- إسناده عن أبي حصين عثمان بن عاصم الأسدي
إسناده عن أبي حصين، عثمان بن عاصم الأسدي، من أكابر التابعين.
أبو حنيفة: (عن أبي حصين، عن رافع بن خديج) يكنى أبا عبد الله الحارثي الأنصاري أصابه سهم يوم أحد فقال رسول الله ﷺ : أنا أشهد لك يوم القيامة، وانفضت جراحته زمن عبد الملك بن مروان، فمات سنة ثلاث وسبعين في المدينة، وله ثمانون سنة، روى عنه خلق كثير (عن النبي ﷺ أنه مر بحائط) أي بستان، (فأعجبه) أي استحسنه (فقال: لمن هذا؟ فقلت لي، فقال: أين هو لك) أي بأي سبب حصل لك (قلت: استأجرت قال: فلا تستأجره بشيء منه) أي: من محصوله، فإن فيه خطيراً.
стр. 492
(وفي رواية أن النبي ﷺ ، مر بحائط فقال: لمن هذا؟ فقلت: لي! وقد استأجرته، قال: فلا تستأجره بشيء)، والمقصود من تكرار المتن مع تغير يسير تعدد الإسناد، ليتقوى المراد عند الإيراد.
- إسناده عن سعيد بن مسروق الثوري
إسناده عن سعيد بن مسروق الثوري، وهو أبو سفيان، أحد أجلاء التابعين المحدثين.
- جراحة النعم والوحش زكاة
أبو حنيفة: (عن سعيد، عن قتادة، عن رافع بن خديج، أن بعيراً من إبل الصدقة أفَدَّ)، بتشديد الدال أي تفرد وشرد، (فطلبوه) أي فلم يقدروا عليه (فلما أعياهم أن يأخذوه) أي عجزهم أخذه (رماه رجل بسهم فأصاب مقتله) أي موضعاً منه كان سبباً لقتله (فسألوا النبي ﷺ أي هل يجوز أكله؟ من غير وقوع ذبحه، (فأمر بأكله، وقال: إن لها) أي للإبل (أوابد) أي شوارد (كأوابد الوحوش، فإذا خفتم منها) أي من شواردها أن يفوتكم (فاصنعوا مثل ما صنعتم بهذا البعير، ثم كلوه) وفي معناه البقر والدجاج، ونحوهما.
стр. 493
(وفي رواية أن بعيراً من إبل الصدقة. أفد، فرماه، رجل بسهم فقتله) أي: السهم حيث أصاب مقتله، (فسئل النبي ﷺ ، فقال: كلوه، فإن لها أوابد كأوابد الوحش).
- حديث المسح
(وبه، عن سعيد، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون الأروي، عن أبي عبد الله) الجدلي بفتحتين (عن خزيمة بن ثابت)، بضم الخاء وفتح الزاء؛ أنصاري يعرف بذي الشهادتين (أن النبي ﷺ سئل عن المسح) أي مدته (على الخفين، قال: للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن وللمقيم يوم وليلة) وقد تقدم.
وبه، (عن سعيد، عن إبراهيم، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ كَذَبَ على محمد متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار) سبق الكلام عليه.
стр. 494
- إسناده عن عدي بن ثابت (أبو اليقظان)
إسناده عن عدي بن ثابت، هو أبو اليقظان، قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل، يعني البخاري عن جده عدي بن ثابت فقال: لا أدري ما اسمه، قال: وذكر يحيى بن معين، أن اسمه دينار.
- لا يفطر الصوم بأكل طعام يكون على خرق العادة
أبو حنيفة (عن عدي، عن أبي حازم، عن أبي الشعثاء) وهو سليم بن أسود المحاربي الكوني، من مشاهير التابعين وثقاتهم، مات زمن الحجاج، (عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ : نهى عن صوم الوصال) وهو المواصلة، بلا تخلل أكل وشرب، بأن لا يفطر يومين أو يوماً أو أياماً، ففي الصحيحين، عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، أنه ﵊ نهى عن الوصال، أي عن صومه.
وفي الصحيحين، عن عائشة قالت: نهاهم ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، فقال: إني لست كأحدكم. إني يطعمني ربي ويسقيني، أي من الجنة.
وفيه إشارة إلى أنه لا يفطر طعام يكون على خرق العادة، ولا يكون من الوصال في العبادة مانعاً، أو معناه يقويني على الطاعة قوة تقوم مقامها من اللذة، إما من جهة العلم والمعرفة، وإما من جهة لذة الخدم (وصوم الصمت) ومن صوم يلتزم فيه أن يصمت عن الكلام مع الأنام كان مشروعاً في دين النصارى، ومنه قوله تعالى: ﴿إني نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَومَ إنْسِياً﴾ (١) وإلا فقد روي من صمت نجا، وروى الترمذي وأحمد، عن ابن عمر، روى الديلمي عن ابن عمر مرفوعاً "صمْتُ الصائِم تسبيحٌ، ونومُهُ عِبادة، ودُعاؤُهُ مُستجاب، وعملُهُ مضاعف".
стр. 495
قال ابن الهمام: يكره صوم الصمت، وهو أن يصوم، ولا يتكلم، يعني يلتزم عدم الكلام، بل يتكلم بخير، وبحاجة، ويكره صوم الوصال، ولو يومين، ويكره صوم الدهر، لأنه يضعفه، أو يصير طبعاً له، ومبنى العبادة على خلاف العادة.
وبه (عن عدي، عن سعيد بن جابر، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ خرج يوم العيد إلى المصلى) أي مسجد العيد، وهو خارج المدينة، (فلم يصل) من النوافل مطلقاً (قبل الصلاة) أي صلاة العيد، (ولا بعدها) أي في المصلى شيئاً، في الهداية، ولا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد، وعامة المشايخ على كراهة النفل قبلها في المصلى، وفي البيت، وبعدها في المصلى خاصة، كما في الكتب الستة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج فصلى بهم العيد، لم يصل قبلها ولا بعدها.
وأخرج الترمذي، عن ابن عمر، أنه خرج في يوم عيد، فلم يصل قبلها ولا بعدها، وذكر أن النبي ﷺ فعله، صححه الترمذي.
قال ابن الهمام: وهذا النفي بعد الصلاة محمول عليه في المصلى، لما روى ابن ماجه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله، صلى ركعتين.
وبه (عن عدي، عن إبراهيم، قال: صليت مع رسول الله ﷺ العشاء وقرأ) أي في إحدى الركعتين (بالتين والزيتون) بهذه السورة.
وبه (عن عدي، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب، قال: صليت مع
стр. 496
رسول الله ﷺ المغرب والعشاء) في حجة الوداع (بالمزدلفة) أي جمعاً، وأصل الحديث في الصحيحين عن جابر.
وبه (عن عدي، عن ابن جبير، عن ابن عباس، قال: رأيت رسول الله ﷺ شرب لبناً فتمضمض) أي غسل فمه، (وصلى ولم يتوضأ) والحديث، رواه ابن ماجه، عن أم سلمة، بلفظ "إذا شربتم اللبن، فتمضمضوا منه، فإن له دسماً".
- إسناده عن عاصم بن كليب الجدمي
إسناده عن عاصم بن كليب الجدمي (١) ﵁، بفتح الجيم، تابعي جليل، كوفي، سمع أباه وغيره، ومنه الثوري وشعبة، وناهيك بهما حديثه في الصلاة، والحج، والجهاد.
وقال ابن الهمام: القدح في العاصم بن كليب غير مقبول، فقد وثقه ابن معين، وأخرج له مسلم حديثه في الهدي، وغيره عن علي.
- ضيافة النبي ﷺ
أبو حنيفة، (عن عاصم، عن أبي بردة) أو بريدة، وهو عامر بن عبد الله بن قيس بن أبي موسى الأشعري، أحد التابعين المشهورين، المكثرين سمع أباه وعلياً وغيرهما، كان على قضاء الكوفة بعد شريح، فعزله الحجاج (أن النبي ﷺ زار قوماً
стр. 497
من الأنصار) في ديارهم، أو في بيتهم بالمدينة، ومحلاتهم، (فذبحوا له شاة) أي لضيافته، (وصنعوا له طعاماً، فأخذ من اللحم، شيئاً، فلاكه) هو المضغ، أو مضغ صعب، على ما في القاموس، والمراد هنا، الأول، فتأمل، (فمضغه) أي فاستمر على مضغه (ساعة) أي زماناً قليلاً (لا يسيغه) أي لا يقدر على ابتلاعه، وإنزاله في حلقه (فقال: ما شأن اللحم) أي خبره وحاله، (قالوا: شاة لفلان، ذبحناها) أي بغير إذنه وعلمه، (وقصدنا حتى يجيء) أي يحضر (فنرضه من ثمنها، قال) أي الراوي (فقال رسول الله ﷺ "أطعموها الأسراء") جمع أسير، وهم الفقراء من الكفار، والمحبوسون من المسلمين، وذلك بشبهة في أكله، وإلا فيحتمل أنهم عرفوا إرضاء صاحبهم البتة بهذا مجاناً، أومبادلاً، وفيه دلالة على أن الغاصب إذا ذبح شاة الغير، ضمنها، أو ملكها خبيثاً يجب عليه أن يتصدق بها.
وفي رواية (عن عاصم بن كليب، عن أبيه، أن رجلاً من أصحاب محمد ﷺ صنع طعاماً، وقمنا معه، فلما وضع الطعام، تناول النبي ﷺ طعاماً فدعاه)، أي فطلب النبي ﷺ لأكله. (فقام إليه النبي ﷺ ، وقمنا معه فلما وضع الطعام، تناول النبي ﷺ لضغة) بفتح الموحدة، وبكسرها أي قطعة من ذلك اللحم، (فلاكها في فيه) أي فمه (طويلاً) أي مديداً زيادة على العادة (فجعل لا يستطيع أن
стр. 498
يأكلها) أي يبتلعها (فألقاها من فيه) أي فمه (وأمسك عن الطعام) أي عوده، (فلما رأينا النبي ﷺ ذلك) أي ما ذكر من الإلقاء والإمساك (أمسكنا عنه) أي امتنعنا عن أكله نحن أيضاً (فدعا النبي ﷺ صاحب الطعام، فقال: "أخبرني عن لحمك هذا، من أين هو؟) أي إذ فيه علة (قال: يا رسول الله شاة كانت لصاحب لنا، فلم يكن عندنا) أي كان غائباً عنا ولم يكن حاضراً (نشتريها منه، وعجلنا بها) أي بأخذها (وذبحناها وصنعناها لكي) أي طعاماً منها حتى (يجيء فنعطي ثمنها) أي إياه (فأمر النبي ﷺ برفع الطعام) أي من المجلس (وأمر أن يطعمه الأسراء).
(قال عبد الواحد: قلت لأبي حنيفة: من أين أخذت هذا؟) أي الحكم الذي بيانه (الرجل يعمل) أي التجارة (في مال الرجل بغير إذنه) أي من دون رضاه به (يتصدق بالربح) لأنه حصل ملكاً خبيثاً لا يصلح لأحدهما (قال: أخذته من حديث عاصم).
стр. 499
- رفع اليدين محاذاة شحمة الأذنين
وبه: (عن عاصم بن وائل بن حجر) بضم الحاء، وسكون الجيم والراء، وهو الحضرمي، وقدم على النبي ﷺ أصحابه قبل قدومه، وقال: يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت طائعاً راغباً في الله وفي رسوله. وهو بقية أبناء الملوك، فلما دخل عليه، رحب به وأدناه من نفسه وبسط له رداءه، فأجلسه، وقال اللهم بارك في وائل وولده، واستعمله على الاستقبال من حضرموت.
روى عنه ابناه علقمة وعبد الجبار وغيرهما (أن النبي ﷺ كان يرفع يده) أي حال تكبير الإحرام للصلاة، والمراد باليد، جنسها الشامل لليدين (يحاذي) أي يقابل (ويوازي بهما شحمة أذنيه) ظاهره، أنه غير تماس بهما.
(وفي رواية "كان يرفع يديه) أي بالتثنية (حتى يحاذي بهما شحمة أذنيه) أي شحمتي أذنيه، (وفي رواية عن وائل أنه رأى النبي ﷺ ، يرفع يديه في الصلاة) أي أولها (حتى يحاذيا) أي اليدان (شحمة أذنيه) اعلم أن رواية وائل في صحيح مسلم، أنه رآه ﷺ رفع يديه حتى دخل في الصلاة وكبر، ووضعهما حيال أذنيه.
والرواية عن أنس في السنن الكبيرة للبيهقي: كان ﷺ إذا افتتح الصلاة، كبر ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه.
стр. 500
قال أبو الفرج: إسناده كلهم ثقات، وفي البخاري عن أبي حميد الساعدي: رأيته ﷺ إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، قال ابن الهمام: ولا معارضة، فإن محاذاة الشحمتين بالإبهامين تسوغ حكاية محاذاة اليدين المنكبين والأذنين، لأن طرف الكف مع الرسغ، يحاذي المنكب، أو يقاربه، والكف نفسه يحاذي الأذن واليد، يقال علا بالإبهامين الكف، أي أعلاها، فالذي نص على محاذاة الإبهامين بالشحمتين، وفق في التحقيق بين الروايتين، فوجب اعتبارها. ثم رأيتها رواية أبي داود عن وائل، صريحة فيه، حيث قال: "إنه أبصر النبي ﷺ حين قام إلى الصلاة، فرفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه"، انتهى.
والأظهر، أنه كان ﷺ يرفع يديه من غير تقييد إلى هيئة خاصة، فأحياناً كان يرفع إلى منكبيه، وأحياناً إلى شحمة أذنيه، وأحياناً إلى محاذى رأسه، وبهذا جعلها مالك أقوالاً، واختار، ما اختاره مالك، علماؤنا، وكأنهم نظروا إلى أكثر ما ورد، والله أعلم. وأجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وأما فيما سواها، فقال الشافعي وأحمد: يستحب أيضاً رفعهما عند الركوع، وعند الرفع منه.
وبه (عن عاصم، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه) أي وائل بن حجر (قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه عند التكبير) أي كما تقدم (ويسلم عن يمينه ويساره) أي في آخر صلاته، إشارة إلى ما ورد أن التكبير للصلاة تحريمها، والسلام تحليلها.
وبه: (عن عاصم، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: "كان النبي ﷺ إذا
стр. 501
سجد") أي أراد أن يسجد (وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا قام) أي أراد أن يقوم من ركعته (رفع يديه قبل ركبتيه) ورواه أبو داود من حديث وائل، قال: "رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه".
قال ابن الهمام في حديث وائل: إنه ﵊ إذا نهض في الصلاة، والتوفيق بينه وبين ما روى أنه ﵇ اعتمد على فخذيه، وعن ابن عمر أنه ﵊ اعتمد على الأرض، إما بحمله على حال الكبر، أو لبيان الجواز، وقال الطحاوي: لا بأس بالاعتماد على الأرض.
وقال الحواني، الخلاف في الأفضل، فتأمل.
- نصب رجله اليمنى
وبه: (عن عاصم، عن أبيه عن وائل بن حجر، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة، اجتمع") أي فرش (رجله اليسرى وقعد عليها، ونصب رجله اليمنى") وفي الترمذي من حديث وائل، قلت: لأنظرنَّ إلى صلاة رسول الله ﷺ ، فلما جلس، يعني للتشهد، أفرش رجله اليسرى، الحديث.
وروى أحمد، عن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ علمه التشهد، فكان إذا جلس في وسط الصلاة، وفي آخرها، جلس على وركه اليسرى، الحديث.
وفي مسلم، عن عائشة، كان ﵊ يفرش، وينصب رجله
стр. 502
اليمنى، وروى النسائي، عن ابن عمر أنه قال: من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى، ويستقبل بأصابعها القبلة، ويجلس على اليسرى.
ورواه البخاري من غير ذكر استقبال القبلة بالأصابع، والله أعلم.
- إسناده عن سلمة بن كهيل
- شفاعة أهل الإيمان
إسناده عن سلمة بن كهيل، بالتصغير.
أبو حنيفة: (عن سلمة، عن أبي الزاعر، من أصحاب ابن مسعود) أي المخصوصين به، (قال: قال رسول الله ﷺ "ليخرجن بشفاعتي من أهل الإيمان) أي من فساقهم (من النار) أي بعد دخولهم فيها مدة من الزمان، حتى ورد أن آخر من يخرج من النار، لبث فيها سنة، لا من سنة يعد من عمر الدنيا (حتى لا يبقى فيها أحد إلا أهل هذه الآية) أي من الكفار الموصوف بما ذكر الله سبحانه في شأنهم، أن أهل الجنة يتساءلون عن المجرمين (﴿ما سَلَكَكُم﴾) أي أدخلكم على وجه الخلود (﴿في
стр. 503
سَقَرْ ... قالوا لم نَكُ مِنَ المُصَلِّين﴾) أي من المسلمين الذين كانوا يصلون (﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكين﴾) أي كإطعام المؤمنين لرضاء رب العالمين (﴿وكُنَّا نَخُوضُ﴾) أي نسرح في الأقوال الباطلة (﴿مَعَ الخائضين﴾) أي مع المنافقين والكافرين (﴿وكُنَّا نُكَذْبُ بيَومِ الدِين﴾) أي بوقوعه (﴿حتَّى أتانا اليَقِين﴾) أي عين اليقين (إلى قوله ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعةُ الشَّافِعِين﴾) (١) أي من الأنبياء والصالحين، لو فرض أنهم يشفعون، فكيف وهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون.
- الشفاعة برضاء الله تعالى
(وفي رواية، عن ابن مسعود، قال: "يُعَذِّبُ الله أقواماً من أهل الإيمان) أي في نار جهنم (ثم يخرجهم بشفاعة محمد ﷺ ، حتى لا يبقى إلا من ذكر الله أي صفتهم، والاستثناء منقطع (﴿ما سَلَكَكُمْ في سَقَرْ، قالوا لَم نَكُ مِنَ المَصَلِّين وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِين ... وَكُنَّا نَخُوضُ مع الخَائِضين﴾) أي المنافقين.
- فساد قول المرجئة
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وكادت أن تكون متواترة، كما أوردها شيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي في البدور السافرة في أحوال الآخرة، وهو مقتدى أهل السنة والجماعة.
وفساق أهل الإيمان يذلهم من عذاب النيران مدة من الزمان، ثم يدخلون الجنان فلا يخلدون في النار، غير طوائف الكفار، وهذا كله مستفاد من قوله ﴿إنَّ الله لا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ به ويَغْفِرُ ما دُوْنَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ (٢) فدل على بطلان قول الخوارج والمعتزلة، حيث يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار، وعلى
стр. 504
فساد قول المرجئة، إن من قال: لا إله إلا الله، لم يدخل النار، ولو كان من الفساق، وبهذا تبين صحة اعتقاد إمامنا الأعظم، وبطلان قول من نسبه إلى المرجئة على ما تقدم.
- رمي الجمار
وبه، (عن سلمة، عن الحسن العرفي، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، أنه عَجَّل) بتشديد الجيم، أي أرسل عجلة (ضعفة أهله) بفتحتين، جمع ضعيف، والمراد، النساء وذريته من الصغار، (من المزدلفة إلى منى في الليل) خوف الزحام، (وقال لهم: "لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس) إرشاداً لهم بالأفضل، وهو أول وقت السنة للرمي، وإلا فبعد طلوع الصبح جاز، ولا يصح قبله، خلافاً للشافعي.
وفي البخاري، عن ابن عمر، أنه كان يقدم ضَعَفَة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله بأيديهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من تقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من تقدم بعد ذلك، فإذا أقدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: رخص في ذلك رسول الله ﷺ ، وأخرج أصحاب السنن الأربعة، عن ابن عباس، كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفة أهله بغلس، ويأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، وبهذا استدل على بطلان ركنية المبيت بمزدلفة، كما نسب إلى الشافعي والليث بن سعد وعلقمة، فإن الركن لا يسقط بعذر، بل إذا كان عذر يمنع أصل العبادة سقطت كلها أو أخرت أما إن شرع فيها، فلا يتم إلا بأركانها، وكيف وليست هي سوى أركانها، فعند عدم الأركان لم يتحقق مسمى تلك العبادة أصلاً.
стр. 505
- أبو بكر وعمر
وبه (عن سلمة، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ "اقْتَدُوا بِالَّذينَ من بَعْدِي") أي بلا واسطة، فيكون إخباراً بالغيب (أبو بكر وعمر) ظاهره على البدلية أن يكون أبي بكر ويمكن حمله على نعت كما نقل عن أبي حنيفة، أنه قال: ولو مثل أبو قبيس.
وروى عن علي كرم الله وجهه أنه كتب علي بن أبي طالب، وقرأ في الشواذ تبت يدا أبي لهب (١)، وعلى أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هما أبو بكر وعمر.
والحديث بعينه رواه أحمد والترمذي، وابن ماجه وغيرهم عن حذيفة.
ووجه تخصيص الشيخين من بين الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة، مع ورود حديث: اقتدوا بالخلفاء الراشدين المهديين، وحديث (٢) (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) بينته في المرقاة شرح المشكاة.
- أول من أسلم من النساء خديجة، وأبو بكر من الرجال، وبلال من الموالي
وبه: (عن سلمة، عن أبي حية العربي، وهو الهمداني، من أصحاب علي كرم الله وجهه قال: سمعت علياً يقول أنا أول من أسلم) أي مطلقاً، أو من
стр. 506
الغلمان، أو يكون الأولية مقيداً بكونه أسلم (وصلى مع رسول الله ﷺ وقد ورد أول من آمن خديجة، وأول من آمن أبو بكر، وأول من آمن بلال، وجمع بأن خديجة من النساء، وأبا بكر من الرجال، وبلالاً من الموالي، مع أن العبرة الكاملة بإيمان أبي بكر. قال العرب: ما كانوا يعتبرون النساء والصبيان والموالي.
- سبب نزول ﴿قل ياعبادي﴾
وأبو حنيفة (عن مكي بن إبراهيم، عن ابن لهيعة) بفتح اللام وكسر الهاء وهو الحفر في الفقيه، اسمه عبد الله وكنيته أبو عبد الرحمن، قاضي مصر، روى عن عطاء وابن أبي ليلى وابن أبي مليكة، والأعرج، وعمرو بن شعيب، وعن يحيى بن كثير، وقتيبة المقري، قيل: إنه ضعيف الحديث، وقال أبو دواد: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه، وضبطه، وإتقانه، مات سنة أربع وسبعين ومائة. (عن أبي قبيل قال: سمعت أبا عبد الرحمن المزني، يقول: سمعت ثوبان مولى رسول الله ﷺ اشتراه رسول الله ﷺ ، وأعتقه، ولم يزل معه سفراً وحضراً إلى أن توفي النبي ﷺ ، فخرج الى الشام، فنزل الى الرملة، ثم انتقل إلى حمص، وتوفي بها سنة أربع وخمسين. روى عنه خلق كثير، (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أحب أن أغالي في الدنيا) أي لذاتها (بهذه الآية) أي بدلها، وفي مقابلها (﴿قُلْ يَا عِبَادِي﴾) بفتح الياء،
стр. 507
وإسكانها، وأراد به المؤمنين والمشركين (﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا على أَنْفُسِهِمْ﴾) أي المعاصي (﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله﴾) بفتح النون وكسرها، أي تيأسوا (﴿مِنْ رحمة الله﴾) فإن القنوط من رحمته كفر. كما أن الأمن من مكره كفر، وبقية الآية (﴿إنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جميعاً﴾) (١) أي بالتوبة مطلقاً على العموم، وبدونها إن شاء لبعض العصاة من المؤمنين، كما يستفاد من قوله تعالى: ﴿إنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ (٢) (فقال رجل: ومن أشرك) أي وما حكمه يا رسول الله، فسكت رسول الله ﷺ (ثم قال:) أي الرجل، بالإعادة، بتأكيد الإفادة، (ومن أشرك؟ فسكت رسول الله ﷺ ، ثم قال:) أي الرجل (ومن أشرك؟ فسكت رسول الله ﷺ إما انتظاراً للوحي، أو اجتهاداً في اشتقاق الحكم من الكتاب، (ثم قال: إلا من أشرك) يحتمل أن يكون إلا للتنبيه، فتكون الواو العاطفة ساقطة، أو تقديره: من أشرك كذلك، والمعنى: إذا تاب وآمن فلا يستعظم ما صدر منه حال إشراكه من قتل النفس والزنى ونحوهما من القبائح.
ويحتمل أن يكون إلاَّ استثنائية، وهو ظاهر، والأول أولى، كما لا يخفى لما ذكر المقربون أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: إن الذي تدعونا إليه لحسن، لو تخبرنا لما عملناه كفارة؟. فنزلت هذه الآية.
стр. 508
أبو حنيفة: (عن محمد بن منصور، بن أبي ليلى سليمان البلخي، ومحمد بن عيسى، ويزيد الطوسي) أي بروايتهم (عن القاسم بن أبي الحذاء) بتشديد الذال المعجمة، (العدوي) بفتحتين. منسوب إلى بني عدي، (عن نوح بن قيس، عن يزيد بن الرقاشي عن أنس بن مالك، قال: قلنا: يا رسول الله لمن تشفع يوم القيامة؟ قال: لأهل الكبائر) أي من أمته، وهو محتمل أن يكون بعد دخول النار، أو قبله، ولا منع من الجمع (وأهل العظائم) أي الفواحش، عطف تفسير، ويمكن حمل الأول على حقوق الله تعالى، والثاني على حقوق العباد (وأهل الدماء) تخصيص بعد تعميم، تنبيهاً على أن قتل النفس أعظم الكبائر والعظائم، ومع هذا، لا يخرج صاحبه عن الإيمان، ويستحق الشفاعة في ذلك المكان والزمان.
- حديث الشفاعة كاد أن يكون متواتراً
وقد ورد في حديث، كاد أن يكون متواتراً، أنه ﵊ قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وابن حبان، والحاكم في مستدركه والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم عن جابر والطبراني، عن ابن عباس والخطيب، عن ابن عمر، وعن كعب بن عجوة.
وفي رواية للخطيب عن أبي الدرداء، بلفظ: "شفاعتي لأهْل الذُّنُوبِ مِنْ أُمَتي وَإنْ زَنى وَإنْ سَرَقْ عَلى رَغْمِ أَنْفِ أبي الدَّردَاء".
стр. 509
وفيه تنبيه على بطلان مذهب الخوارج والمعتزلة، وكذا على فساد معتقد المرجئة، كما تقدم.
- فقد قيل أن سور التستر أول سور وضع بعد الطوفان
أبو حنيفة: (عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي) بكسر الدال، وفتح الميم، ويكسر أي الشامي، (عن محمد بن عبد الرحمن التستري) منسوب إلى تستر، بضم التائين الفوقيتين بينهما سين مهملة، وروي بفتح التاء الثانية، وهو الأشهر، وأما ششتر، بالشينين المعجمتين، فلحن، كذا قال صاحب القاموس، والأظهر أنه لغة عجمية، وأن تستر معرب، فقد قيل إن سورها أول سور وضع بعد الطوفان (عن يحيى بن سعيد) وهو الأنصاري المدني، سمع أنس بن مالك والسائب بن يزيد وخلقاً سواهما، وروى عنه هشام بن عروة، ومالك بن أنس، وشعبة والثوري وابن عتبة، وابن المبارك وغيرهما، كان يتولى القضاء بمدينة رسول الله ﷺ وهو من بني أمية، وأقدمه منصور العراق، وولاه القضاء بالهاشمية، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة بها، كان إماماً من أئمة الحديث والفقه، عالماً ورعاً صالحاً زاهداً مشهوراً بالثقة والدين، (عن عبد الله بن عامر) الظاهر أن المراد به القرشي، خال عثمان بن عفان، ولد على عهد رسول الله ﷺ ، فأتى به، فتفل عليه وعوذه وبرك له النبي ﷺ ، ومات ﵇ وله ثلاث عشر سنة، وقيل: إنه لم يرو عن النبي ﷺ شيئاً، ولا حفظ عنه، ومات سنة تسع وخمسين. ولاَّه عثمان البصرة وخراسان، وأقام عليها إلى أن قتل عثمان، فلما أفضى الأمر إلى معاوية، رد فارس إليه ذلك، وكان شيخاً كريماً كثير المناقب، وهو افتتح خراسان، وقتل كسرى في ولائه. ولم يختلفوا أنه افتتح أطارف غاية خراسان وأصفهان وكرمان وحلوان، وهو
стр. 510
الذي شق نهر البصرة. وأحرم مرة من نيسابور وهو الذي عمل السقايات بعرفة شكر الله سعيه (عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ "إذا مات العبد والله يعلم منه شراً) أي فيما يكون شراً (ويقول الناس) أي ويشهد الصالحون في حقه (خيراً، قال الله للملائكة: قد قبلت شهادات عبادي) أي تزكيتهم (على عبدي) لأن الحكم في الشريعة على الظاهر والله أعلم بالسرائر (وغفرت علمي) أي ما علمت (من الشَّرِّ فيه) أي في حقه، وهذا يشير إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً لِتَكُونوا شُهَداء عَلى النَّاسِ﴾ (١).
- أنتم شهداء الله في الأرض
وروى الطبراني عن سلمة بن الأكوع، مرفوعاً: أنتم شهداء الله في الأرض والملائكة شهداء الله في السماء.
- إسناده عن يزيد بن صهيب
إسناده عن يزيد بن صهيب. بالتصغير، وهو من أجلاء التابعين.
أبو حنيفة: (عن يزيد بن صهيب، عن جابر بن عبد الله) ﵄ (عن النبي ﷺ أنه قال: يخرج الله مِنَ النَّارِ مِنْ أهل الإيمان) أي بعضهم المرتكبين للعصيان (بشفاعة محمد ﷺ ، قال: يزيد فقلت: إن الله تعالى
стр. 511
يقول ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ (١)) يعني وهو بظاهره يفيد أن كل من دخلها لا يخرج منها، كما توهم بعض المبتدعة (قال جابر: اقرأ ما قبلها) أي لتعلم تأويلها (﴿إن الذين كفروا﴾ (٢) إنما هي) أي الآية، نازلة (في الكفار) وأما حكم الفجار، فدخولهم تحت المشيئة كقوله تعالى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُوْنَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ (٣) وخروجهم منها لا بد منه، كما دل عليه الأدلة القاطعة من الأحاديث الشافية الساطعة، منها قوله ﵊: من قال "لا إله إلا الله دخل الجنة" أي ولو أخر، جمعاً بين الأدلة.
(وفي رواية "يخرج قومٌ من أهل الإيمان) أي من النار، وكان دخولهم لأجل العصيان (بشفاعة محمد ﷺ ، قال يزيد: قلت: إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِين مِنْها﴾ قال جابر: اقرأ ما قبلها ﴿إن الذين كفروا﴾ ذلك) أي الحكم المذكور (للكفار) أي في شأنهم، كما يدل عليه قوله سبحانه فيما بعده: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيم﴾ أي دائم، بخلاف عذاب الفجار، فإن عاقبتهم النجاة من النار.
стр. 512
- شفاعة أهل الإيمان من العصاة
(وفي رواية عن يزيد قال: سألت جابراً عن الشفاعة) أي وقوعها في حق المؤمنين، (قال: يعذب الله قوماً من أهل الإيمان بذنوبهم) أي بأنواع من العصيان سوى الكفر، والكفران، (ثم يخرجهم بشفاعة محمد ﷺ ، فقلت: فأين قول الله أي أين محله في هذا المحل (فذكر الحديث إلى آخره).
- مرتكب الكبيرة لا يكفر
أبو حنيفة: (والسعودي) أي رويا كلاهما (عن يزيد، قال: كنت أرى رأي الخوارج) أي مذهبهم في أن أهل الكبائر كفار وأن الشفاعة ليست في حقهم، بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُم شَفَاعَةُ الشَّافِعِين﴾ (١). وقوله سبحانه: ﴿ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم ولا شَفِيعٍ يُطَاع﴾ (٢) (فسألت بعض أصحاب النبي ﷺ ، أي منهم جابر، كما سبق (فأخبرني) إفراد الضمير وهو محتمل أن يراد بالبعض فرد أو جمع لأنه مفرد للنبي (أن النبي ﷺ قال:) أي شرح (بخلاف ما كنت أقول) أي من الرأي الفاسد، والمذهب الكاسد (فأنقذني الله بذلك) أي أخلصني الله بتحديثه هنالك.
أبو حنيفة: (عن جبلة) بفتح الجيم والموحدة (ابن سجيم) بالتصغير
стр. 513
(عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى") أي فرضاً أو نفلاً (فلا يَفْتَرِشُ ذراعيهِ افْتِراشَ الكلب") وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان الثوري، عن آدم بن علي الكبري، قال: رآني عمي وأنا أصلي، لا أتجافى عن الأرض بذراعي، فقال: يا ابن أخي لا تبسط بسط السبع، وادَّعِم على راحتك، وأبد ضبعيك، ورواه ابن حبان والحاكم، وضحى مرفوعاً: "لا تبسط بسط السبع وادعم على راحتك" قوله وادعم بتشديد الدال وكسر العين المهملة، أي اتكىء، والضبع بسكون الموحدة العضد، وقيل وسطه، وفي الصحيحين من حديث عبد الله ابن مالك ابن بحينة، قال: كان رسول الله ﷺ يجنح في سجوده حتى يرى فضح إبطيه، أي بياضهما، وقوله يجنح بالجيم وتشديد النون أي يجافي.
وروى أحمد وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، والحاكم عن عبد الرحمن بن شبل، أنه ﵊ نهى عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان في المسجد، كما يوطن البعير.
- الأضحية
وبه، (عن جبلة، عن ابن عمر، قال: جرت السنة من رسول الله ﷺ في الأضحية) أي ثبتت مشروعية الأضحية، إما وجوباً كما هو مذهبنا، أو ندباً، كما هو مذهب بعض الأئمة في الأحاديث النبوية.
وبه: (عن جبلة عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ في النخل) أي في
стр. 514
بيع ثمرها (حتى يبدو) أي يظهر (صلاحه) ونوب فساده، وقد روى أحمد والشيخان عن جابر، أنه ﵊ نهى عن بيع الثمر حتى يطيب.
وفي رواية للبخاري عن أنس: نهى عن بيع الثمرة حتى تبدو صلاحها، وعن النخل حتى تزهو.
- الخضاب بالسواد منهي عنه
أبو حنيفة: (عن يحيى بن عبد الله الكندي) بكسر الكاف نسبة إلى قبيلة بني كندة (عن أبي الأسود، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ أَحسَن ما غَيرْتُمْ به الشَيْب، وفي رواية: هذا الشيب الحناء) بكسر الحاء وتشديد النون، ممدوداً ويقصر (والكتم) بفتح الكاف والتاء المخففة، وقد يشدد وهو الوسمة.
والأظهر أن الواو بمعنى أو لأن الجمع بينهما يورث السواد، وهو منهي عنه، وقد بسطت ما يتعلق به من المسائل في شرح الشمائل، الحديث بعينه رواه أحمد والأربعة.
وفي رواية: قال "أحسن ما غيرتم به الشعر) بفتحتين، ويسكن العين واللام للعهد، أي الشعر الأبيض من اللحية (الحناء والكتم. وفي رواية: من أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم).
стр. 515
- حديث المزدلفة
أبو حنيفة: (عن يحيى بن جثة بن أبي حبان، عن ثاني، عن ابن عمر قال:) أي يريد (أفَضْنَا) أي رجعنا (معه) أي مع ابن عمر (من عرفات، فلما نزلنا جمعاً) أي المزدلفة، قيل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ به جَمْعَاً﴾ (١) (أقام) أي نفسه، وأمر بإقامة الصلاة (فصلينا المغرب معه، ثم تقدم، فصلى ركعتين) أي من غير إقامة ثانية.
وبه: قال بعض المشايخ، وأراد بهما صلاة العشاء لكونه مسافراً (ثم دعا بماء فصب عليه) إما دفعاً للحرارة، أو غسلاً، لكونه للمزدلفة، (ثم أوى) بقصر الهمزة، ويمد أي ذهب (إلى فراشه، فقعدنا ننظر الصلاة طويلاً) أي زماناً كثيراً، ظناً أن ركعتيه كانت سنة المغرب، أو نافلة، وذهابه إلى فراشه استراحة كاملة، ثم قلنا: يا أبا عبد الرحمن الصلاة، أي أدركها، (فقال:) أي الصلاة، (فقلنا: العشاء الآخرة فقال أما) بالتخفيف، ويحتمل أن يكون بالتشديد، (كما صلى رسول الله ﷺ فقد صليت).
وتعلق الشافعي بظاهره حيث يقول: هذا الجمع بالمزدلفة، كما قبله بعرفة، محمول على جميع المسافر من نوع الجمع تقديم وتأخير.
стр. 516
وعندنا هذا الجمع للنسك يستوي فيه المسافر والمقيم.
(وفي رواية عن ابن عمر أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء)، يعني بالمزدلفة، والحديث في الصحيحين وغيرهما عن جابر وجماعة.
- من سل علينا السيف
وبه، (عن يحيى، عن حميد) تابعي جليل، (عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ سَلَّ السيف) أي شهر بالمقاتلة الباطلة (على أمتي) أي الإجابة (فإن لجهنم سبعة أبواب) كما نص عليه في الكتاب، (باب منها لمن سل السيف) أي على هذه الأمة من غير إذن في الشريعة.
وقد روى أحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع مرفوعاً: "مَنْ سل علينا السيف فليس منا".
أبو حنيفة (عن زبيد) بالتصغير (بن الحارث اليمامي) وفي نسخة الثاني (عن ابن عمر، عن عبد الرحمن بن أبزى بفتح الهمزة وسكون الموحدة، فزاء، وهو الخزاعي، مولى نافع بن عبد الحارث، سكن الكوفة، وأكثر روايته عن عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وروى عنه ابناه سعيد، وعبد الله، وغيرهما، ومات
стр. 517
بالكوفة، (قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ) أي غالباً (في وتره ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾) أي في الركعة الأولى بعد الفاتحة، (و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ في الثانية، و ﴿قل هو الله أحد﴾ في الثالثة) وقد تقدم نحوه عن ابن مسعود، عن أمه مرفوعاً.
(وفي رواية: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الوتر في الركعة الأولى ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ أي إلى آخره (وفي الثانية قل للذين) يعني أي يريد الراوي بقوله: قل للذين، ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، أي هذه السورة (فهكذا) أي قل للذين كفروا (في قراءة ابن مسعود) أي طبق ما في مصحفه، وهذه من جملة ما ارتفع تواتره وبقي شاذاً، وفي الثالثة ﴿قل هو الله أحد﴾ إلى آخره.
(وفي رواية: أنه كان يقرأ في الوتر في الركعة الأولى، ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وفي الثانية، ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثالثة ﴿قل هو الله أحد﴾ (١)).
стр. 518
(وفي رواية، كان يوثر بثلاث ركعات) أي بتسليمة واحدة، كما روت عائشة، على ما رواه الحاكم عنها، قالت: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. وكذا روى النسائي عنها، قالت: كان النبي ﷺ لا يسلم في ركعتي الوتر في مصنف ابن أبي شيبة بسنده، عن الحسن، قد أجمع المسلمون على أن الوتر في ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. (يقرأ فيها بـ ﴿سبح اسم ربك الإعلى﴾، و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، و ﴿قل هو الله أحد﴾ وروى الطحاوي بسنده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، إلى آخره.
وأما في حديث عائشة المروي في السنن الأربعة، وصحيح ابن حبان، والمستدرك، كان يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بفاتحة الكتاب، و ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وفي الثانية، بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثالثة، بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين، وظاهره الجمع بين السور الثلاث في الركعة الآخرة من الوتر، وهو خلاف سائر الروايات، على أنه يلزم منه تطويل الثالثة على الثانية.
ولا يبعد أن يقال: الواو (١) بمعنى أو، وفي الثالثة ﴿قل هو الله أحد﴾ أحياناً، وبكل واحدة من المعوذتين أحياناً.
قال ابن الهمام: واعلم أن فيما روينا قراءته عليه الصلاة
стр. 519
والسلام في الثالثة بسورة الإخلاص، والمعوذتين، ولم يذكر أصحابنا سوى قراءة الإخلاص، وذلك لأن أبا حنيفة روى في مسنده، عن حماد عن ابراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية، قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد، ويقنت قبل الركوع، ولا يعرف من فعله ﷺ أنه جمع بين السور في ركعة واحدة.
قيل رواه ابن أبي شيبة عن بعض الصحابة مرفوعاً: "أعطى كل سورة حظها في الركوع والسجود".
- لا تنكح البكر حتى تستأمر
أبو حنيفة: (عن شيبان، عن ابن عبد الرحمن، عن يحيى ابن أبي كثير) يكنى أبا نصر اليماني، مولى الطي، أصله بصري، صار إلى اليمامة، رأى أنس بن مالك، وسمع عبد الله بن قتادة، وروى عنه عكرمة، والأوزاعي، وغيرهما، (عن المهاجر بن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُنْكَحُ البكْر) أي البالغة (حتى تُسْتَأمَر) بصيغة المجهول، أي حتى يستأمر (ورضاها) القائم مقام أمرها (سُكُوتُها، ولا تُنْكَحْ الثيب) أي البالغة (حتى تستأذنَ، ولا بد من إذنها (صريحاً).
(وفي رواية: حتى تشاور).
(وفي رواية: لا تنكحْ البكر حتى تُسْتَأمر، وإذا سكتت فهو) أي سكوتها (إذنها) أي في حكم صريح إذنها، وسبب ذلك، أن الحياء غالب عليها، (ولا تنكح الثيب حتى تستأذن) والمعنى، أن سكوتها ليس يقوم مقام رضاها، كما يدل عليه حسن المقابلة، وفي صحيح مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ومالك في
стр. 520
الموطأ مرفوعاً: "الأيّم أحَقُّ بِنَفْسِها مِنْ وليها والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها، وقوله الأيِّم بتشديد الياء المكسورة من لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً لكنه في المعنى الثاني أظهر وأشهد فتدبر هذا.
وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ومسند الإمام أحمد من حديث ابن عباس أن جارية بكراً أتت النبي ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها، وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ ، قال ابن القطان: حديث ابن عباس هذا صحيح.
وأخرج الدارقطني، عن ابن عباس أن النبي ﷺ ، رد نكاح ثيب وبكر أنكحهما أبوهما وهما كارهتان، واعلم أنه لا يجوز إجبار البكر البالغة على النكاح عندنا خلافاً للشافعي.
ومعنى الإجبار: أن يباشر العقد، فينعقد عليها، شاءت أو أبت، ومبنى الخلاف، أن علة ثبوت ولاية الإجبار، أهو الصغر؟ أم البكارة؟ فعندنا الصغر، وعند الشافعي البكارة.
وبه (عن شيبان، عن يحيى، عن المهاجر، عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يزوج إحدى بناته) أي على إحدى (يقول: إن فلاناً يذكر فلانة) أي يخطبها، وهو كناية (ثم يزوجها) أي يجرد عرضها عليها، وتحقق سكوتها.
(وفي رواية: عن أبي هريرة قال: "كان النبي ﷺ إذا زوج) أي أراد أن يزوج (إحدى بناته، أتى خدرها) بكسر الخاء المعجمة أي جاء وراء سترها (فيقول، إن فلاناً يذكر فلانة، ثم يزوجها).
стр. 521
(وفي رواية قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب إليه) بصيغة المجهول (ابنة من بناته أتى خدرها فقال إن فلاناً يذكر فلانة، ثم ذهب) أي عنها (فأنكح) أي في غيبتها.
- نهى رسول الله ﷺ عن صوم الصمت وصوم الوصال
وبه: (عن شيبان، عن يحيى، عن المهاجر، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن صوم الصَمْتِ وصَوْمِ الوِصَالِ) وقد سبق.
- فوت صلاة العصر
وبه: (عن شيبان، عن يحيى، عن أبي بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ فَاتَتْهُ صَلاَةُ العَصْرِ) أي باختياره من دون نِسيَانِه واضطرارِه (فَكَأَنَّمَا وَتِرَ) بصيغة المجهول، أي نقص، من وتَر يتر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم﴾ (١). وقوله (أهله وماله) ضبط برفعهما ونصبهما، بناء على أنه متعد إلى مفعول، أو مفعولين، وهو الظاهر من الآية.
стр. 522
ورواه أحمد والبخاري والنسائي، عن بريدة بلفظ: "مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ حَبطَ عَمَلُهُ" أي كمال عمله.
ولعل وجه التخصيص مع أنه ورد على ما رواه الطبراني عن ابن عباس، "مَنْ تَرَكَ صَلاَةً لَقِيَ الله وهُوَ عَلَيهِ غَضْبَان" بناء على القول المعتمد في الصلاة الوسطى، إنها العصر على ما حرر في محله.
- تعجيل صلاة العصر
وبه (عن شيبان عن يحيى عن ابن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ "بكروا) أمر من التبكير، وهو المبادرة إلى الشيء، أي في بكور الوقت، أي أوله، والمعنى: أسرعوا (لصلاة العصر) أي لأدائها قبل فواتها، وسيأتي في الحديث الآتي أنه مقيد بيوم فيه غيم، وإلا فتأخيرها مستحب ما لم يصفر الشمس، فإنه يكره.
(وفي رواية عن بريدة الأسلمي) أسلم قبل بدر، ولم يشهدها، وبايع بيعة الرضوان، وكان ساكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، ثم خرج منها إلى خراسان غازياً، فمات بمرور سنة اثنين وستين.
روى عنه جماعة، (قال: قال رسول الله ﷺ : "بكروا لصلاة العصر في يوم غيم، فإن مَنْ فاتَه صَلاَةَ العصْرِ) أي متعمداً (حتى تغرب الشمس) بيان لغاية الفوت (فقد حَبِطَ عَمَلُهُ) رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان، عن يزيد بلفظ: "بكروا بالصلاة في يَومِ الغَيْم. فإنه من ترك صلاة العصر حبط عمله".
стр. 523
- دعاء جنازة
وبه (عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة) أحد الفقهاء السبعة، وأجلاء التابعين في المدينة، وقد سبق ذكره (عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ : "كان يقول: إذا صلى على الميت) أي بعد التكبيرة الثالثة (اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا) أي حاضرنا (وغائبنا) والمقصود المبالغة في الاستيعاب، (وصغيرنا) أي من سيفعل ذنباً (وكبيرنا) والمراد بها شابنا وشيخنا (وذكرنا وأنثانا) والمراد استيفاء أنواع المؤمنين والمؤمنات، والحديث في الحصن الحصين، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد، وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة.
قال ابن الهمام: وفي حديث إبراهيم الأشهل، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة، قال: اللهم، اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، رواه الترمذي والنسائي.
ورواه أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وزاد فيه: اللهم من أحييته منا، فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان.
وفي رواية لأبي داود، نحوه، وفي أخرى: ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده. انتهى.
وفي رواية النسائي: ولا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وروى زيادة، واغفر لنا وله.
- حديث المشورة
وبه (عن شيبان عن عبد الملك) الظاهر أنه ابن عمر الفرسي الكوفي المنسوب
стр. 524
إلى الفرس، ومن لا يدري، يقول: القرشي، نسبة إلى قريش، وليس كذلك، وإنما هو منسوب إلى فرسة كان على قضاء الكوفة بعد الشعبي، ومن مشاهير التابعين وثقاتهم، ومن كبار أهل الكوفة، روى عن جندب بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وعنه الثوري وشعبة، مات سنة ست وثلاثين، أو نحوها، وهو ابن ثلاث وستين.
(عن جده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ استشارك") أي طلب منك الدلالة على الرشد بطريق المشورة في الأمر الذي أراد، أمراً بقوله تعالى: ﴿وأمْرُهُم شُوْرَى بَيْنَهُمْ﴾ (١) وبما ورد من قوله ﵊: "ما خَابَ مَنْ استَشَار، وما نَدِمَ مَنْ استَخَار" (فَأَبْشِرْهُ برشد) بضم فسكون وبفتحتين أيضاً، أي فدله على الرشاد، وطريق الصلاح والسداد (فإن لم يفعل) أي لو سكت عنه ما علمك بما هو خير له (فقد خنته) في مقام المراد، وهو نوع من الفساد، والله رؤوف بالعباد.
وروى ابن ماجه عن جابر مرفوعاً: " إذا اسْتَشَارَ أحَدُكُم أخاً فَلْيُشِرْ عَلَيْهِ".
- لا نذر في معصية
أبو حنيفة: (عن محمد بن الزبير الحنظلي، عن الحسن) أي البصري (عن عمران بن حصين) يكنى أبا نجيد بضم النون، وفتح الجيم وسكون تحتية، فدال
стр. 525
مهملة، الخزاعي، عن الكعب أسلم عام حنين، سكن البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين وخمسين. وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، أسلم هو وأبوه، روى عنه أبو رجاء، ومصرف، وزارة بن أبي أوفى، (قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر) أي لا يحل نَذْرٌ (في معصية الله) لكن لو نذر فيها، لا وفاء عليه (وكفارته كفارة يمين").
والحديث بعينه رواه الأربعة وأحمد عن عائشة والنسائي، عن عمران بن حصين.
وبه (عن محمد بن الزبير، عن الحسن، عن عمران قال، قال رسول الله ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أن يطيع الله) سواء في واجب أو غيره (فليطعه، ومن نذر أن يعصيه) أي يعصي الله كما في رواية (فلا يعصه) أي بل كفر عن حنثه فيه كفارة يمين، (ولا نذر) أي في منعقد أي في حال شدته حيث لم يكن في شعوره من كمال حدثه. أو المعنى، لا نذر في فعل غضب ولا تركه، لأنه فعل جبلي لا اختياري، والأول أظهر. ولعل هذا مذهب علي حين قال في يمين اللغو: هو اليمين في الغضب، وتبعه طاووس.
والحديث بعينه رواه أحمد والبخاري والأربعة عن عائشة، إلا أنه ليس في روايتها: ولا نذر في غضب.
стр. 526
- حرمت الخمر والسكر من كل شراب
(أبو حنيفة: عن أبي عون محمد الثقفي الحجازي) الظاهر أنه محمد بن أبي بكر بن عوف الثقفي الحجازي، روى عن أنس بن مالك، وعنه جماعة (عن عبد الله بن شداد) بتشديد الدال الأولى (عن ابن عباس) أي موقوفاً: (أنه قال: حرمت الخمر) أي مطلقاً (قليلها) أي ولو قطرة مخلوطة أو غيرها (وكثيرها) وهو ما يبلغ حد السكر (وما بلغ السكر) أي وحرم قدر ما تبلغ السكر (من كل شراب) أي يكون غيرها.
(وفي رواية عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها) أي بذاتها، قال ابن الهمام: والرواية المعروفة فيه بالباء لا باللام انتهى. ويفيد قوله بعينها، أنه يحرم شربها وبيعها وأكل ثمنها (قليلها وكثيرها) وهذا مستفاد من الكتاب والأحاديث المشهورة من السنة (والسكر من كل شراب) كذا في الأصل.
وقال ابن الهمام: الرواية والمسكر من كل شراب، ولفط السكر تصحيف، والمعنى أن كل شراب غيرها، فما حرم بعينه، بل إذا بلغ حد سكر.
وقد ورد كل مسكر حرام، ورواه أحمد والشيخان وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي موسى، وأحمد، والنسائي، وابن عمر والنسائي وابن ماجه، عن ابن مسعود.
стр. 527
وفي رواية أحمد ومسلم والأربعة عن ابن عمر بلفظ: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها، ولم يتب، لم يشربها في الآخرة.
وما رواه أبو داود والترمذي، عن عائشة ﵂، بلفظ: كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام.
وفي لفظ الترمذي: الحُسُرَةُ منه حرام، قال الترمذي: حديث حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه.
وفي رواية النسائي وابن حبان: نهى عن قليل ما أسكر كثيره، فتعلق بظاهره الشافعي رحمة الله عليه، حتى قال أصحابه بحرمة أكل الجوز الهندي والزعفران، ونحوهما، ولو شيئاً قليلاً.
قال ابن الهمام: والخلاف إنما يتعلق في غير الخمر من الأنبذة بالسكر، وفي الخمر بشرب قطرة واحدة، وعند الأئمة الثلاثة ﵏: كل ما أسكر كثيره، حرم قليله وحد به، لقوله ﵊: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، رواه مسلم.
- التشبيه بحذف أداته
وفي رواية أحمد، وابن حبان في صحيحه، وعبد الرزاق: وكل خَمرٍ حرام، لكن كلها محمولة على التشبيه بحذف أداته، فكل مسكر حرام، كزبد السكر، أي في حكمه، ثم لا يلزم من التشبيه عموم وجهه في كل صفة، فلا يلزم من ثبوت هذه الأحاديث، ثبوت الحد بالأشربة، التي هي غير الخمر، بل تصحيح الحمل المذكور فيها ثبوت حرمتها في الجملة، أما قليلها وكثيرها، أو كثيرها المسكر منها، وحمل بعضهم على ما به حصل السكر، وهو القدح الأخير.
وقد أسند إلى ابن مسعود ﵁ أنه قال: كل مسكر حرام هي الشربة
стр. 528
التي أسكرتك. أخرجه الدارقطني وكذا نقل عن إبراهيم النخعي، قيل، وإنما منع قليلها، لأنه يجر غالباً إلى كثيرها. فهو من قبل منع الأعمى حول الجب مخافة أن يقع فيه.
هذا وروى الدارقطني في سننه: أن أعرابياً شرب من إداوة عمر نبيذاً فسكر منه، فضربه الحد، فقال الأعرابي: إنما شربته من إداوتك، فقال عمر: إنَّما جلَدْناكَ بالسكر.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن حبان بن مخارق، قال: بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ سافر رجلاً في سفر، وكان صائماً، فلما أفطرا هوى إلى قربة لعمر معلقة فيه نبيذ، فشربه، فسكر. فضربه عمر الحد، فقال: إنما شربته من قربتك، فقال له عمر ﵁: إنما جلدناك لسكرك.
وروى الدارقطني عن الشعبي، أن رجلاً شرب من إداوة علي بصفين، فسكر، فضربه الحد.
ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بنحوه، وقال: فضربها به ثمانين.
- تعدد الطرق يرقي الحديث إلى حد الحسن
وروى ابن أبي شيبة بسنده عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، قال في سكر النبيذ، ثمانين، فهذه الأحاديث، وإن ضعف بعضها، فبتعدد الطرق، يرتقي إلى حد الحسن، ثم هذا الذي ذكر من أن حد الخمر والسكر من غيرها ثمانون سوطاً، وهو مذهبنا، وهو قول مالك ﵀، وأحمد ﵀.
وفي رواية عن أحمد، وهو قول الشافعي ﵀، أربعون، إلا أن الإمام لو رأى أن يجلده ثمانين، جاز على الأصح، وتحقيق هذا المرام، في شرح الهداية لابن الهمام.
стр. 529
- إسلام الوحشي
أبو حنيفة: عن محمد بن السائب الكلبي، أحد أكابر المحدثين (عن أبي صالح) وهو ذكوان السمان، وتقدم ذكره، (عن ابن عباس ﵁ أن وحشياً) أي ابن حرب النحشي من سودان مكة، مولى جبير بن مطعم (لما قتل حمزة ﵁ وهو ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، وذلك في غزوة أحد، وكان وحشي يومئذ كافراً (مكث) بفتح الكاف وضمها، أي لبث (زماناً) أي على كفره (ثم وقع في قلبه الإسلام) أي بعد الطائف، (فأرسل إلى رسول الله ﷺ أي مخبراً (أنه) أي الشأن (قد وقع في قلبه الإسلام) أي محبته (وقد سمعتك) أي بلغني عنك (تقول عن الله تعالى) أي ناقلاً عن كتابه (﴿وَالّذِينَ لاَ يَدعُونَ مَعَ الله إلهاً آخَرَ﴾) أي يوحدون الله تعالى (﴿ولا يقتُلُونَ النَّفْسَ الّتي حَرَّمَ الله إِلاّ بالحَقِّ﴾) أي بأمره (﴿ولا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ﴾) أي ما ذكر من الشرك، وقتل النفس بغير الحق والزنا (﴿يَلْقَ أثاماً﴾) أي بالقصر والإشباع أي جزاء إثمه (﴿يُضاعَف﴾) بالجزم والرفع، ويضعف بالتشديد (﴿له العذاب يَوْمَ القيامة ويخلد﴾) أي يدوم (﴿فيه﴾) أي العذاب المخلد (﴿مهاناً﴾) (١) أي مذللاً (قال وحشي: فإني قد فعلتهن) أي الأفعال الثلاثة السابقة
стр. 530
جميعاً (فهل لي من رخصة) أي للدخول في الإسلام (قال: فنزل جبرائيل، فقال:) يا محمد (قل له ﴿إلا من تاب﴾) أي عن الشرك وسائر أنواع الكفر (﴿وآمن﴾) أي بجميع ما يجب به الإيمان (﴿وعمل عملاً صالحاً﴾) أي بعد إسلامه من صلاة وصوم وزكاة وحج ونحوها (﴿فأولئك﴾) أي التائبون الثابتون (﴿يبدل الله سيئاتهم﴾) أي السابقة (﴿حسنات﴾) أي لاحقة (﴿وكان الله غفوراً﴾) لمن تاب (﴿رحيماً﴾) (١) لمن آب.
لا يقال ظاهر بأنه سكوت عن معرض البيان فإن استثناء التوبة لما معروف عند الأعيان في كثير منه، أي القرآن، ولا يبعد أن الاستثناء لما بلغ الوحشي، فاستثناء بما قبله من غير اطلاع على ما بعده، ومن اللطائف أن قلندرا قيل له: لم لا تصلِّ، فقال: لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الصّلاَةَ﴾ فأجيب، بأن اقرأ ما بعدها، ﴿وأنتم سكارى﴾ (٢).
ومن هذا القبيل الاشكال السابق في قوله سبحانه ﴿وما هم بخارجين منها﴾ (٣) ودفعه باقرأ ما قبله. ﴿إن الذين كفروا﴾ (قال): أي ابن عباس (فأرسل رسول الله ﷺ بهذه الآية) أي التي فيها الاستثناء إليه، (فلما قرأت عليه، قال وحشي: إن في هذه الآية شروطاً) وكان يظن أن العمل الصالح شرط صحة الإيمان، كما ذهب إليه بعض أهل البدعة، ولم يدر أنه شرط كمال الإيمان، وسبب الخلاص من الدخول في النيران والوصول ابتدأ إلى الدرجات العالية في الجنان، (وأخشى أن لا آتي بها) أي بالأعمال الصالحة من ارتكاب المأمورات واجتناب المحظورات ولما أحقق أن أعمل عملاً صالحاً، أم لا، أي بأن أعيش حتى أعمل عملاً صالحاً بعد الإسلام، أو أراد