بنت أبي أمية، وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت أبي سلمة فلما مات أبو سلمة سنة أربع تزوجها رسول الله ﷺ في ليال بقين من شوال من السنة التي مات فيها أبو سلمة، ماتت سنة تسع وخمسين ودفنت بالبقيع، وكان عمرها أربعاً وثمانين.
روى عنها ابن عباس وعائشة وزينب بنتها وابن المسيب وخلق سواهم كثير من الصحابة والتابعين قالت: (كان رسول الله ﷺ يخرج) أي من بيته (إلى الفجر) أي إلى صلاة الصبح في مسجد مدينة (ورأسه يقطر) أي ينقطر من جماع بإحدى النساء (بغير احتلام) بدل عما قبله، (ويظل) أي ويصير ذلك (النهار صائماً) أي الفرض والنفل وقد سبق بعض الكلام عليه (وبإسناده) أي المذكور عنها: (كان النبي ﷺ يقبل النساء في رمضان) أي فضلاً عن غيره من الزمان، فدل على تقبيل الصائم إذا أمن على نفسه من الإنزال أو الجماع وإلا فيكره بالإجماع.
والحديث له أصل ثابت، فقد روى أحمد والستة عن عائشة أنه ﵊ كان يقبل وهو صائم وما يجدد وضوءه، فدل على أن مس المرأة مما لا ينقض الوضوء، ودعوى الاختصاص يحتاج إلى مخصص. والحديث له أصل ثابت صحيح، فقد روى أحمد وأبو داود والنسائي، عن عائشة أنه ﵊ كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ.
ذكر إسناده عن عطاء بن يسار
- وهو أخو سليمان بن يسار .. ومولى ميمونة من التابعين المشهور بالمدينة، كان كثير الرواية عن ابن عباس، مات سنة سبع وتسعين، وله أربع وثمانين.
стр. 212
- بيع الولاء
أبو حنيفة (عن عطاء بن يسار عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه: نهى عن بيع الولاء) بفتح الواو ممدوداً أي ولاء العتاقة وهبته، والحديث رواية أحمد والستة، عن ابن عمر بلفظ: نهى عن بيع الولاء وعن هبته، والمعنى أن الولاء لمن أعتق كما رواه أحمد والطبراني، عن ابن عباس مرفوعاً، فلا يجوز له أن يعطيه غيره لا بعوض ولا مجاناً.
- فضيلة وصل صفوف الصلاة
وبه (عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري) بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة، وهو سعد بن مالك الأنصاري كان من الحفاظ المكثرين والعلماء المعتبرين.
روى عن جماعة الصحابة والتابعين، مات سنة أربع وثمانين ودفن بالبقيع (قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله وملائكته يصلون)، بتشديد اللام أي يثنون (على الذين يصلون) بفتح الياء وكسر الصاد وتخفيف اللام (الصفوف) بأن يراعوها ولا يقطعوها.
وقد رواه أحمد وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم عن عائشة، وزادت: ومن سد فُرجة رفعه الله بها درجة. وقد روى النسائي والحاكم عن ابن عمر مرفوعاً: من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله.
стр. 213
- ذكر إسناده عن الزهري وعن أبي جعفر محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁
-ذكر إسناده عن الزهري بضم الزاي منسوب إلى زهرة بن كلاب وهو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب أحد الفقهاء المحدثين والعلماء الأعلام التابعين بالمدينة، المشار إليه في فنون علوم الشريعة سمع نفراً من الصحابة، روى عنه خلق كثير منهم قتادة ومالك بن أنس، مات في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة.
أبو حنيفة (عن الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم)، جملة حالية (في رواية قال أبو حنيفة أخبرني ابن شهاب أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم ولم يذكر أنساً). فالحديث مرسل لكنه حجة عند الجمهور، ومنهم أبو حنيفة خلافاً للشافعي، ثم يجوز للصائم فرضاً أو نفلاً أن يحتجم، خلافاً لأحمد، واستدل بقوله ﵊: "أفطَر الحاجم والمحجوم" رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وابن حبان، عن ثوبان.
وأوَّله الجمهور بأن معناه تعرضاً للإفطار.
وقيل جاز لهما أن يفطرا، وقيل: وهو على صحة التغليظ لهما فالدعاء عليهما.
وبه (عن الزهري، عن أنس أن النبي ﷺ : نهى عن المتعة) أي متعة النساء، وقد تقدم ..
стр. 214
- حديث تعمد الكذب
وبه (عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ قال: من كذب عليّ) أي افترى بنسبة قول، أو فعل أي (متعمداً) أي لا سهواً وخطأ منه (فليتبوأ مقعده) أي فليتهيّأ مجلسه (من النار) أي في دار البوار.
(ورواه أبو حنيفة) أي هذا الحديث أيضاً (عن يحيى بن سعيد) وهو الأنصاري المدني سمع أنس بن مالك، والسائب بن يزيد وخلقاً سواهما. ورواه هشام بن عروة ومالك بن أنس وشعبة والثوري وابن عُيَيْنة وابن المبارك وغيرهم، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، عن أنس.
والحديث رواه العشرة المبشرة، وسبعون من الصحابة المعتبرة، وقد عُد من الأحاديث المتواترة. فقد روى أحمد والشيخان والترمذي والنسائي، وابن ماجه، عن أنس وأحمد والبخاري، وأبو داود والنسائي وابن ماجه، عن الزبير، والترمذي عن علي، وجماعة آخرين عن طائفة من الصحابة ﵃ أجمعين.
- إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدأوا بالعشاء
وبه (عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : إذا نودي بالعشاء) بكسر العين أي بصلاة العشاء (وأذن المؤذن) إلى دخول الوقت فهو تأكيد
стр. 215
لما قبله، والمراد به الأذان الثاني بالإقامة ففيه إفادة المبالغة (فابدأوا بالعشاء) بفتح العين وهو ما يؤكل في العشية وهي آخر النهار ضد الغداء، وهو ما يؤكل في صدر النهار.
والحديث مشهور بلفظ: إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدأوا بالعشاء، ورواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن ماجه، عن أنس والشيخان، عن ابن عمر، والبخاري وابن ماجه عن عائشة، والحكمة في ذلك أن لا يكون الخاطر مشغولاً به فالأكل المخلوط بالصلاة خير من الصلاة المخلوطة بالأكل، وهذا إذا كان الوقت واسعاً ويكون التوجه إلى الأكل شاغلاً.
- حديث الدِّيَّة
وبه (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب) ولد لسنتين مضيتا من خلافة عمر، كان سيد التابعين وأفضلهم، جمع بين الفقه والحديث والزهد والعبادة، روى عنه جماعة كثيرة من الصحابة، وروى عنه الزهري، وكثير من التابعين حجة، ومات سنة ثلاث وتسعين (عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم) ورواه الطبراني في الأوسط، عن ابن عمر ولفظه: دية الذمي دية المسلم، لكنه معارض بما رواه أبو داود عن ابن عمر وبسند ضعيف بلفظ: دية المعاهد نصف دية الحر. وفي رواية الترمذي عنه بلفظ: دية عقل الكافر نصف دية المسلم.
واتفق العلماء على أن الدية للمسلم الحر مائة من الإبل في مال القاتل المعاهد إذا عدل إلى الدية.
стр. 216
ثم اختلفوا هل هي حالَّة أو مؤجلة فقال مالك والشافعي وأحمد: هي حالَّة. وقال أبو حنيفة: هي مؤجلة في ثلاث سنين.
واختلفوا في دية الكتابي اليهودي والنصراني فقال أبو حنيفة: ديته كدية المسلم في العمد والخطأ سواء من غير فرق، وقال أحمد: إن كان اليهودي أو النصراني عهد وقتله مسلم عمداً فديته كدية المسلم وإن قتله خطأ فروايتان إحداهما نصف دية المسلم، واختارها الخرقي، والثاني ثلث دية المسلم، فظاهر القرآن موافق أبا حنيفة حيث لم يفرق بين دية العمد والخطأ في المسلم والكافر والله أعلم بالسرائر.
- الصلاة في ثوب واحد
أبو قرة بضم القاف وتشديد الراء وهو مبتدأ خبره قال والجملة مقول أبي حنيفة ﵀، وأما مقول أبي قرة فقوله: (ذكر ابن جريج) بجيمين مصغراً، واسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي الفقيه أحد الأعلام، روى عن مجاهد وابن أبي مليكة، وعطاء، وعنه جماعة قال ابن عيينة: سمعته يقول: ما دَوَّنَ العلم تدوين أحد مات سنة خمس ومائة.
(عن الزهري، عن أبي سلمة) اسمه كنيته، وهو كثير الحديث سمع ابن عباس، وأبا هريرة، وابن عمر، وغيرهم.
وقد روى عن عمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه في قول، ومن مشاهير التابعين وأعلامهم،
стр. 217
روى عنه الزهري والشعبي، وغيرهما، مات سنة سبع وتسعين وله اثنتان وسبعون سنة.
(عن عبد الرحمن) يحتمل أن يكون المراد ابن عوف، ولا يبعد أن يروي عن أبي هريرة، ويحتمل أنه أراد به أحداً من التابعين المسمى بعبد الرحمن، وهم جماعة كثيرة، ويحتمل أن يكون العاطف ساقطاً من النسخة بأن يروي عنهما (أن رجلاً قال: يا رسول الله يصلي) أي يصلي الرجل (في الثوب الواحد) بأن يكتفي بالإزار ويتوشح به (فقال النبي ﷺ : أولكلكم ثوبان) أي أو حاصل لكل منكم إزار ورداء حتى يقول لا يصلي إلا في ثوبين يجوز أن يصلي في ثوب واحد، وليس عليكم في الدين من حرج.
(قال أبو قرة: فسمعت أبا حنيفة يذكر عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه سأل النبي ﷺ في الثوب الواحد: فقال النبي ﷺ : ليس لكلكم يجد ثوبين) أي فلا حرج عليكم أن تصلوا في ثوب واحد، والتقييد في الحديث الأول بالرجل احتراز عن المرأة، فإن الثوب الواحد لا يكفي لصلاتها، إلا إذا التفَّت به في جميع أعضائها.
- حديث متعة النساء
وبه (عن الزهري، عن رجل من آل سبرة أن النبي ﷺ : نهى عن متعة النساء
стр. 218
يوم فتح مكة وفي رواية عام الفتح)، ومؤداهما واحد، وفيه تنبيه على أن النهي واقع آخر فيكون نسخاً لما سبق من كونه مباحاً.
- صلاة الليل
ذكر إسناده عن أبي جعفر محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وهو معروف بالباقر، سمع أباه زين العابدين، وجابر بن عبد الله، وروى عنه ابنه جعفر الصادق، وغيره ولد سنة ست وخمسين ومات بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ودفن بالبقيع في قبة العباس مع جميع من أهل البيت وسمى الباقر لانه يتبقر في العلم أي توسع وتنجز.
(أبو حنيفة عن أبي جعفر أن صلاة النبي ﷺ أي التهجد (بالليل) أي في آخره (كانت) أي عدوها غالباً (ثلاث عشرة ركعة ثلاث ركعات الوتر) أي بسلام واحد على ما هو الأكثر، (وركعتا الفجر) وعدهما من صلاة الليل لقربهما منه، وفيه تنبيه على اتصالهما بصلاة الليل بصلاته ﷺ ، والحديث رواه الشيخان وأبو داود عن عائشة ولفظهما: كان ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر، وركعتا الفجر.
стр. 219
- ذكر إسناده عن محمد بن المنكدر
ذكر إسناده عن محمد بن المنكدر ﵁ وهو التيمي سمع جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن الزبير وعمه ربيعة، روى عنه الثوري ومالك وغيرهما وله ست وسبعون سنة وهو تابعي كبير شهير جمع بين العلم والزهد والعبادة والدين المتين، والصدق واليقين.
- صيد محرم
أبو حنيفة (عن محمد بن المنكدر، عن عثمان بن محمد عن طلحة بن عبيد الله) من العشرة المبشرة، المسلم قديماً وشهد المشاهد كلها غير بدر عن عذر، ووقى النبي ﷺ يوم أحد بيده فشلت إصبعه وجرح يومئذ أربعة وعشرين جراحة قتل في وقعة الجمل سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة (قال: تذاكرنا) أي نحن معشر الصحابة (لحم صيد يصيده الحلال) أي لنفسه، أو لغيره ولو كان محرماً (فيأكله المحرم) أي ونازعنا في جوار أكله منه، (ورسول الله ﷺ نائم) أي مستغرق في النوم حتى ارتفعت أصواتنا أي حين اختلف جدالنا (فاستيقظ رسول الله ﷺ أي استنبه (قال: فيم) أي في أيّ شيء (تتنازعون) أي تتباحثون؟.
(فقلنا: في لحم صيد يصيده الحلال فيأكله الحرم قال: فأمرنا بأكله) أي جوز لنا أكله، وهذا مقيد عندنا بما لم يدله المحرم، ولا أمره بقتله ولا ساعده في أخذه لما في أبي داود والترمذي والنسائي، عن جابر مرفوعاً: لحم الصيد حلال
стр. 220
لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوا أو يصاد لكم، هكذا بالألف في يصاد فالعطف بحسب المعنى، والتقدير أو ما يصاد لكم أي لأجل أمركم سيجيء تحقيقه.
والحديث الأول أخرجه محمد في الآثار عن أبي حنيفة بسنده المذكور وأخرجه أبو نعيم عن محمد بن المنكدر قال حدثنا شيخ لنا عن طلحة بن عبيد الله قال: سألنا النبي ﷺ عن لحم صيد صاده حلال لا يأكله المحرم قال: لا بأس به، أو قال نعم وزاده مسلم وابن جرير، وأبو نعيم، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن أبيه قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله، ونحن محرم، فأهدي لنا لحم صيد، وهو راقد فمنا من أكل ومنا من تورع فاستيقظ طلحة فوافق من أكله، وقال أكلناه مع رسول الله ﷺ .
وبه (عن محمد بن المنكدر، عن أبي قتادة) وهو الحارث بن ربعي الأنصاري فارس رسول الله ﷺ ، مات بالمدينة سنة أربع وخمسين وهو ابن سبعين، (قال خرجت في رهط) أي جماعة دون العشرة من أصحاب النبي ﷺ ليس في القوم حلال غيري بل كلهم محرمون (فنظرت نعامة) أي رأيت نعامة بفتح النون حيوان معروف يحل أكله إجماعاً (فسرت إلى فرسي) أي متوجهاً إليها (فركبتها وعجلتها عن سوطي) أي فلم آخذه من العجلة (فقلت لهم: ناولونيه) أي أعطوني سوطي بيدي (فأبوا) أي امتنعوا عن المناولة، فإنه يحرم على المحرم المساعدة في أخذ الصيد، وكذا الإشارة والدلالة، (فنزلت عنها) أي عن فرسي (فأخذت سوطي،
стр. 221
فطلبت النعامة) أي تَتَبَّعْتُهَا المعنى، (فأخذت منها لحماً، فأكلت وأكلوا).
والحاصل أنه يحل للمحرم أكل ما صاده حلال، أو ذبحه من غير أمر محرم به ومساعدته، ولو بدلالته وإشارته وقال مالك والشافعي: إذا صاد حلال صيداً لأجل محرم لا يحل لمحرم أكله لظاهر حديث جابر المتقدم، وأجاب الطحاوي في حديث جابر بأن معناه أو يصيد لكم بأمركم توفيقه بين الأحاديث.
قال ابن الهمام: فإن الغالب في عمل الإنسان لغيره أن يكون بطلب منه فليكن محتملة، وهذا دفعاً للمعارضة إلا أن الأولى أن يستدل على أصل المطلوبة بحديث أبي قتادة على وجه المعارضة على ما في الصحيحين، فإنهم لما سألوه ﵊ لم يجب بحاله حتى سألهم عن موانع الحال أكانت موجودة أم لا فقال ﷺ : "أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها قالوا: لا قال: فكلوا إذاً، فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظم في سلك ما يسأل عنه منها في التفحُّص عن الموانع ليجيب بالحكم عند خلوه عنها" وهنا المعنى، فسرت إلى فرسي أي متوجهاً إليها فركبتها أو عجلت عن سوطي أي فلم آخذه من العجلة، فقلت لهم: ناولونيه أي أعطوني سوطي بيدي أي كالتصريح في نفي كون الاصطياد لهم مانع، فيعارض حديث جابر، ومقدم عليه ومقدر بما يؤول إليه لقوة ثبوته إذ هو في الصحيحين وغيرهما من الكتب الستة بخلاف ذلك، بل قيل في حديث جابر: لحم الصيد إلى آخره انقطاع، وكذا في رجاله من فيه لين.
هذا ويعارض الكل حديث الصعب بن جسَّامة في مسلم أنه أهدي إلى النبي ﷺ لحم حمار فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده إليك إلا أنا محرم فإنه يقتضي حرمة أكل المحرم لحم الصيد مطلقاً سواء صيد له أو بأمره أو لا وهو مذهب نقل عن جماعة من السلف منهم علي كرم الله وجهه، ومذهبنا مذهب عمر وأبي هريرة وطلحة بن عبيد الله وعائشة أخرج عنهم ذلك الطحاوي.
стр. 222
- صلاة المريض
محمد بن بكير بالتصغير (قاضي الدامغان بخراسان قال: كتبت إلى أبي حنيفة) أي سؤالاً (في المريض) في حقه (إذا ذهب عقله) أي بالإغماء في مرضه (كيف يعمل به وقت الصلاة) أي في أوقاتها (فكتب إلي يخبرني) أي يحدثني.
(عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: مرضت فأعادني النبي ﷺ إذ في العيادة زيادة على العبادة (ومعه أبو بكر وعمر) في مقام الاستقامة، (وقد أغمي علي في مرضي وجاءت الصلاة) أي دخل وقتها (فتوضأ رسول الله ﷺ وصبَّ عليّ) أي على وجهي (من وضوئه) بفتح الواو أي ماء وضوئه (فقال: كيف أنت يا جابر ثم قال: صلِ ما استطعت) أي قائماً، أو قاعداً (ولو أن تومىء) أو تشير بالركوع والسجود.
- أنت ومالك لأبيك
وبه (عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ أنت ومالك
стр. 223
لوالدك) بضم اللام وهو الرواية وهو أخص منه إذا كان بفتح اللام.
والحديث بعينه رواه ابن ماجه، عن جابر والطبراني، عن سمرة وابن مسعود، ورواه أبو داود، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي مالاً ووالداً، وإن والدي يحتاج إلى مالي: فقال "أنت ومالك"، لوالدك، إن أولادكم من كسبكم فكلوا من كسب أولادكم. رواه أبو داود والترمذي. وقال حسن عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه".
وفيه تنبيه على أن الأب يأخذ من مال ابنه نفقته بلا رضاء لصيانة نفسه.
- فقال: إني لست أصافح النساء
وبه (عن محمد بن المنكدر عن أميمة) بمضمومة الهمزة وفتح ميمين وسكون تحتية بينهما، أخت خديجة بنت رقيقة بضم الراء وفتح قافين بينهما تحتية ساكنة، (قالت: أتيت النبي ﷺ لأبايعه فقال إني لست أصافح النساء) أي الأجنبيات.
وروى أحمد، عن ابن عمر أنه ﵊ كان لا يصافح النساء في البيعة أي في بيعة النساء التي يتضمنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إذا جَاءَكَ
стр. 224
المُؤمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ على أَنْ لا يُشْرِكْنَ بالله شيئاً ولاَ يَسْرِقْنَ ولاَ يَزنِينَ ولا يَقْتُلن أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأتِينَ بِبُهتَانٍ يَفتَرينَهُ بَينَ أَيْدِيِهنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبَايعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ الله إنَّ الله غَفُورٌ رَحِيم﴾ (١)
وفي صحيح البخاري عن عائشة قالت، كان النبي ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية ﴿لا يشركن بالله شيئاً﴾ قالت وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلا امرأة يملكها.
- الجار أحق بالشفعة
(أبو محمد) أي قال: (كتب إليَّ ابن سعيد بن جعفر، عن سليمان بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ الجارُ أحق بشفعته) رواه الطبراني عن سمرة بلفظ: جار الدار أحق بالشفعة، وفي رواية النسائي وأبي يعلى وابن حبان عن أنس، وأحمد وأبو داود والترمذي عن سمرة، ولفظه: جار الدار أحق بشفعته.
واعلم أن الشفعة تثبت للشريك في الملك باتفاق الأئمة، ولا شفعة للجار عند مالك والشافعي وأحمد.
وقال أبو حنيفة: تجب الشفعة بالجوار، ثم الشفعة عند أبي حنيفة على الفور، فمن أخر المطالبة مع الإمكان سقط حقه كخيار الرد، وتفصيل هذه المسألة في كتب الفقه.
стр. 225
- صلاة السفر
أبو حنيفة (عن محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك قال: صلينا مع رسول الله ﷺ الظهر أربعاً) أي بالمدينة، قبل الخروج للسفر عن عمرانها (والعصر بذي الحليفة ركعتين) لأنهم كانوا مسافرين.
(عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : من يأتينا بالخبر) أي بخبر بني قريظة كما في رواية (ليلة الأحزاب) أي في غزوة الأحزاب أي في غزوة الخندق، (فينطلق الزبير فيأتيه بالخبر كان) أي ما ذكر من الانطلاق، والإتيان (ثلاث مرات، فقال) أي النبي ﷺ : (لكل نبي) كعيسى ﵇ وغيره (حواريّ) بتشديد التحتية مضمومة ويجوز تخفيفها أي صاحب خلص (وحواريي الزبير) ورواه ابن عساكر عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ قال يوم الخندق: "من رجل يذهب فيأتيني بخبر القوم" فركب الزبير فجاء بخبرهم من بين الناس كلهم فعل مرتين أو ثلاثاً، فلما ركب الزبير في آخر مرة قال رسول الله ﷺ لكل نبي حواري، وحواريي الزبير، وابن عمتي رواه ابن أبي شيبة نحوه.
стр. 226
وبه (عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : لا يتم) بضم تحتية وسكون فوقية (بعد الحلم) بضمتين أي بعد البلوغ، ورواه أبو داود عن علي ﵁ لا يتم بعد الاحتلام، ولا ضحاة يوم إلى الليل وهو مستفاد من قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ (١) الآية.
وبه (عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أن عائشة زوجت يتيمة كانت عندها فجهزها رسول الله ﷺ من عنده).
- ذكر إسناده عن يحيى بن سعيد القطان
-ذكر إسناده عن يحيى بن سعيد القطان بفتح القاف وتشديد، الظاهر أنه الأنصاري المدني سمع أنساً، والثابت بن يزيد وخلقاً سواهما، رواه عنه هشام بن عروة ومالك بن أنس، والشعبة، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك وغيرهم، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، كان إماماً في الحديث والفقه عالماً ورعاً صالحاً زاهداً.
- غسل الجمعة
أبو حنيفة، (عن يحيى عن عمرة) وهي بنت رواحة الأنصارية لها صحبة وهي أم النعمان بن بشير رواه عنها زوجها وابنها، (عن عائشة قالت: كانوا) أي الصحابة من الأنصار وغيرهم (يروحون إلى الجمعة) بضم الجيم والميم، وقد تسكَّن أي إلى صلاتها، (وقد عرقوا) بكسر الراء والجملة حالية (وتلطخوا بالطين) لأنهم أصحاب زراعة وأرباب عمارة (فقيل لهم) أي فقال لهم رسول
стр. 227
الله ﷺ : (من راح إلى الجمعة) أي من أراد الروح إلى صلاة الجمعة على وجه الفلاح وطريق النجاح (فليغتسل) أمر استحباب وقيل إيجاب.
(وفي رواية كان الناس) أي الأنصار (عمار أرضهم) بضم العين وتشديد الميم أي عامريها بالزراعة ونحوها (كانوا يروحون) أي إلى الجمعة (يخالطهم العرق والتراب) حال أو استئناف (فقال لهم رسول الله ﷺ : إذا حضرتم الجمعة) أي أردتم حضورها (فاغتسلوا) أي لئلا تؤذوا ولا تتأذون أو لأن المبالغة في طهارة الظاهر له تأثير بليغ في صفاء الباطن.
- حديث بشارة خديجة ﵂
وبه (عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك بشرت خديجة ببيت في الجنة)
стр. 228
أي عظيم في الكيفية والكمية (لا صخب فيها) بفتح الصاد والخاء المعجمة هو الصخبة واضطراب الأصوات، والمعنى كما في رواية لا لغو فيها (ولا نصب) بفتحتين أي لا وجع، ولا تعب.
والحديث رواه مسلم عن أبي هريرة بلفظ: أتاني جبرائيل فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي قد أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني وبَشِّرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
- الأعمال بالنيات
وبه (عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم التيمي) سمع علقمة بن وقاص وأبا سلمة (عن علقمة بن وقاص الليثي) ولد على عهد رسول الله ﷺ وشهد الخندق ومات بالمدينة.
(عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : الأعمال بالنيات) كذا في بعض الروايات، وفي بعضها العمل بالنية.
وفي بعضها إنما الأعمال بالنيات أي اعتبارها الشامل لصحتها وكمالها باختلاف الحالات، (ولكل امرء ما نوى) أي ما قصده من الخير والشر والإخلاص والرياء والسمعة ونحوها من مقاصد الدنيا والآخرة (فمن كانت هجرته إلى الله تعالى
стр. 229
ورسوله) أي إلى مرضاتهما (فهجرته إلى الله ورسوله) حقيقة في العقبى، والمعنى: فيكفيه أن هجرته إليهما وإقباله عليهما وتسليم أمره لديهما، (ومن كانت هجرته إلى الدنيا) أي إلى غرض من أغراضها وعرض من أعراضها حال كونه من قصده أنه (يصيبها) أي ينتفع بها ليس له إرادة غيرها بأن لا يجعل الدنيا وسيلة للأخرى، (أو امرأة ينكحها) بفتح الياء وكسر الكاف أي يتزوجها، كما في رواية، وهو من قبيل عطف الخاص على العام، وتنبيه على سبب وروى الحديث عنه ﵊ حيث هاجر واحد من الصحابة بعد هجرة امرأة إلى المدينة ليصل إليها أو كان يسمى بمهاجر أم قيس (فهجرته إلى ما هاجر إليه) أي مما نواه وقصده ومفهومه أن هجرته مذمومة غير مقبولة.
والحديث رواه جماعة من أصحاب السنن وغيرهم، وقد بسطنا الكلام عليه في شرح الأربعين للنووي.
- حديث بعثة النبي ﷺ
وبه (عن يحيى بن سعيد، عن أنس قال: بعث رسول الله ﷺ أي بعثه الله تعالى برسالة (على رأس أربعين سنة) أي بعد تكميلها على الأظهر (فأقام بمكة عشراً) أي عشر سنين بعد البعثة (وبالمدينة عشراً) بعد الهجرة فيكون زمن البعثة
стр. 230
عشرين وأيام عمره ستين سنة، كما صرح به في رواية الترمذي، لكن المعتمد عند الجمهور أنه سنة ثلاث وستون، وإنما ذكر أنس أصل العدد وألقى الكسر.
وقال بعضهم كان عمره خمساً وستين، فالمحققون على أن هذا إنما هو على تقرير إدخال سنة الولادة، وسنة الوفاة جمعاً بين الأحاديث الواردة في هذا الباب والله أعلم بالصواب، وفي لحيته ورأسه شعرة بيضاء، بل أقل من ذلك، وإنما أقله الله في حقه ونشر هذه الوسائل إلى الفضائل في شرحنا للشمائل إلى الفضائل، وتوفي (١) رسول الله ﷺ وما رأى الشيب في حقه مع أن الشيب نور ووقار لصاحبه، فإنه كان يحب النساء وهن يكرهن بالطبع ظهور الشيب المشعر بالعيب.
وبه (عن يحيى أن نافعاً) أي مولى ابن عمر وقد مر أثره (قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قام رجل فقال: يا رسول الله أين المهل) بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام أي محل الحرام وميقاته لطواف الأنام (قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة) موضع معروف يقال له: بئر علي، (ويهل أهل نجد من قرن) بفتح القاف وسكون الراء.
والحديث رواه ابن جرير، وزاد ويهل أهلَّ عند العام (ويهل أهل العراق عن العقيق) وهو واد مشهور في طريق أهل الشرق، (ويهل أهل الشام،) وكذا
стр. 231
أهل مصر (من الجُحفة) بضم الجيم وسكون الحاء موضع دون الرابغ بشيء قليل، (ويهل أهل اليمن من يلملم) وهذه المواقيت المكانية معروفة عند أهلها، والمراد هنَّ وما حاذاهُنَّ لأهلهنَّ، ومن مر بهن من غير أهلهن.
- ذكر إسناده عن ربيعة بن أبي عبيدة الرحمن
-ذكر إسناده عن ربيعة بن أبي عبيدة الرحمن تابعي جليل المرتبة وأحد فقهاء المدينة، سمع أنس بن مالك والسائب بن يزيد وروى عنه الثوري ومالك بن أنس، مات سنة ثلاثين ومائة.
- سنة وفاته ﵇ وأبي بكر وعمر
أبو حنيفة (عن الهيثم وربيعة) وروى عن كليهما، (وهما عن أنس أن رسول الله ﷺ قبض) أي روحه الشريف (وهو) أي والحال أنه (ابن ثلاث وستين) كما مر، وقبض كلٌ من أبي بكر وعمر وهو ابن ثلاث وستين)، وفيه إيماء إلى كمال موافقة الشيخين له ﵊ حتى في عدد الأيام كما جرت به الأقلام.
وأما عثمان فقيل: وهو ابن ست وثمانين
وأما علي فاختلف في سنة وفاته والأصح أنه قتل وله من العمر ثلاث وستون، فَلعَلَّهُ لم يذكر لكونه حياً إذ ذاك أو لاختلاف وقع هناك.
وبه (عن ربيعة عن أبي البيلماني قال: قتل النبي ﷺ مسلماً بمعاهد) بكسر
стр. 232
الهاء وفتحها أي ذمي يهودي، أو نصراني (فقال): أي النبي ﵊ (أنا أحق من وفّى بذمته) أي عهده في قصاص رقبته أو أخذ ديته، وفيه إشارة إلى الفرق بين المستأمن والذمي، وإن كان لفظ المعاهد يشملها ولذا قال أبو حنيفة: يقتل المسلم بالذمي لا بالمستأمن وقال الشافعي وأحمد: إذا قتل مسلم ذمياً أو معاهداً لا يقتل به.
وقال مالك كذلك، إلا أنه استثنى فقال: إن قتل مسلم ذمياً أو معاهداً أو مستأمناً غيلة قتله حتماً ولا يجوز للولي العفو لأنه تملك قتله بالافتئات على الإمام، وأما الكافر إذا قتل مسلماً قتل به اتفاقاً.
- ذكر إسناده عن عبد الرحمن
- كل مولود يولد على الفطرة
ذكر إسناده عن عبد الرحمن ﵁ أبو حنيفة (عن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: كل مولود) أي من بني آدم (يولد على الفطرة) أي فطرة الإسلام من التوحيد والعرفان والمعنى أنه لو خلى وطبعه لما اختار إلا طريق الإيمان على وجه الإحسان لما جبل عليه من الطبع المتهيء لقبول الشرع فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها مائلاً إلى غيرها. وقيل معناه: كل مولود يولد على معرفة الله تعالى، والإقرار به، فلا تجد أحداً إلا وهو يقرّ بأن الله صانع، وإن سماه غير إلهاً، وهذا يوافق قول أبي حنيفة من أنه يجب على كل مكلف أن يعرف
стр. 233
الله بمجرد عقله مع عدم علمه ببعثه الرسل، كما هو مقرر في محله (فَأبَوَاه يُهوِّدانهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ) بتشديد الواو والصاد، أي يجعلانه يهودياً او نصرانياً والمعنى أنه يقلدهما وهم يصيران سبباً لكفره مع أنهما من أهل الكتاب.
وفي بعض الروايات زيادة "وَيُمَجِّسَانِهِ" أي يجعلانه مجوسياً كعبدة النار والأصنام وسائر طرق أرباب الحميات.
- أولاد الكفار
ولما كان الكفر الشرعي لا يعتبر إلا بعد البلوغ باختياره (قيل:) أي قال بعض الصحابة: (فَمَنْ مَاتَ صغيراً يا رسول الله) أي ما حكمه؟ هل يعد مؤمناً يدخل دار الثواب، أو كافراً يدخل دار العقاب؟ (قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)، وقد روى صدر الحديث أصحاب الكتب الستة وغيرهم، عن الأسود ابن سريع ولفظه: "كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفطرةِ حَتَّى يُعَبِّر عنْهُ لسانُهُ فأبواه يُهَوِّدانِهِ، أو يُنصِّرَانِه، أو يُمَجِّسانِهِ".
وفي رواية الشيخين، عن عائشة: "مَا مِنْ مَولُودٍ إلا يُوَلَدُ على الفِطْرَة فأبواه يُهودَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ".
وفي رواية لهما عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، أي الله أعلم، بما هم صائرون إليه من دخول الجنة أو النار.
стр. 234
وقد اختلف العلماء في ذلك.
فقيل: إنهم من أهل النار تبعاً للأبوين في العقبى، كما في حكم الدنيا، وقيل: من أهل الجنة نظراً إلى أصل الفطرة، وقيل: خدام أهل الجنة.
وبه ورد أحاديث في السنة، وقيل: من علم الله منه أنه يؤمن ويموت عليه إن عاش أدخله الجنة، ومن علم منه أنه يكفر أدخله النار.
وقيل بالتوقف لعدم القطع بشيء من أمرهم، وهو منسوب إلى أبي حنيفة، وقيل: عليه أكثر أهل السنة، وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في المرقاة شرح المشكاة.
- إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من أهل القبور
وبه (عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يَأتي عَلى النَّاس زَمَانٌ يختلفون) أي يَتَرَدَّدُونَ (إلى القُبُور) لما قيل: إذا تَحَيَّرتُم في الأُمُورِ فاستَعِينُوا من أهل القبور والمعنى: أنهم يزورونهم فيضعون بطونهم عليه أي على جنس القبر، (ويقولون: وددنا) بكسر الدال الأولى أي أحببنا (لو كنا) أي كل منا (صاحب القبر) أي نموت ونخلص من شر أهل العصر (قيل: يا رسول الله، وكيف يكون)؟ أي هذا الأمر بهذا القدر (قال: لشدة الزمان) أي لصعوبة المحن (وكثرة البلايا والفتن)، وهذا من إخبار الغيب الواقع في آخر الزمان.
стр. 235
وفي الصحيحين: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: ياليتني مكانه أي كنت ميتاً حتى أنجو من كثرة الكُرُبات ولا أرى ما أرى من تنوع البليات".
وقد روى الترمذي عن أنس مرفوعاً: "يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمرة".
وروى ابن عساكر عنه أيضاً: يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من شأنه، وفي رواية أحمد والبخاري والنسائي عنه أيضاً: "لا يأتي عليكم عام وَلاَ يَوْمٌ إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم".
- ذكر إسناده عن عبد الله بن دينار وأبي اسحاق
- جواب الأذان
-ذكر إسناده عن عبد الله بن دينار ﵁، وهو من التابعين الأخيار.
أبو حنيفة (عن عبد الله) أي ابن دينار (قال: سمعت ابن عمر يقول: كان النبي ﷺ إذا أذن المؤذن قال) أي النبي ﷺ (مثل ما يقول المؤذن) أي من التكبير والشهادتين والحيعلتين، وفي الروايات الكثيرة منها ما في صحيح مسلم، عن عمر أنه ﵊ كان يقول حينئذٍ: "لا حول ولا قوة إلا بالله".
وقد روى أحمد عن أبي رافع أنه ﵊ كان إذا سمع المؤذن قال مثل ما يقول، حتى إذا بلغ حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله".
стр. 236
وفي رواية أبي داود والحاكم، عن عائشة أنه ﵊ كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: أنا وأنا.
وفي رواية ابن السني عن معاوية، أنه ﵊ كان إذا سمع المؤذن قال: حيَّ على الفلاح قال: "اللهم اجعلنا من المفلحين".
- الوتر أول الليل
وبه (عن عبد الله عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الوتر) أي أداؤه (أول الليل) بالنصب أي في أوله (مسخطة الشيطان) بفتح الميم والخاء أي سبب سخطه وغضبه كدورته لأنه ييأس من قوته، وخص هذا إن لم يثق بالانتباه في آخر وقته وإلا فالتأخير أفضل، وثوابه أكمل، فقد ورد: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" وثبت أنه ﵊ كان يؤخر الوتر إلى آخر الليل (وأَكْلُ السَّحور) بفتح السين وقد يضم ما يتسحر به (مرضاة الرحمن) لأنه يتقوى على طاعته ويستعين به على عبادته، فكل ما يكون من لذات الدنيا معيناً على درجات العقبى، فهو سبب لرضاء المولى.
فقد روى أحمد عن أبي سعيد مرفوعاً: "السحور أكله بركة فلا تدعوه، ولو أن تجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين".
стр. 237
- بلال يؤذن بليل
وبه (عن عبد الله عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن بلال ينادي بليل) أي أثناء ليل من رمضان، وغيره (فكلوا واشربوا)، وكذا حُكْمُ الجِماع (حتى ينادي ابن أم مكتوم) لقوله تعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لكم الخيطُ الأبيضُ مِنَ الخَيْطِ الأسودِ مِنَ الفَجْرِ﴾ (١) والمراد به الفجر المعترض لا المستطيل، كما أشار إليه.
رواه أحمد بقوله: (فإنه يؤذن وقد حل الصلاة)، وإذا حلت الصلاة حرم الأكل والشرب والجماع على من أراد الصوم. الحديث بعينه رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي، عن ابن عمر بلفظ: "إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" وفي رواية لهم عن ابن مسعود بلفظ: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره، فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم وليتنبه نائمكم".
وبه (عن عبد الله عن ابن عمر أن رجلاً نادى رسول الله ﷺ وكأنه ناداه بحسن الأدب ومراعاة أمر الرب (والنبي ﷺ في منزله) جملة حالية (فقال:
стр. 238
لبيك) وهذا من غاية تواضعه ﵊ وتعليماً للأنام في معاشر الكلام (قد جئتك) عَبّر بالماضي عن الاستقبال مبالغةً في الامتثال، (فخرج إليه) في الحال نظراً إلى الوعد بالمقال، والحديث رواه ابن السني.
- عليكم بالأبكار
وبه (عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : انكحوا) بهمزة الوصل وكسر الكاف أي تزوجوا (الجواري) أي البنات الشابات أي الأبكار والصغار (فإنهن أنتج أرحاماً) أي أسرع ولادة، (وأطيب أفواهاً) أي أحسن مكالمة أو أعذب ملايمة، (وأعز أخلاقاً) أي في باب المعاشرة والمباشرة.
قد روى ابن ماجه والبيهقي، عن عويم بن ساعدة مرفوعاً: "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهاً وأنتق أرحاماً وأرضى باليسير"، أي من العمل كما في رواية.
وزيد في رواية: "وَأَقَلُّ خبّاً" أي خداعاً! وفي أخرى: "وأسخن أَقبالاً".
- طلب العافية
وبه (عن عبد الله عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ليس المؤمن) أي لا
стр. 239
ينبغي للمؤمن الكامل (أن يذل نفسه) أي يجعله ذليلاً فيما يكون على ضعف طاقته (قيل: يا رسول الله: وكيف يذل نفسه)؟ أي وكيف يتصور أن يذلها مع كل أحد يريد أن يعزها (قال: يعترض من البلاء ما لا يطيق) أي على تحمله بل ينبغي له أن يطلب العافية في الدين والدنيا والآخرة، فقد ورد: "ما سئل الله أحب إليه من أن يسأل العافية"، رواه الترمذي عن ابن عمر، وروى البزار عن أنس أنه ﵊ مرَّ بقوم مبتلين فقال: "أما كان هؤلاء يسألون الله العافية".
- عمامة سوداء
وبه (عن عبد الله، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على بعير أورق) في النهاية الأورق من الإبل ما فيه لون بياض إلى سواد، وهو ناقة القصواء (متقلداً بقوسٍ متعمماً بعمامة سوداء من وَبَر) بفتحتين أي صوف الإبل وقد صح عن جابر أنه ﵊ دخل مكة وعليه عمامة سوداء، وفي مسلم: "أنه ﵊ خطب الناس وعليه عمامة سوداء"، وكانت الخطبة عند باب الكعبة قال مالك: كما في رواية البخاري: ولم يكن رسول الله ﷺ في ما نرى يومئذٍ محرماً. ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر: دخل ﷺ يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام قلت: هذا الحكم الظاهر والأولى أن يقال: كان محرماً، ولبس بوجود العذر.
стр. 240
وقد اختلف العلماء هل يجب الإحرام على من دخل مكة، أم لا؟ والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب مطلقاً.
وفي رواية عن كل منهم لا يجب، واستثنى علماؤنا من كان داخل الميقات، فإنه لا يجب عليهم إلا إذا أراد أحد النسكين ولا يبعد أن يكون عدم إحرامه ﵊ حينئذٍ من خصائصه كقتاله والله أعلم.
- الأصل في الأشياء الإباحة
وبه (عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رجلاً قال: يا رسول الله ماذا يلبس) بفتح الموحدة، أي أي شيء يجوز أن يلبسه (المحرم من الثياب)، ولما كانت الإباحة هي الأصل في أكثرها يجوز استعمالها وإنما المنع عن بعضها وهو أقرب إلى ضبطه وأولى بحفظه (قال: لا يلبس) أي الرجل المحرم (القميص) أي وما في معناه من المخيط (ولا العمامة) بكسر العين، والمراد بها ههنا كل ما يغطي الرأس (ولا القبا) وكذا العباء إذا أدخل يديه في كميه وإلا فوضعهما على كتفيه مكروه وهذا كله إذا لبس القميص والقبا على المعتاد، وأما إذا قلبهما ولبسهما فلا بأس، (ولا السراويل) إلا إذا لم يجد شيئاً غيره ولم يمكن قبضه واتزاره فإنه (حينئذٍ) يلبسه.
стр. 241
واختلف في وجوب الدم عليه، وقد ورد: "من (إزار) فَليُلبِسُ السراويل" على ما أخرجه أحمد ومسلم، عن جابر، (ولا البُرنس) بضم الموحدة والنون قلنسوة طويلة أو كل ثوب ستر رأسه منه دراعة كانت أو جبة أو مطراً، (ولا ثوباً مسه ورس) نوع طيب (أو زعفران) والمعنى: لا يلبس المحرم ذكراً أو أنثى ثوباً صبغ بهما ونحوهما إلا إذا كان أذهب ريح الطيب عنهما (ومن لم يكن له نعلين) أي من الرجال (فليلبس الخفين) إلا أنه لا يلبسهما على حالهما بل يغيرهما كما أشار إليه بقوله: (وليقطعهما أسفل من الكعبين) ليكونا على منوال النعلين.
والمراد بالكعب هنا وسط القدمين.
والحديث رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عمر.
وبه (عن عبد الله، عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يقول، بين الركن) أي اليماني (والحجر الأسود:) الذي هو في مقام الأسود الأسعد (اللهم إني أعوذ بك من الكفر) أي جَليِّهِ وَخَفِيِّهِ (والفقر) أي فقر القلب والاحتياج إلى غير الرب، (والذل) أي المذلة عند الخلق (والخزي) أي الفضيحة في الدنيا والآخرة.
- الحبة السوداء
وبه (عن عبد الله، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ جعل الشفاء) أي
стр. 242
خلق الله الدواء لجميع الداء في أربعة من الأشياء (في الحبة السوداء) فقد ورد: "الحبة السوداء فيها شفاء من كل داء إلا الموت" على ما رواه أبو نعيم في الطب عن بريدة (والحجامة) بكسر الحاء، فقد ورد "الحجامة تنفع من كل داء ألا فاحتجموا" كما رواه الديلمي، عن أبي هريرة، (والعسل) فقد قال تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (١) (وماء السماء) أي المطر المسمى في القرآن ماءً مباركاً وماء طهوراً.
- المسح على الخفين
وبه (عن عبد الله عن ابن عمر رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين في السفر)، ولا ينافي ما رواه غيره أنه ﵊ يمسح عليهما في الحضر (ولم يوقت) بتشديد القاف المكسورة، أي لم يعيِّن وقت المسحة، وأخذ بظاهره الإمام مالك، لكن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ففي صحيح مسلم عن علي ﵁: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم.
- إسفار الصبُح
وبه (عن عبد الله عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : أسفروا (٢) بالصبح، فإنه
стр. 243
أعظم للثواب) ورواه الطبراني والشافعي، وعبد بن حميد والدارمي، عن رافع بن خديج ولفظه: "أسفروا بصلاة الصبح، فإنه أعظم للأجر" وفي رواية عنه: "أسفروا بالصبح فإنه أعظم للأجر" وفي رواية الترمذي وابن حبان عنه بلفظ: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وفي رواية الطياليسي عنه: "أسفروا بصلاة الصبح حتى يرى القوم مواقع نبلهم".
وجاء في طرق: "ما أسفرتم بالفجر، فإنه أعظم للأجر"، وهذه الأحاديث من جملة أدلة إمامنا الأعظم، وقد خالفه الشافعي، والله سبحانه بحقيقته أعلم.
- ليس منا من غش في البيع والشراء
وبه (عن عبد الله عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: ليس منا) أي من طريقتنا أو من جماعتنا أو من الكمل في أمتنا (من غش في البيع والشراء)، وكذا في غيرهما من الأشياء.
وقد روى أحمد وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم عن أبي هريرة: "ليس منا من غش".
وفي رواية الترمذي: "من غش فليس منا"، وفي رواية الطبراني وأبي نعيم في الحلية، عن ابن مسعود: "من غشنا فليس منا"، وفي أكثر طرقه أن ذلك بسبب طعام رآه النبي ﷺ في السوق مبتلاً داخله، كما أخرجه الشيخان، عن أبي هريرة، وأشار إليه في الحديث الأصل بقوله في البيع والشراء إيماء إلى أنه سبب الورود، وإلا فالغش مطلقاً مذموم.
стр. 244
- ذكر إسناده عن أبي إسحاق
-ذكر إسناده عن أبي إسحاق عمر بن عبد الله سبيعي ﵁ بفتح السِّين وكسر الموحدة وهو الهمداني الكوفي، رأى علياً وابن عباس وغيرهما من الصحابة وسمع البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، روى عنه الأعمش وشعبة والثوري وهو تابعي مشهور كثير الرواية، ولد لسنتين من خلافة عثمان ومات سنة تسع وعشرين ومائة.
أبو حنيفة (عن أبي إسحاق) أي المذكور (عن الأسود) راوي المشهور، (عن الشعبي، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يصيب من أهله) أي يجامع بعض نسائه (من أول الليل) أي في أوائله (فينام) أي أحياناً (ولا يصيب ماء) أي والحال أنه لا يغتسل، (بل ولا يتوضأ) كما سبق، وقد روى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن عائشة أنه ﵊ كان ينام وهو جنب، ولا يمس ماء (فإذا استيقظ من أخر الليل عاد) أي إلى الجماع ثانياً، واغتسل (أو اغتسل) من غير عودة إلى الجماع الآخر، وهذا بناء على الرخصة للأمة حالة الكسالة وإلا فالأفضل أن يغتسل أو يتوضأ أو يتيمم كما تقدم على ما عرف من أكثر أحواله ﷺ .
- جمع صلاتين في مزدلفة
وبه (عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن يزيد الحطمي، عن أبي أيوب) وهو
стр. 245
خالد بن زيد الأنصاري الخزرجي، وكان مع علي بن أبي طالب في حروبه كلها، ومات بالقُسطنطينية مرابطاً سنة إحدى وخمسين ودفن قريباً من سورها يزار ويتبارك به.
روى عنه جماعة (أن رسول الله ﷺ صلى المغرب والعشاء) أي جمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير للنسك وللسفر عند الشافعي ومن تبعه (بجمع) أي مزدلفة في حجة الوداع (بأذان وإقامة واحدة)، ورواه ابن أبي شيبة.
حدثنا حاتم بن اسماعيل، عن جعفر بن محمد عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله ﷺ صلى المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامة واحدة، ولم يسبح بينهما لكنه متن غريب.
والذي في حديث جابر الطويل الثابت في صحيح مسلم وغيره وإنه صلاهما بأذان وإقامتين.
وعند البخاري عن ابن عمر أيضاً قال: جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على أثر واحد منهما.
ويؤيد الأول ما رواه أبو الشيخ عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة وهو ظاهر المذهب ومختار المتون.
واختار ابن الهمام أداءهما بإقامتين والله أعلم.
وبه (عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة) بضم الضاد المعجمة وضم الميم (قال: سألت علياً كرم الله وجهه عن صلاة العشاء، والوتر أحق هو) أي
стр. 246
ثابت أو واجب هو، (فقال: أما كحق الصلاة) أي كثبوت الصلاة المكتوبة ووجوب المفروضة (فلا) لأنه لم يثبت بدليل قطعي ليكون فرضاً جزماً بل ثبت بدليل ظني كما أشار إليه بقوله، (ولكن سنة رسول الله ﷺ أي، ولكن حق يثبت بقوله ﵊ وبفعله على المواظبة في الأيام (فلا ينبغي لأحدٍ) أي من الأنام (أن يتركه) فإنه فرض عملي لا اعتقادي.
وقد ورد الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا، رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن بريدة.
ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني، والحاكم عن خارجة بن حذافة مرفوعاً: "إن الله تعالى قد أَمَدَّكم بصلاةٍ هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر جعلها الله تعالى لكم بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر" وفي رواية الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة: "إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر".
وبه (عن أبي إسحاق عن البراء، عن النبي ﷺ كَانَ يُعَلِّمُنَا التشهد) وهو التحياتُ لله الخ ...
وقد روي بألفاظ مختلفة عنه، وعن غيره كما ذكر بعضها في الحصن الحصين وشرحنا في الحرز الثمين (كما يعلم السورة من القرآن) أي اهتماماً بشأنه في معرض البيان.
وقد صح نحوه عن ابن مسعود فيما رواه أَصْحَاب الكتب السِّتَّة.
стр. 247
- لعن آكل الربا
وبه (عن أبي إسحاق عن الحارث) الظاهر أنه عبد الله الأعور (١) الحازي الهمداني ممن اشتهر بصحبة علي بن أبي طالب ويقال: إنه سمع منه أربعة أحاديث، وروى عن ابن مسعود عنه عمرو بن مرة والشعبي قال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال ابن داود: كان أفقه الناس وأفرض الناس وأحسب الناس، مات بالكوفة سنة خمس وستين.
(عن علي ﵁ قال: لعن رسول الله عليه ﷺ آكل الربا) أي آخذَهُ وطاعمه، (وموكله) أي معطيه (ومطعمه)، وفي معناه كل من تسبب في تصرفه ففي الطبراني، عن ابن مسعود مرفوعاً: "لعن الله الربا وآكله وشاهده وهم يعلمون".
- إخراج التصاوير والكلب من البيت
وبه (عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي كرم الله وجهه أنه كان) أي الشأن علق بصيغة المجهول (في بيت رسول الله ﷺ أي على بابه، أو على
стр. 248
بعض جدرانه (ستر) بكسر أوله وهو ما يستر به (فيه تماثيل) أي صور حيوانية، (فأبطأ جبرائيل ﵇ أي في نزوله المعتاد إليه ﷺ (ثم أتاه) أي نزل لديه (فقال): أي النبي ﷺ : (وما أبطأك عني) أي أيّ شيء عوّقك مني (قال: إنا) أي نحن معشر الملائكة المقربين وهو بالكسر استئناف فيه معنى التعليل (لا ندخل بيتاً فيه كلب، ولا تماثيل) أي جنس تصاوير، وقد اجتمعنا في بيتك من غير علمك (فابسط الستر) أي فافرشْه وامتهِنْه (ولا تعلِّقْه) ولا تعظمه، (واقطع) رأس التماثيل، وفي معنى القطع محوها (وأخرج) من بيتك (هذا الجرو) بكسر الجيم وسكون الراء وهو ولد الكلب كان للحسن أو الحسين ويلعب به مربوطاً في قائمة السرير في بيت أم سلمة.
وعن علي أن جبرائيل أتى النبي ﷺ ، ثم رجع فقال: "لم سلمت؛ ثم رفعت؟ فقال: إني لا أدخل بيتاً فيه صورة ولا كلب" رواه مسدد وغيره.
وقد روى أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن أبي طلحة مرفوعاً: "لا تَدْخُلُ الملائِكَةُ بَيْتَاً فِيْهِ كلبٌ، ولا صُوْرَةٌ".
وبه (عن أبي إسحاق عن البراء قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الحمر الأهلية) أي الإنسية احتراز عن الوحشية، وقد سبق الكلام عليه وما يتعلق به من القضية.
стр. 249
- ما بال قوم يلعبون بحدود الله
وبه (عن أبي إسحاق، عن ابي بُرْدَةَ، عن أبيه) وقد تقدم ترجمتها (قال: قال رسول الله ﷺ : ما بال قوم يَلْعَبونَ بِحُدُودِ الله؟) أي بحدوده ودينه وقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودِ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ (١) (ويقولون:) أي كل واحد منهم لامرأته (قد طلقتك) أي أولاً (قد راجعتك) أي ثانياً والمعنى أنهم لا يعلمون حدود الله في عدد الطلاق ومراعاة صفته من الرجعى، والبائن الكبرى والصغرى، وما يترتب على كل واحد من الأمور الشرعية والمسائل الفرعية وذلك كثير في البلاد المصرية في تعليقاتهم العرفية.
- ذكر إسناده عن عبد الملك بن عمير
-ذكر إسناده عن عبد الملك بن عمير ﵁. بالتصغير الكوفي الفُرسي المنسوب إلى الفرس كان على قضاء الكوفة بعد الشعبي، وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم، وروى عن جندب بن عبد الله وجابر بن سمرة، وعنه الثوري وشعبة، مات سنة ست وثلاثين ومائة.
- لا يقتل الصغار
أبو حنيفة (عن اسماعيل بن حماد وأبيه والقاسم بن معن) بفتح فسكون (وعبد
стр. 250
الملك)، أي روى عن الأربعة كلهم (عن عطية القرظي) بضم القاف، وفتح الراء وكسر الظاء المعجمة، وهو من سَبي بني قريظة قال ابن عبد البَرِّ: لم أقف على اسم أبيه، رأى النبي ﷺ ، وسمع منه، وروى عنه مجاهد وغيره.
(قال: عرضنا) بصيغة المجهول أي عرضنا نحن أسارى بني قريظة (على رسول الله ﷺ يوم قريظة) أي يوم فتحهم وهم قبيلة من اليهود كانوا ساكنين حول المدينة، وخالفوا فيما خالفوا فأمر بقتل كبارهم وسبي صغارهم (فمن أنبت) أي الشعر على عانته، وهو إحدى علامات البلوغ (قتل) لأنه يعد من المقاتلة (ومن لم، اسُتحيي) بصيغة المجهول أي استبقي ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُوُنَ نِساءَكُمْ﴾ (١)
(وفي رواية قال:) أي عطية (عرضت على النبي ﷺ فقال: انظروا) أي تأملوا وأبصروا (فإن كان) أي الأسير جنسه أو عطية بخصوصه (أنبت فاضربوا عنقه وإلا فلا فوجدوني ما أنبت فَخُلِّي سبيلي) بصيغة المجهول أي فتركوا قتلي.
(وفي رواية: كنت من سبي قريظة) أي من جملتهم (فعرضوني) أي على النبي ﷺ (ونظروا في عانتي فوجدوني لم أنبت فألحقوني بالسبي) من النساء والصغار.