← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 905

الدار الآخرة - محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (240 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وصف النار في السنة تدبر وصف النبي المختار ﷺ لهذه النار وهي تأتي يوم القيامة، والحديث رواه مسلم من حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها). أرجو أن تتصور هذا المشهد الذي يخلع القلب -والحديث في أعلى درجات الصحة- (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)، وإذا رأت جهنم الخلائق زفرت وزمجرت غضباً؛ لغضب القهار الجبار جل وعلا، قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢]، جهنم ترى يوم القيامة، جهنم تسمع يوم القيامة، جهنم تتكلم يوم القيامة قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢]، بل وتظل جهنم تنادي وتقول: هل من مزيد؟ سلم يا رب! هل من مزيد من الكفرة؟ هل من مزيد من المنافقين؟ هل من مزيد من المشركين المجرمين؟ وتظل تنادي وتقول: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ حتى يأذن ربها جل وعلا أن تمتلئ، ففي الحديث الذي رواه مسلم أنه ﷺ قال: (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قد امتلأت بعزتك وكرمك!)، قال الله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٢٤ - ٣٠]. فتظل جهنم تصرخ على أهل الكفر: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه -بلا تعطيل ولا تكييف: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]- فتقول: قط قط، قد امتلأت بعزتك وكرمك! تكاد القلوب أن تنخلع أيها المسلمون! إذا ما وقفنا على شيء يسير جداً من هول العذاب في النار. وهذا هو عنصرنا الثاني.

стр. 142

وصف النار في القرآن قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٤]. إنها سقر: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٧ - ٣٠]. إنها الحطمة: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:٥ - ٩] مؤصدة، أي: مغلقة لا ينتهي وقودها، ولم لا؟! ووقودها الناس والحجارة، فلا ينتهي وقودها ولا ينطفئ لهبها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. اللهم نجنا من النار!

стр. 143

شدة عذاب أهل النار شدة عذاب أهل النار. لقد بين لنا ربنا سبحانه ونبينا ﷺ أن الناس يتفاوتون في العذاب في نار جهنم، فجهنم لها أبواب، يدخل من كل باب صنف معين من الناس بحسب ذنوبه، وجهنم دركات، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٣ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]. وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حقويه -أي: إلى جنبيه- ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته) أي: إلى عنقه، تصور هذا المشهد!

стр. 144

ثياب أهل النار أيها اللاهي! أيها الساهي! أيها العاصي! أيها المذنب! أيها المضيع للصلاة! أيها المضيع للزكاة! أيها المضيع للحج مع القدرة والاستطاعة! أيها العاق لوالديك! أيها المؤذي لجيرانك! أيها المسيء! أيها الصاد عن دعوة الله وعن سبيل الله! تذكر هذه اللحظات، وتذكر هذه الآيات، وتذكر هذه الكلمات من الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى بأبي هو وأمي ﷺ ، فالطعام في النار نار، والشراب في النار نار، حتى الثياب من النار! قال ابن عباس: (تبارك من جعل لأهل النار من النار ثياباً)، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم:٤٩ - ٥٠] القطران: هو النحاس الذي أذيب من شدة الغليان، فالثياب من قطران، وقال الله جل وعلا: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:١٩ - ٢٢]. الطعام نار والشراب نار والثياب نار، وهنا يستغيث أهل النار بخزنة جهنم؛ ليتضرع خزنة جهنم إلى الله أن يخفف عن أهل النار يوماً واحداً من العذاب، قال جل وعلا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٤٩ - ٥٠]. فيرجعون بخيبة أمل فينادون على مالك رئيس الخزنة: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف:٧٧] ماذا تريدون؟ نريد الموت نريد الهلاك نريد الخلاص من هذا العذاب: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فيتذكر أهل النار إخوانهم وأهلهم وأحبابهم ممن كانوا يسخرون منهم في الدنيا من أهل التوحيد. اللهم اختم لنا بالتوحيد واجعلنا من أهل التوحيد. يتذكر أهل النار أهل التوحيد ممن كانوا يهزءون بهم في الدنيا ويسخرون منهم في الدنيا فينادون عليهم: نريد شربة ماء، نريد شيئاً مما رزقكم به رب الأرض والسماء: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥٠ - ٥١]. فيرجعون بخيبة أمل جديدة! ثم ينادون الله، فيأتي الجواب من الله وهو الرحمن، لكن كفرهم كان عنيداً، لكن كبرهم كان كبيراً! ينادون الله، فيرد ربنا جل وعلا عليهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٥ - ١٠٨]. وبهذا يظل أهل الكفر في هذا العذاب الخالد المقيم! وينجو من النار أهل التوحيد برحمة رب العالمين، وشفاعة سيد النبيين محمد ﷺ ، وشفاعة المؤمنين الصادقين، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر هذا اللقاء.

стр. 145

غمسة في جهنم تنسي كل نعيم إن لحظات قليلة في نار جهنم تنسي العبد كل رخاء ونعيم في هذه الحياة، ففي صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار) أي: رجل عاش في الدنيا منعماً، ولكنه في الآخرة من أهل النار، يؤتى بهذا الرجل يوم القيامة ويغمسه الله غمسة واحدة في نار جهنم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة واحدة، ويقال له: يا بن آدم! هل رأيت نعيماً قط؟ هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت خيراً قط، وما مر بي نعيم!) أنساه شقاء العذاب كل نعيم، وأنساه بؤس الجحيم كل نعيم ورخاء. ولذلك فسيتمنى الكافر المجرم أن ينجو من عذاب النار ولو قدم لله ملء الأرض ذهباً، تدبر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران:٩١]، بل في الصحيحين من حديث أنس، أن النبي ﷺ قال: (يقال لأهون أهل النار عذاباً: أرأيت لو كان لك ما في الأرض أكنت تفتدي به؟! فيقول: نعم، فيقول الله جل وعلا: أردت منك أهون من ذلك وأنت في صلب آدم، أردت منك ألا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا الشرك). فوحدوا الله ﷻ ، وحققوا التوحيد، وأخلصوا التوحيد لله، وتجنبوا الشرك كله، فإن الشرك من أعظم أسباب الخلود في النيران، وإن التوحيد من أعظم أسباب النجاة من النيران، بل إن التوحيد هو أعظم أسباب النجاة من النيران، أسأل الله أن يختم لي ولكم بالتوحيد، وأن يحفظني وإياكم من الشرك كله دقه وجله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. (لقد أردت منك أهون من ذلك وأنت في صلب آدم: أردت منك ألا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا الشرك) فيتمنى الكافر المجرم -وهو يرى العذاب، ويذوق طعم العذاب أشكالاً وألواناً- أن لو افتدى من عذاب الله بولده، بل ويتمنى أن لو افتدى من العذاب بامرأته، بل ويتمنى أن لو افتدى من العذاب بأسرته وقبيلته وعشيرته، بل ويتمنى أن لو قدم أهل الأرض جميعاً ليفتدي نفسه من عذاب الله جل وعلا، تدبر قول الله: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج:١١ - ١٨]. يود المجرم الخبيث الكافر أن لو افتدى يوم القيامة من عذاب النار بأولاده بأصحابه بإخوانه بزوجته بل يتمنى أن لو قدم أهل الأرض جميعاً من أجل أن ينجو بنفسه من عذاب الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولم لا وطعامهم في جهنم من النار، وشرابهم في جهنم من النار، وثيابهم في جهنم من النار! فطعام أهل النار: الزقوم والضريع والغسلين، هل تعلمون شيئاً عن الزقوم؟! هل تعرفون الضريع؟! هل تعرفون الغسلين؟! تمنيت أن لو سمع أهل الكفر مثل هذا الكلام، تمنيت أن لو سمع أهل الظلم والبطش مثل هذا الكلام، لن يقوى على النار أحد، لو جلس أحدنا على مدفأة أو على تنور صغير، ونسي نفسه، ومست النار يده، سرعان ما يخطف يده! وكأنه لا يقوى على أن يتحمل النار برهة، فمن يتحمل ناراً مثل نار الدنيا سبعين مرة؟! نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 146

طعام أهل النار وشرابهم الزقوم: شجرة خبيثة ثمارها كرءوس الشياطين! تصور هذا الوصف العجيب! هذه الشجرة تخرج في أصل الجحيم، يقول في حقها سيد النبيين ﷺ كما في الحديث الذي رواه الترمذي بسند صحيح من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال: (لو قطرت قطرة من الزقوم في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن يكون الزقوم طعامه؟!! قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٥]، هل تعلمون ما المهل؟! المهل: هو الزيت الذي اسود لونه من شدة الغليان. اللهم سلم يا رب! ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٦]. وتدبر قول رب العالمين: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الواقعة:٥١ - ٥٣]. وقال سبحانه: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات:٦٢ - ٦٦]. فإذا اشتعلت النار في بطونهم استغاثوا يريدون الماء؛ ليطفئوا هذه النيران المتأججة، فيغاثون بماء يمزق الأمعاء ويقطع الأحشاء: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]، وقال الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧]. هذا عن الزقوم، فماذا عن الضريع؟! الضريع: شوك ينبت في أرض الجزيرة، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:١ - ٧]. هذا عن الضريع، فهل تعرفون شيئاً عن الغسلين؟! الغسلين: عصارة أهل النار من قيح وصديد، وهو طعام أهل النار! ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٣٧] ما هو الغسلين؟ عصارة أهل النار من القيح والصديد، والعياذ بالله! ابك على نفسك، ابك على ذنوبك، يا من قسا قلبه وجمدت عينه! متى ستبكي إن لم تبك اليوم؟! لقد قست القلوب، وجمدت العيون! إن لم تجد قلبك الآن في هذه اللحظات، فكن على يقين جازم أنه لا قلب لك؛ لأنك لا تحمل قلباً! أبت نفسي تتوب فما احتيالي إذا برز العباد لذي الجلال وقاموا من قبورهم سكارى بأوزار كأمثال الجبال وقد نصب الصراط لكي يجوزوا فمنهم من يكب على الشمال ومنهم يسير لدار عدن تلقاه العرائس بالغواني يقول له المهيمن يا وليي لقد غفرتْ ذنوبك لا تبال

стр. 147

أهون أهل النار عذاباً بل ستعجب إذا علمت أن النبي ﷺ قد وصف حال أهون أهل النار عذاباً وصفاً يخلع القلب! ففي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير، أن البشير النذير ﷺ قال: (إن أهون أهل النار عذاباً لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان من نار، فيغلي منهما دماغه)! اللهم سلم سلم، اللهم إن أبداننا ضعيفة لا تقوى على نارك ولا على عذابك، فنجنا يا أرحم الراحمين!

стр. 148

أهل الخلود وأهل الخروج نعم أيها المسلمون! يخلد في النار أهل الكفر أهل الشرك أهل الكبر على الله، الذين قتلوا وذبحوا الموحدين، وصدوا عن سبيل رب العالمين، وتكبروا على عبادة الله. أرسل الله إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وأبقى لهم العلماء فذكروهم بالله، ونقلوا لهم كلام الحبيب رسول الله ﷺ ؛ فتكبروا وكفروا وعاندوا، وأصروا على الشرك وعلى الكبر، وعلى الصد عن سبيل الله جل وعلا، هؤلاء هم أهل الخلود: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٨]. اللهم اجعلنا من أهل السعادة، واجعلنا من أهل الجنان. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] أي: غير مقطوع ولا منته. أهل الخلود هم: أهل الكفر والشرك، وأهل الخروج هم: أهل التوحيد، فمن مات على كبيرة من الكبائر كالزنا أو شرب الخمر، أو عمل قوم لوط أو غير ذلك من الكبائر، وغلبت سيئاته الحسنات، ومات مصراً على معصية رب الأرض والسماوات -حتى ولو كان من أهل التوحيد- فإنه متوعد بأن يطهره الله في النار، ومن منا يصبر على النار ساعة؟! فإذا طهره الله في النار فإنه يخرج منها بعد ذلك برحمة الله أرحم الراحمين، أو بشفاعة سيد المرسلين، أو بشفاعة المؤمنين الصادقين من أمة سيد المرسلين ﷺ ، يقول المصطفى ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (لكل نبي دعوة مستجابة، فدعا كل نبي بدعوته إلا أنا، فقد اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئاً). اللهم إنا نشهدك أننا نوحدك، ونؤمن بنبيك ﷺ ، فاختم لنا بالتوحيد كما وفقتنا إلى التوحيد يا رب العالمين! اسمع لنبيك لتعرف فضل التوحيد أيها الموحد! فإنه يعز عليَّ أن أتكلم عن النار دون أن أرغب الأخيار، فرحمة العزيز الغفار لأهل التوحيد من أمة النبي المختار واسعة، ففي الحديث الصحيح الطويل الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد، وفيه ذكر شفاعة المؤمنين لإخوانهم الذين دخلوا النار، فيقول أهل الإيمان: (يا رب! إن إخواننا كانوا يصلون ويصومون ويحجون معنا -أي: شفعنا فيهم- فيقول الله جل وعلا: اذهبوا فأخرجوا من النار من عرفتم، فيعرفون في النار بأثر السجود، فإن الله حرم على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيرجعون إلى الله ويقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا به، فيقول الرحمن: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ويقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا به، فيقول الرحمن: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ويقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا به، فيقول الرحمن: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ويقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا به، فيقول أرحم الراحمين: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض الله جل وعلا قبضة فيخرج من النار خلقاً كثيراً قد امتحشوا -أي: قد أكلتهم النار- فيصب عليهم من ماء نهر في الجنة يقال له: نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فيخرجون إلى الجنة كاللؤلؤ وفي رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة إذا ما نظروا إليهم ويقولون: هؤلاء عتقاء الرحمن من النار، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه). اللهم اجعلنا من أهل الجنة، ونجنا من النار برحمتك يا عزيز يا غفار! وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم!

стр. 149

سبيل النجاة من النار الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! كيف النجاة من النيران؟! النجاة من النار في كلمتين اثنتين لا ثالث لهما: توحيد العزيز الغفار، واتباع النبي المختار، هذا هو طريق النجاة: أن توحد الله، وأن تسير على طريق حبيبك رسول الله ﷺ .

стр. 150

أعمال تنجي من النار وهناك من الأعمال الصالحة التي أمر النبي ﷺ بفعلها، ما تفتح باباً للعبد إلى الجنة، وتنجي العبد من النيران، ومنها: الصوم: ففي الصحيحين أنه ﷺ قال: (من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً). ومنها الجهاد: اللهم ارزقنا الجهاد في سبيلك، اللهم ارفع علم الجهاد، وارزقنا الشهادة في سبيلك يا أرحم الراحمين! ففي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (لا تمس النار عبداً اغبرت قدماه في سبيل الله). ومن هذه الأعمال التي تنجي العبد من النار: مجالس العلم: ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة الطويل وفيه: (أن الملائكة تصعد بعد مجلس العلم إلى الله تعالى، فيقول الله للملائكة: يتعوذون؟ فتقول الملائكة: إنهم يتعوذون من النار، فيقول الله: وهل رأوا النار؟ فتقول الملائكة: لا لم يروا النار، فيقول الله: فكيف لو رأوها؟ فتقول الملائكة: كانوا أشد لها مخافة وأشد منها فراراً، فيقول الله جل وعلا: أشهدكم يا ملائكتي! أني قد غفرت لهم)، وهذا من فضل مجالس العلم. ومنها أيضاً: محبة الله جل وعلا: فإذا أحبك الله لم ترد على النار، كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والحاكم من حديث أنس، أنه ﷺ قال: (والله لا يلقي الله حبيبه في النار أبداً). ومنها البكاء: إن البكاء من خشية الله يحرم العبد على النار، يا له من فضل! ففي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني، أن الحبيب النبي ﷺ قال: (لا يلج النار -أي: لا يدخل النار- رجل بكى من خشية الله). فطريق النجاة: توحيد للعزيز الغفار واتباع للنبي المختار ﷺ ، أسأل الله أن ينجينا وإياكم من النيران. اللهم نجنا من النار، اللهم نجنا من النار، اللهم نجنا من النار، اللهم نجنا من النار، اللهم نجنا من النار، اللهم أدخلنا الجنة برحمة منك يا عزيز يا غفار! اللهم أدخلنا الجنة برحمة منك يا عزيز يا غفار! اللهم إننا ضعاف لا نقوى على عذابك، ولا قدرة لنا على سخطك، ولا تحمل لنا على بلائك. اللهم ارحمنا برحمتك فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر، والطف بنا يا مولانا! برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 151

التوحيد والتوحيد ليس كلمة تقال باللسان فحسب، بل إن التوحيد: قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، وإلا فما قيمة أن تردد بلسانك كلمة التوحيد مع تكذيب القلب والانصراف عن العمل، ما قيمة هذا؟! فالتوحيد قول وتصديق وعمل، يقول الله جل وعلا لنبيه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]. وفي صحيح البخاري من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار)، قال ابن مسعود: (ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة). وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) وفي لفظ: (أدخله الله الجنة من أي أبوابها الثمانية شاء) وفي رواية عِتبان بن مالك: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله جل وعلا).

стр. 152

الاتباع الاتباع ليس كلمة تقال، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. من يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهة وهراءُ فالحب أول شرطه، وفروضُهُ إن كان صدقاً: طاعةً ووفاءُ اتباع النبي: امتثال لأمره، واجتناب لنهيه، ووقوف عند حده، اعرض -اليوم- نفسك على أوامر الله ورسوله، وعلى نواهي الله ورسوله، وعلى حدود الله ورسوله، فإن كنت ممن امتثل أمر النبي ﷺ ، واجتنب نهي النبي ﷺ ، ووقف عند حدود النبي ﷺ ، واتبع النبي ﷺ في أعماله: في صلاته، وفي زكاته، وفي ذكره إلخ، فإذا كنت كذلك فضع رأسك على التراب شكراً لله، وسل الله أن يزيدك اتباعاً، وأن يتوفاك على اتباع حبيبك المصطفى، يقول النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث عائشة: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) من أحدث: أي: من عبد الله ببدعة فجاء بأمر جديد على دين رسول الله، فهذا الأمر مردود، وهذه العبادة مردودة على رأسه لا يقبلها الله منه.

стр. 153

الحساب [١] لقد حرم الله الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً، ومن عدل الله أن يجازي عباده يوم القيامة على ما قدموا من خير أو شر -إلا أن يتغمد من يشاء برحمته-، وأمر الحساب أمر عصيب يجب على العبد أن يستعد له، وأن يتوب من سيئاته، ويحاسب نفسه على النقير والقطمير، والصغير والكبير من العمل.

стр. 154

لا ظلم اليوم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدَّى الأمانةَ، وبَلَّغَ الرسالةَ، ونَصَحَ للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيَّاكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً. وأسأل الله الكريم الحليم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الكريم على طاعته أن يجمعنا في الآخرة، مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! موضوعنا اليوم مع حضراتكم بإذن الله جل وعلا، بعنوان: (في ساحة الحساب)، وسوف ينتظم حديثنا مع هذا المشهد الرهيب المهيب في العناصر التالية: أولاً: لا ظلم اليوم. ثانياً: العرض على الله وأخذ الكتب. ثالثاً: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. فأعيروني القلوب والأسماع. والله أسال أن يسترنا فوق الأرض وتحت الأرض، ويوم العرض، إنه حليم كريم رحيم. أولاً: لا ظلم اليوم. أيها الأحباب الكرام! والله لو عذب الله أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، فهم عبيده وفي ملكه، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه جل وتعالى قد حرم الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١]. وقال في الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر، عن الحبيب النبي ﷺ عن رب العزة أنه قال: (يا عبادي! إني حَرَّمْتُ الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). فالله جل وعلا عدل لطيف، حليم كريم، لا يظلم أحداً من خلقه، ولا يظلم أحداً من عباده، ولذا فإن الله جل وعلا يحاسب العباد يوم القيامة وفق القواعد التالية:

стр. 155

تبديل السيئات حسنات القاعدة السادسة -والأخيرة في عنصرنا الأول (لا ظلم اليوم) - هي: تبديل السيئات حسنات. وهذا خاص بعباد الرحمن من المؤمنين والموحدين، قال تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]. وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: حدثنا الصادق المصدوق ﷺ فقال: (إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجاً منها: رجل يؤتى به فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه فيشفق، ويقال له: لقد عملت كذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم -يقول المصطفى-: لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه -وفي هذه الحالة الرهيبة من الرعب والفزع- يقال له: إن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول العبد: رب قد عملت أشياء لا أراها هاهنا) قال أبو ذر: (والله لقد رأيت النبي ﷺ يحدث بهذا ويضحك حتى بدت نواجذه ﵌. تبدل السيئات حسنات لأهل الإيمان والتوحيد، أسأل الله أن يختم لي ولكم بالإيمان والتوحيد.

стр. 156

مضاعفة الحسنات لأهل الإيمان القاعدة الخامسة والسادسة لأهل التوحيد والإيمان، أسأل الله أن يختم لنا ولكم بالصالحات. القاعدة الخامسة: مضاعفة الحسنات لأهل الإيمان. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤]. فالله سبحانه يضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها. قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام:١٦٠]. يضاعف الله الحسنة في الدنيا إلى عشر أمثالها، يقول المصطفى ﷺ كما في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، وحسن الحديث شيخنا الألباني من حديث أبي ذر الغفاري أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي: الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد، والسيئة واحدة أو أغفرها). وفي الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول: ألم حرف، بل (ألف) حرف، (ولام) حرف، (وميم) حرف). وقد يضاعف الله الحسنة إلى سبعمائة ضعف: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١]. بل قد يضاعف الله الحسنة إلى أكثر من سبعمائة ضعف، فهناك من الأعمال ما لا يعلم ثوابها إلا الله. قال تعالى في الحديث القدسي المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به). ولك أن تتصور الجزاء من الواسع الكريم ﷻ . والصبر قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].

стр. 157

إقامة الشهود على العباد القاعدة الرابعة: إقامة الشهود على العباد. وأعظم شهيد على العباد يوم القيامة هو الملك، الذي يعلم السر وأخفى، وعلم ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، فالله جل وعلا هو أعظم شهيد علينا يوم القيامة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء:٣٣]. ثم تأتي الرسل فتشهد على جميع الأمم، وتأتي أمة الحبيب فتشهد على جميع الأمم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. وقال تعالى مخاطباً حبيبه المصطفى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١]. وفى صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن الحبيب ﷺ قال: (يُدْعَى نوحٌ يوم القيامة فيقال له: يا نوح! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول الله: هل بَلَّغْتَ قومك؟ فيقول نوح: نعم يا رب! فيدعى قوم نوح ويقال لهم: هل بَلَّغَكُم نوح؟ فيقولون: لا، ما أتانا من أحد! فيقول الله جل وعلا: من يَشْهَد لك يا نوح؟ فيقول نوح: يشهد لي محمد وأمته -يقول المصطفى- فتدعون فتشهدون له، ثم أشهد عليكم، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]). ثم تشهد الملائكة، قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١]. ثم تشهد الأرض بما عمل على ظهرها من طاعات وسيئات، ففي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي من حديث أبي هريرة: (أنه ﷺ : قرأ يوماً قول الله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤] فقال المصطفى: أتدرون ما أخبارها؟! قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أخبارها: أن تشهد الأرض على كل عبد أو أَمَةٍ بما عمل على ظَهْرِهَا فتقول: يا رب! لقد عمل كذا وكذا، في يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها! فيجادل العبد اللئيم ربه الكريم ويقول العبد: يا رب! أنا أرفض هذه الشهادة! وأرفض هؤلاء الشهود!)، يا سبحان الله! يظن أنه في محكمة من محاكم الدنيا، يقول العبد اللئيم لربه الرحيم الكريم: أنا أرفض هذه الشهادة، ولا أعترف بشهادة هؤلاء الشهود! كما في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث أنس: (أنه ﷺ جلس يوماً فضحك! -بأبي هو وأمي-، ثم قال لأصحابه: لم لا تسألونني مِمَّ أضحك؟! فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟! فقال المصطفى: أضحك من مجادلة العبد لربه يوم القيامة، يقول العبد لربه: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟! فيقول: بلى قد أجرتك من الظلم، فيقول العبد: فإني لا أجيز شاهداً علي إلا من نفسي، فيقول الله سبحانه: كفى بنفسك اليوم عليك حسبياً، فيختم الله على فيه -على فمه، وعلى لسانه الذي تعود الجدال والكذب واللؤم والنفاق- ويأمر أركانه وجوارحه أن تنطق، فتشهد عليه جوارحه وأركانه، فإذا خلي بينه وبين الكلام سب ولعن أركانه وقال لها: سحقاً لكن سحقاً لكن، فعنكن كنت أناضل). ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]. وقال جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤].

стр. 158

لا تزر وازرة وزر أخرى القاعدة الثانية: أن لا تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى. لا تؤاخذ نفس بذنب نفس أخرى، بل إن كل نفس تؤاخذ بإثمها وتعاقب بجرمها: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٥]. وقال سبحانه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٣٦ - ٤١]. فلا تتحمل نفس ذنب نفس أخرى، بل سيمر الولد يوم القيامة على والده، فيقول له والده: أي بني أنا أبوك! أعطني حسنةً من حسناتك، فلقد كنت لك نِعْمَ الأب، فيقول الابن لأبيه: نفسي! ويقول الابن لأمه: نفسي! وكيف لا، وقد قال كل نبي من الأنبياء في هذا اليوم العصيب: نفسي، نفسي، نفسي، إلا المصطفى ﵌؟!

стр. 159

إعذار الله لخلقه القاعدة الثالثة: إعذار الله لخلقه. هذه هي قواعد العدل التي سيحاسب الله بها عباده يوم القيامة: إعذار الله لخلقه. الله جل وعلا هو الحكم العدل، وهو اللطيف العليم الخبير، وهو الذي يعلم ما عمل العباد من يوم أن خلقهم إلى يوم أن قبضهم، ومع ذلك فمن عظيم عدله وفضله: أنه يعرض أعمال العباد عليهم يوم القيامة، حتى لا يكون لأحد عذر بين يديه جل وعلا، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]. وقال سبحانه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١٤]. وقال جل وتعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:٥]. فالله يقيم الحجة على خلقه في الدنيا، بل ويبين ويعرض عليهم أعمالهم في الآخرة؛ حتى لا يكون لأحد عذر بين يديه سبحانه.

стр. 160

العدل التام الذي لا يشوبه أي ظلم القاعدة الأولى: العدل التام الذي لا يشوبه أي ظلم. هذه هي القاعدة الأولى: العدل التام الذي لا يشوبه ظلم، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]. كفى بالله حسيباً، اعلم بأنك لن تعرض على محكمة كمحاكم الدنيا، ففي محاكم الدنيا قد يجيد المحامون التزويرَ والتحريفَ، أو قد يجيد المحامون إقامة الحجة للخصم فيخرج، وربما يخرج الخصم وهو مدان، أما يوم القيامة فاعلم بأن الذي سيتولى حسابك هو: من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور: (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ). وقال جل وعلا: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، وقال تعالى: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]. . فالمقصود: أن عمل ابن آدم كله محفوظ ومسطور في كتاب عند الله جل وعلا، لا يضل ربي ولا ينسى، واعلم بأن ما نسيه الإنسان لا ينساه الرحمن. دع عنك ما قد فات في زمن الصِّبَا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحسب فما نسيه الإنسان لا ينساه الرحمن، فالقاعدة الأولى هي قاعدة العدل، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠].

стр. 161

العرض على الله وأخذ الكتب أيها الموحدون! هذه هي القواعد التي يحاسب الله جل وعلا عباده وفقاً لها يوم القيامة، وبها يكون الحساب، وهذا هو عنصرنا الثاني: العرض على الله وأَخْذِ الكُتُب. قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢١ - ٢٩]. وفى الصحيحين من حديث عائشة أنه ﷺ قال: (من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّبْ، قالت عائشة: يا رسول الله! أو ليس الله يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]؟! فقال المصطفى: إنما ذلك العرض، وليس الحساب يا عائشة، فمن نوقش الحساب يوم القيامة عذب). سينادى عليك ليكلمك الله، كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة، ليس بينه وبينه تُرجُمَان، فينظر العبد أيمن منه فلا يرى إلا ما قَدَّمَ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة). تنادي الملائكة: أين فلان بن فلان؟!! فإذا تَيَقّنْتَ أنك أنت المطلوب، وقرع النداء قلبك؛ فاصفر لونك، وتغير وجهك، وطار قلبك، وقد وُكّلَت الملائكة بأخذك أمام الخلق أجمعين، على رءوس الأشهاد، ويرفع الخلائق جميعاً أبصارهم إليك وأنت في طريقك للوقوف بين يدي الملك تتخطى الصفوف! أسألك بالله أن تتصور هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلوب! تتخطى الصفوف: صفوف الملائكة صفوف الجن صفوف الإنس في أرض المحشر؛ لترى نفسك واقفاً بين يدي الحق ﷻ ؛ ليكلمك الله، ولتعطى صحيفتك! هذه الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها، ولا مخبأة أسررتها، فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها! وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها! فيا حسرة قلبك -وقتها- على ما فرطت في دنياك من طاعة مولاك! فإن كان العبد من أهل السعادة -اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك- وممن ﵃ في الدنيا والآخرة، أعطاه الله كتابه بيمينه، وأظهر له في ظاهر الكتاب الحسنات، وفي باطنه السيئات، فيأمر العبد أن يبدأ، فيقرأ السيئات؛ فيصفر لونه، ويتغير وجهه ويخشى العذاب والعياذ بالله! فإذا ما أنهى قراءة السيئات وجد في آخر الكتاب: هذه سيئاتك وقد غفرتها لك؛ فيتهلل وجهه، ويسعد سعادة لا يشقى ولن يشقى بعدها أبداً، ويواصل القراءة حتى إذا ما وصل إلى آخر الكتاب قرأ الحسنات؛ فازداد وجهه إشراقاً، وازداد فرحاً وسروراً، وقال له الملك ﷻ : انطلق إلى أصحابك وإخوانك -أي: من أهل التوحيد والإيمان- فبشرهم أن لهم مثلما رأيت، فينطلق وكتابه بيمينه، والنور يشرق من وجهه وأعضائه، ويقول لأصحابه وخلانه: ألا تعرفونني؟! فيقولون: من أنت لقد غمرتك كرامة الله؟!! فيقول: أنا فلان بن فلان! انظروا هذا كتابي بيميني! اقرءوا كتابيه! شاركوني السعادة والفرحة، انظروا: هذا توحيدي، وهذه صلاتي، وهذه زكاتي، وهذا حجي، وهذا بري بوالدي، وهذه صدقتي، وهذا إحساني للجيران، وهذا ولائي وبرائي، وهذا بغضي لأعداء الله، وهذه أعمالي، وهذه دعوتي، وهذا أمري بالمعروف، وهذا نهيي عن المنكر، وهذا بعدي عن الغيبة والنميمة، وهذا بعدي عن ظلم العباد: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤]. وإن كانت الأخرى أعاذنا الله وإياكم من الأخرى، إذا كان العبد من أهل الشقاوة وممن غضب الله عليهم في الدنيا والآخرة، ينادى عليه: أين فلان بن فلان؟!! وسبحان من لا تختلظ عليه الأصوات، ولا تشتبه عليه اللغات، ولا تشتبه عليه الأسماء والصفات! أين فلان بن فلان؟! ماذا تريدون يا ملائكة الله؟! هلم إلى العرض على الله جل وعلا! فيتخطى الصفوف فيرى نفسه بين يدي الله، فيعطى كتابه بشماله أو من وراء ظهره، فيقرأ فيسود وجهه، ثم يكسى من سرابيل القطران! ويقال له: انطلق إلى من هم على شاكلتك فبشرهم أن لهم مثلما رأيت، فينطلق في أرض المحشر وقد اسود وجهه، وعلاه الخزي والذل والعار، وكتابه بشماله من وراء ظهره! فينطلق فيقول لخلانه ومن هم على شاكلته: ألا تعرفونني؟! فيقولون: لا، إلا أننا نرى ما بك من الخزي والذل فمن أنت؟!! فيقول: أنا فلان بن فلان، وهذا كتابي بشمالي، ولكل واحد منكم مثل هذا! ويصرخ في أرض المحشر: لقد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً! يصرخ بأعلى صوته ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٣٧]. ولله در القائل: مثل وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تزفر من غيض ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كان فلما قرأت ولم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى في النار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 162

حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله. اللهم صلَّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة الكرام! هذه صورة مصغرة -على قدر جهلي- أقدمها لحضراتكم عن الحساب. ولك أن تعيش بقلبك وكيانك كله هذا المشهد، الذي يكاد أن يخلع القلوب، هذا إن كنا ممن يحمل في الصدور قلوباً! فإنه لا يتأثر بموعظة، ولا يستجيب لآية أو حديث إلا من كان له قلب. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]. وكم من الناس الآن من يتحرك في هذه الدنيا وهو لا يحمل قلباً، لقد مات قلبه منذ زمن، وكفن منذ أمد! يسمع القرآن يتلى ولا حياة لمن تنادي! يسمع أحاديث الرسول ﷺ فربما يسخر ويهزأ بمذكره! فيا أيها الأخ الكريم! حاسب نفسك الآن قبل أن تحاسب بين يدي الجبار. قال عمر -والأثر رواه الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح-: (أيها الناس! حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، يوم لا تخفى منكم خافية، فإنما يخف الحساب يوم القيامة عمن حاسب نفسه في الدنيا). حاسب نفسك الآن أخي الحبيب! واعلم بأن النفس أمارة بالسوء. ولقد وصف الله النفس في القرآن بثلاث صفات ألا وهي: المطمئنة، واللَّوامة، والأمَّارة بالسوء. المطمئنة: هي التي اطمأنت إلى الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالمصطفى رسولاً. المطمئنة: هي التي اطمأنت إلى وعد الله ووعيده. هي التي اطمأنت إلى ذكر الله وعبوديته. هي التي تشتاق دوماً للقاء الله سبحانه. واللوامة: هي التي تلوم صاحبها على الخير وعلى الشر. تلوم صاحبها على الخير، لماذا لم تكثر منه؟! وتلوم صاحبها على الشر، لماذا وقعت فيه؟! لماذا تسوف التوبة؟! لماذا تؤخر الصلاة عن بيوت الله؟! إلى متى وأنت على هذا الضلال وهذه البدع؟ تلوم صاحبها على الخير، وتلوم صاحبها على الشر. أما النفس الأمارة: فهي التي تريد أن تخرجك من طريق الهداية إلى طريق الغواية من طريق النعيم إلى طريق الجحيم من طريق السُّنة إلى طريق البدعة من طريق الحلال إلى طريق الحرام. قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣]. فهذه النفس إن لم تفطمها بطاعة الله شغلتك بالمعصية، وإن لم تلجمها بلجام التقوى شغلتك بالباطل، فالنفس كالطفل، فإن فطمت الطفل عن ثدي أمه انفطم، وكذلك النفس إن فطمتها عن معصية الله وألجمتها بلجام الطاعة والتقوى انقادت. فإن زلت نفسك لبشريتك وضعفك فلست ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، فسرعان ما يدفع إيمانك وعلمك بنفسك الأمارة إلى التوبة والأوبة، والعودة إلى الله ﷻ ، وأنت على كل حال من هذه الأحوال على طريق طاعة الكبير المتعال، وسيد الرجال ﷺ . النفس أمارة، فحاسب نفسك الآن أيها الحبيب! قبل كل عمل، وبعد كل عمل، لماذا أتيت؟! لماذا سأتكلم؟! لماذا أسكت؟! لماذا أنفقت؟! لماذا أمسكت؟! لماذا أحببت؟! لماذا أبغضت؟! لماذا خرجت؟! لماذا دخلت؟! وبعد الإخلاص في العمل، هل كان العمل موافقاً لهدي المصطفى؟! هل اتبعت رسول الله أم أنا ضال مبتدع؟! فالسؤال الأول عن الإخلاص، والسؤال الثاني عن المتابعة، إذ لا يقبل الله أي عمل إلا بهذين الشرطين، أن يكون العمل خالصاً لوجه الله، وأن يكون على هدي الحبيب محمد ﵌. قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه: إن دين الله الذي هو الإسلام مبني على أصلين: الأول: أن يعبد الله وحده لا شريك له، والأصل الثاني: أن يعبد بما شرعه على لسان رسوله، وهذان الأصلان الكبيران هما حقيقة قولنا: نشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمداً رسول الله. فحاسب نفسك قبل كل عمل، وبعد كل عمل، وحاسب نفسك على التقصير، يا نفس! إلى متى تعصين وعلى الله تجترئين؟! يا نفس! إلى متى هذا الانحراف عن طرق الله جل وعلا؟! إلى متى تأكلين الربا؟! إلى متى تأكلين الحرام؟! إلى متى تأكلين مال اليتامى؟! إلى متى وإلى متى تتركين الجماعة؟! إلى متى تجلسين على المقاهي والشوارع والطرقات، وتسمعين نداء رب الأرض والسماوات: حي على الصلاة حي على الفلاح، وأنت قابعة على معصيتك؟! إن كنت تعتقدين أن الله لا يراكِ؛ فما أعظم كفرك بالله! وإن كنت تعلمين أنه يراك وأنت لازلتِ مصرة على المعصية؛ فما أشد وقاحتك، وأقل حيائك من الله جل وعلا! يا نفس ويحك! ألا تعرفين قدر نعمة الإسلام؟! يا نفس ويحك! ألا تعرفين قدر نعمة بعثة سيد الأنام؟! يا نفس اتق الله! وتوبي إلى الله وعودي إلى الله فحاسب نفسك أيها المسلم! محاسبة الشريك الشحيح لشريكه، وحاسبي نفسك أيتها المسلمة! محاسبة الشريك الشحيح، قال ميمون بن مهران: لا يبلغ العبد درجة التقوى إلا إذا حاسب نفسه محاسبة الشريك الشحيح لشريكه. إياك أن تغتر بطاعة! إياك أن تغتر بعلم! بل كن دائماً على وَجَل، فإنما العبرة بالخواتيم. أسأل الله أن يحسن لنا الخاتمة. هذه الصديقة بنت الصديق عائشة الطاهرة المبرأة من السماء، يسألها أحد المسلمين عن قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] ما معناها يا أماه؟ فقالت عائشة: يا بني! أما السابق بالخيرات: فقوم سبقوا مع رسول الله ﷺ ، وشهد لهم بالجنة، وأما المقتصد: فقوم ساروا على دربه، وماتوا على ذلك، وأما الظالم لنفسه: فمثلي ومثلك! عائشة! لا تغتر بنسبها، فلم تقل: إنني زوج النبي ﷺ ، بل لقد بشرها المصطفى ﷺ بالجنة، ومع ذلك فإنها لا تغتر، بل تعرف قدر النفس، وخطر النفس، ولؤم النفس. وهذا فاروق الأمة عمر ينام على فراش الموت، وما أدراكم ما عمر؟! تعجز العبارات عن وصف عمر الفاروق، ينام على فراش الموت بعدما طعن، فيدخل عليه ابن عباس فيثني عليه الخير كله، فيقول عمر: (والله إن المغرور من غررتموه، وددت أن أخرج اليوم من الدنيا كفافاً لا ليّ ولا عليّ، والله لو أن لي ملء الأرض ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه). وهذا هو معاذ بن جبل حبيب المصطفى ﷺ ، الذي قال له رسوله: (والله إني لأحبك يا معاذ!) لما نام على فراش الموت بعد ما أصيب بطاعون الشام، قال لأصحابه: (انظروا هل أصبح الصباح؟ ثم بكى معاذ وقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار). وهذا سفيان الثوري إمام الورع والحديث، ينام على فراش الموت، فيدخل عليه حماد بن سلمة فيقول له حماد: أبشر يا أبا عبد الله! إنك مُقْبِلُُ على من كنت ترجوه، وهو أرحم الراحمين! فبكى سفيان وقال: أسألك بالله يا حماد أتظن أن مثلي ينجو من النار؟! ونحن جميعاً يقول كل واحد منا: أتظن أن مثلي لا يدخل الجنة؟! فيا أيها المسلم! لا تغتر بطاعة، ولا تغتر بعلم ولا تغتر بعمل، وكن دائماً على وجل كما كان رسول الله ﷺ ، وهو الذي غفر له من تقدم من ذنبه، فحاسب نفسك بعد كل عمل، وحاسب نفسك بعد كل معصية، وحاسب نفسك على كل تقصير وعلى كل تفريط، إلى متى تسمع عن الله؟! وإلى متى تسمع عن رسول الله وأنت مفرط ومضيع؟! إن الموت يأتي بغتة، وإن أقرب غائب ننتظره هو الموت. قال سليمان بن عبد الملك لـ أبي حازم: يا أبا حازم! مالنا نحب الدنيا ونكره الآخرة؟! فقال أبو حازم: لأنكم عَمَّرتُم دنياكم وَخَرَّبتُم أُخراكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. فقال سليمان: فما لنا عند الله يا أبا حازم؟ قال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله؛ لتعلم مالك عند الله. فقال سليمان: وأين أجد ذلك في كتاب الله؟ قال أبو حازم: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤]. أين أنت؟! فقال سليمان: فأين رحمة الله؟! فقال أبو حازم: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]. قال: فكيف القدوم على الله غداً؟! قال أبو حازم: أما العبد المحسن فكالغائب يرجع إلى أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يرجع إلى مولاه! أسأل الله أن يستر عليَّ وعليكم في الدنيا والآخرة. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجةً هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، اللهم أكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وإن أردت بالناس فتنة ف

стр. 163

الحساب [٢] أمر الحساب أمر عظيم وعصيب، وهو من الأحوال العظام التي تنتظر البشرية جمعاء، وإن أول أمة سيحاسبها الله هي أمة محمد ﷺ ، وأول ما يحاسب عليه كل فرد من أفراد هذه الأمة يوم القيامة الصلاة، وأول من تسعر بهم النار هم أهل الرياء.

стр. 164

أول أمة سيحاسبها الله تعالى إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً. وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة، سلسلة علمية كريمة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها تذكير الناس بحقيقة الآخرة، في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانصرف فيه كثير من الناس عن طاعة رب الأرض والسماوات؛ ليتداركوا ما قد فات بالتوبة إلى الله جل وعلا، قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون، ونحن اليوم على موعد بإذن الله مع اللقاء الرابع عشر من لقاءات هذه السلسلة العلمية الكريمة. وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي مع مشهد الحساب الرهيب المهيب! فلقد ذكرنا أن العباد في أرض المحشر يقفون صفوفاً صفوفاً، ينتظر كل واحد منهم أن ينادى عليه للعرض على الله جل وعلا، ليحاسب الله ﵎ عباده وفق قواعد العدل التي ذكرت في اللقاء الماضي، وهي: ١ - ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم:٣٨]. ٢ - العدل التام الذى لا يشوبه الظلم. ٣ - إعذار الله لخلقه. ٤ - إقامة الشهود. ٥ - مضاعفة الحسنات. ٦ - تبديل السيئات حسنات. وبعدها يبدأ الحساب، فيا ترى من هي أول أمة سيحاسبها الله؟! ومن هم أول من يقضي الله بينهم يوم القيامة؟ وما هو أول ما يحاسب عليه العبد؟ والجواب على هذه الأسئلة هو موضوع لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أولاً: من هي أول أمة سيحاسبها الله جل علاه؟ أيها الأحبة الكرام! إن ذل القيام بين يدي الله في أرض المحشر لعظيم، فالشمس فوق الرءوس بمقدار ميل فقط! تكاد الرءوس أن تغلي من حرارتها، والبشرية كلها من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه القيامة في صعيد واحد! يكاد الزحام وحده أن يخنق الأنفاس، وجهنم قد أتي بها لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، إذا رأت جهنم الخلائق زفرت وزمجرت غضباً منها لغضب الله جل وعلا، فتجثو جميع الأمم على الركب قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨]. في هذه اللحظات من بين سبعين أمة تقف كلها في أرض المحشر؛ ينادي الله جل وعلا أمة الحبيب المصطفى ﷺ ليرحمها من ذل القيام بين يديه في أرض المحشر، بل وليكرمها على جميع الأمم، حينما ينادى عليها لتشهد على هذه الأمم كلها، ففي الحديث الذي رواه ابن ماجة بسند صحيح عن ابن عباس قال ﷺ : (نحن آخِرُ الأمم وأول الأمم حساباً يوم القيامة، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون). فأمة النبي ﷺ هي أول أمة سينادى عليها يوم القيامة للحساب؛ ليرحمها الله من ذل القيام في أرض المحشر في هذا الموقف العصيب. وفي الحديث الذى رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وصححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي ورواه الإمام الترمذي وقال: حديث حسن أن النبي ﷺ قال: (أنتم موفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله جل وعلا). فأمة النبي هي أشرف وأطهر وأكرم أمة على الله سبحانه، ولم لا والرجل وحده في أمة النبي المصطفى قد يزن أمة بأسرها؟! ففي هذه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وجميع أصحاب الحبيب النبي، في هذه الأمة: مسلم والبخاري، في هذه الأمة: أبو حنيفة ومالك وأحمد والشافعي، والسائرون من بعدهم على هذا الدرب المنير الزكي، من أهل الحلم والعلم والفضل الندي. روى الإمام أحمد في مسنده والطبراني في الصغير والأوسط، وقال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح من حديث أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: (قال الله لعيسى بن مريم: يا عيسى! إني سأبعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم، قال: يارب! كيف هذا، ولا حلم ولا علم؟! فقال الله جل وعلا: أعطيهم من حلمي وعلمي). فأمة النبي تتجلى كرامتها يوم القيامة بين يدي الرب العلي، حينما ينادى عليها من بين سبعين أمة أين أمة محمد فلتتقدم، لماذا؟! ولتشهد على جميع الأمم! لتشهد للأنبياء والمرسلين. ففي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: يا نوح! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول الله: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه ويقال لهم: هل بلغكم نوح؟ فيقولون: لا، ما أتانا من نذير! وما أتانا من أحد! فيقول الله جل وعلا: من يشهد لك يا نوح، فيقول نوح: يشهد لي محمد وأمته، يقول المصطفى: فتدعون فتشهدون له بأنه بلغ قومه، وأشهد عليكم)، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. أمة الحبيب ﷺ أمة مكرمة، فمن أثنت الأمة عليه خيراً نجا ووجبت له الجنة، ومن أثنت أمة الحبيب عليه شراً هلك ووجبت له النار. ففي صحيح مسلم وسنن أبي داود من حديث أنس (أن النبي ﷺ مَرَّ عليه بجنازة فَأُثني عليها خيراً فقال المصطفى: (وجبت وجبت وجبت)، ثم مُرّ عليه بجنازة أخرى، فأثني عليها شراً، فقال المصطفى: (وجبت وجبت وجبت)، فقال عمر: فداك أبي وأمي يا رسول الله! مر عليك بجنازة فأثني عليها خيراً فقلت: وجبت وجبت وجبت، ومر عليك بجنازة أخرى فأثني عليها شراً فقلت: وجبت وجبت وجبت، فما وجبت؟ فقال المصطفى: من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة , ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، فأنتم شهداء الله في الأرض). ولقد وعد الله نبيه أن يعطيه في أمته حتى يرضى، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو (أن النبي ﷺ قرأ يوماً قول الله في إبراهيم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]، وتلا قول الله في عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، ثم رفع النبي يديه إلى السماء وبكى، فقال الله جل وعلا لجبريل ﵇: يا جبريل سل محمداً ما الذي يبكيه؟ وهو أعلم، فنزل جبريل للمصطفى فقال: ما الذي يبكيك يا رسول الله؟! قال: أمتي أمتي يا جبريل! فصعد إلى الله، وأخبر الحق ﵎ -وهو أعلم- فقال الله لجبريل: انزل إلى محمد ﷺ وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك). فأمة النبي ﷺ أمة ميمونة مباركة. ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثُّريَّا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبياً قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ولكن أرجو أن يعلم الإخوة جميعاً أن هذه الخيرية والمكانة لا تكون إلا للموحدين الصادقين من أبناء أمة سيد النبيين، وإلا فإن من أبناء هذه الأمة من ستسعر به النار، ومن يحال بينه وبين شفاعة النبي المختار، فاقدر لهذه النعمة قدرها، واعرف لهذا الشرف حقه، وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة أنه سأل المصطفى ﷺ فقال: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) إخلاص التوحيد لله، تجريد التوحيد لله، فهل صرفت العبادة كاملة لمن يستحق العبادة وهو الله لا شريك له؟ ومن الأمة من يطرد عن حوض النبي ﷺ يوم القيامة؛ لأنه انحرف عن طريق النبي ﷺ ، روى البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي أن الحبيب النبي ﷺ قال: (أنا فرطكم على الحوض -أي: أنا سابقكم على الحوض- فمن مر علي شرب، ومن شرب لا يظمأ أبداً، وليردن علي الحوض أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم من أمتي! إنهم من أمتي! فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك! فأقول: سحقاً سحقا لمن غير بعدي).

стр. 165

أول من يقضى بينهم يوم القيامة فمن هذه الأمة من يدخل النار لأنه انحرف عن طريق النبي المختار، فاعرف لهذه النعمة قدرها، واعلم بأن الموحدين الصادقين المتبعين المتجردين هم أسعد الناس بشفاعة سيد المرسلين، وبرحمة رب العالمين جل وعلا. من هو أول من يقضي الله بينهم يوم القيامة من هذه الأمة؟ هذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء والجواب في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: (إن أول من يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد) أي: سقط شهيداً في ميدان القتال، في ساحة البطولة والوغى، في ميدان تصمت فيه الألسنة الطويلة، وتخطب فيه الرماح والسيوف على منابر الرقاب! (رجل استشهد فأتي به فَعَرَّفَهُ نعمه فعرفها، قال جل وعلا: فماذا عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، فيقول الله سبحانه: كذبت -إنك كذاب! إنك ما أردت بذلك وجه الله، بل أردت التلميع السياسي والإعلامي- بل قاتلت ليقال: هو جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار! ورجلٌ تَعَلَّمَ العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال له: كذبت! بل تعلمت وعلمت ليقال: هو عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار) اللهم سلم سلم! اللهم سلم سلم! عالم يا عباد الله ملأ المساجد علماً، وسود صفحات الجرائد والمجلات، عالم تعلم العلم وعلم الناس، ولكنه أراد الشهرة والسمعة، وأراد المنزلة والكرسي الزائل، والمنصب الفاني، أراد الوجاهة عند أولي الحكم والسلطان، ما ابتغى بعلمه وجه الرحمن جل وعلا (فأتي به، فعرفه الله نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت وعلمت، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت! بل تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)، اللهم ارزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، اللهم ارزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، اللهم لا تجعل حظنا من ديننا قولنا، وأحسن نياتنا وأعمالنا، وأحسن لنا الخاتمة يا أرحم الراحمين! عالم تسعر به النار! وقارئ للقرآن تسعر به النار! أما الثالث: (رجل آتاه الله من أصناف المال -منّ الله عليه بالأموال- فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت باباً من أبواب الخير تحب أن ينفق فيه لك إلا وأنفقت فيها لك، قيل له: كذبت! بل تصدقت ليقال: جواد -ليقال: المحسن الكبير، ليقال: المنفق السخي الكريم الباذل- فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار). إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومنِّ يظن الناس بي خيراًً وإني لشر الناس إن لم تعف عني

стр. 166

الرياء وخطره على الفرد والمجتمع الرياء لغة: مشتق من الرؤية كما قال الفيروزأبادي: راءيته مراءاة ورئاءً -أي: أريته خلاف ما أظهر- والرياء اصطلاحاً مشتق من معناه اللغوي، فمعنى الرياء اصطلاحاً: أن يبطن العبد شيئاً ويظهر شيئاً آخر. وحد الرياء هو: إرادة العباد بطاعة رب العباد جل وعلا. فيا من تعملون ابتغاء مرضاة الله اسجدوا لله شكراً، وسلوا الله أن يثبتكم على ذلك، ويا من تعمل العمل ولا تبتغي به وجه الله، لا تريد إلا السمعة، ولا تريد إلا الشهرة، ولا تريد إلا أن ترتقي مكانتك بين الناس، فاعلم أن عملك حابط؛ لأن الله جل وعلا لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً صواباً، والخالص: هو ما ابتغيت به وجه الله، والصواب: هو ما كان موافقاً لهدي الحبيب رسول الله ﷺ . قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، وقال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]. وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عَمِلَ عَمَلاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، وفي لفظ: (فهو للذي أشرك وأنا منه بريء). الرياء: هو الشرك الخفي، والشرك الأصغر، والرياء هو الذي يحبط الأعمال ويدمرها، روى الإمام أحمد في مسنده بسند حسنه شيخنا الألباني في صحيح الترغيب والترهيب من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (ألا أخبركم بما هو أَخْوَف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فَيُزِيِّنُ صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه). يقوم الرجل فيصلي، فإذا انتبه أن أحداً من الناس ينظر إليه زين صلاته، وتظاهر بالخشوع، وادعى الخشوع والمسكنة والذلة بين يدي الله، هذا هو الشرك الخفي الذي خاف النبي ﷺ منه على أمته أكثر مما خاف عليهم من فتنة المسيح الدجال، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وفي الحديث الذي رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب من حديث محمود بن لبيد ﵁ أنه ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، إذا جزى الناس بأعمالهم يوم القيامة يقول للمرائين: اذهبوا إلى من كنتم تراءون في الدنيا فهل تجدون عندهم جزاءً؟!). الرياء خطر عظيم! أسأل الله أن يستر علينا في الدنيا والآخرة، وأن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل والسر والعلن، وأن يجعل سرنا أحسن من علانيتنا، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يصحح نياتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 167

علاج الرياء

стр. 168

الاستعانة بالله الرياء محبط للأعمال، وسبب لسخط الكبير المتعال، وأرجو أن أذكر نفسي وإخواني بأهم الأدوية لعلاج هذا الداء العضال، فإن الأمر خطر، وإن الأمر ليس هيناً. أعظم دواء لهذا الداء الذي يحبط العمل: أن تستعين بالله جل وعلا في أن يرزقك الإخلاص، تضرع إلى الله في الليل والنهار أن يرزقك الإخلاص في قولك وعملك، وسرك وعلنك، وهذا خليل الله إبراهيم، إمام الموحدين، وقدوة المحققين، يتضرع إلى رب العالمين أن يجنبه وبنيه الشرك، قال الله عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]. فيجب أن نسأل الله الإخلاص، وأن نتضرع إليه في كل عمل، وأن نجدد النية في كل قول وعمل؛ ليرزقنا الله الإخلاص، فسل نفسك! إذا وجدت نفسك تحب أخاً من إخوانك، هل تحب أخاك لله؟! سل نفسك إن أبغضت أحداً، هل تبغضه لله؟! إن كنت تحب هذا الأخ؛ لأنه في جماعتك التي تنتمي إليها، فلست مخلصاً في حبك، سل نفسك الآن أخي في الله! وسلي نفسك أختي في الله! لماذا تحب، ولماذا تبغض؟ لماذا توالي، ولماذا تعادي؟ لماذا تصلي؟ ولماذا أتيت؟ ولماذا امتنعت؟ ولماذا أنفقت؟ ولماذا أمسكت؟ ولماذا خرجت؟ سل نفسك، هل تبتغي بعملك كله وجه الله أم أنك تبتغي إرضاء الناس؟! فأعظم دواء للرياء: أن تستعين الملك رب الأرض والسماء أن يرزقك الإخلاص في قولك وعملك، وسرك وعلنك، اللهم ارزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين!

стр. 169

معرفة عاقبة الرياء في الدنيا والآخرة الجرعة الثانية من جرعات دواء الرياء: أن يعلم المرائي عاقبة الرياء في الدنيا والآخرة. عاقبة الرياء في الآخرة أنه لا عمل له عند الله جل وعلا! مهما صلى المرائي، ومهما أنفق المرائي، فسيأتي يوم القيامة لا يجد له ركعة، ولا يجد له جنيهاًً واحداً، ولا يجد له عملاً واحداً، لماذا؟ لأنه ما ابتغى بعمله وجه الله، الله جعل عمله كله هباءً منثوراً، اللهم سلم سلم يا أرحم الراحمين! فعاقبة الرياء في الآخرة الخسران. وفي الدنيا: المرائي يريد أن يرضي الناس بعمله، يريد أن ينال المكانة والمنزلة في قلوب الناس، فيظهر عملاً وقولاً وسمتاً وسلوكاً، والله جل وعلا يعلم من قلبه أنه يبطن خلاف ذلك، فإن كان الرياء في أصل الدين -أي: يبطن الكفر ويظهر الإيمان- فهذا أغلظ أبواب الرياء، وصاحبه مخلد في جهنم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦]، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]. فإذا كان الرياء في أصل الدين -أي: أن يظهر الإنسان الإسلام ويبطن الكفر- فهذا أغلظ أبواب الرياء وصاحبه مخلد في النار، أما إن استقر في قلبه أصل الدين والإيمان، وهو يرائي الناس بالأعمال فقط، فهذا هو الشرك الأصغر، ويخشى على هذا أن يختم له بسوء الخاتمة والعياذ بالله، فالمرائي لا جزاء له في الآخرة، وفي الدنيا هو يرائي الناس؛ لأنه يريد أن يرضي الناس، ومن ظن أنه سيرضي كل الناس فهو غبي جاهل، لو رضي كل الناس عن أحد، لرضوا عن الحبيب المصطفى. يأتي إليَّ كثير من إخواني وقد تشنج وانفعل، ويقول: سمعت فلاناً من الناس يتكلم فيك بسوء، إنه يبغضك، فأقول: هذه علامة خير، هذه علامة صحة، ثم أقول: يا أخي! أتريد أن يحب كل الناس أحداً بعينه؟! مستحيل! فلو كان الأمر كذلك لتعلقت كل القلوب بحبيب القلوب محمد بن عبد الله، كيف وقد عادوه؟! كيف وقد آذوه؟! كيف وقد طردوه؟! كيف وقد حاربوه؟! كيف وقد وضعوا النجاسة على ظهره؟! كيف وقد وضعوا التراب على رأسه؟! كيف وقد خنقوه حتى كادت أنفاسه أن تخرج بأبي هو وأمي ﷺ ؟! فمن ظن أنه سيرضي كل الناس فهو غبي جاهل، بل والله لو رضي الناس عن أحد لرضي الناس عن خالقهم جل وعلا، كل الناس لم يرضوا عن الخالق، الله خلقهم ورزقهم، وأنعم عليهم، ومنهم من كفر بالله، ومن الناس من سب الله، ومن الناس من شتم الله، فقد نسبوا لله الولد والزوجة وهو الواحد الأحد، ومن الناس من اتهم الله بالفقر كما قال اليهود الأغبياء: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، ومن الناس من اتهم الله بالبخل كما قالت اليهود الأنجاس: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]. فيا من تعمل العمل وتظن أنك سترضي الناس! اعلم بأن الناس لم يرضوا عن أحد، لن يستطيع مخلوق أن يرضي كل الناس، بل قد لا يستطيع الوالد في بيته أن يرضي كل أولاده! وقد لا يستطيع الشيخ في مجلس علمه أن يرضي كل طلابه، هذه قاعدة من جهلها فهو جاهل، فمن عمل العمل يريد رضا الناس فهو غبي جاهل؛ لأن الناس لن يرضوا عن أحد على الإطلاق. إذاً: فعلق قلبك بالله، وابتغ بقولك وعملك وجه الله، فلو اجتمع أهل الأرض بالثناء عليك فلن يقربك ثناؤهم من الله إن كنت بعيداً عن الله، ولو اجتمع أهل الأرض بالذم فيك فلن يبعدك ذمهم عن الله إن كنت قريباً من الله، فما الذي يضرك؟! ماذا ينفعك مدح الناس وأنت مذموم عند الله؟! ماذا ينفعك مدح الناس وأنت مذموم عند الله؟! ماذا يضيرك ذم الناس وأنت محمود عند الله، وقريب من الله؟! فعلق قلبك بالله، واعلم يقيناً بأن من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس المؤمنين الصادقين، فإن المنافق لا يحب مؤمناً على ظهر الأرض، المنافق يبغض المؤمن كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦] (وداً) أي: محبة في قلوب عباده المؤمنين، فإذا رأيت رجلاً يبغض مؤمناً صالحاً فاعلم أن قلبه قلب خبيث مريض بالنفاق والعياذ بالله! فإنه لا يحب المؤمن إلا مؤمن، ولا يبغض المؤمن إلا منافق كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) وقال: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) قال الخطابي ﵀: فالخير يحن إلى الأخيار، والشرير يحن إلى الأشرار، فالمرائي خسران في الدنيا والآخرة؛ فلو علم الإنسان عاقبة الرياء في الدنيا، وعاقبة الرياء في الآخرة، لابتغى بقوله وعمله وجه الله، ولسأل الله في الليل والنهار أن يجعل عمله وقوله كله خالصاً لوجهه، وأن يرزقه الله ﵎ الإخلاص في السر والعلن.

стр. 170

معاقبة الله للمرائي في الدنيا بضد قصده ونيته أود أن أحذر من جزئية خطيرة جداً، ألا وهي: أن الله يعاقب المرائي في الدنيا بضد قصده ونيته، والمعاقبة بضد القصد والنية ثابت شرعاً وقدراً. ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: (من سمّع سمّع الله به، ومن راءى راءى الله به) نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن الخطابي قال: أي: من عمل عملاً من أعمال الخير والطاعة يبتغي أن يراه الناس، وأن يسمعوه، عاقبه الله بضد قصده ونيته، ففضحه الله جل وعلا، وأظهر للناس باطنه. اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا. اللهم استرنا ولا تفضحنا، فالمرائي يظهر الله سريرته ونيته، ويبين الله للناس قصده، ألم تسمع أيها الحبيب أناساً يشهدون لرجل بالصلاح، ويشهدون لرجل بالنفاق، كما قال المصطفى: (هذه الأمة هم شهداء الله في الأرض) لماذا؟ لأنه ظن المسكين أنه أغلق على نفسه الأبواب والنوافذ، وأرخى الستور، وتجرأ على معصية الله جل وعلا، فلم يره أحد، فليعلم بأن الله سيظهره ويفضحه على رءوس الأشهاد في الدنيا قبل الآخرة، هذا لمن جاهر بالمعصية، وتجرأ عليها من غير خوف من الله ولا وجل، أما أن يزل الرجل بمعصية، فإذا قارف المعصية بكى، وارتعد قلبه، وخاف من الله ؛ فهذا هو المؤمن التقي الذي أرجو الله أن يختم لي وله بخاتمة التوحيد والإيمان، فإن الله قد ذكر المتقين في قرآنه، وذكر من صفاتهم أنهم قد يقعون في الفاحشة، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٥]. فشتان بين مصر وبين وجل من الله العلي الأعلى جل وعلا. أيها الأحبة الكرام! لا أريد أن أترك الحديث عن الرياء، فإن الأمر خطير، وكيف لا وهو أول شيء يقضي الله فيه يوم القيامة؟! أول من يقضى عليهم يوم القيامة هم أهل الرياء، فوالله إن الأمر يحتاج إلى تذكير في كل لقاء، بل في الليل والنهار؛ لتكون القلوب على وجل، وليكون المسلمون على حذر من الله، ليجدد الإنسان نيته مع كل شربة ماء، ومع كل عطاء، ومع كل عمل، ومع كل دعوة، ومع كل طاعة، أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

стр. 171

عاجل بشرى المؤمن أود أن أبشر الإخوة ببشارة؛ لأنني سأسأل عن هذا حتماً: إن كثيراً من أحبابنا وإخواننا وأخواتنا قد يعمل العمل من أعمال البر والخير والطاعة، فيلقي الله له الثناء الحسن على ألسنة الناس، ويجعل الله له المكانة الطيبة في قلوب عباده الصالحين، فيفرح العبد بذلك، فيخشى أن يكون من المرائين بذلك، فهل هذا من الرياء؟ الجواب كفانا مشقته أبو ذر ﵁، فلقد سأل أبو ذر رسول الله! كما في صحيح مسلم وقال: (يا رسول الله: إن الرجل يعمل العمل لله تعالى من أعمال الخير، فيحمده الناس على ذلك، فقال المصطفى: تلك عاجل بشرى المؤمن). اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك، تلك عاجل بشرى المؤمن، فإن عملت العمل تبتغي به وجه الله، وتضرعت إلى الله أن يرزقك فيه الإخلاص، وأثنى الناس عليك خيراًً، وجعل الله لك الثناء الحسن على ألسنة الصادقين من عباده، وجعل الله لك المكانة الطيبة في قلوب المخلصين من أوليائه، فاستبشر خيراً، واعلم بأنها بشارة خير لك إن شاء الله تعالى في الدنيا والآخرة، واسمع لهذا الحديث الرقراق الرقيق الذي رواه البزار وصححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع، أنه ﷺ قال: (ما من عبد إلا وله صيت في السماء) أي: شهرة ومكانة، (فإن كان صيته في السماء حسناً كان صيته في الأرض حسناً، وإن كان صيته في السماء سيئاً كان صيته في الأرض سيئاً)، وقال النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل فقال: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل وقال: يا جبريل! إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: يا أهل السماء! إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ويوضع له البغضاء في الأرض) أسأل الله أن يسترنا بستره الجميل، وأن يرحمنا برحمته إنه على كل شيء قدير. أيها الأحبة الكرام! هؤلاء هم أول من يقضى بينهم يوم القيامة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 172

أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! هؤلاء هم أول من يقضي الله بينهم من أمة النبي ﷺ يوم القيامة، فما هو أول ما يحاسب عليه العبد بين يدي الله جل وعلا؟ هذا هو عنصرنا الثالث من عناصر هذا اللقاء. والجواب في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة وغيرهم، وصحح الحديث شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر). والله إن القلب ليبكي، وإن العين لتدمع، وإنا لما حل بأمة الصلاة لمحزونون! فوالله إن من هذه الأمة من لا يدخل بيوت الله جل وعلا إلا في كل جمعة فقط، ومن هذه الأمة من لا يدخل إلى المساجد إلا في العيدين! ومن هذه الأمة من لا يدخل المسجد في حياته إلا مرة واحدة! لا من أجل أن يصلي، وإنما من أجل أن يصلى عليه! وليته ما جيء به ليصلى عليه. الصلاة الصلاة! الصلاة الصلاة! فإن آخر وصية أوصى بها رسول الله ﷺ : الصلاة. الصلاة ضيعتها الأمة إلا من رحم ربك جل وعلا، ومن صلى ضيع الصلاة بإخلالها، ما اطمأن في ركوعه، ما اطمأن في سجوده، ما اطمأن في قيامه، ولقد روى البخاري من حديث حذيفة بن اليمان أنه رأى رجلاً يصلي لا يتم الركوع، ولا يتم السجود، فلما أنهى الرجل صلاته قال له حذيفة: (والله ما صليت، ولو مت على هذا لمت على غير سنة محمد). أحذر من ينقرون الصلاة كنقر الغراب! إذا وقف بعضهم في الصلاة واستمع إلى الإمام غلت الدماء في عروقه! إن أطال الإمام يسيراً، يريد أن ينفلت من الصلاة! بينما يقف في إستاد رياضي الساعات الطوال، ويقف أمام راقصة داعرة فاجرة في عرس ساهر ماجن طوال الليل! وإن أطال الإمام يريد أن يتفلت! ثم يحتج على ذلك بأحاديث لا يفهم مرادها ولا مناطها، والله لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام ربنا، إلا أن القلوب خبيثة إلا من رحم الله ، فهذا صلى ولكنه لم يحسن الركوع ولا السجود، فقال له حذيفة بن اليمان: (والله ما صليت، ولو مت على هذا لمت على غير سنة محمد) فماظنكم بمن ضيع الصلاة؟! ما ظنكم بمن ترك الصلاة؟! قال جل في علاه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]. ما هو الغي؟ قال ابن عباس وعائشة: الغي نهر في جهنم، بعيد قعره، خبيث طعمه. وقال جل وعلا: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ * كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً * كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ * كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر:٣٢ - ٥٥]. أيها المسلم! لماذا تعرض عن التذكرة لماذا أعرضت عن الله يا من ضيعت الصلاة؟! لماذا أعرضت عن رسول الله؟! كم من المسلمين من يجلس على المقاهي ويسمع الأذان: حي على الصلاة ولا يجيب وهو مسلم يدعي الإسلام، ويتغنى به، بل ولو ذهبت لتذكره لقال لك: إنني أحمل قلباً أبيض كاللبن، وقلبه أسود من ظلام الليل، لو كان قلبه يحمل ذرة إيمان لاتقى الرحمن، ولانقاد لسيد ولد عدنان، وسمع النداء: حي على الصلاة، وقام يسرع كما يسرع لشهوة حقيرة من شهواته، وكما يسرع للذة فانية من لذات الدنيا، لو جاءه عقد عمل في دولة من الدول، وقيل له: الطائرة ستقلع في السادسة صباحاً، أو في جوف الليل، لذهب إلى المطار قبل الموعد بساعات، لماذا؟ لأنه ينطلق إلى عمل من أعمال الدنيا، إلى لذة من لذائذه، أما أمر الله فيجلس على المقهى، ويجلس على المعصية، ويجلس أمام التلفاز في الليل والنهار، أمام المباريات والمسلسلات والأفلام، ويأتيه التلفاز الخبيث ليقول له: حان الآن موعد صلاة الظهر! حان الآن موعد صلاة العصر! هل يتحرك هذا المسلم؟! وهل هذا مسلم؟! كيف يسمع الأذان ولا يتحرك؟! أين إسلامك؟! أين إيمانك؟! كفى هذا الزعم الباهت الذي لا يغني ولن يغني عنك من الله شيئاً، أين صلاتك؟! أين إذعانك لله وانقيادك لرسول الله ﵌؟ يسمع النداء ولكنه لا يحمل قلباً، فإن قلبه قد مات، ولا يحمل أذناًُ فإن أذنه قد صم إلا على الأغاني الماجنة، إلا على المسلسلات الخليعة الفاجرة، إلا على المباريات التافهة التي حولت الأمة من الجد إلى الهزل، يوم أن ضيعت الأمة الجد والرجولة، وعشقت الهزل واللعب.

стр. 173

خطر ترك الصلاة روى مسلم من حديث جابر بن عبد الله أنه ﷺ قال: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) والحديث في صحيح مسلم، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي وصححه شيخنا الألباني من حديث بريدة أن الحبيب النبي ﷺ قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، هل تصدقون رسول الله؟! اسمع هذه الكلمات يا من تدعي الإيمان برسول الله وقد ضيعت الصلاة، والله يكاد قلبي أن ينخلع! الرسول يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) سيقول رجل: يا شيخ! لكنني أصلي في البيت، هل أنت امرأة؟! هل فيك الحيض؟! لا يصلي في البيوت إلا النساء، كفى تلفازاً! كفى مرارة! حتى الصلاة ضيعتها الأمة. كم من أناس بيوتهم إلى جوار المساجد، والله ما صلوا جماعة لله مرة. اللهم لا تخزنا في الدنيا ولا في الآخرة، إنه الخزي! إنه العار! إنه الشنار! بيوتهم إلى جوار بيت الله، ولم يذهبوا إلى بيت الله، لم يحرص على الجماعة، لم يصل مع المسلمين، لماذ بنيت المساجد؟! هل ليصلي المسلمون في البيوت؟! أحذر هؤلاء الذين تخلفوا عن الصلاة بالحديث الذي رواه ابن ماجة وصححه الألباني من حديث أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لينتهين رجال عن ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم)، الرسول توعد من صلى في بيته وترك الجماعة أن يحرق عليه بيته. وصلاة الفجر! آه من صلاة الفجر! ذلكم المقياس الدقيق الذي يظهر النفاق وأهله من الإيمان وأهله، صلاة الفجر مقياس، إن كنت ممن يحافظ على الفجر فأبشر واستبشر خيراً، فأنت من أهل الإيمان، وإن كنت ممن ينام عن الفجر فاعلم أن قلبك قد ملئ بالنفاق وأنت لا تدري يا مسكين! يا من سهرت الليل كله أمام التلفاز وضيعت الفجر، يا من سهرت الليل كله أمام الأفلام الداعرة وضيعت الفجر اسمع لرسولك في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، قال ﵊: (أثقل صلاة على المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء) هما أثقل صلاة على المنافقين بشهادة الصادق الأمين، يا من ضيعت الفجر محكوم عليك بالنفاق من كلام الصادق. نقب وفتش المساجد في صلاة الفجر تجدها تبكي! ويتشدق هؤلاء بالنصح والتمكين، ومقاتلة اليهود! كيف تقاتل اليهود وأنت لا تصلي الفجر؟! نحن نستحق آلافاً من أمثال النتنياهو، نحن نستحق أن نضرب بالنعال على أم الرءوس، فإننا قد ضيعنا الفجر، قد ضيعنا الصلاة، والله لا نصرة للأمة إلا إذا عادت إلى الله، إلا إذا امتلأت المساجد في صلاة الفجر كما تمتلئ في صلاة الظهر، الفجر ضاع وأنت نائم، كن نائماً إلى أن تستيقظ بين الأموات في القبور! يا من ضيعت الفجر احذر النفاق ونقب عن النفاق في قلبك الآن، لماذا تضبط المنبه على وقت العمل، ولا تضبط المنبه على وقت الصلاة؟! تخشى أن تسأل من مسئول عملك إن تأخرت عن وقت الدوام ساعة، تخاف وتخشى ذلك، ولا تضبط المنبه على وقت صلاة الفجر! أين الإيمان في قلبك؟! احذر ودعك من الدعاوى الفارغة الباطلة، سامحوني على هذه الشدة؛ لأن القلب يكاد يعتصر، لأنني أرى أناساً يدعون الإسلام، ويزعمون الإيمان، ويجلسون أمام التلفاز بالليل والنهار، والله ما حضروا لبيت الله جل وعلا في صلاة، ولو حضر صلاة ضيع صلوات. وصلاة العصر، عاد من عمله فنام، اعتاد أن ينام ولا يصلي العصر، إن كنت مريضاً فلا حرج! لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لكن أن تكون هذه هي عادتك فهذه مصيبة كبرى. في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (من ترك صلاة العصر -أي: متعمداً- فقد حبط عمله) هذا كلام الصادق إن كانت الأمة تصدق الصادق! فكيف تضيع العصر عامداً، أمام التلفاز من أجل المباراة؟! يريد أن يرى كيف أدخل اللاعب الهدف في مرمى هذا الفريق أو ذاك! يريد أن يرى المسلسل، يريد أن يرى الفلم، يريد أن يرى المباراة، ويضيع العصر، ثم يقوم قبل المغرب بقليل لينقر العصر نقر الغراب، روى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود قال: (من سره أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، ولو صليتم في بيوتكم كالمتخلف الذي يصلي في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى به -يتمايل بين الرجلين من المرض حتى يقام في الصف). أكتفي بهذا وأسأل الله أن يستر علي وعليكم في الدنيا والآخرة، اللهم اهد ضال المسلمين، اللهم اهد ضال المسلمين. اللهم رد الأمة إلى الدين رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى الدين رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى الدين رداً جميلاً، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه. اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين. اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجميع بلاد المسلمين، اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الصادقين، وأذكركم بالحق الذي عليكم، فإن هذا الحق لا ندخله جيوبنا، وإنما هو للفقراء وللمساكين ولليتامى، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يدخرون لأنفسهم عند الله ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 174

الحساب [٣] لقد أخبر النبي ﷺ أن كل عبد سيسأل يوم القيامة عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟ وهذه الأربع هي عنوان السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، إن أجاب العبد إجابة صحيحة موفقة، وكان عمله في الدنيا مسدداً، أما إن قصر وفرط في هذه الأربعة الأسئلة فيا له من هلاك وخسار نسأل الله العافية!

стр. 175

الأسئلة الأربعة التي سيسأل عنها المرء يوم القيامة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فهذه سلسلة علمية تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي؛ الهدف منها تذكير الناس بحقيقة الآخرة، في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانصرف كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات؛ ليتداركوا ما قد فات، ويتوبوا إلى الله جل وعلا قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون. ونحن اليوم -بتوفيق الله جل وعلا- على موعد مع اللقاء الخامس عشر من لقاءات هذه السلسلة المنهجية المباركة. وكنا قد توقفنا في اللقاءين الماضيين على التوالي مع قواعد العدل التي يحاسب الله جل وعلا بها عباده يوم القيامة، ثم تعرفنا على أول أمة يحاسبها الله جل وعلا، وعلى أول من يقضي الله بينهم يوم القيامة، وعلى أول ما سيحاسب وما سيسأل عنه العبد بين يدي الرب جل وعلا، ونحن اليوم بإذن الله تعالى لا زلنا مع الناس فى ساحة الحساب بين يدي الله ، فإن الله يسأل العبد -بعد أن يسأله عن الصلاة- عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟ هذه الأربع هي موضوع لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك. فأعيروني القلوب والأسماع أيها الأحبة الكرام، فإن هذا الموضوع من الأهمية بمكان، والله أسأل أن يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، إنه ولي ذلك والقادر عليه

стр. 176

عن عمره فيما أفناه ؟ أحبتي في الله: أولاً: السؤال عن العمر. أيها الأحبة الكرام! لا شك أن الله سيسأل العبد في ساحة الحساب عن كل ما قدم في هذه الحياة، قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. وقال جل وعلا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣]، فكل صغيرة وكبيرة سطرت عليك في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى، فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها؟! وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها؟! ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣]. ولكن النبي ﷺ قد ذكر أن الله سبحانه سيسأل العبد -بعد سؤاله عن الصلاة- عن أربع، كما في الحديث الصحيح الذى رواه الترمذي والطبراني في معجمه الكبير والصغير، والخطيب في التاريخ، وصحح الحديث شيخنا الألباني في السلسلة الصحيحة وصحيح الجامع من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: -أسألك بالله! أن تتدبرها؛ لتسألها نفسك الآن قبل أن تسأل بين يدي الملك جل وعلا- عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟). أولاً: السؤال عن العمر. إخوتاه! العمر هو البضاعة ورأس المال، فمن ضاعت بضاعته، وانتهى رأس ماله دون أن يحقق الربح، فهو من الخاسرين. هل حسبت أن هذا العمر، وأن هذه الأيام، وأن هذه السنوات -التى تمضي ونحن لا نشعر بها- لن يسألنا عنها؟ لا والله، تدبر قول رب الأرض والسماوات وهو يقول سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. وقال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٤٠]. أليس ذلك بقادر على أن يبعثهم للوقوف بين يديه؛ للسؤال عما قدموه وعما فعلوه؟! للسؤال عن القليل والكثير، وعن الصغير والكبير؟! أيها المسلم! الأيام تمر، والأشهر تجري وراءها، وتسحب معها السنين، وتجر خلفها الأعمار، وتطوى حياة جيل بعد جيل، وبعدها سيقف الجميع بين يدي الملك الجليل. ستسأل عن كل ساعة، ستسأل عن كل يوم، ستسأل عن كل أسبوع، ستسأل عن كل سنة، ستسأل عن عمرك كله فيما أفنيت هذا العمر؟ قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: يا ابن آدم! إنما أنت أيام مجموعة، فإن مضى يوم مضى بعضك، وإن مضى بعضك مضى كلك. وكان يقول أيضاً: " ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وينادي بلسان الحال ويقول: يا ابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة. وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: (والله ما ندمت على شيء كندمي على يوم طلعت شمسه نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي). العمر هو البضاعة الحقيقية، وهو رأس المال، ووالله ما منحنا هذه البضاعة الكريمة للهو وللعب، وللملذات، وللشهوات، والله ما للعب خلقنا، بل خلقنا الله لغاية كريمة وعظيمة. قال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. هذه هي الغاية التي خلق الله لها الخلق، ما خلقنا الله لنضيع الأعمار أمام المسلسلات والمباريات، وأمام الأفلام، وأمام هذا العبث واللهو الذي تحول في حياة هذه الأمة المسكينة إلى جد. ما خلقنا الله لذلك. ومن أجمل ما قيل في قول الله تعالى فى حق نبي الله يحيى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]، قال جمهور المفسرين: أي: آتاه الله الحكمة وهو طفل صغير، فذهب إليه بعض أترابه يوماً من الأيام قبل أن يوحي الله إليه بالنبوة، فقالوا: يا يحيى! هيا بنا لنلعب! فقال يحيى -وهو الطفل الصغير-: والله ما للعب خلقنا! وصدق والله، فإن الله ما خلقنا للهو والعبث، وما خلقنا لنضيع الأعمار أمام اللهو، وأمام المسلسلات والمباريات والأفلام، فإن جل الأمة الآن يقضي جل الليل بل وجل العمر أمام التلفاز، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! يا من يمضي عمرك وأنت لا تدري اعلم بأنك ستسأل عن هذه الساعات وستسأل عن هذا العمر وتذكر يا من يمضي عمرك وأنت في غفلة! أن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة، وأن الليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر، وأن العمر مهما طال لا بد من دخول القبر، تذكر وصية الحبيب ﷺ لـ عبد الله بن عمر، كما في صحيح البخاري أنه أخذ بمنكبي عبد الله بن عمر وقال له: (يا عبد الله! كن فى الدنيا كأنك غريب) -ما أحوجنا ورب الكعبة لهذه الكلمات! إننا نعيش عصراً طغى فيه حب الشهوات، وحب الملذات، وحب الدنيا، فإن كثيراً من الناس الآن يذكر بقول الله فلا يتذكر، ويذكر بحديث رسول الله فلا يتحرك قلبه، وكأن القلوب قد تحولت إلى حجارة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١]. اللهم ارزقنا التفكر في آلائك ونعمك، برحمتك يا أرحم الراحمين! تذكر وصية النبي الكريم لـ ابن عمر: (يا ابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). الغريب وإن طالت غربته حتماً سيرجع إلى وطنه، وعابر السبيل وإن طال سفره حتماً سيعود إلى بلده وأهله، وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء). أعلم أننا جميعاً نحفظ هذا، لكن قل من يتدبر هذا، وقل من ينام كل ليلة على فراشه، وهو يقول لأهله: أستودعكم الله بلسان الحال والمقال واليقين، وهو يعلم يقيناً أنه ربما لا يرى أهله وأولاده في الصباح. (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك).

стр. 177

مواعظ الصالحين قيل لـ إبراهيم بن أدهم طيب الله ثراه: يا إبراهيم! بم حققت الزهد في الدنيا؟ فقال إبراهيم: بثلاثة أشياء، قيل: وما هي؟ قال إبراهيم: (رأيت القبر موحشاً وليس معي مؤنساً) أين مالك؟ وأين منصبك؟ وأين أولادك وأحبابك في القبر؟ سيمضي الكل ويتركك بين يدي الرب سبحانه. قال: رأيت القبر موحشاً وليس معي مؤنساً، ورأيت الطريق طويلاً وليس معي زاد، ورأيت جبار السماوات والأرض قاضياً وليس معي من يدافع عني. أيها الأحبة الكرام! الدنيا كلها إلى زوال، والعمر كله إلى فناء، ويوم أن نام السلطان الفاتح محمد بن محمود بن ملكشاه على فراش الموت -وكان من السلاطين الأثرياء الأغنياء- قال: اعرضوا علي كل ما أملك من الجواري والغلمان والجواهر والأموال والنساء، بل وليخرج الجند جميعاً أراد وهو على فراش الموت أن ينظر إلى سلطانه وإلى ملكه، وإلى جواهره وزخارفه، وجواريه ونسائه وغلمانه، فخرج الجيش عن بكرة أبيه يحمل الجواهر واللآلئ والأموال، وخرجت الجواري، وخرج الغلمان والنساء، فنظر السلطان إلى هذا الملك العظيم، وبكى وقال: والله والله لو قبل مني ملك الموت كل هذا لافتديت به، والله لو قبل مني ملك الموت كل هذا لافتديت به، ثم نظر إلى جنوده وقال: أما هؤلاء والله لا يستطيعون أن يزيدوا في عمري ساعة، فأجهش بالبكاء وقال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩]. وهذا هارون الذي كان يخاطب السحابة في كبد السماء، ويقول لها هارون: أيتها السحابة! في أي مكان شئت فأمطري، فسوف يحمل إليّ خراجك إن شاء الله تعالى، لما نام على فراش الموت بكى هارون، وقال لإخوانه: أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه، فحملوا هارون إلى قبره، فنظر هارون إلى القبر وبكى، ورفع رأسه إلى السماء وقال: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه دع عنك ما قد كان في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحسب ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. لن تتحرك قدمك يوم القيامة إلا إذا سألك الله عن عمرك، انتبه! يا من تقضي الليل كله أمام المسلسلات والأفلام الداعرة. انتبه! يا من تقضي جل عمرك في اللهو والعبث في غير خير للدنيا أو خير للآخرة. وإياك أن تتغافل بعد اليوم عن هذه البضاعة، وعن رأس المال الحقيقي الذي تملكه، ألا وهو عمرك، فإن كل يوم يمر عليك يبعدك عن الدنيا، ويقربك إلى الله. قال لقمان الحكيم لولده: أي بُنَيَّ! إنك من يوم أن نزلت إلى الدنيا استدبرت الدنيا، واستقبلت الآخرة، فأنت إلى دار تقبل عليها أقرب من دار تبتعد عنها. ولقي الفضيل بن عياض رجلاً فقال الفضيل للرجل: كم عمرك؟! قال: ستون سنة، قال الفضيل: إذاً أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله يوشك أن تصل. فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال الفضيل: هل عرفت معناها؟ قال: نعم عرفت أني لله عبد، وأني إلى الله راجع. قال الفضيل: يا أخي! من عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع، عرف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً. فبكى الرجل وقال: يا فضيل وما الحيلة؟! قال الفضيل: يسيرة، قال: ما هي يرحمك الله؟، قال: أن تتقي الله فيما بقي من عمرك، يغفر الله لك ما قد مضى، وما قد بقي من عمرك.

стр. 178

وعن علمه ماذا عمل به ثانياً: (عن علمه ماذا عمل به): اللهم لا تجعل حظنا من ديننا قولنا، وأحسن نياتنا وأعمالنا، وارزقنا الصدق والإخلاص في أقوالنا وأعمالنا وأحوالنا برحمتك يا أرحم الراحمين! ستسأل عن كل كلمة استمعت إليها في خطبة جمعة، أو في محاضرة، أو قرأتها في كتاب، ستسأل عن علمك الذي تعلمت، ماذا عملت به؟ منذ متى ونحن نسمع عن الله؟ منذ متى ونحن نسمع عن رسول الله؟! ومع ذلك سترى البون شاسعاً بين القول والعمل، وسترى فجوة خطيرة بين القول والعمل، وهذه الفجوة سبب من أسباب النفاق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]. وقال جل وعلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] أسأل الله أن يرزقنا الصدق والإخلاص في القول والعمل.

стр. 179

فضل العلم والعلماء أيها الأحبة الكرام! العلم أغلى ما يطلب في هذه الحياة بلا شك، فلا سبيل إلى معرفة الله، ولا سبيل إلى الوصول إلى رضوان الله في الدنيا والآخرة إلا بالعلم الشرعي، إلا أن تتعلم قال الله قال رسوله ﷺ ، العلم يبذل له المال، العلم يبذل له العمر، العلم يبذل له الوقت كله، فإن أغلى ما يضحى له هو العلم، ولم يأمر الله نبيه بطلب الزيادة من شيء إلا من العلم، كما قال تعالى آمراً نبيه المصطفى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. ورفع الله قدر أهل العلم فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. ثم قال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]. وقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً -وفي لفظ (رؤساء جهالاً) - فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا). وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لـ علي: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). وفي الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم وحسنه شيخنا الألباني ﵀ بشواهده من حديث أبي الدرداء ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له كل من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر). من آتاه الله العلم فقد أوتي الحظ الوافر، وأوتي الخير كله، فإن الله يعطي الدنيا من أحب ومن لم يحب، ولكن الله لا يعطي الدين إلا لمن أحب، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، العلم هو الذي ينفعك بعد موتك، يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد، وقال ﷺ كما في صحيح مسلم وصحيح البخاري-: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). والأحاديث في هذا الباب كثيرة رددناها مراراً وتكراراً، لكن هذا العلم إن لم يحرك قلبك وجوارحك للعمل، ولخشية الله، ولتقوى الله، فلا خير فيه ولا بركة له، ما ثمرة العلم إن لم يورثك العمل؟! ما ثمرة العلم إن لم يقربك من الله سبحانه؟! فما ثمرة هذه المحاضرات؟! ما ثمرة هذه الخطب التي تخلع القلوب، إن لم تعبد هذه الخطب وهذه المحاضرات وهذه الكلمات وهذا العلم لرب الأرض والسماوات؟! إن لم يورثنا هذا العلم خشية الله، إن لم يورثنا هذا العلم تقوى الله، إن لم يورثنا هذا العلم حب السنة وبغض البدعة، ما ثمرة العلم؟! يقول الشاطبي في كتابه القيم الموافقات: إن كل علم لا يفيد عملاً ليس في الشرع ما يدل على استحسانه، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالرجل فيلقى في النار -اللهم حرم أجسادنا على النار- فتندلق أقتاب بطنه -أي: أمعاؤه- فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار، ويقولون: يا فلان! مالك؟ ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فيقول: بلى! كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه). لذا كان الحبيب المصطفى ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع، كما في صحيح مسلم وسنن الترمذي من حديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها). وقال أبو الدرداء ﵁ -والأثر يصح موقوفاً على أبي الدرداء ولا يصح مرفوعاً-: (إنني أخاف أن يقال لي يوم القيامة: أعلمت أم جهلت؟ فأقول: علمت، فلا تبقى آية آمرة أو زاجرة إلا جاءتني تسألني فريضتها، فتقول الآمرة: هل ائتمرت؟ وتقول الزاجرة: هل ازدجرت؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها). وكان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: (يا حملة العلم! اعملوا به، فإن العالم من علم ثم عمل). ليس العلم بكثرة الرواية، وليس العلم بكثرة الدراية، ولكن العلم الحقيقي هو الذى يورثك خشية الله، ويورثك العمل، قال: (يا حملة العلم! اعملوا به فإن العالم من علم ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيأتي أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يقعدون حلقاً يباهي بعضهم بعضاً، حتى إن أحدهم ليغضب على جليسه إن تركه، وجلس إلى غيره، أولئك لا ترفع أعمالهم تلك إلى الله . إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً صواباً، لذا قال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل القطر عن الصفا". اللهم ارزقنا الصدق والإخلاص في القول والعلم، وقال ابن السماك: كم من مُذَكِّر بالله وهو ناس لله!! وكم من مُخَوِّف من الله وهو جريء على الله!! وكم من مُقَرِّب إلى الله وهو بعيد عن الله!! وكم من تالٍ لكتاب الله وهو منسلخ عن آيات الله!! اللهم سلم سلم! كم من تال لكتاب الله وهو منسلخ عن آيات الله، لا تجاوز القراءة حنجرته أو ترقوته والعياذ بالله، فسوف تسأل عن علمك ماذا عملت به؟ ماذا عملت فيه؟ هل تعلمت لله؟ هل عملت بالعمل؟ هل علمت للسمعة؟ هل علمت للشهرة؟ هل علمت للرياء؟ ما من محاضرة، وما من خطبة، وما من درس علم، وما من موعظة، وما من شريط، وما من كتاب، ما من كلمة تعرفت عليها -عبد الله- إلا وسيسألك الله عنها، سيقول لك ربك: لقد أقمت عليك الحجة على لسان عبدي فلان، فماذا عملت بهذا العلم؟ والله إن الواقع لأليم، والله إن الواقع لمرير، فإننا نرى كماً هائلاً من المحاضرات والدروس، ونرى كماً هائلاً من المراجع والمجلدات والكتب، ومع ذلك نرى بوناً شاسعاً، وفرقاً كبيراً بين المنهج النظري وبين الواقع العملي، أسأل الله أن يرزقنا الصدق والإخلاص في القول والعمل، فإن هذه الفجوة تبذر بذور النفاق في القلوب، كما قال علام الغيوب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن علمه ماذا عمل به.

стр. 180

وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه ؟ ثالثاً: (عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟) ستسأل عن مالك، والمال نعمة من أعظم النعم، المال زينة الحياة الدنيا مع الأولاد، قال جل وعلا: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، ولاحظ أن الله قدم في هذه الآية المال على الأولاد فقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، المال زينة، والمال نعمة عظيمة، ولكن لا يعرف قدر هذه النعمة إلا من عرف الغاية من المال، فما أكرمه من نعمة إن حركته أيد الصالحين والشرفاء، المال نعمة لا يعرف قدرها إلا صالح تقي عرف الغاية من المال، وعرف وظيفة المال، وعرف أن المال ظل زائل، وعرف أن المال عارية مسترجعة، المال نعمة منَّ الله بها عليك، وزينة زينك الله بها، ولكن انتبه! سوف تسأل عن هذا المال كله من أين اكتسبته؟ وفيم أنفقت هذا المال؟ سؤالان يملآن القلب بالخوف والوجل، ويجعلان العبد يسأل نفسه ألف مرة قبل أن يحصل جنيهاً واحداً، من أين ستحصل هذا المال؟ من الربا؟ من الرشوة؟ من الحرام؟ من أكل أموال الناس بالباطل؟ من أين ستحصل هذا المال؟ يا من تتاجر في المخدرات؛ لتحرق قلوب أبنائنا وبناتنا، ولا هم لك إلا أن تجمع المال! يا من تتاجر في الربا! يا من تأكل أموال اليتامى! يا من تأكل من الرشاوي! يا من تأكل أموال الناس بالباطل! تدبر الآن وحاسب نفسك، وقف مع نفسك وقفة صدق الآن، وطَهِّر مالك كله قبل أن تُسأل بين يدي الله -الذى يعلم السر وأخفى- عن كل جنيه من أين جئت به؟ من أين لك هذا المال؟ من أين لك هذا الرزق؟. فالمال نعمة إذا حركته أيدي الصالحين والشرفاء، المال منحة لمؤمن تقي عرف الغاية منه، وعرف الوظيفة لهذا المال، لذا يقول سيد الرجال ﷺ كما في الصحيحين: (لا حسد إلا في اثنتين -والحسد هنا بمعنى: الغبطة- رجل آتاه الله القرآن فهو به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) ينفق المال ويعلم أن المال رزق الله، وأن المال ظل زائل وعارية مسترجعة، لذا تدبر معي -أخي الكريم- قول الحبيب ﷺ ، والحديث رواه أحمد والترمذي وصححه شيخنا الألباني من حديث أبي كبشة الأنماري أن الحبيب النبي ﷺ قال: (ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، وما ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً -اللهم ارزقنا المال والعلم- فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه -أي: في المال والعلم-حقاً، فهذا بأفضل المنازل عند الله جل وعلا، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان -أي: من الخيرات والمشروعات التي تنفع الأمة- يقول النبي: فهو بنيته فأجرهما سواء). أيها الفقير! يا منّ من الله عليك بالعلم والفهم والعقل! صحح النية، وسل الله بصدق أن لو رزقك مالاً لعملت كذا وكذا وكذا من أعمال البر والخير، يقول المصطفى: فأنت بصدق نيتك كمن عمل (فهو بنيته فأجرهما سواء) (وعبد -هذا هو العبد الثالث- رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً، فهو يخبط في ماله) ينفق ماله في اللهو والعبث والباطل، (فهو يخبط في ماله، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل). (وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً) ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان -أي: من اللهو والمعاصي، لسافرت إلى بانكوك ومدريد، وانشغلت باللهو والملذات والشهوات والمعاصي، يقول المصطفى: (فهو بنيته فوزرهما سواء). المال لا يصبح نعمة إلا إذا كان في يد صالحة تعرف الغاية منه، لذا يقول المصطفى ﵊ -ليبين لنا أن المال هو ما قدمت لدين الله، هو ما بذلت لله جل وعلا، وأن المال الذي ستتركه ليس مالاً لك وإنما هو مال ورثتك -كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا وماله أحب إليه من مال وارثه. قال: فإن ماله ما قدم ومال ورثته ما أخر) ويقول المصطفى كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير: (يقول ابن آدم: مالي مالي -الأموال والعمارات والسيارات والدولارات، وترى الإنسان منتفخاً بماله إن أودع في البنك مبلغاً من المال -وليس لك من مالك إلا ما أنفقت فأبقيت)، ولذا وورد في صحيح سنن الترمذي: أن النبي ﷺ لما أمر عائشة بذبح الشاة، وأمرها بأن تتصدق بها، فتصدقت عائشة بالشاة كلها إلا الذراع، فدخل النبي ﷺ فقال: (ما بقي من الشاة يا عائشة؟ قالت: ما بقي منها شيء إلا الذراع، فقال المصطفى: بل بقيت كلها إلا الذراع)، الذي تصدقت به هو الذي سيبقى لنا. فالمال -يا إخوة- ظل زائل، وعارية مسترجعة، ستسأل عنه بين يدي الله جل وعلا، ستسأل عن هذا المال كله: من أين اكتسبته؟ وفيما أنفقته؟ واسمع لحبيبك المصطفى ﵌ وهو يقول -كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -: (أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال تعالى للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر النبي ﷺ الرجل، يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟) أنى يستجاب لمن أكل الحرام؟ أنى يستجاب لمن شرب الحرام؟ أنى يستجاب لمن غذى أولاده بالحرام؟ إننا نرى الآن تهاوناً مروعاً في الأكل الطيب الحلال، فترى الرجل لا هم له إلا أن يجمع المال من أي سبيل كان، حتى ولو كان من الحرام، حتى ولو كان من الربا، حتى ولو كان من أموال الناس بالباطل، المهم أن يجمع المال وأن يكنزه، ومع ذلك فو الله لن يخرج من الدنيا بدرهم أو دينار أو دولار. النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومنها: عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم انفقه؟). وأرجئ السؤال الرابع إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
следующие страницы →