← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 905

الدار الآخرة - محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (240 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تساؤل الصحابة عن الداخلين الجنة بغير حساب أيها الأحبة: إلى الآن ما تعرفنا بعد على هذه الصفوة الكريمة المختارة، فأصحاب النبي ﷺ شغلهم الحديث، وشغلهم هذا الوصف من رسول الله لهؤلاء الأخيار الذين لا يقفون في أرض المحشر للحساب، بل ويدخلون الجنة بلا سابقة عذاب. قال بعض الصحابة: هؤلاء الذين بلغوا هذه الدرجة العالية والمكانة السامقة السامية، هم أصحاب النبي الذين صحبوا رسول الله، والذين اكتحلت عيونهم برؤية الحبيب المصطفى -ولا تعجب-، فالصحبة شرفها عظيم، فضلها جسيم! والصحابي هو من رأى النبي ﷺ وآمن به ومات على ذلك، وهذا هو أجمع تعريف للصحابي كما قال الحافظ ابن حجر في الإصابة، قال: الصحابي هو كل من رأى النبي، وآمن به، ومات على الإسلام. وهذا تعريف جامع شامل. فالصحابي هو من اكتحلت عينه برؤية الحبيب النبي، وآمن بالمصطفى، ومات على التوحيد والإيمان، فلا عجب إذاً أن يكون الصحابة هم السبعين ألفاً (فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ . أيها الأخيار! الصحابة هم أطهر الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، قال ابن مسعود، والأثر رواه أحمد في مسنده بسند حسن: (إن الله تعالى قد نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب أهل الأرض فاصطفاه الله لعباده، ثم نظر الله في قلوب أهل الأرض بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب أهل الأرض فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه). ولذا قال ابن مسعود: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم). أولئك أصحاب النبي الكريم الذين زكاهم رب العالمين وسيد المرسلين! أيها الأحباب! من المعلوم أن كل تلميذ يقتبس في العادة من أستاذه ومعلمه، ولك أن تتصور أخي الحبيب كيف يكون الاقتباس إذا كان المعلم هو سيد الناس، فهؤلاء الذين حولوا المنهج الإسلامي إلى واقع عملي يتألق سمواً وروعة وجلالاً، كان شعارهم دوماً: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. هؤلاء استحقوا من الله أن يزكيهم بهذه التزكية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فهم المخاطبون ابتداءً بهذه الآية، وهم المخاطبون ابتداءً بقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. وزكى الله أصحاب النبي ﷺ بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] وزكى الله الأصحاب بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]. وزكاهم الله بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩] هذه تزكية الله لأصحاب النبي. وقد زكاهم الحبيب النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود فقال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). وفي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: (رفع النبي ﷺ يوماً رأسه إلى السماء وقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون). وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). وفي صحيح مسلم من حديث عائذ بن عمر أن أبا سفيان مر على نفر من أصحاب النبي ﷺ فيهم بلال وسلمان وصهيب، فلما رأى أصحاب النبي أبا سفيان قالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر ﵁ لأصحاب النبي من الفقراء: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم، ثم قام الصديق فأتى رسول الله ﷺ وأخبره بما كان. ماذا قال النبي لـ أبي بكر لصاحب سنام الصديقية في هذه الأمة؟ قال: (يا أبا بكر إن كنت أغضبت سلمان وصهيباً وبلالاً فقد أغضبت ربك ، فقام الصديق مسرعاً لإخوانه، فقال: يا إخوتي، أوغضبتم مني؟ قالوا: لا، يغفر الله لك) هذه مكانة أصحاب النبي ﷺ عند الله وعند رسول الله ﵌.

стр. 107

تفسير الصحابة لهؤلاء الصفوة بأنهم الذين ولدوا في الإسلام أيها الأحبة الكرام! إذاً لا عجب أن يقول أصحاب النبي: (لعلهم الذين صبحوا رسول الله ﷺ ، ثم قال البعض الآخر: لعل هؤلاء الذين أخبر عنهم النبي ﷺ أنهم سيدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب هم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً. وهذه هي الأخرى عظيمة كبيرة، فمن نشأ في الإسلام وترعرع في بستان التوحيد، وتغذى وتنفس رياحين الإيمان والسنة، فقد فاز فوزاً عظيماً، ولم لا وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]؟ بل وخاطب الله إمام الموحدين وقدوة المحققين وسيد المرسلين محمداً ﷺ ، فقال له سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]. وفي صحيح البخاري من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار) قال ابن مسعود: ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. فالشرك ظلم عظيم، والتوحيد فضل عظيم، ففي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) وفي رواية عتبان بن مالك: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله تعالى) فالتوحيد فضله عظيم. إذاً: لا تعجب إذا سمعت بعض أصحاب النبي ﷺ يقولون عن هؤلاء: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً! أيها الأحباب! خرج النبي ﷺ عليهم فقطع حديث أصحابه وحوارهم، وبين لهم من هؤلاء السعداء، فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ قالوا: في هؤلاء يا رسول الله الذين ذكرت أنهم يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، فقال المصطفى: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون).

стр. 108

بيان أوصاف الداخلين الجنة بغير حساب إنهم قوم حققوا التوحيد لله وتركوا الشرك كله دقه وجله، وأنزلوا حوائجهم كلها بالله سبحانه، ولم ينزلوها بأحد من خلقه مهما كان، فهم لا يتطيرون -أي: لا يتشاءمون- فلقد كان من عادة العرب في الجاهلية أن يأخذ أحدهم طيراً فيطيره فإن طار الطائر يميناً استبشر هذا الرجل بسفره وقال: إذاً نسافر، فإن طار الطائر يساراً تشاءم الرجل وقال: إذاً لا أخرج من بيتي ولا أسافر، فجاء الإسلام ليقضي على هذه الطيرة وعلى هذا التشاؤم، وليعلم الناس أن الضار النافع هو الله وأن الأمور كلها بيد الله ، فهم لا يتشاءمون بمكان ولا بزمان؛ لأنهم يعلمون أن خالق الزمان والمكان هو الله، وأن الذي يدبر أمر الزمان والمكان هو الله، قال تعالى: (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، فلا يدبر الأمر نبي، ولا يدبر الأمور ولي، ولا يدبر الأمور إلا الملك العلي كما في حديث ابن عباس: (يا غلام! إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخير فإن الفارج الله وإن بليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله الله يحدث بعد العسر ميسرة لا تجزعن فإن الصانع الله والله ما لك غير الله من أحد فحسبك الله في كل لك الله وقوله: (ولا يكتوون ولا يسترقون)، أي: لا يطلبون الكي ولا الرقية من أحد.

стр. 109

حقيقة التوكل (وعلى ربهم يتوكلون) والتوكل الحقيقي هو صدق اعتماد القلب على الله، وهو جماع الإيمان، ونهاية تحقيق التوحيد. - التوكل هو جماع الإيمان، ونهاية تحقيق التوحيد، والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل ولا يقدح فيه، ومن ظن أن الأخذ بالأسباب قدح في التوكل، ففهمه فهم مغلوط، فالأخذ بالأسباب لا يقدح في التوكل ولا يؤثر فيه. قال الشاطبي: إن الدخول في الأسباب أمر واجب شرعاً. قال ابن القيم: لا يتم التوحيد إلا بمباشرة الأسباب، والأخذ بالأسباب لا يقدح في التوكل. قال جمهور السلف: يحصل التوكل إذا وثق العبد بربه وعلم أن الأمور كلها بيده، ثم أخذ بالسنة فباشر الأسباب، مع اعتقاده أن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع إلا بأمر مسبب الأسباب ﷻ . إذاً: التوكل الحقيقي يا طالب العلم أن تذاكر وأن تجتهد، وأن تسهر الليل وأن تخلص العمل، وأن تعتمد بقلبك على توفيق الله سبحانه. - التوكل الحقيقي في مواجهة اليهود الخبثاء المجرمين الذين يسومون الأمة الآن سوء العذاب، هو أن تأخذ الأمة بالأسباب فتعد القوة على قدر استطاعتها، وتتعلق بالله سبحانه، ولتعلم الأمة يقيناً بعد ذلك أن النصر من عند الله. - التوكل الحقيقي هو ألا تترك الأمة العراق ليبتر من جسدها، وليتحكم شرطي العالم الوقح أمريكا في بلاد المسلمين كيفما يشاء. - التوكل الحقيقي هو أن تقف الأمة كلها على قلب رجل واحد لتقول بأن بغداد عاصمة الخلافة لسنوات مضت إنما هو عضو لا ينفصم عن جسد الأمة، ومحال أن يعيش الإنسان بدون عضو حقيقي في جسده، لقول النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). - التوكل الحقيقي هو أن نأخذ بالأسباب وأن نعتمد على مسبب الأسباب، وأن نكون على يقين بأن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع إلا بأمر الله جل وعلا. هذا التوكل أمر الله به سيد المتوكلين محمداً ﷺ فقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨].

стр. 110

قبول الرقية لا يمنع وصف (لا يسترقون) أخي! انظر إلى عظيم التوكل، فإن الأمر ليس بالأمر الهين، فهم لا يطلبون الكي والرقية من أحد، ولا مانع إن تقدم أحد لرقيتهم أن يقبلوا منه، لكنهم لا يطلبون من أحد، فلم ينزلوا حوائجهم في باب أحد أو عند باب أحد من الخلق، ولم ينزلوا حوائجهم إلا على باب الحق ، فقلوبهم متعلقة بالله، والذي حملهم على هذا كله تمام توكلهم على الله، وكمال تفويضهم الأمر إلى الله، وعظيم اعتقادهم أن الضر والنفع بيد الله، وأن الأمور كلها بيد الله، شعار أحدهم: اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، وأبرأ من الأمل إلا فيك، وأبرأ من التسليم إلا لك، وأبرأ من التفويض إلا إليك، وأبرأ من التوكل إلا عليك، وأبرأ من الصبر إلا على بابك، وأبرأ من الذل إلا في طاعتك، وأبرأ من الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين.

стр. 111

ثمار التوكل على الله أيها الأحباب! والله الذي لا إله غيره لو عرفت الأمة حقيقة التوكل وتعبدت به إلى الله، لرفع الله شأنها ولأعزها ولمكن لها في الأرض، ولكن الأمة اليوم لم تحقق هذا المعنى وأصبحت تتكلم دون أن تباشر وتأخذ بالأسباب. هذا سيد المتوكلين محمد ﷺ في يوم الهجرة يستأجر مشركاً ليدله على الطريق، وهو سيد المتوكلين، لماذا لم يقل النبي ﷺ : معي ربي سيدلني على الطريق؟! لا. بل يأخذ النبي ﷺ بالأسباب، فيستأجر مشركاً ليدله على الطريق، ويحمل الراحلة والزاد. وفي يوم أحد يحارب النبي ﷺ بين درعين، وكان يدخر لقومه ولأهله القوت في بيته وهو سيد المتوكلين. هذا هو التوكل الحقيقي أن نأخذ بالأسباب، أن نبذر الحب في الأرض، وأن نتعاهد الزرع بالري والحرث والتنقية، وأن تتعلق قلوبنا بعد ذلك بالله لا بالأسباب، لأن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع، ولا ترزق ولا تمنع إلا بأمر مسبب الأسباب ﷻ ، وهذا هو التوكل الذي أمر الله به نبيه فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨] ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل:٧٩]. وأثنى الله على أنبيائه ورسله الذين قالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم:١٢]، وأثنى على أصحاب النبي ﷺ فقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وأثنى على أوليائه الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤]. التوكل على الله شعار الأنبياء ودأبهم، ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل: قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قيل له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]).

стр. 112

نماذج وصور من التوكل على الله

стр. 113

موقف الصديق ﵁ في التوكل الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد. فيا أيها الأحبة الكرام: لو تجولنا في بستان المتوكلين ربما قضينا العمر كله، وما استطعنا أن نقف أمام كل زهراته ووروده ورياحينه لنستنشق عبيرها ولنستمتع بأريجها وعطرها، فإن هؤلاء الأطهار هم عمر الزمن ونبض الحياة، ومن المحال أن نحسب أنفاس الزمن أو أن نقدر نبض الحياة، فلقد أنجبت الأمة الميمونة المرحومة أمة الحبيب المصطفى محمد؛ أنجبت على طول تاريخها رجالاً من المتوكلين، لو وقفنا أمام سيرهم العمر كله لانقضت الأعمار وانقضت الآجال وما انتهينا من التطواف والتجوال في هذا البستان العظيم. فهذا هو صاحب ذروة سنام الصديقية في هذه الأمة، أبو بكر، الذي يقول ابن القيم: هذا هو أبو بكر الصديق الذي عاين طائر الفاقة يحوم حول حب الإيثار، فألقى له الصديق حب الحب على روض الرضا، واستلقى الصديق على فراش الفقر آمناً مطمئناً، فرفع الطائر الحب إلى حوصلة المضاعفة، ثم تركه هنالك وعلا على أفنان شجرة الصدق ليغرد للصديق بأغلى وأعلا فنون المدح، وهو يتلو في حقه قول ربه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل:١٧]. أبو بكر الذي أمر النبي أصحابه بالإنفاق فجاء بكل ماله. وهذا أمر عظيم من منا يقدر عليه الآن، بل من منا يقدر الآن على ربعه، بل من منا الآن يقدر على أن يتخلص من جزء كبير من ماله لله؟! وهذا عمر رضوان الله عليه جاء بنصف ماله، لكن الصديق جاء بكل ماله، فقال له المصطفى: (ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله)، توكل ورب الكعبة لا يستطيع بليغ أن يجسده لحضراتكم الآن. وهذا عمر كما روى ابن أبي الدنيا بسند صحيح -يرى أناساً من اليمن، فيقول: من أنتم؟ فقالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتواكلون، إن المتوكل من ألقى الحب وتوكل على الله. أيها الأحبة الكرام: لا أريد أن أزيد على الساعة ففيها الكفاية، وأسأل الله أن ينفعني وأن ينفعكم بها، وأن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال. اللهم ارزقنا التوكل عليك، اللهم ارزقنا التوكل عليك، اللهم ارزقنا الثقة فيك، اللهم ارزقنا الثقة فيك، اللهم ارزقنا الثقة فيك. اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا! اللهم احقن دماء المسلمين في العراق وفي أفغانستان وفي السودان وفي فلسطين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم عليك باليهود وأعوانهم، اللهم عليك باليهود وأعوانهم، اللهم عليك باليهود وأعوانهم. اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم لا تحرم مصر من الأمن والأمان. اللهم لا تحرم مصر من نعمة الأمن والأمان، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وسائر بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تجعل لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً معنا إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً. اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى! اللهم استر نساءنا، اللهم استر نساءنا، واحفظ بناتنا، وأصلح شبابنا، واهد أولادنا واجعلهم قرة عين لنا يا رب العالمين. اللهم رب أولادنا في ظلال القرآن، اللهم رب أولادنا في ظلال القرآن، اللهم رب أولادنا في ظلال القرآن، اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم! أحبتي في الله؛ هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه!

стр. 114

موقف أم موسى في التوكل ومن أسمى المواقف في التوكل على الله: موقف أم موسى، فهذه مواقف نساء يعلمن الرجال! هل تظنون يا إخوة أن أماً تخشى على ولدها فتلقيه في البحر؟ إن الأم إن خافت على ولدها ألصقته بصدرها وأرضعته، وأضفت عليه من حنانها وشفقتها ورحمتها ما تعلمون، ولكن أم موسى يأمرها الله إن خافت عليه أن تلقيه في اليم، قال الله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]. فرعون اللعين يذبح الأطفال ويستحيي النساء ويقتل الرجال، بل ورفع الطوارئ إلى الدرجة القصوى، فإنه يبحث عن غلام من بني إسرائيل ينشأ فيهم يكون هلاك فرعون على يديه، فيبحث عن كل طفل ذكر ليقتله في التو واللحظة. كم من الآلاف قتلهم فرعون من الرجال بل ومن الأطفال! ولكن الملك ﷻ قد أذن بأن موسى لن يترعرع ولن يتربى إلا في حجر فرعون وفي قصره. أيها الأحبة! تعلموا هذا الدرس لتعلموا أن الملك كله بيد الملك، يعز من يشاء ويذل من يشاء، فالأمور كلها بيد الله، الأمة الآن تضع الخطط السنوية والخمسية ولا تضع ضمن خطة واحدة أبداً عظمة وقوة رب البرية أمة غافلة عن عظمة الله وجلاله أمة لا تعرف قدر الله إلا من رحم ربك من أفرادها!! الله يأذن ويقدر ألا يربي موسى إلا فرعون فسبحان الله! تضع أم موسى موسى في التابوت، ويتهادى التابوت بحفظ الله إلى أن يصل إلى قصر فرعون، وبستار رقيق جداً يحمي الله نبيه موسى، لا بالجنود ولا بالطائرات ولا بالدبابات، بل بستار رقيق جداً قد لا يتصوره البعض، ألا وهو أن الله قد ألقى في قلب امرأة فرعون حب موسى، فتشبثت به، وقالت: قرة عين لي ولك، فأذعن فرعون لامرأته وهو الذي يذبح كل طفل، ولكن الله قد ألقى المحبة لموسى في قلب امرأته لتتولى هي وفرعون تربية هذا الطفل الكريم المبارك، بل لم يقف الفضل عند هذا الحد كثمرة من ثمرات توكل أم موسى، بل أذن الله ألا يقبل موسى ثدي امرأة أبداً، لأن الله قد وعد أم موسى لثقتها في ربها ولعظيم توكلها عليه أن يرده إليها، فأبى موسى أن يلتقم ثدي امرأة أخرى إلى أن جاءت أمه ﵍ فالتقم موسى ثديها، وكانت ترضعه قبل أيام على خوف من فرعون وملئه، وهي الآن ترضعه في قصر فرعون بأمره، فتدبر! ترضعه الآن في قصر فرعون بأمر فرعون: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] والهدية إن جاءت من الملك تأتي مضمخة بطيبه وفضله وجلاله، فلم يرد ربنا موسى إلى أمه، بل شرفه بالنبوة: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]. أيها الأحبة! إنه موقف يحتاج منا إلى وقفات لنتعلم ولنتذوق حلاوة التوكل على رب الأرض والسماوات، أسأل الله أن يملأ قلوبنا بالتوكل عليه والثقة فيه، إنه ولي ذلك ومولاه. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 115

موقف هاجر أم إسماعيل في التوكل ومن أجل وأسمى مقامات التوكل: ما كان من أمر هاجر ﵍، فأم إسماعيل وقد خرجت من مصر، واسمحوا لي أن أقول: إن التوكل كله ما خرج إلا من مصر، وأسأل الله أن يرد التوكل الحقيقي مرة أخرى إلى مصر، وأن يحفظ مصر وأن يجعلها واحة أمن وأمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه. جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس، لما أخذ إبراهيم هاجر مع ولدها إسماعيل ووضعها عند دوحة فوق زمزم، ولم يبن البيت بعد، وكانت صحراء مقفرة، وكل من سافر إلى الحج والعمرة يعرف طبيعة هذه الأرض، فهي صحراء جرداء، ورمال ملتهبة، تعكس أشعة الشمس عليها فتكاد الأشعة المنعكسة أن تخطف الأبصار، ففي هذه الصحراء المقفرة يضع إبراهيم ﵇ هاجر ورضيعها ويضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاءً فيه ماء وينصرف، فتنظر هاجر، فلا ترى إنساً بل ولا أُنساً لا ترى إنسياً ولا جنياً لا ترى شيئاً على الإطلاق فلا ترى بيتاً ولا ترى شيئاً! ولك أن تتصور هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلب لو رأيت نفسك في صحراء لا ترى فيها شيئاً ولا تعرف فيها طريقاً ولا إنساً ولا أُنساً، ولا تملك ماءً ولا طعاماً ولا شراباً، كيف يكون حالك؟ ولما همَّ إبراهيم بالانصراف تعلقت به هاجر ﵍ وقالت: يا إبراهيم! إلى من تتركنا في هذا المكان الذي لا إنس فيه ولا شيء؟ فسكت إبراهيم ﵇، وتعلقت به فأشار برأسه إلى السماء، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا. أي: ما دام الملك هو الذي أمر فانصرف، والله يسمع، ويرى، فهو يسمعنا ويرانا، إذاً: لا يضيعنا! فانصرف إبراهيم ﵇ وجلست هاجر، فنفد الطعام والشراب، ولكنها تحمل في قلبها توكلاً على الله جل وعلا لا تقوى الجبال على حمله، بل والله يعجز عن حمله الرجال إنه اليقين إنه التوكل إنه صدق الثقة بالله إنه صدق اللجوء إلى الله ﷻ ، فأتاها جبريل وقال: من أنت؟ قالت: أنا أم ولد إبراهيم، فقال جبريل: إلى من وكلكما -إلى من ترككما- في هذا المكان؟ فقالت هاجر: إلى الله، فقال جبريل: وكلكما إلى كافل، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] فمن توكل عليه كفاه، ومن اعتصم به نجَّاه، ومن فوض إليه أموره هداه، قال جل في علاه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣].

стр. 116

إبراهيم ومحمد ﵉ أيها الأحبة! ما هي النتيجة للمتوكلين، ما هي ثمرة التوكل؟! قال إبراهيم ﵇: حسبنا الله ونعم الوكيل فكانت الثمرة أن الملك أمر النار فقال: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، قيَّدوه فلم تحرق النار من إبراهيم إلا قيوده، وجلس إبراهيم في النار معاف سليماً، وفي رواية ضعيفة: (أن جبريل لما نزل إليه في النار، قال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وإن كانت لله فعلمه بحالي يغني عن سؤالي) وهذه رواية ضعيفة، أما الرواية الصحيحة أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فنجاه الله من النار. وقالها سيد الرجال محمد في غزوة أحد، والجروح مثخنة والدماء تنزف، والأصحاب رضوان الله عليهم قد تعرضوا لمحنة قاسية، وفي اليوم التالي أمرهم النبي ﷺ بالخروج، فخرجوا فهددوا من أبي سفيان وجيشه: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣]، قالوا: لا، ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، فما هي الثمرة؟ ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٤]. فالتوكل نتعلمه من رسول الله كما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله، قال جابر: (كنا في غزوة ذات الرقاع، وكنا إذا رأينا شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ لينام تحتها، يقول: فأتينا على شجرة ظليلة فتركناها لرسول الله، فنام النبي تحتها وقد علق سيفه على غصن من أغصانها، فجاء رجل مشرك فرأى النبي نائماً ورأى السيف معلقاً ففرح، فاخترط السيف -أي: أخذ السيف- وأراد أن يهوي بالسيف على الحبيب المصطفى، فالتفت إليه النبي وهو نائم على ظهره، فقال المشرك لرسول الله: أما تخافني؟ فقال المصطفى: لا، فقال المشرك: فمن يمنعك مني الآن يا محمد؟ قال المصطفى: الله! فسقط السيف من يده، فأخذ النبي السيف بيده وقال للمشرك: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ يا محمد، قال المصطفى: حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال المشرك: لا) وأنا أقول لكم: والله ما تجرأ المشرك على قولة (لا) والسيف في يد رسول الله إلا علمه اليقيني بأخلاق الحبيب المصطفى (قال: لا. إلا أني أعاهدك على ألا أقاتلك، أو أكون في قوم يقاتلونك، فخلى النبي سبيله، فانصرف الرجل إلى قومه ليقول: يا قوم! لقد جئتكم من عند خير الناس) أي: من عند محمد بن عبد الله الذي توكل على الله .

стр. 117

الميزان من عدل الله أنه ينصب ميزاناً يوم القيامة للحساب، ويزن فيه الأعمال من خير وشر، فالمؤمن يفرح بعمله الصالح، ويظهر فضله، والكافر يحزن ويتحسر، ويظهر ذله وخزيه، والميزان من الأمور الغيبية التي لا يعلم حقيقتها إلا الله، فالواجب على المسلم أن يؤمن به كما أخبر الله تعالى عنه.

стр. 118

حقيقة الميزان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيَّاكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً. وأسأل الله العظيم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة، سلسلة علمية كريمة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها: تذكير الناس بالآخرة، في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانشغل فيه كثير من الناس عن طاعة رب الأرض والسماوات؛ ليتوب الناس إلى الله جل وعلا، ويتداركوا ما قد فات، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون. ونحن اليوم على موعد مع اللقاء الثامن عشر من لقاءات هذه السلسلة الكريمة، وقد كنا في اللقاءات الخمسة الماضية على التوالي مع البشرية كلها وهي تقف على بساط العدل في ساحة الحساب بين يدي الملك ﷻ ، وتعرفنا على أهم قواعد العدل التي يحاسب الله بها العباد في ساحة الحساب، وتعرفنا على أول أمة ينادى عليها لتحاسب بين يدي الله جل وعلا، وتعرفنا على أول من يقضي الله بينهم، وأول ما يحاسب عليه العبد، وعلى أول حق من حقوق العباد يقضي الله فيه بين الخلق، ثم تعرفنا في اللقاء الماضي على أصناف الناس، فقلنا: إن من الناس من يأخذ كتابه بيمينه، ويحاسبه الله حساباً يسيراً، ومن الناس من يأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، ويحاسبه الله حساباً عسيراً، ومن الناس من يدخل إلى الجنة مباشرة بغير حساب ولا عذاب. فهل يا ترى بانتهاء الحساب تنتهي أهوال القيامة؟!! الجواب كلا! بل إذا انقضى الحساب أمر الله جل وعلا أن ينصب الميزان؛ فإن الحساب هو لتقرير الأعمال، والميزان لإظهار مقدارها؛ ليكون الجزاء بحسبها، وليظهر عدل الله للبشرية كلها في ساحة الحساب، فتوزن أعمال المؤمن لإظهار فضله، وتوزن أعمال الكافر لإظهار خزيه وذله على رءوس الأشهاد، قال : ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. فما هو الميزان؟ وما الذي يوزن فيه؟ وما هي الأعمال التي تثقل في الميزان يوم القيامة؟ الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة هو موضوع لقائنا هذا، فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يثقل موازيننا يوم نلقاه؛ إنه ولي ذلك ومولاه. أولاً: ما هو الميزان؟ أحبتي في الله! أرجو أن تتدبروا معي جيداً هذه المقدمة لهذا العنصر المهم: الميزان على صورته وكيفيته التي يوجد عليها هو من الغيب الذي أمر الصادق المصدوق أن نؤمن به من غير زيادة ولا نقصان، وهذه هي حقيقة الإيمان، ويا خسران من كذب بالغيب وأنكر وضع الميزان، وقدح في آيات الرحيم الرحمن، واستهزأ بكلام سيد ولد عدنان، ثم تطاول فقال قولة ملحد خبيث جبان: الميزان لا يحتاج إليه إلا البقال أو الفوال!! فهذا حري بأن يكون ممن لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزناً؛ لأنه بجهله وغبائه وانغلاق قلبه ظن أن ميزان الآخرة كميزان الدنيا، ومن البديهي أن جميع أحوال الآخرة لا تكيف أبداً، ولا تقاس البتة بأحوال الدنيا، ولقد نقل الحافظ ابن حجر ﵀ إجماع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن الميزان له لسان وكِفتان أو كَفتان -بكسر الكاف وفتحها، واللغتان صحيحتان- وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة. وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية المشهورة: والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال الذي توزن به الأعمال يوم القيامة له كفتان حسيتان مشاهدتان، والله أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات. أيها المسلم! لا يعلم حقيقة وطبيعة وكيفية الميزان إلا الملك الرحمن، وإلا فهل تستطيع أن تتصور ميزاناً يوضع في يوم القيامة يقول فيه المصطفى ﷺ : (لو وزنت فيه السماوات والأرض لوزنهما)؟ وكيف تتصور هذا الميزان؟! ففي الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك، وصححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وصحح إسناد الحديث الألباني في السلسلة الصحيحة، من حديث سلمان الفارسي أن الحبيب النبي ﷺ قال: (يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزنت فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة إذا رأت الميزان: يا رب! لمن يزن هذا؟ فيقول الملك جل وعلا: لمن أشاء من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك). فإذا رأت الملائكة الميزان عرفت أنها ما عبدت الرحمن حق عبادته، وهذا من شدة الرعب والهول؛ فإن مشهد الميزان من أرهب مشاهد القيامة. فالميزان حق، قال جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]. فكفى بالملك جل وعلا حسيباً، فبين الله أنه يضع الموازين بالقسط -أي: بالعدل-، والراجح من أقول أهل العلم: أن الميزان يوم القيامة ميزان واحد. وأما الجواب على الجمع في قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ) فهو: أن الراجح من أقوال العلماء: أن الجمع في الآية باعتبار تعدد الأوزان أو الموزون؛ لأن الميزان يوزن فيه أشياء كثيرة، فالجمع على اعتبار تعدد الأوزان أو الموزون.

стр. 119

أقسام الناس عند الميزان بين الله تعالى أن الميزان إن ثقل ولو بحسنة واحدة فقد سعد صاحبه سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خف الميزان ولو بسيئة واحدة فقد شقي صاحبه شقاوة لا يسعد بعدها أبداً، قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١ - ١٠٤]. فمن ثقل ميزانه ولو بحسنة سعد سعادة لا شقاوة بعدها أبداً، ومن خف ميزانه ولو بسيئة شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبداً، أما من استوت موازينه بأن تساوت حسناته مع سيئاته، فهؤلاء -على الراجح- هم أهل الأعراف الذين يحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، وهؤلاء قصرت بهم سيئاتهم فلم يدخلوا الجنة، ومنعتهم حسناتهم من أن يدخلوا النار، فحبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فإذا التفت أهل الأعراف إلى أهل الجنة سلموا عليهم، كما قال : ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف:٤٦]. أي: لم يدخل أهل الأعراف الجنة وهم يرجون رحمة الله، ويطمعون أن يدخلهم الجنة، فإذا ما التفتوا إلى الناحية الأخرى ورأوا أهل الجحيم في الجحيم؛ تضرعوا إلى الملك العليم ألا يجعلهم مع القوم الظالمين، كما قال جل وعلا: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٦ - ٤٧]. إذاً: أيها المسلم! حري بك إذا ما تعرفت على أقسام الموازين الثلاثة ألا تحتقر أي عمل صالح وإن قل، وألا تستهين بمعصية وإن صغرت، فبحسنة واحدة قد يثقل الميزان، وبسيئة واحدة قد يخف الميزان، بل بكلمة واحدة قد تنال رضوان الرحمن، وبكلمة واحدة قد تنال سخط الجبار . ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوى بها في جهنم). فقد يستهين كثير منا بخطورة الكلمة، وكم من كلمات أشعلت حروباً بين أمم ودول؟! بل بكلمة يهدم بيت، وبكلمة يدخل المرء دين الله، وبكلمة يخرج المرء من دين الله، وبكلمة يستحل الرجل فرج امرأة، وبكلمة يحرم عليه فرجها؛ فالكلمة لها خطرها في دين الله، فبكلمة تنال الرضوان، وبكلمة قد يتعرض المرء لسخط الرحمن، فحسنة قد تدخل العبد الجنة؛ لأنها تثقل ميزانه، وسيئة قد تدخل العبد النار؛ لأن بها يخف ميزانه عند الملك القهار جل وعلا. ولذا ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق). فلا تقل: هذا عمل بسيط، وهذه طاعة صغيرة أو حقيرة؛ فكم من عمل صغير عظمته النية! وكم من عمل عظيم صغرته النية! فلو تصدقت بجنيه واحد لله، والله يعلم فقرك، ويعلم منك حاجتك له، فربما سبق جنيهك هذا ملايين الجنيهات لغيرك من الأغنياء، والله أعلم بحالك وحالهم. فلا تحقرن من المعروف شيئاً؛ فإن عجزت عن بعض الأشياء؛ فإنك لن تعجز -أيها المسلم- أن تهش وتبش في وجه إخوانك، ولو أن تلقاهم بوجه طليق، فما من بيت يخلو من المشاكل، ولكن ما ذنب إخوانك إن خرجت إليهم بوجه عبوس، فكن كما قال ﷺ في هذا الحديث: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق). بل لقد قال الصادق المصدوق ﷺ -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -: (إن بغياً -أي: زانية- من بغايا بني إسرائيل دخلت الجنة في كلب -كيف ذلك؟! - مرت على كلب يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فعادت إلى بئر ماء فملأت موقها -أي: خفها- ماءً وقدمته للكلب فشرب، فغفر الله لها بذلك) أود أن أقول: إذا كانت الرحمة بالكلاب تغفر الخطايا للبغايا، فكيف تصنع الرحمة بمن وحد رب البرايا؟! فنحتاج إلى رحمة، فالرحمة والرفق -يا شباب- يصلحان ولا يفسدان أبداً، والشدة والعنف -يا شباب- يهدمان ويفسدان ولا يصلحان أبداً، وهذه سنة الله في خلقه، قال ﷺ : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه). وقد حدثنا المصطفى ﷺ عن امرأة حبست هرة -أي: قطة- فدخلت بسببها النار. والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄. وجاء في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم عن النبي ﷺ قال: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة). أي: ولو بنصف تمرة تتصدقون بها لوجه الله، فقد ينجو العبد من النار بشق تمرة، فإن ثقل الميزان بحسنة سعد صاحب هذه الحسنة سعادة لا شقاوة بعدها أبداً، وإن خف الميزان بسيئة شقي العبد شقاوة لا سعادة بعدها أبداً، وإن تساوت الموازين فهؤلاء هم أهل الأعراف، والراجح من أقوال كثيرة لأهل العلم: أن الله جل وعلا يتغمدهم برحمته، فيدخلهم الجنة.

стр. 120

بيان ما يوزن في الميزان ما الذي يوزن في الميزان؟ الجواب هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء. أيها الأحبة! لقد اختلف أهل العلم في الجواب على هذا السؤال على ثلاثة أقوال، وأعرني قلبك وسمعك جيداً فإن الموضوع منهجي دقيق يحتاج إلى حسن متابعة.

стр. 121

وزن الأعمال اختلف أهل العلم في الذي يوزن على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الذي يوزن في الميزان يوم القيامة هو الأعمال ذاتها، أي: أعمال العبد من صلاة وصيام وزكاة وحج وصدقة وبر وعمرة وغير ذلك. فرد بعض المعكرين المتعنتين وقالوا: هذه الأعمال أعراض لا أجسام؛ والأعراض لا توزن ولا توضع في الميزان، فكيف توزن الصلاة وهى ليست جسماً؟! وكيف توزن الزكاة؟! وكيف يوزن الحج؟! وكيف توزن الصدقة؟! وكيف يوزن بر الوالدين؟! فهذه الأعمال أعراض لا أجسام، والأعراض لا توزن في الميزان، فكيف تقولون: بأن الأعمال هي التي توزن يوم القيامة؟! و الجواب أن الله جل وعلا يوم القيامة يحول الأعراض إلى أجسام توضع في الميزان، فيخف الميزان ويثقل بحسب الحسنات والسيئات، والأدلة على ذلك من السنة الصحيحة كثيرة: روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). فهذه كلمة يثقل الله بها الميزان، وأما كيف؟! فنقول: يحول الله الأعراض إلى أجسام، وتوضع في الميزان، فيثقل الميزان ويخف بحسب الحسنات والسيئات. وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وصححه شيخنا الألباني في مشكاة المصابيح من حديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق). فحسن الخلق أثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة. وأخبرنا الصادق المصدوق ﷺ أن القرآن الكريم يأتي يوم القيامة يقف أمام العبد بين يدي الله جل وعلا على هيئة غمامة، أو سحابة أو طير. اللهم ارزقنا العمل بالقرآن، ورد الأمة إلى القرآن رداً جميلاً، فإننا نرى الآن أمة القرآن قد هجرت القرآن! والهجر للقرآن أنواع: هجر التلاوة، وهجر التدبر، وهجر العمل بأحكام القرآن، وهجر التداوي بالقرآن، هجرت الأمة القرآن، وصدق فيها قول الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، وما أشقى من تغافل عن دائه، ولم يسع في دوائه، فظل في ضنكه وشقائه! فلا سعادة للأمة ولا ريادة إلا إذا عادت من جديد إلى أصل عزها ونبع شرفها ومعين كرامتها وبقائها، ألا وهو: كتاب ربها مع سنة الحبيب نبيها. اللهم رد الأمة إلى القرآن والسنة رداً جميلاً برحمتك يا أرحم الراحمين! يقول المصطفى ﷺ : (يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وسورة آل عمران كأنهما غمامتان سوداوان بينهما شرْق أو شَرَق -شرق بتسكين الراء أو بفتح الراء هو: الضوء والنور، والتسكين أشهر وأبلغ- أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما) أي: بين يدي الله جل وعلا. فكل هذه أدلة من السنة الصحيحة تدل على أن الأعراض تتحول يوم القيامة إلى أجسام، ولما لم نستطع أن نعي كل هذه الحقائق أردنا أن نحكم قوانين الآخرة الغيبية بقوانين الدنيا الحسية فعجزنا. فلا تعطل ولا تكيف ولا تمثل. ولا يستطيع أحد منا الآن أن يعاند أو أن يكابر أو أن يمتنع عن الاعتراف بعالم يعيش بيننا ألا وهو عالم النمل مثلاً، بل ولا يستطيع أحد منا أن ينكر أن النمل يتكلم؛ بدليل أن الله لما فك رموز لغة النمل لسليمان ﵇ فهم سليمان لغة النمل، وتجاوب مع النمل، كما قال : ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٨ - ١٩]. إذاً: لا يستطيع أحد أن ينكر وجود عالم النمل، بل لا يستطيع أحد أن ينكر أن النمل يتكلم ويتحدث ويتخاطب، ومع ذلك ما رأينا واحداً منا قد جاء بمكبرات صوت دقيقة جداً وقربها لمجموعة نمل ليسمع كلامها، مع أنه يعلم أن النمل يتكلم؛ لأنه ما أعطى لعقله العنان في أن يدرك كيفية لغة النمل؛ لأن الله ما فك له رموز هذه اللغة. فإذاً: هو يستكثر على عقله أن يدرك كيفية لغة هذا النمل، والنمل خلق من خلق الله، فكيف لعقله أن يدرك ذات الله جل وعلا؟! وكيف له أن يدرك الذات الإلهية؟! فلا تكيف ولا تعطل، ولا تمثل ولا تشبه؛ فعالم الآخرة ليس كعالم الدنيا، ومن الظلم أن نحكم عالم الآخرة الغيبي بعالم الدنيا وقوانينه وهو عالم حسي، فالله سبحانه بقدرته يحول الأعراض إلى أجسام توضع في الميزان، فيثقل الميزان ويخف بحسب الحسنات والسيئات، بل لقد أخبرنا الصادق أيضاً: أن العمل يأتي لصاحبه في القبر على هيئة رجل. وقد جاء بهذا حديث رواه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وغيرهم، وصححه الإمام ابن القيم، وأطال النفس في الرد على من أعل الحديث، وصحح الحديث الألباني من حديث البراء بن عازب ﵁، وفيه: (أن النبي ﷺ ذكر العبد المؤمن إذا وضع في قبره، فقال: ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟! فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟! فيقول: الإسلام، فيقولان له: من نبيك أو من هذا الرجل الذي بعث فيكم؟! فيقول: هو محمد ﷺ ، فيقولان: ما علمك؟! فيقول: قرأت كتاب الله؛ وآمنت به وصدقت، فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي؛ فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر). وأرجو ألا يشوش علينا كلام العلمانيين المجرمين ممن يريدون أن يجعلوا من سلطان العقل والمادة قانوناً يحكمونه في صريح القرآن وصحيح السنة؛ فإننا نشهد الآن نبتة سوء ينكر أصحابها عذاب القبر. وإن غداً لناظره قريب. فهذا كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، يقول ﵊: (ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول الميت له: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول له: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، وأنا عملك الصالح) العمل يكلم صاحبه في القبر بقوله: (وأنا عملك الصالح). وقال المصطفى ﷺ عن الكافر: (ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟! فيقول: هاه هاه، لا أدرى، فيقولان: من نبيك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدرى، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدرى، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فافرشوا له فراشاً من نار، وألبسوه لباساً من نار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من روحها وسمومها، ثم يضيق عليه قبره فتختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل أسود الوجه، قبيح المنظر، منتن الريح، فيقول: من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بشر، فيقول: أبشر بالذي يسوءك؛ أنا عملك الخبيث). بل لقد أخبر الصادق أن الموت نفسه يأتي يوم القيامة على هيئة كبش أملح، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (يؤتى يوم القيامة بالموت على هيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم نعرفه؛ إنه الموت، وكلهم قد رآه. فينادي منادٍ: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم نعرفه؛ إنه الموت. فيؤمر بذبحه بين الجنة والنار، وينادي منادٍ ويقول: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت). إذاً: يا إخوة! ثبت بالأدلة الصحيحة التي ذكرت الآن: أن الأعراض تتحول إلى أجسام، وتوضع في الميزان يوم القيامة، ويثقل الميزان ويخف بحسب الحسنات والسيئات، هذه أدلة أصحاب القول الأول الذين قالوا: إن الأعمال هي التي توزن في الميزان يوم القيامة.

стр. 122

وزن العامل القول الثاني: أن الذي يوزن في الميزان هو العامل نفسه، وليس الأعمال. واستدل أصحاب هذا الفريق بأدلة صحيحة كذلك، منها: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إنه ليأتي الرجل السمين العظيم فلا يزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضه) أي: أنه يؤتى برجل سمين عظيم منتفخ يوم القيامة فيوضع في الميزان فلا يزن عند الله جناح بعوضة؛ إذ إن الموازين إذا وضع فيها العباد لا تخف ولا تثقل بحسب ضخامة الأبدان وكثرة الشحم والدهن، وإنما تثقل وتخف بحسب الحسنات والسيئات. وأقول: من الظلم أن نحكم قانون الدنيا في قوانين الآخرة، أو في عالم الآخرة، ومن المعلوم في موازين الدنيا أن الرجل السمين العظيم إذا صعد على الميزان يثقل، فإن وضع في الكفة الأخرى رجل نحيف هزيل فإنه يخف، لكن موازين الآخرة تختلف؛ فيوضع في الميزان الرجل السمين العظيم الذي ملأ بطنه بالحرام، والذي ملأ بطنه بأموال الناس بالباطل، والذي ملأ بطنه بأموال اليتامى ظلماً وبهتاناً، والذي ملأ بطنه بالرشوة وأكل الحرام، يوضع في الميزان مع أنه منتفخ، فلا يزن عند الله جناح بعوضة. وفي المقابل يؤتى برجل نحيف خفيف لو وضع في كفة، ووضع جبل أحد في كفة؛ لرجحت كفة هذا الرجل، وهذا مثل عبد الله بن مسعود ﵁؛ فإنه كان رجلاً ضعيف البنية، لكنه قوي الإيمان، كان رجلاً خفيف الجسم، لكنه ثقيل الأعمال، كما في الحديث الذي تفرد به الإمام أحمد في مسنده بسند جيد قوي كما قال الحافظ ابن كثير وغيره، يقول علي بن أبي طالب ﵁: (صعد ابن مسعود ﵁ يوماً على شجرة أراك يجني سواكاً، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم، فقال المصطفى ﷺ : مم تضحكون؟! قالوا: نضحك من دقة ساقيه يا رسول الله! فقال: والذي نفسي بيده! لهما أثقل في الميزان من جبل أحد). فهذه أدله أصحاب القول الثاني الذين قالوا: إن الذي يوزن في الميزان هو العبد.

стр. 123

وزن صحف الأعمال القول الثالث: أن الذي يوزن في ميزان العبد يوم القيامة هي الصحف. واستدلوا على ذلك بحديث صحيح رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، ورواه ابن حبان وأبو داود وغيرهم، وصحح الحديث شيخنا الألباني من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى سيخلص رجلاً من أمتي يوم القيامة على رءوس الخلائق، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مثل مد البصر، فيقول الله جل وعلا للعبد: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول العبد: لا يا رب! فيقول: أفلك عذر؟ فيقول العبد: لا يا رب، فيقول الله جل وعلا: بلى؛ إن لك عندنا حسنة، فتخرج بطاقة مكتوب فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول العبد: يا رب! ما هذه البطاقة إلى جوار هذه السجلات؟! فيقول الله جل وعلا: احضر وزنك؛ فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتوضع السجلات -أي: الصحف- في كفة، وتوضع البطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة؛ فإنه لا يثقل مع اسم الله شيء). اللهم كما خلقتنا موحدين ثبتنا على التوحيد، واختم لنا بالتوحيد يا رب العالمين! فيا من خلقك الله موحداً! وأرسل إليك محمداً؛ لا تغفل عن شكر هذه النعمة، أسأل الله أن يجعلنا أهلاً لها. ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي! وأن أرسلت أحمد لي نبيا ولكن أرجو أن نعلم يقيناً أن التوحيد ليس مجرد كلمة ترددها الألسنة أو دخان يطير في الهواء، بل إن التوحيد: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. أيها الأحبة الكرام! فما هو القول الراجح من بين هذه الأقوال؟ وما هي الأعمال التي تثقل في الميزان؟! أرجئ الجواب في عجالة على هذين السؤالين إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 124

ما يوزن به يوم القيامة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! الراجح عندي -والله تعالى أعلم- بعد تدبري وتفهمي لهذه الأدلة على كثرتها: أن الأعمال والعامل والصحف كل ذلك يوضع في الميزان، أي: يوزن العبد بأعماله وبصحفه، وهذا ما رجحه صاحب (معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول) في التوحيد، وهذا ما أميل إليه. أسأل الله أن يثقل ميزاننا يوم نلقاه؛ إنه ولي ذلك ومولاه.

стр. 125

الأعمال التي تثقل الميزان يوم القيامة أذكر نفسي وأحبابي ببعض الأعمال التي تثقل الميزان يوم القيامة، وهذا هو عنصرنا الثالث والأخير. من أعظم الأعمال التي تثقل الميزان يوم القيامة حسن الخلق، فعن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذي). آه من الحديث عن حسن الخلق! ما أحوج الأمة بحكامها وعلمائها وشيوخها ودعاتها ورجالها ونسائها وشبابها إلى حسن الخلق! فإن حسن الخلق الآن منهج نظري منير، ونرى بوناً شاسعاً رهيباً بينه وبين سوء خلق كمنهج واقعي عملي مرير. فأين أخلاق الإسلام؟!! أين أخلاق محمد ﵊؟! فما أيسر التنظير يا إخوة! أقول: إن أرفف المكتبات في بيوتنا وفى مدارسنا وجامعاتنا تئن بأطنان المجلدات، التي سطر فيها المنهج النظري المشرق المنير، ولكن لو فتشت في واقع الأمة، ونظرت نظرة سريعة إلى أحوال الناس؛ لرأيت بوناً شاسعاً بين هذا المنهج النظري المنير وبين الواقع المؤلم المر المرير. فأين الصدق؟! أين الإخلاص؟! أين الأمانة؟! أين الرفق؟! أين الحلم؟! أين العفو؟! أين الصلة؟! أين البر؟! أين الرجولة؟! أين الشهامة؟! أين الكرامة؟! أين الحياء؟! أين أخلاق محمد بن عبد الله ﷺ ؟! والله! والله! إني لأتهم نفسي كما قال : ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] ويرن في أذني الآن قول القائل: وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي والطبيب عليل فأسأل الله أن يستر علي وعليكم، وأن يردني وأن يردكم وأن يرد الأمة كلها إلى الخلق الجميل رداً جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ما أحوجنا إلى محاسن الأخلاق! وما أحوجنا إلى مكارم الأخلاق! يا شباب! أيها المسلمون! أقول دائماً: لقد نجح المصطفى ﷺ في أن يقيم للإسلام دولة من فتات متناثر وسط صحراء تموج بالكفر موجاً، فإذا دولة الإسلام بناء شامخ لا يطاوله بناء، نجح المصطفى في ذلك يوم أن طبع عشرات الآلاف من النسخ من المنهج التربوي الإسلامي العظيم، ولكنه لم يطبعها بالحبر على صحائف الأوراق، وإنما طبعها على صحائف القلوب بمداد من النور، فحول أصحاب النبي ﷺ المنهجَ الأخلاقي الإسلامي إلى واقع عملي، يتألق سمواً وروعةً وجلالاً في دنيا البشر، فذهلت البشرية بهذا المنهج. لكنني أقول: إن أعظم حجر يقف الآن في سبيل الإسلام في الشرق والغرب هو أخلاق المسلمين، فإن الرجل في الشرق والغرب ينظر إلى المسلمين هناك، فيرى المسلم يزني، ويبيع الخنزير، ويشرب الخمر، ولا يحافظ على الصلوات، فينظر هذا الرجل إلى هذا المسلم الذي يتغنى بالإسلام، فيرى أنه قد يفوقه خلقاً سيئاً، فالحجر الكئود والعقبة الكئود في طريق الزحف الإسلامي في الشرق والغرب هي أخلاقنا إلا من رحم ربنا. نسأل الله أن يجعلنا جميعاً ممن رحم فحسن خلقه، ولذلك يقول المصطفى: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق) وأرجو أن نعلم أن النبي ﷺ قال: (في ميزان المؤمن) وأرجو أن ننتبه لهذه اللطيفة وهي: أن الإيمان أصل سابق، إذ لو جاء كافر عند الله بأخلاق حسنة فإنها تنفعه في الدنيا، لكنها لا تنفعه في الآخرة؛ لأن الأصل مفقود، ألا وهو الإيمان بالرب المعبود، فالنبي ﷺ يقول: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق). وقد جاء في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي بسند حسن أن النبي ﷺ سئل عن أكمل المؤمنين إيماناً فقال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً). بل لقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن حبان وغيرهما، من حديث عائشة بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (إن العبد المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم). وأصحاب الأخلاق العالية من أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ يوم القيامة، قال المصطفى ﷺ : (إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً). اللهم ارزقنا الأخلاق الكريمة الحميدة يا رب العالمين! ومن أعظم الأعمال التي تثقل الميزان يوم القيامة أيضاً أيها الأخيار! ما ذكره المصطفى ﷺ بقوله: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض). فهل تعجز عن هذا؟! والحديث في صحيح مسلم. ويقول المصطفى ﷺ : (لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس). وأختم بهذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال: المصطفى صلى الله عليه سلم: (من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر). لكن أرجو أن يردد اللسان، وأن يصدق الجنان، وأن تترجم الجوارح والأركان. أسأل الله جل وعلا أن يثقل موازيننا يوم نلقاه، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. أحبتي في الله! ماذا بعد الميزان؟! الجواب في الجمعة القادمة بإذن الله جل وعلا، أسأل الله أن يجمعنا بكم دائماً على الخير والطاعة؛ إنه ولي ذلك وموالاه. اللهم ثقل موازيننا يوم نلقاك، اللهم ثقل موازيننا يوم نلقاك، اللهم ثقل موازيننا يوم نلقاك. اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا. اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض. اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً إلا رحمته. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 126

الصراط ستمر بالبشرية جمعاء أهوال عظيمة وخطوب جسيمة يوم القيامة، وقد وصف لنا النبي ﷺ هذا الصراط، ووصف أحوال الناس عليه، وكأننا نعاين هذا الهول الرهيب، وبين ﵊ الأعمال المنجية من هذا الهول العظيم، وبين الأعمال التي تزيد البلاء بلاءً وتوبق أهلها في جهنم والعياذ بالله، فعلى المسلم أن يحرص على ما ينفعه، وأن يثبت على الصراط المعنوي في هذه الدنيا -وهو دين الله- لينجو في الصراط الحسي الأخروي.

стр. 127

الصراط جسر جهنم وأحوال الناس عليه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الكريم المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة، سلسلة علمية كريمة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها تذكير الناس بحقيقة هذه الدنيا وبالآخرة، في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانحرف فيه كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات؛ ليتوبوا إلى الله ويتداركوا ما قد فات، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون. نحن اليوم -بإذن الله جل وعلا وتوفيقه ومدده- على موعد مع اللقاء التاسع عشر من لقاءات هذه السلسلة العلمية الكريمة، وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي مع مشهد الميزان، وقلنا: إن الحساب لتقرير الأعمال، وإن الوزن لإظهار مقدارها ليكون الجزاء بحسبها. فإذا وزنت الأعمال، وتقرر الجزاء، وما بقي إلا أن يلقى كل واحد مصيره، فيأمر الملك جل وعلا أن ينصب الصراط على متن جهنم؛ ليمر عليه المتقون إلى جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدراً، ليمر عليه المتقون إلى جنات عدن، وليمر عليه المشركون والمجرمون إلى نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى. وهذا هو موضوعنا اليوم مع حضراتكم بإذن الله جل وعلا، فإننا اليوم على موعد مع مشهد الصراط بعد الميزان. وسوف أركز الحديث مع حضراتكم في هذا الموضوع الخطير في العناصر التالية: أولاً: الصراط جسر جهنم وأحوال الناس عليه. ثانياً: الأمانة والرحم على جانبى الجسر. ثالثاً: آخر رجل يمر على الصراط. وأخيراً: كيف النجاة؟ فأعيرونى القلوب والأسماع والوجدان، فإن الموضوع جد خطير، والله أسأل أن ينجني وإياكم يوم الحساب، ويوم الميزان، ويوم الصراط، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 128

تعريف الصراط لغة واصطلاحاً الصراط لغة: هو الطريق الواضح المستقيم البين، ومنه قول جرير: أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم والصراط شرعاً: جسر أدق من الشعر، وأحد من السيف كما قال أبو سعيد الخدري كما في صحيح مسلم: (جسر أدق من الشعر، وأحد من السيف)، يضربه الله جل وعلا على ظهر جهنم؛ ليمر عليه المؤمنون إلى جنات النعيم، والمشركون إلى جهنم وبئس المصير، فهو قنطرة بين الجنة والنار. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١].

стр. 129

معنى قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) قال الإمام ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية: اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] يعني: جهنم والعياذ بالله، فقال بعض أهل العلم: الأظهر والأقوى أن الورود في الآية هو: المرور على الصراط، (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) أي: لابد لكل أحد أن يرد على النار، أي: من فوق الصراط. ومن أهل العلم من قال: إن الورود هو الدخول، أعاذني الله وإياكم من جهنم، (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) أي: إلا داخلها، فلا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها! ثم ينجي الله الذين اتقوا: فيجعل النار عليهم برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم. والراجح والتحقيق العلمي الجامع لأقوال أهل العلم في معنى الورود هو: أن الورود على النار نوعان: ورود بمعنى الدخول، وهذا للكفار والمشركين، كما قال الله في شأن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨] فهذا هو الورود الذي هو بمعنى الدخول. والنوع الثانى: الورود بمعنى: المرور -أي: على الصراط- وهذا لا يكون إلا لأهل الأنوار من المتقين الموحدين ممن قال في حقهم رب العالمين: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢].

стр. 130

حديث المرور على الجسر وحال المنافقين عليه أعرني قلبك وسمعك! فها هو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى يبين لنا بأسلوبه النبوي البليغ المعجز الرائع الجامع لبيان الكلم، يبين لنا هذا المشهد المهيب مشهد المرور على الصراط، بل إن شئت فقل: يجسد لنا هذا المشهد الذي يخلع الفؤاد، ففي الصحيحين -وهذا لفظ مسلم - عن أبي هريرة ﵁ قال: (إن ناساً سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال المصطفى: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ -أي: هل تشعرون بشيء من المشقة والتعب في رؤية القمر ليلة البدر؟ - فقالوا: لا، فقال المصطفى ﷺ : فهل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ -أي: هل تشعرون بشيء من المشقة والتعب في رؤية الشمس إن لم تحجبها السحب؟ - قالوا: لا، قال ﷺ : فإنكم ترونه كذلك. يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول جل وعلا: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت،-اللهم إنا نشهدك بأنا نعبدك وحدك لا شريك لك، ونبرأ إليك من الطواغيت والأرباب والآلهة والأنداد- وتبقى هذه الأمة وفيها منافقوها -تبقى أمة الحبيب ويندس في صفوف الأمة المنافقون المجرمون- فيأتيهم الله تعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول الله جل وعلا لهم: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك! هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول جل وعلا: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه)، وينطلق المنافقون المجرمون مع أهل الإيمان، يظن المنافقون أنهم سيخدعون الله، فقد خدعوا المؤمنين في الدنيا، وسيخادعون الله يوم القيامة! فيندس المنافقون في صفوف المؤمنين، ويقولون مع أهل الإيمان: نعم أنت ربنا! فيتبعونه، وينطلق المنافقون ليتبعوا رب العالمين مع المؤمنين! وهنا يلقي الله على أهل الموقف ظلمة حالكة السواد، لا يستطيع أحد في أرض الموقف أن يخطو خطوة واحدة إلا بنور، روى مسلم من حديث عائشة قالت: يا رسول الله! أين يكون الناس حين تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لله الواحد القهار؟ فقال المصطفى: (يا عائشة! هم في الظلمة دون الجسر)، وفي لفظ في مسلم: قال: (هم على الصراط، فيلقي الله ظلمة حالكة السواد لا يستطيع مخلوق أن يتحرك إلا بنور، وهنا يقسم الله الأنوار، قال ابن مسعود: فمنهم من يكون نوره كالجبل -هنا يقسم الله الأنوار بقدر الأعمال- ومنهم من يكون نوره كالنخلة، ومنهم من يكون نوره كالرجل القائم، وأدناهم نوراً من يكون نوره على إبهامه -أي: على أصبع قدمه الكبير- يتقد مرة وينطفئ مرة، ومنهم من تحيط الظلمة به من كل ناحية)، وأثر ابن مسعود رواه أحمد والحاكم وابن حبان وابن أبي حاتم، وصححه الألباني وغيره، قال الله: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨]، يقسم الله الأنوار على أهل الإيمان كل بحسب عمله في الدنيا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد:١٢]. وإذا أراد المنافقون أن يقتربوا من الصراط سلب الله نورهم، أو كما قال الضحاك: طفئ نور المنافقين، فيتمايز أهل النفاق من أهل الإيمان، فإذا رأى أهل الإيمان نور المنافقين طفئ على الصراط وجلوا وأشفقوا، وقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨]، حينئذ يرى أهل النفاق في الظلمات الحالكة أهل الأنوار من أهل الإيمان والتوحيد ينطلقون على الصراط فينادي المنافقون أهل الظلمات على أهل الإيمان من أهل الأنوار: يا أهل الإيمان! يا أهل الأنوار! انظرونا نقتبس من نوركم، لا تتركونا في هذه الظلمات الحالكة السواد! انتظرونا لنمشي في رحاب أنواركم. ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣]، وهذا من جنس الخداع للمنافقين كما خادعوا الله في الدنيا ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] هذه هي اللحظات الحرجة! (قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ﴾ [الحديد:١٣ - ١٤] أي: ينادي أهل النفاق أهل الإيمان أهل الأنوار: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:١٤] ألم نصل معكم الجمعات؟! ألم نحضر معكم الجماعات؟! ألم نشهد معكم الغزوات؟! ألم نقف معكم على عرفات؟! ألم نؤد معكم سائر الواجبات؟! ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد:١٤] أي: بالشهوات والمعاصي والملذات والذنوب والشبهات. ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ [الحديد:١٤] أي: بالحق وأهله والسنة وأهلها. ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ [الحديد:١٤] تشككتم في البعث والميزان والصراط والنار. (وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٤] حتى جاءكم الموت، وانتقلتم من علم اليقين إلى عين اليقين، عاينتم الحقائق بأعينكم، فرأيتم الميزان، ورأيتم الصراط، ورأيتم النيران)) وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد:١٤ - ١٥]. اللهم نجنا من النار، واجعلنا من أهل الأنوار، برحمتك يا عزيز يا غفار! تدبر معي قول حبيبنا المختار ﷺ ، يقول المصطفى ﷺ : (فيقول الله جل وعلا: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة وفيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك! هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه، ويضرب الصراط على ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز) فلا يجوز الصراط نبي قبل الحبيب محمد، ولا تجوز الصراط أمة قبل أمة الحبيب محمد، وهذه كرامة أخرى لهذه الأمة الميمونة الكريمة، ففي سنن ابن ماجة بسند صحيح من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال: (نحن آخر الأمم وأول من يحاسب يوم القيامة، فيقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون)، وفي رواية أخرى لـ ابن عباس: (فتفرز لنا الأمم طريقنا، فنمضي غراً محجلين من أثر الوضوء، فتقول الأمم في أرض القيامة: كادت هذه الأمة كلها أن تكون أنبياء!) يقول الحبيب: (فأكون أنا وأمتي أول من يجوز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان). الخطاطيف: جمع خطاف: وهو الحديدة المعروفة، والكلاليب: جمع كلوب، والكلوب: بمعنى الخطاف. والسعدان: نبت له شوكة عظيمة كالخطاف، صلبة قوية، فالنبي ﷺ يشبه الكلاليب والخطاطيف التي تخطف الناس من على الصراط لتلقي بهم في جهنم والعياذ بالله بشوك السعدان. ثم قال: (هل تعرفون شوك السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى).

стр. 131

الشفاعة في أناس من أهل النار عن أبي سعيد الخدري -في صحيح مسلم - أن النبي ﷺ قال: (ثم يشفع المؤمنون -أي: في إخوانهم الذين سقطوا في النار- فيقول المؤمنون: ربنا! إن إخواننا كانوا يصلون ويصومون ويحجون معنا، فيقول الله جل وعلا: ارجعوا فأخرجوا من النار من عرفتم. فيرجعون فيعرفونهم في النار بأثر السجود، فإن الله حرم على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، ثم يرجعون إلى الله فيقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا به، فيقول الملك ﷻ : ارجعوا -أي: مرة ثانية- فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا به، فيقول الملك -للمرة الثالثة-: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يعودون ويقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا به. فيقول الملك -للمرة الرابعة-: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً. ثم يقول -الملك الرحيم الرحمن غافر الذنب وقابل التوب، أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، ورب العالمين جل وعلا-: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين). لك الحمد يا سيدي على حلمك بعد علمك، لك الحمد يا خير راحم، وإن عذبت فغير ظالم، فإن عفوت فخير راحم، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وعلى عفوك بعد قدرتك، يا سيدي! إن رأينا ذنوبنا فزعنا، وإن رأينا حلمك وجودك وكرمك طمعنا. يقول المصطفى: (فيقبض الله قبضة من النار، فيخرج من النار خلقاً كثيراً، يخرجون حمماً -أي: قد احترقوا من شدة النار- فيلقي عليهم ماء يقال له: ماء الحياة، من أنهار على أفواه الجنة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل! فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة فيقولون: هؤلاء عتقاء الرحمن من النار، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه!) اللهم اجعلنا من عتقائك من النار برحمتك يا عزيز يا غفار.

стр. 132

صفة الصراط يصف الصادق المصدوق الصراط، ويزيد الصورة توضيحاً وتجسيداً كما في رواية أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم أنه قال: (ثم يضرب الجسر على جهنم -قيل: وما الجسر يا رسول الله؟ قال: دحض مزلة -أو مزلة بالفتح والكسر، واللغتان صحيحتان، أي: موطن تزل فيه الأقدام ولا تثبت، اللهم ثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام- فيه خطاطيف وكلاليب وحسك -والخطاطيف: جمع خطاف، والكلاليب: جمع كلوب وهو الخطاف، والحسك: بفتح الحاء والسين شوك كالخطاف شديد الصلابة كالحديد- ثم يمر المؤمنون: فمنهم من يمر كالطرف -أي: مثل غمضة العين، صنف من أهل الإيمان يمر على هذا الصراط الموحش في طرفة عين إلى الجنان، اللهم اجعلنا منهم- ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطير، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والركاب -هذه هي أصناف أهل الإيمان- فناج مسلم -هذا هو القسم الأول وهو الذي نجاه الله وسلمه، وهم من أهل الأنوار والتقى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢]-فناج مسلم ومخدوش مرسل- تمسه النار، لكن العزيز الغفار ينجيه، والقسم الثالث- ومكدوس في نار جهنم) أي: تخطفه الخطاطيف والكلاليب فتهوي به في جهنم والعياذ بالله. وصف لو تدبرته فكأنك تعايشه وتراه، ولم لا والذي يبين لنا هو من آتاه الله جوامع الكلم بأبي هو وأمي ﷺ ؟! أيها المسلمون! تدبروا هذا المشهد الذي يخلع القلب! أنت على الصراط! وجهنم مسودة تزفر وتزمجر تحت الصراط! والناس بين يديك: منهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطير، ومنهم من يزحف على الصراط، ومنهم من تخطفه الخطاطيف إلى نار جهنم. أبت نفسي تتوب فما احتيالي إذا برز العباد لذي الجلال وقاموا من قبورهم سكارى بأوزار كأمثال الجبال وقد نصب الصراط لكي يجوزوا فمنهم من يكب على الشمال ومنهم من يسير لدار عدن تلقاه العرائس بالغوالي يقول له المهيمن يا وليي غفرت لك الذنوب فلا تبالي تدبر هذه اللحظات! والله إنها لحظات تخلع القلوب! الصراط على متن النار! جرب نفسك الآن على نهر ماء، لا أقول: على نار، ولكن على ماء، اذهب إلى بركة صغيرة مدت عليها خشبة أو ماصورة، جرب نفسك لتعبر عليها كيف يكون حالك؟! وأنت تعلم أنك إن سقطت ستسقط في ماء! ولن تسقط في نار! جرب هذا المشهد؛ لتقف على هول لحظات تمر فيها على الصراط، وجهنم تحت الصراط تزفر وتزمجر غضباً منها لغضب ربها جل وعلا، ويزداد الأمر خطراً إذا رأيت الأمانة على يمين الصراط، والرحم على شمال الصراط، قبل أن تمر تقول لك الأمانة: أين الحقوق؟ وتقول لك الرحم: أين الحقوق؟ وهذا هو عنصرنا الثاني.

стр. 133

الأمانة والرحم على جانبي الصراط الأمانة والرحم على جانبي الصراط، والله إنه لمشهد يخلع القلب! في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان أنه ﷺ قال: (وترسل الأمانة والرحم على جنبتي الصراط)، يقول الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: وإرسال الأمانة والرحم على جانبي الصراط؛ لتطالب كل من يمر على الصراط بحقهما! وهذا يدل على عظيم قدرهما عند ربهما. الأمانة: حمل ثقيل ضخم أشفقت السماوات والأرض والجبال من حمله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢].

стр. 134

تعريف الأمانة هل تعلم أيها الحبيب معنى الأمانة؟ يقول ابن عباس ﵄: (الأمانة: هي الفرائض التي افترضها الله على عباده). ويقول أبو العالية (الأمانة: هي ما أمروا به وما نهوا عنه). ويقول الحسن -وهذا أبلغ قول للأمانة-: الأمانة هي: الدين. فالدين كله أمانة). فالعبادة أمانة، والصلاة أمانة، والزكاة أمانة، والصيام أمانة، والحج أمانة، وجوارحك أمانة، ومنصبك وكرسيك أمانة، والمال عندك أمانة، وزوجك وأولادك أمانة، والعلم عند العالم وطالب العلم أمانة، والحكم أمانة، والله قد حذرنا من الخيانة فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]. وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن أعرابياً دخل على النبي ﷺ يوماً وهو يحدث الناس فقال الأعرابي: يا رسول الله! متى الساعة؟ فمضى النبي ﷺ في حديثه ولم يرد على الأعرابي! فلما قضى النبي ﷺ حديثه، سأل عن الأعرابي السائل عن الساعة فقال: أين السائل عن الساعة؟ قال الأعرابي: ها أنا يا رسول الله! فقال المصطفى: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) ووالله لقد ضيعت الأمانة، وأنا أقسم بالله وأنا غير حانث. (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال الأعرابي الفقيه: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ -أي: كيف تضيع الأمانة؟ سؤال بليغ- فقال النبي ﷺ : إذا وسد الأمر إلى غير أهله) ووالله لقد وسد الأمر إلى غير أهله، وتقدم وتطاول الأقزام والتافهون والرويبضات، ممن قال عنهم الصادق -في حديثه الصحيح الذي رواه أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة -: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة)، والله لقد تكلم التافهون والساقطون، لا في أمر العوام، بل في أمر الإسلام! وفي دين محمد ﵊. وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها الذئاب إلا من رحم ربك جل وعلا، فالدين كله أمانة، والله قد حذر من الخيانة، الأمانة تقف على جانب الصراط تطالبك بحقوقها قبل أن تمر، فالله الله في الأمانة.

стр. 135

خطورة قطيعة الرحم الرحم وما أدراك ما الرحم! آهٍ! من تقطيع الأرحام في هذا الزمان، والله لقد رأينا الابن يقطع رحم أبيه وأمه! رأينا الإنسان المسلم الآن يأتي إلى المسجد وهو قاطع لأرحامه! لا يعرف والده! يهين أباه! يهين أمه! يهين عمه! يهين خاله! يهين عمته! يهين خالته! قطع الأرحام، ومزق الأرحام، ثم يقول: إن أهلي لا يودوني! لا يزوروني! لا يودني أحد من أهلي! وأنا لذلك لا أزور أحداً! هذا هو ما يسمى بتبادل المنافع والمصالح والزيارات، إن زارك عمك تقدم له الزيارة، وإن لم يفعل لا تفعل! هذا تبادل مصالح ومنافع وزيارات، أما الصلة فهي أن يقطعوك فتصل، واسمع لهذا الحديث المرعب! لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، يقول المصطفى ﷺ -والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة -: (لما فرغ الله تعالى من خلق الخلق قامت الرحم فقالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الله للرحم: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟! قالت: بلى، قال: لك ذلك. قال المصطفى: اقرءوا إن شئتم قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]). فقاطع الرحم ملعون من رب العالمين، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [محمد:٢٣]. فيا أيها المسلم! أيها المصلي! يا من تخشى المرور على الصراط! اذهب اليوم وضع أنفك في التراب لله، واذهب إلى أهلك، وقبل يد أبيك وقبل يد أمك، واذهب إلى أعمامك وعماتك وأخوالك وخالاتك ورحمك، ولا تقطع الرحم فإن النبي ﷺ يقول: (لا يدخل الجنة قاطع رحم) والحديث في البخاري ومسلم، وفي الصحيحين أيضاً من حديث أنس أنه ﷺ قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه -إذا أردت أن يوسع الله عليك في رزقك- وينسأ له في أثره -أي: يبارك له في أجله وعمره- فليصل رحمه)، هذا كلام النبي ﷺ الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فالأمانة والرحم على جنبتي الصراط تطالبان كل من يمر بحقهما، الله الله في الأمانة، الله الله في الرحم. وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 136

آخر رجل يمر على الصراط الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: يا ترى من هو آخر رجل يمر على الصراط؟ وكيف يكون حاله وهو آخر رجل يدخل الجنة من أمة الحبيب محمد ﷺ ؟! وحديثه الجميل رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، تدبر معي كلام النبي ﷺ وهو يقول: (آخر رجل يدخل الجنة رجل يمشى مرة -أي: يمشي على الصراط مرة- ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، يمشي ثم يتكفأ فيسقط فتسفعه النار)، ولكنه يحاول ويجاهد ليمر على الصراط، فإذا نجاه الملك جل وعلا وعبر الصراط، التفت إلى النار تحت الصراط تضطرم، ثم قال: (تبارك الذي نجاني منك وأعطاني ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين!) نعم ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] إي وربي فقد فاز، يلتفت ويقول: تبارك الذي نجاني منك وأعطاني ما لم يعط أحدا من الأولين والآخرين. يقول المصطفى ﷺ : (فترفع له شجرة)، أي: يرفع الله له شجرة، أيها الحبيب! أرجو أن تتصور وتتخيل شجرة غرس كرامتها ملك الملوك جل وعلا! (فترفع له شجرة من شجر الجنة، فيقول العبد: أي رب! أدنني من هذه الشجرة لأستظل بظلها ولأشرب من مائها. فيقول الله للعبد: فلعلي إن أعطيتكها ستسألني غيرها، يقول: لا أسألك غيرها، فيدنيه الله منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها -يقول المصطفى-: فترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول العبد: أي رب! أدنني من هذا الشجرة لأستظل بظلها ولأشرب من مائها. فيقول الله: يا ابن آدم ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟! -أي: غير الأولى- فيقول: هذه لا أسألك غيرها. فيقول: إن أعطيتكها ستسألني غيرها. فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيرها، فيقربه الله منها، يقول المصطفى: وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيقربه الملك فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة على باب الجنة هي أحسن من الأوليين فيقول: أي رب! أدنني من هذه الشجرة، فيقول الله: ألم تعط العهود ألا تسألني غير الذي سألت؟! فيقول: هذه لا أسألك غيرها، فيقربه الله منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها، فيسمع أصوات أهل الجنة في الجنة فيقول: أي رب! أدخلني الجنة، فيقول الله جل وعلا: يا ابن آدم ما الذي يرضيك مني؟ ثم يقول: أيرضيك أن أعطيك -أي: في الجنة- الدنيا ومثلها معها فيقول العبد: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟! هنا ضحك عبد الله بن مسعود، وسأل أصحابه: لم لا تسألوني مما أضحك؟ فقالوا: مم تضحك يا ابن مسعود؟ قال: ضحك رسول الله ﷺ فسألناه مم تضحك يا رسول الله؟ قال: أضحك لضحك رب العزة جل وعلا، يضحك رب العزة من عبده إذا قال: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟! فيضحك الله من عبده -لا تعطل ولا تكيف ولا تمثل ولا تشبه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]- فيضحك رب العزة من عبده ويقول له: أنا لا أستهزئ بك ولكني على ما أشاء قادر)، وفي رواية أبي سعيد في صحيح مسلم يقول: (سمعت النبي ﷺ يقول: يقول الله للعبد أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟)، وفي رواية أبي سعيد: (أيرضيك أن أعطيك الدنيا وعشرة أمثالها معها؟) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 137

كيفية النجاة من الصراط وأهواله أخيراً: كيف النجاة؟ وطريق النجاة في كلمات قليلة: إن لله في الدنيا صراطاً، وإن لله في الآخرة صراطاً، فمن استقام في الدنيا على صراط الله ثبته الله في الآخرة على صراطه، فاستقم على صراط الله في الدنيا، فأنت في كل ركعة من ركعات صلاتك تدعو الله أن يهديك هذا الصراط ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، هذا الصراط هو طريق محمد بن عبد الله ﷺ ، فالزم هذا الصراط واثبت عليه؛ ليثبتك الله على صراط الآخرة. والله أسأل أن يثبتنا وإياكم على الصراط، اللهم ثبتنا على الصراط، اللهم ثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام، اللهم ثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام، اللهم ثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام، اللهم ثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا عيباً إلا سترته، ولا حاجة هي لك رضى ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى. اللهم استر نساءنا، واحفظ بناتنا، واهد أولادنا، واجعلهم قرة عين لنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم احفظ أهلنا في العراق يا أرحم الراحمين، اللهم احفظ أهلنا في العراق يا أرحم الراحمين، اللهم احفظ أهلنا في العراق بقدرتك يا رب العالمين. اللهم احفظ أهلنا في فلسطين، اللهم احفظ أهلنا في فلسطين. اللهم احفظ أهلنا في الصومال، وفي الفلبين، وفي كشمير، وفي طاجكستان، وفي تركستان، وفي الجزائر يا رحمن. اللهم ارفع الهم والغم عن أمة حبيبك محمد، اللهم ارفع الهم والغم عن أمة حبيبك محمد، اللهم أرنا في اليهود وأعوانهم يوماً كيوم عاد وثمود، اللهم عليك باليهود والأمريكان، اللهم عليك باليهود والأمريكان، اللهم أرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود بقدرتك يا قوي يا جبار. اللهم احفظ أهلنا ونساءنا وبناتنا وإخواننا وأولادنا في العراق وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم احفظهم بحفظك، اللهم اكلأهم بعنايتك، اللهم اكلأهم برعايتك، اللهم إنك قادر، تقول للشيء: كن فيكون، اللهم إنك قادر، اللهم إنهم ضعفاء فكن لهم نصيراً، اللهم إنهم عزل فكن لهم معيناً، اللهم إنهم عزل فكن لهم نصيراً، اللهم إنهم عزل فكن لهم معيناً، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان -وهذا وارد لا شك فيه- فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 138

وصف النار خلق الله الناس في هذه الدنيا لعبادته، وأعد لمن أطاعه الجنة، ولمن عصاه النار، وقد حذر الله الخلق من النار، وبين لهم في كتابه ما فيها من الشدائد والأهوال، بل وصف النبي ﷺ أحوال أهل النار وما يلاقون من النكال، ثم أرشد الناس إلى طريق النجاة منها ومن عذابها، فما على العاقل إلا أن يسلك سبل النجاة ويتحصن بدرع الوقاية من النار.

стр. 139

وصف النار الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين؛ فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته. وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الكريم المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة: سلسلة علمية كريمة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها: تجديد الإيمان بالله جل وعلا واليوم الآخر، وتذكير الناس بالآخرة في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانحرف كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات؛ ليتوبوا إلى الله جل وعلا ويتداركوا ما قد فات، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون. ونحن اليوم -بتوفيق الله وحوله وطوله ومدده- مع اللقاء المتمم للعشرين من لقاءات هذه السلسلة الكريمة، وكنا قد أنهينا الحديث في اللقاء الماضي عن الصراط وصفته، وأحوال الناس في المرور عليه، كما بين لنا ذلك الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: (ثم يضرب الجسر -أي: الصراط- قيل: وما الجسر يا رسول الله! قال دحض مزلة) أي: موطن تزل فيه الأقدام ولا تثبت، اللهم ثبت أقدامنا على الصراط. (قيل: ما الجسر يا رسول الله؟! قال: دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك) والحسك: نوع من أنواع الشوك ينبت في جزيرة العرب، والخطاف والكلوب معروفان: وهو حديدة معكوفة يخطف بها الإنسان ما يريد. قال: (فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، فيمر المؤمنون على الصراط كطرف العين، وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم). وحديثنا اليوم بإذن الله تعالى عن نار جهنم أعاذنا الله وإياكم من حرها، انطلاقاً من منهج القرآن في الترهيب بعد الترغيب كما في قول ربنا جل وعلا: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:١ - ٣]، وكما في قول الله جل وعلا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]. فانطلاقاً من منهج القرآن الكريم في الترهيب بعد الترغيب، وانطلاقاً من معتقد أهل السنة والجماعة في أن الجنة والنار مخلوقتان لا تبيدان ولا تفنيان أبداً، وأن الله قد خلق الجنة والنار قبل أن يخلق الخلق، فالجنة رحمة الله يرحم بها من يشاء من عباده، والنار عذاب الله يعذب بها من يشاء من عباده، ولقد خلق الله لكل منهما أهلاً، فمن دخل الحنة فبفضله وبرحمته، ومن دخل النار فبعدله وحكمته: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. وسوف أجعل الحديث في هذا الموضوع الخطير حول العناصر التالية: أولاً: صفة النار. ثانياً: شدة عذاب أهل النار. ثالثاً: أهل الخلود وأهل الخروج. رابعاً: كيف النجاة من النار؟ فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا الموضوع من الأهمية بمكان، والله أسأل أن يحرمنا وإياكم على النيران، وأن يجعلنا وإياكم من أهل الجنان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 140

نار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من النار أولاً: وصف النار. أحبتي في الله! هل وقف أحدكم يوماً أمام حريق هائل مروع قد شب في بئر من آبار البترول، أو شب في حقل من الحقول، أو شب في مصنع من مصانع الغاز، أو حتى في بيت من بيوتنا، وانطلق رجل من ساكني هذا البيت في عودته فرأى هذا الحريق الهائل، فتذكر امرأته وتذكر أباه وتذكر أمه، وتذكر ثمار فؤاده وفلذات أكباده كبده، وأراد أن ينطلق في هذا الحريق المدمر؛ لينقذ ولده، وسرعان ما انطلق، ولكنه عاد القهقرى وابتعد عن لفح النار ودخانها ولهبها!! هل تعلمون يا مسلمون! أن هذه النار التي لا يجرؤ إنسان على أن يقترب منها، إنما هي جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم؟! ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله! والله إن كانت لكافية! فقال المصطفى ﷺ : ولكنها فضلت -أي: زادت- على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها)! هل تتصور أن النار قد اشتكت إلى الله من شدة نارها ومن شدة لهبها؟! ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضاً، فأذن لي أتنفس، فأذن الله لها في نفسين: نفس في الصيف ونفس في الشتاء، فما وجدتم من زمهرير وبرد -أي: في الشتاء- فمن نفس جهنم، وما وجدتم في الصيف من حر وحرور فمن نفس جهنم، فإن شدة الحر من فيح جهنم) وفي رواية الترمذي: (فأما نفسها في الشتاء فزمهرير، وأما نفسها في الصيف فسموم).

стр. 141

وصف النار في السنة تدبر وصف النبي المختار ﷺ لهذه النار وهي تأتي يوم القيامة، والحديث رواه مسلم من حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها). أرجو أن تتصور هذا المشهد الذي يخلع القلب -والحديث في أعلى درجات الصحة- (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)، وإذا رأت جهنم الخلائق زفرت وزمجرت غضباً؛ لغضب القهار الجبار جل وعلا، قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢]، جهنم ترى يوم القيامة، جهنم تسمع يوم القيامة، جهنم تتكلم يوم القيامة قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢]، بل وتظل جهنم تنادي وتقول: هل من مزيد؟ سلم يا رب! هل من مزيد من الكفرة؟ هل من مزيد من المنافقين؟ هل من مزيد من المشركين المجرمين؟ وتظل تنادي وتقول: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ حتى يأذن ربها جل وعلا أن تمتلئ، ففي الحديث الذي رواه مسلم أنه ﷺ قال: (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قد امتلأت بعزتك وكرمك!)، قال الله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٢٤ - ٣٠]. فتظل جهنم تصرخ على أهل الكفر: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه -بلا تعطيل ولا تكييف: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]- فتقول: قط قط، قد امتلأت بعزتك وكرمك! تكاد القلوب أن تنخلع أيها المسلمون! إذا ما وقفنا على شيء يسير جداً من هول العذاب في النار. وهذا هو عنصرنا الثاني.

стр. 142

وصف النار في القرآن قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٤]. إنها سقر: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٧ - ٣٠]. إنها الحطمة: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:٥ - ٩] مؤصدة، أي: مغلقة لا ينتهي وقودها، ولم لا؟! ووقودها الناس والحجارة، فلا ينتهي وقودها ولا ينطفئ لهبها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. اللهم نجنا من النار!

стр. 143

شدة عذاب أهل النار شدة عذاب أهل النار. لقد بين لنا ربنا سبحانه ونبينا ﷺ أن الناس يتفاوتون في العذاب في نار جهنم، فجهنم لها أبواب، يدخل من كل باب صنف معين من الناس بحسب ذنوبه، وجهنم دركات، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٣ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]. وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حقويه -أي: إلى جنبيه- ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته) أي: إلى عنقه، تصور هذا المشهد!

стр. 144

ثياب أهل النار أيها اللاهي! أيها الساهي! أيها العاصي! أيها المذنب! أيها المضيع للصلاة! أيها المضيع للزكاة! أيها المضيع للحج مع القدرة والاستطاعة! أيها العاق لوالديك! أيها المؤذي لجيرانك! أيها المسيء! أيها الصاد عن دعوة الله وعن سبيل الله! تذكر هذه اللحظات، وتذكر هذه الآيات، وتذكر هذه الكلمات من الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى بأبي هو وأمي ﷺ ، فالطعام في النار نار، والشراب في النار نار، حتى الثياب من النار! قال ابن عباس: (تبارك من جعل لأهل النار من النار ثياباً)، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم:٤٩ - ٥٠] القطران: هو النحاس الذي أذيب من شدة الغليان، فالثياب من قطران، وقال الله جل وعلا: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:١٩ - ٢٢]. الطعام نار والشراب نار والثياب نار، وهنا يستغيث أهل النار بخزنة جهنم؛ ليتضرع خزنة جهنم إلى الله أن يخفف عن أهل النار يوماً واحداً من العذاب، قال جل وعلا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٤٩ - ٥٠]. فيرجعون بخيبة أمل فينادون على مالك رئيس الخزنة: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف:٧٧] ماذا تريدون؟ نريد الموت نريد الهلاك نريد الخلاص من هذا العذاب: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فيتذكر أهل النار إخوانهم وأهلهم وأحبابهم ممن كانوا يسخرون منهم في الدنيا من أهل التوحيد. اللهم اختم لنا بالتوحيد واجعلنا من أهل التوحيد. يتذكر أهل النار أهل التوحيد ممن كانوا يهزءون بهم في الدنيا ويسخرون منهم في الدنيا فينادون عليهم: نريد شربة ماء، نريد شيئاً مما رزقكم به رب الأرض والسماء: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥٠ - ٥١]. فيرجعون بخيبة أمل جديدة! ثم ينادون الله، فيأتي الجواب من الله وهو الرحمن، لكن كفرهم كان عنيداً، لكن كبرهم كان كبيراً! ينادون الله، فيرد ربنا جل وعلا عليهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٥ - ١٠٨]. وبهذا يظل أهل الكفر في هذا العذاب الخالد المقيم! وينجو من النار أهل التوحيد برحمة رب العالمين، وشفاعة سيد النبيين محمد ﷺ ، وشفاعة المؤمنين الصادقين، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر هذا اللقاء.

стр. 145

غمسة في جهنم تنسي كل نعيم إن لحظات قليلة في نار جهنم تنسي العبد كل رخاء ونعيم في هذه الحياة، ففي صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار) أي: رجل عاش في الدنيا منعماً، ولكنه في الآخرة من أهل النار، يؤتى بهذا الرجل يوم القيامة ويغمسه الله غمسة واحدة في نار جهنم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة واحدة، ويقال له: يا بن آدم! هل رأيت نعيماً قط؟ هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت خيراً قط، وما مر بي نعيم!) أنساه شقاء العذاب كل نعيم، وأنساه بؤس الجحيم كل نعيم ورخاء. ولذلك فسيتمنى الكافر المجرم أن ينجو من عذاب النار ولو قدم لله ملء الأرض ذهباً، تدبر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران:٩١]، بل في الصحيحين من حديث أنس، أن النبي ﷺ قال: (يقال لأهون أهل النار عذاباً: أرأيت لو كان لك ما في الأرض أكنت تفتدي به؟! فيقول: نعم، فيقول الله جل وعلا: أردت منك أهون من ذلك وأنت في صلب آدم، أردت منك ألا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا الشرك). فوحدوا الله ﷻ ، وحققوا التوحيد، وأخلصوا التوحيد لله، وتجنبوا الشرك كله، فإن الشرك من أعظم أسباب الخلود في النيران، وإن التوحيد من أعظم أسباب النجاة من النيران، بل إن التوحيد هو أعظم أسباب النجاة من النيران، أسأل الله أن يختم لي ولكم بالتوحيد، وأن يحفظني وإياكم من الشرك كله دقه وجله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. (لقد أردت منك أهون من ذلك وأنت في صلب آدم: أردت منك ألا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا الشرك) فيتمنى الكافر المجرم -وهو يرى العذاب، ويذوق طعم العذاب أشكالاً وألواناً- أن لو افتدى من عذاب الله بولده، بل ويتمنى أن لو افتدى من العذاب بامرأته، بل ويتمنى أن لو افتدى من العذاب بأسرته وقبيلته وعشيرته، بل ويتمنى أن لو قدم أهل الأرض جميعاً ليفتدي نفسه من عذاب الله جل وعلا، تدبر قول الله: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج:١١ - ١٨]. يود المجرم الخبيث الكافر أن لو افتدى يوم القيامة من عذاب النار بأولاده بأصحابه بإخوانه بزوجته بل يتمنى أن لو قدم أهل الأرض جميعاً من أجل أن ينجو بنفسه من عذاب الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولم لا وطعامهم في جهنم من النار، وشرابهم في جهنم من النار، وثيابهم في جهنم من النار! فطعام أهل النار: الزقوم والضريع والغسلين، هل تعلمون شيئاً عن الزقوم؟! هل تعرفون الضريع؟! هل تعرفون الغسلين؟! تمنيت أن لو سمع أهل الكفر مثل هذا الكلام، تمنيت أن لو سمع أهل الظلم والبطش مثل هذا الكلام، لن يقوى على النار أحد، لو جلس أحدنا على مدفأة أو على تنور صغير، ونسي نفسه، ومست النار يده، سرعان ما يخطف يده! وكأنه لا يقوى على أن يتحمل النار برهة، فمن يتحمل ناراً مثل نار الدنيا سبعين مرة؟! نسأل الله السلامة والعافية.
следующие страницы →