أي أحضرناه عند علي، (ونحن ننهى) أي نضرب وندق عنقه في طريقه، (فوجدنا علياً في الرحبة) بفتح الحاء وسكون أي رحبة مسجد الكوفة وهو ساحته وصنعة الموضع للطهارة والحكومة وأمثالها (مستلقياً على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى) ثبت أنه ﵊ استلقى على هذه الهيئة وجاء عنه أيضاً أنه نهى عنها وجمع بينهما أن النهي هو الذي يتوهم معه كشف بعض العورة (فسأله) أي علي (عن الكلام) أي الذي (نكلم به فتكلم به، فقال: أترويه عن الله) أي وحياً بادعاء النبوة أو إلهاماً بادعاء الولاية (أو عن كتابه) تصريحاً أو تلويحاً، (أو عن رسوله) بواسطة، أو بغيرها فإن طرق العلم منحصرة فيها (فقال: لا) أي لا رواية عن شيء من ذلك (قال: فعن ما) أي فعن من تروي؟ (قال: عن نفسي) أي من تلقاء نفسي، ومن جهة عقلي، (قال: أما) للتنبيه أنك (لو رويت عن الله ﵎ أي بدعوى الوحي، أو الإلهام، (أو عن كتابه) أي بالزيادة عليه أو بتأويل لديه، (أو عن رسوله) بالافتراء عليه، (ضربت عنقك) أما سياسته أو لارتدادك، (ولو رويته عني أوجعتك عقوبة) أي تعزيراً (فكنت كاذباً) أي مردود الشهادة (ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: بين يدي الساعة ثلاثون كذاباً) أي دجالون، (وأنت منهم) هذا من كلام علي خطاباً له، فهذا من علامات النبوة في أشراط الساعة.
والحديث المرفوع رواه أحمد ومسلم عن جابر بن سمرة ولفظه: إن بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم.
(وفي رواية عن أبي جلاس قال: كنت فيمن) أي في جملة من (سمع
стр. 457
من عبد الله الشيباني كلاماً عظيماً فأتينا به علياً، فوجدناه في الرحبة مستلقياً على ظهره واضعاً إحدى رجليه على الأخرى فسأله عن الكلام) أي عن كلام ذلك؛ (فتكلم) أي وفق ما هنالك (فقال: أترويه عن الله، أو عن كتابه، أو عن رسوله) ضربت عنقك إلى أن (قال: لا. قال: فعن من ترويه؟ قال: عن نفسي، قال: أما إنك لو رويت عن الله؛ أو عن كتابه، أو عن رسوله ضربت عنقك، ولو رويت عني أوجعتك عقوبة، فكنت كاذباً، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين يدي الساعة ثلاثون كذاباً فأنت منهم").
وبه (عن الحارث عن أبي صالح) سبق أنه ذكوان السمان الزيات المدني تابعي جليل مشهور كثير الرواية واسع الدراية (عن أم هانىء) بكسر النون بعدها همزة أخت علي بن أبي طالب (أن النبي ﷺ يوم فتح مكة) أي عنوة أو صلحاً، ويؤيد الأول قوله: (وضع لأمته) بسكون الهمزة وتخفيف أي أدرعه، (ودعا بماء) أي فأتى به (فصبه)؛ أي فأفاضه عليه أي على بدنه جميعاً. والمعنى أنه اغتسل، (ثم
стр. 458
دعا بثوب واحد) أي فلبسه واكتفى به (فصلى فيه) أي ركعتين (زاد) أي أبو صالح (في رواية) أي عنها (متوشحاً) أي حال.
- حديث صلاة الضحى
(وفي رواية أن النبي ﷺ وضع لامته يوم فتح مكة، ثم دعا بماء فأتي به في جفنة) أي صحفة كبيرة (فيها خبز العجين) الظاهر أنه من مقلوب الكلام أي عجين الخبز، والمعنى فيها أثر عجين، وفيه دليل على أن الماء إذا اختلط بطاهر وتوضأ أي للتنظيف، أو لقصد الطواف ونحوه لم يضره إلا إذا أخرجه عن طبع الماء، (فاستتر بثوب فاغتسل ثم دعا بثوب فتوشح به، ثم صلى ركعتين). قال أبو حنيفة: (وهي الضحى) وهذه الصلاة صلاة الضحى، أو صلاته هي وقت الضحى، وإنما لم تحمل صلاته على شكر الوضوء فإنه ليس له صلاة على حدة كما حققه حجة الإسلام في الإحياء.
وروى الترمذي في شمائله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى إلا أم هانىء، فإنها حدثت أن رسول الله ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل فسبح ثماني ركعات، ما رأيت صلاته قط أخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود، وقد بسطت هذه المسألة في شرح الشمائل والعدد لا مفهوم له عند جميع أرباب الفهم فلا يتوهم التنافي بين ركعتين، وبين غيرهما.
(وفي رواية أن النبي ﷺ وضع يوم فتح مكة لامته، ودعا بماء فأتي به في جفنة
стр. 459
وفيها أثر عجين، فاغتسل) أي بالماء الذي فيه، (وصلى أربعاً أو ركعتين في ثوب واحد متوشحاً) يحتمل أن يكون كل منها قيداً واقعياً ويحتمل احترازياً فيه أن باقي صلاته كان بهيئة أخرى، أو في ثوبين.
(وبه عن أبي هند عن عامر) أي الشعبي أنه كان (يحدث عن مغازي رسول الله ﷺ أي صفات غزواته ﷺ في حلقة بفتح الحاء واللام وتسكن (فيها ابن عمر) أي في داخلها أو قريباً منها (فقال ابن عمر: أنه) أي عامر (يحدث حديثاً) أي ثابتاً حديثاً صحيحاً (كأنه شهد القوم) أي حضرهم حال رحالهم وقتالهم وسائر أفعالهم وعرف رجالهم وبقية أحوالهم.
- الشك في الإيمان كفر
وبه (عن الحارث عن أبي مسلم الخولاني) وهو عبد الله بن الشوب الزاهد لقي أبا بكر وعمر ومعاذاً، روى عنه جماعة وله مناقب كثيرة، مات سنة اثنين وستين. وخولان بفتح المعجمة قبيلة باليمن (قال: لما نزل معاذ) أي ابن جبل (حمص) بكسر أوله اسم بلدة قريبة من دمشق الشام (أتاه رجل شاب فقال: ما ترى في رجل وصل الرحم وبرّ) أي وأحسن إلى الناس (وصدق الحديث) بتخفيف الدال أي
стр. 460
وصدق في كلامه، ولم يكذب (وأدى الأمانة) أي من غير الخيانة (وعفف بطنه وفرجه) أي صار عفيفاً من جهة بطنه، حيث لم يأكل الحرام ومن جهة فرجه فاحترز من الزنا ونحوه (وعمل ما استطاع من خير من) طاعة فرضاً أو نفلاً (غير أنه شك في الله) أي في توحيد ذاته وما يتعلق بتحقيق بعض صفاته (ورسوله) أي في نبوته أو معجزاته أو عموم رسالاته (قال): أي معاذ (إنها) أي الريبة التي مرادف (الشك يحبط ما كان سعيها من الأعمال) أي التي شرط في صحتها الإيمان المتحقق في الحال والمآل (قال) أي الرجل السائل (فما ترى في رجل ركب المعاصي) أي ارتكبها (وسفك الدماء) أي فعل ما هو أقبحها (واستحل الفروج) أي فروج المحرمات (والأموال) أي أموال الناس، المعنى عامل فيها معاملة المستحل في مباشرتهما وإلا فالاستحلال الحقيقي كفر بلا شبهة فيها (غير أنه شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله مخلصاً) أي أتيا بالخلاص من الشك والريبة، وعن الرياء والسمعة، (قال معاذ: أرجو) أي له النجاة لإيمانه، (وأخاف عليه) أي من جهة عصيانه، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، (وهذا) أي الذي صدر عن معاذ من الجوابين هو المطابق لمذهب أهل السنة والجماعة في المسألتين (قال الفتى: والله إن كانت) أي الريبة هي التي (أحبطت ما معها من عمل) أي من طاعات (ما يضر هذه) أي الشهادة مع الإخلاص (ما عمل معها) أي من المنكرات، (ثم انصرف فقال معاذ: ما أزعم أن رجلاً أفقه بالسنة) أي بالشريعة
стр. 461
(من هذا) أي الفتى.
- مذهب المرجئة
وفيه إشكال لأن ظاهر كلام الفتى مذهب المرجئة القائلين بأن المعصية لا تضر مع الإيمان، كما أن الطاعة لا تنفع مع الكفر، وزعمهم أن الواحد من المكلفين إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفعل بعد ذلك سائر المعاصي لم يدخل النار أصلاً.
وتحقيق هذه المسألة بسطته في شرح الفقه الأكبر، وبينت فيه أن إمامنا هو الإمام الأعظم والهمام الأقدم من أهل السنة والجماعة فلا ينبغي أن يتوهم أن هذا الكلام من معاذ مرضي له، ومستحسن عنده.
ولعل تأويل كلام الفتى أن المعصية لا تضر ضرراً كلياً بحيث يبقى صاحبها في النار مخلداً ولا يدخل الجنة أبداً ولا بد من هذا التأويل في كلامه إذا لم يقل أحد من الصحابة بالإرجاء، بل أول من قال به الحسن بن محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب على ما ذكره الدلجي في شرح الشفاء هذا.
ووقع في الغنية (١) للقطب الرباني السيد عبد القادر الجيلاني أنه لما ذكر الفرق الضالة قال: وأما الحنفية ففرقة من المرجئة وهم أصحاب أبي حنيفة نعمان بن ثابت زعم أن الإيمان هو الإقرار والمعرفة بالله ورسوله وبما جاء من عنده جملة على ما ذكره البرقي هو في كتاب الشجرة انتهى، فقال بعض المحدثين: أدخل هذه الجملة في أثناء كلام الشيخ مع أن الإيمان هو المعرفة الناشىء عند التصديق سواء تكون تلك المعرفة صادرة عن الدليل والتصديق أو خارجة عن التحقيق، لكنها وقعت تقليداً لبعض أرباب التحقيق والتوفيق والاستدراك مقابلة لنعمة المعرفة بالله هو الجهل به، وينشأ عنه جميع أنواع الكفر ثم الإقرار بشرط أو شطر على خلاف بين علماء أهل السنة والجماعة، ولعل الشيخ لما كان معتقده أن الإيمان قول باللسان، ومعرفة بالجنان، وعمل بالأركان كما بينه في الغنية.
стр. 462
وقد رأى الإمام اقتصر على الأولين توهم أنه من المرجئة، وليس كذلك فإن العمل بالأركان هو من كمال الإيمان عند أهل السنة خلافاً للمعتزلة والخوارج، وجماعة من أهل البدعة، وإنما ذكرت هذا الكلام لأن غافلاً لا يطلع هذا المقام، فيحصل له الشبهة والريبة فيمن هو رئيس الفرقة الناجية، وأكثر أهل الإسلام تبع له في الأصول العلمية والفروع العملية المستفادة من القاعدة الشرعية والقواعد المرعية.
стр. 463
- إسناده عن يحيى بن عبد الله بن أبي ماجد.
إسناده عن يحيى بن عبد الله بن أبي ماجد أحد أكابر التابعين المعروفين.
- حد السكر
أبو حنيفة (عن يحيى عن ابن مسعود قال: أتاه رجل بابن أخ له) أي لذلك الرجل (نشوان) أي سكران وزنا ومعنى، (قد ذهب عقله) أي بسبب سكره وفي فتاوى قاضي خان قال أبو حنيفة: السكران من لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة، وقال صاحباه: إذا اختلط كلامه فصار غالب كلامه الهذيان فهو سكران، والفتوى على قولهم (وأمر به) أي بحبسه (فحبس) أي لأن يفيق ويدرك ألم الحد فيفيد في زجره عن عوده (حتى إذا أصح) أي دخل في الصحو وأفاق من السكر. إجماع الأئمة الأربعة على أنه لا يحد السكران حتى يزول عنه السكر تحصيلاً لمقصود الزجر (دعا) أي ابن مسعود (بالسوط)، ولعله كان أميراً أو مأموراً أو قاضياً حينئذٍ ولي القضاء بالكوفة، وثبت بأنها لعمر وصدراً من خلافة عثمان، ثم صار في المدينة فمات بها ودفن بالبقيع (فقطع ثمرته) أي قطع ثمرة السوط، وهي عقدة فدقت بين حجرين حتى يلين، فعن أبي عثمان النهدي قال: أتي عمر برجل في حد فأمر بسوط فجيء بسوط فيه شدة، فقال: أريد اللين من هذا فأتي بسوط فيه لين
стр. 464
فقال: أريد أشد من هذا فأريد بسوط بين السوطين، (فقال: اضرب به، ثم رقه ودعا جلاداً) بيان لما قبله (فقال) ابن مسعود: (اجلده) أي اضربه (على جلده) بالكسر أي بشرته مكشوفة، (وارفع يدك في جلدك) بالفتح أي في ضربك على جلده (ولا تبد) بضم أوله من الإبداء أي ولا تظهر (ضبعيك) بفتح أوله أي إبطيك والمعنى ارفع يدك رفعاً متوسطاً قال: أي الراوي، (وأنشأ) أي شرع (عبد الله) هو ابن مسعود يعد أي يحسب ضرب سوطه (حتى أكمل ثمانين جلدة فخلى سبيله) أي ترك حتى رام في طريقه، (فقال الشيخ) أي الرجل الذي أتى بابن أخيه: يا (أبا عبد الرحمن) خطاباً لابن مسعود، والله (إنه لابن أخي) أي حقيقة وأخي قد مات، (ومالي ولد غيره قال): أي ابن مسعود (بئس العم والي اليتيم أنت) مخصوص بالذم، (كنت) أي قبل ذلك، (والله ما أحسنت أدبه صغيراً، ولا سترته كبيراً) والمعنى أن الواجب كان عليك أن تؤدب بالعلم والعمل ليطلع صالحاً، والغالب أنك لو أدبته صغيراً ما كان يفسق كبيراً، ثم لما قدر أنه ارتكب حداً من حدود الله التي يتعلق بها حقوق العباد كان اللائق بك أن تستره، ولم يأت به الأمير أن يزجره.
- حد السارق
(قال): أي الراوي وهو يجيء (ثم أنشأ) أي شرع ابن مسعود (يحدثنا) أي أحاديث تناسب المقام، (فقال: إن أول حد أقيم في الإسلام) أي كان (لسارق أتي به إلى النبي ﷺ فلما قامت عليه البينة) أي بشروطها البينة وقيودها المعينة،
стр. 465
(قال): أي النبي ﷺ (انطلقوا به اقطعوه) أي يمينه (فلما انطلق به) بصيغة المجهول والمعنى إذ ذهبوا به (نظر) بصيغة المجهول، والمعنى نظر بعض الصحابة (إلى وجه النبي ﷺ أي فرآه (كأنما سعى عليه) بصيغة المجهول من باب التفعيل (والله) قسم معترض (الرماد) نائب الفاعل يقال سعت الريح التراب تسعيه درته وحملته (فقال بعض جلسائه): أي من أصحابه الذين كانوا من خلصائه (يا رسول الله فكأن) بتشديد النون أي عسى (هذا) أي قطع هذا السارق (قد اشتد عليك) أي صعب وصار سبب الحزن لديك؟ (قال وما يمنعني أن لا يشتد علي أن تكونوا) أي كونكم (أعوان الشيطان) أي معاونه في غرضه الكاسد وهو اشتهار الفسق بالعمل الفاسد (على أخيكم) فيه دليل على أن المؤمن وإن سرق لا يخرج عن الإيمان، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج والمعتزلة، (قالوا فلولا خليت سبيله) أي فهلا تركته بلا قطع (قال: أفلا كان هذا) أي تركه مغفوراً (قبل أن تأتوني به) أي فأما بعد أن تأتوني به، فلا (فإن الإمام إذا انتهى إليه حد) أي ثبت عنده، (فليس ينبغي له) أي لا يجوز له (أن يعطله) أي لم يقم بأمره لقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ (١) وقوله : ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ (٢) الآية (قال): أي ابن مسعود (ثم تلا) أي النبي ﷺ استشهاداً أو اعتضاداً إلى
стр. 466
ما سبق له في أن اللائق بهم فيما بينهم أن يتأثروا في حقوق الله تعالى، (﴿وليعفوا﴾) أي عن خصمائهم (﴿وليصفحوا﴾) أي أعرضوا عن تشنيع أفعالهم، وعن المعالجة في تشنيع أقوالهم، وأحوالهم (﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾) (١) وهذا إعراض، والمعنى أن كل من يحب أن يغفر الله له فليعف وليصفح عن أخيه المسلم ولذا لما نزلت الآية قال أبو بكر: بلى ورجع على مسطح بالإحسان والإكرام وعن ابن عمر قال: أتي رسول الله ﷺ بسارق، فلما نظر إليه تغير وجهه كأنما رُشَّ على وجهه حب الرمان فلما رأى القوم شدته قالوا: يا رسول الله لو علمنا مشقته عليك ما جئناك به، فقال: "كيف لا يشق علي وأنتم أعوان الشيطان على أخيكم" رواه الديلمي.
(وفي رواية عن ابن مسعود أن رجلاً أتي بابن أخ له سكران) أي على زعم الرجل، (فقال) ابن مسعود لأصحابه: (ترتروه) بكسر الفوقانية الثانية أمر من ترتروا السكران أي حركوه، وزعزعوه (ومزمزوه) أي حركوه تحريكاً عنيفاً (واستنكهوه) أي استنشموه هل يجد منه ريح الخمر أم لا (فترتروه) أي بمبالغة وغيرها، (واستنكهوه فوجدوا منه ريح شراب) أي خمر، (فأمر بحبسه فلما صحا) أي أفاق عن سكره، ورجع عقله إليه فضحوه، (دعا به) دعا بسوط فأمر به فقطعت ثمرته) بصيغة المجهول، (وذكر الحديث) أي السابق إلى آخره.
(وفي رواية عن ابن مسعود قال: إن أول حد أقيم في الإسلام أن رسول الله ﷺ
стр. 467
أتي بسارق فأمر به فقطعت يده، فلما انطلق به نظر) أي نظروا إلى رسول الله ﷺ (كأنما يسقى) أي يذر في (وجهه الرماد) أي من كثرة الحزن المؤثر في الفؤاد (فقال): أي قائل (يا رسول الله كأنه شق عليك فقال: "ألا يشق علي أن تكونوا أعواناً للشيطان على أخيكم" أي على إيصال ضرره وإرادة شره (قالوا أفلا ندعه؟) بالنون أو بتاء الخطاب أي نتركه (قال: "أفلا كان هذا قبل أن يؤتى به فإن الإمام إذا رفع إليه الحد، فليس ينبغي له أن يدعه") أي يتركه (حتى يمضيه) بضم أوله أي يقضيه، (ثم تلا: ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾ إلى آخر الآية) أي المتقدمة.
وفي الجامع الكبير لشيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي عن أبي ماجد الحنفي أتاه رجل بابن أخ له، وهو سكران فقال: ترتروه ومزمزوه، واستنكهوه فوجدوا منه ريح شراب فأمر به عبد الله إلى السجن ثم أخرجه من الغد، ثم أمر بسوط فدقت ثمرته حتى افتت له، فخففه يعني صار خفيفاً، ثم قال للجلاد اضرب وارجع يديك، وأعط كل عضو حقه، فضربه ضرباً غير مبرح، وارجعه قيل: يا أبا ماجد ما المبرح؟ قال: ضرب الأمراء، قيل: فما قوله: ارجع يديك قال: لا يتمطى، ولا يرى إبطه قال: فأقامه في قباء وسراويل، ثم قال: بئس العم والله ولي اليتيم هذا ما أدبت، فأحسنت الأدب، ولا سترته الخزية.
ثم قال عبد الله: إن الله عفو يحب العفو، وأن لا ينبغي لوالٍ أن يؤتي حداً إلاَّ أقامه، ثم أنشأ عبد الله يحدث قال: أول حد أقيم في الإسلام رجل قطع من المسلمين، رجل من الأنصار أتي به رسول الله ﷺ ، فكأنما سعّي في وجه رسول الله ﷺ رماد يعني ذُر عليه رماد
стр. 468
فقالوا: يا رسول الله كأن هذا أشق عليك؟ فقال النبي ﷺ : وما يمنعني وأنتم أعوان الشيطان على صاحبكم، إن الله عفو يحب العفو، وإنه لا ينبغي لوالٍ أن يؤتى بحد إلا أقامه، ثم قرأ ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾.
رواه عبد الرزاق، وابن أبي الدينار في ذم الغصب، وابن أبي حاتم والخرائطي في مكارم الأخلاق، والطبراني وابن مردويه والحاكم وغيره.
قال ابن الهمام: فعن عبد الرزاق حدثنا سفيان الثوري عن يحيى بن عبد الله التيمي الجابري عن أبي ماجد الحنفي، قال: جاء رجل بابن أخ له سكران إلى عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله: ترتروه، ومزمزوه، واستنكهوه ففعلوا ذلك، فرفعه إلى السجن، ثم عاد به من الغد، فدعا بسوط، ثم أمر به، فدقت ثمرته بين حجرين حتى صارت درة، ثم قال للجلاد: اجلد وارجع يدك؛ وأعط كل عضو حقه.
ومن طريق عبد الرزاق، رواه الطبراني، ورواه إسحاق بن راهويه، أخبرنا جزء بن عبد الحميد، عن يحيى بن عبد الجابرية انتهى. وفي القاموس الدرة الذي يضرب بها انتهى لا يخفى أنه تعريف قاصر.
- إسناده عن مسلم بن أبي عمران وآخرين
- حرمة الشطرنج
إسناده عن مسلم بن أبي عمران أحد مشايخ الحديث.
أبو حنيفة، (عن مسلم، عن سعيد بن جبير) تقدم أنه من أجل التابعين، (عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "إن الله يكره لكم) أي حرم عليكم (الخمر) أي شربها واستعمالها، (والميسرة) أي المقامرة بأنواعها وأحوالها (والمزمار) أي جميع أعمالها، (والكوبة) بضم الكاف، وهى النرد والشطرنج (والبربط) وهو العود يعني آلة الغناء (والفهر") وهو بالتحريك والفتح أن يجامع امرأته وجاريته وفي البيت الأخرى تسمع حسه، قيل أن يجامعها ولا ينزل معها ثم ينتقل الى أخرى فينزل فيها.
стр. 469
- دعاء وقت العيادة
(وبه عن مسلم عن إبراهيم النخعي، عن مسروق، عن عائشة قالت: لقد كان رسول الله ﷺ إذا أتى بمريض يدعو له بقوله: أذهب البأس) بالهمزة الساكنة وتبدل ألفاً والمراد به الشدة (رب الناس) بحذف حرف النداء (أشف) أي صاحب هذا الداء (أنت الشافي) أي حقيقة (لا شفاء إلا شفاءك شفاء) مفعول مطلق لقوله أشف أي شفاء كاملاً مطلقاً شاملاً (لايغادر) أي لا يترك (سقماً) بضم، فسكون وبفتحتين أي مرضاً دائماً والحديث رواه البخاري ومسلم والنسائي.
عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعود بعض أهله فيمسح بيده اليمنى، ويقول: اللهم رب الناس أذهب البأس اشفه أنت الشافي لا شفاء إلا شفاءك شفاء لا يغادر سقماً.
- إسناده عن معن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود
إسناده عن معن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ﵁ هو من أكابر التابعين.
أبو حنيفة (عن معن عن ابن مسعود قال ما كذبتُ مذ أسلمت إلا كذبة واحدة كنت أرحل للنبي ﷺ فأتى رحال من الطائف فسألني) أي الرحال (أي الراحلة أحب إلى رسول الله ﷺ فقلت طائفية المكية وكان يكرهها رسول الله ﷺ فلما أُتِيَ بها) أي
стр. 470
جيء بالراحلة (قال: من رحل لنا هذا؟ قالوا: رحالك) أي الجديد (قال: مروا ابن أم عبد) أي ابن مسعود (فليرحل لنا فأعيدت إلى الراحلة) أي فأعدت رحلها وقد تقدم هذا الحديث بعينه إلا أنه بإسناد آخر.
(وفي رواية قال عبد الله أن النبي ﷺ جيء برحال من أهل الطائف قال): أي عبد الله، (فجاءني الطائفي فقال: أي الراحلة أحب إلى رسول الله، قلت: الطائفية المكية، فخرج) أي النبي ﷺ ، (ورأى الراحلة) على صفة يكرهها (فقال: من صاحب هذه الراحلة؟ قيل الطائفي قال: لا حاجة لنا بها).
- اشتروا متوكلاً على الله
اشتروا متوكلاً على الله: - (وبه عن ابن مسعود) أي مرفوعاً (قال: اشتروا) أي بالنسيئة (متكلاً على الله) لا على ما سواه، فإن من توكل عليه كفاه، (قالوا: كيف ذلك) أي الأمر هنالك يا رسول الله (قال: تقولون بعنا) أي اشترينا مع أن البيع لفظ مشترك كالشراء يستعمل كل في معنى الآخر والمعنى لا تبايعوا حال كونكم تقولون (إلى مقاسمنا) أي مقاسم أرزاقنا (ومغانمنا) أي أوقات قسمة غنائمنا، فإن هذا أمر مبهم لا يعرف أحد أنه يصل إليها أم لا وإذا وصلت إليه لا تدري أيضاً أن تقدر على قضاء دينه منها أم لا فينبغي أن يكون الاعتماد على الله تعالى لا على ما سواه وهو
стр. 471
لا ينافي الأجل المقدر فتدبر كما أن أخذ الزاد في السفر لا ينافي التوكل على صاحب القضاء والقدر.
- اتقوا مخاش النساء
(وبه عن معن قال: وجدت بخط أبي عوف، عن عبد الله بن مسعود قال: نهينا) أي بالكتاب أو السنة (أن نأتي النساء) ولو حال حيضهن (في مخاشهن) بفتح الميم وتشديد الشين المعجمة أي أدبارهن أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ (١) والفرج هو موضع الحرث يعني زراعة الولد لا الدبر إنه موضع الفرث وقد ورد اتقوا مخاش النساء رواه سمويه وابن عدي، عن جابر وروى أحمد وأبو داود، عن أبي هريرة: ملعون من أتى امرأة في دبرها.
- إسناده عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود
إسناده عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عبد الله هذا ابن أخي عبد الله ابن مسعود الهذلي، مدني الأصل، سكن الكوفة أدرك زمن النبي ﷺ ، وهو من كبار التابعين بالكوفة، سمع عمر بن الخطاب وغيره.
روى عنه ابنه عبد الله ومحمد بن سيرين وغيرهما مات في ولاية بشر بن مروان بالكوفة.
- فخر عائشة الصديقة
(أبو حنيفة (عن عون، عن عامر الشعبي، عن عائشة قالت: فيّ) أي توجد
стр. 472
في ذاتي وصفاتي (سبع خصال) أي حميدة (ليست) كل واحدة منها (في واحدة من أزواج رسول الله ﷺ تزوجني وأنا بكر، ولم يتزوج أحداً من نسائه بكراً غيري) ومن المعلومات أن البكر أحب من الثيب عقلاً ونقلاً، فقد وردها بكراً.
- تزوج رسول الله ﷺ عائشة ﵂ بمكة في شوال
وقد تزوجها ﵊ بمكة في شوال سنة عشرة من النبوة، وقبل الهجرة بثلاث ولها ست سنين، وأعرس بها في المدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمان عشر شهراً ولها تسع سنين، وصداقها فيما قال ابن إسحاق: أربعمائة درهم.
وفي الصحيحين عنها أنها قالت تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست سنين وأسلموني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين، انتهى، وكان مدة مقامها معه ﵊ أيضاً تسع سنين، (ونزل جبريل ﵇ بصورتي) أي إليه قبل أن تزوجني، (ولم ينزل بصورة أحد من نسائه غيري) ففي الترمذي أن جبريل جاءه ﵇ بصورتها في خرقة حرير خضراء، وقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة.
وفي رواية عنه قال جبريل: إن الله قد زوجك بابنة أبي بكر، ومعه صورتها وفي الصحيحين أنه ﵊ قال لها: رأيتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في خرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك فاكشف عن وجهها فأقول: إن يك من عند الله يمضيه، والخرقة بفتحتين شقة الحرير أو، والبيضاء (وأراني) أي النبي ﷺ (جبريل ولم يره) بضم أوله (أحداً من أزواجه غيري) وهذا يشكل بما
стр. 473
ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب، عن ابن إسحاق قال: حدثني إسماعيل بن أبي حكيم أنه بلغه عن خديجة أنها قالت لرسول الله ﷺ : يا بن عم أتستطيع أن تخبرني لصاحبك إذا جاء يعني جبريل ﵇ فلما جاءه قال يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني فقالت له: قم يا ابن عم، فاقعد على فخذي اليمنى ففعل فقالت له: هل تراه؟ قال: نعم، قالت فتحول إلى اليسرى، ففعل، فقالت هل تراه؟.
فقال: نعم، قالت: فاجلس في حجري، ففعل، قالت: هل تراه؟ قال نعم.
قال: فألقت خماراً وحسرت عن صدرها، فقالت له: هل تراه؟ قال: لا.
قالت: أبشر فإنه والله ملك وليس بشيطان انتهى.
وفيه أنه لا يلزم من قوله يا خديجة هذا جبريل أنها رأته، وعلى تقدير التسليم بما يقول يلزم أرادت عائشة رؤيته بعد البيعة بالرسالة، وأما قضية خديجة، فكانت أيام النبوة هذا. وقد روى الشيخان والترمذي، والنسائي وابن ماجه، عن عائشة: يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام.
لكن في صحيح مسلم أتاني جبريل، فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك ومعها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي قد أتتك فاقرأ ﵍ من ربها.
ومن الحديث (وكنت من أحبهن إليه نفساً وأباً). ففي الصحيحين: أحب النساء إليَّ عائشة، ومن الرجال أبوها، ولا يبعد أن يقيد الأزواج بما عدا خديجة إذا أرادت من حيث المجموع في النيتين (ونزل فيّ) أي في براءتي (آيات من القرآن) وهي في أوائل سورة
стр. 474
النور من قوله سبحانه: ﴿إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم﴾ (١) إلى قوله ﴿أولئك مُبَرَّأون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم﴾ (٢) (كاد يهلك) أي يكفر (فئام) أي جماعات (من الناس) أي رجالاً ونساء، (ومات) أي النبي ﷺ (في ليلتي ويومي) أي في نوبتي وبيتي! (وتوفي بين سحري ونحري) بفتح فسكون فيهما، والسحر الروية والنحر الصدر. والمعنى مات وهو مستند إلى صدرها، وما يحاذي سحرها منه.
(وفي رواية أنها قالت: إن فيَّ سبع خصال ما هن) أي مجموعهن، ولا واحدة منهن (في أحد من أزواجه تزوجن بكراً) حال من المفعول، (ولم يتزوج بكراً غيري، وأتاه جبريل بصورتي قبل أن تزوجني) أي بعد موت خديجة، (ولم يأته) أي جبريل (بصورة أحد من أزواجه غيري، وكنت أحبهن إليه نفساً وأباً، ونزل فيَّ) أي في براءتي (عذر كاد يهلك فئام من الناس) أي من جهة الإفك، (ومات في يومي وليلتي بين سحري ونحري، وأراني جبريل) بالنصب على أنه مفعول ثان، (ولم يره أحد من أزواجه غيري).
وبه (عن عون، عن أبيه) أي عبد الله بن عتبة بن مسعود، (عن عبد الله) أي ابن مسعود وهو أساس الإسلام، ومن قدماء الصحابة الأعلام (أنه كان إذا دخل رسول الله ﷺ بيته) أي عند إحدى أزواجه، ولم يمكن له اطلاع على أفعاله ليقتدي
стр. 475
به ﵊ في جميع أحواله (أرسل الربة أم عبد) أي عبد الله بن مسعود (تدخل إلى النبي ﷺ في بيته (تنظر إلى هدي النبي ﷺ أي سيرته وطريقته في شريعته، (ودله) أي دلالته (وسمته) أي هيئته وحالته.
وفي النهاية أن الدل والسمت شريعته، (ودله) أي دلالته (وسمته) أي هيئته وحالته.
وفي النهاية أن الدل والسمت والهدي عبارة عن الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة، والطريقة واستقامة المنظر والهيئة ودل المرأة حسن هيئتها، وقيل حسن حديثها.
(فتخبره بذلك) أي بجميع ما رأته هنالك (فيتشبه به) أي في جميع أقواله وأفعاله، ويتبعه في حميع أحواله.
وقد روي أن بعض الصحابة أسلم فظن أن ابن مسعود وأمه من أهل بيت النبوة من كثرة دخولهما وخروجهما عن الحضرة وآثار ظهورهما في مقام الخدمة.
- الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بسلام
وفي الاستيعاب لابن عبد البر برواية حفص بن سليمان، عن أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله قال: أرسلت أمي لتبيت عند النبي ﷺ فتنظر كيف يوتر فباتت عند النبي ﷺ فصلى ما شاء أن يصلي حتى إذا كان آخر الليل، وأراد الوتر قرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ في الركعة الأولى وقرأ في الثانية ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، ثم قعد ثم قام ولم يفصل بينهما بسلام، ثم قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾، حتى إذا فرغ كبر، ثم قنت فدعا بما شاء الله أن يدعو، ثم كبر وركع.
وقد روي عن ابن المدني قال حدثنا سفيان، حدثنا جامع بن أبي الأسند سمع حذيفة يحلف بالله ما أعلم أحداً أشبه دلاً، ولا هدياً برسول الله ﷺ من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه من عبد الله بن مسعود قال ابن المدني.
وقد روى هذا الحديث الأعمش، عن أبي وائل عن حذيفة، وقال محمد بن عبد، حدثنا الأعمش عن شقيق قال: سمعت حذيفة يقول: إن أشبه الناس هدياً ودلاَ وسمتاً بمحمد ﷺ عبد الله بن مسعود من حين يخرج إلى أن يرجع لا أدري، ما يصنع في بيته.
стр. 476
قال ابن المدني بسند آخر: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، قال: قلنا لحذيفة أخبرنا برجل قريب السمت والهدي والدل من رسول الله ﷺ حتى نلزم قال: ما أعلم أحداً أقرب سمتاً ولا هدياً ولا دلاً من رسول الله ﷺ حتى توارته جدار بيته من ابن أم عبد انتهى، ولهذا قدمه إمامنا على سائر الصحابة في الفقه ما عدا الخلفاء الأربعة.
وبه (عن عون عن أبيه) أي المذكور، (عن عبد الله) أي ابن مسعود (أنه كان صاحب حصير رسول الله ﷺ ، أي سجادته ﷺ ، وفي رواية كان صاحب عصا رسول الله ﷺ وفي رواية كان صاحب رداء رسول الله ﷺ .
(وفي رواية، كان صاحب الراحلة، لرسول الله ﷺ كما تقدم.
(وفي رواية، كان صاحب سواك رسول الله ﷺ أي في السفر، (وصاحب الميضاة) أي المطهرة، مبنى ومعنى، (وصاحب النعلين) وجاء في رواية، وصاحب الوسادة، قال ابن عبد البر، كان ابن مسعود يلج عليه ويلبسه نعليه ويمشي أمامه ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام.
стр. 477
- إسناده عن إسماعيل بن عبد الله
إسناده عن إسماعيل بن عبد الله، ﵁، أحد أكابر المحدثين.
أبو حنيفة (عن إسماعيل عن أبي صالح عن أم هانىء) سبق ذكرهما (قالت: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى خلق في الجنة مدينة) أي بلدة، عظيمة (من مسك اذفر) افعل وصف من الذفر محركة، وهو شدة ذكاء الريح، (ماؤها السلسبيل) اللام للعهد أي المذكور في قوله تعالى: ﴿ويُسْقَوْنَ فيها كأساً كان مِزَاجُهَا زَنْجَبيلاً ... عَيْناً فيها تُسَمَّى سَلْسَبيلاً﴾ (١).
وفي القاموس: السَّلسبيل، اللين الذي لا خشونة فيه، والخمر وعين في الجنة، انتهى، ويقال، هو مركب من سلسبيل إليها لتطفى عليها، ويتنعم لديها (وشجرها خلقت من نور) أي فثمرتها في غاية من لذة، وسرر (فيها) أي في تلك المدينة (حور) أي بيض البدن، واسع الأعين، حسان في جميع أعضائهن (على كل واحدة سبعون ذؤابة) بضم أوله، وهي الناصية أو منبتها من الرأس، كذا في القاموس. والأظهر أن المراد بها هنا قطعة من الشعر حال كونها مُدَلاة، أعم من أن يكون مضفورة أم لا (لو أن واحدة منها) أي من جماعة الحوراء المذكورة (أشرقت في الأرض) أي طلعت فيها مع كشف وجهها أو شيء من بدنها (لأضاءت) أي لنورت، واستنارت (ما بين المشرق والمغرب ولملأت من طيب ريحها ما بين
стр. 478
السماء والأرض فقالوا يا رسول الله لمن هذا) أي المقام العالي، (قال لمن كان سمحاً) أي سهلاً ذا يسر ومسامحة (في التقاضي) أي في طلب قضاء حقه ديناً أو عيناً.
(وفي رواية قال: لو أن واحدة من الحور العين أشرقت لأضاءت ما بين المشرق والمغرب ولملأت) أي ريحاً (ما بين السماء والأرض من طيبها).
(وفي رواية قالت أم هانىء: قال رسول الله ﷺ إن لله مدينة) أي خالصة (خلقت من مسك اذفر معلقة تحت العرش) فإن عرش الرحمن سقف الجنة على ما رووها (وشجرها من النور وماؤها السلسبيل وحور عينها خلقت من بنات الجنان) بكسر الجيم جمع الجنة (على كل واحدة منها سبعون ذؤابة، لو أن واحدة منهن) أي من تلك الذوائب (علقت في المشرق لأضاءت) أي لنورت أهل المغرب.
وقد روى الطبراني والضياء عن سعيد بن عامر مرفوعاً: لو أن امرأة من نساء أهل الجنة أشرقت إلى الأرض لملأت الأرض من ريح المسك، ولأذهبت ضوء الشمس والقمر.
وروى أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: لو أن ما يقبل مما في الجنة به، لتزخرفت له ما بين مواقف السموات والأرض والجبال ولو أن رجلاً من أهل الجنة أطلع قيد أساوره لطمس ضوء الشمس كما يطمس ضوء الشمس ضوء النجوم.
وفي منهاج العابدين للغزالي: لقد حكي أن بعض أصحاب سفيان الثوري كلموه فيما كانوا يرون من خوفه واجتهاده ورثة حاله، فقالوا: يا أستاذ، لو نقصت
стр. 479
من هذه الجهد نلت مرادك أيضاً إن شاء الله تعالى، فقال سفيان: كيف لا أجتهد، وقد بلغني أن أهل الجنة يكونون في منازلهم فيتجلى لهم نور تضيء به الجنان الثمان، فيظنون أن ذلك نور من جهة الرب سبحانه، فيخرون ساجدين، فنودوا أن ارفعوا رؤوسكم فليس الذي تظنون إنما هو نور جارية تبسمت في وجه زوجها فأنشأ يقول:
ما ضرَّ من كانت الفردوس مسكنه ... ماذا تحَّمل من بؤسٍ وإقتارِ
تراه يمشي كئيباً، خائفاً، وَجِلاً ... إلى المساجد، يسعى بين أطمارِ
يا نفس، مَالكِ من صبر على النارِ ... قد حان أن تُقبِلي من بعدِ إدبارِ
- تقاضي الدين
وبه (عن إسماعيل عن أبي صالح عن أم هانىء قالت: قال رسول الله ﷺ : "من شدد على أمتي في التقاضي إذا كان معسراً) أي فقيراً مفلساً (شدد الله عليه في قبره) وروى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد مرفوعاً: أفضل المؤمنين رجل سمح بيع سمح، السمح الاقتضاء الشرى، سمح القضا.
وروى البخاري وابن ماجه عن جابر مرفوعاً: رحم الله عبداً سمحاً إذا اشترى سمحاً إذا باع سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى سمحاً.
وروى القفاعي عن ابن عمر والديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً: السماح رباح والعنبر شوم.
стр. 480
وروى ابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً: من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة.
- العلم
وبه (عن إسماعيل عن أبي صالح عن أم هانىء قالت: قال رسول الله ﷺ : "ياعائشة ليكن شوارك) وهو بفتح الشين المعجم، أي متاع بيتك، ولا يبعد أن يكون تصحيف شعارك (العلم والقرآن) تخصيص، والمراد به بالعلم الحديث، فإنه به يعلم القرآن وغيره، فلكونه أعم تقدم والله أعلم.
- حديث الجوع
وبه (عن إسماعيل عن أبي صالح عن أم هانىء: أن رسول الله ﷺ نظر إلى علي كرم الله وجهه ذات يوم) أي نهاراً فرآه (جائعاً) أي مكاشفة أو ملاحظة ناشئة من آثار الجوع، كالضعف والصفرة، (فقال يا علي ما أجاعك) أي أيُّ شيء جعلك جائعاً أصوم أو تركُ أكلٍ اختياراً أو اضطراراً، (قال: يا رسول الله، إني لم أشبع منذ كذا وكذا) أي ولعل هذا ومتى على ترك الشبع أظهرت آثار الجوع على وجهي، (فقال النبي ﷺ : "أبشر بالجنة) أي ونعيمها، وقد ورد: جوعوا أنفسكم لوليمة الفردوس، وأجوعكم في الدنيا أشبعكم في الآخرة.
стр. 481
- في القبر ثلاث خصال
وبه (عن إسماعيل عن أبي صالح عن أم هانىء عن النبي ﷺ : "في القبر ثلاث) أي خصال (سؤال) أي للملكين (عن الله ﵎ أي عن دينه ونبيه (ودرجات في الجنان) أي مكشوفة معروضة على أهل الإيمان (وقراءة القرآن عند رأسك) أيها المخاطب المؤمن، وهي إما على لسان ملك أما يتصور على القرآن عند رأس القارىء محافظة له ومؤانسة معه، كما أشار إليه الشيخ الولي الشاطبي بقوله:
وحيث الفتى يرتاع في ظلماته من القبر يلقا سناه تهللاً
هنالك يهنيه مقيلاً وروضة من أجله في ذروة العز تجتلى
- حديث الغفران
وبه (عن إسماعيل عن أبي صالح عن أم هانىء قالت: قال رسول الله ﷺ : "من علم أن الله يغفر له. فهو مغفور") أصل الحديث رواه البخاري ومسلم والنسائي، عن أبي هريرة مرفوعاً، أن عبداً إذا أصاب ذنباً فقال: رب أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال ربه أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً فقال: رب أذنبت ذنباً آخر فاغفر لي، فقال: أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم
стр. 482
أصاب ذنباً فقال: رب أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أنه له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي ثلاثاً، فليعمل ما شاء، وهذا مرتب على عادته المعروفة من الوقوع في المعصية والرجوع إلى التوبة، وليس المراد به العمل على وجه الإباحة بالمخالفة كما بينته في شرح الحصن الحصين، والله الموفق والمعين.
وبه (عن إسماعيل عن أبي صالح، عن أم هانىء قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن عبد جاع يوماً) أي ولم ينو صوماً (فاجتنب المحارم) أي ارتكاب المحرمات (ولم يأكل مال المسلمين) من الأيتام وغيرهم (باطلاً) أي ظلماً، وهذا تخصيص بعد التعميم، اعتناء بحقوق العباد زيادة على ما يختص بحقوق الله (إلا أطعمه الله ﵎ من ثمار الجنة) أي فواكه أشجارها التي لا ينقطع آثارها.
وبه: أي الإسناد المذكور (عن رسول الله ﷺ : "إن يوم القيامة ذو حسرة وندامة) وهو مستفاد من قوله تعالى: ﴿وأَنْذِرْهُم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ (١). وقد ورد، ليس يتحسر أهل الجنة يوم القيامة إلا على ساعة فوت بهم ولم يذكروا الله فيها، رواه الطبراني، والبيهقي، عن معاذ بن جبل.
стр. 483
- إسناده عن منصور بن معتمر
إسناده عن منصور بن معتمر أحد أجلاء المحدثين، وهو المشهور المنصور الأعمش.
أبو حنيفة (عن منصور عن أبي وائل) وهو شقيق بن سلمة الأسندي الكوفي، أدرك الجاهلية والإسلام. وأدرك زمن النبي ﷺ ولم يرو ما لم يسمع منه، قال: كنت قبل أن يبعث النبي ﷺ ابن عشر سنين أرعى غنماً لأهلي بالبادية، روى عنه خلق من الصحابة منهم عمر بن الخطاب، وابن مسعود، كان خصوصاً به، وهو كثير الحديث ثقة ثبت حجّه، مات زمن الحجاج، (عن حذيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ يبول على سباطة قوم) بضم السين، وهي كناسة يطرح ما في البيوت (قائماً) حال من رسول الله ﷺ ، والحديث رواه مسلم عن المغيرة، أنه ﵊ توضأ ومسح بناصيته والخفين.
ورواه ابن ماجه عنه أيضاً، أنه ﷺ ، أتى سباطة قوم، فبال قائماً، وفي نسخة، فتوضأ.
- ليس للمعتوه طلاق
وبه (عن منصور، عن الشعبي، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجوز للمعتوه) وهو كالمجنون، وقيل: هو قليل الفهم، المختلط الكلام، الفاسد التدبير، لكن لا يضرب ولا يشتم بلا سبب، بخلاف المجنون، وكذا حكم النائم والمدهوش والمغمى عليه (طلاق ولا بيع ولا شراء) أي نحوها من العقود الشرعية، تقصد بعض القيود المرعية.
стр. 484
قال ابن الهمام، وهذا لقوله ﵊: "كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمجنون، والذي فيه شيء" رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله وضعفه، وروى ابن أبي شيبة بسند عن ابن عباس. لا يجوز طلاق الصبي.
وروي أيضاً عن علي كرم الله وجهه "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه" وعلقه البخاري أيضاً، عن علي كرم الله وجهه، والمراد بالجواز، النفاذ، وروى البخاري عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: ليس للمجنون ولا سكران طلاق.
وبه (عن منصور، عن مجاهد، عن رجل من ثقيف) وهو قبيلة من قبائل أهل الحجاز (يقال له الحكم) بفتحتين، أو ابن الحكم (عن أبيه) قال ابن عبد البر: الحكم بن سفيان الثقفي، يقال سفيان بن الحكم، روى حديثه منصور عن مجاهد، فاختلف أصحاب منصور في اسمه، وهو معدود في أهل الحجاز له حديث واحد في الوضوء مضطرب الإسناد، يقال: إنه لا يسمع من النبي ﷺ ، وسماعه عندي صحيح، لأنه نقله الثقات، منهم الثوري، ولم يخالفه من هو في الحفظ مثله وقال، قال ابن إسحاق: هو الحكم بن سفيان بن عثمان بن عامر بن معيب الثقفي.
(قال: توضأ النبي ﷺ ، وأخذ حفته) بفتح الحاء، أي غرفة (من ماء فنفحه) أي رشه (في مواضع طهوره) أي فرجه، وهو يحتمل أن يكون فوقه، أو فوق إزاره فيما يحاذيه، وهذا لدفع الوسوسة فيما ينافيه.
والحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن الحكم ابن سفيان، ولفظه: أنه ﵊، كان إذا توضأ، أخذ كفاً من ماء
стр. 485
فنضح به فرجه.
ورواه الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة بلفظ: جاءني جبرائيل، فقال يا محمد إذا توضأت، فانتضح.
- حمل الجنازة بجوانبها الأربعة
وبه (عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد) وهو رافع الكوفي، من مشاهير التابعين وثقاتهم، سمع ابن عمر وجابراً وأنساً، روى عنه المنصور والأعمش مات سنة سبع وتسعين (عن عبد الله بن بسطاس) بالموحدة في أوله، أو بالنون نسختان، أحد التابعين .. (عن ابن مسعود أنه قال: من السنة) وهذا اللفظ من الصحابي في حكم المرفوع، كما حققه أرباب أصول علم الحديث، (أن تحمل) أي أنت أيها المخاطب بالخطاب العام (بجوانب السرير) أي بأطرافه الأربعة، والمراد بالسرير نعش الميت (فما زدته على ذلك) أي ما ذكر من حمل الجوانب الأربعة، كل جانب أربعين خطوة، كما في رواية، (فهو نافلة) أي زيادة على الخير حاصلة، وتكون السنة بها كاملة.
وقد روى ابن عساكر عن واثلة مرفوعاً: من حمل لجوانب السرير الأربع غفر له أربعين كبيرة، وفيه إشارة إلى ما قدمناه من اختيار أربعين خطوة، ليكون كل خطوة كفارة الخطيئة، وفيه إيماء إلى أن السنة حمل الجنازة بجوانبها الأربع، لا بين العمودين، كما اختاره الشافعي وأتباعه، واستدل ببعض الأحاديث الموقوفة القابلة للتأويل، مع أنها معارضة بأحاديث أصح منها، وأخرج في المقصود عنها، فقد روى ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في مصنفهما، ثنا هشيم بن أبي عطاء، عن علي الأزدي قال: رأيت ابن عمر في جنازة، فحمل بجوانب السرير الأربع.
стр. 486
وروى عبد الرزاق، أخبرني الثوري، عن عباد بن منصور، أخبرني أبو المهزم، عن أبي هريرة قال: من حمل الجنازة بجوانبها الأربع، فقد قضى الذي عليه، ثم قد صح عن رسول الله ﷺ خلاف ما ذهبوا إليه، فقد روى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة ثنا شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن عبيد الله بن بسطاس، عن عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود، قال: من اتبع الجنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربعة.
وروى محمد بن الحسن، أنا أبو حنيفة، ثنا منصور بن المعتمر. قال من السنة حمل الجنازة بجوانبها الأربعة.
ورواه ابن ماجه، ولفظه: من اتبع الجنازة، فليأخذ بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، وإن شاء فليدع.
قال ابن الهمام: موجب الحكم، بأن هذا هو السنة، وأن خلافه إن تحقق من بعض السلف، ويعارض، لا يجب على المناظر بعينه، وقد يشاء، فيبدع محملات مناسبة تجويز لضيق المكان، أو كثرة الناس، أو قلة حاملين، وغير ذلك، انتهى.
وقولنا: أو كثرة الناس، فيه نظر لا يخفى.
стр. 487
- إسناده عن مسلم بن سالم الجهني
إسناده، عن مسلم بن سالم الجهني، بضم الجيم وفتح الهاء، نسبة إلى بني جهنية، قبيلة من العرب.
- لا يجوز ضرب الجاهل قبل العلم
أبو حنيفة (عن مسلم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) هو الأزدي، ولد لست سنين بقيت من خلافة عمر، قيل غرق بنهر البصرة سنة ثلاث وثمانين، حديثه في الكوفيين، سمع أباه وخلقاً كثيراً من الصحابة، وعنه الشعبي ومجاهد وابن سيرين، وخلق سواهم كثير، وهو في الطبقة الأولى من تابعي الكوفيين، وقد يقال ابن أبي ليلى أيضاً لولده محمد وهو قاضي الكوفة، إمام مشهور في الفقه، صاحب مذهب وقوله: إذا أطلق المحدثون ابن أبي ليلى، فإنما يعنون أباه، وإذا أطلق الفقهاء ابن أبي ليلى، فإنما يعنون محمداً، ولد محمد هذا سنة أربع وسبعين، ومات سنة ثمان وأربعين ومائة، قال: (نزلنا) أي ضيفاً (مع حذيفة بن اليمان) ﵁ (على دهقان) بكسر الدال، ويضم زعيم فلاحي العجم، ورئيس الإقليم، معرب (بالمدائن) أي مدائن كسرى قرب بغداد سميت بها لكبرها، وإلا فهي جمع المدينة، وهي كل بلدة كبيرة، أو عظيمة، وضدها القرية، وهي أعم منها (فأتى) أي الدهقان (بطعام فطعمنا) بكسر العين، أي فأكلنا منه، (ثم دعا حذيفة بشراب) أي طلب منه، (فأتى بشراب في إناء فضة فضرب) أي حذيفة (به) أي بالإناء (وجهه) أي وجه الدهقان غضباً عليه (فساءنا) أي أوقعنا في
стр. 488
المساءة ما صنع من ضربه، من غير أن يعلم بأن هذا لا يجوز في الشريعة، فربما يكون جاهلاً بالمسألة، (فقال: أتدرون لما صنعت به هذا؟ قلنا: لا! فقال: إني نزلت) أي عليه (في العام الماضي، فدعوت بشراب فيه، فأخبرته أن رسول الله ﷺ نهانا أن نأكل في آنية الذهب والفضة، وأن نشرب فيها، وأن نلبس الحرير) أي جنسه (والديباج) بالكسر، ويفتح وهو نوع منه غليظ، (فإنها) أي المذكورات (للمشركين) أي لانتفاعهم (في الدنيا خاصة، وهي لنا في الآخرة) أي خالصة، وهذا لا ينافي كونها حراماً عليهم، فتأمل، فإنه في موضع زلل، وقد نهى النبي ﷺ عن الأكل والشرب في إناء الذهب والفضة، رواه النسائي عن أنس، ونهى عن الديباج والحرير والإستبرق، رواه ابن ماجه عن البراء.
- إسناده عن مسلم بن كيسان
إسناده عن مسلم بن كيسان تابعي جليل.
أبو حنيفة (عن مسلم، عن أنس قال: سافر النبي ﷺ في رمضان (يريد مكة) أي فتحها (فصام وصام الناس معه، ثم أفطر وأفطر الناس معه) كما تقدم بسنده السابق.
(وفي رواية، خرج من المدينة إلى مكة في رمضان فصام حتى انتهى) أي
стр. 489
وصل (إلى بعض الطريق) فعند أحمد بإسناد صحيح، عن أبي سعيد قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان، فصام حتى انتهى" أي وصل "إلى بعض الطريق" (فشكا الناس إليه الجهد) بضم الجيم وفتحها، أي المشقة والضيق (فأفطر وأفطروا، فلم يزل مفطراً حتى أتى مكة) وفي البخاري: "أفطر، فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر، وفي أخرى له أفطر وأفطروا، الحديث.
(وفي رواية قال: سافر رسول الله ﷺ في رمضان يريد مكة، فصام وصام معه المسلمون، حتى إذا كان ببعض الطريق شكا بعض المسلمين الجهد، فدعا بماء، فأفطر وأفطر المسلمون).
- حديث الضيافة والعبادة
وبه (عن مسلم عن أنس قال: (كان رسول الله ﷺ يجيب دعوة المملوك) أي العبد المعتق، وسمي مملوكاً باعتبار ما كان، أو يجيب سيده بدعوته من غير أن يحضر صاحبه، وهذا يدل على كمال تواضعه مع أصحابه، (ويعود المريض) أي لو كان فقيراً (ويركب الحمار) أي مع اقتداره على الخيل والناقة والبغل.
وفي رواية ابن عساكر، عن أبي أيوب، كان يركب الحمار، ويخصف النعل ويرقع القميص، ويلبس الصوف، ويقول: "من رغب عن سنتي فليس مني".
стр. 490
وفي رواية لابن سعد عن همزة بن عبد الله بن عتبة مرسلاً كان يركب الحمار عرياناً ليس عليه شيء.
وروى الحاكم عن أنس، كان يردف خلفه ويضع طعامه على الأرض، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار. ورواه الطبراني بسند حسن، عن ابن عباس كان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل المشاة. ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير.
стр. 491
- إسناده عن أبي حصين عثمان بن عاصم الأسدي
إسناده عن أبي حصين، عثمان بن عاصم الأسدي، من أكابر التابعين.
أبو حنيفة: (عن أبي حصين، عن رافع بن خديج) يكنى أبا عبد الله الحارثي الأنصاري أصابه سهم يوم أحد فقال رسول الله ﷺ : أنا أشهد لك يوم القيامة، وانفضت جراحته زمن عبد الملك بن مروان، فمات سنة ثلاث وسبعين في المدينة، وله ثمانون سنة، روى عنه خلق كثير (عن النبي ﷺ أنه مر بحائط) أي بستان، (فأعجبه) أي استحسنه (فقال: لمن هذا؟ فقلت لي، فقال: أين هو لك) أي بأي سبب حصل لك (قلت: استأجرت قال: فلا تستأجره بشيء منه) أي: من محصوله، فإن فيه خطيراً.
стр. 492
(وفي رواية أن النبي ﷺ ، مر بحائط فقال: لمن هذا؟ فقلت: لي! وقد استأجرته، قال: فلا تستأجره بشيء)، والمقصود من تكرار المتن مع تغير يسير تعدد الإسناد، ليتقوى المراد عند الإيراد.
- إسناده عن سعيد بن مسروق الثوري
إسناده عن سعيد بن مسروق الثوري، وهو أبو سفيان، أحد أجلاء التابعين المحدثين.
- جراحة النعم والوحش زكاة
أبو حنيفة: (عن سعيد، عن قتادة، عن رافع بن خديج، أن بعيراً من إبل الصدقة أفَدَّ)، بتشديد الدال أي تفرد وشرد، (فطلبوه) أي فلم يقدروا عليه (فلما أعياهم أن يأخذوه) أي عجزهم أخذه (رماه رجل بسهم فأصاب مقتله) أي موضعاً منه كان سبباً لقتله (فسألوا النبي ﷺ أي هل يجوز أكله؟ من غير وقوع ذبحه، (فأمر بأكله، وقال: إن لها) أي للإبل (أوابد) أي شوارد (كأوابد الوحوش، فإذا خفتم منها) أي من شواردها أن يفوتكم (فاصنعوا مثل ما صنعتم بهذا البعير، ثم كلوه) وفي معناه البقر والدجاج، ونحوهما.
стр. 493
(وفي رواية أن بعيراً من إبل الصدقة. أفد، فرماه، رجل بسهم فقتله) أي: السهم حيث أصاب مقتله، (فسئل النبي ﷺ ، فقال: كلوه، فإن لها أوابد كأوابد الوحش).
- حديث المسح
(وبه، عن سعيد، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون الأروي، عن أبي عبد الله) الجدلي بفتحتين (عن خزيمة بن ثابت)، بضم الخاء وفتح الزاء؛ أنصاري يعرف بذي الشهادتين (أن النبي ﷺ سئل عن المسح) أي مدته (على الخفين، قال: للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن وللمقيم يوم وليلة) وقد تقدم.
وبه، (عن سعيد، عن إبراهيم، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ كَذَبَ على محمد متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار) سبق الكلام عليه.
стр. 494
- إسناده عن عدي بن ثابت (أبو اليقظان)
إسناده عن عدي بن ثابت، هو أبو اليقظان، قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل، يعني البخاري عن جده عدي بن ثابت فقال: لا أدري ما اسمه، قال: وذكر يحيى بن معين، أن اسمه دينار.
- لا يفطر الصوم بأكل طعام يكون على خرق العادة
أبو حنيفة (عن عدي، عن أبي حازم، عن أبي الشعثاء) وهو سليم بن أسود المحاربي الكوني، من مشاهير التابعين وثقاتهم، مات زمن الحجاج، (عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ : نهى عن صوم الوصال) وهو المواصلة، بلا تخلل أكل وشرب، بأن لا يفطر يومين أو يوماً أو أياماً، ففي الصحيحين، عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، أنه ﵊ نهى عن الوصال، أي عن صومه.
وفي الصحيحين، عن عائشة قالت: نهاهم ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، فقال: إني لست كأحدكم. إني يطعمني ربي ويسقيني، أي من الجنة.
وفيه إشارة إلى أنه لا يفطر طعام يكون على خرق العادة، ولا يكون من الوصال في العبادة مانعاً، أو معناه يقويني على الطاعة قوة تقوم مقامها من اللذة، إما من جهة العلم والمعرفة، وإما من جهة لذة الخدم (وصوم الصمت) ومن صوم يلتزم فيه أن يصمت عن الكلام مع الأنام كان مشروعاً في دين النصارى، ومنه قوله تعالى: ﴿إني نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَومَ إنْسِياً﴾ (١) وإلا فقد روي من صمت نجا، وروى الترمذي وأحمد، عن ابن عمر، روى الديلمي عن ابن عمر مرفوعاً "صمْتُ الصائِم تسبيحٌ، ونومُهُ عِبادة، ودُعاؤُهُ مُستجاب، وعملُهُ مضاعف".
стр. 495
قال ابن الهمام: يكره صوم الصمت، وهو أن يصوم، ولا يتكلم، يعني يلتزم عدم الكلام، بل يتكلم بخير، وبحاجة، ويكره صوم الوصال، ولو يومين، ويكره صوم الدهر، لأنه يضعفه، أو يصير طبعاً له، ومبنى العبادة على خلاف العادة.
وبه (عن عدي، عن سعيد بن جابر، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ خرج يوم العيد إلى المصلى) أي مسجد العيد، وهو خارج المدينة، (فلم يصل) من النوافل مطلقاً (قبل الصلاة) أي صلاة العيد، (ولا بعدها) أي في المصلى شيئاً، في الهداية، ولا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد، وعامة المشايخ على كراهة النفل قبلها في المصلى، وفي البيت، وبعدها في المصلى خاصة، كما في الكتب الستة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج فصلى بهم العيد، لم يصل قبلها ولا بعدها.
وأخرج الترمذي، عن ابن عمر، أنه خرج في يوم عيد، فلم يصل قبلها ولا بعدها، وذكر أن النبي ﷺ فعله، صححه الترمذي.
قال ابن الهمام: وهذا النفي بعد الصلاة محمول عليه في المصلى، لما روى ابن ماجه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله، صلى ركعتين.
وبه (عن عدي، عن إبراهيم، قال: صليت مع رسول الله ﷺ العشاء وقرأ) أي في إحدى الركعتين (بالتين والزيتون) بهذه السورة.
وبه (عن عدي، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب، قال: صليت مع