← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ﴾ : استفهامُ تقريرٍ كقوله: ٣٦٤ - ١- ألَسْتُمْ خيرَ مَنْ رَكِبَ المطايا ... وأندى العالمين بطونَ راحِ

стр. 7597

قوله: ﴿والذين جَاهَدُواْ﴾ : يجوز فيه ما جاز في قوله: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ [العنكبوت: ٧] أول السورة. وفيه رَدٌّ على ثعْلب: حيث زعم أنَّ جملةَ القسم لا تقع خبراً للمبتدأ. قوله: «لَمع المحسنين» من إقامة الظاهر مُقامَ المضمرِ إظهاراً لشرفِهم.

стр. 7598

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: ﴿في أَدْنَى الأرض﴾ : زعم بعضُهم أنَّ أل عِوَضٌ من الضميرِ، وأنَّ الأصلَ «في أَدْنى أَرْضِهم» وهو قولٌ كوفيٌّ. وهذا على قولِ: إن الهَرَب كان مِنْ جهة بلادِهم. وأمَّا مَنْ يقول: إنه من جهةِ بلادِ العَرَبِ فلا يَتَأَتَّى ذلك. وقرأ العامَّةُ «غُلِبَتْ» مبنياً للمفعول. وعلي بن أبي طالب وأبو سعيد الخُدْري وابن عمر وأهل الشام ببنائِه للفاعلِ. قوله: «غَلَبِهم» على القراءةِ الشهيرةِ يكون المصدرُ مضافاً لمفعولِه. ثم هذا المفعولُ: إمَّا أَنْ يكونَ مرفوعَ المحلِّ على أن المصدرَ المضافَ إليه مأخوذٌ مِنْ مبنيّ للمفعولِ على خلافٍ في ذلك، وإمَّا منصوبَ المحلِّ على أنَّ المصدرَ مِنْ مبني للفاعل، والفاعلُ محذوفٌ تقديره: مِن بعد أَنْ غَلَبَهم عدوُّهم، وهم فارس. وأمَّا على القراءةِ الثانيةِ فهو مضافٌ لفاعلِه.

стр. 7599

قوله: «سَيَغْلِبون» خبرُ المبتدأ. و ﴿مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ متعلقٌ به. والعامَّةُ - بل نقل بعضُهم الإِجماعَ - على «سَيَغْلِبون» مبنياً للفاعل. فعلى الشهيرةِ واضحٌ أي: مِنْ بعدِ أن غَلَبَتْهُمْ فارسُ سيَغْلِبون فارسَ. وأمَّا على القراءةِ الثانيةِ فأخبرَ أنهم سيَغْلبون ثانياً بعد أن غَلَبوا أولاً. ورُوِي عن ابنِ عمرَ أنه قرأ ببنائه للمفعول. وهذا مخالِف لِما وَرَدَ في سبب الآية وما وَرَدَ في الأحاديث. وقد يُلائم هذا بعضَ ملاءَمَةٍ مَنْ قرأ «غَلَبَتْ» مبنياً للفاعلِ. وقد تقدَّم أن ابن عمرَ ممَّن يقرأُ بذلك. وقد خَرَّج النحاسُ قراءةَ عبدِ الله بن عمرَ على تخريجٍ حَسَنٍ، وهو أن المعنى: وفارسُ مِنْ بعدِ غَلَبِهم للرومِ سيُغْلَبون. إلاَّ أنَّ فيه إضمارَ ما لم يُذْكَرْ، ولا جَرى سببُ ذِكْرِه.

стр. 7600

قوله: ﴿فِي بِضْعِ﴾ : متعلِّقٌ بما قبلَه. وتقدَّم تفسيرُ البِضْع واشتقاقُه في يوسف. وقال الفراء: «الأصلُ في» غَلَبِهم «: غَلَبَتِهم بتاءِ التأنيثِ فَحُذِفت للإِضافة ك» وإقامَ الصلاةِ «. وغَلَّطه النحاسُ: بأنَّ إقامَ الصلاةِ قد يُقال فيه ذلك لاعتلالِها، وأمَّا هنا فلا ضرورةَ تَدْعو إليه.

стр. 7601

وقرأ ابنُ السَّمَيْفَع وأبو حيوة» غَلْبِهم «بسكونِ اللام، فَتَحْتملُ أَنْ تكونَ تخفيفاً شاذاً، وأن تكونَ لغةً في المفتوحِ كالظَّعْن والظَّعَن. قوله: ﴿مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ العامَّةُ على بنائِهما ضمَّاً لقَطْعِهما عن الإِضافة. وأراد بها أي: مِنْ قبل الغَلَبِ ومِنْ بعدِه. أو من قَبْلِ كل أمرٍ ومِنْ بعده. وحكى الفراء كَسْرهما مِنْ غير تنوين. وغَلَّطه النحاسُ، وقال:» إنما يجوز مِنْ قبلٍ ومِنْ بعدٍ/ يعني مكسوراً منوناً «. قلت: وقد قُرِئ بذلك. ووجهُه أنه لم يَنْوِ إضافتَهما فَأَعْرَبهما كقوله: ٣٦٤٢ - فساغَ لي الشَّرابُ وكنتُ قَبْلاً ... أَكاد أَغَصُّ بالماءِ القَراحِ [وقوله:] ٣٦٤٣ - ونحنُ قَتَلْنا الأُسْدَ أُسْدَ خَفِيَّةٍ ... فما شَرِبُوا بَعْداً على لَذَّةٍ خَمْرا

стр. 7602

وحُكي» مِنْ قبلٍ «بالتنوينِ والجرِّ،» ومِنْ بعدُ «بالبناءِ على الضم. وقد خَرَّج بعضُهم ما حكاه الفراء على أنه قَدَّر أنَّ المضافَ إليه موجودٌ فتُرِكَ الأولُ بحالِه. وأنشد: ٣٦٤٤ -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... بين ذراعَيْ وَجبْهةِ الأَسَدِ والفرقُ لائحٌ؛ فإنَّ في اللفظ مِثْلَ المحذوفِ، على خلافٍ في تقديرِ البيت أيضاً. قوله:» ويومَئذٍ «أي: إذ يغلِبُ الرومُ فارسَ. والناصب ل» يومَ «» يفرحُ «.

стр. 7603

وقوله: ﴿بِنَصْرِ الله يَنصُرُ﴾ : مِن التجنيس. وتَقَدَّم آخرَ الكهف. قوله: «بِنَصْرِ الله» الظاهرُ تعلُّقُه ب «يَفْرَح» . وجَوَّز فيه أَنْ يتعلَّقَ ب «يَنْصُرُ» أبو البقاء. وهذا تفكيكٌ للنَّظْمِ.

стр. 7604

قوله: ﴿وَعْدَ الله﴾ : مصدرٌ مؤكدٌ ناصبُه مضمرٌ أي: وَعَدَهم اللَّهُ ذلك وَعْداً. وقوله ﴿لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ﴾ مقرِّرٌ لمعنى هذا المصدرِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من المصدر، فيكونَ كالمصدرِ الموصوف فهو مبيِّنٌ للنوعِ كأنه قيل: وَعَد اللَّهُ وَعْداً غيرَ مُخْلِفٍ.

стр. 7605

قوله: ﴿في أَنفُسِهِمْ﴾ : ظرفٌ للتفكُّر. وليس مفعولاً للتفكُّر، إذ متعلِّقُه [ما] خَلَق السماواتِ والأرضَ. قوله: «ما خَلَقَ» «ما» نافيةٌ. وفي هذه الجملةِ وجهان، أحدهما: أنها مستأنفةٌ لا تَعَلُّقَ لها بما قبلَها. والثاني: أنها معلِّقَةٌ للتفكُّرِ، فتكونُ في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافضِ. ويَضْعُفُ أَنْ تكونَ استفهاميةً بمعنى النفيِ. وفيها الوجهان المذكوران. و «بالحقِّ إمَّا سببيَّةٌ، وإمَّا حاليةٌ. قوله:» بلقاءِ «متعلقٌ ب» لَكافرون «. واللامُ لا تَمْنَعُ مِنْ ذلك لكونِها في حَيِّزِ» إنَّ «.

стр. 7606

قوله: ﴿أَكْثَرَ مِمَّا﴾ : نعتُ مصدرٍ محذوف أي: عِمارةً أكثرَ مِنْ عِمارتِهم. وقُرِئ «وآثاروا» بألفٍ بعد الهمزة وهي إشباعٌ لفتحة الهمزة.

стр. 7607

قوله: ﴿عَاقِبَةَ الذين﴾ : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالرفع. والباقون بالنصب. فالرفعُ على أنها اسمُ كان، وذُكِّر الفعلُ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ. وفي الخبرِ حينئذٍ وجهان، أحدهما: «السُّوْءَى» أي: الفَعْلَة السُّوْءَى أو الخَصْلَةَ السُّوْءى. والثاني: «أَنْ كَذَّبوا» أي: كان آخرُ أَمْرِهم التكذيبَ. فعلى الأولِ يكونُ في «أَنْ كَذَّبوا» وجهان: أحدُهما: أنه على إسقاطِ الخافض: إمَّا لامِ العلةِ أي: لأَنْ كَذَّبوا، وإمَّا باءِ السببيةِ أي: بأَنْ كَذَّبوا. فلمَّا حُذِفَ الحرفُ جَرَى القولان المشهوران بين الخليلِ وسيبويه في محلِّ «أَنْ» . والثاني: أنه بدلٌ من «السُّوْءَى» أي: ثم كان عاقبتُهم التكذيبَ، وعلى الثاني يكونُ «السُّوْءَى» مصدراً ل أساْءُوا، أو يكونُ نعتاً لمفعولٍ محذوفٍ أي: أساْءُوا الفَعْلَةَ السُّوْءَى، والسُّوْءَى تأنيثُ الأَسْوَأ. وجوَّز بعضُهم أَنْ يكونَ خبرُ كان محذوفاً للإِبهامِ، والسُّوْءَى: إمَّا مصدرٌ، وإمَّا مفعولٌ كما تقدَّم أي: اقْتَرَفوا الخطيئةَ السُّوْءَى أي: كان عاقبتُهم الدَّمارَ. وأمَّا النصبُ فعلى خبر كان. وفي الاسم وجهان، أحدهما: السُّوْءى أي: كانت الفَعْلَةُ السُّوْءَى عاقبةَ المُسيئين، و «أنْ كَذَّبُوا» على ما تقدَّم. والثاني: أن الاسمَ «أنْ كَذَّبُوا» والسُّوْءَى على ما تقدَّم أيضاً.

стр. 7608

قوله: ﴿يُبْلِسُ﴾ : قرأ العامَّةُ ببنائه للفاعلِ، وهو المعروفُ يُقال: أَبْلَسَ الرجلُ أي: انقطعَتْ حُجَّتُه فسكتَ، فهو قاصرٌ

стр. 7609

لا يتعدَّى. قال العجاج: ٣٦٤٥ - يا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْماً مُكَرَّسَاً ... قال نعم أعرِفُه وأَبْلَسا وقرأ السُّلمي «يُبْلَسُ» مبنياً للمفعول وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ أَبْلَسَ لا يتعدَّى. وقد خُرِّجَتْ هذه القراءةُ على أنَّ القائمَ مقامَ الفاعلِ مصدرُ الفعلِ، ثم حُذِفَ المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مُقامه؛ إذ الأصلُ: يُبْلِس إبلاسَ المجرمين. ويُبْلِس هو الناصبُ ل «يومَ تقومُ» .

стр. 7610

و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ : مضافٌ لجملةٍ، تقديرُها: يومئذٍ تقومُ. وهذا كأنه تأكيدٌ لفظيٌّ؛ إذ يصيرُ التقدير: يُبْلِس المجرمون يومَ تقومُ الساعةُ، يومَ تقومُ الساعة.

стр. 7611

قوله: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ : أي: يُسَرُّون. والحَبْرُ والحُبُور: السُّرور. وقيل: هو مِن التحبير وهو التحسين. يُقال: هو حَسَنُ الحِبْر والسِّبر بكسر الحاء والسين وفتحهما. وفي الحديث: «يَخْرج من النارِ رجلٌ ذَهَبَ حِبْرُه وسِبْرُه» فالمفتوح مصدرٌ والمكسورُ اسمٌ. والرَّوضةُ: الجنَّةُ. قيل: ولا تكونُ روضةً إلاَّ وفيها نبتٌ. وقيل: إلاَّ وفيها ماءٌ. وقيل: ما كانَتْ منخفضةً، والمرتفعةُ يقال لها تُرْعَة. وقيل: لا يُقال لها: رَوْضة/ إلاَّ وهي في مكانٍ غليظ مرتفعٍ. قال الأعشى:

стр. 7612

٣٦٤٦ - ما رَوْضَةٌ مِنْ رياض الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ... خضراءُ جادَ عليها مُسْبِلٌ هَطِلُ وأصل رِياض: رِواض، فقُلِبت الواوُ ياءً على حَدِّ: حَوْض وحِياض.

стр. 7613

قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ : تُمْسُون وتُصْبحون تامَّان أي: تَدْخلون في المساء والصباح، كقولهم: «إذا سَمِعْتَ بسُرى القَيْنِ فاعلَمْ بأنَّه مُصْبِحٌ» أي: مُقيم في الصباح. والعامَّةُ على إضافة الظرف إلى الفعلِ بعده. وقرأ عكرمةُ «حيناً» بالتنوين. والجملةُ بعده صفةٌ له. والعائدُ حينئذٍ محذوفٌ أي: تُمْسُون فيه كقولِه: ﴿واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾ [لقمان: ٣٣] . والناصب لهذا الظرفِ «سُبْحانَ» لأنه نابَ عن عاملِه.

стр. 7614

قوله: ﴿وَعَشِيّاً﴾ : عطفٌ على «حينَ» ، وما بينهما اعتراضٌ. و «في السماوات» يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفس الحمد أي: إنَّ الحمدَ يكون في هذين الظرفين.

стр. 7615

وقد تقدم خلافُ القُراء في تخفيفِ «الميت» وتثقيلِه وكذا قوله: «تُخْرَجون» في سورة الأعراف. و «كذلك» نعتُ مصدرٍ محذوفٍ أي: ومثلَ ذلك الإِخراجِ العجيبِ تُخْرَجون.

стр. 7616

قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ : مبتدأٌ وخبر أي: ومن جملةِ علامات توحيدِه وأنه يَبْعَثكُم خَلْقُكم واختراعُكم. و «مِنْ» لابتداءِ الغاية. قوله: ﴿ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ﴾ . الترتيبُ والمُهْملة هنا ظاهران؛ فإنهم إنما يصيرون بَشَراً بعد أطوارٍ كثيرةٍ. «وتَنْتشرون» حالٌ. و «إذا» هي الفجائيةُ. إلاَّ أنَّ الفجائيةَ أكثرُ ما تقع بعد الفاء لأنها تَقْتضي التعقيبَ. ووجهُ وقوعِها مع «ثُمَّ» بالنسبة إلى ما يليقُ بالحالةِ الخاصةِ أي: بعد تلك الأطوارِ التي قَصَّها علينا في موضعٍ آخرَ مِنْ كونِنا نُطْفَةً ثم علقةً ثم مضغةً ثم عَظْماً مجرداً ثم عَظْماً مَكْسُوَّاً لحماً فاجأ البشريَّةَ والانتشارَ.

стр. 7617

قوله: ﴿واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ﴾ : أي: لغاتِكم من عَرَبٍ وعَجَمٍ، مع تنوُّعِ كلٍ من الجيلين إلى أنواعٍ شتى لا سيما العجمُ، فإن لغاتِهم مختلفةٌ، وليس المرادُ بالألسنةِ الجوارحَ. قوله: «للعالمين» قرأ حفصٌ بكسر اللام جعله جمعَ عالِم ضدَّ الجاهل. ونحوُه ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣] والباقون بفتحها؛ لأنها آياتٌ لجميع الناس، وإن كان بعضُهم يَغْفُلُ عنها. وقد تقدَّم أولَ الفاتحةِ الكلامُ في «العالمين» : هل هو جمعٌ أو اسمُ جمع؟ فعليك باعتبارِه ثَمَّةَ.

стр. 7618

قوله: ﴿مَنَامُكُم بالليل والنهار﴾ : قيل: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ ليكونَ كلُّ واحدٍ مع ما يلائمه. والتقدير: ومِنْ آياتِه منامُكم بالليل

стр. 7619

وابتغاؤكم مِنْ فضلِه بالنهارِ، فحُذِف حرفُ الجرِّ لاتصالِه بالليل وعَطْفِه عليه؛ لأنَّ حرفَ العطفِ قد يقومُ مَقامَ الجارِّ. والأحسنُ أَنْ يُجْعَلَ على حالِه، والنومُ بالنهار ممَّا كانَتِ العربُ تَعُدُّه نعمةً من الله، ولا سيما في أوقاتِ القَيْلولة في البلاد الحارَّة.

стр. 7620

قوله: ﴿يُرِيكُمُ البرق﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها: - وهو الظاهرُ الموافقُ لإِخوانِه - أَنْ يكونَ جملةً من مبتدأ أو خبرٍ، إلاَّ أنه حُذِفَ الحرفُ المصدريُّ، ولمَّا حُذِفَ بَطَلَ عملُه. والأصل: ومِنْ آياتِه أَنْ يُرِيَكم كقوله: ٣٦٤٧ - ألا أيُّهذا الزاجرِيْ أَحْضُرُ الوغَى ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثاني: أنَّ «مِنْ آياتِه» متعلِّقٌ ب «يُرِيكم» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من البرق. والتقديرُ: ويُرِيْكم البرقَ مِنْ آياته، فيكون قد عَطَفَ جملةً فعليةً على جملةٍ اسمية. الثالث: أنَّ «يُرِيْكُم» صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي: ومِنْ آياتِه آيةٌ يُريكم بها، أو فيها البرقُ فحُذِفَ الموصوف والعائدُ عليه. ومثلُه: ٣٦٤٨ - وما الدَّهْرُ إلاَّ تارَتان فمِنْهما ... موتُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: فمنهما تارةٌ أموتُ فيها. الرابع: أنَّ التقديرَ: ومن آياتِه سحابٌ

стр. 7621

أو شيءٌ يُريكم. ف «يُريكم» صفةٌ لذلك المقدرِ، وفاعلُ «يُريكم» ضميرٌ يعود عليه بخلافِ الوجهِ قبله؛ فإنَّ الفاعلَ ضميرُ الباري تعالى.

стр. 7622

قوله: ﴿مِّنَ الأرض﴾ : فيه أوجهٌ، أحدها: أنه متعلِّقٌ ب «دَعاكم» وهذا أظهرُ. الثاني: أنَّه متعلقٌ بمحذوفٍ صفةً ل دَعْوة. الثالث: أنه متعلِّق بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه «تَخْرُجون» أي: خَرَجْتُمْ من الأرض. ولا جائزٌ أَنْ يتعلَّق ب «تَخْرُجون» لأنَّ ما بعد «إذا» لا يعملُ فيما قبلها. وللزمخشري هنا عبارةٌ/ جيدة.

стр. 7623

قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ : في «أَهْوَن» قولان، أحدهما: أنها للتفضيل على بابِها. وعلى هذا يُقال: كيف يُتَصَوَّرُ التفضيلُ، والإِعادةُ والبُداءة بالنسبةِ إلى اللَّهِ تعالى على حدٍّ سواء؟ في ذلك أجوبة، أحدها: أنَّ ذلك بالنسبةِ إلى اعتقاد البشرِ باعتبارِ المشاهَدَة: مِنْ أنَّ إعادَة الشيءِ أهونُ من اختراعِه لاحتياجِ الابتداءِ إلى إعمالِ فكر غالباً، وإن كان هذا منتفياً عن الباري فخوطبوا بحسَبِ ما أَلِفوه. الثاني: أنَّ الضميرَ في «عليه» ليس عائداً على الله تعالى، إنما يعودُ على الخَلْقِ أي: والعَوْدُ أهونُ على الخَلْقِ أي أسرعُ؛ لأن البُداءةَ فيها تدريجٌ مِنْ طَوْرٍ إلى طَوْر، إلى أنْ صار إنساناً، وَالإِعادةُ لا تحتاجُ إلى هذه التدريجاتِ فكأنه قيل: وهو أقصرُ عليه وأَيْسَرُ وأقلُّ انتقالاً. الثالث: أنَّ الضميرَ في «عليه» يعودُ على المخلوق، بمعنى: والإِعادةُ أهونُ على المخلوقِ أي إعادتُه شيئاً بعدما أَنْشأه، هذا في عُرْفِ المخلوقين، فكيف يُنْكِرون ذلك في جانب اللَّهِ تعالى؟

стр. 7624

والثاني: أنَّ «أهونُ» ليسَتْ للتفضيل، بل هي صفةٌ بمعنى هَيِّن، كقولهم: اللَّهُ أكبرُ [أي] : الكبير. والظاهرُ عَوْدُ الضمير في «عليه» على الباري تعالى ليُوافِقَ الضميرَ في قوله: ﴿وَلَهُ المثل الأعلى﴾ . قال الزمخشري: «فإن قلتَ: لِمَ أُخِّرَتِ الصلةُ في قوله ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وقُدِّمَتْ في قولِه ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ ؟ قلت: هنالك قُصِدَ الاختصاصُ، وهو مَحَزُّه فقيلِ: هو عليَّ هيِّنٌ وإن كان مُسْتَصعباً عندك أن يُوْلَدَ بين هِمٍّ وعاقِر، وأمَّا هنا فلا معنى للاختصاص. كيف والأمرُ مبنيٌّ على ما يعقلون من أنَّ الإِعادةَ أسهلُ من الابتداء؟ فلو قُدِّمَت الصلة لَتَغيَّر المعنى» . قال الشيخ: «ومبنى كلامِه على أنَّ التقديمَ يُفيد الاختصاصَ وقد تكلَّمْنا معه ولم نُسَلِّمه» . قلت: الصحيحُ أنه يُفيده، وقد تقدَّم جميعُ ذلك. قوله: ﴿وَلَهُ المثل الأعلى﴾ يجوز أَنْ يكونَ مرتبطاً بما قبلَه، وهو قولُه: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: قد ضَرَبه لكم مَثَلاً فيما يَسْهُل وفيما يَصْعُبُ. وإليه نحا الزجَّاج أو بما بعدَه مِنْ قولِه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] وقيل: المَثَلُ: الوصفُ. «وفي السماوات» يجوز أَنْ يتعلَّق بالأَعْلى أي: إنه علا في

стр. 7625

هاتين الجهتين، ويجوز أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِن الأعلى، أو مِن المَثَل، أو مِن الضمير في «الأَعْلى» فإنه يعودُ على المَثَل. قوله: «مِنْ أَنْفُسكم» «مِنْ» لابتداء الغاية في موضع الصفةِ ل مَثَلاً أي: أَخَذَ مثلاً، وانتزعه مِنْ أقربِ شيءٍ منكم هو أنفسكُم.

стр. 7626

قوله: ﴿هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ﴾ : «مِنْ شركاء» مبتدأٌ، و «مِنْ» مزيدةٌ فيه لوجودِ شرطَيْ الزيادة. وفي خبره وجهان، أحدهما: الجارُّ الأولُ وهو «لكم» و ﴿مِّن مَّا مَلَكَتْ﴾ : يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ «شركاءَ» لأنه في الأصل نعتُ نكرةٍ، قُدِّم عليها. والعاملُ فيه العاملُ في هذا الجارِّ الواقع خبراً. والخبرُ مقدرٌ بعد المبتدأ، و ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ متعلِّقٌ بشركاء. [وما في «ممَّا» بمعنى النوع] تقديرُ ذلك كلِّه: هل شركاءُ فيما رَزَقْناكم كائنون مِن النوع الذي مَلَكَتْه أَيْمانُكم مستقِرُّون لكم. فكائنون هو الوصفُ المتعلِّقُ به «ممَّا مَلَكَتْ» ولَمَّا تقدَّم صار حالاً، و «مستقرُّون» هو الخبرُ الذي تعلَّق به «لكم» . والثاني: أنَّ الخبرَ «مِمَّا مَلَكَتْ» و «لكم» متعلِّقٌ بما تَعَلَق به الخبرُ، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ «شركاء» أو بنفس «شركاء» كقولك: «لك في الدنيا مُحِبٌّ» ف «لك» متعلقٌ ب مُحِبّ. و «في الدنيا» هو الخبرُ. قوله: ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ﴾ هذه الجملةُ جوابُ الاستفهامِ الذي بمعنى النفي، و «فيه» متعلِّقٌ ب «سَواء» . قوله: «تَخافونهم» فيه وجهان، أحدهما: أنها خبرٌ ثانٍ ل أنتم. تقديرُه:

стр. 7627

فأنتم مُسْتَوُوْن معهم فيما رَزَقْناكم، خائفوهم كخَوْفِ بعضِكم بعضاً أيها السادة. والمرادُ نَفْيُ الأشياء الثلاثة أعني الشِّرْكةَ والاستواءَ مع العبيد وخوفَهم إياهم. وليس المرادُ ثبوتَ الشركة ونَفْيَ الاستواءِ والخوفِ، كما هو أحدُ الوجهين في قولك: «ما تأتينا فتحدِّثَنا» بمعنى: ما تأتينا مُحدِّثاً بل تأتينا ولا تحدثنا، بل المرادُ نفيُ الجميع كما تقدَّم. وقال أبو البقاء: ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ﴾ الجملةُ في موضع نصبٍ على جوابِ الاستفهامِ أي: «هل لكم فَتَسْتَوُوا» انتهى. وفيه نظرٌ؛ كيف جَعَل جملةً اسمية حالَّةً محلَّ جملةٍ فعلية، ويَحْكمُ على موضع الاسمية بالنصب بإضمارِ ناصبٍ؟ هذا ما لا يجوزُ ولو أنه فَسَّر المعنى وقال: إنَّ الفعلَ لو حَلَّ بعدَ الفاءِ لكان منصوباً بإضمار «أن» لكان صحيحاً. ولا بُدَّ أَنْ يُبَيَّنَ أيضاً أنَّ النصبَ على المعنى الذي قَدَّمْتُه مِنْ نَفْيِ الأشياءِ الثلاثة. والوجه الثاني: أنَّ «تخافونهم» في محلِّ نصبٍ على الحال من ضمير الفاعل/ في «سَواء» أي: فتساوَوْا خائِفاً بعضُكم بعضاً مشاركتَه له في المال. أي: إذا لم تَرْضَوا أن يشارِكَكم عبيدُكم في المال فكيف تُشرِكون بالله مَنْ هو مصنوعٌ له؟ قاله أبو البقاء. وقال الرازي معنى حسناً، وهو: «أنَّ بين المَثَلِ والمُمَثَّلِ به مشابهةً ومخالفةً. فالمشابهةُ معلومةٌ، والمخالفةُ مِنْ وجوه: قوله: «مِنْ أنفسكم» أي: مِنْ نَسْلِكم مع حقارةِ الأنفس ونَقْصِها وعَجْزِها، وقاسَ نفسَه عليكم مع جلالتِها وعظمتِها وقُدْرَتِها. قوله: ﴿مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: عبيدِكم والمِلْكُ طارئ

стр. 7628

قابلٌ للنقلِ بالبيع وللزوالِ بالعِتْقِ، ومملوكُه تعالى لا خروجَ له عن المِلْكِ، فإذا لم يَجُزْ أَنْ يُشْرِكَكم مملوكُكُم، وهو مِثْلُكم إذا تحرَّرَ مِنْ جميعِ الوجوهِ، ومثلُكم في الآدميَّةِ حالةَ الرِّق فكيف يُشْرَكُ باللَّهِ تعالى مملوكُه مِنْ جميع الوجوهِ، المباينُ له بالكلية؟ وقوله: «فيما رَزَقْنَاكم» يعني أنه ليس لكم في الحقيقة، إنما هو لله تعالى ومَنْ رَزَقه حقيقةً. فإذا لم يَجُزْ أَنْ يَشْرَكَكم فيما هو لكم، من حيث الاسمُ، فكيف يكون له تعالى شريكٌ فيما له من جهة الحقيقة؟ «انتهى وإنما ذكرْتُ هذا المعنى مَبْسوطاً لأنَّه مبيِّنٌ لِما ذكرته مِنْ وجوهِ الإِعراب. وقوله:» كَخِيْفَتِكم «أي: خِيْفَةً مثلَ خِيْفتكم. والعامَّةُ على نصب» أنفسَكم «لأنَّ المصدرَ مضافٌ لفاعلِه. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على إضافةِ المصدرِ لمفعولِه. واستقبح بعضُهم هذا إذا وُجِد الفاعلُ. وقال بعضُهم: ليس بقبيحٍ بل يجوزُ إضافتُه إلى كلٍ منهما إذا وُجدا. وأنشد: ٣٦٤٩ - أَفْنَى تِلادي وما جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ القواريزِ أفواهَ الأباريقِ بنصب» الأفواه «ورَفْعِها. قوله:» كذلك نُفَصِّل «أي: مثلَ ذلك التفصيلِ البيِّنِ نُفَصِّل. وقرأ

стр. 7629

أبو عمرو في رواية» يُفَصِّلُ «بياء الغيبة رَدًّا على قوله:» ضَرَبَ لكم «. والباقون بالتكلم رَدًّا على قوله:» رَزَقْناكم «.

стр. 7630

قوله: ﴿حَنِيفاً﴾ : حالٌ مِنْ فاعل «أَقِمْ» أو مِنْ مفعولِه أو مِن «الدِّين» . قوله: «فِطْرَةَ الله» فيه وجهان، أحدهما: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمونِ الجملة كقوله: ﴿صِبْغَةَ الله﴾ [البقرة: ١٣٨] و ﴿صُنْعَ الله﴾ [النمل: ٨٨] . والثاني: أنه منصوبٌ بإضمارِ فِعْل. قال الزمخشري: «أي: الزموا فطرةَ الله، وإنما أَضْمَرْتُه عَلَى خطابِ الجماعة لقولِه:» مُنِيبيْن إليه «. وهو حالٌ من الضمير في» الزَموا «. وقولُه:» واتَّقوه، وأقيموا، ولا تكونوا «معطوفٌ على هذا المضمر» . ثم قال: «أو عليكم فطرةَ» . ورَدَّه الشيخُ: «بأنَّ كلمةَ الإِغراءِ لا تُضْمَرُ؛ إذ هي عِوَضٌ عن الفعلِ، فلو حَذَفْتَها لَزِمَ حَذْفُ العِوَضِ والمُعَوَّضِ منه. وهو إحجافٌ» . قلت: هذا رأيُ البصريين. وأمَّا الكسائيُّ وأتباعُه فيُجيزون ذلك.

стр. 7631

قوله: ﴿مُنِيبِينَ﴾ : حالٌ مِنْ فاعل «الزموا» المضمرِ كما تقدَّم، أو مِنْ فاعل «أَقِمْ» على المعنى؛ لأنَّه ليس يُرادُ به واحدٌ بعينِه، إنما المرادُ الجميعُ. وقيل: حالٌ من الناس إذا أُريد بهم المؤمنون. وقال الزجَّاج: «بعد قوله: وَجْهَكَ» معطوفٌ محذوف تقديره: فأقمْ وجهَك وأمتك. فالحالُ من الجميع. وجاز حَذْفُ المعطوفِ لدلالةِ «مُنيبين» عليه كما جاز حَذْفُه

стр. 7632

في قوله: ﴿ياأيها النبي﴾ [الطلاق: ١] أي: والناسُ لدلالة ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ عليه. كذا زعم الزجَّاج في ﴿ياأيها النبي﴾ . وقيل: على خبرِ كان أي: كونوا مُنِيبين؛ لدلالة قوله: «ولا تكونوا» .

стр. 7633

قوله: ﴿فَرِحُونَ﴾ : الظاهر أنَّه خبرُ «كلُّ حِزْب» وجَوَّزَ الزمخشريُّ أَنْ يرتفعَ صفةً ل «كل» قال: «ويجوز أن يكونَ» من الذين «منقطعاً مَمَّا قبله. ومعناه: من المفارقين دينَهم كلُّ حزب فَرِحين بما لديهم، ولكنه رَفَع فرحين وصفاً ل» كل «كقولِه: ٣٦٥٠ - وكلُّ خليلٍ غيرُ هاضمِ نَفْسِه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الشيخ:» قَدَّر أولاً «فرحين» مجروراً صفةً ل حِزْب ثم قال: ولكنه رُفِع على الوصف ل «كل» لأنك إذا قلتَ: «مِنْ قومِك كلُّ رجلٍ صالح» جاز في «صالح» الخفضُ نعتاً لرجل وهو الأكثر، كقوله: ٣٦٥١ - جادَتْ عليه كلُّ عينٍ ثَرَّةٍ ... فَتَرَكْنَ كلَّ حديقةٍ كالدِّرْهمِ وجاز الرفعُ نعتاً ل «كل» كقوله:

стр. 7634

٣٦٥٢ - وَلِهَتْ عليه كلُّ مُعْصِفَةٍ ... هَوْجاءُ ليس لِلُبِّها زَبْرُ برفع «هوجاء» صفةً ل «كل» . انتهى. وهو تقريرٌ حسنٌ.

стр. 7635

قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ﴾ : هذه «إذا» الفجائيةُ وقعَتْ جوابَ الشرطِ لأنها كالفاء في أنها للتعقيبِ، ولا تقع أولَ/ كلامٍ، وقد تجامِعُها الفاءُ زائدةً.
следующие страницы →