إنما قَدَّر في الرحم سيكون ورواه مسلم عن جابر اعتزل عنها إني شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها، ورواه أحمد ومسلم عن عائشة أنه ﵊ سئل عن العزل؟ قال: ذلك الوأدُ الخفي، ورواه الحاكم عن وائل أن النبي ﷺ سئل عن العزل؟ فقال: لا تفعلوا فإنه ليس من النسمة أخذ الله ميثاقها إلا وهي كائنة فلا عليكم أن تفعلوا.
- خروج النساء إلى المصلى
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عمن سمع أم عطية) وهي نُسيبة بالتصغير بنت كعب، وقيل بنت الحارث الأنصارية بلغت النبي ﷺ ، وكانت تمرض المرضى وتداوي الجرحى (تقول رخص) بصيغة المجهول أي رخص النبي ﷺ (للنساء) أي جميعهن (في الخروج إلى العيدين) أي صلاتهما وحضور بركات صلاتهما (حتى لقد كانت البكران تخرجان في الثوب الواحد) بأن تلتف كل واحدة ببعضه (حتى لقد كانت الحائض تخرج إلى المصلى فتجلس في عرض الناس) بضم أوله أي جانبهم، وناحيتهم، يدعون إلى الله تعالى في أمرهن (ولا يصلين) لعذرهن.
وعن جابر قال: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يدع أحداً من أهل في يوم عيد إلا
стр. 142
أخرجه. رواه ابن عساكر، وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: حق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين، رواه ابن أبي شيبة.
وعن علي (كرم الله وجهه) قال: حق على كل ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين، ولم يكن يرخص لهن شيء من الخروج إلاَّ إلى العيدين، أخرجه ابن أبي شيبة.
- ترى المرأة ما يرى الرجل
وبه (عن حماد، عن إبراهيم قال: أخبرني، من سمع أم سليم) بالتصغير تزوجها مالك بن النضر أبو أنس بن مالك فولدت له أنساً، ثم قتل عنها مشركاً، وأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك فأبت، ودعته إلى الإسلام فقالت أتزوجك ولا آخذ منك صداقاً لإسلامك فتزوجها أبو طلحة بعدما أسلم، روى عنها خلق كثير (أنها سألت النبي ﷺ عن المرأة) المراد جنسها (ترى ما يرى الرجل) أي من الإحتلام والبلل (فقال النبي ﷺ : تغتسل) خبر بمعنى الأمر ورواه سموية عن أنس ولفظه إذا وجدت المرأة في المنام ما يجد الرجل فلتغتسل ورواه البيهقي وغيره عن عائشة: إذا استيقظ أحدكم من نومه فرأى بللاً، ولم ير أنه احتلم اغتسل، وإذا رأى أنه قد احتلم ولم ير بللاً فلا غسل عليه، ورواه النسائي عن أنس أن أم سُليم سألت رسول الله ﷺ عن المرأة تحتلم فقال: إذا أنزلت المرأة فلتغتسل، ورواه مسلم عن أنس قال: سألت امرأة رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل في منامه؟ فقال ﵊: إذا كان منها ما يكون في الرجل فلتغتسل.
стр. 143
- ذبح شاة قبل الصلاة
وبه (عن حماد عن إبراهيم والشعبي) أي عن كليهما (عن أبي بردة) واسمه هاني (بن نيار) بكسر نون وخفة ياء تحتية فألف فراء، شهد العقبة الثانية مع السبعين وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وهو خال براء بن عازب ولا عقب له، مات في أول زمن معاوية بعد شهوده مع علي حروبه كلها.
وروى عنه البكاء وجابر (أنه ذبح شاة قبل الصلاة) أي صلاة الأضحى، (فذكر ذلك النبي ﷺ فقال يجزىء عنك) أي هذه الأضحية الواقعة قبل الصلاة، (ولا يجزىء عن أحد بعدك) أي غيرك، فهذا من خصوصيات هذا الصحابي ﵁ فقد روى أحمد والشيخان والثلاثة عن البراء أن أول ما يبدأ في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء.
وروى أحمد والشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن جندب من كان ذبح أضحية قبل أن يصلي فليذبح مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح بسم الله الرحمن الرحيم.
- خروج النساء
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن الشعبي، عن ابن عمر ﵁ أن
стр. 144
النبي ﷺ رخص في الخروج لصلاة الغدوة) أي الصبح والعشاء وخُصا لاشتمالهما على الظلم والغطاء، (فقال رجل) من الحاضرين (إذاً) بالتنوين أي حينئذ (يتخذونه) أي الناس خروجهن (دغلاً) بفتحتين أي فساداً أو خللاً، والمعنى أنهم يجدون الدغل، وأصل الدغل الشجر الملتف الذي يكمن أهل الفساد فيه، كذا في النهاية (فقال: ابن عمر أخبرك) أي أخبرك أنا (عن رسول الله ﷺ أي من أنه أجاز خروجهن (وتقول هذا) أي وتعارض المنقول بمجرد المعقول، وعن ابن عمر قال: كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح أو العشاء في جماعة في المسجد فقيل لها: لم تخرجين؟ وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: فما يمنعه أن ينهاني قالوا: يمنعه قول رسول الله ﷺ : "ألا لا تمنعوا إماء الله مَسَاجِدَ الله" رواه ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن ماجه، وعن يحيى بن سعيد، أن عاتكة بنت زيد بن عمر بن نفيل امرأة عمر بن الخطاب كانت تستأذنه الخروج إلى المسجد فيسكت فتقول لأخرجن إلا أن يمنعني، رواه مالك.
- طلاق النساء
وبه (عن حماد، عن إبراهيم عن رجل، عن ابن عمر ﵁ أنه طلق امرأته، وهي حائض) جملة حالية (فعيب ذلك عليه) مجهول عاب، وفي نسخة من العتاب (فراجعها، فلما طهرت من حيضها طلقها وحسب بالطلقة التي كان أوقع
стр. 145
عليها، وهي حائض) أي اعتبرها ولم يجعلها لغواً غير معتد بها قال صاحب الهداية: وإذا طلق الرجل امرأته في حالة الحيض وقع الطلاق، وقال ابن الهمام: خلافاً لمن قدمنا النقل عنهم من الإمامية، ونقل أيضاً عن اسماعيل بن علية من المحدثين، ثم هو بهذا الإيقاع عاص بإجماع العلماء، ويستحب له أن يراجعها لقوله ﷺ لعمر في حديث ابن عمر في الصحيحين "مُرْ ابْنَكَ فَليُراجِعْها حِينَ طَلَّقها في حالِ الحَيْضِ".
ثم قال صاحب الهداية: وإذا طهرت وحاضت، ثم طهرت، فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها، وذكر الطحاوي أن له أن يطلقها في الطهر الذي يلي الحيض التي طلقها وراجعها فيها.
والأول هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة على ما في الكافي وبه قال الشافعي في المشهور ومالك وأحمد.
وما ذكر الطحاوي، رواية عن أبي حنيفة على ما في الكافي، وهو وجه للشافعية.
ووجه الأول من السنة ما في الصحيحين من قوله ﷺ لعمر ﵁: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ يُمْسِكْها حتى تَطْهُرَ ثُمَّ تُحِيض فَتَطْهُر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يلمسها فتلك العدة كما أمر الله تعالى وعز وجل".
ووجه الثاني رواية سالم في حديث ابن عمر مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً والأولى هي الأولى لأنه أكثر تفسيراً بالنسبة إلى هذه الرواية وأقوى في الصحة والدراية.
وبه (عن حماد عن إبراهيم، عن علقمة، عن عائشة أم المؤمنين قالت لما
стр. 146
أغمي) بصيغة المجهول ومرفوعة (على رسول الله ﷺ أي في مرضه الذي توفى فيه (قال: مُرُوا أبَا بكرٍ فَلْيُصَلّ بالنّاسِ) أي نيابة عني وخلافة مني (فقيل له): والقائل عائشة أو حفصة: (يا رسول الله إن أبا بكر رجل حصير) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين أي بخيل ضيق الصدر، (وهو يكره) أي يصعب عليه (أن يقوم مقامك)، ولا يرى أمامك المقام مقامك (فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. يا صويحبات يوسف) بالتصغير والتنكير (وكرر) أي الأمر بذلك لعلمه أنه أفضل من هنالك، وقد سبق عليه الكلام والله أعلم بحقيقة المرام.
стр. 147
- ذكر إسناده عن عطاء بن أبي رباح
-بفتح الراء فموحدة وقدمت ترجمته.
- حديث القراءة في الصلاة
أبو حنيفة أي روى (عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال نادى منادي رسول الله ﷺ بالمدينة لا صلاة) أي صحيحة (إلا بقراءة أقلها آية طويلة أو ثلاث آيات قصار ولو بفاتحة الكتاب) أي ولو في ضمن سورة الفاتحة فإنها واجبة يقوم مقام الفريضة.
وقد روى مسلم عن أبي هريرة لا صلاة إلا بقراءة، وهذا يدل على أن القراءة ركن من أركان الصلاة لأن الأصل في المنفي نفي وجوده، وهي فريضة في الركعات كلها عند الشافعي، لأن كل ركعة صلاة، ولهذا من حلف أن لا يصلي فصلى ركعة حنث. وفريضة في ثلاث ركعات عند مالك إقامة للأكثر مقام الكل وفريضة في ركعتين عند أبي حنيفة وأصحابه، لأن الصلاة في الحديث مذكورة صريحاً فينصرف إلى
стр. 148
الكاملة، وهي ركعتان عرفاً، وفي مسألة اليمين لم تكن الصلاة مذكورة صريحاً فانصرفت إلى الواحدة.
وأما الشفع الثاني في النافلة فصلاة على حدة والقيام إليه كتحريمة مبتدأة فوجب القراءة فيه كما في الشفع الأول، وأما الشفع الثاني في الفريضة فإنما جاز بدون القراءة لقوله ﵊: "القِرَاءةُ في الأُولَيَين قِراءةٌ في الأُخرَيَين" يعني تنوب عن تلك القراءة.
وروى الشيخان عن عبادة بن الصامت ولفظه "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" واحتج به الشافعي على أن الفاتحة فريضة في الصلاة حتى في صلاة الجنازة لأن المراد نفي الجواز، وقال أبو حنيفة ﵁: فريضة القراءة إنما ثبت بقوله تعالى: ﴿فاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ من القُرآن﴾ (١) وهذا الحديث خبر الواحد لا تثبت به الفريضة لثبوت الشبهة في نقله، فثبت به الوجوب عملاً بالدليلين، فيكون المراد نفي كمال الصلاة.
- حديث إذا طلع النجم
(وبه عن عطاء، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إذا طلع النجم اللام للعهد (رفعت العاهة) أي الآفة عن كل بلد من زرعها وثمارها (يعني الثريا) تفسير من أحد الرواة أي يريد النبي ﷺ بالنجم المذكور الثريا، وهي بالتصغير مأخوذ من الثروة وهي العدد الكبير سمي به لكثرة كوكبه مع ضيق محله.
стр. 149
ورواه الطبراني في الصيفي عن أبي هريرة بلفظ: إذا طلعت الثريا يأمن الزرع من العاهة قال شيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي في تلخيص النهاية: طلوع الثريا عند الصبح وذلك في العشر الأوسط من أبان وسقوطها مع الصبح في العشر الأوسط من تشرين الآخر ومدة مضيها بنصف وخمسين ليلة قال الخرقي: إنما أراد بهذا الحديث أرض الحجاز لأن في أبان يقع الحصاد بها وتدرك الثمار فيها وقال القبتي: أحسبه أراد عاهة الثمار خاصة.
- قَلَنْسُوة
وبه (عن عطاء عن أبي هريرة قال: كان لرسول الله ﷺ قَلَنْسَوة) بفتح القاف واللام وسكون النون وفتح السين المهملة، وفي القاموس إذا فتحت ضممت السين وإذا ضممتها كسرتها والمراد ما يلبس في الرأس وتسمى الآن عراقية وكوفية وشامية منسوبة إليها.
وبه (عن عطاء عن أبي هريرة قال: كان لرسول الله ﷺ قلنسوة بيضاء شامية) وهذا الحديث كالتفسير لما قبله ورواه الطبراني عن ابن عمر أنه ﵊ كان يلبس قلنسوة بيضاء، وفي رواية ابن عساكر عن عائشة كان يلبس قلنسوة بيضاء لاطية.
وفي رواية ابن عساكر كان يلبس القلانس اليمانية وهي البيض المضربة، ويلبس قلنسوة ذات أذان في الحرب وكان ربما نزع قلنسوته فجعلها سترته بين يديه وهو يصلي.
стр. 150
- تعلموا من النجوم ما تهتدوا به
وبه (عن عطاء عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ من النظر في النجوم) وفي رواية عن أبي هريرة مثل الناظر في النجوم كالناظر في عين الشمس كلما اشتد نظره فيها ذهب بصره، وروى ابن ملدويه والدارقطني في كتاب النجوم عن ابن عمر مرفوعاً "تَعَلَّمُوا من النُّجومِ ما تهتدونَ به في ظلمات البر والبحر" ثم انتهوا.
وروى أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن عباس مرفوعاً "من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد".
- حديث الطلاق
وبه (عن عطاء عن يوسف بن ماهك) لكسر الكاف مصروفاً (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة) ورواه أحمد وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة إلا أنه بلفظ النكاح والطلاق والرجعة.
стр. 151
وفي رواية لأبي داود: والعتق بدال الرجعة، وقد ورد الحديث العتاق في مصتف عبد الرحمن من حديث أبي ذر مرفوعاً: "من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز ومن أعتق وهو لاعب فعتقه جائز".
وروى ابن عدي في الكامل في حديث أبي هريرة عنه ﵊ قال: "ثلاثٌ ليس فيها لعب، من تكلم بشيء منهن لاعباً فقد وجب عليه الطلاق والعتاق والنكاح".
وفي رواية عنهما أربع وزاد: النذر، قال ابن الهمام: ولا نشك أن اليمين في معنى النذر فيقاس عليه وأما لفظ الهداية كقوله ﵊ "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق واليمين" فغير محفوظ عند المحدثين.
وبه (عن عطاء عن جابر بن عبد الله، ﵁، أن عبداً) أي مملوكاً كان (لإبراهيم بن نعيم) بالتصغير (النحام) بنون مفتوحة وشدة حاء مهملة عند المحدثين، وقال ابن الكلبي بمضمومة وخفته حاء وفي بعض النسخ نعيم بن النحام بزيادة ابن والصواب عدمه، وسمي بنعيم النحام لحديث سمعت نحمه نعيم أي تفعلة في التحنية ليلة الإسراء (فدبره) أي جعله مدبراً (ثم احتاج إلى ثمنه لكثرة دينه فباعه النبي ﷺ بثمانمائة درهم).
(وفي رواية أن النبي صلوات الله وسلامه عليه باع المدبَّر) اللام للعهد
стр. 152
يحتمل ما قبله وغيره بيع المدبر عند الأئمة الثلاثة جائزة.
وقال أبو حنيفة لا يجوز إذا كان التدبير مطلقاً أي مصرحاً بما بعد الموت فالحديث عنده محمول على التدبير المقيد بأن يقول إن شفيت من مرضي أو إن قدمت من سفري فهو حر فله حينئذ جاز بيعه قبل شفائه، أو قدومه من سفره.
أبو حنيفة (ومعد) بكسر الميم وفتح العين أي رويا كلاهما (عن عطاء عن جابر قال: نهى) أي النبي ﷺ (عن نبيذ الزبيب والتّمر والبُسر والثمر).
وفي الصحيحين عن أبي قتادة الحارث بن العي: لا تنبذوا الزهوي أي البسر والرطب جميعاً، ولا تنبذوا الرطب والنبيذ جميعاً، ولكن انبذوا كل واحد على حدة.
وقال أحمد وبعض المالكية: النهي للتحريم حتى أن من شرب الخليطين قبل حدوث الشدة فهو به إثم بجهة واحدة وإن شرب بعده فأثم بالجهتين، وقال بعضهم للتنزيه، لأن الإسكار يسرع إليه بسبب الخليط قبل أن يتغير طعمه فيظن الشارب أنه ليس بمسكر وكان مسكراً.
- حديث كل معروف
أبو حنيفة ﵀ أي روى وحده (عن عطاء بن جابر: قال: قال رسول الله ﷺ : كل معروف فعلته إلى غني وفقير صدقة) ورواه الخطيب في
стр. 153
الجامع، عن جابر وأحمد والطبراني، عن ابن مسعود بلفظ: كل معروف صدقة، وقد روى أحمد والبخاري، عن جابر وأحمد ومسلم وأبو داود، عن حذيفة وكل معروف صدقة وزاد وما تصدق به المرء المسلم بمرضه كتب له صدقة، وعند ابن حميد والحاكم عن جابر: وما أنفقه المسلم من نفقة على نفسه وأهله كتب له بها صدقة، وكل نفقة أنفقها المسلم فعلى الله خلفها، والله ضامن إلا نفقة في بنيان أو معصية.
وفي رواية البيهقي عن ابن عباس كل معروف صدقة، والدالُّ على الخير كفاعله والله يحب إعانة اللهفاء (ضعيف).
- صلاة في قميص واحد
وبه (عن عطاء عن جابر أنه) أي جابر (أمَّهُمْ) أي صلى بجماعة إماماً (في قميص واحد) من غير رداء وسراويل تحته وعنده فضل ثياب يعني، ولم يكن من ضرورة القلة، بل لكونه يعرفنا أي يعلمنا معشر التابعين سنة رسول الله ﷺ أي الواردة في مقام الرخصة، وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: رأيت أبي يصلي في ثوب، فقلت: يا أبت أتصلي في ثوب واحد، وثيابك موضوعة فقال: يا بنية إن آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ خلفي في ثوب واحد. رواه ابن أبي شيبة وأبو يعلى.
وروى البيهقي عن أبي سعيد قال: اختلف أبيّ بن كعب وابن مسعود في الصلاة بثوب واحد فقال أبيّ: ثوب واحد.
стр. 154
وقال ابن مسعود: في ثوبين فجاز عليهم عمر بن الخطاب كلاً منهما، وقال إنه ليسوءني أن يختلف اثنان من أصحاب محمد ﷺ في شيء واحد، ومن أي فُتْيَاكما يصدر الناس، أما ابن مسعود فلم نأل والقول ما قال أبيّ وعن أبيّ كنا نصلي في عهد رسول الله ﷺ في الثوب الواحد ولنا ثوبان، رواه ابن خزيمة.
ومنه قال: الصلاة في الثوب الواحد كنا نفعله مع رسول الله ﷺ ، ولا يعاب عليه فقال ابن مسعود: إنما كان ذلك في الثياب قلة فأما إذا وسع الله تعالى فالصلاة في ثوبين أزكى، رواه عبد الله بن أحمد في رواية المسند.
وعن الحسن أن أبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود اختلفا في الصلاة في الثوب الواحد فقال أبيّ: لا بأس به قد صلى النبي ﷺ في ثوب واحد، فالصلاة فيه جائزة، وقال ابن مسعود إنما كان ذلك إذا كان الناس لا يجدون الثياب، وأما إذا وجدوها فالصلاة في ثوبين فقام عمر ﵁ فوقف على المنبر فقال القوم ما قال أبي ولم نأل ابن مسعود. رواه عبد الرزاق في جامعه.
وفي رواية له عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله، يصلي الرجل في الثوب الواحد فقال النبي ﷺ : أو لكل منكم ثوبان.
وبه (عن عطاء، عن عباس أن النبي ﷺ صلى قاعداً) أي بعذر في الفريضة وبغير عذر في النافلة، (وقائماً) أي أحياناً (ومحتبياً) الإحتباء ضم الساق إلى البطن بثوب أو باليدين، ومنه حديث: الإحتباء حيطان العرب، أي يقوم بالاستناد إلى الجدار، ولعله محمول على حالة العذر أو النافلة.
стр. 155
- حديث الجمعة
وبه أي بسند أبي حنيفة (عن عطاء، عن ابن عباس) أي عبد الله (أن النبي ﷺ لبى) أي في حجة الوداع (في أول إحرامه حتى رمى جمرة العقبة) أي قطع التلبية بأول رمية. ورواية الأئمة الستة، عن الفضل بن عباس أنه ﵊ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
- وفيه أن الجميل يحب الجمال
(وفي رواية عن ابن عباس أن النبي ﷺ أردف الفضل بن عباس ﵁ وكان غلاماً حسناً) أي حسن الصورة (فجعل يلاحظ النساء) أي المحرمات التي وجوههن مكشوفات، وفيه أن الجميل يحب الجمال، (والنبي ﷺ يصرف وجهه) أي عنهن خوفاً من الفتنة كما هو شأن أرباب الكمال (فلبى) أي النبي ﷺ (حتى رمى جمرة العقبة) أي ابتدأ رميها.
(وفي رواية ابن عباس) أي عبد الله (عن الفضل أحْسِبُهُ أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة).
стр. 156
- عمرة في رمضان تعدل حجة
وبه (عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: إن عمرة في رمضان) أي أيامه ولياليه صدرت من أفاقي أو مكي كما يدل إطلاقه (تعدل حجة) أي تساويها وتقاربها ولفضيلة رمضان والعبادة فيه بوصف المضاعفة.
ورواه أحمد والبخاري وابن ماجه عن جابر، ورواه أحمد والشيخان وأبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس والطبراني عن الزبير، ورواه سمويه عن عطاء عن أنس ولفظه: "عمرة في رمضان كحجة معي".
وبه (عن عطاء عن أبي صالح) وهو ذكوان السمان المدني (الزيات) كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة وهو مولى جويرية بنت الحارث زوجة النبي ﷺ وهو تابعي جليل مشهور، كثير الحديث واسع الرواية (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كل عمل ابن آدم له حظ فيه إلا الصيام) بالنصب (فهو لي) أي خاصة وخالصة، (وأنا أجزي به)، وروى الطبراني عن أبي أمامة ولفظه: الصيام جنة وهو حصن من حصون المؤمن، وكل عمل لصاحبه إلا الصيام يقول الله الصيام لي وأنا أجزي به.
وروى البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة مرفوعاً: الصيام لا رياء فيه
стр. 157
قال الله تعالى: هو لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي.
- رَمَل
وبه (عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "البتيء) أي المسرع مع تقارب الخطى دون الوثوب والعدو، (من الحجر) أي الأسود والأسعد (إلى الحجر) بفتحتين أي كان الحجر مبدأ الرمل ومنتهاه لا كما قيل إنه لم يرمل بين الركنين، إذ لم يكن محاذياً لنظر الكفار.
والمقصود من الرمل إظهار الجلادة في أعينهم، وبه قال الحسن البصري وسعيد بن جبير وعطاء ويؤيده ما في أبي داود إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا عن قريش مسوا، ثم حيث يطلعونه عليهم فيرملون.
والجمهور على خلاف ذلك، كما في مسلم وأبي داود والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمر قال: رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر، فهذه الآثار تقدم على ما تقدم لأنها مثبتة، وذلك ناف على أنه يمكن الجمع بأن رملهم فيما بين الركنين كان أخف من سائر الجهات، فظن بعضهم أنهم مشوا ولم يرملوا والله أعلم بحقيقة الحالات.
- حديث من عفى عن دم
وبه (عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: من عفى عن دم) أي دم
стр. 158
مسلم يستحق أن يقتصّ منه (لم يكن له ثواب إلا الجنة) أي دخولها أولياً ورواه الخطيب، عن ابن عباس بعينه والحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلَى الله﴾ (١)
وبه (عن عطاء عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: من داوم) أي واظب (ولازم أربعين) ولازم أربعين يوماً (على صلاة الغدوة) أي الصبح (والعشاء في جماعة) أي مع طائفة ولو واحداً (في مسجد وغيره كتب له براءة)، أي ونزاهة (من النفاق)، وهو أن يكون ظاهره خلاف باطنه وبراءة من الشرك أي جليه وخفيه فيكون مرجُوّاً له حسن الخاتمة.
- فضيلة التكبيرة الأولى
ولعل الحكمة في عدد الأربعين أن الملازمة للطاعة في الدين إذا استمرت في هذه المدة المبينة، فالغالب أن يتلذذ بالعبادة، ويذهب عنه كلفة المجتهدين فتحصل له الاستقامة والله الموفق والمعين: وللأربعين حكم كثيرة وليس هذا محل بسطها وإنما خص الصلاتين لأنهما وقت الراحة ومحل الاستراحة فإذا داوم الشخص على ما هو أشق على النفس فبالأولى أن لا يترك الأهون، وأيضاً كان المنافقون لا يحضرونها حيث لا سمعة ولا رياء فيهما، ويؤيده ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وابن ماجه وابن حبان، والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: أن هاتين
стр. 159
الصلاتين يعني العشاء والصبح أثقل الصلاة على المنافقين ولو يعلمون فضل فيهما لأتوهما ولو حبواً، والحديث رواه الترمذي، عن أنس مرفوعاً، ولفظه: "من صلى لله أربعين يوماً جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب الله له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق" والأصح أن من أدرك الإمام قبل تكبيرة الركوع فقد أدرك التكبيرة الأولى.
ورواه البيهقي عن ابن عساكر بلفظ: من صلى في مسجد في جماعة أربعين ليلة لا تفوته الركعة الأولى كتب الله له براءة من النار، ورواه أبو الشيخ عن أنس "من أدرك التكبيرة الأولى مع الإمام أربعين صباحاً كتب له براءتان، براءة من النار وبراءة من النفاق".
ورواه عبد الرزاق عن أنس ولفظه: "من لم يفته الركعة الأولى من الصلاة أربعين يوماً كتب له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق" ورواه ابن عدي عن أبي العالية بلفظ "من شهد الصلوات الخمس أربعين ليلة في جماعة يدرك التكبيرة الأولى وجبت له الجنة".
ورواه الخطيب عن أنس ولفظه: "من صلى أربعين يوماً في جماعة ثم انفتل عن صلاة المغرب، فأتى بركعتين قرأ أول ركعة بفاتحة الكتاب و ﴿قُل يَا أَيُّها الكَافِرُونْ﴾ (١). وفي الثانية بفاتحة الكتاب و ﴿قُلْ هُوَ الله أحَد﴾ (٢). خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها.
стр. 160
- لا يجوز إجبار البكر البالغة على النكاح
وبه (عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يذكر لفاطمة ﵂ أن علياً ما أكرهك) يعني في الخطبة، وفيه إشعار بأنه لا يجوز إجبار البكر البالغة على النكاح، ففي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، ومسند الإمام أحمد من حديث ابن عباس أن جارية بكراً أتت رسول الله ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخير النبي ﷺ .
وأخرج الدارقطني عن ابن عباس أن النبي ﷺ رد نكاح ثيب وبكر أنكحهما أبوهما وهما كارهتان، وفي صحيح مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ: الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها.
- حديث الوضوء
وبه (عن عطاء، عن حمران) بمضمومة وسكون ميم فراء وهو ابن أبان (مولى عثمان ﵁ أن عثمان توضأ) أي غسل أعضاء وضوئه (ثلاثاً ثلاثاً) أي غسل كل عضو ثلاث مرات بمياه جديدة، (وقال هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ) ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد وابن حبان،
стр. 161
والدارقطني، عن حمران قال: رأيت عثمان ﵁ توضأ فأفرغ يديه ثلاثاً فغسلهما، ثم تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً ثم اليسرى ثلاثاً ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ من نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي، ثم صلى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه.
ورواه أبو نعيم في المعرفة بسند صحيح عن حمران قال: كنت عند عثمان فدعى بوضوء قتوضأ فلما فرغ قال توضأ رسول الله ﷺ كما توضأت، ثم تبسم فقال: أتدرون لِمَ ضحكت؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: "إن العبد المسلم إذا توضأ فأتم وضوءه، ثم دخل في صلاته فأتم صلاته خرج من الذنوب كما خرج من بطن أمه".
وبه (عن عطاء عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد) أي ابن حارثة القضاعي وأمه أم أيمن واسمها بركة، وهي حاضنة رسول الله ﷺ وكانت مولاة لأبيه عبد الله بن عبد المطلب وأسامة مولى رسول الله ﷺ وابن مولاه وحبه وابن حبه قبض النبي ﷺ وهو ابن عشرين، ونزل وادي القرى وتوفي به بعد قتل عثمان سنة أربع وخمسين.
وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين (قال إنما الربا في النسيئة) فعيلة يجوز همزه وإبداله في التأخير (وما كان) من الربا (يداً بيد) أي مقبوضاً في المجلس (فلا بأس به)، وإن كان بالتفاضل.
стр. 162
وقد روى صدر الحديث، وهو قوله: إنما الربا في النسيئة، أحمد ومسلم والنسائي، وابن ماجه عن أسامة.
وروى البخاري وغيره عنه لا ربا إلاَّ في النسيئة. وفي رواية الطبراني عنه لا ربا في يد بيد إنما الربا في الدين، وهذا قول مخالف لما عليه الجمهور.
ففي كتاب الرحمة في اختلاف الأئمة أجمع المسلمون على أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب منفرداً والورق بالورق منفرداً تبرها ومضروبها وحليها إلا مثلاً بمثل وزناً بوزن يداً بيد، وأنه لا يباع شيء منها غائباً بتأخير واتفقوا على أنه يجوز بيع الذهب بالفضة والفضة بالذهب متماثلين يداً بيد ويحرم نسيئة، وكذا سائر أموال الربوية من الموزون والمكيل كالحنطة والتمر والملح.
والأحاديث في ذلك كثيرة منها مارواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد مرفوعاً: لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق إلا وزناً بوزن مثلاً بمثل سواء بسواء ومنها مارواه البخاري عن أبي بكر بلفظه لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء والفضة بالفضة إلا سواء بسواء وتبيعوا الذهب بفضة والفضة بالذهب كيف شئتم أي يد بيد كما رواه الترمذي عن عبادة بن الصامت. هذا، وقال الخطابي: حديث أسامة محمول على أن أسامة سمع كلمة من آخر الحديث فحفظها ولم يدرك أوله، كان النبي ﷺ سئل عن بيع الجنسين متفاضلاً فقال ﷺ : "إنما الربا في النسئة" يعني إذا اختلف الأجناس جاز فيها التفاضل إذا كانت يداً بيد، وإنما يدخلها الربا إذا كانت نسيئة.
- حديث الماء المستعمل
وبه (عن عطاء عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : بئس البيت) أي المكان
стр. 163
(الحمام) مرفوع على الذم وبيانه (هو بيت لا يستر) أي العورة غالباً (وماءٌ لا يطهر) أي في الأكثر، وفي نسخة من التطهر فتدبر، وفيه دليل على نجاسة الماء المستعمل خلافاً لمالك في هذا العمل.
والحديث بعينه رواه البيهقي عن عائشة، ورواه ابن عدي، عن ابن عباس ولفظه: بئس البيت الحمام ترفع فيه الأصوات وتكشف فيه العورات.
وروى الترمذي والحاكم عن جابر مرفوعاً: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها بخمر.
- حديث الصوم
وبه (عن عطاء، عن عائشة قالت: كان يصبح رسول الله ﷺ جنباً من غير احتلام) أي بل من جماع أهله (ثم يتم صومه) وقد سبق عليه أي على وجه التمام.
- حديث سنة الفجر
وبه (عن عطاء، عن عبيد بن عمير) بالتصغير فيهما يكنى أبا عاصم الليثي
стр. 164
الحجازي قال أهل مكة: ولد في زمن رسول الله ﷺ ويقال رآه وهو معدود في كبار التابعين سمع جماعة من الصحابة، وروى عن نفر من التابعين (عن عائشة قالت: ما كان رسول الله ﷺ على شيء من النوافل) الشاملة للسنن الكوامل (أشده معاهدة) أي مراعاة ومحافظة (على ركعتي الفجر) لأنها أقوى السنن، حتى روى الحسن عن أبي حنيفة: لو صلاها قاعداً من غير عذر لا يجوز، قالوا: العالم إذا صار مرجعاً للفتوى جاز له ترك سائر السنن لحاجة الناس إلا سنة الفجر، لأنها أقوى السنن الرواتب.
والحديث رواه ابن رنجوية عن عائشة بلفظ على الركعتين أمام الصبح.
- حديث: أين الله ؟
وبه (عن عطاء أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ حدثوه) أي أخبروه (أن عبد الله بن رواحة) بفتح الراء الأنصاري الخزرجي أحد النقباء شهد العقبة وبدراً وأحداً والخندق والمشاهد بعدها إلا الفتح، وما بعده فإنه قتل يوم مؤتة شهيداً أميراً وفيها سنة ثمان وهو أحد الشعراء المحسنين.
وروى عنه ابن عباس وغيره (كانت له راعية) جارية (ترعى) تتعاهد (غنمه) أي تراعيها (وأنه) أي ابن رواحة (أمرها تعاهد شاة) وفي نسخة بحرف الجر والإضافة أي بمحافظة شاة مخصوصة من بين الغنم فتعاهدتها (حتى سمنت الشاة واشتغلت الراعية ببعض الغنم) أي بتعهيد غيرها (فجاء الذئب فاختلس) أي اخْتَفَّ (الشاة المعهودة وقتلها فجاء عبد الله) أي ابن رواحة (وفقد الشاة) أي
стр. 165
تفقدها فما وجدها (فأخبرته الراعية بأمرها فلطمها) أي ضرب بكفه على وجهها (ثم ندم على ذلك) أي على فعله بها، (فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فعظم النبي ﷺ ذلك) أي الفعل الذي صدر منه من غير جرم بها هنالك. (وقال: ضربت وجه مؤمنة) أي لطمت وجه نفس مؤمنة من غير موجبة (فقال: إنها سوداء لا علم لها) بالله، وإيمانها، (فأرسل إليها النبي ﷺ أي فأتتهُ (فسألها: أين الله) أي أين معبودٍ هو إلهُك منسوب إلى أين أهو من آلهة الأرض أو الذي في السماء أمره وفي الأرض حكمه كما قال تعالى: ﴿وَهْوَ الَّذي في السَّمَاءِ إله وَفي الأرضِ إله﴾ (١) وقال ﴿وَهوَ الله في السَّماوَاتِ وفي الأرْضِ﴾ (٢) أولاً سبحانه منزه عن المكان والزمان وسائر حوادث الدوران (قال:) أي النبي ﷺ : (فمن أنا قالت رسول الله ﷺ ، قال: إنها مؤمنة فأعتقها) أَمْرُ نَدْبٍ (فعتقها) أي كفارة لما صدر عنه.
- حديث الركاز
وبه (عن عطاء، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ
стр. 166
الركاز) بكسر الراء ما ركزه الله تعالى في المعادن، أي أحدثه وهو مبتدأ خبره (الذي ينبت) (١) بالنون وفي نسخة بالمثلثة في الأرض احتراز من دفين أهل الجاهلية فإنه قد يطلق عليه أيضاً والحديث بعينه رواه البيهقي، عن أبي هريرة، وفي رواية له: الركاز الذهب والفضة الذي خلق الله في الأرض يوم خلقت، وفي الحديث رواه ابن ماجه عن ابن عباس والطبراني في الكبير عن أبي ثعلبة.
وفي الأوسط عن جابر عن ابن مسعود مرفوعاً: في الركاز الخمس.
قال صاحب النهاية الركاز عند أهل الحجاز كنوز أهل الجاهلية المدفونة في الأرض وهي عند أهل العراق المعادن، والقولان تحتملهما اللغة، ولأن كلاً منهما مركوز أي ثابت.
والحديث إنما جاء في التفسير الأول وإنما فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة مأخذه.
- يقول الإمام أيضاً ربنا لك الحمد في رواية
(قال ابن السبع) بفتح السين المهملة وضم الموحدة، وقد تسكن (ابن طلحة قال: رأيت أبا حنيفة يسأل عطاء) أي ابن أبي رباح (عن الإمام) أي إمام الجماعة (إذا قال: سمع الله لمن حمده) اللام زائدة والهاء ضمير كما في المستصفى وقيل للسكت، كما في الفوائد الحميدية، والمعنى أجاب، وقيل حمد لمن حمده
стр. 167
فهو دعاء لقبول الحمد، واتفقوا أن المؤتَمَّ لا يذكر التسميع (أيقول) أي الإمام أيضاً (ربنا لك الحمد، قال: ماعليه) أي شيء، والمعنى لا بأس أن يقول ذلك ففي شرح الأقطع عن أبي حنيفة: يجمع بينهما الإمام والمأموم، وهو مذهب الشافعي في الأصح واختاره أبو يوسف ومحمد على ما ذكر ابن مالك في شرح المشارق.
والمشهور في المذهب أن المفرد يجمع بينهما، وأما الإمام فيكتفي بالتسميع والمأموم بالتحميد.
وبه قال الشافعي في قول واختاره بعض أصحابه وهو مذهب مالك وأحمد وأبو حنيفة يدل عليه حديث مسلم إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا اللهم ربنا لك الحمد، لأن القسمة ينافي الشركة، كما يشير إليه قوله:
(ثم روى) أي عطاء، (عن ابن عمر ﵁ صلى بنا رسول الله ﷺ أي إماماً، (فلما رفع رأسه من الركعة) أي الركوع (قال: سمع الله لمن حمده فقال رجل) أي من المأمومين: (ربنا لك الحمد) ثم زاد عليه (حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما انصرف النبي ﷺ أي من صلاته (قال: من ذا المتكلم) أي بهذه الزيادة (قالها) أي هذه المقالة (ثلاث مرات) ولم يعترف به أحد مخافة أن يكون من السيئات ومناكر الحالات، (قال الرجل أنا يا نبي الله قال: فوالذي بعثني) أي أرسلني إلى الخلق (بالحق) أي بالثبات والصدق، (رأيت بضعة) بكسر الموحدة وبفتح أي بضعاً وثلاثين ملكاً يبتدرون) أي يتسارعون ويتبادرون (أيهم) بضم الياء (يكتبها لك وأول) أي وأيّهم أول (من يرفعها
стр. 168
لك) لكثرة ثوابها وعظمة حسابها.
والحديث رواه أحمد والبخاري والنسائي، وابن حبان عن رفاعة بن رافع ولفظه قال: كنا نصلي يوماً وراء رسول الله ﷺ فلما رفع رأسه من الركعة قال رجل وراءه: ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما انصرف قال من المتكلم آنفاً؟ قال رجل أنا، قال رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرون أيهم يكتبها أولاً.
- فضيلة صلاة الفجر والعشاء
وبه (عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : من شهد الفجر والعشاء في جماعة كانت له براءتان براءة من النفاق وبراءة من الشرك) سبق الكلام على نحوه، وفي الصحيحين: من صلى البردين دخل الجنة يعني: صلاة الغدوة والعشي ولازم أداءها في الوقت المختار لها استحق دخول الجنة دخولاً أولياً إن لم يكن له لائمة مانع يستحق به العقوبة. وخصا بالذكر لكونهما وقت التشاغل والتثاقل والتكاسل، ومن راعاهما راعى غيرها غالباً بالأولى، والله هو المولى.
стр. 169
- ذكر إسناده عن أبي الزبير محمد بن سالم المكي .
-ذكر إسناده عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي مولى حكيم بن حزام في الطبقة الثانية من تابعي مكة، سمع جابر بن عبد الله، وروى عنه جماعة كثيرة، مات سنة خمس وعشرين ومائة.
أبو حنيفة أي روى (عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" أي الراكد الواقف (ثم يتوضأ منه") الحديث رواه مسلم عن أبي هريرة إلا أنه بلفظ: ثم يغتسل منه بدل أن يتوضأ، وهو إما مرفوع أو مجزوم، وثم ههنا للتراخي في المرتبة، ومعناه: تبعيد الاغتسال ما بال فيه، واعلم أن الماء الكثير مخرج عنه بالإجماع والماء الذي يكون مقدار القلتين تخرج عند الشافعي ومن تبعه، والماء الذي لم يتغير بالنجاسة مخرج عند مالك، ولكل منهم متمسك ليس هذا موضوع بسطه، وعلى كل تقدير فالنهي تحريمي، إن كان ينجس بوله الماء، وإلا فتنزيهي.
وبه (عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله) صحابيان جليلان أنصاريان تقدم ذكرهما (عن النبي ﷺ أن رجلين اختصما إليه ﷺ في ناقة) احتضرت بين يديه، (وقد أقام كل واحد منهما) أي بينة (أنها نتجت) بصيغة المجهول أي ولدت (عنده) أي تحت تصرفه، (فقضى بها الذي في يده) أي حال المنازعة.
стр. 170
- لا يكفر مرتكب الكبيرة
وبه (عن أبي الزبير قال: قلت لجابر بن عبد الله: ما كنتم تعدون الذنوب) أي بأي شيء كنتم تحسبون الكبائر من القتل والزنا والسرقة ونحوها (شركاً) أي كفراً، ويحتمل أن يكون ما نافية قيل إستفهام مقدر أو هو الأظهر كما نبه جوابه، (قال: لا) أي ما كنا نعد شيئاً من الذنوب كفراً، وفيه رد على الخوارج وعلى بعض أهل السنة ممن جعل ترك الصلاة كفراً (قال أبو سعيد) أي الخدري (قلت يا رسول الله هل في هذه الأمة) أي جماعة الإجابة (ذنب يبلغ الكفر؟) أي يصل إليه (قال: لا، إلا الشرك بالله) وكان إذا رد بالكفر إنكار الصانع، وبالشرك الإشراك به، والمراد بالشرك الرياء، فإنه الشرك الخفي، وهو قد يبلغ الكفر الجلي.
- إن رسول الله ﷺ صلى في ثوب واحد
(عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ صلى في ثوب واحد) سبق الكلام عليه (متوشحاً به) بكسر الشين، حال من ضمير الفاعل أي متلبساً به ومتعفياً بطرفه.
وقد روى عبد الرزاق عن ابن مسعود بن حراش أن عمر بن الخطاب أمَّهم في ثوب واحد متوشحاً به، وروى مسدود عن محمد بن الحنفية أن علياً لا يرى بأساً أن يصلي الرجل في الثوب الواحد، وكان يصلي في الثوب الواحد وقد خالف بين طرفيه.
стр. 171
وروى ابن أبي شيبة عن أنس أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد خالف طرفيه، وروى عبد الرزاق، عن جابر بن عبد الله رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد متوشحاً به، زاد ابن عساكر خلف أبي بكر.
وروى ابن أبي شيبة عن عمار قال أمنا رسول الله ﷺ في ثوب واحد متوشحاً به.
وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عمرو بن أبي سلمة قال رأيت رسول الله ﷺ يصلي في بيت أم سلمة في ثوب واحد متوشحاً واضعاً طرفيه على عاتقيه، وهذا كله دليل لبيان الجواز، وإلا فالأفضل أن يصلي في ثوبين لما تقدم والله أعلم.
(فقال بعض القوم لأبي الزبير: أغير المكتوبة) بالنصب أي أصلى متوشحاً بثوب واحد غير الفريضة أم الفريضة؟ (قال: المكتوبة وغير المكتوبة) أي صلى كلاً منهما بهذه الحال.
- نعم الإدام الخل
وبه (عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "نعم الإدام الخل") ورواه أحمد ومسلم والأربعة، عن جابر ومسلم والترمذي عن عائشة وقد ذكرنا ما له من الفضائل في شرح الشمائل.
- طلاق رجعي
وبه (عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي ﷺ قال لسودة) وهي بنت زمعة
стр. 172
أم المؤمنين أسلمت قديماً وكانت تحت ابن عم لها فلما مات زوجها تزوجها النبي ﷺ ، ودخل بها في مكة، وذلك بعد موت خديجة قبل أن يعقد على عائشة، وهاجرت إلى المدينة فلما كبرت أراد طلاقها فسألته أن لا يفعل، وجعلت يومها لعائشة وتوفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين، فقوله (حين طلقها) أي أراد طلاقها (اعتدي) أي تهيىء للمفارقة الناشئة عن العدة، ويمكن أن طلقها طلقة رجعية، ثم راجعها تطيباً لخاطرها.
وبه (عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس" أي الكفار جميعاً "حتى يقولوا لا إله إلا الله") (١) أي وأني رسول الله كما في رواية (فإذا قالوها) أي هذه الكلمة بشرائطها (عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) أي مما يستحقون شيئاً عنهما وفق الشريعة الغراء (وحسابهم على الله ﵎، أي فيما يأتون ويذرون إخلاصاً ونفاقاً ورياء وسمعة.
والحديث رواه الشيخان والأربعة، وكاد أن يكون متواتراً، وقد بسطت عليه الكلام المتين في شرح الأربعين.
стр. 173
- لا ربا في الحيوانات
وبه (عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ اشترى عبداً بعبدين) يحتمل أن يكون ناجزاً أو نسيئة، فقد روى معمر عن الزهري عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة فقال: سئل ابن المسيب عنه فقال لا ربا في الحيوان.
قال شيخ مشايخنا السيوطي في الجامع الكبير، أنبأنا معمر بن عيينة، عن أيوب، عن سعيد ين جبير، عن ابن عمر عن النبي ﷺ مثله، وفي الجامع الصغير له نهى ﵊ عن بيع الحيوان نسيئة، ورواه أحمد والأربعة أيضاً عن سمرة.
وروى مالك والشافعي والحاكم عن سعيد بن المسيب مرسلاً، والبزار عن ابن عمر مرفوعاً: نهى عن بيع اللحم بالحيوان.
وفي رواية للحاكم والبيهقي عن سمرة نهى عن بيع الشاة باللحم، وروى عبد الرزاق عن ابن المسيب أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالشاة وهي حية لكن البخاري عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم مرفوعاً: "لا تبيعوا الدينار بالدينار ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين فإني أخاف عليكم الربا"، قيل يا رسول الله أحل بيع الفرس بالأفراس والبختيَّه بالإبل؟ قال: "لا بأس إن كان يداً بيد".
وقال ربيعة كل ما تجب فيه الزكاة يحرم فيه الربا فلا يجوز بعير ببعيرين يعني إلا يداً بيد.
وقال مالك: لا يجوز بيع الحيوان بحيوان من جنسه مقصدهما أمر واحد ذبح أو غيره.
стр. 174
وبه (عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: لا يرث المسلم النصراني) أي منه، (إلا أن يكون) أي النصراني (عبده) أي عبد المسلم (أو أمته) أي جاريته، فإن مالهما له إذ لا يملكان شيئاً، والعبد وما في يده كان لمولاه، فمعنى لا يرث لا يأخذ بعد الموت إطلاقاً مجازياً، وإلا فالرق مانع من الإرث الحقيقي شرعاً.
- النهي عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها
وبه (عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ : نهى أن يشتري ثمرة حتى يسفح) كذا في النسخة، ولم يظهر لي مادته من اللغة، وفي البخاري عن أنس وفي مسند أحمد، عن عائشة بلفظ: "نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بيع النخل حتى تزهو"، وفي رواية مسلم وأبي داود والترمذي عن ابن عمر بيع النخل حتى تزهو، وعن السنبل حتى تبيض ويأمن من العاهة أي الآفة التي تصيبها فتفسدها.
وفي رواية الطبراني عن زيد بن ثابت نهى عن بيع الثمار حتى ينجو من العاهة، وفي رواية أحمد وأبي داود عن بيع الثمرة قبل أن تدرك.
стр. 175
- يعرف النبي ﷺ بريح الطيب
وبه (عن أبي الزبير عن جابر قال: كان النبي ﷺ يعرف بريح الطيب) أي الخلقي (إذا أقبل بالليل) أو أدبر في زقاق يعرف أنه مر به، وظهور ذلك الطيب بسببه وقد سبق الكلام على هذا الحديث مثله.
- من قتل ضفدعاً فعليه شاة
وبه (عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من قتل ضفدعاً) وهو كزبرج وجعفر وجندب ودرهم، وهذا أقل أو مردود دابة بحرية وبرية، كذا في القاموس، (فعليه شاة محرماً كان أو حلالاً) والحديث بعينه في كامل ابن عدي في ترجمة عبد الرحمن بن سعد بن عثمان بن سعد القرظي مؤذن النبي ﷺ عن جابر مرفوعاً، قال سفيان: يقال إنه ليس شيء أكثر ذكر الله منه.
وفي كامل ابن عدي في ترجمة حماد بن عبيد أنه روى عن عكرمة، عن ابن عباس أن ضفدعاً ألقت نفسها في النار من مخافة الله تعالى فأثابهن الله تعالى برداً بماء، وجعل يعتقهن من التسبيح، وقال نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع، وفي مسند أبي داود الطيالسي وسنن أبي داود والنسائي والحاكم، عن عبد الرحمن بن
стр. 176
عثمان التيمي، عن النبي ﷺ أن طبيباً سأل أن يجعل ضفدعاً في دواء فنهاه ﷺ عن قتلها فدل أن الضفدع يحرم أكلها وأنها غير داخلة فيما أبيح من دواب الماء.
ولعل وجوب الشاة على قاتلها سواء كان محرماً أو حلالاً للزجر عن التعرض لها.
وبه (عن أبي الزبير قال قرىء على رسول الله ﷺ : ﴿وصَدّقَ بِالحُسْنَى﴾ أي في سورة الليل والمعنى بالكلمة الحسنى، (قال) أي فسرها ﵊: (بلا إله إلا الله) فاختاره أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك، وهي رواية عطية، عن ابن عباس وفسرها مجاهد بالجنة، ولعل قوله : ﴿الذين أحسنوا الحسنى﴾ ولا شك ان تفسير الأول هو الأتم والأكمل.
- الداء والدواء
(أبو حنيفة وقاتل بن سليمان) أي رويا كلاهما (عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: لكل داء) أي وجع وألم وبلاء (جعل الله دواء) أي علاجاً وشفاء (فإذا أصاب الداء) بالنصب على أنه مفعول وفاعله (دواؤه برىء بإذن (١) الله تعالى) أي شفي وتعافى بأمره وقضائه، وقدرته، فإن الأمر كله بيده خيره وشره ونفعه وضرره وحلوه ومره.
стр. 177
ورواه أحمد ومسلم عن جابر مرفوعاً ولفظه: لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برىء بإذن الله تعالى.
وفي رواية علي عند الحميدي في كتاب المسمى بطب أهل البيت: ما من داء إلا له دواء، فإذا كان كذلك بعث الله ملكاً ومعه شر فجعله بين الداء والدواء فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء فإذا أراد الله برءه أمر الملك دفع الشر، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء، فإذا أراد الله برءه أمر الملك، فرفع الشر، ثم يشرب المريض الدواء فينفعه الله تعالى به.
وفي حديث ابن مسعود رَفَعَهُ: "أن الله لم ينزل داء إلا أنزل الله له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله" رواه أبو نعيم وغيره، وفي الصحيحين من حديث عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنزل الله داء إلا أنزل الله له شفاء" وأخرجه النسائي وصححه ابن حبان، والحاكم، عن ابن مسعود بلفظ: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء فتداووا، ولأبي داود عن أبي الدرداء رفعه: أن الله جعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام.
وعنه البخاري في الأدب المفرد وأحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم عن أسامة بن شريك رفعه: تداووا يا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحد وهو الهرم، وفي لفظ إلا السلم وهو بمهملة مخففة الميم أي إلا الموت.
- دخول الحمام بمئزر
وبه (عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لرجل
стр. 178
يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخل الحمام إلا بمئزر") بكسر الميم وسكون الهمزة يجوز إبداله وبفتح الراء ما يتزر به وهو الإزار الذي يستر العورة، وظاهره الإطلاق سواء بكونه هناك أحد أجنبي أم لا، فإن الله تعالى أحق أن يُسْتَحَى منه، ولأن الحمام مجمع الشياطين، ولا يجوز التكشف عندهم ولذا أورد أنه إذا اضطر إلى كشف عورته يسمي الله تعالى فإنه ستر ما بين أعين الجن، وعورات بني آدم. (ومن لم يستر عورته) وهي من الرجل ما بين سرته وركبتيه (من الناس) أي غير امرأته وأمته (كان في لعنة الله والملائكة والخلق أجمعين) فإنهم كلهم يلعنون العاصي في أمر الدين، وقد روى الترمذي، والحاكم، عن جابر مرفوعاً: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام وفي إطلاق الفرقة الثانية ما لا يخفى من النكتة الباهية في الجملة الناهية.
- بيع المزابنة والمحاقلة
وبه (عن الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه نهى عن المزابنة) وهي بالزاي وبالموحدة والنون بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، (وبالمحاقلة) وهي بالحاء المهملة والقاف واللام إكتراء الأرض بالبر، هكذا جاء مفسراً في الحديث، وقيل المزارعة على نصيب معلوم من الثلث، وقيل بيع الطعام في سنبلة بالبر، وقيل
стр. 179
بيع الزرع قبل إدراكه كذا في النهاية والحديث بعينه رواه الشيخان، عن أبي سعيد.
وبه (عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي ﷺ أمر أصحابه) أي في حجة الوداع (أن يحلوا) بفتح الياء وكسر الحاء أي يخرجوا من إحرامهم (بالحج ويجعلوا عمرة) والحديث في الصحيحين، عن جابر، وهذا الحكم منسوخ عند الجمهور، وكان مخصوصاً بالصحابة أو في تلك السنة وعند الإمام أحمد حكمه باق والله أعلم.
- حديث الطيب
وبه (عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ أمر أصحابه قال: إذا أُتي أحدكم) أي جيء (بطيب) وعرض على أحدكم (فليصب منه) أي من جملته ولا يمتنع عن كرامة له، وقد روى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً من عرض عليه ريحان، وفي رواية طيب فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الريح أي خفيف المنة وطيب الريح من الجنة.
стр. 180
(وبه عن أبي الزبير، عن جابر قال: أكل النبي ﷺ مرقاً باللحم) أي مخلوطاً به أو حاصلاً به ويشير إلى المعنى قوله: أكل فتأمل، (ثم صلى) أي ولم يتوضأ فدل على أنه ما ورد من قوله ﵊ توضأ مما مست النار منسوخ، أو محمول على الوضوء العرفي وهو غسل اليد والفم، أو على الشرعي على أن الأمر بالندب فيهما، وهذا الحديث لبيان الجواز في تركهما. وعن جابر في رواية ابن أبي شيبة مرفوعاً: إذا طبختم اللحم فأكثروا المرق فإنه أوسع وأبلغ للجيران ومن كلام بعض الحكماء المرق أحد اللحمين.
- بيع المخابرة
(وبه عن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة) بالخاء المعجمة والباء الموحدة وهي المزارعة على نصيب معين من ثلث، أو ربع، أو خمس ونحوها والحديث بعينه رواه أحمد عن زيد بن ثابت.
وبه (عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن النبي ﷺ : من باع نخلاً مؤبراً) بضم الميم ويجوز إبداله واواً وفتح موحدة مشدداً من التأبير وهو التلقيح (أو عبداً له مال) أي بيده أو على بدنه شيء مما ينتفع به (فالثمرة) أي ثمرة النخل (والمال) أي مال العبد بالإضافة المجازية، إذ لا مال له في الحقيقة الشرعية خلافاً للمالكية (للبائع) أي لبائعها (إلا أن يشترط المشتري) أي أنهما له،