Полный текст (240 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
نفخة البعث
في هذه المادة يتحدث الشيخ عن قضية مهمة من قضايا العقيدة، ألا وهي الإيمان بالبعث بعد الموت، فقد تكلم الشيخ عن حقيقة البعث وإنكار الكفرة له بين يدي رسول الله ﷺ ، ودلل بما ذكره الله في محكم كتابه في قصة الرجل الذي مر على القرية، وقصة نبي الله إبراهيم ﵇، ثم ذكر كيفية بعث الله للخلق بعد الموت.
стр. 72
حقيقة البعث
الحمد لله الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، فهو الأول الذي لا شيء قبله، وهو الآخر الذي لا شيء بعده، وهو الظاهر الذي لا شيء فوقه، وهو الباطن الذي لا شيء دونه، سبحانه سبحانه سبحانه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيءٍ قدير.
أحبتي في الله! لا زلنا نعيش بفضل الله جل وعلا، مع قول الله ﵎: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف:١٨٧] أي: كأنك عالم بوقت وقوعها: ﴿يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧].
ولا زلنا الليلة إن شاء الله جل وعلا، نعايش أحداث الساعة، تلك الأحداث المرعبة المزلزلة، وقد انتهينا في الليلة الماضية من النفخة الأولى ألا وهي: نفخة الصعق، ونحن الليلة على موعدٍ -أيها الأخيار- مع النفخة الثانية ألا وهي: نفخة البعث.
وذلك مصداقاً لقول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] هذه هي النفخة الثانية بنص حديث مسلم ونحن إن شاء الله جل وعلا نلتزم بما ورد في الأحاديث الصحيحة ففيها الغنية، وفيها الكفاية إن شاء الله تعالى.
(ثم نفخ فيه أخرى) أي: في الصور (فإذا هم قيامٌ ينظرون) وأعيروني القلوب والأسماع؛ لأن قضية البعث من القضايا التي شكك فيها المشككون قديماً وحديثاً.
стр. 73
إنكار الكفار للبعث
إن من الكافرين والعياذ بالله من أنكر قضية البعث في القديم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] ومنهم من زعم أنه سيعيش وسيموت إلا أنه لن يبعث بعد الموت، كما أخبر ربنا جل وعلا عن هذا الصنف الخبيث في سورة التغابن، فقال : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] لتبعثن: لام التوكيد.
стр. 74
من حلف بغير الله فقد أشرك
الرسول ﷺ يأمره الله جل وعلا في هذه الآية أن يقسم بذاته، وهنا ينبغي أن أذكر أحبابي وإخواني بأن الله جل وعلا، إن كان يأمر نبيه ﷺ ، أن يقسم إن كان مقسماً بالله جل وعلا، أفيحل لنا نحن إذا أردنا أن نقسم وأن نحلف بغير الله جل وعلا؟ كلا والله، فمن كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله: (من حلف بغير الله فقد أشرك).
أيها الحبيب والكريم! أعلمُ يقيناً أنك تحب الحبيب المصطفى، ولكن حبيبك المصطفى ﷺ يأمرك ويجب عليك أن تُذعن لأمره وتطيع، يأمرك الحبيب ألا تقسم به، أي لا تقل: والنبي، ولا والولي، ولا وحياة أولادي، ولا وحياة زوجتي، ولا كذا ولا كذا، وإنما يعلمك حبيبك المصطفى ﷺ إن كنت حالفاً ومقسماً أن تحلف بالله جل وعلا، لأنه لا يجوز لك البتة أن تحلف إلا بالله ﵎: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) (من حلف بغير الله فقد أشرك).
فلا تقل أيها الحبيب: والنبي كذا، كلا، هذا لا يصح ولا يجوز.
وأيضاً: إن تعرضنا لهذه الجزئية فأذكرك -أيها الحبيب في الله- وأقول لك: كن على يقينٍ بأن الأمر كله لله جل وعلا، وبأن الضر والنفع بيد الله جل وعلا، فإن كان لا يصح لك أن تحلف إلا بالله؛ فإنه لا يصح لك بحالٍ أن تسأل غير الله، إياك أن تسأل نبياً ولو كان الحبيب المصطفى ﷺ ، وإياك أن تسأل ولياً، إن كان لا يصح لك أن تسأل الحبيب محمداً، فهل يصح لك أن تسأل من دونه ولياً؟ كلا والله؛ لأنه لا يملك لك الضر والنفع إلا ملك الملوك وجبار السماوات والأرض كما ورد في حديث ابن عباس الذي رواه الترمذي وأحمد بسندٍ صحيحٍ، أنه قال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت) اسأل من النبي أو الولي، اسأل مَن يا أحباب؟! الله جل وعلا، انتبه أيها الكريم (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، واعلم أنهم لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
يا صاحب الهم إن الهم منفرجٌ أبشر بخيرٍ فإن الفارج الله
إذا بليت فثق بالله وارضَ به إن الذي يكشف البلوى هو الله
الله يحدث بعد العسر ميسرةً لا تجزعنّ فإن الصانع الله
والله مالك غير الله من أحدٍ فحسبك الله في كلٍ لك الله
لا تسأل إلا الله جل وعلا؛ لأن الذي يملك الضر والنفع هو الله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧].
فلا تحلف إلا بالله، ولا تسأل إلا الله، ولا تستعن إلا بالله، وانتبه -أيها الحبيب- ولا تذبح إلا لله، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك، لا عقر في الإسلام، ولا نذر في الإسلام إلا للرحيم الرحمن.
وانتبه أيها الحبيب! إن كان ذبحك لله؛ فليكن نذرك لله، لا تنذر لنبي ولا تنذر لولي؛ لأن هذا من الشرك الذي حذرنا منه الحبيب المصطفى ﷺ ، من حلف فليحلف بالله، ومن نذر فليكن نذره لله، ومن ذبح فليكن ذبحه لله، ومن طاف فليكن طوافه ببيت الله، إياك أن تطوف بغير بيت الله، لا تطف بقبر محمد ﷺ ولا بقبر غيره من الأولياء والصالحين، وإنما فليكن طوافك ببيت رب العالمين، كما أمرك ربك جل وعلا، بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] فقط واللام للأمر.
هذه هي العبادة الصافية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
أيها الحبيب! لا تظن أن محبتك للنبي ﷺ هي أن تسأل رسول الله، أو أن تطلب من رسول الله، أو أن تستغيث برسول الله، أو أن تلجأ إلى رسول الله، كلا.
لا تقل ما قاله من قبل هؤلاء:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العممِ
وإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فأين الله؟ أين الله جل وعلا؟! الذي يجب أن يسأل، وأن يستغاث به وحده، وأن يسأل وحده، وأن يستعان به وحده، وأن يتوكل عليه وحده، وأن يفوض إليه الأمر وحده، وأن يذبح إليه وحده، وأن ينذر إليه وحده، وأن يستعان به وحده، وأن يستغاث به وحده، وأن تصرف العبادة كلها لله جل وعلا وحده.
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] بلى وربي، يأمر الله نبيه أن يقسم به، فيجب عليّ وعليك أن أقسم بربي جل وعلا، لا بالنبي ﷺ ، ولا بالولي.
﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] وبالرغم من ذلك كذب الذين كفروا ربنا جل وعلا، وسخر الكافرون من قول نبينا ﷺ ، فقالوا كما قال الله عنهم في سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء:٤٩] قل: يا محمد ﷺ : ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٥٠ - ٥٢] كونوا ما شئتم سيبعثكم الذي خلقكم أول مرة.
стр. 75
قصة العاص بن وائل
ولقد ذهب أُبي بن خلف وقيل العاصي العاص بن وائل بعظامٍ باليةٍ -أيها الأحباب- يفتها بين يديه، وقد ذهب إلى الحبيب المصطفى ﷺ ، وقال له: (يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذه العظام بعد ما صارت رميماً -أتدرون ماذا قال ﷺ ؟ - قال له: نعم يميتك، ثم يبعثك، ثم يدخلك جهنم) فنزل قول الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٧ - ٧٩] جل جلال الله، الذي خلقك أول مرة من النطفة المهينة الحقيرة، أليس بقادرٍ على أن يبعثك مرةً أخرى؟! بلى وعزة ربنا إنه لقادر: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧].
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بسندٍ حسن من حديث بشر بن جحاش القرشي ﵁: (أن النبي ﷺ بصق يوماً على كفه ووضع النبي إصبعه عليها ثم قال: قال الله تعالى: يا ابن آدم! أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه -انتبه أيها الحبيب- حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت منك التراقي قلت: أتصدق) وأنّ أوان الصدقة ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٣٩] أليس ذلك بقادر! قولوا: بلى وعزة ربنا كما قالها قتادة ﵁: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠] بلى.
وفي الحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك) أسمعت أيها الحبيب! الله جل وعلا يقول: (كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك) كذبت ربك يا ابن آدم! وشتمت ربك يا ابن آدم! صاحب الفضل والإنعام والإكرام والإحسان!!: (كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فقوله: إن الله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾ [البقرة:١١٦]) وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد.
جل جلال الله، كذب الإنسان ربه بقوله: لن يبعثني الله جل وعلا، وشتم الإنسان ربه بقوله: بأن الله جل وعلا قد اتخذ ولدا، ورحم الله إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد يوم أن كان ينظر إلى نصرانيٍ -ولا تقولوا مسيحي- يوم أن كان ينظر إلى نصراني فيغمض عينه، ويصرف بصره عنه، ويقول: إني لا أطيق أن أرى من سب الله جل وعلا!! سبوا الله مسبةً عظيمة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٢] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
стр. 76
قصص ذات دلالة على قدرة الله على البعث بعد الموت
إن قضية البعث من القضايا اليقينية الغيبية التي هي من أركان الإيمان بالله جل وعلا، ولا ينكر البعث بعد الموت إلا كافرٌ بالله ﵎، أعاذنا الله وإياكم من ذلك، ولقد ذكر الله جل وعلا لنا في سورة البقرة قصتين جميلتين من أعظم الأدلة على قدرته جل وعلا على البعث بعد الموت.
стр. 77
قصة صاحب القرية
قال سبحانه في قصة العزير: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] والقرية على الراجح هي قرية بيت المقدس، مر عليها العزير بعدما دمرها بختنصر، وصارت خراباً، فنظر إليها العزير يصفر فيها الهواء، لا سبب فيها من أسباب العمران، فقال: أنى يحيي الله هذه بعد موتها، فأماته الله جل وعلا مائة عام، ثم بعثه بعد مائة عام كاملة، وسأله الله جل وعلا عن طريق الملك، قال: كم لبثت؟ فنظر العزير فوجد الشمس ما زالت مائلة إلى الغروب، فظن العزير أنها شمس اليوم الذي مات فيه، أو نام فيه، قال: لبثت يوماً أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام، ما الدليل؟! انظر إلى وجهي المقارنة؛ لأنه لابد للمقارنة من وجهين وجه ثابت ووجه متغير قال: انظر إلى الوجه الأول، انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، أي لم يتغير لونه، ولا طعمه، ولا رائحته، بالله عليكم هل في الدنيا (ديب فريزر) يحفظ الطعام مائة سنة؟ الله أكبر! يحفظ الطعام مائة عام، انظر إلى الطعام والشراب ما تغير لا لونه، ولا طعمه، ولا ريحه، وما هي المقارنة المتغيرة يا رب؟ انظر إلى الحمار، أي حمارٍ؟ الحمار صار عظاماً بالية، صار رميمة، أكلته الأرض وبلي، قال: انظر إليه، فنظر إلى الحمار، فوجد الله جل وعلا يحيي أمام عينه حماره مرةً أخرى، يأتي العظم إلى جوار العظمة التي سيركب معها، وإذ به يرى الحمار يتحول إلى هيكلٍ عظمي فقط، لا لحم، ولا عظم، ولا شعر، ولا روح، وإذ به بعد ذلك يرى الحمار يكسى باللحم، ثم بعد ذلك بالشعر، ثم يأمر الله الملك فأتى الملك الحمار فنفخ في منخريه، فنهق الحمار بإذن الله جل وعلا، فصرخ العزير قائلاً: أعلم أن الله على كل شيءٍ قدير.
стр. 78
قصة إبراهيم ﵇
بعدها قال الله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠] إبراهيم ما شك يا إخوان! أضرب لكم مثالاً: يأتي الشيخ محمد التويجري حفظه الله ويقول: ابني نجح في المتوسطة وحصل على (٩٩%) وهذه الشهادة يا شيخ، انظر في الشهادة ما شاء الله (٩٩%) أقول: ما شاء الله، انظروا إلى
السؤال
أقول: يا شيخ محمد! كيف حصل ولدك على هذه الدرجة؟ هل أنا بهذا السؤال أنكر على أنه حصل على (٩٩%)؟ لا أنكر، ولكنني أسأل عن كيفية حصوله على هذه الدرجة؛ فإبراهيم ما أنكر وإنما قال: كيف تحيي الموتى؟ قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي، يريد أن ينتقل من حالة علم اليقين إلى عين اليقين، هلاّ جمعت أربعة من الطيور يا إبراهيم! وجمع إبراهيم الطيور، قال: اذبح واقطع واخلط العظم مع الريش، سبحان الله! وضع على جبل كوم من اللحم، وكوم من العظم، وكوم من الريش: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٢٦٠] علم الطيور واعرف: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً﴾ [البقرة:٢٦٠] قف يا إبراهيم! وناد على الطيور هذه: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ [البقرة:٢٦٠] قف يا إبراهيم! وناد.
ما هي أنواع الطيور يا إخوان؟! لأن كثيراً من الإخوة يتوقفون، هل كان معه حمام أو هدهد؟ أو ماذا؟ الله أعلم! ما سكت القرآن عنه لا حاجة لنا في أن نسأل عنه.
وأذكر مرة أن شخصاً سألني فقال لي: النملة التي كلمت سيدنا سليمان كانت ذكراً أم أنثى؟ فقلت له: أنت مالك ولها.
وشخص آخر يسألني يقول لي: يا شيخ! قلت له: نعم.
قال: كلب أصحاب الكهف ماذا كان اسمه؟ قلت له: اسمه عنتر، الاسم ليس فيه مشكلة.
فهذه أسئلة كما قال علماؤنا عنها: علمٌ لا ينفع، وجهلٌ لا يضر، أياً كان نوع الطيور، المهم العبرة.
﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ [البقرة:٢٦٠] وانظر -أيها الحبيب- ربنا ما قال: يأتينك طيراناً؛ لأنه لو قال طيراناً لربما قال: هذا طيرٌ من طيور السماء، لكن قال: سعياً حتى يتأكد إبراهيم بعينيه وهو يرى الطيور تحيا بأمر الله، وتأتيه بأمر الله الذي يقول للشيء كن فيكون!! قدرة الله لا تحدها حدود.
قل للطبيب تخطفته يدُ الردى من يا طبيب بطبه أرداك
قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا
قل للصحيح يموت لا من علةٍ من يا صحيح بالمنايا دهاكا
بل سائل الأعمى خطا وسط الزحام بلا اصطدام من يقود خطاكا
وسلِ البصير وكان يحذر حفرةً فهوى بها من ذا الذي أهواكا
وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راعٍ ومرعى ما الذي يرعاكا
وسل الوليد بكى وأجهش بالبكاء عند الولادة ما الذي أبكاكا
وإذ ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا
واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاكا
بل سائل اللبن المصفى كان بين دمٍ وفرثٍ ما الذي صفاكا
من يا إخوان؟! إنه الله جل وعلا.
стр. 79
كيفية البعث بعد الموت
قدرة الله لا تحدها حدود، ولا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] هين (فإذا ما أراد الله أن يبعث خلقه وعباده أمر الله جل وعلا السماء فتمطر -تمطر! تمطر ماذا؟! - تمطر ماءً كالطل -ما معنى الطل؟! الطل: ماء ثخين كمني الرجال أعزكم الله- يأمر الله السماء فتمطر ماءً كالطل) وهذا حديثٌ رواه الإمام مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة من حديث عبد الله بن عمر ﵄، ورواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (قال نبي الله ﷺ : ما بين النفختين -يعني نفخة الصعق، ونفخة البعث أربعون، قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوماً؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنةً؟ قال: أبيت) وعلماؤنا يفسرون معنى كلمة أبيت: أي أبيت أن أسأل رسول الله عن ذلك.
ثم قال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة (: ثم ينزل الله جل وعلا ماءً كالطل -أي كمني الرجال- فكل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم ومنه يركب) ما هو هذا عجب الذنب؟ عجب الذنب هذا -يا إخوان- عبارة عن عظمة صغيرة جداً في آخر السلسلة الفقرية لكل إنسان خلقه الله جل وعلا، هذه العظمة لا تبلى أبداً، يدفن الإنسان في قبره ألف عام وأكثر، أو أقل، الله أعلم! وإذا ما أراد الله أن يبعث خلقه أو أن يبعث عباده يأتي الله بكل عظمة إنسان خلقه، والله أعلم بعظمة كل إنسان من لدن آدم إلى قيام الساعة، ويأتي الله بهذه العظمة التي لا تبلى أبداً، ويركب الله حولها جسد صاحبها بعدما ينزل هذا المطر من السماء، تنبت الأجساد وتحيا في القبور، إلى الوقت الذي يشاء الله جل وعلا، فيأمر الله إسرافيل بعد ذلك أن ينفخ في الصور، والأجساد قد اكتملت، فإذا ما نفخ إسرافيل في الصور؛ أمر الله جل وعلا الأرواح فيأتى بها فتوضع في الصور، ويقول ربنا جل وعلا كما في حديث الصور الطويل، يقول ربنا جل وعلا: (وعزتي وجلالي ليرجعن كل روحٍ إلى جسده، فتسري الأرواح في الأجساد في القبور كما يسري السم في اللديغ، وحينئذٍ يأمر الله الأرض فتتزلزل) ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٢] وقال الإنسان المذعور المفزوع المرعوب: ما لها؟ ما الذي جرى؟ لقد كانت الأرض ساكنة آمنة مطمئنة، ما الذي غير حالها، وبدل أمنها وأمانها ما لها؟! ﴿وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٣ - ٨].
وهنا تتشقق الأرض، ويخرج الناس من قبورهم حفاةً عراةً غُرلا، هذا يخرج من هنا، وذاك يخرج من هناك، ويتجهون جميعاً إلى أرضٍ واحدة، إلى مكانٍ واحد، إلى هدفٍ واحد، شاخصة أبصارهم تجاه هذا المنادي الذي جاء ليقودهم إلى أرض المحشر: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه:١٠٨] ونتوقف مع حضراتكم عند هذا المشهد المهيب، لنبدأ الليلة القادمة إن قدر الله لنا البقاء واللقاء مع مشهد الحشر إلى الله جل وعلا.
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يسترنا وإياكم في الدنيا والآخرة، وأن يجعل هذا البلد سخاءً رخاءً آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 80
الشفاعة
يوم القيامة يوم عصيب وطويل، ولذلك يضطر الناس إلى طلب الشفاعة بفصل القضاء، فيتلمسونها عند جميع الأنبياء ولا يجدونها إلا عند محمد ﷺ ، فيطلب النبي ﷺ الشفاعة من الله بفصل القضاء، فيستجيب الله لرسوله ﷺ ، وهذا هو المقام المحمود الذي يحمده عليه جميع الناس، وإن أسعد الناس بشفاعته ﷺ من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه.
стр. 81
الشفاعة العظمى
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدَّى الأمانةَ، وبَلَّغَ الرسالةَ، ونَصَحَ الأمةَ، فكشف الله به الغمة، جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيَّاكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الكريم على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة سلسلة علمية هامة، تجمع بين المنهجية والرقائق وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها: تذكير الناس بالآخرة في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانصرف كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات؛ ليعجلوا بالتوبة إلى الله سبحانه قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون.
وهذا هو لقاؤنا الحادي عشر من لقاءات هذه السلسلة المباركة الكريمة، وكنا قد أنهينا الحديث في اللقاء الماضي مع الناس وهم في أرض المحشر، وقد اشتد بهم الهول والغم والكرب، فالزحام وحده يكاد أن يخنق الأنفاس، والشمس فوق الرءوس بمقدار ميل! والناس غرقى في عرقهم كل بحسب عمله وبحسب قربه من الملك الجليل، وفي هذا المشهد الرهيب العصيب يزداد الهم والغم والكرب بمجيء جهنم أعاذنا الله من حرها، قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٣ - ٢٦].
وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها).
فإذا ما رأت الخلائق زفرت وزمجرت غضباً منها لغضب الملك الجبار ﷻ .
وحينئذ تجثو جميع الأمم على الركب، قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨] وهنا تطير قلوب المؤمنين شوقاً إلى الجنة -اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك- وتطير قلوب المجرمين هرباً وخوفاً وفزعاً من النار، بل ويعض صنف كثير من الناس في أرض المحشر على يديه، يتأسف ويتحسر ويتندم على ما قدم في هذه الحياة الدنيا، ولكن يوم لا ينفع الندم، قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٦ - ٢٩].
في هذا الكرب ينطلق الناس، ويقول بعضهم لبعض: ألا ترون ما نحن فيه؟!! ألا ترون ما قد بلغنا؟!! ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ليقضي بينكم؟!! وهنا يقول كل نبي: نفسي نفسي! ويقول المصطفى: أنا لها، فلا يتقدم للشفاعة إلا نبينا ﷺ ، وهذا هو موضوعنا اليوم مع حضراتكم أيها الأحبة الكرام! وكما تعودنا فسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم اليوم في العناصر التالية: أولاً: الشفاعة العظمى.
ثانياً: من أسعد الناس بشفاعة المصطفى ﷺ .
فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! والله أسأل أن يتقبل مني ومنكم جميعاً صالح الأعمال، وأن يستر علينا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، إنه على كل شيء قدير.
أولاً: الشفاعة العظمى.
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذاك؟! يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، وتدنو الشمس من الرءوس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما نحن فيه، ألا ترون ما قد بلغنا؟! ألا تنظرون من يشفع لنا إلى ربنا؟! فيقول بعضهم لبعض: أبوكم آدم، فيأتون آدم ﵇، فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة بالسجود لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول آدم ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله).
اللهم إنا نسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بنا غضبك، أو يحل علينا سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك يا أرحم الراحمين! أستحلفك بالله أن تعيش مع الحديث بقلبك بكيانك بوجدانك، فهذا نبي من أنبياء الله، بل هذا هو أبو البشرية جمعاء يقول: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي) اللهم سلم سلم يا أرحم الراحمين!
стр. 82
عزوف نوح عن الشفاعة العظمى
ثم قال ﷺ حاكياً عن آدم: (اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً ﵇، فيقولون: يا نوح! أنت أول رسل الله إلى الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى إلى ما بلغنا؟!)، نوح أول رسل الله إلى الأرض، ذلكم العملاق الذي ظل يدعو إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً! ذلكم النبي الكريم الذي دعا قومه في السر والعلانية، في الليل والنهار: ﴿إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح:٥ - ٩].
ما ترك هذا النبي الكريم سبيلاً إلا وسلكه، فلم ينم ولم يهدأ ولم يقر له قرار، ومع ذلك يقولون: (يا نوح! أنت أول رسل الله إلى الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! اشفع لنا إلى ربك، فيقول نوح: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة فدعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري)، إن لكل نبي دعوة مستجابة، وكل نبي قد تعجل بها في الدنيا إلا المصطفى، كما في صحيح مسلم: (لكل نبي دعوة مجابة، وكل نبي قد تعجل دعوته إلا أنا فقد اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فإنها نائلة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئاً).
اللهم ارزقنا التوحيد وتوفنا عليه يا أرحم الراحمين!
стр. 83
عزوف إبراهيم عن الشفاعة العظمى
وقد دعا نوح على قومه فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، ولذلك قال نوح: (إنه كانت لي دعوة فدعوت بها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم) إلى الخليل إلى الحليم الأواه إلى حبيب الله بلا نزاع إلى هذا النبي الكريم الذي حرم الله على النار أن تمس جسده: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩].
قال: (فيأتون إبراهيم الخليل ﵇ ويقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله، وأنت خليل الله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول خليل الله إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ويذكر إبراهيم كذباته، ثم يقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري).
كذباته؟! وهل كذب إبراهيم؟ والجواب من صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، اثنتين منهن في ذات الله، أما الأولى: فقوله: إني سقيم)، متى قال إبراهيم هذه العبارة؟! يوم أن كان شاباً صغيراً وقد نشأ في قوم يعبدون الأصنام ودعاه والده ليخرج مع القوم في عيد عبادة الأصنام، فتعلل إبراهيم بالمرض وقال: إني سقيم؛ لأنه لا يريد أن يسجد لغير رب العالمين.
قال: (وأما الثانية: فقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣])؛ وذلك لما حطم الأصنام، وعلق الفأس في رأس كبير هذه الآلهة المدعاة، فلما عادوا وقالوا: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، رد البعض بلغة التحقير، التي هي ديدن الظالمين في كل زمان وأوان: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء:٦٠ - ٦١]، ثم وجهوا له هذا
السؤال
﴿ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣]، هذه هي الكذبة الثانية لإبراهيم.
وأما الكذبة الثالثة: يوم أن خرج مهاجراً بزوجته سارة فنزل مصر، وكان في مصر في ذلك الزمان جبار من الجبابرة، أسأل الله أن يطهر مصر في كل زمان وأوان، فلما مر بـ سارة ﵍ نقل بعض الناس لهذا الجبار: أن رجلاً قد نزل بأرضنا معه امرأة من أجمل الناس، فأرسل هذا الجبار الخبيث بالشرطة فجاءت بإبراهيم، فقال له: من هذه؟ قال إبراهيم: إنها أختي، ولم يقل: إنها زوجتي، فلو قال: إنها زوجتي لقتله ليخلص إليها، فقال: إنها أختي، ثم عاد إبراهيم، فقال لها: يا سارة! لقد سألني هذا الرجل عنك، فقلت: إنها أختي، فإنه لا يوجد على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأنت أختي في دين الله جل وعلا، فإن سألك فاصدقيني ولا تكذبيني، ثم أرسل هذا الخبيث الجبار إلى سارة فأتي بها فلما دخلت عليه، ونظر إليها، قام إليها ليلمسها بيده، فشل الله يده، -والحديث في صحيح البخاري - فقال لها: ادعي الله ولا أضرك بعدها، فدعت الله فأطلق الله يده، فقام إليها الخبيث مرة ثانية ليتناولها بيده فشل الله يده، فقال: ادعي الله ولا أضرك بعدها، فدعت الله فأطلقت يده، فنادى على بعض حجبته، وقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، وإنما أتيتموني بشيطان اخرجوا بها وأخدموها هاجر، فأعطاها هاجر ﵍؛ لتخدمها وهي التي تزوجها إبراهيم بعد ذلك، فعادت سارة بـ هاجر فرأت إبراهيم يصلي لله جل وعلا، فلما انصرف من صلاته قال: مهيم؟ يعني: ماذا فعل الله بك؟ فقالت سارة: رد الله كيد الفاجر وأخدم هاجر، أي: وأعطاني هاجر خادمة لي، وهكذا صان الله عرض نبيه إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، هذه كذبات إبراهيم!
стр. 84
عزوف موسى وعيسى عن الشفاعة العظمى
أرجع إلى حديث الصحيحين: (يقول إبراهيم: نفسي نفسي نفسي -وذكر كذباته التي ذكرت الآن- اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى)، موسى الكليم إنه المصطفى بالرسالة إنه المجتبى بالكلام إنه المصنوع على عين الله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، اصطفاه الله برسالاته وبكلامه على جميع الخلق.
يقول المصطفى: (فيأتون موسى، فيقولون: يا موسى! أنت كليم الله، اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! اشفع لنا إلى ربك، فيقول موسى ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى ﵇، ويقولون: يا عيسى! أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلَّمت الناس في المهد، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! اشفع لنا إلى ربك، فيقول عيسى ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى غيري، نفسي نفسي، نفسي اذهبوا إلى محمد بن عبد الله) صلى الله عليه وآله ومن والاه، من سار على دربه نجا في دنياه ونجا في أخراه، بأبي هو وأمي ﷺ .
стр. 85
إقدام نبينا محمد ﷺ على الشفاعة العظمى
يقول عيسى ﵇: (اذهبوا إلى محمد بن عبد الله ولم يذكر عيسى ﷺ ذنباً من الذنوب، يقول الحبيب المصطفى ﷺ : فيأتونني فيقولون: يا رسول الله! لقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا؟! اشفع لنا إلى ربك، فيقوم المصطفى ويقول: نعم، أنا لها أنا لها)، بأبي هو وأمي ﷺ .
يقول: (فأقوم فأخر ساجداً لربي تحت العرش، فينادي عليه الملك ﷻ ، ويقول: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تُشفّع، فيقول الحبيب ﷺ : يا رب! أمتي، يا رب! أمتي، يا رب! أمتي).
هو الحليم الأواه صاحب القلب الكبير هو الحليم الأواه صاحب القلب الرحيم الذي قال الله في حقه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وقد (قرأ يوماً قول الله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]، وقرأ قول الله في عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] فبكى وقال: يا رب! أمتي، أمتي، فأنزل الله إليه جبريل ﵇، وقال: يا جبريل! سل محمداً ما الذي يبكيه -وهو أعلم- فنزل جبريل فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟! قال: أمتي أمتي يا جبريل! فصعد جبريل إلى الملك الجليل، وقال: يبكي على أمته -والله أعلم- فقال الله لجبريل: انزل إلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)، فيقول هنا: يا رب! أمتي، يا رب! أمتي، يا رب! أمتي.
وفي حديث الصور الطويل، الذي رواه الطبري والطبراني والبيهقي وأبو يعلى الموصلي، والسيوطي واستشهد به ابن أبي العز الحنفي -وللأمانة العلمية التي عاهدنا الله عليها فإن الحديث بطوله ضعيف، ففيه إسماعيل بن رافع وهو ضعيف كما قال أهل الجرح والتعديل، وفيه محمد بن زياد وهو مجهول- ولكن فيه ما يتفق مع سياق حديث أبي هريرة الذي ذكرت آنفاً، يقول المصطفى ﷺ : (فأخر ساجداً تحت العرش، فيقال لي: ما شأنك؟ -وهو أعلم- فيقول المصطفى: يا رب! وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم، فيقول الله جل وعلا: قد شفعتك، أنا آتيكم لأقضي بينكم، يقول المصطفى: فأرجع لأقف مع الناس في أرض المحشر، وتنتظر البشرية كلها مجيء الملك ﷻ .
مجيئاً يليق بكماله وجلاله، فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فصفة النزول، وصفة المجيء، وصفة الإتيان، وصفة الغضب، وجميع صفات الله جل وعلا، نثبتها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال علماؤنا: استوى كما أخبر، وعلى الوجه الذي أراد، والمعنى الذي قال، استواء منزهاً عن الحلول والانتقال، فلا العرش وحملته ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحمتله والكرسي وعظمته، الكل محمول بلطف قدرته مقهور بجلال قبضته، فالاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، سأل رجل إسحاق بن راهويه، وقال: يا إسحاق! كيف تؤمنون بإله يتنزل كل ليلة من عرشه إلى السماء الدنيا؟ فقال له إسحاق: يا هذا! إن كنت لا تؤمن به، فإننا نؤمن بإله يتنزل كل ليلة من عرشه إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه عرشه، لا تعطل ولا تكيف ولا تمثل ولا تشبه جل جلال الله، جل ربنا عن الشبيه وعن المثيل وعن النظير: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، من كان منا يتصور أن النمل يتكلم! وما عرف ذلك وفهمه إلا يوم أن قرأ في القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل:١٨].
من منا كان يتصور أن هناك شيئاً لا يمشي على رجليه وإنما يمشي على بطنه! حتى رأينا الحية وما شاكلها، وهكذا فمن شبه الله جل وعلا فهو واهم؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] جل جلال الله، لا ند له ولا كفء له ولا شبيه له ولا نظير له ولا مثيل له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١].
стр. 86
عظم مكانة النبي ﷺ عند ربه
ولن يشفع للبشرية كلها لفصل القضاء إلا المصطفى ﷺ ، ولم يرد الملك ﷻ إلا على محمد بن عبد الله ﷺ ، أيها الموحدون! والله لا يعرف قدر رسول الله إلا الله، إن قدر رسول الله عند الله لعظيم، وإن كرامة النبي عند الله لكبيرة، فهو المصطفى والمجتبى، فلقد اصطفى الله من البشر الأنبياء، واصطفى من الأنبياء الرسل، واصطفى من الرسل أولي العزم الخمسة، واصطفى من أولي العزم الخمسة الخليلين إبراهيم ومحمداً، واصطفى محمداً ففضله على جميع خلقه، شرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره، وزكاه في كل شيء: زكاه في عقله، فقال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢].
وزكاه في صدقه فقال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣].
وزكاه في صدره فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
وزكاه في فؤاده فقال سبحانه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
وزكاه في ذكره فقال سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤].
وزكاه في طهره فقال سبحانه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢].
وزكاه في علمه فقال سبحانه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥].
وزكاه في صدقه فقال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣].
وزكاه في حلمه فقال سبحانه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
وزكاه كله فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] بأبي هو وأمي ﷺ .
стр. 87
الشفاعة العظمى هي المقام المحمود
هو رجل الساعة، ونبي الملحمة، وصاحب المقام المحمود، فهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه كل نبي في أرض المحشر، الذي وعد الله به نبينا في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩].
فهذا هو المقام المحمود كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﵌ قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأنا أول شافع وأول مشفع).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون: هلا وُضِعَتْ هذه اللبنة؟ أي: ليكتمل البنيان بجماله وجلاله؟! هلا وضعت هذه اللبنة؟! يقول المصطفى: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وفي لفظ البخاري مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وختم بي النبيون، وأرسلت إلى الناس كافة).
هذه مكانة الحبيب محمد ﷺ ، بل لقد أنزل الله قرآناً ليربي وليعلم الصحابة كيف يعظمون رسول الله؟ وكيف يوقرون رسول الله؟ وكيف يتأدبون حتى في مناداة رسول الله، ولكن الأمة الآن -إلا من رحم ربك- لم تعرف قدر نبيها ولم تعظم رسولها، بل وقد أساءت الأمة الأدب مع رسول الله، فهجرت الأمة شريعته، وَنَحَّت الأمة سنته، ولم تعد الأمة تجيد إلا أن تتغنى برسول الله في ليلة الهجرة في ليلة المولد في ليلة النصف من شعبان!! فالأمة الآن لا تجيد إلا الرقص والغناء؛ لأنها عشقت الهزل وتركت الجد والرجولة، أمة تدعي الحب لرسول الله وتتغنى برسولها في المناسبات والأعياد الوطنية، في الوقت الذي نحت فيه شريعته، وهجرت فيه سنته، بل وخرج من أبناء هذه الأمة من يقول في حق القرآن الذي أنزله الله على قلب رسوله، الذي جعل الله فيه الهدى في الدنيا والآخرة، قال هذا المجرم المرتد: إن القرآن منتج ثقافي وليس من عند الله! وقال خبيث آخر: لقد عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين حتى الالتهاب الذي في رئتهم والنجاسات التي في أمعائهم.
وقال خبيث ثالث: إن مصيبة الشرق في التمسك بما يسمى بالأديان! الأمة هجرت شريعة رسول الله، ونحت سنة رسول الله، أين الشريعة؟ غيرت بدلت ضيعت! فهذا ورب الكعبة هو أعظم منكر على وجه الأرض، وهذا هو الذي يجب أن تجيش له كل الطاقات وكل الإمكانيات حتى تظلل شريعة المصطفى سماء هذه الأمة.
اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً برحمتك يا أرحم الراحمين! اسمع وانتبه! فإن كل مغرور ومخدوع من هذه الأمة يقول: إن لم أدخل الجنة أنا فمن يدخلها؟! بطرس، شلودر؟! أنا الذي سأدخل الجنة!
стр. 88
التبديل والتغيير سبب للطرد عن الحوض
إن كل من غير وبدل وابتدع وانحرف عن هدي رسول الله سيحال بينه وبين حوض رسول الله في أرض المحشر، فالناس في حاجة شديدة إليه، الزحام يخنق الأنفاس، والشمس فوق الرءوس، والبشرية كلها في أرض واحدة من لدن آدم في هذا الظرف الرهيب، والمصطفى ﷺ واقف على حوضه، والحوض ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، وأطيب ريحاً من المسك، عدد كيزانه بعدد نجوم السماء، من شرب منه بيد الحبيب لا يظمأ بعدها أبداً، حتى يتمتع بالنظر إلى وجه الملك في الجنة.
اللهم اسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نرد ولا نظمأ بعدها أبداً، برحمتك يا أرحم الرحمين! يقول المصطفى والحديث رواه البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي: (أنا فرطكم على الحوض -أي: سأسبقكم يوم القيامة؛ لأقف على الحوض- فمن مر عليَّ شرب، ومن شرب لا يظمأ أبداً، وليردن على الحوض قوم أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) وفي لفظ في الصحيح: (ثم يختلجون) أي: يمنعون ويفضون، فيقول المصطفى: (إنهم من أمتي، إنهم من أمتي، فيقال للحبيب: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول المصطفى: سحقاً سحقاً -أي: بعداً بعداً- لكل من غير بعدي).
الاتباع وامتثال الأمر والنهي للحبيب محمد ﷺ هو سبيل الفوز والنجاة.
стр. 89
خشية الله عند السلف
وهذه نماذج من أحوال السلف وخشيتهم لله تعالى، فهذا معاذ بن جبل ينام على فراش الموت ويدخل عليه الليل فيشتد به الألم والوجع فينظر إلى أصحابه ويقول: هل أصبح النهار؟! هل أصبح النهار؟! فيقولون: لا لم يصبح بعد، فيبكي معاذ بن جبل حبيب رسول الله الذي قال: (والله يا معاذ إني لأحبك) يبكي ويقول: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار.
يخشى معاذ بن جبل أن يكون من أهل النار!! وهذا هو فاروق الأمة عمر بن الخطاب الذي أجرى الله الحق على لسانه وقلبه، ينام على فراش الموت فيدخل عليه ابن عباس ليذكره وليثني عليه الخير كله، فيقول عمر: والله إن المغرور من غررتموه، والله لو أن لي ملء الأرض ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه.
ثم قال عمر: وددت أن أخرج من الدنيا كفافاً لا لي ولا علي.
وهذه هي عائشة تُسأل عن قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] فتقول عائشة: يا بني! أما السابق بالخيرات فهؤلاء الذين ماتوا مع رسول الله وشهد لهم رسول الله بالجنة، وأما المقتصد فهؤلاء الذين اتبعوا أثر النبي حتى ماتوا على ذلك، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك.
فجعلت عائشة نفسها معنا، جعلت عائشة نفسها من الظالمين لأنفسهم!!! وهذا هو سفيان الثوري إمام الدنيا في الحديث، ينام على فراش الموت فيدخل عليه حماد بن سلمة فيقول له حماد: أبشر يا أبا عبد الله! إنك مقبل على من كنت ترجوه وهو أرحم الراحمين.
فبكى سفيان وقال: أسألك بالله يا حماد أتظن أن مثلي ينجو من النار؟!! ونحن جميعاً نقول: من منا لن يدخل الجنة؟! من منا لن يشفع له رسول الله؟! ها هو الحديث في البخاري يبين لنا فيه الحبيب النبي أنه سيحال بينه وبين أقوام من هؤلاء الذين حرَّفوا وبدَّلوا وانحرفوا عن سنته ﷺ .
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 90
أسعد الناس بشفاعة المصطفى ﷺ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! من أسعد الناس بشفاعة المصطفى يوم القيامة؟ هذا هو عنصرنا الثاني من عناصر هذا اللقاء لتكتمل الفائدة في باب الشفاعة، فإنه من أنفس أبواب العلم.
من أسعد الناس بشفاعة الحبيب؟! ليحاسب اليوم كل واحد منا نفسه أين هو من الحبيب؟! من يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهة وهراء فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعة ووفاء قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، هل امتثلت أمره؟! هل اجتنبت نهيه؟! هل وقفت عند الحدود التي حدها لك المصطفى؟! أسئلة يجب أن يسأل كل مسلم صادق عنها نفسه؛ ليحدد موقعه من منهج وطريق رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه، من أسعد الناس بالشفاعة يوم القيامة؟ والجواب في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، فهو صاحب هذا السؤال الجليل، قال أبو هريرة: (من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة يا رسول الله؟ فقال المصطفى ﷺ : لقد ظننت أنه لا يسألني عن هذا السؤال أحد قبلك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث يا أبا هريرة! أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه).
وفي رواية ابن حبان: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، يصدق قلبه لسانه، ويصدق لسانه قلبه).
وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً).
هذا هو الشرط، وهذا هو أسعد الناس بشفاعة الحبيب: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) حقق التوحيد لله، فمن الناس الآن من يردد بلسانه: لا إله إلا الله، ولم يصدق قلبه هذه الكلمة، ولم يخلص العبادة لله جل وعلا، بل تراه يصرف العبادة لغير الله، فهو لا يعرف لكلمة التوحيد معنى، ولا يقف لها على مضمون، ولا يعرف لها مقتضى، ومن الناس من يردد بلسانه: لا إله إلا الله، وقد انطلق حراًَ طليقاً ليختار لنفسه من المناهج الأرضية، والقوانين الوضعية الفاجرة، ما وضعه المهازيل من خلق الله! ومن الناس من ردد بلسانه: لا إله إلا الله، وهو لم يحقق لله الولاء ولا البراء، ومن الناس من ردد بلسانه كلمة: لا إله إلا الله، وقد ترك الصلاة! وضيع الزكاة! وضيع الحج مع قدرته واستطاعته، وأكل الربا وشرب الخمر وعاقر الزنا وأكل أموال اليتامى! يسمع الأمر فيهز كتفيه في سخرية وكأن الأمر لا يعنيه! يسمع المواعظ فيهزأ وكأن الأمر لا يعنيه، فلابد من إخلاص التوحيد، فكلمة التوحيد ليست مجرد كلمة يرددها الإنسان بلسانه، بل إن الإيمان: قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه.
وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل).
وفي رواية عتبان بن مالك: (فإن الله حَرَّمَ على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله).
إنه إخلاص التوحيد، فيا من رددت بلسانك: لا إله إلا الله، هل صدقك قلبك؟! هل امتثلت جوارحك مقتضيات هذه الشهادة؟! فإن التوحيد أمره عظيم، وإن شأن التوحيد ثقيل، إنها الأمانة العظيمة، ووالله ما ضاعت الأمة وزلت إلا يوم أن فرغت: (لا إله إلا الله) من مضمونها، فإن الجذر الحقيقي لهذه الأمة هو التوحيد، ويوم أن فرغ الجذر وأصبح قشرة هشة تؤرجحها الرياح من هنا ومن هنالك ذلت الأمة لمن كتب الله عليهم الذلة من إخوان القردة من أبناء يهود، فإن مصدر سعادة الأمة هو التوحيد، فما أعز الله الأمة إلا بالتوحيد، وإن لبنة الأساس في صرح الإسلام هي التوحيد، وإن أول خطوة على طريق العز والكرامة هي التوحيد، ولا عزة للأمة إلا إذا حققت وأخلصت وجردت التوحيد لله، فمن أبناء الأمة الآن من يذبح لغير الله، ومن يقدم النذر لغير الله! ومن أبناء الأمة الآن من يتهم شريعة الله المطهرة بالجمود والرجعية والتخلف والتأخر! وعدم قدرة هذه الشريعة على مسايرة مدنية القرن العشرين أو القرن الحادي والعشرين! فلا كرامة للأمة إلا إذا أخلصت التوحيد، فأسعد الناس بشفاعة محرر العبيد، من أخلص التوحيد للعزيز الحميد جل وعلا، ومات لا يشرك بالله شيئاً، فوحد الله أيها الحبيب! وأخلص التوحيد لله، وأخلص الاتباع لرسول الله ﵌.
وفي الحديث الذي رواه مسلم والترمذي واللفظ للترمذي من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).
إنه التوحيد! إنه فضل الإيمان بالله جل وعلا! فأسعد الناس بشفاعة المصطفى من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، فكلمة التوحيد -أيها الأخيار- قد قيدت بشروط ثقال: بالعلم، واليقين، والإخلاص، والقبول، والمحبة إلى آخر شروطها.
فلابد أن تحققوا التوحيد، وأن تخلصوا التوحيد، وأن تجردوا التوحيد؛ لأن النبي ﷺ لا يشفع يوم القيامة إلا إن أذن الله له، وإلا في كل من وحد الله وأخلص له كلمة: لا إله إلا الله.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من أهل التوحيد، وأن يختم لي ولكم بالتوحيد، وأن يرزقنا شفاعة النبي ﷺ بمنه وكرمه، إنه على كل شيء قدير.
اللهم استرنا فوق الأرض واسترنا تحت الأرض واسترنا يوم العرض، اللهم ارزقنا شفاعة حبيبك المصطفى، اللهم وكما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، اللهم أوردنا حوضه الأصفى، اللهم أوردنا حوضه الأصفى، واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نرد ولا نظمأ بعدها أبداً، اللهم اسقنا بيد المصطفى شربة مريئة هنيئة لا نرد ولا نظمأ بعدها أبداً، اللهم لا تحرمنا شفاعة الحبيب، اللهم لا تحرمنا شفاعة الحبيب، اللهم لا تحرمنا شفاعة الحبيب، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض يا أرحم الراحمين! اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها، يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً.
اللهم إنا نسألك لإخواننا وأبنائنا الطلاب التوفيق والسداد، اللهم يسر لهم الأسباب، اللهم ذلل لهم الصعاب، اللهم افتح لهم الأبواب، اللهم ذكرهم في الامتحانات ما نسوا، وعلمهم في الامتحانات ما جهلوا، اللهم يسر لهم بمنك وكرمك يا رب العالمين! اللهم اجعل أبناءنا قرة عين لنا في الدنيا والآخرة، برحمتك يا أرحم الراحمين! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 91
القصاص
لقد حرم الله الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً، وإن من أعظم الظلم قتل امرئ مسلم بغير حق أو انتهاك عرضه، بل ذلك أعظم حرمة وأكبر جرماً من هدم المسجد الحرام، ولذلك فإن الله سيوقف الظلمة بين يديه، ولن يبرحوا أماكنهم حتى يقتص من الظالم للمظلوم.
стр. 92
القصاص بين البهائم يوم القيامة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة: سلسلة علمية كريمة، تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها: تذكير الناس بالآخرة في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانصرف كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات؛ علهم أن يتوبوا إلى الله جل وعلا ويتداركوا ما قد فات، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون، ونحن اليوم بتوفيق الله جل وعلا على موعد مع اللقاء السادس عشر من لقاءات هذه السلسلة العلمية الكريمة.
وكنا قد توقفنا في اللقاءات الثلاثة الماضية مع مشهد الحساب، وتعرفنا على أهم قواعد العدل التي يحاسب الله بها عباده يوم القيامة، وتعرفنا على أول أمة ستقف بين يدي الله للحساب، وتعرفنا على أول من يقضي الله بينهم، وعلى أول ما يحاسب عليه العبد بين يدي الله.
فإذا فرغ الله جل وعلا من حساب العباد فيما يتعلق بحقوقه جل وعلا يأذن الله لدواوين المظالم أن تنصب للقصاص وأداء الحقوق، وهذا هو موضوعنا اليوم مع حضراتكم بإذن الله جل وعلا.
وسوف أركز الحديث مع حضراتكم في هذا الموضوع المهم في العناصر التالية: أولاً: القصاص بين البهائم.
ثانياً: القصاص بين العباد.
ثالثاً: حرمة الدماء.
وأخيراً: القصاص بين المؤمنين.
فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
أولاً: القصاص بين البهائم.
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لتؤدُن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة) وفي رواية: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجلحاء -أي: التي لا قرون لها- من الشاة القرناء) فإذا نطحت الشاة القرناء الشاة الجلحاء فإن الله يقتص للجلحاء من القرناء بين يديه جل وعلا.
وفي مسند أحمد بسند صحيح من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ : (رأى شاتين تنتطحان، فقال المصطفى لـ أبي ذر: يا أبا ذر! هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا، قال المصطفى: ولكن الله يدري وسيقضي بينهما يوم القيامة).
وروى ابن جرير الطبري بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵁ -والصحيح وقفه على ابن عمرو - قال ﵁ وأرضاه: (إذا كان يوم القيامة مد الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يحصل القصاص؛ فيقتص للشاة الجمّاء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين البهائم والدواب، قال الله جل وعلا: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]).
أيها المسلمون! إن القول بحشر البهائم والقصاص لبعضها من بعض يوم القيامة هو الحق الذي ندين لله به.
وهذا هو ما ذهب إليه جمهور أهل السنة، فلا ينبغي البتة أن ترد الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الباب بدعوى أن العقل لا يستوعب القصاص بين الدواب.
قال الإمام النووي ﵀: إذا ورد لفظ الشرع، ولم يمنع من إجرائه على ظاهره مانع من عقل أو شرع، وجب أن نحمله على ظاهره، فلا ينبغي على الإطلاق أن تؤول هذه الأحاديث؛ ليرد هذا الحكم، ألا وهو حكم القصاص بين البهائم والحيوانات.
فإن قيل: الشاة غير مكلفة ولا عقل لها، فكيف يقتص منها يوم القيامة؟!
الجواب
نقول: إن الله فعال لما يريد.
﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وليعلم العباد أن الحقوق لا تضيع عند الله جل وعلا، فإذا كان هذا هو حال الحيوانات والبهائم والدواب، فكيف بذوي الألباب والعقول، من الوضيع والشريف، والقوى والضعيف؟!
стр. 93
القصاص بين العباد يوم القيامة
إذا كان الله يأخذ الحق للدواب وللبهائم وللحيوانات، فهل يترك الله حق العباد؟! وبصفة خاصة حق من وحدوا رب الأرض والسموات؟!! لا والله، وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء (القصاص بين العباد يوم القيامة).
стр. 94
رسالة إلى الظلمة
لا يظننَّ أحد أن ظلمه للعباد بضرب أو سب أو شتم أو تزوير، أو أكل مال بالباطل أو سفك دم، أو غيبة أو نميمة أو استهزاء أو سخرية أو جرح كرامة؛ لا يظننَّ أحد أن شيئاً من ذلك الظلم سيضيع ويذهب.
كلا، وإن الظلم ظلمات يوم القيامة: أما والله إن الظلم شؤم ولازال المسيء هو الظالم ستعلم يا ظلوم إذا التقينا غداً عند المليك من الملوم يا من دعاك منصبك! ويا من دعاك كرسيك! ويا من دعتك صحتك وقدرتك وقوتك على ظلم العباد من الضعفاء والفقراء والمستضعفين، تذكر قدرة رب العالمين جل وعلا، واعلم بأن الملك هو الذي سيقتص للمظلوم من الظالمين، فاحذر الظلم بجميع أنواعه احذر الظلم سواء أكان الظلم صغيراً أم كبيراً؛ لأن الظلم ظلمات يوم القيامة.
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم ترجع عقباه إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم ففي الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وصّاه بالوصايا الغالية، وكان من بين هذه الوصايا أن قال له المصطفى: (يا معاذ! اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).
دعوة المظلوم ترفع إلى الله جل وعلا، ولا يحجبها حاجب، ولذلك ورد في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]).
وقد يغتر الظالم المجرم بستر الله عليه وبحلم الله عليه، فيتمادى في ظلم العباد، ونسي هذا المسكين أن الله يمهل ولا يهمل.
أين الجبابرة؟! أين الأكاسرة؟! أين القياصرة؟! أين الفراعنة؟! أين الطغاة؟! أين الطواغيت؟! أين الظالمون؟! وأين التابعون لهم في الغي؟! بل أين فرعون وهامان وقارون؟! أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان
стр. 95
التحذير من عاقبة الظلم
وقد حذر النبي ﷺ الأمة من عاقبة الظلم بين يدي الله جل وعلا، وتدبروا معي هذا الحديث الرقيق الذي رواه ابن ماجة وابن حبان والبيهقي وأبو يعلى الموصلي -والحديث حسن بشواهده- من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال لأصحابه لما رجعت مهاجرة الحبشة عام الفتح إلى رسول الله، قال لهم: (ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بالحبشة؟! فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله! بينما نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل قلة ماء على رأسها، فمرت هذه العجوز على فتىً منهم، فقام الفتى ووضع إحدى كفيه بين كتفيها ودفعها وخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها! فلما ارتفعت -أي: وقفت- التفتت إلى هذا الشاب وقالت له: سوف تعلم يا غدر! إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، سوف تعلم أمري وأمرك عند الله غداً! فقال المصطفى: صدقت صدقت كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟!).
إي وربي! كيف يقدس الله أمة لا تحترم فيها الكرامات؟! ولا تصان فيها الأعراض والأنساب؟! ولا يحترم فيها الضعفاء؟! ولا يؤخذ فيها الحق من الأقوياء للضعفاء؟! أمة بهذه الأخلاقيات الفاسدة محكوم عليها في الدنيا بالدمار، ومحكوم على أفرادها من أهل الظلم في الآخرة بالنار.
стр. 96
دعوة للظالمين إلى التحلل من المظالم في الدنيا
أيها المسلمون! حذر النبي ﷺ الأمة من عاقبة الظلم يوم القيامة، فأمر الظالمين أن يتحللوا من المظالم في الدنيا قبل الآخرة.
ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها اليوم، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، -أي: يوم القيامة بين يدي الله- من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه).
يا عباد الله! قد يستطيع الظالم الآن أن يفلت بطريق أو بآخر، ولكن الظالم لن يفلت يوم القيامة، فمحال أن يدخل أحد الجنة وعنده مظلمة لأحد، فلابد أن يطهر الله أهل الظلم حتى ولو كانوا من أهل التوحيد والإيمان، كما سنرى في آخر عناصر هذا اللقاء بإذن الله جل وعلا، لا يدخل الجنة أحد وعنده مظلمة -ولو قلَّتْ- لأحد إلا إذا طهره الله منها بين يديه جل وعلا، في أرض الموقف، في ساحة الحساب، على بساط العدل بين يدي الرب جل وعلا.
من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها اليوم: اذهب إلى أخيك إن كنت ظلمته بأخذ مال أو بغيبة أو بنميمة أو بانتهاك عرض، أو بإحراج أو بإساءة جوار، أو بغش في بيع وشراء أو بأي صورة من صور الظلم، اذهب إليه الآن واطلب منه العفو والسماح قبل أن تقفا بين يدي العدل جل وعلا.
وقد سأل النبي ﷺ أصحابه -كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - فقال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع)، هذا هو مفهومنا للإفلاس، ولكن الإفلاس الحقيقي أكبر وأضخم وأخطر.
(أتدرون من المفلس؟ قال الصحابة: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع) رجل فقير لا يملك مالاً ولا متاعاًَ ولا أثاثاً، فقال المصطفى ﷺ : (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ولكنه يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، وقذف هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئات من ظلمهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).
فهو بنص الحديث: (صلى)، وبنص الحديث: (زكى)، وبنص الحديث: (صام)، ومع ذلك يدخل النار، -والحديث في صحيح مسلم - لماذا؟! لأنه ما أمسك لسانه، وما كف يده، واستغل جاهه وكرسيه ومنصبه في ظلم عباد الله، وفي إحراج خلق الله، وفي إهانة الضعفاء والمستضعفين.
اللهم سلم سلم يا عزيز يا غفار!!
стр. 97
أحوال الظلمة يوم القيامة
أيها الموحدون! تدبروا معي هذا المشهد الذي يخلع القلب، تدبروا الحديث، عيشوا مع هذا الحديث الذي يكاد يخلع القلب إن تدبرناه ووعيناه.
تصور معي هذا المشهد في أرض المحشر، ها هو الظالم في أرض المحشر يقف بين يدي الله في ذل وخشوع وانكسار، لا يرتد إليه طرفه، شخص ببصره، لا يلتفت أعلى ولا أسفل ولا يمنة ولا يسرة، لا يرتد إليه طرفه، بل وقفز قلبه من جوفه! الشمس فوق الرءوس، تكاد حرارتها تصهر العظام، والزحام يكاد يخنق الأنفاس، والعرق يكاد يغرق الناس، وجيء بجهنم ولها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها! تزفر وتزمجر غضباً لغضب الجبار جل وعلا، فإن الله قد غضب في هذا اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، في هذه اللحظات ومع هذا الهول يرى الظالم نفسه وقد أحيط بمجموعة من الناس، من أنتم؟! من هؤلاء؟! هؤلاء هم الذين ظلمهم في الدنيا! ظلم من ظلم ونسي! فيتعلق المظلومون بالظالم، يتعلق كل من ظلمته بك يوم القيامة، يجرونه جراً ليوقفوه بين يدي الله جل وعلا، هذا يتعلق به من يده، وهذا يجره من ظهره، وهذا يجره من لحيته، يتعلقون به ليوقفوه بين يدي الملك ﷻ ، فإذا ما وقف بين يدي الله ﵎، وأذن الله لدواوين المظالم أن تنصب، وللقصاص أن يبدأ، يقول هذا: يا رب! هذا شتمني، والآخر يقول: يا رب! ظلمني، والآخر يقول: يا رب! اغتابني، والآخر يقول: يا رب! غشني في البيع والشراء، والآخر يقول: يا رب! وجدني مظلوماً وكان قادراً على دفع الظلم فجامل ونافق الظالم وتركني، والآخر يقول: يا رب! جاورني فأساء جواري! سترى كل من عاملته في الدنيا -نسيته أو تذكرته- قد تعلق بك بين يدي الله جل وعلا، كل يطالب بحقه، وأنت واقف يا مسكين! ما أشد حسرتك في هذه اللحظات، وأنت واقف على بساط العدل بين يدي رب الأرض والسموات، إذا شوفهت بخطاب السيئات، وأنت مفلس عاجز فقير مهين لا تملك درهماً ولا ديناراً، لا تستطيع أن ترد حقاً ولا تملك أن تبدي عذراً، فيقال: خذوا من حسناته إلى من ظلمهم في الدنيا، تنظر إلى صحيفتك التي بين يديك فتراها قد خلت من حسنات تعبت في تحصيلها طوال عمرك، فتصرخ وتقول: أين حسناتي؟! أين صلاتي؟! أين زكاتي؟! أين دعوتي؟! أين علمي؟! أين قرآني؟! أين بري؟! أين عملي الصالح؟! أين طاعاتي؟! فيقال: نقلت إلى صحائف خصومك الذين ظلمتهم في الدنيا! وقد تفنى حسناتك ويبقى أهل الحقوق ينادون الله جل وعلا أن يعطيهم حقهم من الظالم، فيأمر الحق سبحانه أن يؤخذ من سيئات من ظلمتهم في دنياك؛ لتطرح عليك، فتصرخ وتقول: يا رب! هذه سيئات والله ما قاربتها والله ما عملتها فيقال لك: نعم، إنها سيئات من ظلمتهم في الدنيا، فتمد عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك، لعلك تنجو في هذه اللحظات، ولست بناجٍ؛ لأن الله قد حرم الظلم على نفسه، وحرم الظلم على العباد، فيقرع النداء سمعك ويخلع قلبك، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٥٢].
أيها الظالم! أيها اللاهي! أيها الساهي! مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إذا كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا البحار تفجرت نيرانها فرأيتها مثل الجحيم تفور وإذا العشارتعطلت وتخربت خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت وتقول للأملاك أين تسير وإذا الجليل طوى السما بيمينه طي السجل كتابه المنشور وإذا الصحائف نشرت وتطايرت وتهتكت للعالمين ستور وإذا الوليد بأمه متعلق يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور وإذا الجحيم تسعرت نيرانها ولها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتى على طول البلاء صبور أيها المسلمون! اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، فسوف يقتص الملك العدل العليم الخبير للمظلومين، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، وإنما أخذ من الحسنات ورد من السيئات.
فيا أيهاالمظلوم صبراً لا تهن إن عين الله يقظى لا تنام نم قرير العين واهنأ خاطراً فعدل الله دائم بين الأنام
стр. 98
حرمة الدماء
ومن أظلم الظلم سفك الدم بغير حله، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر هذا اللقاء: (حرمة الدماء) أيها المسلمون! لحرمة الدماء عند الله كانت الدماء هي أول شيء يقضي الله فيه بين العباد.
ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء).
ولا تعارض بين هذا الحديث وبين الحديث الصحيح الذي رواه أصحاب السنن، وفيه يقول المصطفى ﷺ : (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة).
لا تعارض بين الحديثين، بقي كيف نزيل توهم التعارض؟ قال أهل العلم: أما الصلاة فهي أول حق لله، وأما الدماء فهي أول حق يقضي الله فيه بين العباد، فلا تعارض بين الحديثين، ولذلك جمعت رواية النسائي بين الأمرين في لفظ واحد، فقال المصطفى ﵊: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، وأول ما يقضى فيه بين العباد في الدماء).
الله هو خالق الإنسان وهو واهب الحياة، ولا يجوز لأحد البتة أن يسلب الحياة إلا خالقها وواهبها، أو بأمره وشرعه سبحانه يقول جل وعلا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١].
ولو سمعت الأمة هذه الأحاديث التي سأذكرها الآن وعملت بها، ما رأينا هذه البرك من الدماء هنا وهناك، ولكننا نرى الدماء لا حرمة لها عند كثير من الناس، ففي كل يوم يُقتل العشرات بل المئات بل الآلاف! وهذا من علامات الساعة كما قال الصادق المصدوق ﷺ : (بين يدي الساعة يكثر الهرج قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟! قال: القتل القتل)، وفي لفظ: (لا يدري القاتل فيم قَتل، ولا يدري المقتول فيم قُتل).
стр. 99
الحالات التي يجوز فيها سفك دم المسلم
قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١] وهذا الحق واضح محدود لا غموض فيه ولا لبس، وقد حدده المصطفى ﷺ : -والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود - قال ﵊: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) هذه هي الحالات الثلاث: الحالة الأولى: القصاص، النفس بالنفس، والقصاص يقوم به ولي الأمر المسلم أو من ينوب عنه، إذ إن الأمر ليس متروكاً للأفراد حتى لا يتحول المجتمع إلى فوضى، والقصاص فيه حياة للمجتمع، إن قَتل قاتل ُقتل هذا القاتل؛ ليحيا المجتمع بأسره، فإن القاتل إن علم أنه سيقتل فسيفكر ألف مرة قبل أن يتطاول على الدماء وعلى النفس التي خلقها رب الأرض والسماء، فيحيا المجتمع كله بالقصاص.
وهل زل مجتمعنا إلا يوم أن ضيع شرع ربنا، وانتهك حدود الله ؟! فأصبح المجتمع يعيش في فوضى، ولو وقفتم على حجم القضايا التي عرضت على المحاكم في العام الماضي لانخلعت القلوب، فإن عدد القضايا أمام المحاكم زاد على ثلاثين مليوناً من القضايا! عدد ضخم! يكاد أن يكون نصف الشعب لأن الحدود ضاعت، ولأن الظالم أو القاتل يستطيع بماله أو بسلطانه أن يقدم رشوة لرجل فاسق ضال مضل ويخرج من جريمته النكراء، والأمم لا تضيع إلا بهذه المجاملات الباطلة.
وقد غضب النبي ﷺ على أسامة يوم أن تقدم؛ ليشفع في امرأة مخزومية شريفة سرقت، وقال: (وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، إنما أهلك من كان قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد).
القصاص حياة للمجتمع قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩] فإن قتل القاتل يقتل.
الحالة الثانية: الثيب الزاني: الثيب: هو المحصن الذي رزقه الله بزوجة في الحلال الطيب، فترك امرأته، وراح يرتع في مستنقع الرذيلة الآسن العفن، فدنس العرض وانتهك الشرف، فهذا يقتل بالحجارة رجماً حتى الموت، وقد يستصعب الإنسان منا هذا الحكم، لكنه سيقول: يقتل ثم يقتل ثم يقتل إن مست كرامته أو انتهك عرضه أو دنس شرفه! الحالة الثالثة: الردة: الذي يترك دين الإسلام بعد أن منَّ الله به عليه فإنه يقتل؛ لقول النبي ﷺ كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس: (من بدل دينه فاقتلوه).
ولقول النبي ﷺ في الحديث الذي نحن بصدده: (التارك لدينه المفارق للجماعة).
هذه الحالات الثلاث التي يجوز فيها لولي الأمر المسلم، أو من ينوب عنه أن يسفك الدم، أما ما عدا ذلك فلا يجوز، فإن قتل النفس البريئة أمر تشيب له الرءوس.
стр. 100
الترهيب من قتل المسلم بغير حق
تدبر معي قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣].
الله أكبر!! انظروا إلى حرمة الدماء! أي مسلم على وجه الأرض ينتهك الدم بغير حله فهذا جزاؤه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، وقال ابن عمر (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله).
وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والحاكم والنسائي وصححه الألباني في صحيح الجامع أن النبي ﷺ قال: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً، أو قتل مؤمناً متعمداً).
وفي الحديث الذي رواه النسائي وصححه الألباني في صحيح الجامع من حديث بريدة أنه ﷺ قال: (قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا).
فليسمع الفجرة الظلمة القتلة هذا الكلام من رسول الله ﷺ : (قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا).
ويقول النبي ﷺ : (من أَمنَّ رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافراً)، رواه النسائي والبخاري في التاريخ، وصححه الألباني في صحيح الجامع من حديث عمرو بن الحمق الخزاعي.
هذه حرمة الدماء عند رب الأرض والسماء، ولذلك كانت الدماء هي أول شيء يقضي الله فيه بين العباد يوم القيامة.
يجيء القاتل في أرض المحشر فيقف على بساط العدل بين يدي الله، يأتي القاتل الذي قتل فرداً، ويأتي القاتل الذي قتل مجموعة! ويأتي القاتل الذي قتل قتل قرية! ويأتي القاتل الذي قتل دولة! ويأتي القاتل الذي قتل شعباً! ويأتي القاتل الذي قتل أمة! ويأتي كل من قتلهم فيتعلقون به وأوداجهم -أي: عروق أعناقهم- تشخب دماً -أي: تسيل دماً- وهم متعلقون بالقاتل؛ ليوقفوه بين يدي الله، ويقول المقتول لله سبحانه: يا رب! سل هذا القاتل فيم قتلني؟! والحديث رواه النسائي بسند حسن، يقول عليه الصلاة السلام: (يجيء المقتول متعلقاً بالقاتل يوم القيامة وأوداجه تشخب دماً، يوقفه بين يدي الله ويقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني؟) أيها المسلمون! الدماء لها حرمة عظيمة، وأقول على هامش هذا اللقاء -وإن كان هذا ليس حديثنا ولا موضوعنا، لكنها جاءت بقدر الله على هامش هذا اللقاء؛ لأزيح كابوساً يخيم على كثير من العقول والقلوب-: إن ما يحدث الآن في أرض الجزائر المسلمة! أسأل الله أن يفرج الكرب عنها وعن جميع بلاد المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ليس من عمل الإخوة الملتزمين أبداً، بريئون منه كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، بل إن هذه تمثيلية محبوكة من الحكومة التي لا تتقي الله، والتي أخذت الحق من أهله بغير حله، فكل ما يحدث في الجزائر إنما يحدث حول العاصمة في مساحة لا تزيد عن عشرين كيلو فقط، وهذا المثلث في الجزائر يسمى الآن بمثلث الرعب، وإن ما يحدث فيه من الذبح والقتل وتعليق النساء والصبيان! لا يقوم به مسلم على وجه الأرض ألبتة! بل إن الذي قام بذلك هم المليشيات التي جندت! وتسمى: بجمعية الدفاع الذاتي، أو بلجان الدفاع الذاتي، هذه اللجان أو هذه المجموعات سلحتها الحكومة بأحدث الأسلحة؛ لتقلم أظفار المسلمين الذين أعطوا أصواتهم في الانتخابات للمسلمين الملتزمين؛ فالحكومة تثأر من هؤلاء بهؤلاء، وتدعي أن هذه الحروب بسبب الإسلاميين! وهذا باطل، وقد صرحت بذلك المنظمات الكافرة! فهناك تقرير من منظمة العفو الدولية، وإن كنا لا نثق في مثل هذه المنظمات، لكن الحق ما شهدت به الأعداء، صرح هذا التقرير بأن الذي يقوم بذلك هي هذه المليشيات التي وظفتها وجندتها الحكومة لتقليم أظافر المسلمين الذين قالوا: نريد أن نحكم في هذا البلد المسلم بشريعة الله، وشريعة رسول الله ﷺ .
فاعلم أيها المسلم! أن المسلمين هنالك بريئون من هذه الدماء ومن هذه المجازر ومن هذه المذابح، فلا يمكن لمسلم على وجه الأرض ألبتة أن يتعدى وأن يسفك الدماء المسلمة بغير حل، إلا إذا كان لا يعرف شيئاً عن القرآن ولا يعرف شيئاً عن سنة الحبيب ﵊.
أسأل الله أن يذب عن عرض إخواننا وعن عرض أخواتنا، وأسأل الله أن يذب عنا وعنكم النار يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، كما أسأل الله في هذه اللحظات الطيبة أن يحقن دماء المسلمين في الجزائر، وأن يرفع عنهم البلاء وعن جميع بلاد المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 101
القصاص بين المؤمنين
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة الكرام! آخر عناصر لقائنا هذا هو: القصاص بين المؤمنين.
هل يحدث قصاص بين أهل التوحيد والإيمان؟! نعم، فإنه لن يدخل الجنة أحد -ولو كان موحداً لله مطيعاً لله متبعاً لرسول الله- وعنده مظلمة لأخيه أبداً.
روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا خلص المؤمنون من النار -أي: مروا من على الصراط- حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيقتصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى -أي: أعرف- بمنزله في الجنة من منزله كان في الدنيا).
إذا خلص أهل الإيمان، ونقى الله أهل الإيمان، وأذن الله لهم في دخول الجنان، ينطلق كل واحد إلى منزله في الجنة، وهو يعرفه أكثر من معرفته ببيته في الدنيا.
وأسأل الله أن يسترنا وإياكم فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض.
اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم جنبنا الظلم يا رب العالمين! اللهم جنبنا الظلم يا رب العالمين! اللهم طهرنا من الظلم صغيره وكبيره، اللهم طهرنا من الظلم صغيره وكبيره، اللهم ارفع الظلم عن المظلومين، اللهم ارفع الظلم عن المظلومين، اللهم تب على الظالمين المذنبين قبل أن يقفوا بين يديك يا أرحم الراحمين اللهم تب على الظالمين في الدنيا قبل أن يقفوا بين يديك يا أرحم الراحمين اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، وألف بين قلوبهم يا أرحم الراحمين! اللهم ائذن في تحرير الأقصى الأسير اللهم ائذن في تحرير الأقصى الأسير اللهم ائذن في تحرير الأقصى الأسير اللهم عليك باليهود وأعوان اليهود، اللهم عليك باليهود وأعوانهم اللهم عليك باليهود وأعوانهم، اللهم دمر بيوتهم قبل أن يدمروا الأقصى اللهم احرق قلوبهم وبيوتهم قبل أن يحرقوا الأقصى اللهم قيض للأمة صلاحاً جديداً يا رب العالمين اللهم يا من رزقت الأمة بـ عمر وصلاح الدين قيض للأمة من يرد لها الأقصى الأسير برحمتك يا رب العالمين اللهم اشف صدور قوم مؤمنين اللهم اشف صدور قوم مؤمنين اللهم اشف صدور قوم مؤمني.
اللهم اجعل مصر سخاء رخاء وجميع بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والفتن والبلاء وجميع بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 102
التوكل على الله
من فضل الله على هذه الأمة أن يُدخل منها إلى الجنة سبعين ألفاً بغير حساب، وقد بين النبي ﷺ صفاتهم، وأنهم المتوكلون على الله تعالى، فلا يركنون على سواه، وهذا يدل على فضل التوكل وعظيم درجته، فينبغي على المسلم أن يسابق إلى هذه الدرجة، فيعرف حقيقة التوكل، ويعمل به، ويقتدي في ذلك بالمتوكلين من الأنبياء والصديقين.
стр. 103
الداخلون الجنة بغير حساب
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك ومولاه.
أحبتي في الله: "في رحاب الدار الآخرة" سلسلة علمية تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها تذكير الناس بالآخرة في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانصرف كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات، ليتداركوا ما قد فات قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون (فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٥٠].
ونحن اليوم على موعد مع اللقاء السابع عشر من لقاءات هذه السلسلة العلمية الكريمة، وكنا قد توقفنا في اللقاءات الأربعة الماضية مع مشهد الحساب، وتعرفنا على أهم قواعد العدل التي يحاسب الله بها عباده يوم القيامة، وعلى أول من يقضي الله بينهم، وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله، وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق العباد.
موقف عصيب ومشهد رهيب، فالبشرية كلها تقف على بساط العدل بذل وانكسار للحساب بين يدي الواحد القهار، منهم من أخذ كتابه بيمينه وحاسبه الله حساباً يسيراً، ومنهم من أخذ كتابه بشماله وحاسبه الله حساباً عسيراً، ومنهم من ينطلق مباشرة إلى الجنة بلا حساب ولا عذاب، اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
أقول: تقف البشرية كلها على بساط العدل بذل وانكسار للحساب بين يدي الواحد القهار، منهم من أخذ كتابه بيمينه وحاسبه الله حساباً يسيراً، ومنهم من أخذ كتابه بشماله وحاسبه الله حساباً عسيراً، ومنهم من ينطلق مباشرة إلى الجنة بغير حساب ولا عذاب، فمن هؤلاء السعداء؟
و
الجواب
هو موضوع لقاؤنا اليوم مع حضراتكم بإذن الله جل وعلا، فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه، إنه على كل شيء قدير.
стр. 104
رحمة النبي ﷺ بأمته وسؤاله لهم الدرجات العالية
أيها الأحبة! أرجو أن تتدبروا هذه الرواية الرقراقة الرقيقة الكريمة العظيمة، ففي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده والبيهقي في السنن وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: وسنده جيد.
وسعدت كثيراً حينما رأيت شيخنا الألباني قد صحح الحديث بشواهده في السلسلة الصحيحة من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: أن النبي ﷺ قال: (سألت ربي فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر فاستزدت ربي -أي: طلبت منه المزيد- فزادني مع كل ألف سبعين ألفاً) يا لها من كرامة! اسجد لربك شكراً يا من وحدت الله وآمنت بالحبيب رسول الله: ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبياً يا من خلقك الله موحداً، وأرسل إليك محمداً، لا تنس هذه النعمة، وضع أنفك وجبينك على التراب شكراً لله! (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ونحن بفضل الله وباختياره لا باختيارنا خلقنا موحدين، وأرسل إلينا سيد النبيين، فيا لها والله من كرامة! هذه هي كرامة أمة الحبيب على الله، كما وعد حبيبه ومصطفاه في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: (أن النبي ﷺ قرأ يوماً قول الله تعالى حكاية عن إبراهيم: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]، وقرأ الحبيب قول الله حكاية عن عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] فرفع الحبيب المصطفى يديه إلى السماء وبكى وقال: اللهم أمتي أمتي، اللهم أمتي أمتي، فقال الله لجبريل: يا جبريل! انزل على محمد وسله: ما يبكيك؟ وهو أعلم، فنزل جبريل فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أمتي أمتي يا جبريل، فقال الله لجبريل مرة ثانية: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك).
(استزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفاً) بل والله لقد قال النبي ﷺ بعدها كلمة لو جمعتم أهل البلاغة على وجه الأرض ليعبروا لحضراتكم عن مكنونها لعجزوا، قال المصطفى ﷺ : (ثم يحثي ربي بكفيه ثلاث حثيات) فكبر عمر، قال: الله أكبر! ولك أن تتصور هذا الفضل من صاحب الفضل ﷻ !
стр. 105
من هم الداخلون الجنة بغير حساب
أيها الأحبة! تعالوا بنا على جناح السرعة لنسأل الصادق المصدوق المصطفى رسول الله ﷺ عن هؤلاء الأخيار الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، والجواب مباشرة كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم من أصحاب المسانيد والسنن من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (عرضت علي الأمم) وفي رواية صحيحة في سنن الترمذي أن هذا العرض كان ليلة الإسراء: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط -وفي رواية: ومعه الرهيط.
أي: العدد القليل الذي يقل عن العشرة- ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، ورأيت النبي وليس معه أحد) أي: لم يؤمن بهذا النبي أحد من قومه، إذ إن كل نبي يأتي يوم القيامة أمام قومه وأمام أمته، فيبعث الله نبياً لأمة لا يؤمن بهذا النبي من هذه الأمة أحد.
(رأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم)، أي: رأيت سواداً عظيماً من الناس، (فظننت أنهم أمتي) يقول المصطفى: فظننت أن هذا السواد العظيم وأن هذا العدد الضخم هو الأمة المحمدية.
قال: (فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، يقول: فنظرت فإذا سواد عظيم، ثم قيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) ثم نهض النبي ﷺ فدخل منزله، فخاض أصحاب النبي ﷺ في هؤلاء الأخيار الأطهار الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم المصطفى ﵊، فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ أي: في أي شيء تتكلمون وتتباحثون وتتناقشون؟ فقالوا: نتناقش في هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، من هم يا رسول الله؟ فقال المصطفى ﷺ : (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)، فقام صحابي جليل يقال له: عكاشة بن محصن، بتشديد الكاف أو عكاشة بتخفيف الكاف واللغتان صحيحتان، ولكن التشديد للكاف أفصح، (فقام عكاشة بن محصن، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال المصطفى: أنت منهم).
يا لها من كرامة! قال: (أنت منهم)، عكاشة صحابي جليل من السابقين المهاجرين، ممن شهد بدراً، والنبي قال في حق من شهد بدراً: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
استشهد عكاشة بن محصن ﵁ في معركة اليمامة مع خالد بن الوليد وهو يقاتل أهل الردة.
(فقام رجل آخر، وقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عكاشة).
وفي رواية الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قد وصف هؤلاء وصفاً دقيقاً جميلاً فقال ﵊: (يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً تضيء وجوههم على إضاءة القمر ليلة البدر).
стр. 106
تساؤل الصحابة عن الداخلين الجنة بغير حساب
أيها الأحبة: إلى الآن ما تعرفنا بعد على هذه الصفوة الكريمة المختارة، فأصحاب النبي ﷺ شغلهم الحديث، وشغلهم هذا الوصف من رسول الله لهؤلاء الأخيار الذين لا يقفون في أرض المحشر للحساب، بل ويدخلون الجنة بلا سابقة عذاب.
قال بعض الصحابة: هؤلاء الذين بلغوا هذه الدرجة العالية والمكانة السامقة السامية، هم أصحاب النبي الذين صحبوا رسول الله، والذين اكتحلت عيونهم برؤية الحبيب المصطفى -ولا تعجب-، فالصحبة شرفها عظيم، فضلها جسيم! والصحابي هو من رأى النبي ﷺ وآمن به ومات على ذلك، وهذا هو أجمع تعريف للصحابي كما قال الحافظ ابن حجر في الإصابة، قال: الصحابي هو كل من رأى النبي، وآمن به، ومات على الإسلام.
وهذا تعريف جامع شامل.
فالصحابي هو من اكتحلت عينه برؤية الحبيب النبي، وآمن بالمصطفى، ومات على التوحيد والإيمان، فلا عجب إذاً أن يكون الصحابة هم السبعين ألفاً (فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ .
أيها الأخيار! الصحابة هم أطهر الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، قال ابن مسعود، والأثر رواه أحمد في مسنده بسند حسن: (إن الله تعالى قد نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب أهل الأرض فاصطفاه الله لعباده، ثم نظر الله في قلوب أهل الأرض بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب أهل الأرض فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه).
ولذا قال ابن مسعود: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم).
أولئك أصحاب النبي الكريم الذين زكاهم رب العالمين وسيد المرسلين! أيها الأحباب! من المعلوم أن كل تلميذ يقتبس في العادة من أستاذه ومعلمه، ولك أن تتصور أخي الحبيب كيف يكون الاقتباس إذا كان المعلم هو سيد الناس، فهؤلاء الذين حولوا المنهج الإسلامي إلى واقع عملي يتألق سمواً وروعة وجلالاً، كان شعارهم دوماً: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
هؤلاء استحقوا من الله أن يزكيهم بهذه التزكية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فهم المخاطبون ابتداءً بهذه الآية، وهم المخاطبون ابتداءً بقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
وزكى الله أصحاب النبي ﷺ بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] وزكى الله الأصحاب بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
وزكاهم الله بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩] هذه تزكية الله لأصحاب النبي.
وقد زكاهم الحبيب النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود فقال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
وفي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: (رفع النبي ﷺ يوماً رأسه إلى السماء وقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون).
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
وفي صحيح مسلم من حديث عائذ بن عمر أن أبا سفيان مر على نفر من أصحاب النبي ﷺ فيهم بلال وسلمان وصهيب، فلما رأى أصحاب النبي أبا سفيان قالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر ﵁ لأصحاب النبي من الفقراء: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم، ثم قام الصديق فأتى رسول الله ﷺ وأخبره بما كان.
ماذا قال النبي لـ أبي بكر لصاحب سنام الصديقية في هذه الأمة؟ قال: (يا أبا بكر إن كنت أغضبت سلمان وصهيباً وبلالاً فقد أغضبت ربك ، فقام الصديق مسرعاً لإخوانه، فقال: يا إخوتي، أوغضبتم مني؟ قالوا: لا، يغفر الله لك) هذه مكانة أصحاب النبي ﷺ عند الله وعند رسول الله ﵌.
стр. 107
تفسير الصحابة لهؤلاء الصفوة بأنهم الذين ولدوا في الإسلام
أيها الأحبة الكرام! إذاً لا عجب أن يقول أصحاب النبي: (لعلهم الذين صبحوا رسول الله ﷺ ، ثم قال البعض الآخر: لعل هؤلاء الذين أخبر عنهم النبي ﷺ أنهم سيدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب هم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً.
وهذه هي الأخرى عظيمة كبيرة، فمن نشأ في الإسلام وترعرع في بستان التوحيد، وتغذى وتنفس رياحين الإيمان والسنة، فقد فاز فوزاً عظيماً، ولم لا وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]؟ بل وخاطب الله إمام الموحدين وقدوة المحققين وسيد المرسلين محمداً ﷺ ، فقال له سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦].
وفي صحيح البخاري من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار) قال ابن مسعود: ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة.
فالشرك ظلم عظيم، والتوحيد فضل عظيم، ففي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) وفي رواية عتبان بن مالك: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله تعالى) فالتوحيد فضله عظيم.
إذاً: لا تعجب إذا سمعت بعض أصحاب النبي ﷺ يقولون عن هؤلاء: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً! أيها الأحباب! خرج النبي ﷺ عليهم فقطع حديث أصحابه وحوارهم، وبين لهم من هؤلاء السعداء، فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ قالوا: في هؤلاء يا رسول الله الذين ذكرت أنهم يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، فقال المصطفى: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون).
стр. 108
بيان أوصاف الداخلين الجنة بغير حساب
إنهم قوم حققوا التوحيد لله وتركوا الشرك كله دقه وجله، وأنزلوا حوائجهم كلها بالله سبحانه، ولم ينزلوها بأحد من خلقه مهما كان، فهم لا يتطيرون -أي: لا يتشاءمون- فلقد كان من عادة العرب في الجاهلية أن يأخذ أحدهم طيراً فيطيره فإن طار الطائر يميناً استبشر هذا الرجل بسفره وقال: إذاً نسافر، فإن طار الطائر يساراً تشاءم الرجل وقال: إذاً لا أخرج من بيتي ولا أسافر، فجاء الإسلام ليقضي على هذه الطيرة وعلى هذا التشاؤم، وليعلم الناس أن الضار النافع هو الله وأن الأمور كلها بيد الله ، فهم لا يتشاءمون بمكان ولا بزمان؛ لأنهم يعلمون أن خالق الزمان والمكان هو الله، وأن الذي يدبر أمر الزمان والمكان هو الله، قال تعالى: (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، فلا يدبر الأمر نبي، ولا يدبر الأمور ولي، ولا يدبر الأمور إلا الملك العلي كما في حديث ابن عباس: (يا غلام! إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخير فإن الفارج الله وإن بليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله الله يحدث بعد العسر ميسرة لا تجزعن فإن الصانع الله والله ما لك غير الله من أحد فحسبك الله في كل لك الله وقوله: (ولا يكتوون ولا يسترقون)، أي: لا يطلبون الكي ولا الرقية من أحد.
стр. 109
حقيقة التوكل
(وعلى ربهم يتوكلون) والتوكل الحقيقي هو صدق اعتماد القلب على الله، وهو جماع الإيمان، ونهاية تحقيق التوحيد.
- التوكل هو جماع الإيمان، ونهاية تحقيق التوحيد، والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل ولا يقدح فيه، ومن ظن أن الأخذ بالأسباب قدح في التوكل، ففهمه فهم مغلوط، فالأخذ بالأسباب لا يقدح في التوكل ولا يؤثر فيه.
قال الشاطبي: إن الدخول في الأسباب أمر واجب شرعاً.
قال ابن القيم: لا يتم التوحيد إلا بمباشرة الأسباب، والأخذ بالأسباب لا يقدح في التوكل.
قال جمهور السلف: يحصل التوكل إذا وثق العبد بربه وعلم أن الأمور كلها بيده، ثم أخذ بالسنة فباشر الأسباب، مع اعتقاده أن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع إلا بأمر مسبب الأسباب ﷻ .
إذاً: التوكل الحقيقي يا طالب العلم أن تذاكر وأن تجتهد، وأن تسهر الليل وأن تخلص العمل، وأن تعتمد بقلبك على توفيق الله سبحانه.
- التوكل الحقيقي في مواجهة اليهود الخبثاء المجرمين الذين يسومون الأمة الآن سوء العذاب، هو أن تأخذ الأمة بالأسباب فتعد القوة على قدر استطاعتها، وتتعلق بالله سبحانه، ولتعلم الأمة يقيناً بعد ذلك أن النصر من عند الله.
- التوكل الحقيقي هو ألا تترك الأمة العراق ليبتر من جسدها، وليتحكم شرطي العالم الوقح أمريكا في بلاد المسلمين كيفما يشاء.
- التوكل الحقيقي هو أن تقف الأمة كلها على قلب رجل واحد لتقول بأن بغداد عاصمة الخلافة لسنوات مضت إنما هو عضو لا ينفصم عن جسد الأمة، ومحال أن يعيش الإنسان بدون عضو حقيقي في جسده، لقول النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
- التوكل الحقيقي هو أن نأخذ بالأسباب وأن نعتمد على مسبب الأسباب، وأن نكون على يقين بأن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع إلا بأمر الله جل وعلا.
هذا التوكل أمر الله به سيد المتوكلين محمداً ﷺ فقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨].
стр. 110
قبول الرقية لا يمنع وصف (لا يسترقون)
أخي! انظر إلى عظيم التوكل، فإن الأمر ليس بالأمر الهين، فهم لا يطلبون الكي والرقية من أحد، ولا مانع إن تقدم أحد لرقيتهم أن يقبلوا منه، لكنهم لا يطلبون من أحد، فلم ينزلوا حوائجهم في باب أحد أو عند باب أحد من الخلق، ولم ينزلوا حوائجهم إلا على باب الحق ، فقلوبهم متعلقة بالله، والذي حملهم على هذا كله تمام توكلهم على الله، وكمال تفويضهم الأمر إلى الله، وعظيم اعتقادهم أن الضر والنفع بيد الله، وأن الأمور كلها بيد الله، شعار أحدهم: اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، وأبرأ من الأمل إلا فيك، وأبرأ من التسليم إلا لك، وأبرأ من التفويض إلا إليك، وأبرأ من التوكل إلا عليك، وأبرأ من الصبر إلا على بابك، وأبرأ من الذل إلا في طاعتك، وأبرأ من الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين.
следующие страницы →