَّم، وهو الباري تعالى، «الملائكةَ» نصباً مفعولاً بها، وهو موافِقٌ لقولِه تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ [الأنعام: ١١١] ، ويناسِبُ قولَه قبل ذلك ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا﴾ [الحجر: ٤] ، وقولُه بعده ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ [الحجر: ٩] وما بعده من ألفاظِ التعظيمِ. والباقون من السبعةِ «ما تَنَزَّلُ» بفتح التاء والنون والزايِ/ مشددةً، و «الملائكةُ» مرفوعةً على الفاعلية، والأصل: تَتَنَزَّل بتاءين، فَحُذِفت إحداهما، وقد تقدَّم تقريرُه في ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] ونحوه، وهو موافقٌ لقولِه ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا﴾ [القدر: ٤] .
وقرأ زيدُ بنُ عليّ «ما نَزَلَ» مخفَّفاً مبنياً للفاعل، «الملائكة» مرفوعةً بالفاعلية، وهو كقولِه ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
قوله: ﴿إِلاَّ بالحق﴾ يجوز تعلٌُّق بالفعلِ قبله، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنَ الفاعلِ أو المفعولِ، أي: ملتبسين بالحق. ودعله الزمخشريُّ نعتاً لمصدر محذوف، أي: تَنَزُّلاً ملتبساً بالحقِّ.
قوله: «إَذَنْ» قال الزمخشري: «إذن» حرفُ جوابٍ وجزاءٍ؛ لأنَّها جوابٌ لهم، وجزاءُ الشرطِ مقدرٌ، تقديرُه: ولو نَزَّلْنا الملائكة ما كانوا مُنْظرين ومات أُخِّر عذابُهم.
стр. 5355
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ﴾ : إمَّا مبتدأ، وإمَّا تأكيدٌ، ولا يكون فصلاً لأنه لم يقع بين اسمين. والضمير في «له» للذِّكْر، وهو الظاهرُ. وقيل: للرسولِ ﵇.
стр. 5356
قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ : مفعولُه محذوفٌ، أي: أرسلنا رسلاً من قبلك، ف «مِنْ قبلك» يجوز أن يتعلَّقَ ب «أَرْسَلْنَا» ، وأن يتعلَّق بمحذوفٍ، على أنه نعتٌ للمفعولِ المحذوفِ.
و ﴿شِيَعِ الأولين﴾ قال الفراء: «هو من إضافة الموصوفِ لصفتِه، والأصلُ: في الشِّيَع الأولين كصلاة الأُولى، وجانب الغربيّ» . والبصريون يُؤَوِّلُونه على حذفِ الموصوفِ، اي: في شِيَع الأممِ الأوَّلين، وجانب المكانِ الغربي، وصلاة الساعةِ الأولى.
стр. 5357
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم﴾ قال الزمخشري «حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ لأنَّ» ما «لا تدخُل على مضارعٍ إلا وهو في موضع الحال، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال» . وهذا الذي ذكرَه هو الأكثرُ في لسانِهم، لكنه قد جاءَتْ مقارِنَةً للمضارعِ المرادِ به الاستقبالُ كقولِه تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي﴾ [يونس: ١٥] ، وأنشدوا للأعشى يمدح النبيَّ ﷺ :
٢٩٣ - ٣-
стр. 5358
له صَدَقاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُها ... وليس عطاءُ اليومِ مانِعَه غَدا
وقولَ أبي ذؤيب:
٢٩٣ - ٤- أودَى بَنِيَّ وأَوْدَعُونيْ حَسْرة ... عند الرُّقَادِ وعَبْرةً ما تُقْلِعً
قوله: ﴿إِلاَّ كَانُواْ﴾ هذه الجملةُ يجوز أن تكونَ حالاً من مفعولِ «يَأتِيهمْ» . ويجوزُ أن تكونَ صفةً ل «رسول» فيكونَ في محلِّها وجهان: الجرُّ باعتبارِ اللفظ، والرفعُ باعتبارِ الموضعِ، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مقدرةٌ.
стр. 5359
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ يجوز في الكافِ أن تكونَ مرفوعةَ المحلِّ على أنها خبرُ مبتدأ مضمر، أي: الأمرُ كذلك، و «نَسْلُكُه» مستأنفٌ. ويجوز أن تكونَ منصوبةَ المحلِّ: إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوف، أي: مثلَ ذلك السَّلْكِ ونحوِه نَسْلُكُه، أي: نَسْلُكُ الذِّكْرَ، وإمَّا حالاً من المصدرِ المقدَّرِ.
والهاءُ في «نَسْلُكُه» يجوز عَوْدُها للذِّكْر، وهو الظاهر. وقيل: يعودُ للاستهزاء. وقيل: على الشِّرك.!
стр. 5360
والهاء في: ﴿بِهِ﴾ يجوز عَوْدُها على ما تقدَّم من الثلاثة، ويكون تأويلُ عَوْدِها على الاستهزاءِ والشِّرْكِ، أي: لا يؤمنون بسببِه. وقيل: للرسولِ، وقيل: للقرآن. وقال أبو البقاء: «ويجوز أن يكونَ حالاً، أي: لا يؤمنون مُسْتهزئين» قلت: كأنه جعل «به» متعلقاً بالحالِ المحذوفةِ قائماً مَقامَها، وهو مردودٌ؛ لأن الجارَّ إذا وقع حالاً أو نعتاً أو صلةً أو خبراً تعلَّق بكونٍ مطلقٍ لا خاصٍ، وكذا الظرفُ.
следующие страницы →