لهما أو الخطاب يعمهما من غيرهما (صواحب يُوسف) أي كصاحبات يوسف في دلالتكن في غير طريق الحق، والصواب بعدم علمكن بحقيقة هذا الباب (مري أبا بكر فَليُصلِّ بالنَّاس) أي إماماً لهم (فلما نودي بالصلاة) أي أقيم لها سمع النبي ﷺ المؤذن وهو بلال أو غيره (وهو) أي والحال أن المؤذن (يقول حيَّ على الصلاة) أي أولاً أو ثانياً والمعنى هلموا إليها واحضروا لديها (فقال رسول الله ﷺ ارفعوني) أي عن مقامي وأعينوني على قيامي، (فإني أريد أروح إلى الصلاة) فإنها قرة عيني وراحة قلبي بلا ملال كما يشير إليه حديث أرحنا يا بلال فقالت عائشة (قد أمرت) أي أنت أو أنا بأمرك (أبا بكر أن يصلي بالناس، وأنت في عذر) عند الله ثم قال (ارفعوني فإنه جعلت قرة عيني) أي لذة لذاتي، وراحة حياتي (في الصلاة) أي في أدائها مع الجماعة فإنها مشيرة إلى مقام الجمع بين الواحدة والكثرة، وإنها معراج الأرواح، ومدراج الأشباح (قالت عائشة: فرفع بين اثنين) من خدامه، (وقدماه تخدان) بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال أي تخدعان أي تشحان وتوشران في الأرض من كمال ضعفه حال قيامه، (فلما سمع أبو بكر مجيء رسول الله ﷺ أي أدركه مجيئه وصوت رجله ﵊ (تأخر) أي قبل شروعه، (فأومأ) بهمزتين أي فأشار (إليه رسول الله ﷺ أي بعدم التأخر (فجلس النبي ﷺ عن يسار أبي بكر) أي لأنه جاء من جانب الحجرة، وليقيم أبو بكر بمنزلة الواحد عن يمينه.
стр. 107
(وكان النبي ﷺ حذاءه) أي قبالته متقدماً عليه بعض التقديم (يكبر) أي تكبيرات الصلاة (ويكبر أبو بكر بتكبير النبي ﷺ على هيئة المبلغ كما يفعله المؤذن في زماننا هذا، (ويكبر الناس بتكبير أبي بكر) أي تبعاً (حتى فرغ) أي النبي ﷺ (لم يصل بالناس غير تلك الصلاة حتى قبض وكان أبو بكر الإمام) فيما وراء ذلك من الأيام (والنبي ﷺ وجع)، بفتح فكسر (حتى قبض).
وقال الدمياطي: إن الصديق صلى بالناس سبع عشرة، والحديث رواه الشيخان، وأبو حاتم، واللفظ له عن عائشة لما اشتد به ﷺ وجعه، قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت له عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق وفي رواية أسيف إذا قام مقامك لا سمَّع الناس من البكاء قال مروا أبا بكر فليصل بالناس فعادته مثل مقالتها، فقال إنكن صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس.
وفي رواية للبخاري عنها قالت: لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه ابداً، وإني كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به.
وفي حديث عروة عن عائشة عند البخاري قالت: قلت لحفصة قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فَمُر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة فقال رسول الله ﷺ : من أنكس لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس.
هذا وفي الصحيحين عن عائشة لما ثقل رسول الله ﷺ فقال: أصلى الناس؟
стр. 108
قلنا لا هم ينتظرونك للصلاة قال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال لنا أصلى الناس: قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن تصلي بالناس فأتاه الرسول وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً فقال: يا عمر صل أنت فقال عمر أنت أحق بذلك، فصلى بهم أبو بكر ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا يتأخر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعداً لكن روى الترمذي عن عائشة قالت صلى النبي ﷺ في مرضه الذي توفى فيه خلف أبي بكر قاعداً، وقال: حسن صحيح.
وأخرج النسائي عن أنس: آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم في ثوب واحد متوشحاً خلف أبي بكر. قال ابن الهمام والجواب من وجهين أما أولاً فلأنه لا يعارض ما في الصحيح، وأما ثانياً فقد قال البيهقي: لا تعارض فالصلاة التي كان فيها إماماً صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، والتي كان فيها مأموماً في الصبح من يوم الاثنين وهي آخر صلاة صلاها حتى خرج من الدنيا، ويخالف هذا ما ثبت عن الزهري عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين وكشف الستر ثم إرخائه فإنه كان في الركعة الأولى ثم إنه ﵊ وجد من نفسه خفة فأدرك معه الثانية قال فالصلاة التي صلاها أبو بكر مأموماً صلاة الظهر، وهي التي خرج فيها بين العباس وعلي والتي كان فيها إماماً صلاة الصبح، وهي التي خرج فيها بين الفضل بن عباس وغلام له حصل بذلك الجمع والله أعلم.
والحديث حجة لأبي حنيفة ومن تابعه خلافاً لمحمد ومن وافقه، ومذهب أحمد أنه شرع قائماً ثم جلس صح اقتداء القائمين به وإن شرع جالساً فلا، وظاهر الحديث دليل لأن الظن به ﵊ أنه كبر قبل الجلوس حيث كان قادراً عليه.
стр. 109
- حديث الحج
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة أنها قالت: يا نبي الله) بتشديد الياء أو تخفيفها (يصدر الناس) بضم الدال أي يرجع الناس (بحجة وعمرة) أي جميعاً (وأصدر بحجة) أي (دون) عمرة (فأمر لي النبي ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر فقال انطلق بها إلى التنعيم فليهل) أي فليحرم بعمرة (ثم لتفرغ منها) أي عملها وهو طواف وسعي وحلق، (ثم لتعجل علي) أي تفرغ في ما أتاها إلي (فإني أنتظرها ببطن العقبة) بفتحتين.
- نهى ﷺ عن الشرب في آنية الذهب والفضة .
وبه (عن حماد، عن حذيفة قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب) أي المشروبات (في آنية الذهب والفضة، وأن لا نأكل المأكولات فيها، وأن نلبس الحرير والديباج) بكسر الدال ويفتح الثياب المتخذة من الإبريسم وهو نوع من الحرير فارسي معرب وقال (وهي للمشركين في الدنيا ولكم في الآخرة) رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان ولفظه: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة.
وفي رواية للشيخين عن عمر ﵁: لا تلبسوا الحرير فإنه من يلبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ورواه الطبراني في الكبير عن معاوية ولفظه: نهى
стр. 110
النبي ﷺ عن الشرب في آنية الذهب والفضة، ونهى عن لبس الذهب والحرير، وروي عن مسلم عن أم سلمة مرفوعاً: أن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم أي يصوت زاد الطبراني إلا أن يتوب.
(أبو حنيفة عن علقمة بن مرثد) بفتح الميم والثاء المثلثة، (وحماد بن أبي سليمان، عن عبد الله بن بريدة)، أي السلمي قاضي مرو تابعي مشهور ثقة معروف سمع أباه وغيره من الصحابة، روى عنه ابنه سهل وغيره، ومات بمرو وله أحاديث كثيرة (عن أبيه) وهو بريدة بن الحُصَيب بالتصغير السلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها وبايع بيعة الرضوان، وكان من ساكني المدينة ثم تحول إلى البصرة، ثم خرج منها إلى خراسان غازياً فمات بمرو سنة اثنتين وستين زمن يزيد بن معاوية، روى عن جماعة (عن النبي ﷺ قال: لا تشْرَبْ مُسْكراً) رواه ابن ماجه، عن أبي الدرداء مرفوعاً ولفظه: لا تشرب الخمر فإنه مفتاح كل شيء.
- وأما حديث: كل مسكر حرام فكاد أن يكون متواتراً
وروى أحمد وأبو دتود عن أم سلمة أنه ﵊ نهى عن كل مسكر ومفتر وهو ما يرخي الأعضاء، وأما حديث: كل مسكر حرام فكاد أن يكون متواتراً فقد رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، عن أبي موسى وأحمد والنسائي، عن أنس وأحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه، عن ابن عمر واحمد والنسائي وابن ماجه، عن أبي هريرة، وابن ماجه عن ابن مسعود، وفي رواية لأحمد ولمسلم والأربعة، عن ابن عمر بلفظ. كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها ولم يتب لم يشربها في الآخرة.
стр. 111
- حديث الأضاحي
وبه (عن علقمة بن مرثد وحماد أنهما حدثاه) أي أبا حنيفة (عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: إنما نهيتكم عن لحوم الأضاحي) بتشديد الياء وتخفيف جمع أضحية والمعنى عن إدخارها وعن أكلها (فوق ثلاثة أيام ليوسّع) بتشديد السين المكسورة، والمعنى لينفق (موسعكم) بتخفيف السين المكسورة أي غنيكم (على فقيركم)، ورواه الترمذي، عن بريدة أيضاً بلفظ: كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليتسع ذو الطول على من لا طول له فكلوا ما بدا لكم وأطعموا وادخروا.
ورواه أبو داود، عن قتادة بن النعمان بلفظ: كنت أمرتكم أن لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليسع الناس، وإني أحله لكم فكلوا ما شئتم، ورواه أحمد وعبد الله بن حميد والبيهقي وابن شيبة عن أبي هريرة ولفظه: إني نهيتكم عن لحوم الأضاحي وادخارها بعد ثلاثة أيام فكلوا وادخروا أي وتصدقوا، والمعنى افعلوا ما شئتم، فإنه لا حرج عليكم فقد جاء بالسعة أي بالرخاء والرفاهية التامة العامة.
ورواه ابن حبان عن أبي سعيد يا أهل المدينة لا تأكلوا الأضاحي فوق ثلاثة أيام فشكوا إليه أن لهم عيالاً وخدماً فقال كلوا وأطعموه فأحبوا المستحب أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين.
وبه (عن علقمة وحماد أنهما حدثاه، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن
стр. 112
النبي ﷺ قال: اشربوا في كل ظَرف) أي وعاء من حنتم وحرمت ما فيه ونقير ودباء (فإن الظرف لا يحل شيئاً ولا يحرمه) أي، وإنما نهيتكم عن الشرب في بعض الظروف السابقة لكونها أسباباً لسرعة الإسكار فيها أو لأنها كانت أوعية الخمر لأهل الجاهلية.
ورواه مسلم عن بريدة أيضاً، ولفظه: كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكراً، ورواه ابن ماجه عن بريدة أيضاً كنت نهيتكم عن الأوعية فانتبذوا واجتنبوا كل مسكر.
- زيارة القبور
وبه (عن علقمة بن مرثد وحماد أنهما حدثاه) أي أبا حنيفة، (عن عبد الله عن أبيه) أي بريدة (عن النبي ﷺ أنه قال: كُنْتُ نَهَيْتُكُم عَنِ القُبُور أن تزورُها) بدل اشتمال (فزوروها فلا تقولوا هجراً) بضم الهاء وسكون الجيم فحشاً من الصياح والنياح، ورواه الحاكم في مستدركه عن أنس ولفظه: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها ترق القلب وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجراً.
ورواه ابن ماجه عن ابن مسعود بلفظ: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة.
- قنوت الفجر
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ لم يقنت في الفجر قط إلا شهراً واحداً لم ير) أي لم يوجد قنوته (قبل ذلك ولا بعده،
стр. 113
وإنما قنت في ذلك يدعو على ناس من المشركين)، وأما ما رواه الدارقطني وغيره من حديث أبي جعفر الرازي، عن أنس: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الصبح حتى فارق الحياة فمعارض بما ثبت عن عاصم ين سليمان قال: قلنا لأنس بن مالك: إن قوماً يزعمون أن النبي ﷺ لم يزل يقنت في الفجر فقال: كذبوا إنما قنت رسول الله ﷺ شهراً واحداً يدعو على أحياء من أحياء المشركين.
ويؤيده ما رواه الطبراني، عن غالب بن فرقد الطحان قال كنت عند أنس شهرين فلم يقنت في صلاة الغدوة وأما ما في البخاري عن أبي هريرة أنه كان يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعد ما يقول سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار فمحمول على قنوت الوتر والنوازل كما اختاره بعض أهل الحديث أنه ﵊ لم يزل يقنت في النوازل، وهو وجه ظاهر للجمع بين الروايات.
ويدلُّ ما أخرجه ابن حبان بسند صحيح عن أبي هريرة كان رسول الله ﷺ لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو على قوم هذا وكيف يكون القنوت سنة راتبة جهرية، وقد صح حديث أبي مالك سعد بن طارق الأشجعي، عن أبيه: صليت خلف النبي ﷺ فلم يقنت وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت ثم قال: يا بني إنها بدعة، رواه النسائي وابن ماجه والترمذي.
وقال هذا حديث حسن صحيح ولفظ ابن ماجه عن أبي مالك قال قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بالكوفة نحواً من خمسين سنة أكانوا يقنتون في الفجر.
стр. 114
قال أي بني محدث.
وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً، عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا لا يقنتون في الفجر.
وأخرج عن علي أنه لما قنت في الصبح أنكر الناس عليه فقال: استنصرنا على عدونا.
وقال محمد بن الحسن أنا أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد أنه صحب عمر بن الخطاب سنين في السفر والحضر فلم يره قانتاً في الفجر.
قال ابن الهمام (١) وهذا سند لا غبار عليه وبما ذكرناه نقطع بأن القنوت لم يكن سنة راتبة، ولو كان راتبة يفعله ﵊ كل صبح يجهر به، وَيُؤَمِن من خلفه أو يسر به، كما قال مالك إلى أن توفاه الله تعالى، لم يتحقق هذا الاختلاف بل كان سبيله أن ينقل كنقل جهر القراءة ومخافنتها وأعداد الركعات. نعم قد روي عن الصديق ﵁ أنه قنت عند محاربة الصحابة مسيلمة الكذاب وعند محاربة أهل الكتاب.
وكذلك قنت عمر، وكذا علي في محاربة معاوية، ومعاوية في محاربته إلا أن هذا ينبىء لنا أن القنوت للنازلة مقرر لم ينسخ وبه قال جماعة من أهل الحديث.
- يمين اللغو
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: سمعت في
стр. 115
قول الله ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ الله بالَّلغْو في أَيمَانِكُم﴾ (١) أي هو اليمين اللغو (قول الرجل: لا والله، وبلى والله) أي من غير قصد قلبي في جعله يميناً في نفي شيء أو إثباته.
والحديث رواه أصحاب السنن عن عائشة وكذا الشافعي، عن مالك عنها، ورفعه بعضهم وإلى هذا ذهب الشعبي وعكرمة.
وبه قال الشافعي وهو رواية عن أحمد، ولعله رواية عن أبي حنيفة، وأما قول المعتمد في مذهبه، فهو أن يحلف على شيء يرى أنه صادق ثم تبين له خلاف ذلك، وهو مروي عن ابن عباس، وقول الزهري، والحسن، وإبراهيم النخعي ومكحول، وبه قال أحمد وقالوا لا كفارة فيه، ولا إثم (٢).
وقال هو على اليمين في الغضب أي بأن يحلف وهو غضبان، وبه قال طاووس.
وبه (عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله) أي ابن مسعود (أنه أتي) بصيغة المجهول (فقيل: صلى عثمان بمنى أربعاً) أي أتم المكتوبة في الرباعية (فقال) أي عبد الله: (إنا لله وإنا إليه راجعون) إيماء إلى أنه بدعة حادثة ومصيبة عارضة (صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين) أي قصراً، (ومع أبي بكر
стр. 116
ركعتين، ومع عمر ركعتين)، وهذا كله بمنى وبعضه في غيرها فإنكاره يدل على أنه رأى القصر عزيمة كما قال أبو حنيفة: لا رخصة كما قال به الشافعي (ثم حضر) أي عبد الله (الصلاة) أي الجماعة (مع عثمان فصلى) أي عبد الله (معه)، أي مع عثمان (أربع ركعات) تبعاً له لكونه إماماً، ولعله نوى نية مطلقة من غير تعين عدد الركعات لئلا يلزم المخالفة لو نوى ركعتين ولا يلزم ترك العزيمة لو نوى أربعاً فإنه يوجب الإساءة (فقيل له): أي لعبد الله (استرجعت) أي مبالغة في الإنكار، (وقلت ما قلت) من نقل الأخبار عن فعل الأخيار، (ثم صليت أربعاً) مع ذلك (قال: الخلافة) أي تقتضي ذلك، وكذا الإمامة توجب المتابعة هنالك، وفي نسخة ينصب الخلافة أي راعيتها وما خالفتها ولا يبعد أن يكون عثمان نوى الإقامة ونية الإتباع تبع له (ثم قال): أي عبد الله (وكان) أي عثمان رضي الله (أول من أتمها أربعاً بمنى) يصرف ولا تصرف، وسمي بها لأنها تدفق فيها الدّماء أو يتحصل بها أنواع المني.
- صلاة السفر
واعلم أن في حديث الصحيحين عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر، وفي رواية قال الزهري: قلت لعروة فما بال عائشة تتم في السفر؟ قال إنها تأوَّلت كما تأول عثمان.
وقد أخرج البيهقي والدارقطني بسند صحيح، عن عروة عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تصلي في السفر أربعاً فقلت لها: لو صليت ركعتين فقالت: يا ابن أخي إنه لا يشق علي، فالمعنى أنها تأولت أن الإسقاط مع الحرج، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر: صحبت رسول الله ﷺ في السفر أربعاً، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه
стр. 117
الله تعالى، وصحبت عثمان فلم يزد حتى قبضه الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (١) قال ابن الهمام وهو معارض للمروي منه أن عثمان كان يتم، والتوفيق أن إتمامه المروي كان حين إقامته بمنى أيام منى، ولا شك أن حكم السفر مستمر على إقامة أيام فساغ إطلاق أنه أتم في السفر، ثم كان ذلك منه بعد مضي الصدر من خلافته لأنه تأهل بمكة على ما رواه أحمد أنه صلى بمنى أربع ركعات فأنكر الناس عليه فقال: يا أيها الناس إتي تأهلت بمكة مذ قدمت، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ تَأَهَلَ في بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلاة المُقِيم" (٢)
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: تصدق) بصيغة المجهول لماضي (على بريرة) وهي جارية عائشة، واختلف أنها قبطية، أو حبشية (بلحم) نائب الفاعل (فرآه النبي ﷺ فقال: هو) أي اللحم (لها صدقة ولنا هدية) وأصل الحديث في الصحيحين، وفيه أنه ﵊ قدَّم له خبز واعتذر بأنه ما عندهم من إدام فقال ﵊ ألم أر البرمة فيها لحم.
ولعل سبب سؤاله مع أنه كان متعتقاً في حاله ومقوضاً في مقام كماله اعتقادهم أنه لا يحل له ولو بعد تملكه بنحو هبة فأراد بيان سنته، وهي أنه إذا ملك المتصدق عليه الصدقة حل له أكلها هدية، وهم ظنوا خلاف ذلك إذا رآهم لم يقدموه إليه مع علمه أنهم لا يستأثرون به عليه، فبين لهم ما جهلوه من حكم لديه بقوله هو لها صدقة
стр. 118
ولنا هدية، ففيه مبادلة معنوية اختيارية واختلاف جبلية اعتبارية، فإن هذا اللحم بإهدائها إياه له انتقل من حكم تصدقه إلى حكم الهبة كما لو اشتراه غني منها أو ورثه عنها.
- حديث الحج
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن الصبي) بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة وتشديد التحتية تصغير صبي بن معبد بمفتوحة وسكون مهملة وفتح موحدة ومهملة (قال: أقبلتُ من الجزيرة) وهي أرض بالبصرة (حاجَّاً) أي حال كوني مريداً للحج (فمررت بسليمان بن ربيعة وزيد بن صوحان) بضم أوله (وهما شيخان) أي تابعان جليلان (بالعُذيبة) ظرف مررت والعذيبة مصغراً ماء (قال) أي الصبي (فسمعاني) أي الشيخان (أقول لبيك بعمرة وحجة فقال أحدهما: هذا الشخص أضل من بعيره)، أي أجهل (وقال الآخر هذا أضل) أي أغوى (من كذا وكذا) كناية عما لا يليق بذكره (قال: فمضيت) أي على طريقي، أو على حالي (حتى إذا قضيت نسكي) أي فرغت من إحرامي بهما (مررت بأمير المؤمنين عمر
стр. 119
فأخبرته) قائلاً: يا أمير المؤمنين (كنت رجلاً بعيد الشقة) بضم الشين المعجمة وبكسر وتشديد القاف الناحية يقصدها المسافر (قاصي الراء) عطف بيان أي بعيدها عن راء العلم (أذن الله) أي أمراً، وقدر أي في هذا (بوجه) أي القصد أو التوجيه إلى الكعبة (فأحببتُ أن أجمع عمرة إلى حجة فأهللت بهما جميعاً ولم أنس) من ذلك بل كان جمعهما من قصدي هنالك (فمررت بسليمان بن ربيعة، وزيد ين صوحان فسمعاني أقول لبيك بعمرة وحجة معاً) أي مقارنتين (فقال أحدهما هذا أضل من بعيره، وقال الآخر هذا أضل من كذا أو كذا أوصاني) سبب ذلك (قال): أي عمر (فصنعت ماذا) أي فماذا صنعت (قال: مضيت) أي فيما شرعت، والتزمت (فطفت طوافاً لعمرتي وسعيت سعياً لعمرتي، ثم عدت) أي رجعت إلى بيت ربي فعلت (مثل ذلك)، أي مثل طواف القدوم وسعيت بحجتي، (ثم بقيت حراماً) أي محرماً (أصنع كما يصنع الحاج) في أفعاله (حتى إذا قضيت آخر نسكي) أي حجي (قال: هديت لسنة نبيك محمد ﷺ .
ورواه أبو داود والنسائي عن منصور وابن ماجه والأعمش كلاهما عن أبي وائل، عن الصبي بن معبد الثعلبي قال: هللت بهما معاً فقال عمر: هديت لسنة نبيك، وروى من طريق أخرى وصححه الدارقطني قال: وأصحه إسناد حديث منصور والأعمش عن أبي وائل، عن الصبي، عن عمر فهذا أحد الأدلة الواضحة على أن حجه ﵊ كان قراناً وأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين.
(وفي رواية عن الصبي بن معبد قال: كنت حديث عهد بنصرانية)،
стр. 120
والمعنى أسلمت جديداً (فقدمت الكوفة أريد الحج في زمان عمر بن الخطاب فَأَهَلَّ سُليمان وزيد بن صوحان) أي إحراماً (بالحج وحده) أي مفرداً بناءً على ظنهما أن الإفراد أولى، وأن المتعة بالمعنى الأعم الشامل للقران والتمتع منهي عنهما، (وأهل الصبي) أي أحرم، وهو التفات في المبنى، أو نقل بالمعنى (بالحج والعمرة) الواو لمجرد الجمع فلا ينافي ما سبق من قوله: لبيك بعمرة وحجة وهو الأفضل في القول المطابق لترتيب الفضل، وأين فإن مرتبة الحج أقوى من منزلة العمرة، ولذا قال تعالى ﴿وأتمُّوا الحَجّ والعُمرة لله﴾ (١)، فإن الحج فرض إجماعاً بخلاف العمرة فإن الجمهور على أنها سنة إلا أن كلاً منهما يلزم بالشروع.
فقوله: أتموا أمر وجوب بهذا الملاحظة اتفاقاً (فقالا) أي كلاهما (ويحك تمتعت) أي بالجمع بينهما، (وقد نهى رسول الله ﷺ عن المتعة) هذا غير محفوظ.
والمشهور أن المنع عنها إنما كان من عمرة كما في رواية لمسلم والنسائي أن أبا موسى كان يفتي بالمتعة، فقال له عمر: قد علمت أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه ولكني كرهت أن يظلوا مفرشين بهما في الأراك، ثم يرجعون في الحج تقطر رؤوسهم قال ابن الهمام: في هذا اتفاق على أنه ﵊ كان متمتعاً.
قلت الظاهر أن منع عمر إنما كان عن متعة يخرج فيها عن الإحرام، ولذا قرر فعل الصبي على ما تقدم وإنكارهما كان مبنياً على فهمهما أن المنهي هو الأعم، والله أعلم، وكان يريد أن يكون العمل بالأفضل وهو القران والتمتع الذي لا يحل من
стр. 121
إحرامه إما بسوق أو بغيره، وهذا اجتهاد منه رضي الله تعالى عنه، وإلا فإجماع الأمة على جواز الإفراد والقران والتمتع.
وإنما القران الخلاف في أفضليته وحمل حجه ﵊ على أكملها، ثم كان عثمان تبع عمر ﵄، في هذا الحكم وخالفهما علي كرم الله وجهه، فقد روى النسائي عن مروان بن الحكم: كنت جالساً عند عثمان فسمع علياً يلبي بهما الحج والعمرة فقال: ألم تكن تنتهي عن هذا، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يلبي بهما جميعاً فلم أدع فعل رسول الله ﷺ لقولك وهذا صريح أن حج النبي ﷺ كان قراناً ويؤيده ما في أبي داود، عن البراء بن عازب قال: كنت مع علي ﵁ حين أمرّ علي اليمين الحديث إلى أن قال فيه: قال: يعني علي فأتيت النبي ﷺ فقال لي: كيف صنعت قلت: أهللت بإهلال النبي ﷺ قال: فإني سقت الهدي وقرنت وذكر الحديث ولا يبعد أن يكون النهي صدر عنه ﷺ قبل حجه بناء على عرف أهل مكة من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ثم لما حج ﷺ أجاز التمتع بنوعيه الشرعي والعرفي وأنه يأتي في إدخال العمرة في الحج بأمره للصحابة أن كل من أفرد بالحج وساق الهدي أن يفسخه بالعمرة فصار النهي السابق منسوخاً بالعمل اللاحق.
وقد روى الإمام أحمد من حديث سراقة بإسناد رجاله كلهم ثقات، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة قال: وقرن رسول الله ﷺ في حجة الوداع، ومما يقويه ما في الصحيحين عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه: فقال عثمان دعنا عنك، فقال علي: إني لا أستطيع أن أدعك فلما رأى عليّ ذلك أهل بهما جميعاً فبهذا تبين أن رسول الله ﷺ كان مهلاً بهما.
стр. 122
والحاصل أنهما (قالا له والله لأنت أضل من بعيرك قال) أي الصبي (نقدم) بفتح الدال أي نحن ومن وافقنا (على عمر وتقدمون) أي أنتما ومن معكما (فلما قدم الصبي مكة طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة لعمرته ثم رجع حراماً) أي حال كونه محرماً (لم يحلل من شيء ثم طاف بالبيت) أي القدوم (بين الصفا والمروة لحجته) أي بعد ما يسعى فإنه الأفضل للأفاقي اتفاقاً وإنما الخلاف في المكي حتى لم يجوزه الشافعي، (ثم أقام حراماً لم يحلل منه حتى أتى عرفات، وفرغ من حجه) أي من أعمالها كلها (فلما كان يوم أنه حل) أي أراد أن يحل (فأهرق دماً لمتعة) أي لقرانه (فلما صدروا) أي رجعوا (من حجهم مروا بعمر بن الخطاب) وهو في المدينة (فقال له زيد بن صوحان: يا أمير المؤمنين إنك نهيت عن المتعة وإن الصبي بن معبد قد تمتع قال) أي ملتفتاً عنه إلى صبي (صنعت ماذا يا صبي؟ قال: هللت يا أمير المؤمنين بالحج والعمرة) أي معاً (فلما قدمت مكة وطفت بالبيت) أي للعمرة (وطفت) أي سعيت (بين الصفا والمروة لعمرتي) قيد للطواف والسعي جميعاً (ثم رجعت حراماً) أي حال أن لم أحلل من شيء، جملة بيانية، (ثم طفت بالبيت) أي للقدوم (وبين الصفا والمروة لحجتي ثم أقمت
стр. 123
حراماً حتى كان يوم النحر فأهرقت دماً لمتعتي) أي لقراني وهو التمتع اللغوي (ثم أحللت) أي خرجت من إحرامي بحلق أو تقصير (قال) أي الراوي (فضرب عمر ظهري) تحسيناً لفعله. وقال هديت لسنة نبيك ﷺ وبهذا علم أيضاً أن نهي عمر إنما كان من تمتع يحل صاحبه بعد عمرته لما سبق من بيان علة.
(وفي رواية عن الصبي قال: خرج هو وسليمان بن ربيعة ويزيد بن صوحان يريدون الحج قال) أي الراوي (فأما الصبي فقرن الحج والعمرة) أي جمع بينهما جميعاً (وأما سليمان ويزيد فأفردا الحج ثم أقبلا على الصبي يلومانه فيما صنع من القران، ثم قالا له: أنت أضل من بعيرك تقرن) تأتي القرن (بين الحج والعمرة وقد نهى أمير المؤمنين عن العمرة والحج) أي معاً (قال تقدمون على عمر وأقدم) أي عليه معكم فيحكم بيننا وبينكم.
قال الراوي (فذهبوا) أي فذهبوا كلهم (حتى دخلوا مكة فطاف) أي الصبي (بالبيت لعمرته، ثم عاد فطاف بالبيت لحجته) أي الطواف القدوم وتحيته، (ثم
стр. 124
سعى بين الصفا والمروة لحجته) في تقدمته (ثم إذا أتم أدام حراماً كما هو)، أي حاله (لم يحل من شيء حرم عليه، حتى إذا كان يوم النحر ذبح ما استيسر من الهدي شاة) بيان لما وهو أدنى الهدى، (فلما قضوا نسكهم مروا بالمدينة فدخلوا على عمر فقال له سليمان ويزيد أمير المؤمنين إن (الصبي قرن بالحج والعمرة) يعني أنت منعت من المتعة.
(قال ثم صنعت ماذا؟ قال: لما قدمت مكة طفت طوافاً) لعمرتي (ثم سعيت بين الصفا والمروة لعمرتي، ثم عدت فطفت بالبيت لحجتي) أي لسنتها (ثم سعيت بين الصفا والمروة لحجتي) أي تقدمت لها.
(قال: ثم صنعت ماذا: قال: أقمت حراماً لم يحل لي شيء حرم علي من محظورات حتى إذا كان يوم النحر ذبحت ما استيسر من الهدي شاة) أي بعد الرمي قبل الحلق (قال) أي الصبي والراوي (فضرب عمر على كتفه) إعلاماً على تلطفه
стр. 125
(ثم قال: هديت لسنة نبيك ﷺ أي طريقته التي اختارها في حجته الدالة على أنها أفضل بكثرة أدليته على حسن بهجته في محجته.
- عدة المتوفى عنها زوجها
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود أن سبيعة) وكانت تحت سعد بن خولة فتوفى عنها بمكة في سنة الوداع حديثها عن الكوفيين، روى عنها جماعة (مات عنها زوجها، وهي حامل) والحال أنها حبلى منه (ومكُثت) بضم الكاف وفتحها أي لبثت (خمساً وعشرين ليلة) وفي الترمذي أنها وضعت بعد وفاته بثلاث وعشرين أو خمسة وعشرين يوماً (ثم وضعت فمر بها أبو السنابل) بفتح السين مهملة خفة وخفة نون وكسر موحدة وبلام كنية (عمرو بن بعكك) بفتح موحدة وسكون عين مهملة وفتح أولى الكافين (فقال لتثوّقت) أي تزينت بالجهز وتطلعت إلى الجنة (وطمحت) أي طمعته زوج البصر (تريدين الباءة) بموحدة ممدودة أي النكاح والجملة حالية أو استئنافية بيانية (كلا) ردع لها عن ظنها أنها بمجرد وضع الحمل خرجت من العدة (والله) أكد الحكم بالقسم (إنه) أي الأمر (لأبعد الأجلين) أي أكثرهما مدة هي العدة الممتدة فلا بد من توفية عدد أربعة أشهر وعشر ليال (فأتت) أي سبيعة (النبي ﷺ فذكرت ذلك) المقول (له ﵇ فقال: كَذَب) أي أخطأ القائل في قوله (إذا حضر فأذنيني) من المجرد، أو المزيد أي أعلميني به.
стр. 126
ورواه مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة أن سبيعة نفست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت النبي ﷺ فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها فنكحت والحديث في الصحيحين أيضاً.
وأخرجه أبو داود والنسائي، وابن ماجه عن ابن مسعود من شاء لاعنته نزلت سورة النساء القصرى بعد الأربعة (١) أشهر وعشراً ثم اعلم أنّ المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم (٢).
وروى عن علي وعباس أنها تُنظر آخر الأجلين من وضع الحمل وأربعة أشهر وعشراً وقال ابن مسعود: نزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى أراد بالقصرى سورة الطلاق، وبالطولى سورة البقرة وأراد أن قوله تعالى
في سورة الطلاق أربعة أشهر وعشراً، فجملة على النسخ وعامة الفقهاء خصوا الآية بحديث سبيعة كذا ذكره البغوي وفيه أن التخصيص نوع من النسخ كما هو مقرر في الأصول وكان علياً ومن تبعه ذهبوا إلى الجمع بين الحكمين احتياطاً إذ لا تنافي بينهما لأن هذه الآية توجب العدة عليها بوضع الحمل والآية الأخرى توجب العدة بمعنى المدة.
- رفع اليدين
وبه (عن حماد عن إبراهيم أنه قال في وائل بن حجر) أي في حقه (أعرابي) أي هو يعني وائلاً بدوي (لم يصل مع النبي ﷺ صلاة قبلها) أي قبل الصلاة التي صلاها مع النبي ﷺ (قط) أي أبداً (أهو أعلم) أي بكيفية صلاة النبي ﷺ وهيئتها (من عبد الله) أي ابن مسعود الذي كان حاضراً في خدمته سفراً
стр. 127
وحضراً (وأصحابه) أي ومن أمثاله من الصحابة، أو رواته من التابعين (حفظ) أي حفظ وائلاً وحده (ولم يحفظوه) أي ابن مسعود وأصحابه (يعني رفع اليدين) أي عند الركوع وعند الرفع منه المعبر عنه عند السجود على ما سنأتي (وفي رواية عن إبراهيم أنه ذكر حديث وائل بن حجر بصيغة الفاعل والمفعول فقال أعرابي ما أدري صلى مع النبي ﷺ صلاة قبلها هو) أي أهو (أعلم من عبد الله) والمعنى لا يكون ذلك ولا يتصور مثله هنالك، (وفي رواية ذكر عند حديث وائل بن حجر أنه) أي النبي ﷺ (رفع يديه عند الركوع وعند السجود فقال) أي إبراهيم (هو أعرابي لا يعرف شرائع الإسلام لم يصل مع النبي ﷺ في ظني إلا صلاة واحدة) في مدة الأيام (وقد حدثني من لا أحصي) أي جمع كثير (عن عبد الله بن مسعود أنه رفع يديه في بدءِ الصلاة) أي وقت تكبير التحريمة (فقط) أي فحسبه (وحكاه) فعله (مرفوعاً عن النبي ﷺ وعبد الله عالم بشرائع الإسلام وحدوده) أي من سائر الأحكام (متفقد لأحوال النبي ﷺ أي من أقواله وأفعاله وأخباره وأسراره (ملازم له في إقامته وفي أسفاره) بفتح الهمزة ويجوز كسرها (وقد صلى) أي ابن مسعود (مع النبي ﷺ ما لا يحصى) أي من العدد.
стр. 128
- سوم على سوم غيره
(وبه عن حماد عن إبراهيم، عن من لا أتهم) يعني عن الثقة عندي (عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال لا يستام الرجل على سوم أخيه) نفي معناه نهي والمساومة المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة وسام يسوم سوماً واستام بها أي طلبها لشرائها.
وصورة السوم على سوم أخيه المسلم أن يقول واحد للمشتري بعد تراضي المتعاقدين رد السلعة لا بيع منك خيراً منها، أو يقول للبائع استردها لأشتريها منك بأكثر من ثمنها، قيل ومجرد سكوت أحدهما لا يدل على رضاه، بل لا بد من تصريحه فإن وجد ما يدل على الرضا ففيه وجهان كذا قاله النووي ورواه، ابن الملك في شرح المشارق، والله أعلم بالحقائق.
وقد روى الشيخان عن أبي هريرة لا يسم المسلم على أخيه المسلم، (ولا ينكح) أي الرجل (على خطبة أخيه) بكسر الخاء طلب المرأة ليتزوج، وروى البخاري ولفظه لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، ويحتمل أن تكون لا ناهية، وأن تكون نافية بمعنى الناهية فإنها أبلغ في مقام الرفاهية.
قيل هذا إذا تراضيا على صداق معلوم ولم يبق إلا العقد، وأما إذا لم يكن كذلك فيجوز خطبتها لما روى أن فاطمة ابنة قيس أتت النبي ﷺ فقالت: إن أبا معاوية وأبا جهم خطباني قال ﷺ : انكحي أسامة، وقيل هذا إذا كان الخاطبان
стр. 129
متقاربين، أما إذا كان الخاطب الأول فاسقاً، والثاني صالحاً فلا يندرج تحت هذا النهي، ولكنه خلاف الظاهر والله أعلم بالسرائر.
وقال الخطابي: الحديث يدل على جواز السوم والخطبة على سوم الكافر وخطبته لأن الله تعالى قطع الأخوة بين المسلم والكافر وذهب الجمهور إلى منعه وقالوا: التقييد بأخيه خرج على الغالب فلا يكون له مفهوم كما في قوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حُجُوركُمْ﴾ (١) غير مقيد به ولو أريد ما هو الأعم وهو الأخوة من جهة كونهم بني آدم لحصل المقصود ولما احتيج إلى التقييد.
قال النووي لو خطب على خطبة أخيه يكون عاصياً ويصح نكاحه، ولا يفسخ، وقال بعض المالكية لا يجوز (ولا تنكح المرأة) بصيغة المجهول نفياً أو نهياً أي لا تزوج (على عمتها، ولا على خالتها) رواه مسلم بهذا اللفظ عن أبي هريرة ورواه الشيخان عنه أيضاً ولفظه: لا تنكح العمة على ابنة أخيها ولا ابنة الأخت على الخالة أي لا يجوز الجمع بالنكاح بين العمة، وإن علت وبين ابنة أخيها وإن سفلت، ولا يجوز الجمع بالنكاح أيضاً بين ابنة الأخت وإن سفلت وبين الخالة وإن عَلَتْ قيل لأن ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم.
وكذا لا يجوز الجمع بينهما في الوطىء بملك اليمين قيل هذا الحديث مشهور يجوز به تخصيص عموم الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمُ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ (٢).
стр. 130
(ولا تتساءل) نفي أو نهي أي لا تطلب المرأة (طلاق أختها) أي من زوجها لا حقيقة ولا حكماً بأن تتمنى فراقها حتى تأخذ زوجها والمراد بأختها إحدى بنات آدم والله أعلم (لتكفأ) بفتح حرف المضارعة، وسكون الكاف، وفتح الفاء، والهمزة أي لتقلب ما (في جحفتها من الرزق) وترده إلى نفسها لعجزته عن نفقتهما.
والمعنى لتحصل تلك المرأة قصعة أختها خالية عما فيها، وهذا كناية أن يصير لها ما كان يحصل لضرتها من نفقة غيرها (فإن الله هو رازقها) أي كما هو خالقها.
وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُم ثُم يُمِيتُكم﴾ (١) ففيه تنبيه أن الرزق لا بد من أن يعقب الخلق قبل الموت ولا يموت أحد إلا بعد استيفاء الرزق واستقصاء الأجل.
وقد ورد عنه ﷺ لا تستبطؤا الرزق فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغه آخر الرزق هو له فاتقوا الله وأجملوا في الطلب أخذ الحلال وترك الحرام، رواه الحاكم في مستدركه، والبيهقي في دلائله عن جابر ﵁ وفي رواية للبيهقي، عن عمر ﵁ موقوفاً ما من امرء إلا وله أثر هو وَاصِلُهُ ورزق هو آكله وأجل هو بالغه وحتف هو قاتله حتى لو أن رجلاً هرب من رزقه لاتبعه حتى يدركه كما أن الموت يدرك من هرب منه ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.
والأحاديث المرفوعة والموقوفة كثيرة في هذا الباب لو ذكرناها يؤدي إلى الاطناب من جملتها ما في البخاري عن عائشة: لا تسأل المرأة طلاق أختها تستفرغ
стр. 131
ما في جحفتها، وتنكح فإنما لها ما قدر لها فقوله لتنكح بالنصب على صيغة المعلوم يعني تنكح طالبة الطلاق زوج تلك المطلقة وإن كانت الطالبة والمطلوبة تحت رجل يحتمل أن يعود ضميره إلى المطلوبة يعني تنكح ضرتها زوجاً آخر فلا تشرك معها فيه.
وروى عن صيغة المجهول حتى يفعل المنكوحة وله روي لتنكح بصيغة الأمر المعلوم أو المجهول عطفاً على قوله: لا تسأل (ولا تبايعوا) بحذف أحد التاءين أي لا يبيع بعضكم بعضاً (بإلقاء الحجر) أي برميه فوق الساحة بدلاً عن الإيجاب والسؤال والمعالجات في المقام والوصول والحصول فإنه خلاف المشروع من المنقول والمعقول (وإذا استأجرت أجيراً) أي أراد أن تأخذه (فأَعلِمْهُ أجره) أي قدر أجرته المرتبة على مقدار عمله ومحنته.
والحديث رواه البيهقي عن أبي هريرة ولفظه: لا يستأوم الرجل على سوم أخيه ولا يخطب على خطبته ولا تناجشوا ولا تبايعوا بإلقاء الحجر ومن استأجر أجيراً فليعلمه أجره.
وروى أحمد ومسلم والأربعة عن أبي هريرة أنه ﵊ نهى عن بيع الحصاة.
وروى أحمد عن أبي سعيد أنه ﵊ نهى عن استيجار الأجير إلا حتى تبين له أجره.
стр. 132
- كثرة السجود
(عن حماد عن إبراهيم النخعي عن عبد الله) أي ابن مسعود (عن أبي ذر) وهو جندب بن جنادة الغفاري من أعلام الصحابة وزهادهم أسلم قديماً بمكة يقال كان خامساً في الإسلام ثم انصرف إلى قومه فأقام عندهم إلى أن قدم المدينة على النبي ﷺ بعد الخندق، ثم سكن ربذة إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين في زمن عثمان وكان يتنفَّذ (١). قبل بعث النبي ﷺ .
وروى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين (أنه صلى صلاة) أي نافلة (فخففها) أي لا يطيلها لكنه أتمها (وأكثر الركوع والسجود) أي فيها (فلما انصرف) أي عنها (قال له رجل) أي من التابعين، ولايبعد أن يكون من الصحابة (أنت صاحب رسول الله ﷺ أي ملازمه قديماً في الأوقات (وتصلي هذه الصلاة) جملة حالية والمراد إنكار تخفيفه للصلاة زعماً منه أن الإطالة أفضل من
стр. 133
كثرة الركوع والسجود (فقال أبو ذر ألم أتم الركوع والسجود) أي بالاطمئنان والاعتدال في مقام الشهود، وفيه إيماء إلى ما ورد من أن أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته لا يتم ركوعها وسجودها (قال بلى قال أبو ذر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سجد لله سجدة رفعه الله درجة في الجنة فأحببت أن تؤتى لي درجات) أي تعطى (أو تكتب لي درجات) أي تنالت.
وحاصله أن زيادة العبادة من حيث الكمية أفضل من زيادتها من حيث الكيفية واختلف العلماء في هذه القضية.
(وفي رواية) أي لأبي حنيفة (عن إبراهيم) أي النخعي (عن من حدثه أنه مر بأبي ذر بالربذة) بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة موضع قريب من المدينة فيه مدفن أبي ذر (وهو يصلي صلاة خفيفة يكثر فيها الركوع والسجود، فلما أسلم أبو ذر) أي عن صلاته (قال له الرجل: تصلي) أي أتصلي (هذه الصلاة) أي الخفيفة؟ (وقد صحِبتَ رسول الله ﷺ جملة حالية (فقال أبو ذر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سَجَدَ لله سَجْدَةً رَفَعهُ الله بِهَا درجة في الجنة" فلذلك أكثر فيها) أي في صلاتي (السجود) والحديث رواه أحمد عن أبي ذر ولفظه: من سجد لله سجدة كتب له بها حسنة، وحطَّ عنه خطيئة، ورفع له بها درجة، ورواه الطبراني عن أبي أمامة مرفوعاً: استكثروا من السجود فإنه ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، ورواه أحمد والطحاوي والروياتي عن أبي ذر بلفظ: من ركع ركعة أو سجد سجدة رفعه الله بها
стр. 134
درجة وحط عنه بها خطيئة.
ورواه ابن ماجه وغيره عن عبادة بن الصامت ولفظه: ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ومحا عنه بها سيئة ورفع له درجة فاستكثروا من السجود.
- صلاة خفيفة
وبه (عن حماد، عن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود،) ويكنى أبا عبد الرحمن (وحذيفة بن اليمان وأبو موسى) أي الأشعري (وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا في منزل) أي لأحدهم، او لغيرهم، (فأقيمت الصلاة فجعلوا يقولون: تقدم يا فلان) كناية عن اسم لصاحب المنزل (فأبى) أي امتنع من التقديم عليهم (فقال:) أي لابن مسعود (تقدم أنت يا أبا عبد الرحمن،) وخص لأنه كان أفضلهم فقد قيل إنه أفقه الصحابة بعد الخلفاء الأربعة وقد ورد اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم كما رواه الدارقطني والبيهقي، عن ابن عمر (فتقدم) أي للإمامة (فصلى بهم صلاة خفيفة) أي غير طويلة ثقيلة (وجيزة) صفة كاشفة (أتم الركوع والسجود) أي في صلاته، (فلما انصرف) أي بالسلام (قال القوم) شهادة في حقه (لقد حفظ أبو عبد الرحمن) أي ابن مسعود (صلاة رسول الله ﷺ .
стр. 135
وقد روى مالك والبخاري وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة مرفوعاً: إذا صلى أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم، والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء.
- إذا اختلف المتبايعان
(وبه عن حماد أن رجلاً حدثه أن الأشعث بن قيس) وهو ابن معد يكرب المكنى بأبي محمد الكندي بكسر فسكون منسوب إلى كندة قبيلة باليمن، قدم على النبي ﷺ في وفد كندة، وكان رئيسهم وذلك في سنة عشر، وكان رئيساً في الجاهلية مطاعاً في قومه، وكان وجيهاً في الإسلام وارتد عن الإسلام لما مات النبي ﷺ ثم راجع الإسلام في خلافة أبي بكر ونزل الكوفة، ومات بها سنة أربعين، وصلى عليه الحسن بن علي وروى عنه قوم كذا ذكره صاحب المشكاة في أسماء رجاله وعده من الصحابة على مقتضى مذهب الشافعي، في الأصح إن ردته لا تبطل صحبته خلافاً لأصحابنا في قضية (اشترى من عبد الله بن مسعود رقيقاً) أي مملوكاً عبداً، أو أمة (فتقاضاه عبد الله) أي طلب قضاء ثمنه (فقال الأشعث ابتعت) أي اشتريت الرقيق منك (بعشرة آلاف) أي درهم على ما هو الظاهر (وقال عبد الله بن مسعود بعت
стр. 136
منك بعشرين ألفاً فقال عبد الله اجعل) بصيغة الأمر أو المتكلم (بيني وبينك إن شئت) أي من العلماء حكماً (فقال الأشعث بن قيس أنت بيني وبينك) أي قاض عدل وحكم فصل لأنك أهل فضل (فقال عبد الله أخبرك بقضاء) أي بحكم (سمعته من رسول الله ﷺ يقول: إذا اختلف البيِّعان) بتشديد التحتية المكسورة أي المتبايعان من البائع والمشتري في قدر الثمن (ولم يكن لهما) أو لأحدهما (بينة) أي شهود بائنة، (والسلعة قائمة) أي موجودة (غير هالكة) جملة حالية، (فالقول ما قال البائع) أي إن أراد المشتري بقاء البيع (أو يترادان) بتشديد الدال أي يتقايلان العقد، ورواه أبو داود والنسائي والحاكم، والبيهقي، عن ابن مسعود أيضاً بلفظ: إذا اختلف البيعان، وليس لهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتشاركان، وفي رواية للترمذي والبيهقي عنه بلفظ: إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع والمبتاع.
وفي رواية لابن ماجه عنه إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة والمبيع قائم بعينه فالقول ما قال البائع أو يترادان.
- خطبة الجمعة قائماً
وبه (عن حماد عن إبراهيم عن رجل أنه) أي الرجل (سأل عبد الله بن مسعود عن خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة) أي كان قائماً أو قاعداً (فقال له: أما تقرأ سورة الجمعة) فإنها لأحكام الجمعة جامعة.
стр. 137
(قال: بلى) أي أقرؤها، (ولكن لا أعلم) استخراج الحكم منها.
(قال:) أي الراوي (فقرأ عليه) أي ابن مسعود على الرجل السائل ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً﴾ أي يلهيهم عن ذكر الله من الطبل ونحوه، (انفضوا إليها) أي تفرقوا إلى تجارة ونحوها (وتركوك قائماً﴾ (١) قال) أي ابن مسعود (أراد به الخطبة حين يقوم الجمعة قائماً)، وفي تفسير البغوي قال علقمة: سئل عبد الله أكان النبي ﷺ يخطب قاعداً أو قائماً؟ قال: أما تقرأ ﴿وتركوك قائماً﴾، وذكره البغوي بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة خطبتين قائماً يفصل بينهما بجلوس.
وفي رواية لابن عساكر عن جابر بن سمرة قال من حدثك أن النبي ﷺ كان يخطب على المنبر جالساً كاذب فكذبه بأنا شهدته (كان يخطب قائماً) يجلس، ثم يقوم فيخطب أخرى.
- تكبيرات الجنازة
وبه (عن حماد عن إبراهيم عن غير واحد) أي كثير من التابعين (أن عمر بن الخطاب ﵀ جمع أصحاب النبي ﷺ فسألهم عن التكبير) عن عدده (على جنازة) فاختلفوا في مقام العبادة، ولهذا (قال لهم: انظروا آخر جنازة كبر عليها
стр. 138
النبي ﷺ كم كان تكبيرها) فاعملوها فإن العمل الآخر كالناسخ للأول (فوجدوه) أي النبي ﷺ (قد كبر أربعاً) على الجنازة (حتى قبض على ذلك) وما وجدت زيادة هنالك (قال عمر: فكبروا أربعاً) أي ولا تزيدوا عليه ولا تنقصوا منه أن تكبيرات الجنازة بإتفاق الأئمة أربع وحكى عن ابن سيرين أنها ثلاثة، وعن حذيفة بن اليمان خمس، قال ابن مسعود: كبر رسول الله ﷺ على الجنازة بإتفاق الأئمة تسعاً وسبعاً وخمساً وأربعاً فكبروا ما كبر الإمام، فإن زاد على الأربع لم تبطل صلاته، ولو صلى خلف إمام فزاد على أربع لم يتابعه في الزيادة.
وعن أحمد أنه يتابعه إلى تسع.
وفي الجامع الصغير لشيخ مشايخنا السيوطي أنه ﵊ أنه كان إذا أتي بإمرىء قد شهد بدراً والشجرة، كبر عليه تسعاً وإذا أتي به قد شهد بدراً، ولم يشهد الشجرة كبر، أو شهد الشجرة، ولم يشهد بدراً كبر سبعاً، وإذا أتي به ولم يشهد بدراً، ولا الشجرة كبر عليه أربعاً، رواه ابن العساكر عن جابر.
وبه (عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله) أي ابن مسعود (قال: من شاء باهلت) أي لاعنته وخالعته (أن سورة النساء القصرى)، وهي سورة الطلاق (تنزلت بعد سورة النساء الطولى) أي التي (١) بعد آل عمران.
стр. 139
(وفي رواية عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: نسخت سورة النساء القصرى كل عدد) بكسر وفتح دال (أولى) أي كل عدة من عدد الوفاة، أو الطلاق من الحيض، والأشهر، وهي التي تشتمل على آية بينها بقوله: ﴿وأولات الأَحْمَالِ أَجلَهُنَّ﴾ (١) أي بينها مدة عدتهن ﴿أن يضعن حملهن﴾ أي سواء مات عنهن أزواجهن أو طلقهن وقد تقدم تفصيل حكمهن.
- حُسنُ الخُلُق
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ وإن الرفق) بكسر الراء أي اللطف والخلق (خلق يرى) أي مخلوق محسوس (كما رُئي من خلق الله) أي من مخلوقاته خلق (أحسن منه ولو أن الخرق) بفتح الخاء المعجمة أي العنف وسوء الخلق (خلق يرى لما رئي من
стр. 140
خلق الله خلق أقبح منه)، ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق ومساويه، وعن عائشة بلفظ: لو كان حسن الخلق رجلاً يمشي في الناس لكان رجلاً صالحاً، ولو كان سوء الخلق يرى رجلاً يمشي في الناس لكان رجل سوء.
وروى الطبراني في الأوسط عن ابن مسعود مرفوعاً: الرفق يمن، والخرق شؤم، زاد البيهقي عن عائشة، وإذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم باب الرفق، فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، وإن الخرق لم يكن في شيء قط إلا شانه.
- خلقة النفس
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن علقمة والأسود) عن كليهما (أن عبد الله ابن مسعود سئل عن العزل) بفتح العين المهملة وسكون الزاء المراد عن الماء أي المني أي تجنيه عن قراره في فرج المرأة (قال: أن رسول الله ﷺ قال لو أن شيئاً من مخلوقاته سبحانه أخذ الله ميثاقه) أي عهده في ظهوره (واستودع) بصيغة المجهول (صخرة) مفعول ثان (يخرج) أي يظهر في عالم الوجود، ورواه أحمد أيضاً عن أنس ولفظه: لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله تعالى منها، وليخلقن الله تعالى نفسها هو خالقها، ورواه النسائي عن أبي سعيد الزرقي
стр. 141
إنما قَدَّر في الرحم سيكون ورواه مسلم عن جابر اعتزل عنها إني شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها، ورواه أحمد ومسلم عن عائشة أنه ﵊ سئل عن العزل؟ قال: ذلك الوأدُ الخفي، ورواه الحاكم عن وائل أن النبي ﷺ سئل عن العزل؟ فقال: لا تفعلوا فإنه ليس من النسمة أخذ الله ميثاقها إلا وهي كائنة فلا عليكم أن تفعلوا.
- خروج النساء إلى المصلى
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عمن سمع أم عطية) وهي نُسيبة بالتصغير بنت كعب، وقيل بنت الحارث الأنصارية بلغت النبي ﷺ ، وكانت تمرض المرضى وتداوي الجرحى (تقول رخص) بصيغة المجهول أي رخص النبي ﷺ (للنساء) أي جميعهن (في الخروج إلى العيدين) أي صلاتهما وحضور بركات صلاتهما (حتى لقد كانت البكران تخرجان في الثوب الواحد) بأن تلتف كل واحدة ببعضه (حتى لقد كانت الحائض تخرج إلى المصلى فتجلس في عرض الناس) بضم أوله أي جانبهم، وناحيتهم، يدعون إلى الله تعالى في أمرهن (ولا يصلين) لعذرهن.
وعن جابر قال: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يدع أحداً من أهل في يوم عيد إلا
стр. 142
أخرجه. رواه ابن عساكر، وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: حق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين، رواه ابن أبي شيبة.
وعن علي (كرم الله وجهه) قال: حق على كل ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين، ولم يكن يرخص لهن شيء من الخروج إلاَّ إلى العيدين، أخرجه ابن أبي شيبة.
- ترى المرأة ما يرى الرجل
وبه (عن حماد، عن إبراهيم قال: أخبرني، من سمع أم سليم) بالتصغير تزوجها مالك بن النضر أبو أنس بن مالك فولدت له أنساً، ثم قتل عنها مشركاً، وأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك فأبت، ودعته إلى الإسلام فقالت أتزوجك ولا آخذ منك صداقاً لإسلامك فتزوجها أبو طلحة بعدما أسلم، روى عنها خلق كثير (أنها سألت النبي ﷺ عن المرأة) المراد جنسها (ترى ما يرى الرجل) أي من الإحتلام والبلل (فقال النبي ﷺ : تغتسل) خبر بمعنى الأمر ورواه سموية عن أنس ولفظه إذا وجدت المرأة في المنام ما يجد الرجل فلتغتسل ورواه البيهقي وغيره عن عائشة: إذا استيقظ أحدكم من نومه فرأى بللاً، ولم ير أنه احتلم اغتسل، وإذا رأى أنه قد احتلم ولم ير بللاً فلا غسل عليه، ورواه النسائي عن أنس أن أم سُليم سألت رسول الله ﷺ عن المرأة تحتلم فقال: إذا أنزلت المرأة فلتغتسل، ورواه مسلم عن أنس قال: سألت امرأة رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل في منامه؟ فقال ﵊: إذا كان منها ما يكون في الرجل فلتغتسل.
стр. 143
- ذبح شاة قبل الصلاة
وبه (عن حماد عن إبراهيم والشعبي) أي عن كليهما (عن أبي بردة) واسمه هاني (بن نيار) بكسر نون وخفة ياء تحتية فألف فراء، شهد العقبة الثانية مع السبعين وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وهو خال براء بن عازب ولا عقب له، مات في أول زمن معاوية بعد شهوده مع علي حروبه كلها.
وروى عنه البكاء وجابر (أنه ذبح شاة قبل الصلاة) أي صلاة الأضحى، (فذكر ذلك النبي ﷺ فقال يجزىء عنك) أي هذه الأضحية الواقعة قبل الصلاة، (ولا يجزىء عن أحد بعدك) أي غيرك، فهذا من خصوصيات هذا الصحابي ﵁ فقد روى أحمد والشيخان والثلاثة عن البراء أن أول ما يبدأ في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء.
وروى أحمد والشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن جندب من كان ذبح أضحية قبل أن يصلي فليذبح مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح بسم الله الرحمن الرحيم.
- خروج النساء
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الشعبي، عن ابن عمر ﵁ أن
стр. 144
النبي ﷺ رخص في الخروج لصلاة الغدوة) أي الصبح والعشاء وخُصا لاشتمالهما على الظلم والغطاء، (فقال رجل) من الحاضرين (إذاً) بالتنوين أي حينئذ (يتخذونه) أي الناس خروجهن (دغلاً) بفتحتين أي فساداً أو خللاً، والمعنى أنهم يجدون الدغل، وأصل الدغل الشجر الملتف الذي يكمن أهل الفساد فيه، كذا في النهاية (فقال: ابن عمر أخبرك) أي أخبرك أنا (عن رسول الله ﷺ أي من أنه أجاز خروجهن (وتقول هذا) أي وتعارض المنقول بمجرد المعقول، وعن ابن عمر قال: كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح أو العشاء في جماعة في المسجد فقيل لها: لم تخرجين؟ وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: فما يمنعه أن ينهاني قالوا: يمنعه قول رسول الله ﷺ : "ألا لا تمنعوا إماء الله مَسَاجِدَ الله" رواه ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن ماجه، وعن يحيى بن سعيد، أن عاتكة بنت زيد بن عمر بن نفيل امرأة عمر بن الخطاب كانت تستأذنه الخروج إلى المسجد فيسكت فتقول لأخرجن إلا أن يمنعني، رواه مالك.
- طلاق النساء
وبه (عن حماد، عن إبراهيم عن رجل، عن ابن عمر ﵁ أنه طلق امرأته، وهي حائض) جملة حالية (فعيب ذلك عليه) مجهول عاب، وفي نسخة من العتاب (فراجعها، فلما طهرت من حيضها طلقها وحسب بالطلقة التي كان أوقع
стр. 145
عليها، وهي حائض) أي اعتبرها ولم يجعلها لغواً غير معتد بها قال صاحب الهداية: وإذا طلق الرجل امرأته في حالة الحيض وقع الطلاق، وقال ابن الهمام: خلافاً لمن قدمنا النقل عنهم من الإمامية، ونقل أيضاً عن اسماعيل بن علية من المحدثين، ثم هو بهذا الإيقاع عاص بإجماع العلماء، ويستحب له أن يراجعها لقوله ﷺ لعمر في حديث ابن عمر في الصحيحين "مُرْ ابْنَكَ فَليُراجِعْها حِينَ طَلَّقها في حالِ الحَيْضِ".
ثم قال صاحب الهداية: وإذا طهرت وحاضت، ثم طهرت، فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها، وذكر الطحاوي أن له أن يطلقها في الطهر الذي يلي الحيض التي طلقها وراجعها فيها.
والأول هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة على ما في الكافي وبه قال الشافعي في المشهور ومالك وأحمد.
وما ذكر الطحاوي، رواية عن أبي حنيفة على ما في الكافي، وهو وجه للشافعية.
ووجه الأول من السنة ما في الصحيحين من قوله ﷺ لعمر ﵁: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ يُمْسِكْها حتى تَطْهُرَ ثُمَّ تُحِيض فَتَطْهُر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يلمسها فتلك العدة كما أمر الله تعالى وعز وجل".
ووجه الثاني رواية سالم في حديث ابن عمر مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً والأولى هي الأولى لأنه أكثر تفسيراً بالنسبة إلى هذه الرواية وأقوى في الصحة والدراية.
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن علقمة، عن عائشة أم المؤمنين قالت لما