← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

قوله: ﴿نَزَلَ﴾ : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص «نَزَل» مخففاً. و ﴿الروح الأمين﴾ مرفوعان على إسنادِ الفعلِ للروحِ، والأمينُ نعتُه، والمرادُ به جبريل. وباقي السبعة بالتشديدِ مبنياً للفاعل، وهو اللهُ تعالى. «الروحَ الأمينَ» منصوبان على المفعولِ. و «الروحُ الأمينُ» مرفوعان على ما لم يُسَمَّ فاعِلُه. و «به» إمَّا متعلِّقٌ ب «نَزَلَ» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ.

стр. 7247

قوله: ﴿على قَلْبِكَ لِتَكُونَ﴾ : قال الشيخ: الظاهرُ تعلُّقُ «على قلبِك» و «لتكون» ب «نَزَل» ولم يَذْكُرْ ما يقابلُ هذا الظاهرَ. وأكثرُ ما يُتَخيل أنَّه يجوزُ أن يتعلقا ب «تنزيل» أي: وإنه لتنزيلُ ربِّ العالمين على قلبك لتكون. ولكنْ فيه ضَعْفٌ من حيث الفصلُ بين المصدرِ ومعموله بجملة «نَزَلَ به الروحُ» . وقد يُجاب عنه بوجهين، أحدُهما: أنَّ هذه الجملةَ اعتراضيةٌ وفيها تأكيدٌ وتسديدٌ، فليسَتْ بأجنبية. والثاني: الاغتفارُ في الظرفِ وعديلِه. وعلى هذا فلا يَبْعُدُ أن يجيءَ في المسألةِ بابُ الإِعمالِ؛ فإنَّ كُلاًّ من/ «تنزيل» و «نَزَل» يطلبُ هذين الجارَّيْن.

стр. 7248

قوله: ﴿بِلِسَانٍ﴾ : يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ب المُنْذِرين أي: ليكونَ من الذين أَنْذَرُوا بهذا اللسانِ العربيِّ وهم: هودٌ وصالحٌ وشعيبٌ وإسماعيلُ ومحمدٌ ﷺ . ويجوز أن يتعلَّقَ ب «نَزَلَ» أي: نَزَلَ باللسانِ العربيِ لتنذرَ به؛ لأنه لو نَزَلَ بالأعجمي لقالوا: لِمَ نَزَل علينا

стр. 7249

ما لا نفهمُه؟ وجَوَّز أبو البقاء أن يكون بدلاً من «به» بإعادةِ العاملِ قال: «أي: نَزَلَ بلسانٍ عربيّ أي: برسالة أو لغة» .

стр. 7250

قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ﴾ : أي: وإن القرآنَ. وقيل: وإن محمداً. وفيه التفاتٌ؛ إذ لو جرى على ما تقدَّم لقيل: وإنَّك لفي زُبُر. وقرأ الأعمش «زُبْرِ» بسكون الباء، وهي مخففةٌ من المشهورةِ.

стр. 7251

قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً﴾ : قرأ ابن عامر «تكن» بالتاء مِنْ فوقُ «آيةٌ» بالرفع. والباقون «يكنْ» بالياء مِنْ تحتُ «آيةً» بالنصب. وابن عباس «تكن» بالتاء مِنْ فوقُ و «آيةً» بالنصبِ. فأمَّا قراءةُ ابن عامرٍ ف «تكون» تُحتمل أَنْ تكونَ تامةً، وأَنْ تكونَ ناقصةً. فإن كانَتْ تامةً جاز أن يكونَ ِ «لهم» متعلقاً بها، و «آيةٌ» فاعلاً بها. و «أَنْ يعلَمَه» : إمَّا بدلٌ مِنْ آية، وإمَّا خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: أو لم يَحْدُثْ لهم علامَةُ عِلْمِ علماءِ بني إسرائيل. وإنْ كانَتْ ناقصةً جاز فيها أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أَنْ يكونَ اسمُها مضمراً فيها بمعنى القصةِ، و «آيةٌ أَنْ يَعْلَمَه» جملةٌ قُدِّم فيها الخبرُ واقعةٌ موقعَ خبر «تكن» . الثاني: أن يكونَ اسمُها ضميرَ القصةِ أيضاً، و «لهم» خبرٌ مقدمٌ، و «آيةٌ» مبتدأٌ مؤخر، والجملةُ خبر «تكن» و «أَنْ يعلَمَه» : إمَّا بدلٌ من «آيةٌ» ، وإمَّا خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هي أَنْ يعلَمه. الثالث: أَنْ يكونَ «لهم» خبرَ «تكنْ» مقدَّماً على اسمها، و «آيةٌ» اسمُها و «أَنْ يعلَمَه» على الوجهين المتقدِّمين:

стр. 7252

البدليةِ وخبرِ ابتداءٍ مضمرٍ. الرابع: أَنْ يكونَ «آيةٌ» اسمَها و «أَنْ يعلمَه» خبرُها. وقد اعتُرِضَ هذا: بأنه يَلْزَمُ جَعْلُ الاسمِ نكرةً، والخبرِ معرفةً. وقد نصَّ بعضُهم على أنه ضرورةٌ كقوله: ٣٥٣٣ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا يَكُ مَوْقِفٌ منكِ الوَداعا وقوله: ٣٥٣٤ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... يكون مزاجَها عَسَلٌ وماءُ وقد اعتُذِر عن ذلك: بأنَّ «آية» قد تخصَّصَتْ بقوله: «لهم» فإنه حالٌ منها، والحال صفة، وبأن تعريفَ الجنسِ ضعيفٌ لعمومه. وهو اعتذارٌ باطلٌ ولا ضرورةَ تَدْعُو إلى هذا التخريجِ، بل التخريجُ ما تقدم. وأمَّا قراءةُ الباقينَ فواضحةٌ جداً ف «آيةً» خبرٌ مقدمٌ، و «أَنْ يَعْلَمه» اسمُها مؤخرٌ، و «لهم» متعلِّقٌ بآية حالاً مِنْ «آية» . وأمَّا قراءةُ ابنِ عباس فكقراءةِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهم إلاَّ أَنْ قَالوا﴾ [الأنعام: ٢٣] وكقول لبيد: ٣٥٣٥ - فمضَى وقدَّمها وكانت عادَةً ... منه إذا هي عَرَّدَتْ إقدامُها

стр. 7253

إمَّا لتأنيثِ الاسمِ لتأنيِث [الخبر] ، وإمَّا لأنه بمعنى المؤنث. ألا ترى أنَّ «أَنْ يعلَمَه» في قوةِ «المعرفةِ» و «إلاَّ أَنْ قالوا» في قوة «مقالتهم» وإقدامها «بإقدامتها» . وقرأ الجحدريُّ: «أَنْ تعلمَه» بالتاء من فوق. شَبَّه البنين بجمع التكسير في تغيُّر واحدِه صورةً، فعامَلَ فعلَه المسندَ إليه معاملةَ فعلِه في لَحاقِ علامةِ التأنيثِ. وهذا كقوله: ٣٥٣٦ - قالَتْ بنو عامرٍ خالُوا بني أَسَدٍ ... يا بؤسَ للجَهْلِ ضَرَّاراً لأَقْوامِ وكتبوا في الرسم الكريم «عُلَمؤا» بواو الميمِ والألف. قيل: هو على لغة مَنْ يُميل الألفَ نحو الواوِ، وهذا كما فُعِلَ في الصلاةِ والزكاةِ.

стр. 7254

قوله: ﴿الأعجمين﴾ : قال صاحب «التحرير» : «الأعْجَمين جمع أعجمي بالتخفيف. ولولا هذا التقديرُ لم يَجُزْ أَنْ يُجمعَ جَمْعَ سلامةٍ» قلت: وكان سببُ مَنْعِ جمعهِ: أنه من بابِ أَفْعَل فَعْلاء كأَحْمر حَمْراء.

стр. 7255

والبصريون لا يُجيزون جَمْعَه جمعَ سلامة إلاَّ ضرورةً كقوله: ٣٥٣٧ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... حلائلَ أَسْوَدِيْنَ وأَحْمَرينا فلذلك قَدَّره منسوباً فخففَ الياء. وقد جعله ابنُ عطية جمعَ أَعْجَم فقال: ألأَعْجَمون جمعُ أَعْجَمُ/ وهو الذي لا يُفْصِحُ، وإن كان عربيَّ النسبِ يقال له «أعجمُ» وذلك يقال للحيوانات. ومنه قوله ﷺ : «جُرْحُ العجماء جُبار» وأسند الطبريُّ عن عبدِ الله بن مطيع: أنه كان واقفاً بعرفةَ وتحته جَمَلٌ فقال: جملي هذا أعجمُ، ولو أنه أُنْزِل عليه ما كانوا يُؤْمِنون. والعَجَمِيُّ: هو الذي نِسْبَتُه في العَجَمِ، وإن كان أفصحَ الناسِ «. وقال الزمخشريُّ:» الأعجمُ: الذي لا يُفْصِحُ، وفي لسانِه عُجْمَةٌ أو استعجامٌ. والأعجميُّ مثلُه، إلاَّ أنَّ فيه زيادةَ النسَبِ توكيداً «قلت: وقد تقدَّم نحوٌ مِنْ هذا في سورة النحلِ. وقد صَرَّح أبو البقاء بمَنْع أن يكون»

стр. 7256

الأعجمين «جمعَ» أَعْجم «وإنما هو جمعُ أعجمي مخففاً مِنْ أعجميّ ك» الأَشْعرون «في الأشعري قال:» الأعجمين [أي] : الأعجميين فحذف ياءَ النسب كما قالوا: الأشعرون أي: الأشعريُّون، وواحدُه أعجمي، ولا يجوز أن يكونَ جمعَ أعجم لأنَّ مؤنثَه عَجْماء. ومثلُ هذا لا يُجْمَعُ جَمْعَ التصحيح «. قلت: وقد تقدَّم ذلك. ففيما قال ابنُ عطية نظرٌ. وأمَّا الزمخشري فليس في كلامِه أنه جمع أَعْجم مخففاً أو غيرَ مخففٍ، وإنْ كان ظاهرُه أنَّه جمع أعجم مِنْ غيرِ تخفيفٍ. ولكن الذي قاله ابن عطية تَبِعَ فيه الفراء فإنه قال:» الأعجمين جمعَ أَعْجم أو أعجمي على حَذْفِ ياءِ النِّسَبِ كما قالوا: الأشعرين وواحدهم أشعري. وأنشد للكميت: ٣٥٣٨ - ولو جَهَّزْتَ قافيةً شَرُوْدا ... لقد دَخَلَتْ بيوتَ الأَشْعَريْنا لكنَّ الفراء لا يَضُرُّه ذلك فإنه من الكوفيين. وقد قَدَّمْتُ عنهم أنهم يُجيزون جمع أَفْعَل فَعْلاء. و [قرأ] الحسن وابن مقسم «الأَعْجميِّين» بياءَي النسب، وهي مؤيدةٌ لتخفيفِه منه في قراءةِ العامَّة.

стр. 7257

قوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ : أي: مثلَ ذلك، أو الامر كذلك. والضمير في «سَلَكْناه» عائدٌ على القرآن وهو الظاهرُ أي: سلكناه في

стр. 7258

قلوبِ المجرمين، كما سَلَكْناه في قلوبِ المؤمنين. ومع ذلك لم ينجَعْ فيهم. وقيل: عائدٌ على التكذيبِ أو الكفر.

стр. 7259

قوله: ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ : في الجملةِ وجهان، أحدُهما: الاستئنافُ على جهةِ البيانِ والإِيضاح لِما قبله. والثاني: أنها حالٌ من الضمير في «سَلَكْناه» أي: سَلَكْناه غيرَ مُؤْمَنٍ به. ويجوز أن يكونَ حالاً من «المجرمين» لأنَّ المضافَ جزءٌ من المضافِ إليه.

стр. 7260

قوله: ﴿فَيَأْتِيَهُم﴾ : و «فيقولوا» عطفٌ على «يَرَوْا» . وقرأ العامة بالياءِ مِنْ تحتُ. والحسن وعيسى بالتاء مِنْ فوقُ. أَنَّث ضميرَ العذابِ لأنَّه في معنى العقوبة. وقال الزمخشري: «أنَّثَ على أن الفاعل ضميرُ الساعة» . وقال الزمخشري: «فإن قلتَ: ما معنى التعقيب في قوله:» فَيَأْتِيَهم «؟ قلت: ليس المعنى التعقيبَ في الوجود، بل المعنى تَرَتُّبُها في الشدَّة. كأنَّه قيل: لا يُؤْمِنُون بالقرآنِ حتى تكونَ رُؤْيَتُهم العذابَ [فما هو] أشدُّ منها. ومثالُ ذلك أن تقول:» إنْ أسَأْتَ مَقَتَك الصالحون فَمَقَتَك اللهُ «، فإنَّك لا تَقْصِدُ [بهذا الترتيب] أنَّ مَقْتَ اللهِ بعد مَقْتِ الصالحين، وإنما

стр. 7261

قَصْدُك إلى ترتيبِ شدَّةِ الأمرِ على المسيء» . وقرأ الحسن «بَغَتَةً» بفتحِ الغين.

стр. 7262

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ : قد تقدَّمَ تحقيقُه. وقد تنازَعَ «أفرأيت» و «جاءهم» في قوله: «ما كانوا يُمَتَّعون» فإن أَعْمَلْتَ الثاني وهو «جاءهم» رَفَعْتَ به «ما كانوا» فاعلاً به، ومفعولُ «أرأَيْتَ» الأولُ ضميرُه، ولكنه حُذِفَ، والمفعولُ الثاني هو الجملةُ الاستفهاميةُ في قوله: «ما أَغْنَى عنهم» . ولا بُدَّ مِنْ رابطٍ بين هذه الجملةِ وبين المفعولِ الأولِ المحذوفِ، وهو مقدَّرٌ، تقديره: أفرأيْتَ ما كانوا يُوْعَدُون ما أغنى عنهم تَمَتُّعُهم، حين حَلَّ أي: الموعودُ به. ودَلَّ على ذلك قوةُ الكلامِ. وإنْ أَعْمَلَتْ الأولَ نصبْتَ به «ما كانوا يُوْعَدُون» وأَضْمَرْتَ في «جاءهم» ضميرَه فاعلاً به. والجملةُ الاستفهاميةُ مفعولٌ ثانٍ أيضاً. والعائدُ مقدرٌ على ما تقرَّرَ في الوجهِ قبلَه، والشرطُ معترضٌ، وجوابُه محذوفٌ. وهذا كلُّه مفهومٌ مما تقدَّم في سورةِ الأنعامِ، وإنما ذكرْتُه هنا لأنه تقديرُ عَسِرٌ يحتاج إلى تأمُّلٍ وحسنِ صناعةٍ، وهذا كلُّه إنَّما يتأتى على قولِنا: إنَّ «ما» استفهاميةٌ، ولا يَضُرُّنا تفسيرُهم لها بالنفي، فإن الاستفهامَ قد يَرِدُ بمعنى النفي. وأمَّا إذا جَعَلْتَها نافيةً حرفاً، كما قال أبو البقاء، فلا يتأتى ذلك؛ لأنَّ مفعولَ «أرأيت» الثاني لا يكونُ إلاَّ جملةً استفهاميةً كما تقرَّر غيرَ مرة.

стр. 7263

قوله: ﴿مَآ أغنى﴾ : يجوز أَنْ تكونَ «ما» استفهاميةً في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدَّماً، و «ما كانوا» هو الفاعلُ، و «ما» مصدريةٌ بمعنى: أيُّ شيءٍ أغنى عنهم كونَهم متمتِّعين. وأَنْ تكونَ نافيةً والمفعولُ محذوفٌ أي: لم يُغْنِ عنهم تمتُّعُهم شيئاً. وقرىء «يُمْتَعُون» بإسكانِ الميم وتخفيف التاءِ، مِنْ أَمْتَع اللهُ زيداً بكذا.

стр. 7264

قوله: ﴿إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ : يجوز أَنْ تكونَ الجملةُ صفةً ل «قريةٍ» ، وأَنْ تكونَ حالاً منها. وسَوَّغَ ذلك سَبْقُ النفيِ. وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: كيف عَزَلْتَ الواوَ عن الجملةِ بعدَ» إلاَّ «ولم تُعْزَلْ عنها في قولِه: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] قلت: الأصلُ عَزْلُ الواوِ؛ لأنَّ الجملةَ صفةٌ ل» قريةٍ «. وإذا زِيْدَتْ فلتأكيدِ وَصْلِ الصفةِ بالموصوفِ كما قي قوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] . قال الشيخ:» ولو قدَّرنا «لها مُنْذِرُون» جملةً لم يَجُزْ أن تجيءَ صفةً بعد «إلاَّ» . ومذهبُ الجمهورِ أنه لا تجيءُ الصفةُ بعد «إلاَّ» معتمدةً على أداةِ الاستثناءِ نحو: ما جاءَني أحدٌ إلاَّ راكبٌ. وإذا سُمِع مثلُ هذا خَرَّجوه على البدلِ، أي: إلاَّ رجلٌ را كبٌ. ويَدُلُّ على صحةِ هذا المذهبِ أنَّ العربَ تقولُ: «ما مررتُ بأحدٍ إلاَّ قائماً» ولا يُحْفَظُ عنهم «إلاَّ قائمٍ» بالجرِّ. فلو كانت الجملةُ صفةً بعد «إلاَّ لَسُمِعَ الجرُّ في هذا. [وأيضاً فلو كانَتْ الجملةُ صفةً

стр. 7265

للنكرة لجاز أَنْ تقعَ صفةُ المعرفةِ بعد» إلاَّ «يعني نحو:» ما مررتُ بزيدٍ إلاَّ العاقلِ «] . ثم قال:» فإنْ كانَتِ الصفةُ غيرَ معتمدةٍ على الأداةِ جاءَتِ الصفةُ بعد «إلاَّ» نحو: «ما جاءني أحدٌ إلاَّ زيدٌ خيرٌ من عمروٍ» . التقدير: ما جاءني أحدٌ خيرٌ من عمرٍو إلاَّ زيدٌ. وأمَّا كونُ الواوِ تُزاد لتأكيد وَصْلِ الصفةِ بالموصوفِ فغيرُ معهودٍ في عبارةِ النَّحْويين. لو قلتَ: «جاءني رجلٌ وعاقلٌ» أي: «رجلٌ عاقلٌ» لم يَجُزْ. وإنما تدخل الواوُ في الصفاتِ جوازاً إذا عُطِفَ بعضُها على بعضٍ، وتَغَايَرَ مدلُولها نحو: مررت بزيدٍ الشجاعِ والشاعرِ. وأمَّا ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] فتقدَّم الكلامُ عليه «. قلت: أمَّا كونُ الصفةِ لا تقعُ بعد» إلاَّ «معتمدةً، فالزمخشريُّ يختارُ غيرَ هذا، فإنَّها مسألةً خلافيةً. وأمَّا كونُه لم يُقَلْ» إلاَّ قائماً «بالنصبِ دونَ» قائم «بالجرِّ فذلك على أحدِ الجائزين وليس فيه دليلٌ على المَنْعِ مِنْ قَسيمِه. وأمَّا قولُه» فغيرُ معهودٍ من كلامِ النحويين «فمَمنوعٌ. هذا ابنُ جني نَصَّ عليه في بعضِ كتبه. وأمَّا إلزامُه أنها لو كانَتِ الجملةُ صفةً بعد» إلاَّ «للنكرةٍ لجاز أَنْ تقعَ صفةُ المعرفة بعد» إلاَّ «فغيرُ لازمٍ؛ لأنَّ ذلك مختصٌّ بكونِ الصفةِ جملةً. وإذا كانت جملةً تعذَّر كونُها صفةً للمعرفةِ. وإنما اختصَّ ذلك بكونِ الصفةِ جملةً؛ لأنها لتأكيدِ وَصْلِ الصفةِ، والتأكيد لائقٌ بالجملةِ. وأمَّا قولُه:» لو قلتَ: جاءني رجلٌ وعاقلٌ لم يَجُزْ «فمُسَلَّمٌ، ولكن إنما امتنع ذلك في جملةً، فإنَّ اللَّبْسَ مُنْتَفٍ. وقد تقدَّم ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ﴾ فَلْيُلْتَفَتْ إليه ثَمَّة.

стр. 7266

قوله: ﴿ذكرى﴾ : يجوزُ فيها أوجهٌ، أحدُها: أنها مفعولٌ مِنْ أجله. وإذا كانَتْ مفعولاً مِنْ أجلهِ ففي العاملِ فيه وجهان، أحدهما: «مُنْذِرُوْن» ، على أنَّ المعنى: مُنْذِرون لأجلِ الموعظةِ والتذكرةِ. الثاني: «أَهْلَكْنا» . قال الزمخشري: «والمعنى: وما أهلَكْنا مِنْ أهلِ قريةٍ ظالمين إلاَّ بعدَما ألزَمْناهم الحُجَّةَ بإرسالِ المُنْذَرِين إليهم ليكون [إهلاكُهم] تذكرةً وعبرةَ لغيرِهم فلا يَعْصُوا مثلَ عصيانِهم» ثم قال: «وهذا الوجهُ عليه المُعَوَّل» . قال الشيخ «وهذا لا مُعَوَّلَ عليه؛ فإنَّ مذهبَ الجمهورِ أنَّ ما قبل» إلاَّ «لا يعمل فيما بعدها، إلاَّ أَنْ يكونَ مستثنى، أو مستثنى منه، أو تابعاً له غيرَ معتمدٍ على الأداة نحو:» ما مررت بأحدٍ إلاَّ زيدٌ من عمروٍ «، والمفعولُ له ليس واحداً من هذه. ويتخرَّج مذهبُه على مذهبِ الكسائي والأخفشِ، وإن كانا لم يَنُصَّا على المفعولِ له بخصوصيَّته» . قلت: والجواب ما تقدَّم قبلَ ذلك مِنْ أنَّه يختارُ مذهبَ الأخفش. الثاني: من الأوجهِ الأُوَلِ: أنَّها في محلِّ رفع خبراً لمبتدأ محذوفٍ أي: هذه ذكرى. وتكونُ الجملةُ اعتراضيةً. الثالث: أنها صفةٌ ل مُنْذِرُوْن: إمَّا على المبالغةِ، وإمَّا على الحذفِ أي: مُنْذروْن ذَوو ذكرى، أو على وقوعِ المصدرِ وقوعَ اسمِ الفاعلِ أي: مُنْذِرون مُذكِّرون. وقد تقدَّم تقريرُ ذلك. الرابع: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال أي: مُذَكِّرين، أو ذوي ذكرى، أو جُعِلوا نفسَ الذكرى مبالغةً. الخامس: أنها منصوبةٌ على المصدرِ المؤكِّد.

стр. 7267

وفي العاملِ فيها حينئذٍ وجهان، أحدُهما: لفظُ «مُنْذِرُون» لأنَّه مِنْ معناها فهما ك «قَعَدْتُ جلوساً» . والثاني: أنه محذوفٌ مِنْ لفظِها أي: تَذْكُرون ذِكْرى. وذلك المحذوفُ صفةٌ ل «مُنْذِرون» .

стр. 7268

قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين﴾ : العامَّةُ على الياء/ ورفعِ النونِ، وهو جمعُ تكسيرِ. وقرأ الحسن البصري وابن السَّمَيْفع والأعمش بالواوِ مكانَ الياءِ، والنونُ مفتوحةٌ إجراءً له مُجْرى جمعِ السلامة. وهذه القراءةُ قد رَدَّها جمعٌ كثيرٌ من النحويين. قال الفراء: «غَلِطَ الشيخُ ظنَّ أنها النونُ التي على هِجاءَيْن» . وقال النضر بن شميل: «إنْ جاز أن يُحْتَجَّ بقولِ العَجَّاجِ ورؤبةَ فهلا جازَ أَنْ يُحْتَجَّ بقولِ الحسنِ وصاحبِه يعني محمد بن السميفع، مع أنَّا نعلُم أنَّهما لم يُقْرآ به إلاَّ وقد سَمِعا فيه» . وقال النحاس: «هو غَلَطٌ عند جميعِ النَّحْويين» . وقال المهدويُّ: «هو غيرُ جائزٍ في العربيةِ» . وقال أبو حاتم: «هي غلطٌ منه أو عليه» . وقد أَثْبَتَ هذه القراءةَ جماعةٌ من أهلِ العلمِ، ودفعوا عنها الغَلَطَ، فإنَّ القارىءَ بها من العلمِ بمكانٍ مَكينٍ، وأجابوا عنها بأجوبةٍ صالحةٍ. فقال: النضر بن شميل: «قال يونس بن حبيب: سمعتُ أعرابياً يقول:» دَخلتُ بساتينَ من ورائِها بساتُون «فقلت: ما أشبَه هذا بقراءةِ الحسنِ» وخرَّجها بعضُهم على أنها جمعُ شَيَّاط بالتشديد مِثالَ مبالغةٍ، مثلَ «ضَرَّاب» و «قتَّال» ، على أَنْ يكونَ مشتقاً من شاط يَشِيْط أي: أَحْرَقَ، ثم جُمِع جَمْعَ سلامةٍ مع تخفيفِ الياءِ فوزنُه

стр. 7269

فَعالُون مخففاً مِنْ فعَّالين بتشديد العين. ويَدُلُّ على ذلك أنَّهما وغيرَهما قرؤُوا بذلك أعني بتشديدِ الياءِ. وهذا منقولٌ عن مؤرج السدوسي ووجَّهها آخرون: بأنَّ أخِرَه لَمَّا كان يُشْبِهُ آخرَ يَبْرِين وفِلَسْطين أُجْري إعرابُه تارةً على النونِ، وتارةً بالحرفِ كما قالوا: هذه يَبْرِينُ وفِلَسْطينُ ويبرونَ وفلسطونَ. وقد تقدَّم القولُ في ذلك في البقرة. والهاء في «به» تعود على القرآن. وجاءت هذه الجمل الثلاث منفيةً على أحسنِ ترتيبٍ نفى أولاً تنزيلَ الشياطين به؛ لأنَّ النفيَ في الغالبِ يكونُ في الممكنِ، وإنْ كان الإِمكانُ هنا منتفياً. ثم نفى ثانياً انْبِغاءَ ذلك أي: ولو فُرِضَ الإِمكانُ لم يكونوا أهلاً له، ثم نفى ثالثاً الاستطاعةَ والقُدْرَةَ، ثم ذكر علةَ ذلك، وهي انعزالهُم عن السَّماع من الملأِ الأعلى؛ لأنهم يُرْجَمُون بالشُّهُبِ لو تَسَمَّعوا.

стр. 7270

قوله: ﴿فَتَكُونَ﴾ : منصوبٌ في جوابِ النهي.

стр. 7271

قوله: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ : في هذه الواوِ وجهان، أحدُهما: أنَّها ضميرُ الكفارِ أي: فإنْ عَصاك الكفارُ في أَمْرِك لهم بالتوحيدِ. الثاني: أنها ضميرُ المؤمنين أي: فإنْ عَصاك المؤمنون في فروعِ الإِسلام وبعضَ الأحكامِ بعد تصديقِك والإِيمان برسالتِك. وهذا في غاية البعد.

стр. 7272

قوله: ﴿وَتَوكَّلْ﴾ : قرأ نافعٌ وابنُ عامر بالفاءِ. والباقون بالواوِ. فأمَّا قراءةُ الفاءِ جَعَلَ فيها ما بعد الفاءِ كالجزاءِ لِما قبلها مُتَرَتِّباً عليه، وقراءةُ الواوِ لمجرَّدِ عَطْفِ جملةٍ على أخرى.

стр. 7273

قوله: ﴿الذي يَرَاكَ﴾ : يجوزُ أنْ يكونَ مرفوعَ المحلِّ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أو منصوبَه على المدحِ، أو مجرورَهُ على النعتِ أو البدلِ أو البيانِ.

стр. 7274

قوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾ : عطفٌ على مفعول «يَراك» أي: ويرى تَقَلُّبَك. وهذه قراءةُ العامَّةِ. وقرأ جناح بن حبيش بالياء مِنْ تحتُ مضمومةً، وكسر اللامِ ورفعِ الباء جَعَلَه فعلاً، ومضارع «قَلَّب» بالتشديد، وعَطَفْه على المضارعِ قبلَه، وهو «يراك» أي: الذي يُقَلِّبُك.

стр. 7275

قوله: ﴿على مَن تَنَزَّلُ﴾ متعلِّقٌ «ب» تَنَزَّلُ «بعده. وإنما قُدِّمَ لأنَّ له صدَر الكلامِ، وهو مُعَلِّقٌ لِما قبله مِنْ فعلِ التنبئةِ لأنَّها بمعنى الِعلْمِ. ويجوزُ أَنْ تكونَ هنا متعديةً لاثنين فتسدَّ الجملةُ المشتملةُ على الاستفهام مَسَدَّ الثاني؛ لأن الأولَ ضميرُ المخاطبين، وأَنْ تكونَ متعدِّيةً لثلاثة فتسدَّ مَسَدَّ اثنين. وقرأ البزي» على مَنْ تَّنَزَّلُ «بتشديد التاء [مِنْ تنزَّل] في الموضعين، والأصل تَتَنَزَّلُ بتاءَيْن، فأدغم. والإِدغامُ في الثاني سَهْلٌ لتحرُّكِ

стр. 7276

ما قبل المُدْغَمِ، وفي الأول صعوبةٌ لسكونِ ما قبلَه، وهو نونُ» مَنْ «وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في البقرة عند قوله: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ [البقرة: ٢٦٧] .

стр. 7277

قوله: ﴿يُلْقُونَ﴾ : يجوزُ أَنْ يعودَ الضميرُ على «الشياطين» ، فيجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ مِنْ «يُلْقُون» حالاً، وأَنْ تكونَ مستأنفةً. ومعنى إلقائِهم السمعَ: إنصاتُهم إلى الملأ الأعلى لِيَسْتَرِقُّوا شيئاً، أو يُلْقُوْن الشيءَ المسموعَ إلى الكهنةِ. ويجوزُ أَنْ يعودَ على ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ من حيثُ إنَّه جَمْعٌ في المعنى. فتكونُ الجملة: إمَّا مستأنفةً، وإمَّا صفةً ل «كلِّ أَفَّاكٍ» ومعنى الإِلقاء ما تقدَّم. وقال الشيخ حالَ عَوْدِ الضميرِ على «الشياطين» ، وبعدما ذكر المعنيين المتقدِّمين في إلقاءِ السَّمْعِ قال: «فعلى معنى الإِنْصاتِ يكونُ» يُلْقُون «استئنافَ إخبار، وعلى إلقاءِ المسموع إلى الكَهَنَةِ يُحْتَمَلُ الاستئنافُ، واحْتُمِلَ الحالُ من» الشياطين «أي: تَنَزَّل على كلِّ أَفَّاكٍ أثيمٍ مُلْقِِيْنَ ما سَمِعُوا» . انتهى وفي تخصيصه الاستئنافَ بالمعنى الأولِ، وتجويزِه الوجهين في المعنى الثاني نظرٌ؛ لأنَّ جوازَ الوجهين جارٍ في المعنَيَيْن فيُحتاج في ذلك إلى دليلٍ.

стр. 7278

قوله: ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾ : قد تقدَّمَ أن نافعاً يقرأ بتخفيف التاء ساكنة وفتح الباء في سورة الأعراف عند قولِه: ﴿لاَ يَتَّبِعُوكم﴾ [الأعراف: ١٩٣] والفرقُ بين المخفَّفِ والمثقَّلِ، فَلْيُنْظَرْ ثَمَّة. وسكَّن الحسنُ العينَ، ورُوِيَتْ عن

стр. 7279

أبى عمروٍ، وليسَتْ ببعيدةِ عنه ك ﴿يَنْصُرْكم﴾ [آل عمران: ١٦٠] وبابِه. وروى هارونُ عن بعضِهم نصبَ العينِ وهي غلط. والقولُ بأنَّ الفتحةَ للإِتباعِ خطأٌ. والعامَّةُ على رَفْعِ «الشعُراءُ» بالابتداءِ. والجملةُ بعدَه الخبرُ. وقرأ عيسى بالنصبِ على الاشتغال.

стр. 7280

قوله: ﴿يَهِيمُونَ﴾ : يجوزُ أنْ تكون هذه الجملةُ خبرَ «أنَّ» . وهذا هو الظاهرُ؛ لأنَّه مَحَطُّ الفائدةِ. و «في كل وادٍ» متعلقٌ به. ويجوزُ أَنْ يكونَ «في كل وادٍ» هو الخبرَ، و «يهيمون» حالٌ من الضميرِ في الخبر. والعاملُ ما تَعَلَّق به هذا الخبرُ أو نفسُ الجارِّ، كما تقدَّم في نظيرِه غيرَ مرة. ويجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ خبراً بعد خبرٍ عند مَنْ يرى تعدُّدَ الخبرَ مطلقاً وهذا من بابِ الاستعارةِ البليغةِ والتمثيلِ الرائعِ، شبَّه جَوَلانَهم في أفانينِ القولِ وطرائقِ المدحِ والذمِّ والتشبيهِ وأنواعِ الشعرِ بِهَيْمِ الهائمِ في كلِّ وادٍ وطريقٍ. والهائِمُ: الذي يَخْبِط في سَيْرِه ولا يَقْصِدُ موضعاً معيَّناً. هام على وجهه: أي ذَهَبَ. والهائِمُ: العاشِقُ من ذلك. والهيمانُ: العَطْشانُ. الهُيام: داءُ يأخذُ الإِبلَ من العطشِ. وجمل أَهْيَمُ، وناقةٌ هَيْماءُ. والجمع فيهما: هِيم. قال تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ [الواقعة: ٥٥] . والهَيام من الرَّمْلِ: اليابسُ كأنهم تَخَيَّلُوا فيه معنى العطشِ.

стр. 7281

قوله: ﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ﴾ : منصوبٌ على المصدرِ. والناصبُ له «يَنْقَلِبُون» وقُدِّمَ لتضمُّنِهِ معنى الاستفهامِ. وهو مُعَلِّق ل «سَيَعْلَمُ» سادَّاً مَسَدَّ مفعولَيْها. وقال أبو البقاء: «أيَّ مُنْقَلبٍ صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ أَيْ: يَنْقلبون انقلاباً أيَّ مُنْقَلَبٍ. ولا يعملُ فيه» سَيَعْلم «لأنَّ الاستفهامَ لا يعمل فيه ما قبله» . وهذا الذي قاله مردودٌ: بأنَّ أَيَّاً الواقعةَ صفةً لا تكونُ استفهاميةً وكذلك الاستفهاميةُ لا تكونُ صفةً لشيء، بل هما قِسْمان، كلٌّ منهما قِسْمٌ برأسِه. و «أيّ» تنقسمُ إلى أقسامٍ كثيرةٍ وهي: الشرطيةُ، والاستفهاميةُ، والموصولةُ، والصفةُ والموصوفةُ عند الأخفش خاصة، والمناداةُ نحو: يا أيُّهذا، والمُوْصِلَةُ لنداءِ ما فيه أل نحو: يا أيُّها الرجلُ، عند غير الأخفش. والأخفشُ يجعلُها في النداءِ موصولةً. وقد أَتْقَنْتُ ذلك في «شرح التسهيل» . وقرأ ابن عباس والحسن «أي مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُون» بالفاءِ والتاءِ من فوقُ. من الانفلاتِ، ومعناها واضحٌ. والله أعلم.

стр. 7282

قوله: ﴿وَكِتَابٍ﴾ : العامَّةُ على جَرِّه عطفاً على القرآن، وهل المرادُ نفسُ القرآنِ فيكونَ من عطفِ بعضِ الصفاتِ على بعضٍ، والمدلولُ واحدٌ، أو اللوحُ المحفوظُ أو نفس السورةِ؟ وقيل: القرآنُ والكتابُ عَلَمان للمنزَّلِ على نبيِّنا محمدٍ ﷺ ، فهما كالعبَّاسِ وعَبَّاس. يعني فتكون أل فيهما لِلَمْحِ الصفةِ. وهذا خطأٌ؛ إذ لو كانا عَلَمَيْن لما وُصِفا بالنكرةِ، وقد وُصِف «قرآن» بها في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ [الآية: ١] في سورة الحجر. ووُصِفَ بها «كتاب» كما في هذه الآية الكريمةِ. والذي يُقال: إنه نكرةٌ هنا لإِفادةِ التفخيم، كقوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] . وقرأ ابن أبي عبلة «كتابٌ مبينٌ» برفعِهما، عطفٌ على «آياتُ» المُخْبِرِ بها عن «تلك» . فإن قيل: كيف صَحَّ أَنْ يُشارَ لاثنين، أحدُهما مؤنثٌ، والآخرُ مذكرٌ باسم إشارةِ المؤنثِ ولو قلتَ: «تلك هندٌ وزيدٌ» لم يَجُزْ؟ فالجواب من ثلاثةِ أوجه: أحدُهما: أنَّ المرادَ بالكتابِ هو الآياتُ؛ لأنَّ الكتابَ عبارةٌ عن

стр. 7283

آياتٍ مجموعةٍ فلمَّا كانا شيئاً واحداً/ صَحَّتْ الإِشارةُ إليهما بإشارةِ الواحدِ المؤنثِ. الثاني: أنَّه على حَذْفِ مضافٍ أي: وآياتُ كتابٍ مبين. الثالث: أنه لَمَّا وَليَ المؤنثَ ما يَصِحُّ الإِشارةُ به إليه اكتُفي به وحَسُنَ، ولو أُوْلِيَ المذكرَ لم يَحْسُنْ. ألا تراك تقولُ: «جاءَتْني هندٌ وزيدٌ» ولو حَذَفْتَ «هند» أو أَخَّرْتَها لم يَجُزْ تأنيثُ الفعلِ.

стр. 7284

قوله: ﴿هُدًى وبشرى﴾ : يجوزُ فيهما أوجهٌ، أحدُها: أنَّ يكونا منصوبَيْنِ على المصدرِ بفعلٍ مقدرٍ مِنْ لفظِهما أي: يَهْدي هُدَىً ويُبَشِّر بُشْرَى. الثاني: أن يكونا في موضعِ الحالِ من «آياتُ» . والعاملُ فيها ما في «تلك» مِنْ معنى الإِشارةِ. الثالث: أَنْ يكونا في موضعِ الحالِ من «القرآن» . وفيه ضعفٌ من حيث كونُه مضافاً إليه. الرابع: أَنْ يكونَ حالاً من «كتاب» في قراءة مَنْ رَفَعه. ويَضْعُفُ في قراءة مَنْ جرَّه لِما تقدَّمَ مِنْ كونِه في حكمِ المضافِ إليه لعَطْفِه عليه. الخامس: أنهما حالان من الضميرِ المستترِ في «مبين» سواءً رَفَعْتَه أم جَرَرْتَه. السادس: أَنْ يكونا بَدَلَيْن مِنْ «آيات» . السابع: أَنْ يكونا خبراً بعد خبر. الثامن: أن يكونا خبرَيْ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي هدىً وبشرى.

стр. 7285

قوله: ﴿الذين يُقِيمُونَ﴾ : يجوزْ أَنْ يكونَ مجرورَ المحلِّ نعتاً للمؤمنين، أو بدلاً، أو بياناً، أو منصوبه على المدحِ أو مرفوعَه على تقديرِ مبتدأ أي: هم الذين. قوله: ﴿وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ «هم» الثاني تكريرٌ للأول على سبيلِ التوكيدِ اللفظيَّ. وفهم الزمخشري منه الحَصْرَ أي: لا يُوقِنُ بالآخرةِ حقَّ الإِيقانِ إلاَّ هؤلاءِ المتصفونَ بهذه الصفاتِ. و «بالآخرةِ» متعلقٌ ب «يُوقنون»
следующие страницы →