Полный текст (10 772 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.
стр. 7876
أبو الحسن: «كسرُ الكافِ لغةٌ فاشيةٌ، وهي لغةُ الناسِ اليومَ، والكسرُ لغةُ الحجازِ» . وهي قليلةٌ. وقال الفراء: «هي لغةٌ يمانِيَّةٌ فصيحة» . و «مَسْكَنِهِمْ» يُحْتمل أَنْ يرادَ به المكانُ، وأَنْ يُرادَ به المصدرُ أي: السُّكْنى. ورجَّحَ بعضُهم الثاني قال: لأنَّ المصدرَ يشملُ الكلَّ فليس فيه وَضْعُ مفردٍ مَوْضِعَ جمع بخلافِ الأول؛ فإنَّ فيه وَضْعَ المفرد مَوْضِعَ الجمعِ كما قَرَّرْتُه، لكنَّ سيبويه يَأْباه إلاَّ ضرورةً كقولِه:
٣٧٣٦ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... قد عضَّ أعناقَهم جِلْدُ الجَواميسِ
أي جلود. وأمَّا الجمعُ فهو الظاهرُ؛ لأنَّ لكلِّ واحدٍ مَسْكناً. ورُسِمَ في المصاحفِ دونَ ألفٍ بعد الكافِ: فلذلك احتَمَلَ القراءاتِ المذكورةَ.
قوله: «جَنَّتان» فيه ثلاثةُ أوجهٍ: الرفعُ على البدلِ من «آيةٌ» وأبدلَ مثنَّى مِنْ مفرد؛ لأنَّ هذا المفردَ يَصْدُقُ على هذا المثنى. وتقدَّم في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ الثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ. وضَعَّفَ ابنُ عطيةَ الأولَ ولم يُبَيِّنْه. ولا يَظْهَرُ ضَعْفُه بل قوتُه، وكأنه توهَّمَ أنهما مختلفان إفراداً وتثنية؛ فلذلك ضَعُفَ البدلُ عنده. واللَّهُ أعلمُ. الثالث: - وإليه نحا ابن عطية - أَنْ يكونَ «جَنَّتان» مبتدأً، وخبرُه ﴿عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ . ورَدَّه
стр. 7877
الشيخُ: بأنه ابتداءُ نكرةٍ مِنْ غيرِ مُسَوِّغٍ. واعتذر عنه: بأنَّه قد يُعْتَقَدُ حَذْفُ صفةٍ أي: جنتان لهم، أو جنتان عظيمتان [إنْ] صَحَّ ما ذهبَ إليه.
وقرأ ابنُ أبي عبلة «جَنَّتَيْن» بالياءِ نصباً على خبرِ كان، واسمُها «آية» . فإنْ قيل: اسمُ «كان» كالمبتدأ، / ولا مُسَوِّغَ للابتداء به حتى يُجْعَلَ اسم كان. والجوابُ أنه تخصَّصَ بالحالِ المقدَّمَةِ عليه، وهي صفتُه في الأصل. ألا ترى أنه لو تأخَّر «لسبأ» لكان صفةً ل «آيةٌ» في هذه القراءةِ.
قوله: «عن يمينٍ» إمَّا صفةٌ ل «جَنَّتان» أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هما عن يمين.
قوله: «كُلُوا» على إضمارِ القولِ أي: قال الله أو المَلَكُ.
قوله: «بَلْدَةٌ» أي: بَلْدَتُكُمْ بَلْدَةٌ، وربُّكم ربٌّ غفورٌ. وقرأ رُوَيْس بنصب «بَلْدَة ورَب» على المدحِ، أو اسكنوا واعبدوا. وجعله أبو البقاء مفعولاً به، والعامِلُ فيه «اشكروا» وفيه نظرٌ؛ إذ يَصيرُ التقدير: اشكروا لربِّكم رَبَّا غفوراً.
стр. 7878
قوله: ﴿سَيْلَ العرم﴾ : فيه أوجهٌ، أحدها: أنه من باب إضافةِ الموصوفِ لصفتِه في الأصلِ، إذ الأصلُ: السَّيْلُ العَرِمُ. والعَرِمُ: الشديدُ. وأصله مِنَ العَرامَةِ، وهي الشَّراسَةُ والصعوبةُ. وعَرِمَ فلانٌ فهو عارِمٌ وعَرِمٌ. وعُرامُ الجيش منه. الثاني: أنه من بابِ حَذْفِ الموصوفِ وإقامة صفتِه
стр. 7879
مُقامه. تقديرُه: فأَرْسَلْنا عليهم سَيْلَ المطرِ العَرِم أو الجُرذ العرم أي الشديد الكثير. الثالث: أنَّ العَرِمَ اسمٌ للبناءِ الذي يُجْعَلُ سَدَّاً. وأُنْشد:
٣٧٣٧ - مِنْ سبأ الحاضرينَ مَأْرِبَ إذْ ... يَبْنُون مِنْ دونِ سَيْلِه العَرِما
أي البناء القويُّ. الرابع: أنَّ العَرِمَ اسمٌ للوادي الذي كان فيه الماءُ نفسُه. الخامس: أنه اسمٌ للجُرَذِ وهو الفَأْر. قيل: هو الخُلْدُ. وإنما أُضيفَ إليه لأنه تَسَبَّبَ عنه إذ يُرْوى في التفسيرِ: أنه قَرَضَ السِّكْرَ إلى أن انفتح عليهم فغرِقوا به. وعلى هذه الأقوال الثلاثةِ تكون الإِضافةُ إضافةً صحيحةً مُعَرِّفة نحو: غلام زيد أي: سيل البناء، أو سيل الوادي الفلاني، أو سيلُ الجُرَذِ. وهؤلاء هم الذين ضَرَبَتْ بهم العربُ في المثل للفُرْقةِ فقالوا: «تَفَرَّقوا أَيْدِي سبأ وأيادي سبأ» .
قوله «» بجنَّتَيْهم جَنَّتَيْن «قد تقدَّم في البقرة أن المجرورَ بالباء هو الخارج، والمنصوبَ هو الداخلُ؛ ولهذا غَلِط مَنْ قال من الفقهاء:» فلو أبدل ضاداً بظاءٍ بَطَلَتْ صلاتُه «بل الصواب أَنْ يُقال: ظاءً بضادٍ.
قوله:» أُكُلٍ خَمْطٍ «قرأ أبو عمرو على إضافة» أُكل «غير المضاف إلى»
стр. 7880
خَمْط «. والباقون بتنوينه غيرَ مضافٍ وقد تقدم في البقرةِ أنَّ ابنَ عامرٍ وأبا عمرو والكوفيين يضمون كاف» أكل «غير المضاف لضمير المؤنثةِ، وأن نافعاً وابن كثير يُسَكِّنونها بتفصيل هناك تقدَّمَ تحريرُه، فيكونُ القرَّاءُ هنا على ثلاثِ مراتبَ، الأولى: لأبي عمروٍ» أُكُلِ خَمْط «بضم كاف» أُكُلٍ «مضافاً ل» خَمْطٍ «. الثانية: لنافعٍ وابن كثير تسكينُ كافِه وتنوينِه. الثالثة: للباقين ضَمُّ كافِه وتنوينه. فَمَنْ أضافَ جَعَلَ» الأكل «بمعنى الجنى والثمر. والخَمْطُ قيل: شجرُ الأَراك. وقيل: كلُّ شجرٍ ذي شَوْكٍ. وقيل: كلُّ نَبْتٍ أَخَذَ طعماً مِنْ مرارة. وقيل: شجرةٌ لها ثَمَرٌ تشبه الخَشْخاشَ لا يُنْتَفَعُ به.
قوله: ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ﴾ معطوفان على» أُكُل «لا على» خَمْط «لأنَّ الخَمْطَ لا أُكُلَ له. وقال مكي:» لَمَّا لم يَجُزْ أَنْ يكونَ الخمطُ نعتاً للأكل؛ لأنَّ الخَمْطَ اسمُ شجرٍ بعينه، ولا بدلاً لأنه ليس الأولَ ولا بعضَه، وكان الجنى والثمرُ من الشجر، أُضيف على تقدير «مِنْ» كقولِك: هذا ثوبُ خَزّ «. ومَنْ نَوَّنَ جَعَلَ خَمْطاً وما بعدَه: إمَّا صفةً لأُكُل.
قال الزمخشري: «أو وُصِفَ الأُكُلَ بالخَمْط، كأنه قيل: ذواتَيْ أُكُلٍ بَشِعٍ» . قال الشيخُ: «والوصفُ بالأسماءِ لا يَطَّردُ، وإنْ كان قد جاء منه شيءٌ نحو قولهم: مررْتُ بقاع عَرْفَجٍ كلِّه» . الثاني: البدلُ مِنْ «أُكُل» قال أبو البقاء: «وجعل خَمْطاً أُكُلاً لمجاوَرَتِه إياه وكونِه سبباً له» . إلاَّ أنَّ الفارسيَّ رَدَّ كونَه بدلاً. قال: «لأنَّ الخَمْطَ ليس
стр. 7881
بالأُكُلِ نفسِه» . وقد تقدَّمَ جوابُ أبي البقاء. وأجاب بعضُهم عنه - وهو مُنْتَزَعٌ مِنْ كلام الزمخشري - أنه على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: ذواتَيْ أُكُلٍ أُكُلِ خَمْطٍ. قال: والمحذوفُ هو الأولُ في الحقيقةِ. قلت: وهو حسنٌ في المعنى. الثالث: أنه عطفُ بيانٍ، وجعله أبو عليٍ أحسنَ ما في الباب. قال: «كأنَّه بَيَّنَ أنَّ الأُكُلَ هذه الشجرةُ» إلاَّ أنَّ عَطْفَ البيانِ لا يُجيزه البصريُّون في النكرات إنما يَخُصُّونه بالمعارفِ/.
قوله: «قليلٍ» نعتٌ ل «سِدْر» . وقيل: نعتٌ ل «أُكل» . وقال أبو البقاء: «ويجوز أَنْ يكونَ نعتاً ل» خَمْطٍ وأَثْلٍ وسِدْرٍ «. وقُرِئ» وأَثْلاً وشَيْئاً «بنصبهما عطفاً على جَنَّتَيْن. والأَثْلُ: شجرُ الطَّرْفاءِ، أو ما يُشْبِهها. والسِّدرَ سِدْران: سِدْرٌ له ثمرةٌ عَفْصَةٌ لا تُؤْكَلُ ولا يُنْتَفَعُ بورقِه في الاغتسال وهو الضالُّ، وسِدْرٌ له ثمرٌ يُؤْكَلُ وهو النَّبْقُ، ويُغْتَسُل بورقِه. ومراد الآيةِ: الأولُ.
стр. 7882
قوله: ﴿وَهَلْ نجازي﴾ : قرأ الأخَوان وحفصٌ «نُجازي» بنونِ العظمة وكسرِ الزاي أي: نحن. «إلاَّ الكَفورَ» مفعولٌ به. والباقون بضمِّ الياء وفتح الزاي مبنيًّا للمفعول. «إلاَّ الكفورُ» رَفْعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. ومسلم بن جندب «يُجْزَى» مبنياً للمفعول، «إلاَّ الكفورُ» رَفْعٌ على ما تقدَّمَ. وقُرِئ «يَجْزِي» مبنياً للفاعل وهو اللَّهُ تعالى، «الكفورَ» نصباً على المفعولِ به.
стр. 7883
قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ : العامَّةُ بالنصبِ على النداء. وابن كثيرٍ وأبو عمروٍ وهشام «بَعِّدْ» بتشديدِ العَيْنِ فعلَ طلبٍ. والباقون «باعِدْ» طلباً أيضاً من المفاعلة بمعنى الثلاثي. وقرأ ابنُ الحنفية وسفيان بن حسين وابن السَّمَيْفع «بَعُدَ» بضم العين فعلاً ماضياً. والفاعلُ المَسِيْرُ أي: بَعُدَ المَسِيْرُ. و «بَيْنَ» ظرفٌ. وسعيد بن أبي الحسن كذلك إلاَّ أنَّه ضَمَّ نونَ «بين» جعله فاعلَ «بَعُدَ» ، فأخرجه عن الظرفية كقراءةِ «تَقَطَّع بينكُم» رفعاً. فالمعنى على القراءةِ المتضمِّنةِ للطلبِ يكونُ المعنى: أنهم أَشِرُوا وبَطِرُوا؛ فلذلك طلبوا بُعْدَ الأسفارِ. وعلى القراءة المتضمِّنة للطلبِ يكونُ المعنى: أنهم أَشِرُوا وبَطِرُوا؛ فلذلك طلبوا بُعْدَ الأسفارِ. وعلى القراءة المتضمِّنة للخبرِ الماضي يكونُ شكوى مِنْ بُعْدِ الأسفار التي طلبوها أيضاً.
وقرأ جماعةٌ كثيرةٌ منهم ابن عباس وابن الحنفية وعمرو بن فائد «ربُّنا» رفعاً على الابتداءِ، «بَعِّدْ» بتشديد العين فعلاً ماضياً خبرُه. وأبو رجاءٍ والحسنُ ويعقوب كذلك إلاَّ أنه «باعَدَ» بالألف. والمعنى على هذه القراءة: شكوى بُعْدِ أسفارِهم على قُرْبها ودُنُوِّها تَعَنُّتاً منهم.
وقُرِئ «بُوعِدَ» مبنياً للمفعول. وإذا نصَبْتَ «بينَ» بعد فعلٍ متعدٍّ مِنْ هذه المادةِ في إحدى هذه القراءاتِ سواءً كان أمراً أم ماضياً فجعله الشيخ منصوباً
стр. 7884
على المفعول به لا ظرفاً. قال: «ألا ترى إلى قراءةِ مَنْ رفع كيف جَعَلَه اسماً» ؟ قلت: إقرارُه على ظرفيَّتِه أَوْلَى، ويكون المفعولُ محذوفاً، تقديره: بَعِّدِ السيرَ بينَ أسفارِنا. ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ «بَعُدَ» بضم العين «بينَ» بالنصب، فكما تُضْمِرُ هنا الفاعلَ وهو ضميرُ السَّيْرِ كذلك تُبْقي هنا «بينَ» على بابِها، وتَنْوي السيرَ. وكان هذا أَوْلى؛ لأنَّ حَذْفَ المفعولِ كثيرٌ جداً لا نِزاع فيه، وإخراجُ الظرفِ غير المتصرِّفِ عن ظرفيتِه فيه نزاعٌ كثيرٌ، وتحقيقُ هذا والاعتذارُ عن رفعِ «بينكم» مذكورٌ في الأنعام.
وقرأ العامَّةُ «أَسْفارِنا» جمعاً. وابن يعمر «سَفَرِنا» مفرداً.
стр. 7885
قوله: ﴿صَدَّقَ﴾ : قرأ الكوفيون «صَدَّق» بتشديد الدال. والباقون بتخفيفها. فأمَّا الأولى ف «ظنَّه» مفعولٌ به. والمعنى: أنَّ ظنَّ إبليس ذهب إلى شيءٍ فوافق، فصدَّق هو ظنَّه على المجاز والاتساعِ. ومثلُه: كذَّبْتُ ظني ونفسي وصَدَّقْتُهما، وصَدَّقاني وكَذَّباني. وهو مجازٌ سائغ. أي: ظَنَّ شيئاً فوقع. وأصلُه: مِنْ قولِه: «ولأُغْوِيَنَّهم» و «لأُضِلَّنَّهم» وغيرِ ذلك.
وأمَّا الثانيةُ فانتصب «ظنَّه» على ما تقدَّم من المفعول به كقولهم: أَصَبْتُ ظني، وأَخْطَأْت ظني. أو على المصدرِ بفعلٍ مقدرٍ أي: يظنُّ ظنَّه، أو على
стр. 7886
إسقاطِ الخافضِ أي: في ظنه. وزيدُ بن علي والزهريُّ برفعِ «ظَنُّه» ونصب «إبليس» كقول الشاعر:
٣٧٣٨ - فإنْ يَكُ ظَنِّي صادِقاً وهو صادِقي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جعل ظنَّه صادقاً فيما ظَنَّه مجازاً واتساعاً. ورُوي عن أبي عمروٍ برفعِهما وهي واضحةٌ. جعل «ظنَّه» بدلَ اشتمال من إبليس.
والظاهر أنَّ الضميرَ في «عليهم» عائدٌ على أهل سبأ، و «إلاَّ فريقاً» استثناءٌ من فاعل «اتبعوه» و «من المؤمنين» صفةُ «فريقاً» . و «مِنْ» للبيان لا للتبعيضِ لئلا يَفْسُدَ/ المعنى؛ إذ يلزمُ أَنْ يكونَ بعضُ مَنْ آمن اتَّبع إبليسَ.
стр. 7887
قوله: ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ﴾ : استثناءٌ مفرغٌ مِنَ العللِ العامَّةِ، تقديرُه: ما كان له عليهم استيلاءٌ لشيءٍ من الأشياءِ إلاَّ لهذا، وهو تمييزُ المُحِقِّ من الشاكِّ.
قوله: «منها» متعلقٌ بمحذوفٍ على معنى البيان أي: أعني منها وبسببها. وقيل: «مِنْ» بمعنى في. وقيل: هو حالٌ من «شك» . وقوله: «مَنْ يؤمِنُ» يجوز في «مَنْ» وجهان، أحدهما: أنَّها استفهاميةٌ فَتَسُدُّ مَسَدَّ مفعولَيْ العِلْم. كذا ذكره أبو البقاء وليس بظاهرٍ؛ لأنَّ المعنى: إلاَّ لنُمَيِّزَ ونُظْهِرَ للناسِ مَنْ يؤمِنُ مِمَّن لا يُؤْمِنُ فعبَّر عن مقابِلِه بقولِه: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ ؛ لأنَّه مِنْ نتائجه ولوازِمِه. والثاني: أنها موصولةٌ، وهذا هو الظاهرُ على ما تقدَّم تفسيرُه.
стр. 7888
قوله: ﴿الذين زَعَمْتُمْ﴾ : مفعولُه الأولُ محذوفٌ هو عائدُ الموصولِ، والثاني أيضاً محذوفٌ، قامَتْ صفتُه مَقامَه. أي: زَعَمْتموهم شركاءَ مِنْ دونِ الله. ولا جائزٌ أَنْ يكونَ «مِنْ دون» هو المفعولَ الثاني؛ إذ لا يَنْعَقِدُ منه مع ما قبلَه كلامٌ. لو قلتَ: «هم من دونِ الله» أي: مِنْ غيرِ نيةِ موصوفٍ لم يَجُزْ. ولولا قيامُ الوصفِ مَقامَه أيضاً لم يُحْذَفْ؛ لأنَّ حَذْفَه اختصاراً قليلٌ. على أنَّ بعضَهم مَنَعَه.
стр. 7889
قوله: ﴿إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها: أَنَّ اللامَ متعلقةٌ بنفسِ الشفاعة. قال أبو البقاء: «كما تقول: شَفَعْتُ له» . الثاني: أَنْ يتعلَّقَ ب «تَنْفَعُ» ، قاله أبو البقاء. وفيه نظرٌ: وهو أنه يَلْزَمُ أحدُ أمرَيْن: إمَّا زيادةُ اللامِ في المفعولِ في غيرِ مَوْضِعها، وإمَّا حَذْفُ مفعولِ «تنفع» وكلاهما خلافُ الأصلِ. الثالث: أنه استثناءٌ مفرَّغٌ مِنْ مفعولِ الشفاعة المقدرِ أي: لا تنفع الشفاعةُ لأحدٍ إلاَّ لمَنْ أَذِنَ له.
ثم المستثنى منه المقدرُ يجوزُ أن يكون هو المشفوعَ له، وهو الظاهرُ، والشافعُ ليس مذكوراً إنما دَلَّ عليه الفَحْوى. والتقدير: لا تنفُع الشفاعةُ لأحدٍ من المشفوع لهم إلاَّ لمَنْ أَذن تعالى للشافعين أَنْ يَشْفعوا فيه. ويجوز أَنْ يكونَ هو الشافِعَ، والمشفوعُ له ليس مذكوراً تقديرُه: لا تنفعُ الشفاعةُ إلاَّ لشافعٍ أُذِن له أَنْ يَشْفَعَ. وعلى هذا فاللامُ في «له» لامُ التبليغِ لا لامُ العلةِ. الرابع: أنه استثناءٌ مفرَّغٌ أيضاً، لكنْ من الأحوال العامة. تقديرُه: لا تنفعُ الشفاعةُ إلاَّ كائنةً لمَنْ أَذِن له. وقرَّرَه الزمخشري فقال: «تقول:» الشفاعة لزيدٍ «على معنى:
стр. 7890
أنه الشافعُ كما تقول: الكَرْمُ لزيدٍ، وعلى معنى أنه المشفوعُ له كما تقول: القيامُ لزيدٍ فاحتمل قولُه: ﴿وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أَنْ يكونَ على أحدِ هذين الوجهين أي: لا تنفعُ الشفاعةُ إلاَّ كائنةً لمَنْ أَذِن له من الشافعين ومطلقةً له، أو لا تنفع الشفاعة إلاَّ كائنةً لمَنْ أَذِن له أي: لشفيعِه، أو هي اللامُ الثانية في قولك:» أُذِنَ لزيدٍ لعمروٍ «أي: لأجله فكأنه قيل: إلاَّ لمَنْ وقع الإِذنُ للشفيعِ لأجلِه. وهذا وجهٌ لطيفٌ وهو الوجه» . انتهى.
فقولُه: «الكَرْم لزيدٍ» يعني: أنَّها ليسَتْ لامَ العلة بل لامُ الاختصاصِ. وقوله: «القيامُ لزيد» يعني أنها لام العلة كما هي في «القيام لزيد» . وقوله: «أُذن لزيدٍ لعمروٍ» يعني: أنَّ الأولى للتبليغ، والثانيةَ لامُ العلَّةِ.
وقرأ الأخَوان وأبو عمروٍ «أُذِنَ» مبنياً للمفعول، والقائمُ مَقامَ الفاعلِ الجارُّ والمجرورُ. والباقون مبنيّاً للفاعل أي: أَذِنَ اللَّهُ وهو المرادُ في القراءة الأخرى. وقد صَرَّح به في قولِه: ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله﴾ [النجم: ٢٦] ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن﴾ [النبأ: ٣٨] .
قوله: «حتى إذا» هذه غايةٌ لا بُدَّ لَها مِنْ مُغَيَّا. وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنه قولُه: ﴿فاتبعوه﴾ [سبأ: ٢٠] على أَنْ يكونَ الضميرُ في عليهم من قولِه: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ [سبأ: ٢٠] وفي «قلوبِهم» عائداً على جميع الكفار، ويكون التفزيعُ حالةَ
стр. 7891
مفارقةِ الحياةِ، أو يُجْعَلُ اتِّباعُهم إياه مُسْتصحِباً لهم إلى يوم القيامة مجازاً.
والجملةُ مِنْ قوله: «قل ادْعُوا» إلى آخرها معترضةٌ بين الغايةِ والمُغَيَّا. ذكره الشيخ. وهو حسنٌ.
والثاني: أنه محذوفٌ. قال ابن عطية: «كأنه قيل: ولا هم شفعاءُ كما تحبون أنتم، بل هم عَبَدَةٌ أو مُسْلمون أي: منقادون. حتى إذا فُزِّع عن قلوبِهم» انتهى. وجعل الضميرَ في «قلوبهم» عائداً على الملائكة. وقَرَّر ذلك، وضَعَّفَ قولَ مَنْ جعله عائداً على الكفار، أو جميعِ العالم وليس هذا مَوْضِعَ تنقيحه.
وقوله: «قالوا: ماذا» هو جوابُ «إذا» ، وقوله: «قالوا الحقَّ» جوابٌ لقولِه: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ . و «الحقَّ» منصوبٌ ب «قال» مضمرةً أي: قالوا قال ربُّنا الحقَّ. أي: القولَ الحقَّ. إلا أنَّ الشيخَ رَدَّ هذا فقال: «فما قَدَّره ابنُ عطية لا يَصِحُّ لأنَّ ما بعدَ الغايةِ/ مخالِفٌ لِما قبلَها، هم منقادون عَبَدَةٌ دائماً، لا ينفكُّون عن ذلك لا إذا فُزِّع عن قلوبِهم، ولا إذا لم يُفَزَّعْ» .
الثالث: أنه قولُه: «زَعَمْتُم» أي: زعمتم الكفر إلى غايةِ التفزيع ثم تركْتُمْ ما زعمتم وقلتم قال الحقَّ. وعلى هذا يكونُ في الكلام التفاتٌ مِنْ خطابٍ في قولِه: «زَعَمْتم» إلى الغَيْبة في قوله: «قلوبهم» .
стр. 7892
الرابع: أنه ما فُهِم مِنْ سياقِ الكلامِ. قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: بأيِّ شيءٍ اتَّصل قولُه: ﴿حتى إِذَا فُزِّعَ﴾ ولأيِّ شيء وقعت» حتى «غايةً؟ قلت: بما فُهِم من هذا الكلامِ مِنْ أَنَّ ثَمَّ انتظاراً للإِذْنِ وتوقُّفاً وتمهُّلاً وفَزَعاً مِن الراجين للشفاعةِ والشفعاءِ هل يُؤْذَنُ لهم، أو لا يُؤْذَن؟ وأنه لا يُطْلَقُ الإِذنُ إلاَّ بَعْد مَلِيٍّ من الزمان وطولٍ من التربُّصِ. ودَلَّ على هذه الحالِ قولُه: [تعالى ﴿رَّبِّ السماوات﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً﴾ [النبأ: ٣٧-٣٨] فكأنه قيل: يَتَرَبَّصون ويتوقَّفون مَلِيَّاً فَزِعينَ وَهِلين، حتى إذا فُزِّعَ عن قلوبِهم أي: كُشِفَ الفَزَعُ عن قلوبِ الشافعين والمشفوعِ لهم بكلمةٍ يتكلم بها ربُّ العزةِ في إطلاقِ الإِذن، تباشروا بذلك، وسأل بعضُهم بعضاً: ماذا قال ربُّكم قالوا: الحق. أي: القولَ الحقَّ وهو الإِذنُ بالشفاعةِ لِمَنْ ارْتَضَى» .
وقرأ ابنُ عامر «فَزَّع» مبنياً للفاعل. فإنْ كان الضميرُ في «قلوبهم» للملائكةِ فالفاعلُ في «فَزَّع» ضميرُ اسمِ الله تعالى لتقدُّم ذِكْرِه. وإن كان للكفارِ فالفاعلُ ضميرُ مُغْوِيْهم. كذا قال الشيخ. والظاهر أنه يعودُ على الله مطلقاً. وقرأ الباقون مبنيَّاً للمفعول. والقائمُ مقامَ الفاعلِ الجارُّ بعده. وفَعَّل بالتشديد معناها السَّلْبُ هنا نحو: قَرَّدْتُ البعيرَ أي: أَزَلْتُ قُراده، كذا هنا أي: أزالَ الفَزَعَ عنها.
стр. 7893
وقرأ الحسن «فُزِعَ» مبنياً للمفعول مخففاً كقولِك: ذُهِب بزيدٍ.
والحسن أيضاً وقتادة ومجاهد «فَرَّغَ» مبنياً للفاعل من الفراغ. وعن الحسن أيضاً تخفيفُ الراء. وعنه أيضاً وعن ابنِ عُمَر وقتادة مشددَ الراءِ مبنياً للمفعول.
والفَراغُ: الفَناء والمعنى: حتى إذا أَفْنى اللَّهُ الوَجَلَ أو انتفى بنفسِه، أو نُفِي الوَجَلُ والخوفُ عن قلوبهم فلمَّا بُني للمفعولِ قام الجارُّ مَقامَه. وقرأ ابن مسعود وابن عمر «افْرُنْقِعَ» من الافْرِنْقاع. وهو التفرُّقُ. قال الزمخشري: «والكلمةُ مركبةٌ مِنْ حروف المفارقة مع زيادة العين، كما رُكِّب» اقْمَطَرَّ «من حروفِ القَمْطِ مع زيادة الراء» . قال الشيخ: «فإنْ عَنَى أنَّ العينَ من حروفِ الزيادة، وكذا الراء، وهو ظاهرُ كلامِه فليس بصحيحٍ؛ لأنَّ العين والراءَ ليسا مِنْ حروف الزيادةِ. وإنْ عنى أنَّ الكلمة فيها حروفُ ما ذُكِر، وزائداً إلى ذلك العينُ والراءُ، والمادةُ فَرْقَعَ وقَمْطَر فهو صحيحٌ» انتهى. وهذه قراءةٌ مخالِفَةٌ للسَّواد، ومع ذلك هي لفظةٌ غريبةٌ ثقيلةُ اللفظِ، نَصَّ أهلُ البيانِ عليها وَمثَّلوا بها. وحَكَوْا عن عيسى بنِ عمر أنه غُشِيَ عليه ذاتَ يومٍ فاجتمع عليه النَّظَّارَةُ فلمَّا أفاق قال: «أراكم تَكَأْكَأْتُمْ عليَّ تَكَأْكُؤَكم على ذي جِنَّةٍ افرَنْقِعوا عني» أي: اجتمعتُمْ عليَّ اجتماعَكم على المجنونِ تَفَرَّقوا عني، فعابَها الناسُ عليه، حيث استعمل مثلَ هذه الألفاظِ الثقيلةِ المستغربةِ.
وقرأ ابن أبي عبلة «الحقُّ» بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: قالوا قولُه الحقُّ.
стр. 7894
قوله: ﴿أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ : عطفٌ على اسم إنَّ. وفي الخبرِ أوجهٌ، أحدها: أنَّ الملفوظَ به الأولُ وحُذِفَ خبرُ الثاني للدلالة عليه. أي: وإنَّا لعَلى هُدىً أو في ضلال، أو إنكم لعلى هدىً أو في ضلالٍ. والثاني: العكسُ أي: حُذِف الأولُ، والمَلْفوظُ به خبرُ الثاني. وهو خلافٌ مشهورٌ تقدَّم تحقيقُه عند قولِه: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . وهذان الوجهان لا يَنْبغي أَنْ يُحْمَلا على ظاهرهِما قطعاً؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَشُكَّ أنه على هدىً ويقينٍ، وأنَّ الكفارَ على ضلالٍ، وإنما هذا الكلامُ جارٍ على ما يَتَخاطَبُ به العربُ من استعمالِ الإِنصاف في محاوراتِهم على سبيل الفَرَضِ والتقدير ويُسَمِّيه أهلُ البيانِ الاستدراجِ وهو: أَنْ يَذْكُرَ لمخاطبهِ أمراً يُسَلِّمه، وإنْ كان بخلافِ ما يَذْكر حتى يُصْغَي إلى ما يُلْقيه إليه، /إذ لو بدأه بما يَكْرَهُ لم يُصْغِ. ونظيرُه قولُهم: أَخْزَى اللَّهُ الكاذبَ مني ومنك. ومثلُه قولُ الشاعر:
٣٧٣٩ - فَأَيِّي ما وأيُّك كان شَرَّاً ... فَقِيْدَ إلى المَقامةِ لا يَرَاها
وقولُ حسان:
٣٧٤٠ - أَتَهْجُوه ولَسْتَ له بكُفْءٍ ... فَشَرُّكُما لخيرِكما الفِداءُ
مع العلم لكلِّ أحدٍ أنه ﷺ خيرُ خَلْقِ اللَّهِ كلِّهم.
الثالث: أنه من بابِ اللفِّ والنَّشْرِ. والتقدير: وإنَّا لعلى هُدَىً وإنكم لفي ضلال مبين. ولكن لَفَّ الكلامين وأخرجَهما كذلك لعدمَ اللَّبْسِ، وهذا لا يتأتَّى
стр. 7895
إلاَّ أَنْ تكونَ «أو» بمعنى الواوِ وهي مسألةُ خلافٍ. ومِنْ مجيءِ «أو» بمعنى الواو قولُه:
٣٧٤١ - قَوْمٌ إذا سَمِعوا الصَّرِيْخَ رَأَيْتَهُمْ ... ما بين مُلْجم مُهْره أو سافِعِ
وتقدَّم تقريرُ هذا وهذا الذي ذكرْتُه منقولٌ عن أبي عبيدة. الرابع: قال الشيخ: «وأو هنا على موضوعِها لكونِها لأحدِ الشيئَيْن وخبرُ ﴿إِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ هو ﴿لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ولا يُحتاج إلى تقديرِ حذفٍ؛ إذ المعنى: أنَّ أحَدنا لَفي أحدِ هذَيْن كقولِك: زيدٌ أو عمروٌ في القصر أو في المسجدِ لا يُحتاج إلى تقديرِ حَذْفٍ إذ معناه: أحدُ هذَيْن في أحدِ هذين. وقيل: الخبرُ محذوفٌ، ثم ذَكَرَ ما قَدَّمْتُ إلى آخره. وهذا الذي ذكره هو تفسيرُ معنًى لا تفسيرُ إعرابٍ، والناسُ نظروا إلى تفسيرِ الإِعراب فاحتاجوا إلى ما ذكرْتُ.
стр. 7896
قوله: ﴿الفتاح العليم﴾ : صِفتا مبالغةٍ. وقرأ عيسى بن عمر «الفاتحُ» اسمَ فاعلٍ.
стр. 7897
قوله: ﴿أَرُونِيَ﴾ : فيها وجهان، أحدهما: أنها عِلْميةٌ متعديةٌ قبل النَّقْلِ إلى اثنين فلمَّا جيْءَ بهمزةِ النقلِ تَعَدَّتْ لثلاثةٍ أوَّلُها: ياءُ المتكلم، ثانيها: الموصولُ، ثالثها: «شركاءَ» وعائدُ الموصول محذوفٌ أي: أَلْحَقْتموهم به. الثاني: أنها بَصَرِيَّةٌ متعديةٌ قبل النقل لواحدٍ وبعده لاثنين، أوَّلُهما ياءُ المتكلم، ثانيهما الموصولُ، و «شركاءَ» نصبٌ على الحالِ مِنْ عائد الموصول أي: بَصِّرُوْني المُلْحقين به حالَ كونِهم شركائي.
стр. 7898
قال ابن عطية في هذا الثاني: «ولا غَناء له» أي لا مَنْفعةَ فيه يعني: أنَّ معناه ضعيفٌ. قال الشيخ: «وقوله: لا غَناء له ليس بجيدٍ، بل في ذلك تبكيْتٌ لهم وتوبيخٌ، ولا يريد حقيقةَ الأمرِ بل المعنى: الذين هم شركائي على زَعْمِكم هم مِمَّنْ إنْ أَرَيْتُموهم افْتََضَحْتُمْ؛ لأنهم خشبٌ وحجرٌ وغيرُ ذلك» .
قوله: «بل هو» في هذا الضميرِ قولان، أحدُهما: أنه ضميرٌ عائدٌ على الله تعالى أي: ذلك الذي أَلْحَقْتُمْ به شركاءَ هو اللَّهُ. والعزيز الحكيم صفتان. والثاني: أنه ضميرُ الأمرِ والشأنِ. واللَّهُ مبتدأ، والعزيزُ الحكيمُ خبران. والجملةُ خبر «هو» .
стр. 7899
قوله: ﴿كَآفَّةً﴾ : فيه أوجه، أحدها: أنه حالٌ من كاف «أَرْسَلْناك» والمعنى: إلاَّ جامعاً للناس في الإِبلاغ.
والكافَّةُ بمعنى الجامع، والهاءُ فيه للمبالغة كهي في: عَلاَّمة وراوِية. قاله الزجاج. وهذا بناءً منه على أنه اسمُ فاعلٍ مِنْ كَفَّ يَكُفُّ. وقال الشيخ: «أمَّا قولُ الزجَّاج: إن كافَّة بمعنى جامعاً، والهاءُ فيه للمبالغة؛ فإنَّ اللغَةَ لا تُساعِدُه على ذلك؛ لأنَّ كَفَّ ليس معناه محفوظاً بمعنى جَمَعَ» يعني: أن المحفوظَ في معناه مَنَع. يقال: كَفَّ يَكُفُّ أي: مَنَع. والمعنى: إلاَّ مانعاً لهم من الكفرِ، وأن يَشُذُّوا مِنْ تَبْليغِك، ومنه الكفُّ لأنها تمنع خروج ما فيه.
الثاني: أنَّ «كافَّة» مصدرٌ جاء على الفاعِلة كالعافِية والعاقِبَة. وعلى هذا فوقوعُها حالاً: إمَّا على المبالغةِ، وإمَّا على حذف مضافٍ أي: ذا كافَّةٍ للناس.
стр. 7900
الثالث: أنَّ «كافَّة» صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ تقديرُه: إلاَّ إرْسالةً كافَّةً. قال الزمخشري: «إلاَّ إرْسالةً عامةً لهم محيطةً بهم؛ لأنها إذا شَمِلَتْهُم فقد كَفَتْهُمْ أَنْ يَخْرُجَ منها أحدٌ منهم» . قال الشيخ: «أمَّا كافَّة بمعنى عامَّة، فالمنقولُ عن النحويين أنها لا تكونُ إلاَّ حالاً، ولم يُتَصَرَّفْ فيها بغير ذلك، فَجَعْلُها صفةً لمصدرٍ محذوفٍ خروجٌ عَمَّا نقلوا، ولا يُحْفَظُ أيضاً استعمالُها صفةً لموصوفٍ محذوفٍ» . /
الرابع: أنَّ قوله: «كافَّةً» حالٌ من «للناس» أي: للناس كافَّة. إلاَّ أن هذا قد رَدَّه الزمخشريُّ فقال: «ومَن جَعَلَه حالاً من المجرور متقدِّماً عليه فقد أخطأ؛ لأنَّ تَقَدُّمَ حالِ المجرورِعليه في الإِحالةِ بمنزلةِ تقدُّمِ المجرورِ على الجارِّ. وكم تَرَى مِمَّنْ يَرْتكبُ مثلَ هذا الخطأ، ثم لا يَقْنَعُ به حتى يَضُمَّ إليه أن يَجْعَلَ اللامَ بمعنى إلى، لأنه لا يَسْتوي له الخطأُ الأولُ إلاَّ بالخطأ الثاني، فلا بُدَّ له أَنْ يرتكبَ الخطأَيْن معاً» . قال الشيخ: «أمَّا قوله كذا فهو مختلَفٌ فيه: ذهب الجمهورُ إلى أنه لا يجوزُ، وذهب أبو عليّ وابن كَيْسانَ وابن بَرْهانَ وابن ملكون إلى جوازه» . قال: «وهو الصحيحُ» . قال: «ومِنْ أمثلةِ أبي عليّ:» زيدٌ خيرَ ما يكونُ خيرٌ منك «. التقدير: زيدٌ خيرٌ منك خيرَ ما يكونُ، فجعل» خيرَ ما يكون «حالاً من الكاف في» مِنْكَ «وقَدَّمها عليها وأنشد:
стр. 7901
٣٧٤٢ - إذا المَرْءُ أَعْيَتْه المروءةُ ناشِئاً فمطلبُها كهْلاً عليه شديدُ ... أي: فمطلَبُها عليه كَهْلاً. وأنشد أيضاً:
٣٧٤٣ - تَسَلَّيْتُ طُرَّاً عنكُمُ بَعْدَ بَيْنِكُمْ ... بذِكْراكمُ حتى كأنَّكُمُ عندي
أي: عنكم طُرَّاً. وقد جاء تقديمُ الحالِ على صاحبِها المجرور وعلى ما يتعلق به قال:
٣٧٤٤ - مَشْغُوفَةً بكِ قد شُغِفْتُ وإنَّما ... حَتَمَ الفراقُ فما إليك سبيلُ
أي: قد شُغِفَتْ بك مَشْغوفةً. وقال آخر:
٣٧٤٥ - غافِلاً تَعْرِضُ المنيَّةُ للمَرْ ... ءِ فيُدْعَى ولات حينَ إباءُ
أي: تَعْرِضُ المنيَّةُ للمَرْءِ غافِلاً «. قال:» وإذا جازَ تقديمُها على صاحبها وعلى العاملِ فيه، فتقديمُها على صاحبِها وحدَه أجوزُ «. قال:» ومِمَّنْ حمله على الحال ابنُ عطيةَ فإنه قال: «قُدِّمَتْ للاهتمام» والمنقولُ
стр. 7902
عن ابن عباس قولُه: إلى العرب والعجم وسائر الأمم، وتقديره إلى الناس كافة. قال: «وقولُ الزمخشريِّ: لا يَسْتوي له الخطأ الأول إلخ فشَنيعٌ؛ لأنَّ القائلَ بذلك لا يحتاجُ إلى جَعْلِ اللامِ بمعنى إلى لأنَّ أَرْسَلَ يتعدَّى باللام قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ [النساء: ٧٩] و» أرسلَ «ممَّا يتعدَّى باللامِ، وب» إلى «أيضاً. وقد جاءتِ اللامُ بمعنى» إلى «و» إلى «بمعناها» .
قلت: أمَّا ﴿أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ فلا دَلالةَ فيه؛ لاحتمالِ أَنْ تكونَ اللامُ لامَ العلةِ المجازيَّةِ. وأمَّا كونُها بمعنى «إلى» والعكسُ فالبصريُّون لا يَتَجوَّزُون في الحروف. و «بشيراً ونذيراً» حالان أيضاً.
стр. 7903
قوله: ﴿لَّكُم مِّيعَادُ﴾ : مبتدأٌ وخبرٌ. والميعادُ يجوز فيه أوجهٌ، أحدها: أنه مصدرٌ مضافٌ لظرفِه، والميعادُ يُطْلق على الوعدِ والوعيدِ. وقد تقدَّم أنَّ الوعدَ في الخيرِ، والوعيدَ في الشرِّ غالباً. الثاني: اسمٌ أُقيم مُقامَ المصدرِ. والظاهرُ الأولُ. قال أبو عبيدة: «الوَعْدُ والوعيدُ والميعاد بمعنىً» . الثالث: أنه هنا ظرفُ زمانٍ. قال الزمخشري: «الميعادُ ظرفُ الوعدِ، من مكانٍ أو زمانٍ، وهو هنا ظرفُ زمانٍ. والدليلُ عليه قراءةُ مَنْ قرأ» ميعادٌ يومٌ «يعني برفعِهما منوَّنَيْنِ، فأبدل منه اليوم. وأمَّا الإِضافةُ فإضافةُ تبيينٍ، كقولك: سَحْقُ ثوبٍ وبعيرُ سانِيَةٍ» .
قال الشيخ: «ولا يتعيَّنُ ما قال؛ لاحتمالِ أَنْ يكونَ التقديرُ: لكم ميعادُ
стр. 7904
ميعادِ يومٍ، فلمَّا حُذِفَ المضافُ أُعْرِب المضافُ إليه بإعرابه» . قلت: الزمخشريُّ لو فَعَلَ مثلَه لسَمَّع به. وجَوَّزَ الزمخشريُّ في الرفع وجهاً آخرَ: وهو الرفعُ على التعظيمِ، يعني على إضمارِ مبتدَأ، وهوالذي يُسَمَّى القطعَ. وسيأتي هذا قريباً.
وقرأ ابنُ أبي عبلةَ واليزيديُّ «ميعادٌ يوماً» بتنوين الأولِ، ونصبِ «يوماً» منوَّناً. وفيه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على الظرفِ. والعاملُ فيه مضافٌ مقدرٌ، تقديرُه: لكم إنجازُ وعدٍ في يومٍ صفتُه كيتَ وكيتَ. الثاني: أن ينتصِبَ بإضمارِ فعلٍ. قال الزمخشريُّ: «وأمَّا نصبُ اليوم فعلى التعظيم بإضمارِ فعلٍ، تقديرُه: أعني يوماً. ويجوز أَنْ يكونَ الرفعُ على هذا، أعني التعظيمَ» .
وقرأ عيسى بتنوين الأول، ونصبِ «يوم» مضافاً للجملة بعده. / وفيه الوجهانِ المتقدِّمان: النصبُ على التعظيم، أو الظرفُ.
قوله: ﴿لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ﴾ يجوزُ في هذه الجملةِ أَنْ تكونَ صفةً ل «مِيْعاد» إنْ عاد الضميرُ في «عنه» عليه، أو ل «يوم» إنْ عاد الضميرُ في «عنه» عليه، فيجوزُ أَنْ يُحْكَمَ على موضعِها بالرفع أو الجرِّ. وأمَّا على قراءةِ عيسى فينبغي أَنْ يعودَ الضميرُ في «عنه» على «ميعاد» ليس إلاَّ؛ لأنهم نَصُّوا على أنَّ الظرفَ إذا أُضيفَ إلى جملةٍ لم يَعُدْ منها إليه ضميرٌ إلاَّ في ضرورةٍ كقوله:
стр. 7905
٣٧٤٦ - مَضَتْ سَنَةٌ لِعامَ وُلِدْتُ فيه ... وعَشْرٌ بعد ذاكَ وحِجَّتانِ
стр. 7906
قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى ا﴾ : مفعولُ «ترى» وجوابُ «لو» محذوفان للفهم. أي: لو ترى حالَ الظالمين وقتَ وقوفِهم راجعاً بعضُهم إلى بعض القولَ لرَأَيْتَ حالاً فظيعة وأمراً مُنْكراً. و «يَرْجِعُ» حالٌ مِنْ ضميرِ «مَوْقوفون» ، والقولُ منصوبٌ ب «يَرْجِعُ» لأنه يَتَعَدَّى. قال تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله﴾ [التوبة: ٨٣] . وقولُه: ﴿يَقُولُ الذين استضعفوا﴾ إلى آخره تفسيرٌ لقولِه: «يَرْجِعُ» فلا مَحَلَّ له. و «أنتم» بعد «لولا» مبتدأٌ على أصَحِّ المذاهبِ. وهذا هو الأفصحُ. أعني وقوعَ ضمائرِ الرفعِ بعد «لولا» خلافاً للمبرد؛ حيث جَعَلَ خلافَ هذا لَحْناً، وأنه لم يَرِدْ إلاَّ في قولِ يزيدَ:
٣٧٤٧ - وكم مَوْطَنٍ لَوْلاي. . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيت. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا. والأخفشُ جَعَلَ أنه ضميرُ نصبٍ أو جرٍ قامَ مقامَ ضميرِ الرفع. وسيبويهِ جعلَه ضميرَ جَرّ.
стр. 7907
قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل﴾ : يجوز رفعُه مِنْ ثلاثةِ أوجه، أحدها: الفاعليةُ تقديره: بل صَدَّنا مَكْرُكُمْ في هذين الوقتين. الثاني:
стр. 7908
أَنْ يكونَ مبتدأً خبرُه محذوفٌ، أي: مَكْرُ الليلِ صَدَّنا. الثالث: العكسُ أي: سببُ كفرِنا مَكْرُكم. وإضافةُ المَكْرِ إلى الليلِ والنهار: إمَّا على الإِسنادِ المجازيِّ كقولهم: ليلٌ ماكرٌ، فيكونُ مصدراً مضافاً لمرفوعِه، وإمَّا على الاتساعِ في الظرف فجُعِل كالمفعولِ به، فيكونُ مضافاً لمنصوبِه. وهذان أحسنُ مِنْ قول مَنْ قال: إنَّ الإِضافةَ بمعنى «في» أي: في الليل؛ لأنَّ ذلك لم يَثْبُتْ في غيرِ مَحَلِّ النِّزاع.
وقرأ العامَّةُ «مَكْرُ» خفيفَ الراءِ ساكنَ الكاف مضافاً لِما بعده. وابن يعمر وقتادةُ بتنوين «مكرٌ» وانتصابِ الليل والنهار ظرفَيْن. وقرأ أيضاً وسعيد بن جبير وأبو رُزَيْن بفتحِ الكافِ وتشديدِ الراء مضافاً لِما بعده. أي: كُرورُ الليل والنهار واختلافُهما، مِنْ كَرَّ يَكُرُّ، إذا جاء وذهب. وقرأ ابن جُبير أيضاً وطلحة وراشد القارئ - وهو الذي كان يصحِّحُ المصاحفَ أيامَ الحَجَّاج بأمرِه - كذلك إلاَّ أنه بنصبِ الراء. وفيها أوجهٌ، أظهرُها: ما قاله الزمخشري، وهو الانتصابُ على المصدرِ قال: «بل تَكُرُّون الإِغواءَ مَكَرَّاً دائماً لا تَفْتَرُون عنه» . الثاني: النصبُ على الظرفِ بإضمارِ فِعْلٍ أي: بل صَدَدْتُمونا مَكَرَّ الليلِ والنهارِ أي: دائماً. الثالث: أنه منصوبٌ بتَأْمُرُوننا، قاله أبو الفَضل الرازي، وهو غلطٌ؛ لأنَّ ما بعد المضافِ لا يَعْمل فيما قبلَه إلاَّ في مسألةٍ واحدةٍ: وهي «غير» إذا كانَتْ بمعنى «لا» كقوله:
стр. 7909
٣٧٤٨ - إنَّ أمْرَأً خَصَّني عَمْداً مَوَدَّتَه ... على التَّنائي لَعِندي غيرُ مَكْفورِ
وتقريرُ هذا تقدَّمَ أواخرَ الفاتحة.
وجاء قولُه: ﴿قَالَ الذين استكبروا﴾ بغيرِ عاطفٍ؛ لأنَّه جوابٌ لقولِ الضَّعَفَةِ، فاسْتُؤْنِفَ، بخلافِ قولِه: ﴿وَقَالَ الذين استضعفوا﴾ فإنه لَمَّا لم يكنْ جواباً عُطِف. والضميرُ في «وأَسَرُّوا الندامةَ» للجميع: للأتباع والمتبوعين.
стр. 7910
قوله: ﴿إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ﴾ : جملةٌ حاليةٌ مِنْ «قرية» وإن كانَتْ نكرةً؛ لأنَّها في سياقِ النفي.
قوله: «بما أُرْسِلْتُمْ» متعلقٌ بخبر «إنَّ» و «به» متعلِّقٌ ب «أُرْسِلْتُمْ» . والتقدير: إنَّا كافرون بالذي أُرْسِلْتم به، وإنما قُدِّم للاهتمامِ. وحَسَّنه تواخي الفواصلِ.
стр. 7911
قوله: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ : أي: يُضَيِّق بدليل مقابلتِه ل «يَبْسُط» . وهذا هو الطباقُ البديعيُّ. وقرأ الأعمش «ويُقَدِّر» بالتشديد/ في الموضعين.
стр. 7912
قوله: ﴿بالتي تُقَرِّبُكُمْ﴾ : صفةٌ للأموالِ والأولادِ؛ لأنَّ جمعَ التكسيرِ غيرَ العاقلِ يُعامَلُ معاملةَ المؤنثةِ الواحدة. وقال الفراء والزجَّاج: إنَّه حذفَ من الأولِ لدلالةِ الثاني عليه. قالا: والتقدير
стр. 7913
وما أموالُكم بالتي تُقَرِّبُكم عندنا زُلْفَى، ولا أولادُكم بالتي تُقَرِّبُكم. وهذا لا حاجةَ إليه أيضاً. ونُقِل عن الفراء ما تقدَّمَ: مِنْ أنَّ «التي» صفةٌ للأموالِ والأولادِ معاً. وهو الصحيح. وجعل الزمخشري «التي» صفةً لموصوفٍ محذوفٍ. قال: «ويجوزُ أَنْ تكون هي التقوى وهي المقرِّبةُ عند الله زُلْفَى وحدها أي: ليسَتْ أموالُكم وأولادُكم بتلك الموصوفةِ عند الله بالتقريبِ» . وقال الشيخ: «ولا حاجةَ إلى هذا الموصوفِ» قلت: والحاجةُ إليه بالنسبة إلى المعنى الذي ذكره داعيةٌ.
قوله: «زُلْفَى» مصدرٌ مِنْ معنى الأول، إذ التقدير: تُقَرِّبكم قُرْبى. وقرأ الضحَّاك «زُلَفاً» بفتح اللام وتنوين الكلمة على أنها جمعُ زُلْفَى نحو: قُرْبَة وقُرَب. جُمِع المصدرُ لاختلافِ أنواعِه.
قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ آمَنَ﴾ فيه أوجهٌ، أحدها: أنه استثناءٌ منقطعٌ فهو منصوبُ المحلِّ. الثاني: أنه في محلِّ جَرّ بدلاً من الضمير في «أموالكم» . قاله الزجاج. وغَلَّطه النحاس: بأنه بدلٌ من ضمير المخاطب. قال: «ولو جاز هذا لجازَ» رَأَيْتُك زيداً «. وقولُ أبي إسحاقَ هذا هو قولُ الفراءِ» . انتهى.
стр. 7914
قال الشيخُ: «ومذهبُ الأخفش والكوفيين أنه يجوزُ البدلُ مِنْ ضميرِ المخاطبةِ والمتكلم؛ إلاَّ أنَّ البدلَ في الآيةِ لا يَصِحُّ؛ ألا ترى أنه لا يَصِحُّ تفريغُ الفعلِ الواقعِ صلةً لما بعد» إلاَّ «لو قلتَ:» ما زيدٌ بالذي يَضْرِب إلاَّ خالداً «لم يَجُزْ. وَتَخَيَّلَ الزجَّاجُ أنَّ الصلةَ - وإن كانَتْ مِنْ حيث المعنى منفيَّةً - أنه يجوزُ البدلُ، وليس بجائزٍ، إلاَّ أَنْ يَصِحَّ التفريغُ له» . قلت: ومَنْعُهُ قولَك: «ما زيدٌ بالذي يَضْرب إلاَّ خالداً» فيه نظرٌ، لأنَّ النفيَ إذا كان مُنْسَحباً على الجملة أُعْطي حُكْمَ ما لو باشَرَ ذلك الشيءَ. ألا ترى أنَّ النفيَ في قولك «ما ظننتُ أحداً يَفْعلُ ذلك إلاَّ زيدٌ» سَوَّغَ البدلَ في «زيد» مِنْ ضميرِ «يَفْعَل» وإنْ لم يكنِ النفيُ مُتَسَلِّطاً عليه. قالوا: ولكنه لمَّا كان في حَيِّزِ النفي صَحَّ فيه ذلك، فهذا مثلُه.
والزمخشريُّ أيضاً تَبع الزجَّاجَ والفراءَ في ذلك من حيث المعنى، إلاَّ أنَّه لم يَجْعَلْه بدلاً بل منصوباً على أصل الاستثناء، فقال: «إلاَّ مَنْ آمنَ استثناءٌ من» كم «في تُقَرِّبُكم. والمعنى: أنَّ الأموالَ لا تُقَرِّبُ أحداً إلاَّ المؤمنَ الذي يُنْفقها في سبيلِ الله. والأولاد لا تُقَرِّبُ أحداً إلاَّ مَنْ عَلَّمهم الخيرَ، وفَقَّهَهم في الدين، ورَشَّحهم للصلاح» .
ورَدَّ عليه الشيخُ بنحوِ ما تقدَّم فقال: «لا يجوزُ: ما زيدٌ بالذي يَخْرُج إلاَّ أخوه، وما زيدٌ بالذي يَضْرب إلاَّ عَمْراً» . والجوابُ عنه ما تقدم، وأيضاً فالزمخشريُّ لم يجعَلْه بدلاً بل استثناءً صريحاً، ولا يُشْتَرَطُ في الاستثناء التفريغُ اللفظيُّ بل الإِسنادُ المعنويُّ، ألا ترى أنك تقول: «قام
стр. 7915
القومُ إلاَّ زيداً» ولو فَرَّغْتَه لفظاً لامتنع؛ لأنه مُثْبَتٌ. وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ هو الوجهُ الثالثُ في المسألة.
الرابع: أنَّ «مَنْ آمَنَ» في محلِّ رفع على الابتداء. والخبرُ قولُه: ﴿فأولئك لَهُمْ جَزَآءُ الضعف﴾ . وقال الفراء: «هو في موضعٍ رفعٍ تقديرُه: ما هو المقرَّب إلاَّ مَنْ آمن» وهذا لا طائلَ تحته. وعَجِبْتُ من الفَرَّاءِ كيف يقوله؟
وقرأ العامَّةُ: «جزاءُ الضِّعْفِ» مضافاً على أنه مصدرٌ مضافٌ لمفعولِه، أي: أَنْ يُجازِيَهم الضِّعْفَ. وقَدَّره الزمخشريُّ مبنيَّاً للمفعول أي: يُجْزَوْن الضِّعْفَ. ورَدَّه الشيخ: بأنَّ الصحيحَ مَنْعُه. وقرأ قتادة برفعِهما على إبدالِ الضِّعْف مِنْ «جزاء» . وعنه أيضاً وعن يعقوبَ بنصبِ «جزاءً» على الحال. والعاملُ فيها الاستقرار، وهذه كقولِه: ﴿فَلَهُ جَزَآءً الحسنى﴾ [الكهف: ٨٨] فيمَنْ قرأ بنصبِ «جزاء» في الكهف.
قوله: «في الغُرُفاتِ» قرأ حمزةُ «الغُرْفَة» بالتوحيد على إرادةِ الجنس ولعدمِ اللَّبْسِ؛ لأنه مَعْلومٌ أنَّ لكلِّ أحدٍ غرفةً تَخُصُّه. وقد أُجْمِعَ على التوحيدِ في قوله: ﴿يُجْزَوْنَ الغرفة﴾ [الفرقان: ٧٥] ولأنَّ لفظَ الواحدِ أخفُّ فوُضِعَ مَوْضِعَ الجمعِ مع
следующие страницы →