Полный текст (10 772 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.
стр. 7841
قوله: ﴿وَمَا يَنزِلُ﴾ : العامَّةُ على «يَنْزِلُ» مفتوحَ الياءِ، مخففَ الزاي مُسنَداً إلى ضميرِ «ما» . وعلي ﵁ والسلمي بضمِّها وتشديد الزاي أي الله تعالى.
стр. 7842
قوله: ﴿بلى﴾ : جوابٌ لقولِهم «لا تَأْتينا» وما بعده قسمٌ على ذلك. وقرأ العامَّةُ «لَتَأْتِيَنَّكم» بالتأنيث. وطلق بالياء فقيل: أي: البعثُ.
стр. 7843
وقيل: هي على معنى الساعة، أي: اليوم. قاله الزمخشري. ورَدَّه الشيخ بأنه ضرورةٌ، كقوله:
٣٧١٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا أَرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها
وليس مثلَه. وقيل: أي الله بمعنى أمْرُه. ويجوز على قياسِ هذا الوجهِ أَنْ يكونَ «عالمُ» فاعلاً ل «يَأْتَيَنَّكم» في قراءةِ مَنْ رفعه.
قوله: «عالم» قرأ الأخَوان «عَلاّم» على صيغة المبالغة وخفضِه نعتاً ل رَبِّي «أو بدلاً منه وهو قليلٌ لكونِه مشتقاً. ونافع وابن عامر» عالمُ «بالرفع على هو عالم أو على أنه مبتدأٌ، وخبره» لا يَعْزُب «أو على أنَّ خبرَه مضمرٌ أي هو. ذكره الحوفي. وفيه بُعْد. والباقون» عالم «بالخفض على ما تقدَّم. وإذا جُعِل نعتاً فلا بُدَّ مِنْ تقدير تعريفِه. وقد تقدَّم أنَّ كلَّ صفةٍ يجوزُ أن تتعرَّفَ بالإِضافةِ إلاَّ الصفةَ المشبهةَ. وتقدَّمتْ قراءتا» يَعْزُب «في سورةِ يونس.
قوله:» ولا أَصْغَرُ «العامَّةُ على رفعِ» أصغر «و» أكبر «. وفيه وجهان، أحدُهما: الابتداء، والخبرُ ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ . والثاني: النسقُ على» مثقالُ «وعلى
стр. 7844
هذا فيكونُ ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ تأكيداً للنفيِ في» لا يَعْزُبُ «كأنه قال: لكنه في كتاب مُبين.
وقرأ قتادةُ والأعمش، ورُوِيَتْ عن أبي عمرو ونافع أيضاً، بفتح الراءَيْن. وفيهما وجهان، أحدهما: أنها» لا «التبرئةُ بُني اسمُها معها. والخبرُ قولُه: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ . الثاني: النسقُ على» ذَرَّةٍ «. وتقدَّم في يونس أنَّ حمزةَ قرأ بفتح راءِ» أصغر «و» أكبر «وهنا وافقَ على الرفع. وتقدَّم البحثُ هناك مُشْبَعاً. قال الزمخشري:» فإن قلتَ: هَلاَّ جاز عطفُ «ولا أصغرُ» على «مثقال» ، وعطف «ولا أكبرَ» على «ذَرَّة» . قلت: يَأْبَى ذلك حرفُ الاستثناءِ إلاَّ إذا جَعَلْتَ الضميرَ في «عنه» للغيبِ، وجَعَلْتَ «الغيب» اسماً للخَفِيَّات قبل أنْ تُكتبَ في اللَّوْح؛ لأنَّ إثباتَها في اللوحِ نوعٌ من البروزِ عن الحجاب على معنى: أنه لا يَنْفَصِلُ عن الغيب شيءٌ ولا يَزِلُّ عنه/ إلاَّ مَسْطوراً في اللوح «. قال الشيخ:» ولا يُحتاجُ إلى هذا التأويلِ إذا جَعَلْنا الكتابَ ليس اللوحَ المحفوظ «.
وقرأ زيد بن علي بخفض راءَيْ» أصغر «و» أكبر «وهي مُشْكلةٌ جداً. وخُرِّجَتْ على أنهما في نية الإِضافة؛ إذ الأصلُ: ولا أصغرِه ولا أكبره، وما
стр. 7845
لا ينصرف إذا أُضيفَ انْجَرَّ في موضعِ الجرِّ، ثم حُذِفَ المضافُ إليه ونُوي معناه فَتُرِك المضَافُ بحالِه، وله نظائرُ كقولهم:
٣٧١١ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... بين ذراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ
و [قوله:]
٣٧١٢ - يا تَيْمَ عَدِيٍّ. . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على خلافٍ. وقد يُفَرَّقُ: بأن هناك ما يَدُلُّ على المحذوفِ لفظاً بخلاف هنا. وقد رَدَّ بعضُهم هذا التخريجَ لوجود «مِنْ» ؛ لأنَّ أفعلَ متى أُضيف لم يجامِعْ «مِنْ» . وأُجيب عن ذلك بوجهين، أحدهما: أنَّ «مِنْ» ليسَتْ متعلقةً ب أَفْعَل؛ بل بمحذوفٍ على سبيل البيانِ لأنه لَمَّا حُذِفَ المضافُ إليه انبهم المضافُ فتبَيَّن ب «مِنْ» ومجرورِها أي: أعني من ذلك. والثاني: أنَّه مع تقديرِه للمضافِ إليه نُوي طَرْحُه، فلذلك أُتي ب «مِنْ» . ويدلُّ على ذلك أنه قد وَرَدَ التصريحُ بالإِضافةِ مع وجود «مِنْ» قال الشاعر:
стр. 7846
٣٧١٣ - نحن بغَرْسِ الوَدَي أَعْلَمُنا ... مِنَّا بركضِ الجيادِ في السُّدَفِ
وخُرِّجَ على هذين الوجهين: إمَّا التعلُّقِ بمحذوفٍ، وإمَّا نيةِ اطِّراحِ المضاف إليه. قلت: وهذا كما احتاجوا إلى تأويل الجمع بين أل ومِنْ في أفعلَ كقوله:
٣٧١٤ - ولستُ بالأكثرِ منهم حَصَىً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذه توجيهاتُ شذوذٍ، لا يُطْلَبُ فيها أكثرُ مِنْ ذلك فلْيُقْنَعْ بمثله.
стр. 7847
قوله: ﴿لِّيَجْزِيَ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه متعلِّقٌ ب لا يَعْزُب. وقال أبو البقاء: «يتعلَّقُ بمعنى لا يَعْزُب، أي يُحْصي ذلك ليَجزيَ» وهو حسنٌ، أو بقوله: «لتَأْتِيَنَّكم» أو بالعاملِ في قوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ أي: إلاَّ استقرَّ ذلك في كتاب مبينٍ ليجْزِيَ. وتقدم في الحج قراءتا «مُعاجزين» .
стр. 7848
قوله: ﴿أَلِيمٌ﴾ : قرأ ابن كثير وحفص هنا، وفي الجاثية، «أليمٌ» بالرفع. والباقون بالخفض. فالرفعُ على أنه نعتٌ ل «عذاب»
стр. 7849
والخفضُ على أنه نعتٌ ل «رِجْز» إلاَّ أن مكيَّاً ضَعَّفَ قراءةَ الرفعِ واستبعدها قال: «لأنَّ الرِّجْزَ هو العذابُ فيصير التقديرُ: عذابٌ أليمٌ مِنْ عذاب، وهذا معنى غيرُ متَمكِّنٍ» . قال: «والاختيارُ خفضُ» أليم «لأنه أصَحُّ في التقدير والمعنى؛ إذ تقديرُه: لهم عذاب مِنْ عذاب أليم، أي: هذا الصنفُ مِنْ أصنافِ العذابِ لأنَّ العذابَ بعضُه آلمُ مِنْ بعض» . قلت: وقد أُجيبَ عَمَّا قاله مكيٌّ: بأنَّ الرِّجْزَ مُطلق العذاب، فكأنه قيل لهم: هذا الصنفُ من العذابِ من جنسِ العذاب. وكأن أبا البقاءِ لَحَظَ هذا حيث قال: «وبالرفعِ صفةً ل عذاب، والرِّجْزُ مُطْلَقُ العذابِ» .
قوله: «والذين سَعَوْا» يجوز فيه وجهان، أظهرهما: أنها مبتدأٌ و «أولئك» وما بعده خبرُه. والثاني: أنه عطفٌ على الذين قبلَه أي: ويَجْزي الذين سَعَوْا، ويكون «أولئك» الذي بعده مستأنفاً، و «أولئك» الذي قبله وما في حَيِّزه معترضاً بين المتعاطفَيْن.
стр. 7850
قوله: ﴿وَيَرَى الذين أُوتُواْ العلم﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنه عطفٌ على «ليَجْزِيَ» قال الزمخشري: «أي: وليعلمَ الذين أُوتُوا العِلْمَ عند مجيءِ الساعة» . قلت: إنما قَيَّده بقولِه: «عند مجيءِ السَّاعةِ» لأنه عَلَّق «ليجزيَ» بقوله: «لتأتينَّكم» ؛ فبنى هذا عليه، وهو من أحسنِ ترتيب. والثاني: أنه مستأنَفٌ أخبر عنهم بذلك، و «الذي أُنْزِلَ» هو المفعول الأولُ و «هو» فصلٌ و «الحقَّ» مفعولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الرؤيةَ عِْلمية.
стр. 7851
وقرأ ابن أبي عبلة «الحقُ» بالرفع على أنه خبرُ «هو» . والجملةُ في موضعِ المفعول الثاني وهو لغةُ تميمٍ، يجعلون ما هو فصلٌ مبتدأً، و «مِنْ رَبِّك» حالٌ على القراءتين.
قوله: «ويَهْدِي» فيه أوجهٌ، أحدها: أنه مستأنفٌ. وفي فاعله احتمالان، أظهرهما: أنه ضميرُ الذي أُنْزِل. والثاني: ضميرُ اسمِ الله ويَقْلَقُ هذا لقولِه إلى صراط العزيز؛ إذ لو كان كذلك لقيل: إلى صراطه. ويُجاب: بأنه مِنْ الالتفاتِ، ومِنْ إبرازِ المضمر ظاهراً تنبيهاً على وَصْفِه بها بين الصفتين.
الثاني من الأوجه المتقدمة: أنه معطوفٌ/ على موضع «الحقَّ» و «أَنْ» معه مضمرةٌ تقديره: هو الحقَّ والهداية.
الثالث: أنه عطفٌ على «الحق» عطفُ فعلٍ على اسم لأنه في تأويلِه كقوله تعالى: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أي: وقابضاتٍ، كما عُطِفَ الاسمُ على الفعلِ لأن الفعلَ بمعناه.
كقول الشاعر:
٣٧١٥ - فأَلْفَيْتُه يوماً يُبير عدوَّه ... وبحرَ عطاءٍ يستخِفُّ المعابرا
كأنه قيل: ولِيَروْه الحقَّ وهادياً.
الرابع: أنَّ «ويَهْدي» حالٌ من «الذي أُنْزِل» ، ولا بُدَّ من إضمارِ مبتدأ أي: وهو يَهْدي نحو:
٣٧١٦ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ...
стр. 7852
نَجَوْتُ وأَرْهَنُهُمْ مالِكا
وهو قليلٌ جداً.
стр. 7853
قوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ : «إذا» منصوبٌ بمقدرٍ أي: تُبْعَثون وتُجْزَوْن وقتَ تمزيقكم لدلالةِ ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ عليه.
ولا يجوز أن يكونَ العاملُ «يُنَبِّئكم» لأن التنبئةَ لم تقعْ ذلك الوقتَ. ولا «خَلْقٍ جديدٍ» لأنَّ ما بعد «إنَّ» لا يعمل فيما قبلها. ومَنْ تَوَسَّعَ في الظرف أجازه. هذا إذا جَعَلْنا «إذا» ظرفاً مَحْضاً. فإنْ جَعَلْناه شرطاً كان جوابُها مقدراً أي: تُبْعَثون، وهو العاملُ في «إذا» عند جمهور النحاة.
وجَوَّز الزجَّاج والنحاس أن يكون معمولاً ل «مُزِّقْتُمْ» . وجعله ابنُ عطية خطأً وإفساداً للمعنى. قال الشيخ: «وليس بخطأ ولا إفسادٍ. وقد اخْتُلف في العامل في» إذا «الشرطية، وبَيَّنَّا في» شرح التسهيل «أنَّ الصحيحَ أنَّ العامَل فيها فعلُ الشرط كأخواتِها من أسماء الشرط» . قلت: لكنَّ الجمهورَ على خلافِه. ثم قال الشيخ: «والجملةُ الشرطيةُ يُحتمل أَنْ تكونَ معمولة ل» يُنَبِّئُكم «لأنه في معنى: يقول لكم إذا مُزِّقْتُمْ: تُبْعَثُون. ثم أكَّد ذلك بقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . ويُحتمل أن يكون ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ﴾ مُعلِّقاً ل» يُنَبِّئكم «سادًّا مَسَدَّ
стр. 7854
المفعولين، ولولا اللام لفُتِحَتْ» إنَّ «وعلى هذا فجملةُ الشرطِ اعتراضٌ. وقد منع قومٌ التعليقَ في» أعلم «وبابِها، والصحيحُ جوازُه. قال:
٣٧١٧ - حَذارِ فقد نُبِّئْتُ إنكَ لَلَّذيْ ... سَتُجْزَى بما تَسْعَى فتسعدَ أو تَشْقَى
وقرأ زيد بن علي بإبدالِ الهمزةِ ياءً. وعنه» يُنْبِئُكم «من أَنْبأ كأكرم.
ومُمَزَّقٌ فيه وجهان، أحدهما: أنه اسمُ مصدرٍ، وهو قياسُ كلِّ ما زاد على الثلاثة أي: يجيءُ مصدرُه وزمانُه ومكانُه على زِنَةِ اسم مفعولِه أي: كلَّ تمزيق. والثاني: أنه ظرفُ مكانٍ. قاله الزمخشري، أي: كلَّ مكانِ تمزيقٍ من القبورِ وبطون الوَحْشِ والطير. ومِنْ مجيءِ مُفَعَّل مجيءَ التفعيلِ قوله:
٣٧١٨ - ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القوافِيْ ... فلا عِيَّاً بهنَّ ولا اجْتِلابا
أي: تَسْريحي. والتَّمْزِيق: التخريقُ والتقطيع. يُقال: ثوب مُمَزَّق ومَمْزوق. ويُقال: مَزَقه فهو مازِقٌ ومَزِقٌ أيضاً. قال:
стр. 7855
٣٧١٩ - أتاني أنهم مَزِقُون عِرْضِيْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الممزق العبدي - وبه سُمِّي المُمَزَّق:
٣٧٢٠ - فإنْ كنتُ مأكولاً فكن خيرَ آكلٍ ... وإلاَّ فأدْرِكْني ولَمَّا أُمَزَّقِ
أي: ولما أُبْلَ وأُفْنَ.
و» جديد «عند البصريين بمعنى فاعِل يقال: جَدَّ الشيءُ فهو جادُّ وجديد، وعند الكوفيين بمعنى مفعول مِنْ جَدَدْتُه أي: قَطَعْتُه.
стр. 7856
قوله: ﴿أفترى﴾ : هذه همزةُ استفهامٍ. وحُذِفَتْ لأجلها همزةُ الوصل، فلذلك تَثْبُتُ هذه الهمزةُ وصلاً وابتداءً. وبهذه الآيةِ استدلَّ الجاحظُ على أنَّ الكلامَ ثلاثةُ أقسامٍ: صدقٍ، كذبٍ، لا صدقٍ ولا كذبٍ. ووَجْهُ الدلالةِ منه على القسمِ الثالث أنَّ قولَه: ﴿أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ لا جائزٌ أن يكون كذباً لأنه قسيمُ الكذبِ، وقسيمُ الشَيءِ غيرُه، ولا جائزٌ أن يكون صِدْقاً لأنهم لم يعتقدوه، فثبت قسمٌ ثالث. وقد أجيب عنه بأن المعنى: أم لم يَفْتَرِ. ولكن عَبَّر عن هذا بقولهم ﴿أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ لأن المجنونَ لا افتراءَ له.
والظاهرُ في «أم» هذه متصلةٌ؛ لأنها تتقدَّرُ بأي الشيئين. ويجابُ بأحدِهما، كأنه قيل: أيُّ الشيئين واقعٌ: افتراؤه الكذبَ أم كونُه مجنوناً؟
стр. 7857
ولا يَضُرُّكونُها بعدها جملةٌ؛ لأنَّ الجملةَ بتأويلِ المفردِ كقوله: /
٣٧٢١ - لا أُبالي أَنَبَّ بالحَزْنِ تَيْسٌ ... أم جفاني بظهرِ غَيْبٍ لئيمُ
ومثلُه قولُ الآخر:
٣٧٢٢ - لَعَمْرُك ما أدْري وإنْ كنتُ دارياً ... شُعَيْثُ ابن سَهْمٍ أم شُعَيْثُ ابنُ منقرِ
«ابن منقر» خبرٌ، لا نعت. كذا أنشده بعضُهم مستشهداً على أنها جملةٌ، وفيه حَذْفُ التنوين مِمَّا قبل «ابن» وليس بصفةٍ. وقد عَرَفْتَ ما أَشَرْتُ إليه هنا من سورة التوبة.
стр. 7858
قوله: ﴿أَفَلَمْ﴾ : فيه الرأيان المشهوران: قدَّره الزمخشري: أعَمُوْا فلم يَرَوْا، وغيرُه يَدَّعِي أن الهمزةَ مقدَّمةٌ على حرفِ العطف.
قوله «من السماء» بيانٌ للموصولِ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ. ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً فتتعلَّقَ به أيضاً. قيل: وثَمَّ حالٌ محذوفةٌ تقديرُه: أفلم يَرَوْا إلى كذا مقهوراً تحت قدرتِنا أو مُحيطاً بهم. ثم قال: إنْ نَشَأْ.
قوله: «إنْ نَشَأْ» قرأ الأخَوان «يَشَأْ» يَخْسِفْ، يُسْقِطْ، بالياء في
стр. 7859
الثلاثة. والباقون بنون العظمة فيها، وهما واضحتان. وأدغم الكسائيُّ الفاءَ في الباء، واستضعفها الناسُ من حيث أدغم الأَقْوى في الأضعفِ. قال الفارسي: «وذلك لا يجوز؛ لأنَّ الباءَ أضعفُ في الصوت من الفاءِ فلا تُدْغم فيها، وإنْ كانت الباءُ تُدْغم فيها نحو:» اضربْ فلاناً «كما تُدْغَمُ الباءُ في الميم كقولك: اضربْ مالِكاً، وإن كانت الميمُ لا تُدْغَمُ في الباءَ نحو:» اضمُمْ بكراً «؛ لأنَّ الباءَ انحطَّتْ عن الميم بفَقْد الغُنَّة» . وقال الزمخشري: «وليست بالقويةِ» ، وهذا لا ينبغي لأنها تواتَرَتْ.
قوله: «يا جِبالُ» مَحْكِيٌّ بقولٍ مُضْمَرٍ. ثم إنْ شِئْتَ قَدَّرْتَه مصدراً. ويكونُ بدلاً مِنْ «فَضْلاً» على جهةِ تفسيرِه به كأنه قيلَ: آتَيْناه فَضْلاً قولَنا: يا جبالُ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَه فِعْلاً. وحينئذٍ لك وجهان: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَه بدلاً مِنْ «آتَيْنا» وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَه مستأنفاً.
قوله: «أَوِّبِيْ» العامَّةُ على فتحِ الهمزةِ وتشديدِ الواوِ، أمراً من التَّأْوِيْب وهو التَّرجِيْع. وقيل: التسبيحُ بلغةِ الحبشة. والتضعيفُ يحتملُ أَنْ يكونَ للتكثيرِ. واختار الشيخ أَنْ يكونَ للتعدِّي. قال: «لأنهم فَسَّروه ب رَجِّعي معه التسبيحَ» . ولا دليلَ؛ لأنه تفسيرُ معنى. وقرأ ابنُ عباس والحسنُ
стр. 7860
وقتادة وابن أبي إسحاق «أُوْبي» بضمِّ الهمزةِ وسكونِ الواو أمراً مِنْ آب يَؤُوْبُ أي: ارْجِعي معه بالتسبيح.
قوله: «والطيرَ» العامَّةُ على نصبِه وفيه أوجهٌ، أحدها: أنه عطفٌ على محلِّ «جبالُ» لأنَّه منصوبٌ تقديراً. الثاني: أنه مفعولٌ معه. قاله الزجاج. ورُدَّ عليه: بأنَّ قبلَه لفظةَ «معه» ولا يَقْتَضي العاملُ أكثرَ مِنْ مفعولٍ معه واحدٍ، إلاَّ بالبدلِ أو العطفِ لا يُقال: «جاء زيدٌ مع بكرٍ مع عمروٍ» . قلت: وخلافُهم في تقضية حالَيْنِ يَقْتضي مجيئَه هنا. الثالث: أنه عطفٌ على «فضْلاً» قاله الكسائيُّ. ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: آتيناه فضلاً وتسبيحَ الطيرِ. الرابع: أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ أي: وسَخَّرْنا له الطيرَ، قاله أبو عمروٍ.
وقرأ السُّلَمِيُّ والأعرج ويعقوب وأبو نوفل وأبو يحيى وعاصم في رواية «والطيرُ» بالرفع. وفيه أوجهٌ: النسقُ على لفظ قوله: «جبالُ» . وأُنْشِد قولُه:
٣٧٢٣ - ألا يا زيدُ والضَّحاكُ سِيْرا ... فقد جاوَزْتُما خَمَرَ الطريقِ
بالوجهين. وفي عَطْفِ المعرَّفِ بأل على المنادى المضمومِ ثلاثةُ مذاهبَ. الثاني: عطفُه على الضميرِ المستكنِّ في «أوِّبي» . وجاز ذلك
стр. 7861
للفَصْل بالظرفِ. والثالث: الرفعُ على الابتداءِ، والخبرُ مضمرٌ. أي: والجبالُ كذلك أي: مُؤَوَّبَةٌ.
قوله: «وألَنَّا» عطف على «آتَيْنا» ، وهو من جملةِ الفَضْلِ.
стр. 7862
قوله: ﴿أَنِ اعمل﴾ : فيها وجهان، أظهرهما: أنها مصدريةٌ على حَذْفِ الحرفِ أي: لأن. والثاني قاله الحوفي وغيره أنها مُفَسِّرةٌ. ورُدَّ هذا: بأنَّ شَرْطَها تقدُّمُ ما هو بمعنى القولِ ولم يتقدَّمْ إلاَّ «أَلَنَّا» . واعتذر بعضُهم عن هذا: بأنْ قَدَّر ما هو بمعنى القولِ أي: وأَمَرْناه أَنِ اعْمَلْ ولا ضرورةَ تدعو إلى ذلك.
وقُرِئ «صابغاتٍ» لأجلِ الغينِ. وتقدَّم تقريرُه في لقمان عند «وأَسْبَغَ» .
стр. 7863
قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح﴾ : العامَّةُ على النصبِ بإضمارِ فعلٍ أي: وسَخَّرْنا لسليمانَ. / وأبو بكرٍ بالرفعِ على الابتداءِ، والخبرُ في الجارِّ قبلَه أو محذوفٌ. وجَوَّز أبو البقاء أَنْ يكونَ فاعلاً، يعني بالجارِّ، وليس بقويِّ لعدمِ اعتمادِه. وكان قد وافقه في الأنبياء غيرُه.
стр. 7864
وقرأ العامَّةُ «الريحَ» بالإِفراد. والحسن وأبو حيوةَ وخالد بن إلياس «الرياحَ» جمعاً. وتقدَّم في الأنبياء أنَّ الحسنَ يقرأُ مع ذلك بالنصبِ، وهنا لم يُنْقَلْ له ذلك.
قوله: «غُدُوُّها شَهْرٌ» مبتدأ وخبر. ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ أي: غُدُوُّها مَسيرةَ شهرٍ أو مقدارُ غدوِّها شهرٌ. ولو نُصِب لجازَ، إلاَّ أنَّه لم يُقْرَأ به فيما علمْتُ.
وقرأ ابنُ أبي عبلةَ «غَدْوَتُها ورَوْحَتُها» على المَرَّةِ. والجملةُ: إمَّا مستأنفةٌ، وإمَّا في محلِّ الحال.
قوله: «مَنْ يَعْمَلُ» يجوزُ أَنْ يكونَ مرفوعاً بالابتداء. وخبرُه في الجارِّ قبلَه أي: من الجنِّ مَنْ يعملُ، وأنْ يكونَ في موضعِ نصبٍ بفعلٍ مقدرٍ أي: وسَخَّرْنا له مَنْ يعملُ. و «من الجنّ» يتعلقُ بهذا المقدرِ أو بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ أو بيانٌ. و «بإذن» حالٌ أي: مُيَسَّراً بإذنِ ربِّه. والإِذْنُ: مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه. وقُرِئ «ومَنْ يُزِغْ» بضمِّ الياءِ مِنْ أزاغَ، ومفعولُه محذوفٌ أي: ومَنْ يُزغْ نفسَه أي: يُميلُها. و «مِنْ عذاب» : «مِنْ» لابتداء الغاية أو للتبعيض.
стр. 7865
و: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ﴾ : مُفَسِّرٌ لقولِه «مَنْ يعمل» . و «مِنْ مَحاريب» بيانٌ لِما يَشاء.
قوله: «كالجوابِ» قرأ ابنُ كثير بإثباتِ ياء «الجوابي» وصلاً ووقفاً.
стр. 7866
وأبو عمروٍ وورشٌ بإثباتِها وَصْلاً، وحَذْفِها وقفاً. والباقون بحَذْفِها في الحالَيْن. و «كالجواب» صفةٌ ل «جِفان» . والجِفانُ: جمعُ جَفْنَة. والجوابي: جمع جابِيَة كضارِبة وضوارِب. والجابيةُ: الحَوْضُ العظيم سُمِّيَتْ بذلك لأنه يُجْبى إليها الماءُ. وإسنادُ الفعلِ إليها مَجازٌ؛ لأنه يُجْبَى فيها كما قيل: خابِية لِما يُخَبَّأُ فيها. قال الشاعر:
٣٧٢٤ - بجِفانٍ تَعْتَرِي نادِيَنا ... مِنْ سَدِيْفٍ حين هاجَ الصِّنَّبِرْ
كالجوابي لاتِني مُتْرَعَةً ... لِقِرى الأضيافِ أو للمحتضِرْ
وقال الأعشى:
٣٧٢٥ - نَفَى الذَّمَّ عن آلِ المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ ... كجابِيَةِ السَّيْحِ العِراقيِّ تَفْهَقُ
وقال الأفوه:
٣٧٢٦ - وقُدُوْرٍ كالرُّبا راسِيَةٍ ... وجِفانٍ كالجَوابي مُتْرَعَهْ
стр. 7867
قوله: «شُكْراً» يجوز فيه أوجهٌ، أحدها: أنه مفعولٌ به أي: اعْمَلوا الطاعةَ. سُمِّيَتِ الصلاةُ ونحوُها شكراً لسَدِّها مَسَدَّه. الثاني: أنه مصدرٌ مِنْ معنى اعْمَلوا، كأنه قيل: اشكروا شكراً بعملكم، أو اعملوا عملَ شكرٍ. الثالث: أنه مفعولٌ من أجله. أي: لأجل الشكر. الرابع: أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ أي: شاكرين. الخامس: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ مِنْ لفظِه، تقديره: واشكروا شكراً. السادس: أنه صفةٌ لمصدرِ «اعْمَلوا» تقديره: اعْمَلوا عَمَلاً شُكْراً أي: ذا شكر.
قوله: «وقليلٌ» خبرٌ مقدمٌ. و «من عبادِيْ» صفةٌ له و «الشَّكورُ» مبتدأ.
стр. 7868
قوله: ﴿تَأْكُلُ﴾ : إمَّا حالٌ أو مستأنفة. وقرأ «مِنْسَأْتَه» ، بهمزةٍ ساكنةٍ ابنُ ذكوان. وبألفٍ مَحْضةٍ نافعٌ وأبو عمرٍو، وبهمزة مفتوحةٍ الباقون.
والمِنْسَأَةُ: العَصا اسمُ آلةٍ مِنْ نَسَأه أي: أخَّرَه كالمِكْسَحَةِ والمِكْنَسَة. وفيها الهمزةُ وهو لغةُ تميم وأُنشِد:
٣٧٢٧ - أمِنْ أَجْلِ حَبْلٍ لا أَباك ضَرَبْتَه ... بمِنْسَأَةٍ قد جَرَّ حَبْلُكَ أَحْبُلا
والألف وهي لغةُ الحجازِ. وأنشد:
٣٧٢٨ - إذا دَبَبْتَ على المِنْسَاة مِنْ كِبَرٍ ... فقد تباعَدَ عنك اللهوُ والغَزَلُ
стр. 7869
فأمَّا بالهمزةِ المفتوحةِ فهي الأصلُ؛ لأنَّ الاشتقاقَ يدلُّ ويشهد له، والفتحُ لأَجْلِ بناء مِفْعَلة كمِكْنَسَة. وأمَّا سكونُها ففيه وجهان، أحدهما: أنه أبدلَ الهمزةَ ألفاً، كما أبدلها نافعٌ وأبو عمروٍ. وسيأتي، ثم أبدل هذه الألفَ همزةً على لغةِ مَنْ يقولُ: العَأْلَم والخَأْتَم. وقوله:
٣٧٢ - ٩- وخِنْدِفٌ هامَةُ هذا العَأْلَمِ ... ذكره ابن مالك. وهذا لا أدري ما حمله عليه، كيف يُعْتَقَدُ أنه هَرَبَ مِنْ شيءٍ ثم يعودُ إليه؟ وأيضاً فإنهم نَصُّوا على أنه إذا أبدلَ من الألفِ همزةً: فإن كان لتلك الألفِ أصلٌ حُرِّكَتُ هذه الهمزةُ بحركةِ أصلِ الألفِ. وأنشد أبو الحسن ابن عُصفور على ذلك:
٣٧٣٠ - وَلَّى نَعامُ بني صفوانَ زَوْزَأَةً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: الأصل زَوْزاة. وأصلُ هذا: زَوْزَوَة، فلمَّا أُبْدِلَتْ من الألفِ/ همزةً حَرَّكها بحركةِ الواوِ. إذا عَرَفْتَ هذا فكان ينبغي أن تُبْدَلَ هذه الألفُ همزةً مفتوحةً؛ لأنَّها عن أصلٍ متحركٍ، وهو الهمزةُ المفتوحةُ، فتعودُ إلى الأول، وهذا لا يُقالُ. الثاني: أنه سَكَّن الفتحةَ تخفيفاً، والفتحةُ قد سَكَنَتْ في مواضِعَ تقدَّم التنبيهُ عليها وشواهدُها. ويُحَسِّنُه هنا: أنَّ الهمزةَ تُشْبه حروفَ العلةِ، وحرفُ العلةِ تُسْتَثْقَلُ عليه الحركةُ مِنْ حيثُ الجملةُ، وإنْ كان لا تُسْتثقل الفتحةُ
стр. 7870
لخفَّتِها. وأَنْشدوا على تسكينِ همزتها:
٣٧٣١ - صريعُ خَمْرٍ قام مِنْ وُكَاءَتِهْ ... كقَوْمَةِ الشيخ إلى مِنْسَأْتِهْ
وقد طَعَنَ قومٌ على هذه القراءةِ، ونَسَبوا راوِيَها إلى الغلط. قالوا: لأنَّ قياسَ تخفيفِها إنما هو تسهيلُها بينَ بينَ، وبه قرأ ابنُ عامرٍ وصاحباه، فظَنَّ الراوي أنهم سَكَّنوا. وضَعَّفها أيضاً بعضُهم: بأنه يَلْزَمُ سكونُ ما قبل تاءِ التأنيثِ، وما قبلها واجبُ الفتحِ إلاَّ الألفَ.
وأمَّا قراءةُ الإِبدالِ فقيل: هي غيرُ قياسيةٍ، يَعْنُون أنها ليسَتْ على قياسِ تَخْفيفِها. إلاَّ أنَّ هذا مردودٌ: بأنها لغةُ الحجازِ، ثابتةً، فلا يُلْتَفَتُ لمَنْ طَعَن. وقد قال أبو عمرو: - وكَفَى به - «أنا لا أَهْمِزُها، لأنِّي لا أَعْرِفُ لها اشتقاقاً، فإنْ كانَتْ مما لا يُهْمَزُ فقد أُخْطِئُ. وإن كانَتْ تُهْمَزُ فقد يجوزُ لي تَرْكُ الهمزِ فيما يُهْمَزُ» . وهذا الذي ذكره أبو عمرٍو أحسنُ ما يقالُ في هذا ونظائرِه.
وَقُرئ «مَنْسَأَتَه» بفتح الميم مع تحقيقِ الهمزةِ، وإبدالِها ألفاً، وحَذْفِها تخفيفاً، و «مِنْسَاْءَتَه» بزنة مِفْعَالَتَه كقولهم: مِيْضَأَة ومِيْضاءَة وكلُّها لغاتٌ.
وقرأ ابنُ جُبَيْر «مِنْ سَأَتِه» فَصَل «مِنْ» وجَعَلَها حَرفَ جَرٍّ، وجَعَل «سأَتِه» مجرورةً بها. والسَّأَةُ والسِّئَةُ هنا العصا. وأصلُها يَدُ القوسِ العليا والسفلى يقال: سَاةُ القوسِ مثلُ شاة، وسِئَتُها، فَسُمِّيَتِ العصا بذلك على وجهِ الاستعارة. والمعنى: تأكلُ
стр. 7871
مِنْ طَرَفِ عصاه. ووجهُ ذلك كما جاء في التفسير: أنه اتَّكأ على عصا خضراءَ مِنْ خَرُّوب، والعصا الخضراءُ متى اتُّكِئ عليها تَصيرُ كالقوسِ في الاعوجاجِ غالباً. وساة فَعَلة، وسِئَة: فِعلة نحو: قِحَة وَقَحة، والمحذوفُ لامُهما.
وقال ابن جني: «سَمَّى العَصا ساءة لأنها تَسُوء، فهي فَلَة، والعينُ محذوفةٌ» قلت: وهذا يَقْتضي أَنْ تكون القراءة بهمزةٍ ساكنةٍ، والمنقولُ أن هذه القراءةَ بألفٍ صريحة ولأبي الفتح أَنْ يقولَ: أصلُها الهمزُ، ولكن أُبْدِلَتْ.
وقوله: «دابَّةُ الأرضِ» فيه وجهان، أظهرُهما: أنَّ الأرضَ هذه المعروفةُ. والمرادُ بدابَّةِ الأرضِ الأَرَضَةُ دُوَيْبَّةٌ تأكُل الخَشَبَ. الثاني: أن الأرضَ مصدرٌ لقولك: أرَضَتِ الدابةُ الخشبةَ تَأْرِضُها أَرْضاً أي: أكلَتْها. فكأنه قيل: دابَّةٌ الأكل. يُقال: أرَضَتِ الدابَّةُ الخشبةَ تَأْرِضها أَرْضاً فأَرِضَتْ بالكسر تَأْرَض هي بالفتح أرَضاً بالفتح أيضاً نحو: أكَلَت القوادحُ الأسنانَ تأكلُها أكلاً فأَكِلت هي بالكسر تَأْكَلُ أَكَلاً بالفتح. ونحوُه أيضاً: جَدَعْتُ أنفَه جَدْعاً فجَدِع هو جَدَعاً بفتح عين المصدر. وبفتح الراء قرأ ابن عباس والعباس بن الفضل وهي مقويةُ المصدرية في القراءة المشهورة. وقيل: الأرضَ بالفتح ليس مصدراً بل هو جمع أَرَضَة، وعلى هذا يكونُ من باب إضافةِ العامِّ إلى الخاصِّ لأنَّ الدابَّةَ أعمُّ من الأَرَضة وغيرِها من الدوابِّ.
قوله: «فلمَّا خَرَّ» الظاهر أنَّ فاعلَه ضميرُ سليمان ﵇. وقيل:
стр. 7872
عائدٌ على الباب لأنَّ الدابَّةَ أكلَتْه فوقع. وقيل: بل أكلَتْ عَتَبَةَ البابِ، وهي الخارَّة. ونُقِل ذلك في التفسير، وينبغي أَنْ لا يَصِحَّ؛ إذ كان يكون التركيبُ خرَّتْ بتاءِ التأنيث. و:
٣٧٣٢ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَبْقَل إبْقالَها
ضرورةٌ أو نادرٌ. وتأويلُها بمعنى العُوْد أَنْدَرُ منه.
قوله: «تَبَيَّنَتْ» العامَّةُ على بنائِه للفاعلِ مسنداً للجنِّ. وفيه تأويلاتٌ، أحدُها: أنه على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: تبيَّن أَمْرُ الجنِّ أي: ظهر وبان. و «تبيَّن» يأتي بمعنى بان لازماً، كقولِه:
٣٧٣٣ - تَبَيَّنَ لي أنَّ القَماءَةَ ذِلَّةٌ ... وأنَّ أَعِزَّاءَ الرجالِ طِيالُها
فلمَّا حُذِفَ المضافُ، وأقيم المضافُ إليه مُقامَه، وكان ممَّا يجوز تأنيثُ فعلِه، أُلْحِقَتْ علامةُ التأنيثِ.
وقوله: ﴿أَن لَّوْ كَانُواْ﴾ بتأويلِ المصدرِ مرفوعاً بدلاً من الجنِّ. والمعنى: ظهر كَوْنُهم لو عَلِموا الغيبَ لَما لَبِثوا في العذاب أي: ظَهَرَ جَهْلُهُمْ. الثاني: أنَّ «تبيَّن» بمعنى بانَ وظَهَر أيضاً. و «الجنُّ» فاعلٌ. ولا/ حاجةَ إلى حَذْفِ مضاف و ﴿أَن لَّوْ كَانُواْ﴾ بدلٌ كما تقدَّم تحريرُه. والمعنى: ظهر للجن جَهْلُهم للناسِ؛ لأنهم كانوا يُوْهِمُون الناسَ بذلك، كقولك: بان زيدٌ جهلُه.
الثالث: أنَّ «تَبَيَّن» هنا متعدٍّ بمعنى أَدْرك وعَلِم، وحينئذٍ يكون المرادُ بالجنِّ ضَعَفَتَهم، وبالضميرِ
стр. 7873
في «كانوا» كبارَهُمْ ومَرَدَتَهم، و ﴿أَن لَّوْ كَانُواْ﴾ مفعولٌ به، وذلك أنَّ المَرَدَةَ والرؤساءَ من الجنِّ كانوا يُوْهِمون ضعفاءَهم أنهم يَعْلمون الغيبَ. فلمَّا خَرَّ سليمان ﵇ مَيِّتاً، مكثوا بعده عاماً في العملِ، تبيَّنَتِ السَّفَلَةُ من الجنِّ أنَّ الرؤساءَ منهم لو كانوا يعلمون الغيبَ كما ادَّعَوْا ما مكثوا في العذابِ. ومِنْ مجيءِ «تَبَيَّن» متعدِّياً بمعنى أَدْرك قولُه:
٣٧٣٤ - أفاطِمُ إنِّي مَيِّتٌ فَتَبَيَّني ... ولا تَجْزَعي كلُّ الأنامِ يموتُ
أي: تَبَيَّني ذلك.
وفي كتاب أبي جعفر ما يَقْتضي أنَّ بعضَهم قرأ «الجنَّ» بالنصب، وهي واضحةٌ أي: تبيَّنت الإِنسُ الجنَ. و ﴿أَن لَّوْ كَانُواْ﴾ بدلٌ أيضاً من «الجن» . وقرأ ابن عباس ويعقوب «تُبُيِّنَتِ الجنّ» على البناءِ للمفعولِ، وهي مؤيِّدَةٌ لِما نَقَله النحاسُ. وفي الآيةِ قراءاتٌ كثيرةٌ أَضْرَبْتُ عنها لمخالفتِها السَّوادَ.
و «أن» في ﴿أَن لَّوْ كَانُواْ﴾ الظاهرُ أنها مصدريةٌ مخففةٌ من الثقيلة، واسمُها ضميرُ الشأنِ. و «لو» فاصلةٌ بينها وبينَ خبرِها الفعليِّ. وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك كقوله: ﴿وَأَلَّوِ استقاموا﴾ [الجن: ١٦] ﴿أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠] .
وقال ابن عطية: «وذهب سيبويه إلى أنَّ» أَنْ «لا موضعَ لها من
стр. 7874
الإِعرابِ، إنما هي مُؤْذِنَةٌ بجوابِ ما يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ القسمِ من الفعل الذي معناه التحقيقُ واليقينُ؛ لأنَّ هذه الأفعالَ التي هي: تَحقَّقْتُ وَتَيَقَّنْتُ وعَلِمْتُ ونحوُها تَحُلُّ مَحَلَّ القَسَمِ، ف» ما لَبِثُوا «جوابُ القسمِ لا جوابُ» لو «، وعلى الأقوالِ الأُوَلِ يكون جوابَها» . قلت: وظاهرُ هذا أنها زائدةٌ لأنهم نَصُّوا على اطِّرادِ زيادتِها قبل «لو» في حَيِّزِ القسمِ. وللناسِ خلافٌ: هل الجوابُ للواوِ أو للقسمِ؟ والذي يَقْتَضيه القياسُ أَنْ يُجابَ أَسْبَقُهما كما في اجتماعِه مع الشرطِ الصريحِ ما لم يتقدَّمْهما ذو خبرٍ، كما تقدَّم بيانُه. وتقدَّم الكلامُ والقراءاتُ في سبأ في سورة النمل.
стр. 7875
قوله: ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ : قرأ حمزةٌ وحفصٌ «مَسْكَنِهم» بفتح الكاف مفرداً، والكسائيُّ كذلك، إلاَّ أنه كسرَ الكافَ، والباقون «مَساكِنِهم» جمعاً. فأمَّا الإِفرادُ فلِعَدَمِ اللَّبْسِ؛ لأن المرادَ الجمعُ، كقولِه:
٣٧٣٥ - كُلوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والفتحُ هو القياسُ؛ لأنَّ الفعلَ متى ضُمَّتْ عينُ مضارِعه أو فُتِحَتْ جاء المَفْعَلُ منه زماناً ومكاناً ومصدراً بالفتحِ، والكسرُ مَسْموعٌ على غيرِ قياس. وقال
стр. 7876
أبو الحسن: «كسرُ الكافِ لغةٌ فاشيةٌ، وهي لغةُ الناسِ اليومَ، والكسرُ لغةُ الحجازِ» . وهي قليلةٌ. وقال الفراء: «هي لغةٌ يمانِيَّةٌ فصيحة» . و «مَسْكَنِهِمْ» يُحْتمل أَنْ يرادَ به المكانُ، وأَنْ يُرادَ به المصدرُ أي: السُّكْنى. ورجَّحَ بعضُهم الثاني قال: لأنَّ المصدرَ يشملُ الكلَّ فليس فيه وَضْعُ مفردٍ مَوْضِعَ جمع بخلافِ الأول؛ فإنَّ فيه وَضْعَ المفرد مَوْضِعَ الجمعِ كما قَرَّرْتُه، لكنَّ سيبويه يَأْباه إلاَّ ضرورةً كقولِه:
٣٧٣٦ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... قد عضَّ أعناقَهم جِلْدُ الجَواميسِ
أي جلود. وأمَّا الجمعُ فهو الظاهرُ؛ لأنَّ لكلِّ واحدٍ مَسْكناً. ورُسِمَ في المصاحفِ دونَ ألفٍ بعد الكافِ: فلذلك احتَمَلَ القراءاتِ المذكورةَ.
قوله: «جَنَّتان» فيه ثلاثةُ أوجهٍ: الرفعُ على البدلِ من «آيةٌ» وأبدلَ مثنَّى مِنْ مفرد؛ لأنَّ هذا المفردَ يَصْدُقُ على هذا المثنى. وتقدَّم في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ الثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ. وضَعَّفَ ابنُ عطيةَ الأولَ ولم يُبَيِّنْه. ولا يَظْهَرُ ضَعْفُه بل قوتُه، وكأنه توهَّمَ أنهما مختلفان إفراداً وتثنية؛ فلذلك ضَعُفَ البدلُ عنده. واللَّهُ أعلمُ. الثالث: - وإليه نحا ابن عطية - أَنْ يكونَ «جَنَّتان» مبتدأً، وخبرُه ﴿عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ . ورَدَّه
стр. 7877
الشيخُ: بأنه ابتداءُ نكرةٍ مِنْ غيرِ مُسَوِّغٍ. واعتذر عنه: بأنَّه قد يُعْتَقَدُ حَذْفُ صفةٍ أي: جنتان لهم، أو جنتان عظيمتان [إنْ] صَحَّ ما ذهبَ إليه.
وقرأ ابنُ أبي عبلة «جَنَّتَيْن» بالياءِ نصباً على خبرِ كان، واسمُها «آية» . فإنْ قيل: اسمُ «كان» كالمبتدأ، / ولا مُسَوِّغَ للابتداء به حتى يُجْعَلَ اسم كان. والجوابُ أنه تخصَّصَ بالحالِ المقدَّمَةِ عليه، وهي صفتُه في الأصل. ألا ترى أنه لو تأخَّر «لسبأ» لكان صفةً ل «آيةٌ» في هذه القراءةِ.
قوله: «عن يمينٍ» إمَّا صفةٌ ل «جَنَّتان» أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هما عن يمين.
قوله: «كُلُوا» على إضمارِ القولِ أي: قال الله أو المَلَكُ.
قوله: «بَلْدَةٌ» أي: بَلْدَتُكُمْ بَلْدَةٌ، وربُّكم ربٌّ غفورٌ. وقرأ رُوَيْس بنصب «بَلْدَة ورَب» على المدحِ، أو اسكنوا واعبدوا. وجعله أبو البقاء مفعولاً به، والعامِلُ فيه «اشكروا» وفيه نظرٌ؛ إذ يَصيرُ التقدير: اشكروا لربِّكم رَبَّا غفوراً.
стр. 7878
قوله: ﴿سَيْلَ العرم﴾ : فيه أوجهٌ، أحدها: أنه من باب إضافةِ الموصوفِ لصفتِه في الأصلِ، إذ الأصلُ: السَّيْلُ العَرِمُ. والعَرِمُ: الشديدُ. وأصله مِنَ العَرامَةِ، وهي الشَّراسَةُ والصعوبةُ. وعَرِمَ فلانٌ فهو عارِمٌ وعَرِمٌ. وعُرامُ الجيش منه. الثاني: أنه من بابِ حَذْفِ الموصوفِ وإقامة صفتِه
стр. 7879
مُقامه. تقديرُه: فأَرْسَلْنا عليهم سَيْلَ المطرِ العَرِم أو الجُرذ العرم أي الشديد الكثير. الثالث: أنَّ العَرِمَ اسمٌ للبناءِ الذي يُجْعَلُ سَدَّاً. وأُنْشد:
٣٧٣٧ - مِنْ سبأ الحاضرينَ مَأْرِبَ إذْ ... يَبْنُون مِنْ دونِ سَيْلِه العَرِما
أي البناء القويُّ. الرابع: أنَّ العَرِمَ اسمٌ للوادي الذي كان فيه الماءُ نفسُه. الخامس: أنه اسمٌ للجُرَذِ وهو الفَأْر. قيل: هو الخُلْدُ. وإنما أُضيفَ إليه لأنه تَسَبَّبَ عنه إذ يُرْوى في التفسيرِ: أنه قَرَضَ السِّكْرَ إلى أن انفتح عليهم فغرِقوا به. وعلى هذه الأقوال الثلاثةِ تكون الإِضافةُ إضافةً صحيحةً مُعَرِّفة نحو: غلام زيد أي: سيل البناء، أو سيل الوادي الفلاني، أو سيلُ الجُرَذِ. وهؤلاء هم الذين ضَرَبَتْ بهم العربُ في المثل للفُرْقةِ فقالوا: «تَفَرَّقوا أَيْدِي سبأ وأيادي سبأ» .
قوله «» بجنَّتَيْهم جَنَّتَيْن «قد تقدَّم في البقرة أن المجرورَ بالباء هو الخارج، والمنصوبَ هو الداخلُ؛ ولهذا غَلِط مَنْ قال من الفقهاء:» فلو أبدل ضاداً بظاءٍ بَطَلَتْ صلاتُه «بل الصواب أَنْ يُقال: ظاءً بضادٍ.
قوله:» أُكُلٍ خَمْطٍ «قرأ أبو عمرو على إضافة» أُكل «غير المضاف إلى»
стр. 7880
خَمْط «. والباقون بتنوينه غيرَ مضافٍ وقد تقدم في البقرةِ أنَّ ابنَ عامرٍ وأبا عمرو والكوفيين يضمون كاف» أكل «غير المضاف لضمير المؤنثةِ، وأن نافعاً وابن كثير يُسَكِّنونها بتفصيل هناك تقدَّمَ تحريرُه، فيكونُ القرَّاءُ هنا على ثلاثِ مراتبَ، الأولى: لأبي عمروٍ» أُكُلِ خَمْط «بضم كاف» أُكُلٍ «مضافاً ل» خَمْطٍ «. الثانية: لنافعٍ وابن كثير تسكينُ كافِه وتنوينِه. الثالثة: للباقين ضَمُّ كافِه وتنوينه. فَمَنْ أضافَ جَعَلَ» الأكل «بمعنى الجنى والثمر. والخَمْطُ قيل: شجرُ الأَراك. وقيل: كلُّ شجرٍ ذي شَوْكٍ. وقيل: كلُّ نَبْتٍ أَخَذَ طعماً مِنْ مرارة. وقيل: شجرةٌ لها ثَمَرٌ تشبه الخَشْخاشَ لا يُنْتَفَعُ به.
قوله: ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ﴾ معطوفان على» أُكُل «لا على» خَمْط «لأنَّ الخَمْطَ لا أُكُلَ له. وقال مكي:» لَمَّا لم يَجُزْ أَنْ يكونَ الخمطُ نعتاً للأكل؛ لأنَّ الخَمْطَ اسمُ شجرٍ بعينه، ولا بدلاً لأنه ليس الأولَ ولا بعضَه، وكان الجنى والثمرُ من الشجر، أُضيف على تقدير «مِنْ» كقولِك: هذا ثوبُ خَزّ «. ومَنْ نَوَّنَ جَعَلَ خَمْطاً وما بعدَه: إمَّا صفةً لأُكُل.
قال الزمخشري: «أو وُصِفَ الأُكُلَ بالخَمْط، كأنه قيل: ذواتَيْ أُكُلٍ بَشِعٍ» . قال الشيخُ: «والوصفُ بالأسماءِ لا يَطَّردُ، وإنْ كان قد جاء منه شيءٌ نحو قولهم: مررْتُ بقاع عَرْفَجٍ كلِّه» . الثاني: البدلُ مِنْ «أُكُل» قال أبو البقاء: «وجعل خَمْطاً أُكُلاً لمجاوَرَتِه إياه وكونِه سبباً له» . إلاَّ أنَّ الفارسيَّ رَدَّ كونَه بدلاً. قال: «لأنَّ الخَمْطَ ليس
следующие страницы →