← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

قوله: ﴿فَلَوْ أَنَّ﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ المُشْرَبَةَ معنى التمني، فلا جوابَ لها على المشهورِ. ويكون نصبُ «فنكونَ» جواباً للتمني الذي أَفْهَمَتْه «لو» ويجوزُ أَنْ تكونَ على بابِها، وجوابُها محذوفٌ أي: لَوَجَدْنا شُفَعاءَ وأصدقاءَ أو لَعَمِلْنا صالحاً. وعلى هذا فنَصْبُ الفعلِ ب «أَنْ» مضمرةً عطفاً على «كَرَّةً» أي: لو أنَّ لَنا كَرَّةً فكوناً، كقولها: ٣٥٢٣ - لَلُبْسُ عَباءةٍ وتَقَرَّ عيني ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7212

قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ﴾ : إنَّما أَنَّثَ فعلَ القومِ؛ لأنه مؤنثُ بدليلِ تصغيره على قُوَيْمَة. وقيل: لأنَّه بمعنى «أُمَّة» ولمَّا كانَتْ آحادُه عقلاءَ ذكوراً وإناثاً عاد الضميرُ عليه باعتبارِ تغليبِ الذكورِ فقيل: «لهم أخوهم» . وحَذَفَ مفعولَ «تتَّقون» أي: ألا تتَّقون عقابَ الله.

стр. 7213

قوله: ﴿واتبعك الأرذلون﴾ : جملةٌ حاليةٌ مِنْ كاف «لك» . وقرأ عبد الله وابن عباس وأبو حيوة «وأَتْباعُك» مرفوعاً، جمعَ

стр. 7214

تابع كصاحِب وأَصْحاب، أو تَبِيْع كشَريف وأشراف، أو تَبع ك بَرَم وأَبْرام. وفي رفعه وجهان، أحدهما: أنَّه مبتدأٌ، و «الأَرْذَلُون» خبرُه. والجملةُ حاليةٌ أيضاً. والثاني: أنه عطفٌ على الضميرِ المرفوعِ في «نُؤْمِنُ» وحَسَّن ذلك الفصلُ بالجارِّ. و «الأرذلون» صفتُه. وقرأ اليماني: «وأتباعِك» بالجرِّ عطفاً على الكاف في «لك» . وهو ضعيفٌ أو ممنوعٌ عند البصريين. وعلى هذا فيرتفع «الأَرْذَلُون» على خبر ابتداء مضمر أي: هم الأرذلون. وقد تقدَّم مادة «الأَرْذَل» في هود.

стр. 7215

قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾ : يجوز في «ما» وجهان، أحدهما: وهو الظاهر أنها استفهامية في محل رفع بالابتداء. و «علمي» خبرها. والباء متعلقة به. والثاني: أنها نافيةٌ. والباءُ متعلقةٌ ب «عِلْمي» أيضاً. قاله الحوفي، ويحتاج إلى إضمار خبر ليصير الكلامُ به جملةً.

стр. 7216

قوله: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ : جوابُها محذوفٌ، ومفعولُ «تَشْعُرون» أيضاً. وقرأ الأعْرج وأبو زرعة «لو يَشْعُرون» بياء الغَيْبة، وهو التفاتٌ. ولا يَحْسُنُ عَوْدُه على المؤمنين.

стр. 7217

قوله: ﴿فَتْحاً﴾ : يجوز أَنْ يكونَ مفعولاً به، بمعنى المفتوحِ/، وأَنْ يكونَ مصدراً مؤكِّداً.

стр. 7218

قوله: ﴿وَنَجِّنِي﴾ المنجى منه محذوفٌ لفهمِ المعنى أي: ممَّا يَحُلُّ بقومي. و ﴿مِنَ المؤمنين﴾ بيانٌ لقولِه ﴿مَنْ مَّعِي﴾ .

стр. 7219

قوله: ﴿المشحون﴾ : أي المَمْلوءُ المُؤْقَرُ. يقال: شَحَنَها عليهم خَيْلاً ورِجالاً. والشَّحْناء: العَداوةُ؛ لأنها تملأَ الصدورَ إحَناً. والفُلْكُ هنا مفردٌ بدليلِ وَصْفِه بالمفردِ. وقد تقدَّم الكلامُ عليه في البقرة.

стр. 7220

قوله: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ : جملةٌ حاليةٌ من فاعلِ «تَبْنُون» . والرِّيع بكسر الراء وفتحها: جمع رَِيْعة. وهو في اللغةِ المكانُ المرتفعُ. قال ذو الرمة: ٣٥٢٤ - طِراقُ الخَوافي مُشْرِفٌ فوقَ رِيْعَةٍ ... ندى ليلِه في رِيْشه يَتَرَقْرَقُ وقال أبو عبيدة: «هو الطريقُ» وأنشد للمسيَّب بن عَلَس يصفُ ظُعُناً: ٣٥٢٥ - في الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُهما ... رِيْعٌ يَلُوْحُ كأنه سَحْلُ

стр. 7221

واختلفَ المفسِّرون في العبارة عنه على أقوالٍ كثيرةٍ. والرَّيْعُ بالفتح: ما يَحْصُل مِنَ الخَراج.

стр. 7222

قوله: ﴿تَخْلُدُونَ﴾ : العامَّةُ على تخفيفِه مبنياً للفاعلِ. وقتادَةُ بالتشديدِ مبنياً للمفعول. ومنه قولُ امرِىء القيس: ٣٥٢٦ - وهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعِيْدٌ مُخَلَّدٌ ... قليلُ الهُمومِ ما يَبِيْتُ بأَوْجالِ و «لَعَلَّ» هنا على بابِها. وقيل: للتعليل. ويؤيِّده قراءةُ عبدِ الله «كي تَخْلُدون» فقيل: للاستفهام، قال زيد بن علي. وبه قال الكوفيون. وقيل: معناها التشبيهُ أي: كأنكم تَخْلُدُون. ويؤيِّدُه ما في حرفِ أُبَيّ «كأنكم تَخْلُدون» . وقُرِىء «كأنَّكم خالِدُون» . وكم مَنْ نَصَّ عليها أنَّها تكونُ للتشبيهِ. والمصانِعُ: جمعُ مَصْنَعَة، وهي بِرَكُ الماء. وقيل: القصور. وقيل: بُروجُ الحَمام.

стр. 7223

قوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾ : أي: وإذا أَرَدْتُمْ. وإنما احْتَجْنا إلى تقديرِ الإِرادة لئلا يَتَّحدَ الشرطُ والجزاءُ. و «جَبَّارِين» حالٌ.

стр. 7224

قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنَّ الجملةَ الثانيةَ بيانٌ للأولى، وتفسيرٌ لها. والثاني: أَنَّ «بأَنْعامٍ» بدلٌ مِنْ قولِه: ﴿

стр. 7225

بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ بإعادةِ العاملِ كقولِه ﴿اتبعوا المرسلين اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً﴾ [يس: ٢٠ - ٢١] قال الشيخ: «والأكثرون لا يَجْعَلُون هذا بدلاً، وإنما يَجْعلونه تكريراً وإما يَجْعلون بدلاً بإعادةِ العاملِ إذا كانَ حرفَ جرّ مِنْ غيرِ إعادةِ متعلِّقِه نحو:» مَرَرْتُ بزيدٍ بأخيكَ «ولا يقولون:» مَرَرْت بزيدٍ، مررتُ بأخيك «على البدل» .

стр. 7226

قوله: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الواعظين﴾ : معادِلٌ لقولِه: ﴿أَوَعَظْتَ﴾ ، وإنما أتى المعادِلِ كذا، دونَ قولِه: «أم لم تَعِظْ» لتواخي القوافي، وأبدى له الزمخشريُّ معنىً فقال: وبينهما فرقٌ، لأنَّ المعنى: سَواءٌ علينا أَفَعَلْتَ هذا الفعلَ الذي هو الوعظُ أم لم تَكُنْ أصلاً مِنْ أهلِه ومباشرَتِه، فهو أبلغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهم بوَعْظِه. مِنْ قولِك: أَمْ لم تَعِظْ «. وقرأ العامَّةُ» أَوَعَظْتَ «باظهارِ الظاءِ قبل التاءِ، ورُوِيَ عن أبي عمرٍو والكسائيِّ وعاصمٍ، وبها قرأ الأعمشُ وابن محيصن بالإِدْغامِ، وهي ضعيفةٌ؛ لأنَّ الظاءَ أقوى ولا يُدْغَمُ الأقوى في الأضعفِ، على أنَّه قد جاء من هذا في القرآنِ العزيزِ أشياءُ متواترةٌ يجبُ قَبولُها نحو: ﴿زُحْزِحَ عَنِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] و ﴿لَئِن بَسَطتَ﴾ [المائدة: ٢٨] .

стр. 7227

قوله: ﴿إِلاَّ خُلُقُ﴾ : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتحِ الخاءِ وسكونِ اللامِ. والباقون بضمَّتين فقيل: معناهما الاختلاقُ وهو الكَذِبُ. وكذا قرأ ابنُ مسعودٍ. وقيل: ما نحن فيه من البِنْية حياةٌ وموتٌ هو خُلُقُ الأوَّلينَ وعادَتُهُم. وروى الأصمعيُّ عن نافعٍ، وبها قرأ أبو قلابة، بضمِّ الخاءِ وسكونِ اللام وهي تخفيفُ المضمومَةِ.

стр. 7228

قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ : بدلٌ مِنْ «فيما ههنا» بإعادةِ العاملِ؛ فَصَّل بعدما أَجْمَلَ كما في الآيةِ قبلَها. و «ما» موصولةٌ، وظرفُ المكان صلتُها.

стр. 7229

قوله: ﴿وَنَخْلٍ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ من بابِ ذِكْرِ الخاص بعد العامِّ؛ لأنَّ الجناتِ تشمَل النخلَ، ويجوزَ أَنْ يكونَ تكريراً للشيءِ الواحدِ بلفظٍ آخَرَ، فإنَّهم يُطْلِقُوْن الجنةَ ولا يريدونَ إلاَّ النخلَ. قال زهير: ٣٥٢٧ - كأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلةٍ ... من النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا / وسُحُقاً: جمعُ «سَحُوْق» ولا يُوْصَفُ به إلاَّ النخلُ والطَّلْعُ الكفرى،

стр. 7230

وهو عُنقودُ التَّمْرِ قبل خروجهِ من الكُمِّ. قال الزمخشري: «الطَّلْعَةُ: هي التي تَطْلُع من النخلةِ كنَصْلِ السيفِ، في جَوْفه شماريخُ القِنْو. والقِنْو هو اسمٌ للخارج من الجِذْعِ كما هو بعُرْجُوْنِه» . والهَضِيْمُ: اللطيفُ، مِنْ قولهم: «كَشْحٌ هضيمٌ» . وقيل المتراكِبُ.

стр. 7231

قوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ﴾ العامَّةُ على الخطابِ وكسرِ الحاءِ. والحسنُ وعيسى وأبو حيوة بفتحها، وعن الحسن أيضاً «تَنْحاتون» بألفٍ للإِشباعِ، وعنه وعن أبي حيوة «يَنْحِتُون» بالياء مِنْ تحتُ. وقد تَقَدَّم ذلك كلُّه في الأعراف. قوله: ﴿فَارِهِينَ﴾ قرأ الكوفيون وابنُ عامر «فارِهيْنَ» بالألف كما قرؤوا «حاذِرون» بها والباقونَ «فَرِهين» بدون ألف، كما قرؤوا «حَذِرُون» بدونِها. والفَراهَةُ: النشاطُ والقوةُ. وقيل: الحِذْقُ. يقال: دابَّة فارِهٌ، ولا يقال: فارِهَة، وقد فَرُه يَفْرُه فَراهة.

стр. 7232

قوله: ﴿لَّهَا شِرْبٌ﴾ : صفةٌ ل «ناقَةٌ» . ويجوزُ أَنْ يكونَ الوصفُ وحدَه الجارَّ والمجرورَ و «شِرْبٌ» فاعلٌ به لاعتمادِه. وقرأ ابن أبي عبلة «شُرْبٌ» بالضمِّ فيهما. والشِّرْبُ: بالكسرِ النصيبُ كالسِّقْيِ، وبالضمِّ المصدرُ.

стр. 7233

قوله: ﴿لِعَمَلِكُمْ﴾ : كقولِه: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١] وقد تقدَّم. وقيل: «من القالِيْن» صفةٌ لخبرٍ محذوفٍ. وهذا الجارُّ متعلِّقٌ به. أي: إنِّي قالٍ لِعملكم من القالِيْنَ.

стр. 7234

قوله: ﴿فَسَآءَ مَطَرُ المنذرين﴾ : المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي: مَطَرهم. والقالي: المُبْغِضُ. يقال: قَلاه يَقْليه قِلَىً ويَقْلاه، وهي شاذَّة. قال: ٣٥٢٨ - وتَرْمِيْنَنِيْ بالطَّرْفِ أي: أنتَ مُذْنِبٌ ... وتَقْلِينني لكنَّ إياكِ لا أَقْلي وقال آخر: ٣٥٢٩ - واللهِ ما فارَقْتُكم عَنْ قِلَىً لكمْ ... ولكنَّ ما يقضى فسوفَ يكونُ واسمُ المفعولِ منه: مَقْلِيّ. والأصلُ مَقْلُوْي. فأُدْغِمَ ك مَرْمِيّ قال: ٣٥٣٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وَلسْتُ بمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ أي: لا يَبْغُضُني غيري ولا أَبْغَضُه. وغَلِط بعضُهم فَجَعَلَ ذلك مِنْ قولهم قلا اللحمَ أي: شواه، فكأنه: قلا كَبِدَه بالبُغْض. ووَجْهُ الغَلَطِ: أنَّ هذا من

стр. 7235

ذواتِ الياءِ، وذَلك من ذواتِ الواوِ. ويُقال: قلا اللحمَ يَقْلُوه قَلْواً فهو قالٍ كغازٍ، ومَقْلُوٌّ.

стр. 7236

قوله: ﴿الأيكة﴾ : قرأ نافعٌ وابنُ كثير وابن عامر «لَيْكَةَ» بلامٍ واحدةٍ وفتح التاء. جعلوه اسماً غيرَ مُعَرَّفٍ بأل مضافاً إليه «أصحاب» هنا، وفي ص خاصة. والباقون «الأَيْكَةِ» مُعَرَّفاً بأل موافقةً لِما أُجْمِعَ عليه في الحجر وفي ق. وقد اضْطَرَبَتْ أقوالُ الناسِ في القراءةِ الأُولى. وتجرَّأَ بعضُهم على قارئها، وسأذكر لك من ذلك طرفاً. فَوَجْهُها على ما قال أبو عُبيد: «أَنَّ لَيْكَةَ اسمٌ للقريةِ التي كانوا فيها، والأيْكَةَ اسمٌ للبلدِ كله. قال أبو عبيد:» لا أُحِبُّ مفارقَةَ الخَطِّ في شيءٍ من القرآنِ إلاَّ ما يَخْرُج من كلامِ العربِ، وهذا ليسَ بخارجٍ من كلامِها مع صحةِ المعنى في هذه الحروفِ؛ وذلك أنَّا وَجَدْنا في بعضِ التفسيرِ الفرقَ بين لَيْكة والأَيْكة فقيل: لَيْكة هي اسمُ القرية التي كانوا فيها، والأَيْكَةُ: البلادُ كلُّها فصار الفرقُ بينهما شبيهاً بما بين بَكَّة ومَكَّة، ورَأَيْتُهُنَّ مع هذا في الذي يقال: إنه الإِمامُ مصحفُ عثمانَ مفتَرِقاتٍ، فوجَدْتُ التي في الحجر والتي في ق «الأَيْكَة» ، ووَجَدْتُ التي في الشعراءِ والتي في ص «لَيْكَة» ، ثم اجْتَمَعَتْ عليها مصاحفُ الأمصارِ بعدُ، فلا نَعْلَمُها اختلفَتْ فيها. وقرأ أهلُ المدينةِ على هذا اللفظِ الذي قَصَصْنا يعني بغيرِ ألفٍ ولامٍ ولا إجراءٍ «. انتهى

стр. 7237

ما قاله أبو عبيد. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة بعدما نقَلْتُه عنه:» هذه عبارتُه وليسَتْ سديدةَ؛ فإن اللامَ موجودةٌ في «لَيْكة» وصوابُه بغير ألفٍ وهمزةٍ «. قلت: بل هي سديدةٌ. فإنه يعني بغيرِ ألفٍ ولامِ معرفةٍ لا مُطْلقَ لامٍ في الجملة. وقد تُعُقِّبَ قولُ أبي عبيدٍ، وأنكروا عليه، فقال أبو جعفر:» أَجْمع القرَّاءُ على خفضِ التي في الحجر وق فيجبُ أَنْ يُرَدَّ ما اخْتُلِفَ/ فيه إلى ما اتُّفِقَ عليه إذا كان المعنى واحداً. فأمَّا ما حكاه أبو عبيدٍ مِنْ أَنَّ «ليكَةَ» اسمُ القرية، وأن الأَيْكَةَ اسمُ البلدِ كلِّه فشيْءٌ لا يَثْبُتُ ولا يُعْرَفُ مَنْ قاله، ولو عُرِفَ لكان في نظرٌ؛ لأنَّ أهلَ العلمِ جميعاً من المفسِّرين والعالِمين بكلامِ العرب على خلافِه. ولا نَعْلم خلافاً بين أهلِ اللغة أنَّ الأَيْكَة الشجرُ الملتفُّ. فأمَّا احتجاجُ بعضِ منِ احتجَّ لقراءة مَنْ قَرَأ في هذين الموضعين بالفتح أنَّه في السَّوادِ «لَيْكة» فلا حجَّةَ فيه. والقولُ فيه: أنَّ أصلَه: الأَيْكَة، ثم خُفِّفَتِ الهمزةُ فَأُلْقِيَتْ حركتُها على اللامِ فسَقَطَتْ واستَغْنَيْتَ عن ألفِ الوصلِ؛ لأنَّ اللامَ قد تحرَّكَتْ، فلا يجوزُ على هذا إلاََّ الخفضُ، كما تقول: مررتُ بالأَحْمَرِ على تحقيقِ الهمزةِ، ثم تُخَفِّفُها فتقول: بِلَحْمَرِ فإنْ شِئْتَ كَتَبْتَه في الخَطِّ على ما كتبتَه أولاً، وإن شِئْتَ كَتَبْتَه بالحَذْفِ ولم يَجُزْ إلاَّ الخفضُ، فلذلك لا يجوزُ في «الأَيْكَةِ» إلاَّ الخفضُ. قال سيبويه: «واعلَمْ أنَّ كلَّ ما لم يَنْصَرِفْ إذا دَخَلَتْه الألفُ واللامُ أو أَضَفْتَه انصرَفَ» ، ولا نعلمُ أحداً خالَف سيبويه في هذا «.

стр. 7238

وقال المبردُ في كتاب» الخط «» كَتَبُوا في بعضِ المواضعِ «كَذَّبَ أصحابُ لَيْكَة» بغير ألفٍ؛ لأن الألفَ تذهبُ في الوصلِ، ولذلك غَلِطَ القارىءُ بالفتحِ فَتَوَهَّم أنَّ «لَيْكَةَ» اسمُ شيءٍ، وأنَّ اللامَ أصلٌ فَقَرأ: أصحابُ ليكةَ «. وقال الفراء:» نرى والله أعلم أنها كُتِبَتْ في هذين الموضعين بتركِ الهمزِ فسَقَطَتِ الألفُ لتحريكِ اللام «. قال مكي: تَعَقَّب ابنُ قتيبَة على أبي عبيد فاختار» الأَيْكَةِ «بالألفِ والهمزةِ والخفضِ قال:» إنما كُتِبَتْ بغيرِ ألفٍ على تخفيفِ الهمزِ «. قال:» وقد أجمعَ الناسُ على ذلك، يعني في الحجر وق، فوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ ما في الشعراء وص بما أَجْمَعوا عليه، فما أَجْمَعُوا عليه شاهِدٌ لما اخْتَلفوا فيه «. وقال أبو إسحاق:» القراءة بجَرِّ قوله: «ليكةِ» وأنت تريد «الأيكة» أجودُ مِنْ أَنْ تجعلَها «لَيْكَةَ» ، وتفتَحها؛ لأنَّها لا تنصرفُ؛ لأنَّ لَيْكَة لا تُعَرَّفُ، وإنما هي أَيْكة للواحدِ، وأَيْك للجمعِ مثل: أَجَمَة وأَجَم. والأَيْكُ: الشجرُ الملتفُّ فأجودُ القراءةِ فيها الكسرُ، وإسقاطُ الهمزة، لموافقة المصحف ولا أعلمه إلاَّ قد قُرِىء به «. وقال الفارسيُّ:» قولُ مَنْ قال «ليكةَ» ففتحَ التاءَ مُشْكِلٌ، لأنه فَتَحَ معِ لَحاقِ اللامِ الكلمةَ. وهذا في الامتناعِ كقولِ مَنْ قال: «مَرَرْتُ بِلَحْمَرَ» ففتحَ

стр. 7239

الأخِرَ مع لَحاقِ لامِ المعرفةِ، وإنما كُتِبَتْ «لَيْكَةَ» على تخفيفِ الهمزِ، والفتحُ لا يَصِحُّ في العربيةِ؛ لأنه فَتْحُ حرفِ الإِعرابِ في موضع الجرِّ مع لامِ المعرفةِ، فهو على قياسِ قَوْلِ مَنْ قال «مررتُ بلَحْمَرَ» . ويَبْعُدُ أَنْ يفتحَ نافعٌ ذلك مع ما قال عنه ورش «. قلت: يعني أنَّ وَرْشاً نَقَلَ عن نافعٍ نَقْلَ حركةِ الهمزةِ إلى الساكنِ قبلَها، حيث وُجِد بشروطٍ مذكورةٍ، ومن جملةِ ذلك: ما في سورةِ الحجر وق مِنْ لفظِ» الأيكة «فقرَأ على قاعدتِه في السورتين بنَقْلِ الحركةِ وطَرْحِ الهمزةِ وخَفْضِ الياءِ، فكذلك ينبغي أَنْ يكونَ الحكمُ في هذين الموضعينِ أيضاً. وقال الزمخشري:» قُرِىءَ «أصحابُ الأَيْكة» بالهمزة وتخفيفها وبالجرِّ على الإِضافةِ، وهو الوجهُ. ومَنْ قَرَأَ بالنصبِ وزعَمَ أنَّ لَيْكَة بوزنِ لَيْلة اسمُ بلد، فَتَوَهُّمٌ قاد إليه خطُّ المصحفِ، وإنما كُتبت على حكمِ لفظِ اللافظ كما يكتب أَصحاب [النحو] ، لأن. . . على هذه الصورة لبيان لفظ المخفف، وقد كُتِبَتْ في سائرِ القرآنِ على الأصلِ، والقصة واحدةٌ. على أنَّ لَيْكَة اسمٌ لا يُعْرَفُ. ورُوي أنَّ أصحابَ الأَيْكة كانوا أصحابَ شجرٍ مُلْتَفٍّ وكان شجرُهم الدَّوْمَ، يعني أنَّ مادةَ لام ي ك مفقودةٌ في لسانِ العرب كذا قال النُّقَّابُ مِمَّنْ تَتَبَّع ذلك قال: «وهذا كما نَصُّوا على أن الخاء والذال المعجمتين لم يُجامعا الجيمَ في لغةِ العربِ» ولذلك لم يَذْكرها صاحب «

стр. 7240

الصحاح» مع ذكرِه التفرقةَ المتقدمةَ عن أبي عبيد، ولو كانت موجودةً في اللغةِ لذكرها مع ذكرِه التفرقةَ المتقدمةَ لشدة الاحتياجِ إليها. وقال الزجاج أيضاً: «أهلُ المدينة يفتحون على ما جاء في التفسيرِ: أن اسمَ المدينة التي كان فيها شعيبٌ لَيْكة» قال أبو علي: «لو صَحَّ هذا فلِمَ/ أجمعَ القرَّاءُ على الهمزِ في قوله: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأيكة﴾ [الآية: ٧٨] في الحجر. والأَيْكة التي ذُكِرَتْ ههنا هي الأَيْكَةُ التي ذُكِرَتْ هناك. وقد قال ابن عباس:» الأَيْكَةُ: الغَيْضَةُ «ولم يُفَسِّرْها بالمدينةِ ولا البلدِ» . قلت: وهؤلاء كلُّهم كأنَّهم زعموا أن هؤلاء الأئمةَ الأثباتَ إنما أَخَذوا هذه القراءةَ مِنْ خَط المصاحفِ دونَ أفواهِ الرجالِ، وكيف يُظَّنُّ بمثلِ أَسَنِّ القراءِ وأعلاهُمْ إسناداً، الآخذِ للقرآن عن جملةٍ من جُلَّة الصحابةِ أبي الدرداء وعثمان بن عفان وغيرهما، وبمثل إمامِ مكةَ شَرَّفها الله تعالى وبمثل إمامِ المدينةِ؟ وكيف يُنْكَرُ على أبي عبيدٍ قولُه، أو يُتَّهَمُ في نَقْلِه؟ ومَنْ حَفِظَ حجةٌ على مَنْ لم يَحْفَظْ، والتواتُرُ قَطْعِيٌّ فلا يُعارَضُ بالظنِّي. وأمَّا اختلافُ القراءةِ مع اتحادِ القصةِ فلا يَضُرُّ ذلك، عَبَّر عنها تارةً

стр. 7241

بالقريةِ خاصةً، وتارةً بالمصرِ الجامعِ للقرى كلِّها، الشاملِ هو لها. وأمَّا تفسيرُ ابنِ عباس فلا ينافي ذلك، لأنَّه عَبَّر عنها كَثُر فيها. ومَنْ رأى ما ذكرْتُه من مناقبِ هؤلاء الأئمةِ في شَرْحِ «حرز الأماني» اطَّرَحَ ما طُعِنَ به عليهم، وعَرَفَ قَدْرهم ومكانتَهم. وقال أبو البقاء في هذه القراءةِ: «وهذا لا يَسْتقيمُ؛ إذ ليس في الكلامِ» لَيْكة «حتى يُجْعَلَ عَلَماً. فإن ادُّعِي قَلْبُ الهمزة لاماً فهو في غايةِ البُعْدِ» . قلت: ٣٥٣١ - وابنُ اللَّبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ... لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعيسِ «أطرقْ كرا إنَّ النِّعامِ بالقرى» «مَنْ أنت وزيداً» .

стр. 7242

قوله: ﴿الجبلة﴾ العامَّةُ على كسرِ الجيمِ والباءِ وشَدِّ اللامِ. وأبو حُصَيْن والأعمشُ والحسن بضمِّهما وشدِّ اللام. والسُّلمي بفتحِ الجيمِ أو كسرها مع سكون الباء. وهذه لغاتٌ في هذا الحرفِ ومعناه:

стр. 7243

الخَلْقُ المتَّحِدُ الغليظُ مأخوذٌ من الجَبَل. قال الشاعر: ٣٥٣٢ - والمَوْتُ أعظمُ حادِثٍ ... فيما يَمُرُّ على الجِبِلَّهْ وقال المهدَوِيُّ: «الجِبْلُ والجَبْلُ والجُبْلُ لغاتٌ، وهو الجمعُ الكثيرُ العددِ من الناس. وقيل: الجِبِلَّةُ مِنْ قولِهم: جُبِل على كذا أي: خُلِق وطُبِع عليه. وسيأتي في يس إنْ شاء الله تعالى تمامُ الكلامِ على ذلك عند قولهِ: ﴿جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ [يس: ٦٢] واختلافُ القراء فيه.

стр. 7244

قوله: ﴿وَمَآ أَنتَ﴾ : جاء في قصةِ هود «ما أنت» بغير واو وهنا «وما أنت» بالواو، فقال الزمخشري: «إذا دَخَلَتْ الواوُ فقد قُصِدَ مَعْنيان كلاهما مخالِفٌ للرسالةِ عندهم: التسخيرُ والبَشَريَّةُ، وأنَّ الرسولَ لا يجوزُ أَنْ يكونَ مُسَخَّراً ولا بَشَراً. وإذا تُرِكَتِ الواوُ فلم يُقْصَدْ إلاَّ معنىً واحدٌ وهو كونُه مُسَخَّرا، ثم قَرَّر بكونِه بشراً» . وتقدَّم الخلافُ في «كِسَفاً» واشتقاقُه في الإِسراء.

стр. 7245

قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ﴾ : الهاءُ تعودُ على القرآنِ، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ للعِلْمِ به. وتنزيل بمعنى مُنَزَّل، أو على حَذْفِ مضافٍ أي: ذو تنزيل.

стр. 7246

قوله: ﴿نَزَلَ﴾ : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص «نَزَل» مخففاً. و ﴿الروح الأمين﴾ مرفوعان على إسنادِ الفعلِ للروحِ، والأمينُ نعتُه، والمرادُ به جبريل. وباقي السبعة بالتشديدِ مبنياً للفاعل، وهو اللهُ تعالى. «الروحَ الأمينَ» منصوبان على المفعولِ. و «الروحُ الأمينُ» مرفوعان على ما لم يُسَمَّ فاعِلُه. و «به» إمَّا متعلِّقٌ ب «نَزَلَ» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ.

стр. 7247

قوله: ﴿على قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾ : قال الشيخ: الظاهرُ تعلُّقُ «على قلبِك» و «لتكون» ب «نَزَل» ولم يَذْكُرْ ما يقابلُ هذا الظاهرَ. وأكثرُ ما يُتَخيل أنَّه يجوزُ أن يتعلقا ب «تنزيل» أي: وإنه لتنزيلُ ربِّ العالمين على قلبك لتكون. ولكنْ فيه ضَعْفٌ من حيث الفصلُ بين المصدرِ ومعموله بجملة «نَزَلَ به الروحُ» . وقد يُجاب عنه بوجهين، أحدُهما: أنَّ هذه الجملةَ اعتراضيةٌ وفيها تأكيدٌ وتسديدٌ، فليسَتْ بأجنبية. والثاني: الاغتفارُ في الظرفِ وعديلِه. وعلى هذا فلا يَبْعُدُ أن يجيءَ في المسألةِ بابُ الإِعمالِ؛ فإنَّ كُلاًّ من/ «تنزيل» و «نَزَل» يطلبُ هذين الجارَّيْن.

стр. 7248

قوله: ﴿بِلِسَانٍ﴾ : يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ب المُنْذِرين أي: ليكونَ من الذين أَنْذَرُوا بهذا اللسانِ العربيِّ وهم: هودٌ وصالحٌ وشعيبٌ وإسماعيلُ ومحمدٌ ﷺ . ويجوز أن يتعلَّقَ ب «نَزَلَ» أي: نَزَلَ باللسانِ العربيِ لتنذرَ به؛ لأنه لو نَزَلَ بالأعجمي لقالوا: لِمَ نَزَل علينا

стр. 7249

ما لا نفهمُه؟ وجَوَّز أبو البقاء أن يكون بدلاً من «به» بإعادةِ العاملِ قال: «أي: نَزَلَ بلسانٍ عربيّ أي: برسالة أو لغة» .

стр. 7250

قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ﴾ : أي: وإن القرآنَ. وقيل: وإن محمداً. وفيه التفاتٌ؛ إذ لو جرى على ما تقدَّم لقيل: وإنَّك لفي زُبُر. وقرأ الأعمش «زُبْرِ» بسكون الباء، وهي مخففةٌ من المشهورةِ.
следующие страницы →