Полный текст (10 772 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
لا يَحْطِمَنَّكم «مخالِفٌ لمدلولِ» ادْخُلوا «. وأمَّا قولُه لأنَّه بمعنى: لا تكونوا حيث أنتم فَيَحْطِمَنَّكم فتفسيرُ معنى لا إعراب/ والبدلُ من صفةِ الألفاظِ. نعم لو كان اللفظُ القرآنيُّ: لا تكونوا بحيث لا يَحْطِمَنَّكم لتُخُيِّلَ فيه البدلُ؛ لأنَّ الأمرَ بدخولِ المساكنِ نهيٌ عن كونِهم بظاهرِ الأرضِ. وأمَّا قوله:» إنه أراد لا يحْطِمَنَّكم جنودُ سليمان إلى آخرِه «فسوِّغُ زيادةَ الأسماءِ وهي لا تجوزُ، بل الظاهرُ إسنادُ الحكمِ إلى سليمانَ وإلى جنودِه. وهو على حَذْفِ مضافٍ أي: خيلُ سليمانَ وجنودُه، أو نحو ذلك، مما يَصِحُّ تقديره» . انتهى.
أمَّا مَنْعُه كونَه جوابَ الأمرِ مِنْ أجلِ النون فقد سبقه إليه أبو البقاء فقال: «وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ جوابَ الشرطِ لا يؤكَّدُ بالنونِ في الاختيار» .
وأمَّا مَنْعُهُ البدلَ بما ذَكَر فلا نُسَلِّم تغايُرَ المدلولِ بالنسبةِ لِما يَؤُول إليه المعنى. وأمَّا قوله: «فيُسَوِّغُ زيادةَ الأسماءِ» لم يُسَوِّغ ذلك، وإنما فَسَّر المعنى. وعلى تقدير ذلك فقد قيل به. وجاء الخطابُ في قولها: «ادْخُلوا» كخطابِ العقلاء لَمَّا عُوْمِلوا معاملتَهم.
وقرأ أُبَيٌّ «ادْخُلْنَ» ، «مَساكِنَكُنَّ» ، «لا يَحْطِمَنْكُنَّ» بالنونِ الخفيفةِ جاءَ به على الأصل. وقرأ شهر بن حوشب «مَسْكَنَكُمْ» بالإِفراد. وقرأ حسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى الهمداني بضمِّ الياءِ، وفتحِ الحاءِ،
стр. 7317
وتشديدِ الطاءِ والنونِ، مضارعَ حَطَّمه بالتشديد. وعن الحسن أيضاً قراءاتان: فتحُ الياءُ وتشديدُ الطاءِ مع سكونِ الحاءِ وكسرِها. والأصل: لا يَحْتَطِمَنَّكم فأَدْغَم. وإسكانُ الحاءِ مُشْكِلٌ تقدَّم نظيرُه في «لا يَهِدِّي» ونحوِه. وقرأ ابن أبي إسحاقَ ويعقوبُ وأبو عمروٍ في روايةٍ بسكونِ نونِ التوكيدِ.
قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ جملة حالية. والحَطْمُ: الكَسْر. يقال منه: حَطَمْتُه فحَطِمَ ثم اسْتُعمِل لكلِّ كَسْرٍ مُتَناهٍ. والحُطامُ: ما تكسَّر يُبْساً، وغَلَبَ على الأشياءِ التافهةِ. والحُطَمُ: السائق السريع كأنه يَحْطِمُ الإِبل قال:
٣٥٤٨ - قد لَفَّها الليلُ بسَوَّاقٍ حُطَمْ ... ليس براعي إبِلٍ ولا غَنَمْ
ولا بَجَزَّارٍ على ظهرِ وَضَمْ ... والحُطَمَةُ: من دَرَكاتِ النار. ورجلٌ حُطَمة: للأكولِ. تشبيهاً لبطنه بالنارِ كقوله:
стр. 7318
٣٥٤٩ - كأنمَّا في جَوْفِه تَنُّوْرُ ...
стр. 7319
قوله: ﴿ضَاحِكاً﴾ : قيل: هي حالٌ مؤكدةٌ؛ لأنَّها مفهومةٌ مِنْ تَبَسَّمَ. وقيل: بل هي حالٌ مقدرةٌ فإنَّ التبسُّمَ ابتداءُ الضحكِ. وقيل: لَمَّا كان التبسُّمُ قد يكون للغَضَبِ، ومنه: تَبَسَّم تَبَسُّمَ الغَضْبانِ، أتى بضاحكاً مبيِّناً له. قال عنترة:
٣٥٥٠ - لمَّا رآني قد قَصَدْت أُرِيْدُه ... أبدى نواجِذَه لِغَيْرِ تَبَسُّمِ
وتَبَسَّمَ تفعَّل، بمعنى بَسَمَ المجرد. قال:
٣٥٥١ - وتَبْسِمُ عن ألمى كأن مُنَوَّراً ... تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٌ له نَدِي
وقال بعض المُوَلَّدين:
٣٥٥٢ - كأنَّما تَبْسِمُ عن لؤلؤٍ ... مُنَضَّدٍ أو بَرَدٍ أو أَقَاحِ
وقرأ ابن السمفيع «ضَحِكاً» مقصوراً. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمعنى تَبَسَّم لأنه بمعناه. والثاني: أنه في موضعِ الحالِ فهو في
стр. 7320
المعنى كالذي قبله. الثالث: أنه اسمُ فاعل كفَرِح؛ وذلك لأنَّ فِعْلَه على فَعِل بكسر العين وهو لازم فَهو كفَرحِ وبَطرِ.
قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾ مفعولٌ ثانٍ لأَوْزِعْني لأنَّ معناه أَلْهِمْني. وقيل: معناه اجْعَلني أَزَعُ شكرَ نعمتك أي: أكُفُّه وأمنعُه حتى لا ينفلتَ مني، فلا أزال شاكراً. وتفسير الزَّجاج له ب «امْنَعْني أن أكفَر نعمتَك» من بابِ تفسيرِ المعنى باللازم.
стр. 7321
قوله: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد﴾ : هذا استفهامُ توقيفٍ، ولا حاجةَ إلى ادِّعاء القَلْب، وأنَّ الأصلَ: ما للهدهد لا أراه؟ إذ المعنى قويٌّ دونه. والهُدْهُدُ معروفٌ. وتصغيره على هُدَيْهِد وهو القياس. وزعم بعضُ النحويين أنه تُقْلَبُ ياءُ تصغيره ألفاً، فيقال: هُداهِد. وأنشد:
٣٥٥٣ - كهُداهِدٍ كَسَرَ الرماةُ جناحَه ... يَدْعو بقارعةِ الطريق هَدِيْلا
كما قالوا دُوابَّة وشُوابَّة، في: دُوَيْبَّة وشُوَيْبَّة. ورَدَّه بعضُهم: بأن الهُداهِد الحَمامُ، الكثيرُ ترجيعِ الصوتِ. تزعُمُ العربُ أن جارحاً في زمان الطُّوفانِ، اخْتَطَفَ فرخَ حمامةٍ تسمَّى الهديل. قالوا: فكلُّ حمامةٍ تبكي فإنما تبكي على الهديل.
стр. 7322
قوله: ﴿أَمْ كَانَ﴾ هذه «أم» المنقطعةُ وقد تقدَّم الكلامُ فيها. وقال ابن عطية: «قوله مالي لا أرى الهدهد» مَقْصَدُ الكلامِ: الهُدْهُدُ غاب، ولكنه أَخَذَ اللازمَ عن مُغَيَّبِه: وهو أَنْ لا يَراه، فاستفهم على جهةِ التوقُّفِ عن اللازمِ، وهذا ضَرْبٌ من الإِيجاز. والاستفهامُ الذي في قوله: «مالي» نابَ منابَ الألفِ التي تحتاجُها «أم» . قال الشيخ: «فظاهرُ كلامِه أنَّ» أم «متصلةٌ، وأن الاستفهامَ الذي في قوله» مالي «ناب منابَ ألفِ الاستفهام. فمعناه: أغاب عني الآن فلم أَرَهُ حال التفقُّد أم كان مِمَّنْ غابَ قبلُ، ولم أَشْعُرْ بغَيْبَتِه؟» . قلت: لا يُظَّنُّ بأبي محمد ذلك، فإنه لا يَجْهَلُ أنَّ شَرْطَ المتصلةِ تَقَدُّمُ همزةِ الاستفهامِ أو التسويةِ لا مطلقُ الاستفهامِ.
стр. 7323
قوله: ﴿عَذَاباً﴾ : أي: تَعْذِيباً، فهو اسمُ مصدرٍ أو مصدرٌ على حَذْفِ الزوائد ك ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] . وقد كتبوا «أو لأَاذْبَحَنَّه» بزيادةِ ألفٍ بين لامِ ألفٍ والذال. ولا يجوز أن يُقرأ بها. وهذا كما تقدم أنهم كتبوا «ولأَاوْضَعوا خلالَكم» بزيادة ألف بين لام ألف والواو.
قوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ بنون التوكيد المشددة، بعدها نونُ الوقايةِ. وهذا هو الأصلُ واتَّبع مع ذلك رَسْمَ مصحفِه. والباقون بنونٍ مشدَّدَةٍ
стр. 7324
فقط. الأظهرُ أنها نونُ التوكيدِ الشديدةِ، تُوُصِّل بكسرِها لياءِ المتكلم. وقيل بل هي نونُ التوكيدِ الخفيفةِ أُدْغِمَتْ في نونِ الوقايةِ. وليس بشيءٍ لمخالَفَةِ الفعلين قبلَه. وعيسى بن عمر بنونٍ مشددةٍ مفتوحة لم يَصِلْها بالياء.
стр. 7325
قوله: ﴿فَمَكَثَ﴾ : قرأ عاصم بفتحِ الكافِ. والباقون بضمِّها. وهما لغتان. إلاَّ أنَّ الفتحَ أشهرُ، ولذلك جاءت الصفة على «ماكِث» دون مَكِيْث. واعْتُذِر عنه بأنَّ فاعِلاً قد جاء لفَعُل بالضمِّ نحو: حَمُض فهو حامِض، وخَثُرَ فهو خاثِرٌ، وفَرُهَ فهو فارِهٌ.
قوله: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً للمصدرِ أي: مُكْثاً غيرَ بعيدٍ، وللزمان أي: زماناً غيرَ بعيدٍ، وللمكان أي: مكاناً غيرَ بعيدٍ. والظاهرُ أنَّ الضمير في «مكث» للهُدْهُدِ. وقيل: لسليمان ﵇.
стр. 7326
قوله: ﴿مِن سَبَإٍ﴾ : قرأ البَزِّيُّ وأبو عمروٍ بفتحِ الهمزةِ، جعلاه اسماً للقبيلة، أو البُقْعَةِ، فَمَنَعاه من الصرفِ للعَلَمِيَّةِ والتأنيث. وعليه قولُه:
٣٥٥٤ - مِنْ سَبَأَ الحاضرينَ مَأْرِبَ إذ ... يَبْنُون مِنْ دونِ سَيْلِها العَرِما
وقرأ قنبل بسكونِ الهمزةِ، كأنه نوى الوقفَ وأجرى الوَصْلَ مُجْراه. والباقون بالجَرِّ والتنوينِ، جعلوه اسماً للحَيِّ أو المكانِ. وعليه قولُه:
٣٥٥٥ - الوارِدُون وتَيْمٌ في ذُرا سَبَأٍ ... قد عَضَّ أعناقََهم جِلْدُ الجواميسِ
وهذا الخلافُ جارٍ بعينِه في سورة سَبَأ. وفي قوله: ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ فيه من البديع: «التجانُسُ» وهو تَجْنيسُ التصريفِ. وهو عبارةٌ عن انفرادِ كلِّ كلمةٍ من الكلمتين عن الأخرى بحرفٍ كهذه الآيةِ. ومثلُه: ﴿تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ
стр. 7327
الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] وفي الحديث: «الخيلُ مَعْقُوْدٌ بنواصِيها الخيرُ» .
وقال آخر:
٣٥٥٦ - للهِ ما صَنَعَتْ بنا ... تلك المَعاجِرُ والمحَاجِرْ
وقال الزمخشري: «وقوله: ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ مِنْ جنسِ الكلامِ الذي سَمَّاه المُحْدَثون بالبدِيع. وهو من محاسنِ الكلامِ الذي يتعلَّقُ باللفظِ، بشرطِ أَنْ يجيْءَ مطبوعاً، أو يصنَعه عالمٌ بجَوْهَرِ الكلامِ، يَحْفَظُ معه صحةَ المعنى وسَدادَه، ولقد جاء هنا زائداً على الصحةِ فَحَسُنَ وبَدُعَ لفظاً ومعنىً. ألا ترى أنه لو وُضِع مكان» بنَبَأ «» بخبر «لكان المعنى صحيحاً، وهو كما جاء أصَحُّ؛ لِما في النبأ من الزيادة التي يطابِقُها وصفُ الحال» . يريد بالزيادة: أنَّ النبأ أخصُّ من الخبرِ؛ لأنه لا يُقال إلاَّ فيما له شَأْنٌ من الأخبارِ بخلافِ الخبرِ فإنه يُطْلَقُ على ماله شَأْنٌ، وعلى ما لا شأنَ له، فكلُّ نبأ خبرٌ مِنْ غيرِ عكسٍ. وبعضُهم يُعَبِّرُ عن نحوِ ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ في علم البديع بالتَّرْدِيد. قاله صاحب «التحرير» . وقال
стр. 7328
غيرُه: إنَّ الترِديدَ عبارةٌ عن رَدِّ أعجاز البيوت على صدورِها، أو رَدِّ كلمةٍ من النصفِ الأولِ إلى النصف الثاني. فمثالُ الأولِ قولُه:
٣٥٥٧ - سَريعٌ إلى ابنِ العَمِّ يَلْطِمُ وَجْهَه ... وليس إلى داعي الخَنا بسَريعِ
ومثالُ الثاني قولُه:
٣٥٥٨ - والليالي إذا نَأَيْتُمْ طِوالٌ ... والليالي إذا دَنَوْتُمْ قِصَارُ
وقرأ ابن كثير في روايةٍ «مِنْ سَبَاً» مقصوراً منوَّناً. وعنه أيضاً: «مِنْ سَبْأَ» بسكون الباءِ وفتحِ الهمزةِ، جعله على فَعْل ومَنَعَه من الصرفِ لِما تقدَّم.
وعن الأعمش «مِنْ سَبْءِ» بهمزةٍ مكسورةٍ غير منونةٍ. وفيها إشكالٌ؛ إذ لا وجهَ للبناء. والذي يظهر لي أنَّ تنوينَها لا بدَّ أَنْ يُقْلَبَ ميماً وصلاً ضرورةَ ملاقاتِه للباء، فسمعها الراوي، فظنَّ أنه كَسَر مِنْ غيرِ تنوينٍ. ورُوِيَ عن أبي عمروٍ «مِنْ سَبَا» بالألفِ صريحةً كقولِهم: «تَفَرَّقُوا أَيْدِيْ سَبا» . وكذلك قُرِىء «بنَبَا» بألفٍ خالصةٍ، وينبغي أَنْ يكونا لقارِىءٍ واحدٍ.
و «سَبَأ» في الأصلِ اسمُ رجلٍ مِنْ قَحْطانَ، واسمه عبد شمس، وسَبَأُ
стр. 7329
لقبٌ له. وإنما لُقِّبَ به لأنه أولُ مَنْ سبى، وَوُلِدَ له عشرةُ أولادٍ، تيامَنَ ستةٌ وهم: حِمْيَرُ وكِنْدَةُ والأَزْدُ وأَشْعَرُ وَخَثْعَمُ وبُجَيْلَةُ، وتشاءَمَ أربعةٌ وهم: لَخْمٌ وجُذامُ وعامِلَةُ وغَسَّانُ.
стр. 7330
قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ معطوفةً على «تَمْلِكُهم» . وجاز عَطْفُ الماضي على المضارع؛ لأنَّ المضارعَ بمعناه أي: مَلَكَتْهُمْ. ويجوز أَنْ يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من مرفوعِ «تَمْلِكُهم» ، و «قد» معها مضمرةٌ عند مَنْ يرى ذلك.
وقوله: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ مخصوصٌ بالعَقْلِ لأنها لم تُؤْتَ ما أُوْتِيَه سُلَيْمانُ.
قوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾ يجوزُ أَنْ تكونَ هذه جملةً مستقلةً بنفسِها سِيْقَتْ للإِخبارِ بها، وأَنْ تكونَ معطوفةً على «أُوْتِيَتْ» ، وأَنْ تكونَ حالاً مِنْ مرفوعِ «أُوْتِيَتْ» . والأحسنُ أَنْ تُجْعَلَ الحالُ الجارَّ، و «عَرْشٌ» مرفوعٌ به، وبعضُهم يَقِفُ على «عَرْشٌ» ، ويَقْطَعُه عن نَعْتِه. قال الزمخشري: «ومِنْ نَوْكَى القُصَّاص مَنْ يقفُ على قولِه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾ ثم يَبْتَدِىءُ» عظيمٌ وَجَدْتُها «يريد: أمرٌ عظيمٌ أَنْ وَجَدْتُها، فَرَّ مِنْ استعظامِ الهُدْهُدِ عرشَها فوقع في عظيمةٍ وهي مَسْخُ كتابِ الله» . قلت: النوكى: الحمقى جمعَ أَنْوكِ. وهذا الذي ذكرَه مِنْ أَمْرِ الوقف نقله الدانيُّ عن نافعٍ، وقَرَّره، وأبو بكر بن الأنباري، ورفعه إلى
стр. 7331
بعضِ أهل العلمِ، فلا ينبغي أَنْ يُقال: «نوكى القُصَّاص» . وخرَّجه الدانيُّ على أَنْ يكونَ «عظيم» مبتدأ و «وَجَدْتُها» الخبرُ. وهذا خطأٌ كيف يُبْتدأ بنكرةٍ مِنْ غيرِ مُسَوِّغٍ، ويُخْبَرُ عنها بجملةٍ لا رابطَ بينها وبينَه؟ والإِعرابُ ما قاله الزمخشريُّ: مِنْ أنَّ عظيماً صفةٌ لمحذوفٍ خبراً مقدماً [و «وَجَدْتُها» مبتدأٌ مؤخرٌ مُقَدَّراً معه حرفٌ مصدريٌّ أي: أمرٌ عظيمٌ وُجْداني إياها وقومَها غيرَ عابدي اللهِ تعالى.
стр. 7332
قوله: ﴿وَجَدتُّهَا﴾ : هي التي بمعنى لَقِيْتُ] وأَصَبْتُ/ فتتعدى لواحدٍ، فيكونُ «يَسْجُدون» حالاً مِنْ مفعولِها وما عُطِفَ عليه.
قوله: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ﴾ : قرأ الكسائيُّ بتخفيف «ألا» ، والباقون بتشديدها. فأمَّا قراءةُ الكسائيِّ ف «ألا» فيها تنبيهٌ واستفتحاحٌ، و «يا» بعدها حرفُ نداءٍ أو تنبيهٍ أيضاً على ما سيأتي و «اسْجُدوا» فعلُ أمرٍ. وكان حَقٌّ الخَطِّ على هذه القراءةِ أن يكونَ «يا اسْجُدوا» ، لكنَّ الصحابةَ أسقطُوا ألفَ «يا» وهمزةَ الوصلِ من «اسْجُدوا» خَطَّاً لَمَّا سَقَطا لفظاً، ووَصَلُوا الياءَ بسين «اسْجُدوا» ، فصارَتْ صورتُه «يَسْجُدوا» كما ترى، فاتَّحدت القراءتان لفظاً وخَطَّاً واختلفتا تقديراً.
واختلف النحويون في «يا» هذه: هل هي حرفُ تنبيهٍ أو للنداءِ، والمنادى محذوفٌ تقديرُه: يا هؤلاءِ اسْجُدوا؟ وقد تقدَّم ذلك عند قولِه: ﴿ياليتني﴾ [الآية: ٧٣] في سورة النساء. والمرجَّحُ أَنْ تكونَ للتنبيهِ؛ لئلا يُؤَدِّيَ إلى حَذْفٍ كثيرٍ مِنْ غيرِ بقاءِ ما يَدُلُّ على المحذوفِ. ألا ترى أنَّ جملةَ النداءِ حُذِفَتْ، فلو ادَّعَيْتَ
стр. 7333
حَذْفَ المنادى كَثُرَ الحذفُ ولم يَبْقَ معمولٌ يَدُلُّ على عامِلِهِ، بخلافِ ما إذا جَعَْلتَها للتنبيهِ. ولكنْ عارَضَنَا هنا أنَّ قبلَها حرفَ تنبيهٍ آخرَ وهو «ألا» . وقد اعْتُذِرَ عن ذلك: بأنه جُمِع بينهما تأكيداً. وإذا كانوا قد جَمَعُوا بين حرفين عامِلَيْنِ للتأكيدِ كقوله:
٣٥٥٩ - فَأَصْبَحْنَ لا يَسْألْنَنِي عَنْ بما به ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فغيرُ العامِلَيْن أولى. وأيضاً فقد جَمَعُوا بين حَرْفَيْنِ عامِلَيْنِ مُتَّحِدَّيْ اللفظِ والمعنى، كقوله:
٣٥٦٠ - فلا واللهِ لا يلفى لِما بي ... ولا لِلِما بهم أبداً دَواءُ
فهذا أَوْلَى. وقد كَثُرَ مباشرةُ «يا» لفعلِ الأمرِ وقبلَها «ألا» التي للاستفتاح كقوله:
٣٥٦١ - ألا يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلمي ثُمَّتَ اسْلَمي ... ثلاثَ تحيَّاتٍ وإنْ لَمْ تَكَلَّمي
وقوله:
٣٥٦٢ - ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ على البِلى ... ولا زالَ مُنْهَلاًّ بجَرْعائِكِ القَطْرُ
стр. 7334
وقوله:
٣٥٦٣ - ألا يا اسلمي ذاتَ الدَّماليجِ والعِقْدِ ... وذَاتَ اللِّثاثِ الجُمِّ والفاحِمِ الجَعْدِ
وقوله:
٣٦٤ - ألا يا اسْلمي يا هندُ هندَ بني بدرٍ ... وإن كان حَيَّانا عِداً آخرَ الدهرِ
وقوله:
٣٥٦٥ - ألا يا اسْقِياني قبلَ حَبْلِ أبي بكرِ ... لعل منايانا قَرُبْنَ ولا نَدْري
وقوله:
٣٥٦٦ - ألا يا اسْقِياني قبلَ غارةِ سِنْجالِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 7335
وقوله:
٣٥٦٧ - فقالَتْ ألا يا اسْمَعْ أَعِظْكَ لخُطْبةٍ ... فقلتُ: سَمِعْنا فانْطِقي وأَصِيْبي
وقد جاءَ ذلك، وإنْ لم يكنْ قبلَها «ألا» كقوله:
٣٥٦٨ - يا دارَ هندٍ يا اسْلَمي ثُمَّ اسْلَمي ... بِسَمْسَِمٍ أو عَنْ يمين سَمْسَِمِ
فقد عَرَفْتَ أنَّ قراءةَ الكسائيِّ قويةٌ لكثرةِ دَوْرِها في لغتهم.
وقد سُمع ذلك في النثر، سُمِع بعضُهم يقول: ألا يا ارحموني، ألا يا تَصَدَّقوا علينا. وأمَّا قولُ الأخرِ:
٣٥٦٩ - يا لعنةَ اللهِ والأقوامِ كلِّهمُ ... والصالحينَ على سَمْعانَ مِنْ جارِ
فيُحتمل أَنْ تكونَ يا للنداء، والمنادى محذوف، وأَنْ تكونَ للتنبيهِ وهو الأرجحُ لِما مَرَّ.
واعلمْ أن الكسائيَّ الوقفُ عنده على «يَهْتَدون» تامٌّ.
وله أن يَقِفَ على «ألا يا» معاً ويَبْتَدىءَ «اسْجُدوا» بهمزة مضمومةٍ، وله أَنْ يقفَ على «ألا» وحدَها، وعلى «يا» وحدَها؛ لأنهما حرفان منفصِلان. وهذان الوقفان وقفا اختبارٍ لا اختيارٍ؛ لأنهما حرفان لا يَتِمُّ معناهما، إلاَّ بما يتصلان به،
стр. 7336
وإنما فعله القراءُ امتحاناً وبياناً. فهذا توجيهُ قراءةِ الكسائيِّ، والخطبُ فيها سَهْلٌ.
وأما قراءةُ الباقين فتحتاج إلى إمعانِ نَظَرٍ. وفيه أوجهٌ كثيرةٌ، أحدها: أنَّ «ألاَّ» أصلُها: أَنْ لا، ف «أنْ» ناصبةٌ للفعلِ بعدَها؛ ولذلك سَقَطَتْ نونُ الرفعِ، و «لا» بعدها حَرفُ نفيٍ. و «أنْ» وما بعدها في موضع مفعولِ «يَهْتَدون» على إسقاطِ الخافضِ، أي: إلى أن/ لا يَسْجُدوا. و «لا» مزيدةٌ كزيادتِها في ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩] . الثاني: أنه بدلٌ مِنْ «أعمالَهم» وما بينهما اعتراضٌ تقديرُه: وزَيَّن لهم الشيطانُ عدمَ السجودِ لله. الثالث: أنه بدلٌ من «السبيل» على زيادةِ «لا» أيضاً. والتقديرُ: فصَدَّهم عن السجودِ لله تعالى. الرابع: أنَّ ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ﴾ مفعول له. وفي متعلَّقه وجهان، أحدهما: أنه زَيَّن أي: زَيَّن لهم لأجلِ أَنْ لا يَسْجدُوا. والثاني: أنَّه متعلِّقٌ ب «صَدَّهم» أي: صَدَّهم لأجلِ أَنْ لا يَسْجُدوا. وفي «لا» حينئذٍ وجهان، أحدهما: أنه ليسَتْ مزيدةً، بل نافيةٌ على معناها من النفي. والثاني: أنها مزيدةٌ والمعنى: وزَيَّن لهم لأجلِ توقُّعِه سُجودَهم، أو لأجْلِ خَوْفِه مِنْ سُجودِهم. وعدمُ الزيادةِ أظهرُ.
الخامس: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ. وهذا المبتدأُ: إمَّا أَنْ يُقَدَّرَ ضميراً عائداً على «أعمالَهم» التقديرُ: هي أن لا يَسْجدوا، فتكون «لا» على بابِها من النفي، وإمَّا أن يُقَدَّرَ ضميراً عائداً على «السبيل» . التقديرُ: هو أَنْ لا يَسْجُدوا فتكون «لا» مزيدةً على ما تقدَّم ليَصِحَّ المعنى.
وعلى الأوجهِ الأربعةِ المتقدمةِ لا يجوزُ الوقفُ على «يَهْتدون» لأنَّ ما بعدَه: إمَّا معمولٌ له أو لِما قبلَه مِنْ «زَيَّن» و «صَدَّ» ، أو بدلٌ مِمَّا قبله أيضاً مِنْ «
стр. 7337
أعمالَهم» أو من «السبيل» على ما قُرِّر وحُرِّرَ، بخلافِ الوجهِ الخامسِ فإنه مبنيٌّ على مبتدأ مضمرٍ، وإن كان ذلك الضمير مُفَسَّراً بما سَبَقَ قبلَه.
وقد كُتِبَتْ «ألاَّ» موصولةً غيرَ مفصولةٍ، فلم تُكْتَبْ «أنْ» منفصِلةً مِنْ «لا» فمِنْ ثَمَّ امتنعَ أَنْ يُوْقَفَ لهؤلاء في الابتلاء والامتحان على «أنْ» وحدَها لاتِّصالِها ب «لا» في الكتابةِ، بل يُوْقَفُ لهم على «ألاَّ» بجملتِها، كذا قال القُراء.
والنحويون متى سُئِلوا عن مثلِ ذلك وَقَفُوا لأجلِ البيانِ على كلِّ كلمةٍ على حِدَتِها لضرورة البيانِ، وكونُها كُتِبَتْ متصلةً ب «لا» غيرُ مانعٍ من ذلك. ثم قولُ القُرَّاءِ كُتِبَتْ متصلةً فيه تجوُّزٌ وتَسامُحٌ؛ لأنَّ حقيقةَ هذا أَنْ يُثْبِتُوا صورةَ نونٍ ويَصِلُونها ب «لا» ، فيكتبونها: أَنْلا، ولكن لَمَّا أُدْغِمَتْ فيما بعدَها لفظاً وذَهَبَ لفظُها إلى لفظِ ما بعدَها، قالوا ذلك تسامحاً.
وقد رتَّب أبو إسحاق على القراءتين حُكماً: وهو وجوبُ سجودِ التلاوةِ وعَدَمُه؛ فأوجبه مع قراءةِ الكسائيِّ وكأنه لأجلِ الأمرِ به، ولم يُوْجِبْه في قراءة الباقين لعدمِ وجودِ الأمرِ فيها. إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ لم يَرْتَضِه منه فإنه قال: «فإنْ قلتَ: أسَجْدَةُ التلاوةِ واجبةٌ في القراءتين جميعاً أو في واحدةٍ فيهما؟ قلت: هي واجبةٌ فيهما، وإحدى القراءتين أمرٌ بالسجودِ، والأخرى ذَمٌّ للتارك» . فما ذكره الزجاج مِنْ وجوبِ السجدةِ مع التخفيفِ دونَ التشديدِ فغيرُ مرجوعٍ إليه.
стр. 7338
قلت: وكأنَّ الزجاجَ أخذ بظاهرِ الأمرِ، وظاهرُه الوجوبُ، وهذا لو خُلِّيْنا والآيةَ لكان السجودُ واجباً، ولكنْ دَلَّتِ السُّنَّةُ على استحبابِه دونَ وجوبِه، على أنَّا نقول: هذا مبنيٌّ على نظرٍ آخر: وهو أنَّ هذا الأمرَ من كلامِ اللهِ تعالى، أو من كلامِ الهُدْهُدِ محكيًّا عنه. فإنْ كان مِنْ كلامِ اللهِ تعالى فيُقال: يَقْتضي الوجوبَ، إلاَّ أَنْ يجيْءَ دليلٌ يَصْرِفُه عن ظاهرِه، وإنْ كان من كلامِ الهُدْهد وهو الظاهرُ ففي انتهاضِه دليلاً نظرٌ لا يخفى.
وقرأ الأعمشُ «هَلاَّ» ، و «هَلا» بقلب الهمزة هاءً مع تشديدِ «لا» وتخفيفها وكذا هي في مصحفِ عبد الله. وقرأ عبدُ الله «تَسْجُدون» بتاء الخطابِ ونونِ الرفع. وقُرِىءَ كذلك بالياءِ مِنْ تحتُ. فمَنْ أَثْبَتَ نونَ الرفعِ فألا بالتشديدِ أو التخفيفِ للتحضيضِ، وقد تكونُ المخففةُ للعَرْضِ أيضاً نحو: «ألا تَنْزِل عندنا نتحدَّث» وفي حرف عبدِ الله أيضاً: «ألا هَلْ تَسْجدُون» بالخطاب.
قوله: ﴿الذي يُخْرِجُ الخبء﴾ يجوز أَنْ يكونَ مجرورَ المحلِّ نعتاً له أو بدلاً منه أو بياناً، أو منصوبَه/ على المدحِ، ومرفوعَه على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ. والخَبْءُ مصدرُ خَبَأْتُ الشَيءَ أخبَؤُه خَبْئاً أي: سَتَرْتُهُ، ثم أُطْلِقَ على الشيءِ المَخْبوء. ونحُوه: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: ١١] . وفي التفسير: الخَبْءُ في السماواتِ: المطرُ، وفي الأرض: النباتُ. والخابِيَةُ مِنْ هذا، إلاَّ أنهم التزموا فيها تَرْكَ الهمزةِ كالبَرِيَّة والذُّرِّيَّة عند بعضِهم. وقرأ أُبَيٌّ وعيسى «الخَبَ» بنَقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى الباءِ، وحَذْفِ الهمزة، فيصيرُ نحوَ: رأيتُ الأَبَ. وقرأ عبد الله وعكرمةُ ومالك بن دينار «الخبا» بألفٍ صريحة. ووجْهُها: أنه أبدلَ الهمزةَ ألفاً
стр. 7339
فلزِمَ تحريكُ الباءِ، وذلك على لغةِ مَنْ يَقِفُ من العرب بإبدال الهمزةِ حرفاً يجانِسُ حركتَها فيقول: هذا الخَبُوْ، ورأيتُ الخَبا ومررت بالخَبِي، ثم أُجْرِي الوصلُ مجرى الوقفِ.
وعندي أنه لَمَّا نَقَلَ حركةَ الهمزةِ إلى الساكنِ قبلَها لم يَحْذِفْها، بل تركها فسكنَتْ بعد فتحةٍ فدُيِّرَتْ بحركةِ ما قبلها، وهي لغةٌ ثابتةٌ يقولون: المَراة والكَماة بألفٍ مكانَ الهمزةِ بهذه الطريقةِ.
وقد طَعن أبو حاتم على هذه القراءةِ وقال: «لا يجوزُ في العربيةِ؛ لأنه إنْ حَذَفَ الهمزة ألقى حركتَها على الباء، فقال: الخَبَ، وإن حَوَّلها قال: الخَبْيَ بسكونِ الباءِ وياءٍ بعدَها» قال المبرد: «كان أبو حاتم دونَ أصحابِه في النحوِ، لم يَلْحَقْ بهم، إلاَّ أنه إذا خَرَجَ مِنْ بلدِهم لم يَلْقَ أَعْلَمَ منه» .
قوله: ﴿فِي السماوات﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ ب «الخَبْءَ» أي: المخبوءَ في السماواتِ. والثاني: أنه متعلقٌ ب «يُخْرِجُ» على أنَّ معنى «في» معنى «مِنْ» أي: يُخْرِجُه من السماواتِ. وهو قول الفراء.
قوله: ﴿مَا تُخْفُونَ﴾ قرأ الكسائيُّ وحفص بالتاء مِنْ فوقُ فيهما، والباقون بالياءِ مِنْ تحتُ. فالخطابُ ظاهرٌ على قراءةِ الكسائي؛ لأنَّ قبلَه أمْرَهم بالسجودِ وخطابَهم به. والغَيْبَةُ على قراءةِ الباقينِ غيرَ حفصٍ ظاهرةٌ أيضاً؛ لتقدُّمِ الضمائرِ الغائبةِ في قوله: «لهم» و «أعمالهم» و «صَدَّهم» و «فهمْ» . وأمَّا قراءةُ حفصٍ فتأويلُها أنه خَرَجَ إلى خطابِ الحاضرين بعد أَنْ
стр. 7340
أتمَّ قضيةَ أهلِ سَبَأ. ويجوز أَنْ يكونَ التفاتاً على أنه نزَّل الغائبَ منزلةَ الحاضرِ فخاطبه مُلْتَفِتاً إليه.
وقال ابن عطية: «القراءةُ بياءِ الغَيْبة تعطي أن الآيةَ من كلامَ الهُدْهد، وبتاءِ الخطابِ تعطي أنها من خطابِ الله لأمةِ محمدٍ ﷺ » . وقد تقدَّم أنَّ الظاهر أنه من كلامِ الهدهد مطلقاً. وكذلك الخلافُ في قولِه ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ هل هو من كلامِ الهدهدِ استدراكاً منه، لَمَّا وَصَفَ عَرْشَ بلقيسَ العظيمَ، أو من كلامِ اللهِ تعالى رَدَّا عليه في وَصْفِه عَرْشَها بالعظيم؟ .
стр. 7341
والعامَّةُ على جرِّ «العظيم» تابعاً للجلالة. وابن محيصن بالرفعِ. وهو يحتمل وجهين. أن يكونَ نعتاً للربِّ، وأَنْ يكونَ مقطوعاً عن تبعيَّةِ العرش إلى الرفعِ بإضمارِ مبتدأ.
стр. 7342
قوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ﴾ : الجملةُ الاستفهاميةُ في محلِّ نصبٍ ب «نَنْظُرُ» لأنها معلَّقةٌ لها. و «أم» هنا متصلةٌ. وقوله: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين﴾ أبلَغُ مِنْ قولِه: «أم كَذَبْتَ» وإنْ كان هو الأصلَ؛ لأنَّ المعنى: مِن الذين اتَّصفوا وانْخَرَطوا في سِلْكِ الكاذبين.
стр. 7343
قوله: ﴿هذا﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً ل «كتابي» أو بدلاً منه أو بياناً له.
قوله: ﴿فَأَلْقِهْ﴾ قرأ أبو عمرو وحمزةُ وأبو بكر بإسكان الهاء، وقالون
стр. 7344
بكسرها فقط من غيرِ صلةٍ بلا خلافٍ عنه. وهشام عنه وجهان بالقصرِ والصلةِ. والباقون بالصلة بلا خلاف. وقد تقدَّم توجيهُ ذلك كلَّه في آل عمران والنساء وغيرِهما عند ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] و ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى﴾ [النساء: ١١٥] . وقرأ مسلم بن جندب بضمِّ الهاءِ موصولةً بواوِ: «فَأَلْقِهُوْ إليهم» وقد تقدَّم أنَّ الضمَّ الأصلُ.
[قوله:] «ثم تَوَلَّ عنهم» زعم أبو علي وغيرُه أنَّ في الكلام تقديماً وأن الأصلَ: فانظرْ ماذا يَرْجِعون ثم تَوَلَّ عنهم. ولا حاجةَ إلى هذا [لأن المعنى بدونِه صحيحٌ أي: قِفْ قريباً منهم لتنظرَ ماذا يكون] .
قوله: ﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ إنْ جَعَلْنا «انظر» بمعنى تأمَّلْ وتَفَكَّرْ كانت «ما» استفهاميةً. وفيها حينئذٍ وجهان، / أحدُهما: أَنْ تُجْعَلَ مع «ذا» بمنزلةِ اسمٍ واحد، وتكونُ مفعولةً ب «يَرْجِعُون» تقديرُه: أيَّ شيء يَرْجِعون. والثاني: أن تُجْعل «ما» مبتدأً، و «ذا» بمعنى الذي و «يَرْجِعُون» صلتَها، وعائدُها محذوفٌ تقديرُه: أيُّ شيء الذي يَرْجِعونه. وهذا الموصولُ هو خبر «ما» الاستفهامية، وعلى التقديرين فالجملة الاستفهاميةُ مُعَلَّقَةُ ل «انْظُرْ» فمحلُّها النصبُ على إسقاطِ الخافضِ أي: انْظُرْ في كذا وفَكِّر فيه، وإنْ جَعَلْناه بمعنى انتظرْ مِنْ قوله: ﴿انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] كانت «ماذا» بمعنى الذي، و «يَرْجِعون» صلةٌ،
стр. 7345
والعائدُ مقدرٌ كما مرَّ تقريرُه. وهذا الموصولُ مفعولٌ به أي: انتظر الذي يَرْجِعونه.
وقال الشيخ: «وماذا: إنْ كان معنى» انظرْ «معنى التأمُّلِ بالفكر كان» انظر «مُعَلَّقاً. و» ماذا «: إمَّا أَنْ يكونَ استفهاماً في موضعِ نصبٍ، وإمَّا أَنْ يكونَ» ما «استفهاماً، وذا موصول بمعنى الذي. فعلى الأولِ يكونُ» يَرْجِعون «خبراً عن» ماذا «، وعلى الثاني يكون» ذا «هو الخبرََ، وَيَرْجِعُون صلة» انتهى.
وهذا غَلَطٌ: إمَّا من الكاتبِ، وإمَّا مِنْ غيرِه؛ وذلك أنَّ قولَه «فعلى الأولِ» يعني به أنَّ «ماذا» كلَّه استفهامٌ في موضع نصبٍ يمنعُ قولَه: «يَرْجِعون» خبرٌ عن «ماذا» . كيف يكون خبراً عنه وهو منصوبٌ به كما تقدَّم تقريرُه؟ وقد صَرَّح هو بأنه منصوبٌ يعنى بما بعدَه، ولا يعملُ فيه ما قبلَه. وهذا نظيرُ ما تقدَّم في آخرِ السورةِ قبلَها في قولِه: ﴿وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] في كونِ اسمِ الاستفهامِ معمولاً لِما بعدَه، وهو مُعَلِّقٌ لِما قبله، فكما حَكَمْتَ على الجملةِ مِنْ «يَنْقَلِبُوْن» وما اشتملَتْ عليه من اسمِ الاستفهامِ المعمولِ لها بالنصبِ على سبيلِ التعليقِ، كذلك تَحْكُمُ على «يَرْجِعُون» فكيف تقول: إنها خبرٌ عن «ماذا» ؟ .
стр. 7346
قوله: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ﴾ : العامَّةُ على كسرِ الهمزتين على الاستئنافِ جواباً لسؤالِ قومِها كأنَّهم قالوا: مِمَّن الكتابُ؟ وما فيه؟ فأجابَتْهم بالجوابَيْن.
وقرأ عبد الله «وإنَّه مِنْ سليمانَ» بزيادةِ واوٍ عاطفةٍ «إنه من سليمان»
стр. 7347
على قولِه: ﴿إني أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ . وقرأ عكرمةُ وابن أبي عبلةَ بفتح الهمزتين. صَرَّح بذلك الزمخشري وغيرُه، ولم يذكر أبو البقاء إلاَّ الكسرَ في «إنه من سليمان» ، وكأنه سكتَ عن الثانيةِ؛ لأنها معطوفةٌ على الأولى. وفي تخريجِ الفتح فيهما أوجهٌ، أحدُهما: أنه بدلٌ من «كتاب» بدلُ اشتمالٍ، أو بدلُ كلٍ مِنْ كلٍ، كأنه قيل: أُلْقِي إليَّ أنه من سليمانَ، وأنه كذا وكذا. وهذا هو الأصحُّ. والثاني: أنه مرفوعٌ ب «كريمٌ» ذكره أبو البقاء، وليس بالقويِّ. الثالث: أنه على إسقاطِ حرفِ العلةِ. قال الزمشخري: «ويجوز أَنْ تريدَ: لأنه مِنْ سليمانَ، ولأنَّه، كأنها عَلَّلَتْ كرمَه بكونِه من سليمان وتصديرَه باسم الله» .
قال مكي: «وأجاز الفراء الفتحَ فيهما في الكلامِ» كأنه لم يَطَّلِعْ على أنها قراءةٌ.
وقرأ أُبَيٌّ «أَنْ مِنْ سليمانَ، وأنْ بسمِ اللهِ» بسكون النون فيهما. وفيها وجهان، أظهُرهما: أنَها «أنْ» المفسرةُ، لتقدُّم ما هو بمعنى القول. والثاني: أنَّها المخففةُ، واسمُها محذوفٌ وهذا لا يتمشى على أصول البصريين؛ لأنَّ اسمَها لا يكونُ إلاَّ ضميرَ شأنٍ، وضميرُ الشأنِ لا يُفَسَّر إلاَّ بجملةٍ مُصَرَّحٍ بُجُزْأَيْها.
стр. 7348
قوله: ﴿أَلاَّ تَعْلُواْ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّ «أنْ»
стр. 7349
مفسِّرةٌ، كما تقدَّمَ في أحد الأوجهِ في «أنْ» قبلَها في قراءةِ عكرمة، ولم يذكُرْ الزمخشريُّ غيرَه. وهو وجهٌ حسنٌ لِما في ذلك من المشاكلةِ: وهو عطفُ الأمرِ عليه وهو قولُه «وَأْتُوْني» . والثاني: أنها مصدرية في محلِّ رفعٍ بدلاً مِنْ «كتاب» كأنه قيل: أُلْقِيَ إليَّ: أَنْ لا تَعْلُوا عليَّ. والثالث: أنها في موضعِ رفعٍ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هو أَنْ لا تَعْلُوا. والرابع: أنَّها على إسقاطِ الخافضِ أي: بأَنْ لا تَعْلُوا، فيجيْءُ في موضِعها القولان المشهوران. والظاهر أنَّ «لا» في/ هذه الأوجهِ الثلاثة للنهيِ. وقد تقدَّم أنَّ «أَنْ» المصدريةَ تُوْصَلُ بالمتصرفِ مطلقاً. وقال الشيخ: «وأَنْ في قولِه:» أن لا تَعْلُوا عليَّ «في موضع رفعٍ على البدلِ من» كتاب «. وقيل: في موضعِ نصبٍ على [معنى] : بأن لا تَعْلُوا. وعلى هذين التقديرين تكون» أنْ «ناصبةً للفعل» . قلت: وظاهرُ هذا أنها نافيةٌ؛ إذ لا يُتَصَوَّرُ أَنْ تكونَ ناهيةً بعد «أَنْ» الناصبةِ للمضارع. ويؤيِّد هذا ما حكاه عن الزمخشريِّ فإنه قال: «وقال الزمخشريُّ: وأنْ في» أَنْ لا تَعْلُوا «مفسرةٌ» قال: «فعلى هذه تكون» لا «في» لا تَعْلُوا «للنهي، وهو حسنٌ لمشاكلة عطفِ الأمرِ عليه» . فقوله: «فعلى هذا» إلى آخره صريحٌ أنها على غيرِ هذا يعني الوجهين المتقدمين ليست للنهي
стр. 7350
فيهما. ثم القولُ بأنَّها للنفيِ لا يَظْهَرُ؛ إذ يصيرُ المعنى على الإِخبارِ منه ﵇ بأنهم لا يَعْلُون عليه، وليس هذا مقصوداً، وإنما المقصودُ أَنْ يَنْهاهُمْ عن ذلك.
وقرأ ابن عباس والعقيلي «تَغْلُوا» بالغين مُعْجمةً من الغُلُوِّ وهو مجاوَزَةُ الحَدِّ.
стр. 7351
قوله: ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ : «ماذا» هو المفعولُ الثاني ل «تَأْمُرين» ، والأولُ محذوفٌ، تقديره: تَأْمُرِيْنَنَا. والاستفهامُ مُعَلِّق للنظرِ، ولا يخفى حكمُه ممَّا تقدَّم قبلَه.
стр. 7352
قوله: ﴿وكذلك يَفْعَلُونَ﴾ : أي: مِثْلَ ذلك الفعلِ يَفْعلون. وهل هذه الجملةُ مِنْ كلامِها وهو الظاهرُ فتكونُ منصوبةً بالقولِ أو مِنْ كلامِ اللهِ تعالى، فهي استئنافيةٌ لا محلَّ لها من الإِعرابِ، وهي معترضَةٌ بين قَوْلَيْها؟
стр. 7353
والهَدِيَّةُ: ما بُعِثَ على جهةِ الإِكرامِ، وهي اسمٌ للمهدى فيحتمل أَنْ يكونَ اسماً صريحاً، ويُحتملُ أَنْ يكونَ في الأصلِ مصدراً أُطْلِقَ على اسمِ المفعولِ، وليسَتْ مصدراً قياسياً؛ لأنَّ الفعلَ منها «أهدى» رباعياً فقياسُ مصدرِه: إهداءً.
قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ﴾ : عطفٌ على «مُرْسِلَة» . و «بمَ» متعلقٌ ب «يَرجِعُ» . وقد وَهِمَ الحوفيُّ فجعَلَها متعلقةً ب «ناظِرَةٌ» وهذا لا يستقيمُ؛ لأنَّ اسمَ الاستفهامِ له صدرُ الكلامِ. «وبمَ يَرْجِعُ» مُعَلِّقٌ ل «ناظِرَةٌ» .
стр. 7354
قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ﴾ : أي: فلمَّا جاء الرسولُ، أضمرَه لدلالةِ قَولِها «مُرْسِلَةٌ» فإنه يَسْتَلْزِمُ رسولاً. والمرادُ به الجنسُ لا حقيقةُ رسولٍ واحدٍ بدليلِ خطابِه لهم بالجمع في قوله: «أتُمِدُّونَنِ» إلى آخره. ولذلك قرأ عبد الله «فلمَّا جْاؤُوا» وقرأ «فارْجِعوا» إليهم اعتباراً بالأصلِ المشارِ إليه.
قوله: ﴿أَتُمِدُّونَني﴾ استفهامُ إنكارٍ. وقرأ حمزةُ بإدغام نونِ الرفع في نونِ الوقايةِ. وأمَّا الياءُ فإنه يَحْذِفُها وقفاً ويُثْبِتُها وصلاً على قاعدتِه في الزوائد. والباقون بنونَيْنِ على الأصل. وأمَّا الياءُ فإنَّ نافعاً وأبا عمروٍ كحمزةَ يُثْبِتانها وصلاً ويَحْذِفانها وَقْفاً، وابنُ كثيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْن، والباقون يَحْذِفونها في الحالَيْن. ورُويَ عن نافعٍ أنه يَقْرأ بنونٍ واحدة، فتكمَّلَتْ ثلاثُ قراءات، كما في ﴿تأمروني أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] .
قال الزمخشري: «فإن قلتَ ما الفرق بين قولِك: أتُمِدُّونني بمال وأنا أَغْنى منكم، وبين أَنْ تقولَه بالفاء؟
قلت: إذا قلتُه بالواوِ فقد جَعَلْتُ مخاطَبي عالماً بزيادتي عليه في الغِنَى، وهو مَعَ ذلك يَمُدُّني بالمال. وإذا قُلْتُه بالفاءِ فقد جَعَلْتُه مِمَّن خَفِي عليه حالي، وإنما أُخْبِره الساعةَ بما لا أَحْتاجُ معه إلى إمدادهِ كأني أقولُ: أُنْكِرُ عليك
стр. 7355
ما فَعَلْتَ فإني غَنِيٌّ عنه، وعليه وَرَد قولُه: ﴿فَمَآ آتَانِي الله﴾ انتهى. وفي هذا الفرِق نَظَرٌ؛ إذ لا يُفهم ذلك بمجردِ الواوِ والفاءِ، ثم إنه لم يُجِبْ عن السؤال الأول: وهو أنه لِمَ عَدَلَ عن قوله:» وأنا أغنى منكم «إلى قوله: ﴿فَمَآ آتَانِي الله﴾ ؟ وجوابُه: أنه أًُسْنِدَ إيتاءُ الغنى إلى اللهِ إظهاراً لنعمتِه عليه، ولو قال: وأنا أغنى منكم، كان في افتخارٌ من غيرِ ذِكْرٍِ لنعمةِ اللهِ عليه.
قوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ﴾ إضرابُ انتقالٍ. قال الزمخشري:» فإنْ قلتَ: فما وجه الإِضرابِ؟ قلت: لَمَّا أَنْكر عليهم الإِمدادَ، وعَلَّل إنكارَه، أَضْرَبَ عن ذلك إلى بيان السببِ الذي حَمَلَهم عليه، وهو أنَّهم لا يَعْرِفُون سببَ رضا إلاَّ ما يهدى إليهم/ من حُظوظِ الدنيا التي لا يَعْرِفُون غيرَها. والهديَّة يجوزُ إضافتُه إلى المُهْدي. وإلى المهدى إليه وهي هنا محتملةٌ للأمرَيْن «.
قال الشيخ:» وهي هنا مضافةٌ للمهدى إليه. وهذا هو الظاهرُ. ويجوز أَنْ تكونَ مضافةً إلى المُهْدِي أي: بل أنتم بهديَّتِكم هذه التي أَهْدَيْتُموها تَفْرَحُوْنَ فَرَحَ افتخارٍ «. قلت كيف يَجْعَلُ هذا الأولَ هو الظاهرَ، ولم يُنْقَلْ أنَّ سليمان ﷺ أرسلَ إليهم هديةً في هذه الحالةِ حتى يُضيفَها إليهم؟ ، بل الذي يتعيَّن إضافتُها إلى المُهْدِي.
следующие страницы →