Полный текст (10 772 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.
стр. 7281
قوله: ﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ﴾ : منصوبٌ على المصدرِ. والناصبُ له «يَنْقَلِبُون» وقُدِّمَ لتضمُّنِهِ معنى الاستفهامِ. وهو مُعَلِّق ل «سَيَعْلَمُ» سادَّاً مَسَدَّ مفعولَيْها. وقال أبو البقاء: «أيَّ مُنْقَلبٍ صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ أَيْ: يَنْقلبون انقلاباً أيَّ مُنْقَلَبٍ. ولا يعملُ فيه» سَيَعْلم «لأنَّ الاستفهامَ لا يعمل فيه ما قبله» . وهذا الذي قاله مردودٌ: بأنَّ أَيَّاً الواقعةَ صفةً لا تكونُ استفهاميةً وكذلك الاستفهاميةُ لا تكونُ صفةً لشيء، بل هما قِسْمان، كلٌّ منهما قِسْمٌ برأسِه. و «أيّ» تنقسمُ إلى أقسامٍ كثيرةٍ وهي: الشرطيةُ، والاستفهاميةُ، والموصولةُ، والصفةُ والموصوفةُ عند الأخفش خاصة، والمناداةُ نحو: يا أيُّهذا، والمُوْصِلَةُ لنداءِ ما فيه أل نحو: يا أيُّها الرجلُ، عند غير الأخفش. والأخفشُ يجعلُها في النداءِ موصولةً. وقد أَتْقَنْتُ ذلك في «شرح التسهيل» .
وقرأ ابن عباس والحسن «أي مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُون» بالفاءِ والتاءِ من فوقُ. من الانفلاتِ، ومعناها واضحٌ. والله أعلم.
стр. 7282
قوله: ﴿وَكِتَابٍ﴾ : العامَّةُ على جَرِّه عطفاً على القرآن، وهل المرادُ نفسُ القرآنِ فيكونَ من عطفِ بعضِ الصفاتِ على بعضٍ، والمدلولُ واحدٌ، أو اللوحُ المحفوظُ أو نفس السورةِ؟ وقيل: القرآنُ والكتابُ عَلَمان للمنزَّلِ على نبيِّنا محمدٍ ﷺ ، فهما كالعبَّاسِ وعَبَّاس. يعني فتكون أل فيهما لِلَمْحِ الصفةِ. وهذا خطأٌ؛ إذ لو كانا عَلَمَيْن لما وُصِفا بالنكرةِ، وقد وُصِف «قرآن» بها في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ [الآية: ١] في سورة الحجر. ووُصِفَ بها «كتاب» كما في هذه الآية الكريمةِ. والذي يُقال: إنه نكرةٌ هنا لإِفادةِ التفخيم، كقوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] .
وقرأ ابن أبي عبلة «كتابٌ مبينٌ» برفعِهما، عطفٌ على «آياتُ» المُخْبِرِ بها عن «تلك» . فإن قيل: كيف صَحَّ أَنْ يُشارَ لاثنين، أحدُهما مؤنثٌ، والآخرُ مذكرٌ باسم إشارةِ المؤنثِ ولو قلتَ: «تلك هندٌ وزيدٌ» لم يَجُزْ؟ فالجواب من ثلاثةِ أوجه: أحدُهما: أنَّ المرادَ بالكتابِ هو الآياتُ؛ لأنَّ الكتابَ عبارةٌ عن
стр. 7283
آياتٍ مجموعةٍ فلمَّا كانا شيئاً واحداً/ صَحَّتْ الإِشارةُ إليهما بإشارةِ الواحدِ المؤنثِ. الثاني: أنَّه على حَذْفِ مضافٍ أي: وآياتُ كتابٍ مبين. الثالث: أنه لَمَّا وَليَ المؤنثَ ما يَصِحُّ الإِشارةُ به إليه اكتُفي به وحَسُنَ، ولو أُوْلِيَ المذكرَ لم يَحْسُنْ. ألا تراك تقولُ: «جاءَتْني هندٌ وزيدٌ» ولو حَذَفْتَ «هند» أو أَخَّرْتَها لم يَجُزْ تأنيثُ الفعلِ.
стр. 7284
قوله: ﴿هُدًى وبشرى﴾ : يجوزُ فيهما أوجهٌ، أحدُها: أنَّ يكونا منصوبَيْنِ على المصدرِ بفعلٍ مقدرٍ مِنْ لفظِهما أي: يَهْدي هُدَىً ويُبَشِّر بُشْرَى. الثاني: أن يكونا في موضعِ الحالِ من «آياتُ» . والعاملُ فيها ما في «تلك» مِنْ معنى الإِشارةِ. الثالث: أَنْ يكونا في موضعِ الحالِ من «القرآن» . وفيه ضعفٌ من حيث كونُه مضافاً إليه. الرابع: أَنْ يكونَ حالاً من «كتاب» في قراءة مَنْ رَفَعه. ويَضْعُفُ في قراءة مَنْ جرَّه لِما تقدَّمَ مِنْ كونِه في حكمِ المضافِ إليه لعَطْفِه عليه. الخامس: أنهما حالان من الضميرِ المستترِ في «مبين» سواءً رَفَعْتَه أم جَرَرْتَه. السادس: أَنْ يكونا بَدَلَيْن مِنْ «آيات» . السابع: أَنْ يكونا خبراً بعد خبر. الثامن: أن يكونا خبرَيْ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي هدىً وبشرى.
стр. 7285
قوله: ﴿الذين يُقِيمُونَ﴾ : يجوزْ أَنْ يكونَ مجرورَ المحلِّ نعتاً للمؤمنين، أو بدلاً، أو بياناً، أو منصوبه على المدحِ أو مرفوعَه على تقديرِ مبتدأ أي: هم الذين.
قوله: ﴿وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ «هم» الثاني تكريرٌ للأول على سبيلِ التوكيدِ اللفظيَّ. وفهم الزمخشري منه الحَصْرَ أي: لا يُوقِنُ بالآخرةِ حقَّ الإِيقانِ إلاَّ هؤلاءِ المتصفونَ بهذه الصفاتِ. و «بالآخرةِ» متعلقٌ ب «يُوقنون»
стр. 7286
ولا يَضُرُّ الفصلُ بينهما بالتوكيدِ. وهذه الجملةُ يُحتمل أَنْ تكونَ معطوفةً على الصلةِ داخلةً في حَيِّزِ الموصولِ، وحينئذٍ يكون قد غايَرَ بين الصلتين لمعنىً: وهو أنَّه لَمَّا كان إقامةُ الصلاةِ وإيتاءُ الزكاةِ ممَّا يتكرَّرُ ويتجدَّدُ أتى بالصلتين جملةً فعليةً فقال: «يُقيمون» و «يُؤْتُون» . ولمَّا كان الإِيقانُ بالآخرةِ أمراً ثابتاً مطلوباً دوامُه أتى بالصلةِ جملةً اسميةً مكَّرراً فيها المسندُ إليه مُقَدَّماً فيها المُوْقَنُ به الدالُّ على الاختصاصِ ليدلَّ على الثباتِ والاستقرارِ. وجاء بخبرِ المبتدأ في هذه الجملةِ فعلاً مضارعاً، دلالةً على أنَّ ذلك مُتَجَدِّدٌ كلَّ وقتٍ غيرُ منقطعٍ. ويُحتمل أَنْ تكونَ مستأنفةً غيرَ داخلةٍ في حَيِّز الموصولِ.
قال الزمخشري: «ويُحتمل أَنْ تَتِمَّ الصلةُ عنده» أي: عند قولِه: «وهم» . قال «وتكونُ الجملةُ اعتراضيةً» يريد أنَّ الصلةَ تَمَّتْ عند «الزكاةِ» فيجوزُ في ذلك. وإلاَّ فكيف يَصِحُّ إذا أخَذْنا بظاهرِ كلامِه أنَّ الصِّلةَ تَمَّتْ عند قولِه «وهم» ؟ وتسميتُه هذا اعتراضاً يعني من حيث المعنى، وسياقُ الكلام، وإلاَّ فالاعتراضُ في الاصطلاحِ لِما يكون بين متلازِمَيْنِ من مبتدأ وخبرٍ، وشرطٍ وجزاءٍ، وقَسَمٍ وجوابِه، وتابعٍ ومتبوعٍ، وصلةٍ وموصولٍ، وليس هنا شيءٌ من ذلك.
стр. 7287
قوله: ﴿الأخسرون﴾ في أَفْعَل قولان، أحدهما: وهو الظاهرُ أنَّها على بابِها من التفضيل، وذلك بالنسبةِ إلى الكفَّار من حيث اختلافُ الزمانِ والمكانِ. يعني: أنَّهم أكثرُ خُسْراناً في الآخرةِ منهم في الدنيا، أي: إنَّ خُسْرانَهم في الآخرة أكثرُ من خُسْرانِهم في الدنيا. وقال جماعةٌ منهم الكرماني: «هي هنا للمبالغةِ لا للشِّرْكة؛ لأن المؤمنَ لا خُسْران له في الآخرةِ البتة» . وقد تقدَّم جوابُ ذلك: وهو أنَّ الخسرانَ راجعٌ إلى شيءٍ واحدٍ. باعتبارِ اختلافِ زمانهِ ومكانِه.
стр. 7288
وقال ابن عطية: «الأَخْسرون جمع» أَخْسَر «لأنَّ أَفْعَلَ صفةٌ لا يُجْمَعُ، إلاَّ أن يُضافَ فَتَقْوى رتبتُه في الأسماء، وفي هذا نظرٌ» . قال الشيخ: «ولا نظرَ في أنَّه يُجمع جَمْعَ سلامةٍ أو جمعَ تكسيرٍ إذا كان بأل، بل لا يجوزُ فيه إلاَّ ذلك، إذا كان قبله ما يُطابِقُه في الجمعيَّةِ. فتقول:» الزيدون هم الأفضلون والأفاضل «و» الهندات هنَّ الفُضْلَياتُ «، والفُضُلُ. وأمَّا قوله:» لا يُجْمَعُ إلاَّ أَنْ يُضَافَ «فلا يَتَعَيَّنُ إذ ذاك جَمْعُه، بل إذا أُضيف إلى نكرةٍ لا يجوزُ جَمْعُه، وإن أضيف إلى معرفةٍ جاز في الجمعُ والإِفرادُ» .
стр. 7289
قوله: ﴿لَتُلَقَّى﴾ : «لَقِيَ» مخفَّفاً يتعدى لواحدٍ، وبالتضعيف يتعدى لاثنين فأُقيم أَوَّلُهما هنا مُقامَ الفاعلِ، والثاني «القرآنَ» . وقول من قال: إنَّ أصلَه تَلَقَّنَ بالنون/ تفسيرُ معنىً فلا يَتَعَلَّقُ به مُتَعَلَّقٌ، فإنَّ النونَ أُبْدِلَتْ حرفَ علةٍ.
стр. 7290
قوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً بإضمار اذكُرْ أو تَعَلَّمْ مقدَّراً مدلولاً عليه ب عَليم أو ب حَليم. وفيه ضعفٌ لتقيُّدِ الصفةِ بهذا الظرفِ.
قوله: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ قرأ الكوفيون بتنوين «شهاب» على أنَّ قَبَساً بدلٌ مِنْ «شهاب» أو صفةً له؛ لأنه بمعنى مَقْبوس كالقَبَضِ والنَّقَضِ. والباقون
стр. 7291
بالإِضافةِ على البيانِ؛ لأن الشهابَ يكونُ قَبَساً وغيرَه. والشِّهابُ: الشُّعلةُ. والقَبَس: القطعةُ منها، تكونُ في عُوْدٍ وغيرِ عُوْد. و «أَوْ» على بابِها من التنويع. والطاء في «تَصْطَلُون» بدلٌ مِنْ تاءِ الافتعال لأنه مِنْ صَلِيَ بالنار.
стр. 7292
قوله: ﴿نُودِيَ﴾ : في القائمِ مَقامَ الفاعلِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه ضميرُ موسى، وهو الظاهرُ. وفي «أَنْ» حينئذٍ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها المُفَسِّرَةُ لتقدُّمِ ما هو بمعنى القول. والثاني: أنها الناصبةُ للمضارعِ، ولكنْ وُصِلَتْ هنا بالماضي. وتقدَّم تحقيقُ ذلك، وذلك على إسقاطِ الخافضِ أي: نُوْدي موسى بأَنْ بُورِك. الثالث: أنها المخففةُ، واسمُها ضميرُ الشأنِ، و «بُوْرِك» خبرُها، ولم يَحْتَجْ هنا إلى فاصلٍ؛ لأنه دعاءٌ، وقد تقدَّم نحوُه في النور في قوله: ﴿أَنْ غَضِب﴾ [النور: ٩] في قراءته فعلاً ماضياً.
قال الزمخشري: «فإن قلتَ: هل يجوزُ أن تكونَ المخففةَ من الثقيلةِ، والتقدير: بأنَّه بُورك. والضميرُ ضميرُ الشأنِ والقصةِ؟ قلت: لا لأنه لا بُدَّ مِنْ» قد «. فإنْ قلتَ: فعلى إضمارِها؟ قلت: لا يَصِحُّ لأنها علامةٌ ولا تُحْذَفُ» . انتهى. فمنع أَنْ تكونَ مخففةً لِما ذًُكِر، وهذا بناءً منه على أَنَّ «بُوْرِكَ» خبرٌ لا دعاءٌ. أمَّا إذا قُلْنا: إنه دعاءٌ كما تقدَّم في النورِ فلا حاجةَ إلى الفاصلِ كما تقدَّم. وقد تقدَّم فيه استشكالٌ: وهو أنَّ الطلبَ لا يَقَعُ خبراً في هذا البابِ فكيف وَقَعَ هذا خبراً ل «أَنْ» المخففةِ وهو دُعاءٌ؟
стр. 7293
الثاني: من الأوجهِ الأُوَلِ: أنَّ القائمَ مَقامَ الفاعلِ نفسُ «أَنْ بُوْرِكَ» على حَذْفِ حرفِ الجرِّ أي: بأَنْ بُوْرِكَ. و «أَنْ» حينئذٍ: إمَّا ناصبةٌ في الأصلِ، وإمَّا مخففةٌ.
الثالث: أنه ضميرُ المصدرِ المفهومِ من الفعلِ أي: نُودي النداءُ، ثم فُسِّر بما بعدَه. ومثلُه ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] .
قوله: ﴿مَن فِي النار﴾ «مَنْ» قائمٌ مقامَ الفاعلِ ل «بُوْرك» . وبارَكَ يتعدى بنفسِه، ولذلك بُني للمفعولِ. يقال: بارَكَكَ اللهُ، وبارَكَ عليكَ، وبارَكَ فيك، وبارك لكَ، وقال الشاعر:
٣٥٣٩ - فَبُوْرِكْتَ مَوْلُوداً وبُوْرِكْتَ ناشِئاً ... وبُوْرِكْتَ عند الشِّيْب إذ أَنْتَ أَشْيَبُ
وقال عبدُ الله بن الزبير:
٣٥٤٠ - فبُوْرِكَ في بَنِيْكَ وفي بَنيهمْ ... إذا ذُكِروا ونحن لك الفِداءُ
وقال آخر:
٣٥٤١ - بُوْرِك الميِّتُ الغرِيبُ كما بُوْ ... رِكَ نَضْحُ الرُّمانِّ والزيتونِ
والمرادُ ب «مَنْ» : إمَّا الباري تعالى، وهو على حَذْفٍ مضافٍ أي: مَنْ
стр. 7294
قُدْرَتُه وسُلْطانه في النار. وقيل: المرادُ به موسى والملائكةُ، وكذلك بمَنْ حولَها. وقيل: المرادُ ب «مَنْ» غيرُ العقلاءِ وهو النورُ والأمكنةُ التي حولَها.
قوله: ﴿وَسُبْحَانَ الله﴾ فيه أوجهٌ، أحدها: أنَّه من تتمَّةِ النداءِ أي: نُوْدِي بالبركةِ وتَنْزِيْهِ ربِّ العزَّةِ. أي: نُودي بمجموعِ الأمرَيْنِ. الثاني: أنه من كلامِ اللهِ تعالى مخاطِباً لنبيِّنا محمدٍ ﵊، وهو على هذا اعتراضُ بين أثناءِ القصةِ. الثالث: أنَّ معناه: وبُوْرِك مَنْ سَبَّح اللهَ. يعني أنه حَذَفَ «مَنْ» وصلَتها وأبقى معمولَ الصلةِ إذ التقدير: بُوْرِكَ مَنْ في النار ومَنْ حَوْلَها، ومَنْ قال: سبحان الله و «سُبْحانَ» في الحقيقةِ ليس معمولاً ل «قال» بل لفعلٍ مِنْ لفظِه، وذلك الفعلُ هو المنصوبُ بالقول.
стр. 7295
قوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا الله﴾ : في اسمِ «إنَّ» وجهان، أظهرهما: أنه ضميرُ الشأن. و ﴿أَنَا الله﴾ مبتدأ وخبرُه، و ﴿العزيز الحكيم﴾ صفتان لله. والثاني: أنه ضميرٌ راجعٌ إلى ما دلَّ عليه ما قبله، يعني: أنَّ مُكَلِّمَكَ أنا، و «الله» بيانٌ ل «أنا» . واللهُ العزيزُ الحكيمُ صفتان للبيانِ. قاله الزمخشري. قال الشيخ: «وإذا حُذِفَ الفاعلُ وبُنِيَ الفعلُ للمفعولِ فلا يجوزُ أَنْ يعودَ الضميرُ على ذلك/ المحذوفِ، إذ قد غُيِّرَ الفعلُ عن بنائِه له. وعُزِمَ على أَنْ لا يكونَ مُحَدَّثاً عنه، فَعَوْدُ الضميرِ إليه مِمَّا يُنافي ذلك؛ إذ يصيرُ مُعْتَنَىً به» .
قلت: وفيه نظرٌ؛ لأنَّه قد يُلْتَفَتُ إليه. وقد تقدَّم ذلك في قوله في البقرة ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ [الآية: ١٧٨] ثم قال: «وأداءٌ إليه» قيل: أي: الذي عفا، وهو وليُّ الدمِ،
стр. 7296
على ما تقدَّم تحريره. ولَئِنْ سُلِّم ذلك فالزمخشريُّ لم يَقُلْ: إنه عائدٌ على ذلك الفاعلِ، إنما قال: راجعٌ إلى ما دَلَّ عليهِ ما قبلَه، يعني مِن السِّياقِ.
وقال أبو البقاء: «ويجوزُ أَنْ يكونَ ضميرَ» رَبّ «أي: إنَّ الرَّبَّ أنا الله، فيكون» أنا «فَصْلاً، أو توكيداً، أو خبراً إنَّ، واللهُ بدلٌ منه» .
стр. 7297
قوله: ﴿وَأَلْقِ﴾ : عطفٌ على ما قبلَه من الجملةِ الاسميةِ الخبريةِ. وقد تقدَّم أنَّ سيبويهِ لا يَشْترط تناسُبَ الجملِ، وأنه يُجيز «جاء زيدٌ ومَنْ أبوك» وتقدَّمت أدلَّتُه في أول البقرة. وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ علامَ عَطَفَ قولَه: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ ؟ قلت: على قولِه» بُوْرِكَ «لأنَّ المعنى: نُوْدِيَ أَنْ بُوْرِكَ. وقيل له: أَلْقِ عَصاك. والدليلُ على ذلك قولُه:» وأَنْ أَلْقِ عَصاك «بعد قولِه» يا موسى إنَّه أنا اللهُ «على تكريرِ حرفِ التفسيرِ كما تقول:» كتْبْتُ إليه أَنْ حُجَّ واعْتَمِرْ «وإنْ شِئْتَ: أَنْ حُجَّ وأَنِ اعْتَمِرْ» . قال: الشيخ: «وقولُه:» إنه معطوفٌ على «بُوْرِكَ» منافٍ لتقديرِه «وقيل له:» أَلْقِ عصاك «لأَنَّ هذه جملةٌ معطوفةٌ على» بُوْرِكَ «وليس جُزْؤها الذي هو معمول» وقيل «معطوفاً على» بُوْرِكَ «، وإنما احتاج إلى تقديرِ» وقيل له: أَلْقِ «لتكونَ جملةً خبريةً مناسِبَةً للجملةِ الخبريةِ التي التي عُطِفَتْ عليها. كأنه يرى في العطفِ تناسُبَ الجملِ المتعاطفةِ. والصحيحُ أنَّه لا يُشْتَرَطُ ذلك» ثم ذكرَ مذهبَ سيبويه.
стр. 7298
قوله: ﴿تَهْتَزُّ﴾ جملةٌ حاليةٌ مِنْ هاء «تَراها» لأنَّ الرؤيةَ بَصَرِيَّةٌ.
قوله: ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً ثانيةً، وأَنْ تكونَ حالاً من ضمير «تَهْتَزُّ» فتكونَ حالاً متداخلةً. وقرأ الحسن والزهري وعمرو بن عبيد «جَأَنٌّ» بهمزةٍ مكانَ الألفِ، وتقدَّم تقريرُ هذا في آخرِ الفاتحةِ عند ﴿وَلاَ الضآلين﴾ [الفاتحة: ٧] .
قوله: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ يجوز أن يكونَ عطفاً على «ولى» ، وأَنْ يكونَ حالاً أخرى. والمعنى: لم يَرْجِعْ على عَقِبِه. كقوله:
٣٥٤٢ - فما عَقَّبوا إذ قيلَ: هل مَنْ مُعَقِّبٍ ... ولا نَزَلُوا يومَ الكَريهةِ مَنْزِلا
стр. 7299
قوله: ﴿إَلاَّ مَن ظَلَمَ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنَّ المرسلين مَعْصُومون من المعاصي. وهذا هو الظاهرُ الصحيحُ. والثاني: أنه متصلٌ. وِلأهلِ التفسيرِ فيه عباراتٌ ليس هذا موضعَها. وعن الفراء: أنَّه متصلٌ. لكن من جملةٍ محذوفةٍ، تقديرُه: وإنما يَخاف غيرُهم إلاَّ مَنْ ظَلَمَ. وردَّه النحاس: بأنه لو جاز هذا لجازَ «لا أضرب القوم إلاَّ زيداً» أي: وإنما أَضْرِبُ غيرَهم إلاَّ زيداً، وهذا ضدُّ البيانِ والمجيءُ بما لا يُعْرَفُ معناه.
وقَدَّره الزمخشري ب «لكن» . وهي علامةٌ على أنه منقطعٌ، وذكر كلاماً
стр. 7300
طويلاً. فعلى الانقطاعِ يكونُ منصوباً فقط على لغةِ الحجاز. وعلى لغةِ تميمٍ يجوزُ فيه النَصبُ والرفعُ على البدلِ من الفاعلِ قبلَه. وأمَّا على الاتصالِ فيجوزُ فيه الوجهان على اللغتين، ويكون الاختيارُ البدلَ؛ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ.
وقرأ أبو جعفر وزيد بن أسلم «ألا» بفتح الهمزة وتخفيفِ اللامِ جعلاها حرفَ تنبيهٍ. و «مَنْ» شرطيةٌ، وجوابُها ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ﴾ .
والعامَّةٌ على تنوينِ «حُسْناً» . ومحمد بن عيسى الأصبهاني غيرَ منوَّن، جعله فُعْلى مصدراً كرُجْعَى فمنعَها الصرفَ لألفِ التأنيثِ. وابنُ مقسم بضم الحاء والسين منوناً. ومجاهد وأبو حيوة ورُوِيَتْ عن أبي عمروٍ بفَتْحِهما. وقد تقدَّم تحقيقُ القراءتين في البقرة.
стр. 7301
قوله: ﴿تَخْرُجْ﴾ : الظاهرُ أنه جوابٌ لقولِه «أَدْخِلْ» أي: إنْ أَدْخَلْتَها تَخْرُجْ على هذه الصفةِ، وقيل: في الكلامِ حَذْفٌ تقديرُه: وأَدْخِلْ يدَك تَدْخُلْ، وأَخْرِجْها تَخْرُجْ. فَحَذَفَ من الثاني ما أَثْبَتَه في الأولِ، ومن الأولِ ما أَثْبته في الثاني. وهذا تقديرُ ما لا حاجةَ إليه.
قوله: ﴿بَيْضَآءَ﴾ حالٌ مِنْ فاعلِ «تَخْرُجْ» . و ﴿مِنْ غَيْرِ سواء﴾ يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً أخرى، أو مِن الضميرِ في «بَيْضاء» أو صفةً ل «بَيْضاءَ» .
قوله: ﴿فِي تِسْعِ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنهُ حالٌ ثالثة. قال أبو البقاء.
стр. 7302
يعني: مِنْ فاعل يَخْرُجْ «/ أي: آيةً في تسعِ آياتٍ. كذا قدَّره، والثاني: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ أي: اذهَبْ في تسعِ. وقد تَقَدَّم اختيارُ الزمخشري لذلك في أولِ هذه الموضوعِ عند ذِكْر البَسْملةِ، ونَظَّره بقولِ الآخرِ:
٣٥٤٣ - وقُلْتُ إلى الطَعامِ فقالَ منهم ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقولهم:» بالرَّفاهِ والبنين «، وجَعَلَ هذا التقديرَ أعربَ وأحسنَ. الثالث: أَنْ يتعلَّقَ بقولِه:» وأَلْقِ عَصاكَ وأَدْخِلْ «. قال الزمخشري:» ويجوزُ أَنْ يكونَ المعنى: وأَلْقِ عَصاكَ وأَدْخِلْ يَدك في تسع آياتٍ أي: في جملةِ تسعِ آياتٍ. ولقائلٍ أَنْ يقولَ: كانَتِ الآياتُ إحدى عشرةَ منها اثنتان: اليدُ والعَصا. والتِّسْعُ: الفَلْقُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضفادِعُ والدَّمُ والطَّمْسَةُ والجَدْبُ في بَواديهم، والنُّقْصانُ في مزارِعهم «انتهى. وعلى هذا تكونُ» في «بمعنى» مع «لأنَّ اليدَ والعَصا حينئذٍ خارِجتان مِن التِّسْع، وكذا فعلَ ابنُ عطية، أعني أنه جَعَلَ» في تِسْع «متصلاً ب» أَلْقِ «و» أَدْخِلْ «إلاَّ أنَّه جَعَلَ اليدَ والعَصا مِنْ جملةِ التسعِ. وقال:» تقديرُه نُمَهِّد لكَ ذلك، ونُيَسِّر في [جملةِ] تسعِ «.
وجَعَلَ الزجاجُ أنَّ» في «بمعنى» مِنْ «قال: كما تقول: خُذْ لي من الإِبلِ عشراً فيها فَحْلان أي: منها فَحْلان» .
стр. 7303
قولُه: ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ هذا متعلِّقٌ بما تَعَلَّقَ به «في تسعِ» ، إذا لم تَجْعَلْه حالاً، فإنْ جَعَلْناه حالاً عَلَّقْناه بمحذوفٍ، فقدَّره أبو البقاء «مُرْسَلاً إلى فرعون» . وفيه نظرٌ؛ لأنَّه كونٌ مقيدٌ وسبَقَه إلى هذا التقديرِ الزجاجُ، وكأنهما أرادا تفسيرَ المعنى دونَ الإِعرابِ. وجَوَّزَ أبو البقاء أيضاً أن تكونَ صفةً لآيات، وقدَّره: «واصلةً إلى فرعونَ» . وفيه ما تقدَّم.
стр. 7304
قوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾ : حالٌ، ونَسَبَ الإبصارَ إليها مجازاً؛ لأنَّ بها تُبْصِرُ، وقيل: بل هي مِنْ أَبْصَرَ المنقولةِ بالهمزةِ مِنْ بَصِرَ أي: إنها تُبْصِرُ غيرَها لِما فيها من الظهور. ولكنه مجازٌ آخرُ غيرُ الأولِ، وقيل: هو بمعنى مفعول نحو: ماءٌ دافِقٌ أي: مَدْفُوق. وقرأ علي بن الحسين وقتادة بفتح الميم والصادِ أي: على وزنِ «أَرْضٌ مَسْبَعَةٌ» ذاتُ سِباع، ونصبُها على الحالِ أيضاً، وجَعَلها أبو البقاء في هذه القراءةِ [مفعولاً مِنْ أجله. وقد تَقَدَّم ذلك] .
стр. 7305
قوله: ﴿واستيقنتهآ﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ هذه الجملةُ معطوفةً على الجملةِ قبلَها. ويجوزُ أَنْ تكونَ حالاً مِنْ فاعلِ «جَحَدُوا» وهو أبلغُ في الذَّمِّ. واسْتَفْعل هنا بمعنى تَفَعَّل نحو: اسْتَعظم واسْتَكْبر، بمعنى: تَعَظَّم وتَكَبَّر.
стр. 7306
قوله: ﴿ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ يجوزُ أَنْ يكونا في موضعِ الحالِ أي: ظالِمين عالِين، وأَنْ يكونا مفعولاً مِنْ أجلِهما أي: الحامِلُ على ذلك الظُّلْمُ والعُلُوُّ. وقرأ عبد الله وابن وثاب والأعمش وطلحة «وعِليَّاً» بكسر العينِ واللامِ، وقَلْبِ الواوِ ياءً. وقد تقدَّم تحقيقُه في «عِتيَّا» في مريم. ورُوي عن الأعمش وابن وثاب ضمُّ العين كما في «عِتيّا» . وقرىء و «غُلُوَّاً» بالغينِ مُعَجَمَةً، وهو قريبٌ من هذا المعنى.
قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ «كيف» خبرٌ مقدمٌ «وعاقبةُ» اسمُها، والجملةُ في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافضِ؛ لأنها مُعَلِّقةٌ ل «انْظُرْ» بمعنى تَفَكَّرْ.
стр. 7307
قوله: ﴿وَقَالاَ﴾ : قال الزمخشري: فإن قلتَ: أليسَ هذا موضعَ الفاءِ دونَ الواو كقولك: «أَعْطَيْتُه فَشَكر» و «مَنَعْتُه فَصَبرَ» ؟ قلت: بلى. ولكنَّ عَطْفَه بالواوِ إشعارٌ بأنَّ ما قالاه بعضُ ما أَحْدَثَ فيهما إيتاءُ العِلْمِ وشيءٌ من مَواجبِهِ، فأضمرَ ذلك ثُمَّ عَطَفَ عليه التحميدَ، كأنه قال: «ولقد آتيناهُما عِلْماً فَعَمِلا به، وعَلَّماه وعَرَفاه حَقَّ مَعْرِفَتِه وقالا:» الحمد «انتهى. وإنما نَكَّر» عِلْماً «تَعْظيماً له أي: علماً سَنِيَّاً، أو دلالةً على التبعيضِ لأنه قليلٌ جداً بالنسبةِ إلى عِلْمِه تعالى.
стр. 7308
قوله: ﴿مِنَ الجن﴾ : وما بعَده بيانٌ لجنودِه، فيتعلَّق بمحذوفٍ. ويجوزُ أَنْ يكونَ هذا الجارُّ حالاً، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أيضاً.
стр. 7309
قوله: ﴿يُوزَعُونَ﴾ أي: يُمْنَعون ويُكَفُّون. والوَزْعُ: الكَفُّ والحَبْسُ، يقال: وَزَعَه يَزَعُهُ فهو وازِعٌ ومَوْزُوْع، وقال عثمان ﵁: «ما يَزَعُ السلطانُ أكثرُ مِمَّا يَزَغُ القرآنُ» وعنه: / «لا بُدَّ للقاضي مِنْ وَزَغَةٍ» .
وقال الشاعر:
٣٥٤٤ - ومَن لم يَزَعْه لُبُّه وحَياؤُه ... فليس له مِنْ شَيْبِ فَوْدَيْه وازِعُ
وقوله: ﴿أوزعني أَنْ أَشكُرَ﴾ بمعنى: أَلْهِمْني، من هذا؛ لأن تحقيقَه: اجعلني أَزَعُ نفسي عن الكفر.
стр. 7310
قوله: ﴿حتى إِذَآ﴾ : في المُغَيَّا ب «حتى» وجهان، أحدهما: هو يُوْزَعُون؛ لأنَّه مُضَمَّنٌ معنى: فهم يسيرون ممنوعاً بعضُهم مِنْ مفارقةِ بعضٍ حتى إذا. والثاني: أنَّه محذوفٌ أي: فسارُوا حتى. وتقدَّم الكلامُ في «حتى» الداخلةِ على «إذا» هل هي حرفُ ابتداءٍ أو حرفُ جرّ؟
قوله: «وادي» متعلقٌ ب «أَتَوْا» وإنما عُدِّيَ ب «على» لأنَّ الواقعَ كذا؛ لأنَّهم كانوا محمولِيْنَ على الرِّيح فهم مُسْتَعْلُون. وقيل: هو مِنْ قولِهم: أَتَيْتُ عليه، إذا اسْتَقْصَيْتَه إلى آخره والمعنى: أنهم قَطَعوا الواديَ كلَّه وبَلَغُوا آخرَه.
стр. 7311
ووقف القُراءُ كلُّهم على «وادِ» دونَ ياءٍ اتِّباعاً للرَّسْمِ، ولأنها محذوفةٌ لفظاً لالتقاءِ الساكنين في الوصلِ، ولأنها قد حُذِفَتْ حيث لم تُحْذَفْ لالتقاءِ الساكنين نحو: ﴿جَابُواْ الصخر بالواد﴾ [الفجر: ٩] فَحَذُفها وقفاً وقد عُهِدَ حَذْفُها دونَ التقاء ساكنين أولى. إلاَّ الكسائيَّ فإنه وَقَفَ بالياء قال: «لأنَّ المُوْجِبَ للحذفِ إنما هو التقاءُ ساكنين بالوصلِ، وقد زالَ فعادَتِ اللامُ» ، واعتَذَر عن مخالفةِ الرسمِ بقوةِ الأصلِ.
والنَّمْلُ اسمُ جنسٍ معروفٌ، واحده نَمْلة، ويقال: نُمْلَة ونُمْلٌ بضمِّ النونِ وسكونِ الميم، ونُمُلَةٌ ونُمُلٌ بضمهما ونَمُلَة بالفتح والضم، بوزن سَمُرة، ونَمُل بوزن رَجُل. واشتقاقُه من التنمُّلِ لكثرةِ حركتِه. ومنه قيل للواشي: المُنْمِل، يقال: أَنْمَلَ بين القومِ يُنْمِلُ أي: وشى، ونَمَّ لكثرةِ تَرَدُّدِه وحركتِه في ذلك، قال:
٣٥٤٥ - ولَسْتُ بذي نَيْرَبٍ فيهمُ ... ولا مُنْمِشٍ فيهمُ مُنْمِلُ
ويقال أيضاً: نَمَل يَنْمُلُ فهو نَمِل ونَمَّال. وتَنَمَّل القوم: تفرَّقوا للجمع تفرُّقَ النملِ. وفي المثل: «أجمعُ مِنْ نملة» . والنَّّمْلَةُ أيضاً: فُرْجَةٌ تخرج في الجَنْب تشبيهاً بها في الهيئة، والنَّمْلَة أيضاً: شَقٌّ في الحافِر، ومنه: فَرَسٌ مَنْمولُ القوائم. والأَنْمُلَة طرفُ الإِصْبَعِ مِنْ ذلك لِدِقَّتِها وسُرْعَةِ حركتِها. والجمعُ: أَنامِل.
стр. 7312
قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ هذه النملةُ هنا مؤنثةٌ حقيقيةٌ بدليلِ لَحاقِ علامةِ التأنيثِ فِعْلَها؛ لأنَّ نملةَ يُطْلَقُ على الذَّكَرِ وعلى الأنْثى، فإذا أُريد تمييزُ ذلك قيل: نَمْلَةٌ ذَكَرٌ ونملةٌ أُنْثى نحو: حَمامةٌ ويَمامةٌ. وحكى الزمخشري عن أبي حنيفةَ ﵁. أنه وقف على قتادةَ وهو يقول: سَلُوني. فأمَرَ مَنْ سأله عن نملةِ سليمان: هل كانت ذكراً أو أنثى؟ فلم يُجب. فقيل لأبي حنيفة في ذلك؟ فقال: كانَتْ أنثى. واستدل بلَحاقِ العلامةِ. قال الزمخشري: «وذلك أنَّ النَّمْلَةَ مثلُ الحمامةِ والشاةِ في وقوعِهما على المذكَّرِ والمؤنثِ فيُمَيَّزُ بينهما بعلامةٍ نحو قولهم: حمامةٌ ذَكَرٌ وحمامَةٌ أُنْثى، وهو وهي» انتهى.
إلاَّ أنَّ الشيخَ قد رَدَّ هذا فقال: «ولَحاقُ التاءِ في» قالَتْ «لا يَدُلُّ على أنَّ النملةَ مؤنثٌ، بل يَصِحُّ أن يُقال في المذكر:» قالت نملة «؛ لأنَّ» نملة «وإنْ كانَتْ بالتاء هو ممَّا لا يتميَّزُ فيه المذكرُ من المؤمث، وما كان كذلك كالنَّمْلَةِ والقَمْلة مِمَّا بَيْنَه في الجمعِ وبين واحدِه تاءُ التأنيثِ من الحيوان، فإنَّه يُخْبَرُ عنه إخبارُ المؤنثِ، ولا يَدُلُّ كونُه يُخْبَرُ عنه إخبارُ المؤنثِ على أنه ذَكَرٌ أو أنثى؛ لأن التاءَ دخلت فيه للفَرْقِ لا للدلالةِ على التأنيثِ الحقيقيِّ، بل دالةٌ على الواحدِ من هذا الجنس» ، قال: «وكان قتادةُ بصيراً بالعربيةِ.
وكونُه أُفْحِمَ يَدُلُّ على معرفتهِ باللسانِ؛ إذْ عَلِم أنَّ النملةَ يُخبر عنها إخبارُ المؤنث، وإنْ كانَتْ تنطلقُ على الأنثى والذكرِ إذْ لا يَتَمَيَّزُ فيه أحدُ هذين. ولحاقُ العلامةِ لا يَدُلُّ، فلا يُعْلَمُ التذكيرُ والتأنيثُ إلاَّ بوحيٍ من اللهِ تعالى «قال:» وأمَّا استنباطُ تأنيثِه من كتابِ اللهِ ب «قالَتْ» ولو كان ذَكَراً لقيل: قال، فكلامُ النحاةِ على خِلافه، وأنَّه لا يُخْبر عنه ألاَّ إخبارُ المؤنثِ سواءً كان ذكراً أم أنثى «، قال:» وأمَّا تشبيهُ الزمخشري/
стр. 7313
النملةَ بالحمامةِ والشاةِ ففيهما قَدْرٌ مشتركٌ يتميَّزُ فيهما المذكرُ من المؤنثِ فيمكن أَنْ يقول: حمامةٌ ذَكَرٌ وحمامةٌ أنثى فتمييزُه بالصفة، وأمَّا تمييزُه ب هو وهي فإنه لا يجوزُ. لا تقول: هو الحمامةُ ولا هو الشاةُ، وأمَّا النملةُ والقملةُ فلا يَتَمَيَّزُ فيه المذكرُ من المؤنثِ فلا يجوز في الإِخبار إلاَّ التأنيثُ، وحكمُه حكمُ المؤنثِ بالتاءِ من الحيوان نحو: المرأة، أو غيرِ العاقل كالدابَّة، إلاَّ إنْ وَقَعَ فَصْلٌ بين الفعلِ وبين ما أُسْنِدَ إليه من ذلك، فيجوزُ أَنْ تَلحق العلامةُ وأن لا تَلْحَقَها على ما تقرَّر في علم العربية «انتهى.
أمَّا ما ذكره ففيه نظرٌ: من حيث إنَّ التأنيثَ: أمَّا لفظيٌّ أو معنويٌّ، واللفظيُّ لا يُعتبر في لحاقِ العلامةِ البتة، بدليلِ أنه لا يجوز:» قامَتْ ربعةُ «وأنت تعني رجلاً؛ ولذلك لا يجوز: قامت طلحةُ ولا حمزةُ عَلَمَيْ مذكرٍ، فَتَعَيَّنَ أن يكونَ اللَّحاقُ إنما هو للتأنيثِ المعنويِّ، وإنما تعيَّن لفظُ التأنيثِ والتذكيرِ في بابِ العددِ على معنى خاصٍّ أيضاً: وهو أنَّا ننظر إلى ما عامَلَتِ العربُ ذلك اللفظَ به من تذكيرٍ أو تأنيثٍ، من غيرِ نَظَرٍ إلى مدلولهِ فهناك له هذا الاعتبارُ، وتحقيقُه هنا يُخْرِجُنا عن المقصودِ، وإنما نَبَّهْتُك على القَدْرِ المحتاج إليه.
وأمَّا قولُه:» وأمَّا النملةُ والقَمْلةُ فلا يَتَمَيَّزُ «يعني: لا يُتَوَصَّلُ لمعرفةِ الذَّكرِ منهما ولا الأنثى بخلافِ الحمامةِ والشاةِ؛ فإنَّ الاطلاعِ على ذلك ممكنٌ فهو أيضاً ممنوعٌ. قد يمكن الاطلاعُ على ذلك، وإنَّ الاطلاع على ذكوريَّةِ الحمامةِ والشاةِ أسهلُ من الاطلاعِ على ذُكورِيَّةِ النملةِ والقملةِ. ومَنْعُه أيضاً أن يقال: هو الشاةُ، وهو الحمامة، ممنوعٌ.
стр. 7314
وقرأ الحسن وطلحة ومعتمر بن سليمان النَّمُل ونَمُلة بضم الميم وفتح النون بزنةِ رَجُل وسَمُرَة.
وسليمان التميمي بضمتين فيهما. وقد تقدَّم أن ذلك لغاتٌ في الواحدِ والجمعِ.
قوله: ﴿لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه نهيٌ. والثاني: أنه جوابٌ للأمرِ، وإذا كان نَهْياً ففيه وجهان، أحدُهما: أنه نهيٌ مستأنِفٌ لا تَعَلُّقَ له بما قبله من حيث الإِعرابُ، وإنما هو نهيٌ للجنودِ في اللفظِ، وفي المعنى للنَّمْلِ أي: لا تكونوا بحيث يَحْطِموْنَكُمْ كقولهِم: «لا أُرَيَنَّك ههنا» . والثاني: أنه بدلٌ من جملةِ الأمرِ قبلَه، وهي ادْخلوا. وقد تَعَرَّضَ الزمخشريُّ لذلك فقال: «فإنْ قلتَ: لا يَحْطِمَنَّكم ما هو؟ قتل: يُحتمل أَنْ يكونَ جواباً للأمرِ، وأَنْ يكونَ نهياً بدلاً من الأمرِ. والذي جَوَّزَ أَنْ يكونَ بدلاً أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم، فيَحْطِمَنَّكم، على طريقةِ» لا أُرَيَنَّك ههنا «أرادَتْ: لا يَحْطِمنكم جنودُ سليمان، فجاءت بما هو أبلغُ. ونحوُه» عَجِبْتُ من نفسي ومن إشْفاقِها «. قال الشيخ: أمَّا تخريجُه على أنه جوابٌ للأمرِ فلا يكون ذلك إلاَّ على قراءةِ الأعمشِ فإنه مجزومٌ، مع أنه يُحْتمل أن يكونَ اشتئنافَ
стр. 7315
نهي» قلت: يعني أنَّ الأعمشَ قرأ «لا يَحْطِمْكم» بجزم الميمِ، دونَ نونِ توكيدٍ.
قال: وأمَّا مع وجودِ نونِ التوكيد فلا يجوزُ ذلك، إلاَّ إنْ كان في شعرٍ، وإذا لم يَجُزْ ذلك في جوابِ الشرطِ إلاَّ في الشعر فأحرى أَنْ لا يجوزَ في جوابِ الأمرِ إلاَّ في الشعرِ. وكونُه جوابُ الأمرِ متنازعٌ فيه على ما قُرِّرَ في علمِ النحوِ. ومثالُ مجِيءِ النونِ في جوابِ الشرطِ قولُ الشاعر:
٣٥٤٦ - نَبَتُّمْ نباتَ الخَيْزُرانةِ في الثَّرَى ... حديثاً متى يأتِك الخيرُ يَنْفَعا
وقول الآخر:
٣٥٤٧ - فمهما تَشَأْ منه فَزارةُ تُعطِكُمْ ... ومهما تَشَأْ منه فَزارةُ تَمْنعا
قال سيبويه: «وهو قليلٌ في الشعرِ شَبَّهوه بالنهيِ حيث كان مجزوماً غيرَ واجب» قال: «وأما تخريجُه على البدلِ فلا يجوزُ لأنَّ مدلولَ»
стр. 7316
لا يَحْطِمَنَّكم «مخالِفٌ لمدلولِ» ادْخُلوا «. وأمَّا قولُه لأنَّه بمعنى: لا تكونوا حيث أنتم فَيَحْطِمَنَّكم فتفسيرُ معنى لا إعراب/ والبدلُ من صفةِ الألفاظِ. نعم لو كان اللفظُ القرآنيُّ: لا تكونوا بحيث لا يَحْطِمَنَّكم لتُخُيِّلَ فيه البدلُ؛ لأنَّ الأمرَ بدخولِ المساكنِ نهيٌ عن كونِهم بظاهرِ الأرضِ. وأمَّا قوله:» إنه أراد لا يحْطِمَنَّكم جنودُ سليمان إلى آخرِه «فسوِّغُ زيادةَ الأسماءِ وهي لا تجوزُ، بل الظاهرُ إسنادُ الحكمِ إلى سليمانَ وإلى جنودِه. وهو على حَذْفِ مضافٍ أي: خيلُ سليمانَ وجنودُه، أو نحو ذلك، مما يَصِحُّ تقديره» . انتهى.
أمَّا مَنْعُه كونَه جوابَ الأمرِ مِنْ أجلِ النون فقد سبقه إليه أبو البقاء فقال: «وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ جوابَ الشرطِ لا يؤكَّدُ بالنونِ في الاختيار» .
وأمَّا مَنْعُهُ البدلَ بما ذَكَر فلا نُسَلِّم تغايُرَ المدلولِ بالنسبةِ لِما يَؤُول إليه المعنى. وأمَّا قوله: «فيُسَوِّغُ زيادةَ الأسماءِ» لم يُسَوِّغ ذلك، وإنما فَسَّر المعنى. وعلى تقدير ذلك فقد قيل به. وجاء الخطابُ في قولها: «ادْخُلوا» كخطابِ العقلاء لَمَّا عُوْمِلوا معاملتَهم.
وقرأ أُبَيٌّ «ادْخُلْنَ» ، «مَساكِنَكُنَّ» ، «لا يَحْطِمَنْكُنَّ» بالنونِ الخفيفةِ جاءَ به على الأصل. وقرأ شهر بن حوشب «مَسْكَنَكُمْ» بالإِفراد. وقرأ حسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى الهمداني بضمِّ الياءِ، وفتحِ الحاءِ،
стр. 7317
وتشديدِ الطاءِ والنونِ، مضارعَ حَطَّمه بالتشديد. وعن الحسن أيضاً قراءاتان: فتحُ الياءُ وتشديدُ الطاءِ مع سكونِ الحاءِ وكسرِها. والأصل: لا يَحْتَطِمَنَّكم فأَدْغَم. وإسكانُ الحاءِ مُشْكِلٌ تقدَّم نظيرُه في «لا يَهِدِّي» ونحوِه. وقرأ ابن أبي إسحاقَ ويعقوبُ وأبو عمروٍ في روايةٍ بسكونِ نونِ التوكيدِ.
قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ جملة حالية. والحَطْمُ: الكَسْر. يقال منه: حَطَمْتُه فحَطِمَ ثم اسْتُعمِل لكلِّ كَسْرٍ مُتَناهٍ. والحُطامُ: ما تكسَّر يُبْساً، وغَلَبَ على الأشياءِ التافهةِ. والحُطَمُ: السائق السريع كأنه يَحْطِمُ الإِبل قال:
٣٥٤٨ - قد لَفَّها الليلُ بسَوَّاقٍ حُطَمْ ... ليس براعي إبِلٍ ولا غَنَمْ
ولا بَجَزَّارٍ على ظهرِ وَضَمْ ... والحُطَمَةُ: من دَرَكاتِ النار. ورجلٌ حُطَمة: للأكولِ. تشبيهاً لبطنه بالنارِ كقوله:
стр. 7318
٣٥٤٩ - كأنمَّا في جَوْفِه تَنُّوْرُ ...
стр. 7319
قوله: ﴿ضَاحِكاً﴾ : قيل: هي حالٌ مؤكدةٌ؛ لأنَّها مفهومةٌ مِنْ تَبَسَّمَ. وقيل: بل هي حالٌ مقدرةٌ فإنَّ التبسُّمَ ابتداءُ الضحكِ. وقيل: لَمَّا كان التبسُّمُ قد يكون للغَضَبِ، ومنه: تَبَسَّم تَبَسُّمَ الغَضْبانِ، أتى بضاحكاً مبيِّناً له. قال عنترة:
٣٥٥٠ - لمَّا رآني قد قَصَدْت أُرِيْدُه ... أبدى نواجِذَه لِغَيْرِ تَبَسُّمِ
وتَبَسَّمَ تفعَّل، بمعنى بَسَمَ المجرد. قال:
٣٥٥١ - وتَبْسِمُ عن ألمى كأن مُنَوَّراً ... تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٌ له نَدِي
وقال بعض المُوَلَّدين:
٣٥٥٢ - كأنَّما تَبْسِمُ عن لؤلؤٍ ... مُنَضَّدٍ أو بَرَدٍ أو أَقَاحِ
وقرأ ابن السمفيع «ضَحِكاً» مقصوراً. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمعنى تَبَسَّم لأنه بمعناه. والثاني: أنه في موضعِ الحالِ فهو في
стр. 7320
المعنى كالذي قبله. الثالث: أنه اسمُ فاعل كفَرِح؛ وذلك لأنَّ فِعْلَه على فَعِل بكسر العين وهو لازم فَهو كفَرحِ وبَطرِ.
قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾ مفعولٌ ثانٍ لأَوْزِعْني لأنَّ معناه أَلْهِمْني. وقيل: معناه اجْعَلني أَزَعُ شكرَ نعمتك أي: أكُفُّه وأمنعُه حتى لا ينفلتَ مني، فلا أزال شاكراً. وتفسير الزَّجاج له ب «امْنَعْني أن أكفَر نعمتَك» من بابِ تفسيرِ المعنى باللازم.
следующие страницы →