← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ فِي بَعْضِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنَّهُ لَا يَقْضِي مَا مَضَى. وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْحَائِضِ إنَّ الصَّوْمَ يَلْزَمُهَا لِاحْتِمَالِ الْأَدَاءِ ثُمَّ النَّقْلُ إلَى الْبَدَلِ وَهُوَ الْقَضَاءُ لِأَنَّ الْحَرَجَ لَمَّا عُدِمَ فِي ذَلِكَ بَقِيَ الْحُكْمُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَقَدْ بَطَلَ الْأَدَاءُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ فَبَطَلَ الْوُجُوبُ لِعَدَمِ حُكْمِهِ مَعَ قِيَامِ مَحَلِّ الْوُجُوبِ وَقِيَامِ سَبَبِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي الْجُنُونِ إذَا امْتَدَّ فَصَارَ لُزُومُ الْأَدَاءِ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِالْأَدَاءِ وَبَطَلَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ لِعَدَمِ الْحُكْمِ أَيْضًا، هَذَا فِي الصَّلَوَاتِ وَالصِّيَامِ مَعًا ــ [كشف الأسرار] حُكْمُ الْوُجُوبِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْغُلُوِّ وَإِخْلَاءٌ لِإِيجَابِ الشَّرْعِ عَنْ الْفَائِدَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْحُكْمِ فِي الدُّنْيَا تَحْقِيقُ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ وَفِي الْآخِرَةِ الْجَزَاءُ وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْأَدَاءُ فِيهِ يَظْهَرُ الْمُطِيعُ مِنْ الْعَاصِي فَيَتَحَقَّقُ الِابْتِلَاءُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [هود: ٧] وَكَذَا الْمُجَازَاةُ فِي الْآخِرَةِ تُبْتَنَى عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] فَثَبَتَ أَنَّ الْوُجُوبَ بِدُونِ حِكْمَةٍ غَيْرُ مُفِيدٍ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِثُبُوتِهِ شَرْعًا وَهَذَا أَيْ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ أَسْلَمُ الطَّرِيقَيْنِ عَنْ الْفَسَادِ صُورَةً لِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْإِجْمَاعِ فَالْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ثُمَّ بِسُقُوطِهَا عَنْهُ لَا يَخْلُو عَنْ فَسَادِ صُورَةٍ فَكَانَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ أَصْلًا أَسْلَمَ عَنْ الْفَسَادِ وَمَعْنًى لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ غَيْرِ أَدَاءً وَقَضَاءٍ خَالٍ عَنْ الْفَائِدَةِ فَكَانَ فَاسِدًا مَعْنًى وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ سَالِمٌ عَنْ هَذَا الْفَسَادِ الْمَعْنَوِيِّ وَتَقْلِيدًا أَيْ لِلسَّلَفِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِالْوُجُوبِ عَلَى الصَّبِيِّ أَصْلًا وَحُجَّةً أَيْ اسْتِدْلَالًا فَإِنَّ الْوُجُوبَ لَوْ كَانَ ثَابِتًا عَلَيْهِ ثُمَّ سَقَطَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا أَدَّى كَانَ مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ فِي رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ وَحَيْثُ لَمْ يَقَعْ الْمُؤَدَّى عَنْ الْوَاجِبِ بِالِاتِّفَاقِ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ أَصْلًا وَكَذَا قَوْلُهُ ﵇ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ أَصْلًا فَكَانَ الْقَوْلُ بِهِ قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوُجُوبَ لَازِمٌ مَتَى صَحَّ الْقَوْلُ بِحُكْمِهِ وَمَتَى بَطَلَ الْقَوْلُ بِحُكْمِهِ بَطَلَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ. قُلْنَا فِي الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ فِي بَعْضِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنَّهُ لَا يَقْضِي مَا مَضَى لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِيمَا مَضَى لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الثَّانِي لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْحَرَجِ فَلَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ أَصْلًا حَتَّى لَوْ أَدَّى فِي الْحَالِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ كَانَ مُنْتَقِلًا ابْتِدَاءً لَا مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ وَبِقَوْلِهِ فِيمَا مَضَى أَشَارَ إلَى أَنَّهُ يُؤَدِّي مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ لِأَنَّهُ صَارَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ بِالْبُلُوغِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ حَيْثُ يَقْضِي مَا مَضَى لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَقَرِّرٌ فِي حَقِّهِ لِاحْتِمَالِ الْأَدَاءِ بِانْقِطَاعِ الْجُنُونِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَعَدَمِ الْحَرَجِ فِي النَّقْلِ إلَى الْخَلَفِ وَهُوَ الْقَضَاءُ فَأَمَّا الصِّغَرُ فَعُذْرٌ دَائِمٌ لَا يَحْتَمِلُ الِانْقِطَاعَ إلَى أَنْ يَبْلُغَ فَكَانَ احْتِمَالُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ مُنْقَطِعًا فَلَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا بَنَيْنَا حُكْمَ الصَّبِيِّ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ بَنَيْنَا حُكْمَ الْحَائِضِ عَلَيْهِ أَيْضًا فَقُلْنَا إنَّ الصَّوْمَ يَلْزَمُهَا لِاحْتِمَالِ الْأَدَاءِ إذَا النَّجَاسَةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ مِنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لِأَنَّ قَهْرَ النَّفْسِ يَحْصُلُ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ وَيَصِحُّ الْأَدَاءُ مَعَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ بِالِاتِّفَاقِ فَيَثْبُتُ الْوُجُوبُ وَلَكِنْ الشَّرْعُ لَمَّا مَنَعَهَا مِنْ الْأَدَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ انْتَقَلَ الْحُكْمُ إلَى الْقَضَاءِ لِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ كَمَا فِي الْحَلِفِ عَلَى مَسِّ السَّمَاءِ وَالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ انْتَقَلَ الْحُكْمُ إلَى الْكَفَّارَةِ وَالتُّرَابِ لِلْعَجْزِ الْحَالِي عَلَى مَا مَرَّ وَكَذَلِكَ أَيْ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي الصَّبِيِّ وَالْحَائِضِ قَوْلُنَا فِي الْمَجْنُونِ يَعْنِي كَمَا بَنَيْنَا حُكْمَهَا عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ بَنَيْنَا حُكْمَ الْمَجْنُونِ عَلَيْهِ أَيْضًا فَقُلْنَا إذَا امْتَدَّ الْجُنُونُ حَتَّى صَارَ لُزُومُ الْأَدَاءِ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ بِأَنْ اسْتَغْرَقَ الشَّهْرَ فِي الصَّوْمِ أَوْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ مِنْ الْأَصْلِ لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْأَدَاءُ فِي الْحَالِ وَالْقَضَاءُ فِي ثَانِي الْحَالِ بِسَبَبِ الْحَرَجِ الَّذِي يَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى

стр. 1367

وَإِذَا لَمْ يَمْتَدَّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَزِمَهُ أَصْلُهُ لِاحْتِمَالِ حُكْمِهِ وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ وَاحْتَمَلَ الْأَدَاءَ قُلْنَا بِوُجُوبِ أَصْلِ الْإِيمَانِ دُونَ أَدَائِهِ حَتَّى صَحَّ الْأَدَاءُ وَذَلِكَ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْوُجُوبَ جَبْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِأَسْبَابٍ وُضِعَتْ لِلْأَحْكَامِ إذَا لَمْ يَخْلُ الْوُجُوبُ عَنْ حُكْمِهِ وَلَيْسَ فِي الْوُجُوبِ تَكْلِيفٌ وَخِطَابٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَدَاءِ وَلَا خِطَابَ وَلَا تَكْلِيفَ عَلَى الصَّبِيِّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ حَتَّى يَبْلُغَ فَثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْإِيمَانِ لَكِنْ صِحَّةُ الْأَدَاءِ يَبْتَنِي عَلَى كَوْنِ الشَّيْءِ مَشْرُوعًا وَعَلَى قُدْرَةِ الْأَدَاءِ لَا عَلَى الْخِطَابِ وَالتَّكْلِيفِ كَالْمُسَافِرِ يُؤَدِّي الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ خِطَابٍ وَلَا تَكْلِيفٍ. ــ [كشف الأسرار] قَوْلِهِ هَذَا أَيْ سُقُوطُ الْوُجُوبِ عِنْدَ الِامْتِدَادِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ مَعًا وَإِذَا لَمْ يَمْتَدَّ بِأَنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ الشَّهْرَ فِي الصَّوْمِ لَزِمَهُ أَصْلُهُ أَيْ أَصْلُ الصَّوْمِ يَعْنِي ثَبَتَ فِي حَقِّهِ نَفْسُ الْوُجُوبِ لِاحْتِمَالِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ لِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِيهِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَمْتَدَّ الْجُنُونُ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِي إيجَابِ قَضَائِهَا وَلَكِنَّهُ خَصَّ الصَّوْمَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ وَضَعَ مَسْأَلَةَ بُلُوغِ الصَّبِيِّ فِي الصَّوْمِ فَذَكَرَ فِي مُقَابَلَتِهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ. قَوْلُهُ (وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ وَاحْتَمَلَ الْأَدَاءَ) أَيْ أَدَاءَ الْإِيمَانِ قُلْنَا بِوُجُوبِ أَصْلِ الْإِيمَانِ أَيْ بِثُبُوتِ نَفْسِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ دُونَ وُجُوبِ أَدَائِهِ حَتَّى صَحَّ الْأَدَاءُ يَعْنِي عَنْ الْفَرْضِ لِمَا نُبَيِّنُ. وَذَلِكَ أَيْ ثُبُوتُ نَفْسِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ إذَا عَقَلَ لِمَا عُرِفَ فِي بَابِ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ وَغَيْرِهِ أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ بِأَسْبَابٍ وُضِعَتْ لِلْأَحْكَامِ إذَا لَمْ يَخْلُ الْوُجُوبُ عَنْ حُكْمِهِ وَهُوَ الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ أَوْ عَنْ حِكْمَةٍ أَيْ فَائِدَةٍ يَعْنِي أَصْلَ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ لَا يَثْبُتُ بِالْأَمْرِ لِيَتَعَلَّقَ صِحَّتُهُ بِكَوْنِ الْمَأْمُورِ مِنْ أَهْلِ الْفَهْمِ بَلْ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَسْبَابِ وَالْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ لِإِلْزَامِ أَدَاءِ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ بِسَبَبِهِ وَوُجُوبُ الْإِيمَانِ مُتَعَلِّقٌ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَأَنَّهُ مُتَقَرِّرٌ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَذِمَّتُهُ قَابِلَةٌ لِلْوُجُوبِ لِأَنَّ الصِّبَا لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِلْوُجُوبِ بِنَفْسِهِ فَثَبَتَ الْوُجُوبُ إذَا تَضَمَّنَ فَائِدَةً لَكِنَّ الْأَدَاءَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ عَقَلَ لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِعُذْرِ النَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ، وَكَذَا إذَا وَصَفَ مَرَّةً لَا يَلْزَمُهُ ثَانِيًا فَيَسْقُطُ بِعُذْرِ الصِّبَا أَيْضًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا تَكْلِيفَ وَلَا خِطَابَ عَلَى الصَّبِيِّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ وَإِذَا كَانَ الْوُجُوبُ حَاصِلًا وَأَدَّاهُ بِشَرْطٍ وَهُوَ الشَّهَادَةُ عَنْ مَعْرِفَةٍ صَحَّ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ بَعْدُ كَمَا صَحَّ مِنْهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ وَإِذَا صَحَّ كَانَ فَرْضًا لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ بَيْنَ نَفْلٍ وَفَرْضٍ وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ الْإِقْرَارِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَلَا كَذَلِكَ الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ فَيَقَعُ نَفْلًا وَلِأَنَّ نَفْسَ وُجُوبِ الْإِيمَانِ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِ لِمَا قُلْنَا أَلَا يَرَى أَنَّ امْرَأَتَهُ لَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ أَبَى هُوَ الْإِسْلَامَ بَعْدَمَا عَرَضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا إذَا امْتَنَعَ عَنْهُ فَثَبَتَ أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وَوُجُوبُ الْإِيمَانِ بَعْدَمَا ثَبَتَ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِعُذْرٍ فَلَا يَسْقُطُ بِالصِّبَا أَيْضًا فَيَقَعُ أَدَاؤُهُ فَرْضًا لَا مَحَالَةَ وَالصَّلَاةُ تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِأَعْذَارٍ كَثِيرَةٍ فَتَسْقُطُ بِالصِّبَا أَيْضًا وَلَمَّا سَقَطَ أَصْلُ الْوُجُوبِ اسْتَقَامَ إثْبَاتُهَا نَفْلًا وَخَرَجَ السَّبَبُ عَنْ السَّبَبِيَّةِ. وَهَذَا هُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ وَأُسْتَاذِ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَالْقَاضِي الْإِمَامِ ﵀ وَجَمَاعَةٍ سِوَاهُمْ وَقَالَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَإِنْ عَقَلَ مَا لَمْ يَعْتَدِلْ حَالُهُ بِالْبُلُوغِ فَإِنَّ الْأَدَاءَ مِنْهُ يُصَحَّحُ بِاعْتِبَارِ عَقْلِهِ وَصِحَّةُ الْأَدَاءِ تَسْتَدْعِي كَوْنَ الْحُكْمِ مَشْرُوعًا وَلَا يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ وَاجِبَ الْأَدَاءِ فَعَرَفْنَا أَنَّ حُكْمَ الْوُجُوبِ وَهُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ وَالْمَحَلِّ بِدُونِ حُكْمِ الْوُجُوبِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَدَّى يَكُونُ الْمُؤَدَّى فَرْضًا لِأَنَّ بِوُجُوبِ الْأَدَاءِ صَارَ مَا هُوَ حُكْمُ الْوُجُوبِ مَوْجُودًا مُقْتَضَى الْأَدَاءِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ الْوُجُوبُ ثَابِتًا لِانْعِدَامِ الْحُكْمِ فَإِذَا صَارَ مَوْجُودًا بِمُقْتَضَى الْأَدَاءِ كَانَ الْمُؤَدَّى فَرْضًا بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّ وُجُوبَ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّهِ غَيْرُ ثَابِتٍ حَتَّى

стр. 1368

وَالْإِغْمَاء لَمَّا لَمْ يُنَافِ حُكْمَ وُجُوبِ الصَّوْمِ لَمْ يُنَافِ وُجُوبَهُ وَكَانَ مُنَافِيًا لِحُكْمِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ إذَا امْتَدَّ فَكَانَ مُنَافِيًا لِوُجُوبِهِ وَالنَّوْمُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا حُكْمَ وُجُوبٍ إذَا انْتَبَهَ لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِلْوُجُوبِ أَيْضًا. (بَابُ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ) وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ فَنَوْعَانِ قَاصِرٌ وَكَامِلٌ أَمَّا الْقَاصِرُ فَيَثْبُتُ بِقُدْرَةِ الْبَدَنِ إذَا كَانَتْ قَاصِرَةً قَبْلَ الْبُلُوغِ وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ فِيمَنْ كَانَ مَعْتُوهًا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ عَاقِلٌ لَمْ يَعْتَدِلْ عَقْلُهُ وَأَصْلُ الْعَقْلِ يُعْرَفُ بِدَلَالَةِ الْعِيَانِ، وَذَلِكَ أَنْ يَخْتَارَ الْمَرْءُ مَا يَصْلُحُ لَهُ بِدَرْكِ الْعَوَاقِبِ الْمَشْهُورَةِ فِيمَا يَأْتِيهِ وَيَذَرُهُ، وَكَذَلِكَ الْقُصُورُ يُعْرَفُ بِالِامْتِحَانِ فَأَمَّا الِاعْتِدَالُ قَاصِرٌ يَتَفَاوَتُ فِيهِ الْبَشَرُ فَإِذَا تَرَقَّى عَنْ رُتْبَةِ الْقُصُورِ أُقِيمَ الْبُلُوغُ مَقَامَ الِاعْتِدَالِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ. ــ [كشف الأسرار] لَوْ أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى أَوْ حَضَرَ الْجَامِعَ مَعَ الْمَوْلَى كَانَ لَهُ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ وَلَكِنْ إذَا أَدَّى فَرْضًا مَا هُوَ حُكْمُ الْوُجُوبِ صَارَ مَوْجُودًا بِمُقْتَضَى الْأَدَاءِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ الْوُجُوبُ ثَابِتًا لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَكَذَا الْمُسَافِرُ إذَا أَدَّى الْجُمُعَةَ كَانَ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ مَعَ أَنَّ وُجُوبَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي حَقِّهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْنَا. قَوْلُهُ (وَالْإِغْمَاءُ) لَمَّا لَمْ يُنَافِ حُكْمَ وُجُوبِ الصَّوْمِ وَهُوَ الْأَدَاءُ فِي الْحَالِ أَوْ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِ حَرَجٍ فِي الثَّانِي وَلَا اعْتِبَارَ لِامْتِدَادِهِ فِي الصَّوْمِ لِنُدْرَتِهِ لَمْ يُنَافِ نَفْسَ وُجُوبِ الصَّوْمِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ لِلْأَدَاءِ لَا أَنَّهُ إذَا جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَمَا نَوَى الصَّوْمَ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُنَافِي الْإِمْسَاكَ صَحَّ صَوْمُهُ وَكَانَ مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضِ فَعُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ لِأَدَائِهِ وَكَانَ مُنَافِيًا لِحُكْمِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ إذَا امْتَدَّ بِأَنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَعَذَّرَ الْأَدَاءُ فِي الْحَالِ وَتَغَيَّرَ الْقَضَاءُ فِي الثَّانِي لِاسْتِلْزَامِهِ الْحَرَجَ فَكَانَ مُنَافِيًا لِوُجُوبِهِ أَيْ وُجُوبِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الصَّلَاةُ أَوْ وُجُوبِ هَذَا الْوَاجِبِ وَالنَّوْمُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِحُكْمِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْقَضَاءُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ بِلَا حَرَجٍ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لِنُدْرَةِ امْتِدَادِهِ فِيهِمَا لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِلْوُجُوبِ أَيْضًا فَثَبَتَ أَنَّ الْحُقُوقَ كُلَّهَا تَخْرُجُ مُسْتَقِيمَةً عَلَى الطَّرِيقِ الْمُخْتَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ] قَوْلُهُ وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّهُ قَسَمَ الْأَهْلِيَّةَ هُنَاكَ إلَى نَوْعَيْنِ ثُمَّ فَصَّلَ كُلَّ نَوْعٍ فَقَالَ أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ فَكَذَا وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ فَكَذَا، فَكَلِمَةُ أَمَّا هَذِهِ لِلتَّفْصِيلِ قَاصِرٌ كَامِلٌ أَيْ نَوْعٌ قَاصِرٌ وَنَوْعٌ كَامِلٌ أَمَّا الْقَاصِرُ أَيْ النَّوْعُ الْقَاصِرُ فَيَثْبُتُ بِكَذَا لَا خِلَافَ أَنَّ الْأَدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَتَيْنِ قُدْرَةِ فَهْمِ الْخِطَابِ وَذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَقُدْرَةِ الْعَمَلِ بِهِ وَهِيَ بِالْبَدَنِ، وَالْإِنْسَانُ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهِ عَدِيمُ الْقُدْرَتَيْنِ لَكِنْ فِيهِ اسْتِعْدَادٌ وَصَلَاحِيَّةٌ لَأَنْ يُوجَدَ فِيهِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقُدْرَتَيْنِ شَيْئًا فَشَيْئًا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى أَنْ يَبْلُغَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا دَرَجَاتِ الْكَمَالِ فَقَبْلَ بُلُوغِ دَرَجَةِ الْكَمَالِ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَاصِرَةً كَمَا يَكُونُ لِلصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَقَدْ تَكُونُ إحْدَاهُمَا قَاصِرَةً كَمَا فِي الْمَعْتُوهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَإِنَّهُ قَاصِرُ الْعَقْلِ مِثْلُ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ قَوِيَّ الْبَدَنِ وَلِهَذَا أُلْحِقَ بِالصَّبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ فَالْأَهْلِيَّةُ الْكَامِلَةُ عِبَارَةٌ عَنْ بُلُوغِ الْقُدْرَتَيْنِ أُولَى دَرَجَاتِ الْكَمَالِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالِاعْتِدَالِ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ وَالْقَاصِرَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَتَيْنِ قَبْلَ بُلُوغِهِمَا أَوْ بُلُوغِ أَحَدَيْهِمَا دَرَجَةَ الْكَمَالِ ثُمَّ الشَّرْعُ بَنَى عَلَى الْأَهْلِيَّةِ الْقَاصِرَةِ صِحَّةَ الْأَدَاءِ وَعَلَى الْكَامِلَةِ وُجُوبَ الْأَدَاءِ وَتَوَجُّهَ الْخِطَابِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْزَامُ الْأَدَاءِ عَلَى الْعَبْدِ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهِ إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ أَصْلًا وَإِلْزَامُ مَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ مُنْتَفٍ شَرْعًا وَعَقْلًا وَبَعْدَ وُجُودِ أَصْلِ الْعَقْلِ، وَأَصْلُ قُدْرَةِ الْبَدَنِ قَبْلَ الْكَمَالِ فِي إلْزَامِ الْأَدَاءِ حَرَجٌ لِأَنَّهُ يُحْرِجُ لِلْفَهْمِ بِأَدْنَى عَقْلِهِ وَيَثْقُلُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ بِأَدْنَى قُدْرَةِ الْبَدَنِ وَالْحَرَجُ مَنْفِيٌّ أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . فَلَمْ يُخَاطَبْ شَرْعًا لِأَوَّلِ أَمْرِهِ حِكْمَةً وَلِأَوَّلِ مَا يَعْقِلُ وَيَقْدِرُ رَحْمَةً إلَى أَنْ يَعْتَدِلَ عَقْلُهُ وَقُدْرَةُ بَدَنِهِ فَيَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ الْفَهْمُ وَالْعَمَلُ بِهِ، ثُمَّ وَقْتُ الِاعْتِدَالِ يَتَفَاوَتُ فِي جِنْسِ الْبَشَرِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ إلَّا بَعْدَ تَجْرِبَةٍ وَتَكَلُّفٍ عَظِيمٍ فَأَقَامَ الشَّرْعُ الْبُلُوغَ الَّذِي يَعْتَدِلُ لَدَيْهِ الْعُقُولُ فِي الْأَغْلَبِ مَقَامَ

стр. 1369

وَالْأَحْكَامُ فِي هَذَا الْبَابِ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى مَا مَرَّ فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَمِنْهُ مَا هُوَ حَسَنٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَلَا عُهْدَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ لَمَّا ثَبَتَ أَهْلِيَّةُ أَدَائِهِ وَوُجِدَ مِنْهُ بِحَقِيقَتِهِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا وُجِدَ بِحَقِيقَتِهِ لَمْ يَنْعَدِمْ إلَّا بِحَجْرٍ مِنْ الشَّرْعِ وَذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ بَاطِلٌ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ حَسَنٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَلَا عُهْدَةَ فِيهِ إلَّا فِي لُزُومِ أَدَائِهِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْوَضْعَ فَوُضِعَ عَنْهُ فَأَمَّا الْأَدَاءُ فَخَالٍ عَنْ الْعُهْدَةِ لِأَنَّ حِرْمَانَ الْإِرْثِ يُضَافُ إلَى الْكُفْرِ الْبَاقِي ــ [كشف الأسرار] اعْتِدَالِ الْعَقْلِ حَقِيقَةً تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ وَصَارَ تَوَهُّمُ وَصْفِ الْكَمَالِ قَبْلَ هَذَا الْحَدِّ وَتَوَهُّمُ بَقَاءِ النُّقْصَانِ بَعْدَ هَذَا الْحَدِّ سَاقِطَيْ الِاعْتِبَارِ لِأَنَّ السَّبَبَ الظَّاهِرَ مَتَى أُقِيمَ مَقَامَ الْمَعْنَى الْبَاطِنِ دَارَ الْحُكْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا وَأَيَّدَ هَذَا كُلَّهُ قَوْلُهُ ﵇ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَالنَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» وَالْمُرَادُ بِالْقَلَمِ الْحِسَابُ وَالْحِسَابُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ لُزُومِ الْأَدَاءِ فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْأَهْلِيَّةِ الْكَامِلَةِ وَهِيَ اعْتِدَالُ الْحَالِ بِالْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ. قَوْلُهُ (وَالْأَحْكَامُ فِي هَذَا الْبَابِ) أَيْ بَابِ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ وَيَعْنِي بِهِ الْأَهْلِيَّةَ الْقَاصِرَةَ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى مَا مَرَّ أَيْ فِي أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ بِأَنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ فِي أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْعِبَادِ فَكَذَا فِي أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مِنْهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَمِنْهُ أَيْ مِنْ الْمَذْكُورِ مَا هُوَ حَسَنٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ أَيْ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَبِيحًا غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِوَجْهٍ وَلَا عُهْدَةَ أَيْ لَا تَبِعَةَ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا قَالَهُ رَدًّا لِمَذْهَبِ الْخَصْمِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَهُوَ الْإِيمَانُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَصِحُّ إيمَانُهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا حَتَّى يَرِثَ أَبَاهُ الْكَافِرَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَلَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ الْمُشْرِكَةُ لِأَنَّهُ مُوَلَّى عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ حَيْثُ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَلَا يَصْلُحُ وَلِيًّا فِيهِ بِنَفْسِهِ كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّخْصَ إنَّمَا يَصِيرُ مُولَيًا عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ حَالَ عَجْزِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ وَمَتَى كَانَ قَادِرًا لَا يُجْعَلُ مُولَيًا عَلَيْهِ فَدَلَّ ثُبُوتُ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ عَاجِزٌ. وَكَذَا الشَّيْءُ إنَّمَا يُجْعَلُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِي حُكْمٍ إذَا لَمْ يَكُنْ أَصْلًا بِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ فَلَوْ صَحَّ إسْلَامُهُ بِنَفْسِهِ يَكُونُ تَبَعًا وَمَتْبُوعًا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْإِسْلَامَ مَنْفَعَةٌ مَحْضَةٌ فَيَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا عَقْدُ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّفْعِ حَيْثُ يُحْرَمُ بِهِ الْإِرْثَ مِنْ مُوَرِّثِهِ الْكَافِرِ وَتَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ الْمُشْرِكَةُ وَإِنْ كَانَ يَرِثُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَحِلُّ لَهُ الْمُسْلِمَةُ فَكَانَ نَظِيرَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ، فَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ فَهُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ فَيُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ لِتَحَقُّقِ الِاعْتِقَادِ عَنْ مَعْرِفَةٍ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ ثُبُوتُهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَصِلُ عَنْ الْآخَرِ فَإِنَّ مَنْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَأَسْلَمَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ قَبْلَ أَنْ يُعَايِنَ الْأَهْوَالَ صَحَّ إسْلَامُهُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلَا يَصِحُّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا حَتَّى يَجْرِيَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ وَمَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ فَهُوَ كَافِرٌ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مُؤْمِنٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَلِهَذَا كَانَ يُجْرَى أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَنَا أَنَّ الْإِيمَانَ بِحَقِيقَتِهِ قَدْ وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ كَمَا لَوْ تَحَقَّقَ مِنْ الْبَالِغِ وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَهُ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ وَأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَالْإِيمَانُ إقْرَارٌ وَتَصْدِيقٌ وَقَدْ سُمِعَ مِنْهُ الْإِقْرَارُ وَعُرِفَ مِنْهُ التَّصْدِيقُ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ إنَّمَا يُعْرَفُ بِالْإِقْرَارِ مِمَّنْ هُوَ عَاقِلٌ مُمَيِّزٌ وَكَلَامُنَا فِي صَبِيٍّ عَاقِلٍ يُنَاظِرُ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِحَّةِ رِسَالَةِ الرَّسُولِ ﵇ وَيُلْزِمُ الْخَصْمَ بِالْحُجَجِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى فِي مَعْرِفَتِهِ شُبْهَةٌ فَكَانَ هُوَ وَالْبَالِغُ سَوَاءً وَأَهْلِيَّةُ الْإِيمَانِ ثَابِتَةٌ حَقِيقَةً لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّبِيِّ

стр. 1370

وَكَذَلِكَ الْفُرْقَةُ وَلِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ الْإِيمَانِ فَمِنْ ثَمَرَاتِهِ وَإِنَّمَا يُتَعَرَّفُ صِحَّةُ الشَّيْءِ مِنْ حُكْمِهِ الَّذِي وُضِعَ لَهُ وَهُوَ سَعَادَةُ الْآخِرَةِ لَا مِنْ ثَمَرَاتِهِ إلَّا أَنَّهَا تَلْزَمُهُ إذَا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِيمَانِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُعَدَّ عُهْدَةً. ــ [كشف الأسرار] الْعَاقِلِ كَمَا بَيَّنَّا. وَكَذَا حُكْمًا لِأَنَّهُ اهْتِدَاءٌ بِالْهُدَى وَإِجَابَةٌ لِلدَّاعِي وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ الصَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَكُونَ هَادِيًا دَاعِيًا لِغَيْرِهِ إلَى الْهُدَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] وَالْمُرَادُ النُّبُوَّةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَيَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَكُونَ مُهْتَدِيًا مُجِيبًا لِلدَّاعِي بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَبَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَوُجُودِ الرُّكْنِ مِنْ الْأَهْلِ لَوْ امْتَنَعَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ بِحَجْرٍ شَرْعِيٍّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ وَلَا يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِهِ هَاهُنَا لِأَنَّ الْحَجْرَ عَنْ الْإِيمَانِ كُفْرٌ إذْ الْإِيمَانُ حَسَنٌ لَعَيْنِهِ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَبِيحًا فِي حَالٍ وَلِهَذَا لَمْ يَحْتَمِلْ النَّسْخَ وَالتَّبْدِيلَ وَلَمْ يَخْلُ عَنْ وُجُوبِهِ وَشَرْعِيَّتِهِ زَمَانٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْجَرَ الصَّبِيُّ عَنْهُ وَيُجْعَلَ الْإِسْلَامُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي حَقِّهِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ. وَقَوْلُهُ: وَلَا عُهْدَةَ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا قَالَ الْخَصْمُ الْإِسْلَامُ عَقْدٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ فَكَانَ كَالْبَيْعِ لِاسْتِلْزَامِهِ الْعُهْدَةَ فَقَالَ لَا عُهْدَةَ أَيْ لَا ضَرَرَ وَلَا تَبِعَةَ فِي الْإِيمَانِ إلَّا فِي لُزُومِ أَدَائِهِ وَذَلِكَ أَيْ لُزُومُ الْأَدَاءِ يَحْتَمِلُ الْوَضْعَ أَيْ الْإِسْقَاطَ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ وَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ فَوَضَعَ عَنْهُ أَيْ أَسْقَطَ لُزُومَ الْأَدَاءِ عَنْ الصَّبِيِّ بِعُذْرِ الصِّبَا أَيْضًا فَأَمَّا الْأَدَاءُ أَيْ نَفْسُ الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ لُزُومٍ فَخَالٍ عَنْ الْعُهْدَةِ أَيْ الضَّرَرِ بَلْ هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ كَمَا بَيَّنَّا فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ. وَلَمَّا كَانَ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ أَنَا أُسَلِّمُ أَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلَكِنِّي لَا أُسَلِّمُ أَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِتَضَمُّنِهِ فَسَادَ النِّكَاحِ وَحِرْمَانَ الْإِرْثِ أَشَارَ فِي الْجَوَابِ إلَى رَدِّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ حِرْمَانَ الْإِرْثِ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي مَا تَرَتَّبَ عَلَى الْإِيمَانِ مِنْ حِرْمَانِ الْإِرْثِ عَنْ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ مُضَافٌ إلَى كُفْرِ الْبَاقِي عَلَى الْكُفْرِ يَعْنِي الَّذِي مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا إلَى إسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ لِأَنَّ الْحِرْمَانَ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ بَيْنَهُمَا وَالسَّبَبُ الْقَاطِعُ كُفْرُ الْكَافِرِ مِنْهُمَا لَا إسْلَامُ الْمُسْلِمِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَالْحِرْمَانِ الْفُرْقَةُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَهُمَا فِي إضَافَتِهَا إلَى كُفْرِ الْبَاقِي عَلَى الْكُفْرِ لَا إلَى إسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ لِمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ التَّرْجِيحِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْإِسْلَامُ نَفْعًا مَحْضًا فَيَكُونُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ مُضَافٌ إلَيْهِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ الْأَصْلِيَّةِ الْمَقْصُودَةِ بِالْإِيمَانِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ قَرِيبٍ يَرِثُهُ وَلَا امْرَأَةٍ يَفْسُدُ نِكَاحُهَا بَلْ هُوَ يَثْبُتُ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْإِسْلَامِ وَتَحَقُّقِهِ لَا أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِيمَانِ لِأَنَّ تَعَرُّفَ صِحَّةِ الشَّيْءِ يُسْتَفَادُ مِنْ حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ سَعَادَةُ الْآخِرَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا مِمَّا هُوَ مِنْ ثَمَرَاتِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ لَوْ وَرِثَ قَرِيبَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ قَرِيبُهُ فَقَبِلَهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْعِتْقَ ضَرَرٌ مَحْضٌ وَلَا يَمْتَنِعُ شَرْعِيَّةُ الْإِرْثِ وَالْهِبَةِ فِي حَقِّهِ بِهَذَا السَّبَبِ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلْإِرْثِ وَالْهِبَةِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ بِلَا عِوَضٍ وَهُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ فَيَكُونُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَا مَقْصُودًا بِالْإِرْثِ وَالْهِبَةِ وَلِهَذَا يَتَحَقَّقُ الْإِرْثُ وَالْهِبَةُ مِنْ غَيْرِ عِتْقٍ فَلَا يَمْتَنِعُ الْإِرْثُ بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ وَكَذَا الْوَكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ مُطْلَقٍ يَمْلِكُ شِرَاءِ أَبِ الْآمِرِ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي أَصْلِ الشِّرَاءِ مُؤْتَمِرٌ بِأَمْرِهِ وَالْعِتْقُ يَثْبُتُ بِنَاءً عَلَيْهِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ الَّتِي هِيَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِسْلَامِ تَلْزَمُ الصَّبِيَّ إذَا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِيمَانِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِأَنْ أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ حَتَّى لَوْ مَاتَ لَهُ مُوَرِّثٌ كَافِرٌ أَوْ مَاتَ مُوَرِّثُهُ الْمُسْلِمُ وَوَرِثَ قَرِيبَهُ الَّذِي يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ

стр. 1371

وَمِنْهُ مَا هُوَ قَبِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَهُوَ الْجَهْلُ بِالصَّانِعِ وَالْكُفْرُ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُرَدُّ عِلْمُهُ بِوَالِدَيْهِ فَكَيْفَ يُرَدُّ عِلْمُهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْجَهْلُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُعَدُّ مِنْهُ عِلْمًا فَكَيْفَ الْجَهْلُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَجْعَلَ رِدَّتَهُ عَفْوًا بَلْ كَانَ صَحِيحًا فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا بِالرِّدَّةِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ حُكْمًا لِصِحَّتِهِ لَا قَصْدًا إلَيْهِ فَلَمْ يَصْلُحْ الْعَفْوُ عَنْ مِثْلِهِ كَمَا إذَا ثَبَتَ تَبَعًا ــ [كشف الأسرار] أَوْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مُشْرِكَةٌ يَثْبُتُ حِرْمَانُ الْإِرْثِ وَيَقَعُ الْعِتْقُ وَالْفُرْقَةُ وَلَمْ يُعَدَّ لُزُومُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عُهْدَةً أَيْ ضَرَرًا فِي حَقِّهِ لِمَا قُلْنَا أَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ دُونَ مَا هُوَ مِنْ الثَّمَرَاتِ فَكَذَا إذَا أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَ مِنْ لُزُومِ الضَّرَرِ مُعَارَضٌ بِلُزُومِ النَّفْعِ فَإِنَّهُ بِالْإِسْلَامِ يَصِيرُ مُسْتَحِقًّا لِلْإِرْثِ مِنْ أَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ وَيُقَرَّرُ مِلْكُ نِكَاحِهِ إذَا كَانَتْ امْرَأَتُهُ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ وَإِذَا تَعَارَضَ النَّفْعُ وَالضَّرَرُ تَسَاقَطَا وَبَقِيَ الْإِسْلَامُ فِي نَفْسِهِ نَفْعًا مَحْضًا لَا يَشُوبُهُ مَعْنَى الضَّرَرِ فَيَصِحُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنَّهُ مُوَلَّى عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ تَفْسِيرَ الْوِلَايَةِ أَنْ يَقْدِرَ الرَّجُلُ عَلَى مُبَاشَرَةِ التَّصَرُّفِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْأَبُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَعْقِدَ عَقْدَ الْإِسْلَامِ عَلَى وَلَدِهِ بَلْ يَعْقِدُهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي وَلَدِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْجَدِّ حَالَ عَدَمِ الْأَبِ وَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْأُمِّ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ وَلَا وِلَايَةَ لِلْأُمِّ مَعَ الْأَبِ فَعُلِمَ أَنَّ ثُبُوتَهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْوِلَايَةِ وَلَكِنْ يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ تَبَعًا عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ عِنْدَنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُولَيًا عَلَيْهِ وَوَلِيًّا عَلَى نَفْسِهِ إذَا كَانَ التَّصَرُّفُ نَفْعًا مَحْضًا كَقَبُولِ الْهِبَةِ فَإِنَّ الْأَبَ يَقْبَلُ عَلَيْهِ وَيَقْبَلُ هُوَ بِنَفْسِهِ عِنْدَنَا لِأَنَّ الْوِلَايَةَ أَثْبَتَتْ لِلْوَلِيِّ عَلَيْهِ نَظَرًا لَهُ فَلَا تُوجِبُ حَجْرًا عَمَّا هُوَ نَظَرٌ لَهُ مَحْضٌ بَلْ يَثْبُتُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا لِيَنْتَفِعَ بِطَرِيقَيْنِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّهُ لَا يَصْلُحُ تَبَعًا وَمَتْبُوعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَذَلِكَ وَلَكِنَّ الْحَالَةَ الْوَاحِدَةَ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ لِأَنَّهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ أَصْلًا بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِتَبَعٍ لِغَيْرِهِ وَفِي حَالِ كَوْنِهِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ لَيْسَ بِأَصْلٍ بِنَفْسِهِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الشَّيْءِ دَلِيلَانِ يَقْتَضِي أَحَدُهُمَا كَوْنَهُ أَصْلًا وَالْآخَرُ كَوْنَهُ تَبَعًا كَالْجَنِينِ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ وَيَصْلُحُ أَصْلًا بِنَفْسِهِ وَكَالشَّجَرِ يَتْبَعُ الْأَرْضَ فِي الْبَيْعِ وَيَصْلُحُ أَصْلًا بِنَفْسِهِ فِيهِ أَيْضًا وَلَكِنْ لَا يَصِيرُ أَصْلًا وَتَبَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ يَبْقَى تَبَعًا لِلْغَيْرِ وَلِوُجُودِ أَصْلِ الْعَقْلِ فِيهِ يَصْلُحُ أَصْلًا بِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَوْ مِنْ الْمَذْكُورِ وَهُوَ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مَا هُوَ قَبِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ أَيْ غَيْرَ كَوْنِهِ قَبِيحًا عَلَى مُقَابَلَةِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْجَهْلُ بِالصَّانِعِ وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ حُرْمَةَ حَقِّهِ كَحُرْمَةِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ رِدَّةَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ صَحِيحَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اسْتِحْسَانًا حَتَّى لَوْ كَانَ أَبَوَاهُ مُسْلِمَيْنِ فَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ بِنَفْسِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ لَا يُجْعَلُ ذَلِكَ عَفْوًا بِعُذْرِ الصِّبَا فَتَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ الْمُسْلِمَةُ وَيُحْرَمُ هُوَ الْمِيرَاثُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَهُوَ الْقِيَاسُ فَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ عَلَى مَا يُشِيرُ إلَيْهِ عِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَإِنْ كَانَ إطْلَاقُ لَفْظِ الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهَا فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ أَيْضًا وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ مَعَ اعْتِقَادِ الشِّرْكِ حَقِيقَةً وَالْعَفْوَ عَنْ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ خِلَافُ الْعَقْلِ وَالنَّصِّ. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الِارْتِدَادَ ضَرَرٌ مَحْضٌ لَا يَشُوبُهُ مَنْفَعَةٌ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ كَإِعْتَاقِ عَبْدِهِ وَطَلَاقِ امْرَأَتِهِ وَهِبَةِ مَالِهِ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُ مَا هُوَ ضَرَرٌ يَشُوبُهُ مَنْفَعَةٌ كَالْبَيْعِ فَمَا يَتَمَحَّضُ ضَرَرًا وَيُحْجَرُ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُتَصَوَّرُ عَنْهُ زَوَالُهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ مِنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ فِي الصِّبَا وَبَلَغَ كَذَلِكَ لَا يُقْتَلُ وَلَوْ صَحَّتْ رِدَّتُهُ لَوَجَبَ قَتْلُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَجْهُ

стр. 1372

عَنْ مِثْلِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ فَقُلْنَا فِيهِ بِصِحَّةِ الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ عُهْدَةٍ ــ [كشف الأسرار] الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الصَّبِيَّ فِي حَقِّ الرِّدَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْبَالِغِ لِأَنَّ الْبَالِغَ إنَّمَا يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ لِتَحَقُّقِهَا مِنْهُ وَكَوْنِهَا مَحْظُورَةً لَا لِكَوْنِهَا مَشْرُوعَةً لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَشْرُوعَةً بِحَالٍ وَأَنَّهَا تَتَحَقَّقُ مِنْ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ كَالْإِيمَانِ وَيَثْبُتُ الْحَظْرُ فِي حَقِّهِ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَكُونَ مَحْظُورَةً فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَلَا فِي حَقِّ شَخْصٍ مِنْ الْأَشْخَاصِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهَا مِنْهُ وَلَمْ يَمْتَنِعْ ثُبُوتُهَا بَعْدَ الْوُجُودِ حَقِيقَةً لِلْحَجْرِ شَرْعًا فَإِنَّ الْبَالِغَ مَحْجُورٌ عَنْ الرِّدَّةِ كَالصَّبِيِّ وَلَمْ يَسْقُطْ حُكْمُهَا بِعُذْرِ الصِّبَا لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ فَكَذَا بِعُذْرِ الصِّبَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ إنَّمَا حَكَمْنَا بِرِدَّتِهِ ضَرُورَةَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ إسْلَامِهِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مِمَّا يُوجِدُهُ الْعَبْدُ عَنْ اخْتِيَارٍ مِنْهُ وَذَلِكَ مُتَصَوَّرُ التَّرْكِ مِنْهُ وَمَتَى قُلْنَا لَا يُتَصَوَّرُ التَّرْكُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ الْوُجُودُ إسْلَامًا وَتَرْكُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ وُجُودِهِ هُوَ الرِّدَّةُ. وَقَوْلُهُ: أَلَا يَرَى إلَى آخِرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا سَبَقَ وَبِمَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ وَمِنْهُ مَا هُوَ قَبِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ أَيْضًا كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُرَدُّ عِلْمُهُ بِوَالِدَيْهِ بِسَبَبِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ مِنْ جَانِبِهِمَا وَهُوَ ضَرَرُ التَّأْدِيبِ وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ مِنْهُ جَهْلًا بَلْ يُجْعَلُ عِلْمًا حَقِيقَةً فَكَيْفَ يُرَدُّ عِلْمُهُ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَرَزَقَهُ بِسَبَبِ أَحْكَامٍ تَلْزَمُهُ بِنَاءً عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ آدَابَ الشَّرْعِ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ آدَابِ الْأَبَوَيْنِ. وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا لَا يُرَدُّ عِلْمُهُ بِالْوَالِدَيْنِ وَلَا يُعَدُّ جَهْلًا الْجَهْلُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُعَدُّ مِنْهُ عِلْمًا حَتَّى لَا يُجْعَلَ عَارِفًا لِشَيْءٍ جَهِلَهُ فَكَيْفَ الْجَهْلُ بِاَللَّهِ تَعَالَى يُعَدُّ عِلْمًا مَعَ أَنَّهُ أَقْبَحُ مِنْ الْجَهْلِ بِغَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْجَهْلَ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا يُعَدُّ عِلْمًا بِهِ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُجْعَلَ ارْتِدَادُهُ عَفْوًا إذْ لَوْ عَفَى لَصَارَ الْجَهْلُ بِهِ عِلْمًا إذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْجَهْلِ بِهِ بَلْ كَانَ صَحِيحًا فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ سَعَادَةَ الْآخِرَةِ لَا يُتَصَوَّرُ حُصُولُهَا بِلَا إيمَانٍ وَقَدْ زَالَ بِالِارْتِدَادِ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ فَلَمْ يَبْقَ اعْتِقَادُ الْإِسْلَامِ ضَرُورَةً كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ أَوْ جَامَعَ فِي حَجِّهِ أَوْ اعْتِكَافِهِ أَوْ أَكَلَ فِي صَوْمِهِ مُتَعَمِّدًا لَمْ تَبْقَ هَذِهِ الْعِبَادَاتُ وَإِنْ كَانَ فِي فَسَادِهَا لَهُ ضَرَرٌ لِأَنَّهُ بَاشَرَ مَا يُنَافِيهَا وَكَذَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِأَنَّ مَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا كَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ وَوُقُوعِ الْفُرْقَةِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ حُكْمًا لِصِحَّتِهِ أَيْ لِصِحَّةِ ارْتِدَادِهِ لَا قَصْدًا إلَيْهِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى مَا يَعْنِي لُزُومُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الِارْتِدَادِ لِأَنَّهَا مِنْ لَوَازِمِهِ لَا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الِارْتِدَادِ لِأَجْلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ قَصْدًا إلَيْهَا فَلَمْ يَصْلُحْ الْعَفُوُّ عَنْ مِثْلِهِ الضَّمِيرُ لِلِارْتِدَادِ أَيْ لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ بِوَجْهٍ بِوَاسِطَةِ لُزُومِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ كَمَا إذَا ثَبَتَ الِارْتِدَادُ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ بِأَنْ ارْتَدَّا وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَزِمَهُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ لَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ بِوَاسِطَةِ لُزُومِهَا وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِ قَتْلِهِ بَعْدَ الِارْتِدَادِ فَسَنُبَيِّنُهُ عَنْ قَرِيبٍ. (قَوْلُهُ) وَمِنْ ذَلِكَ أَيْ وَمِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مَا هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَيْ بَيْنَ مَا هُوَ حَسَنٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَبَيْنَ مَا هُوَ قَبِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا مَشْرُوعًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دُونَ الْبَعْضِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ وَفِي حَالَةِ الْحَيْضِ، وَالصَّوْمَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فِي اللَّيْلِ وَالْحَجَّ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ فَقُلْنَا فِيهَا أَيْ فِي هَذِهِ الْحُقُوقِ الْمَوْصُوفَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بِصِحَّةِ الْأَدَاءِ مِنْ الصَّبِيِّ

стр. 1373

حَتَّى قُلْنَا بِسُقُوطِ الْوُجُوبِ فِي الْكُلِّ لِأَنَّ اللُّزُومَ لَا يَخْلُو عَنْ الْعُهْدَةِ وَقَدْ شُرِعَتْ بِدُونِ ذَلِكَ الْوَصْفِ وَقُلْنَا بِصِحَّتِهَا تَطَوُّعًا بِلَا لُزُومِ مُضِيٍّ وَلَا وُجُوبِ قَضَاءٍ لِأَنَّهَا قَدْ شُرِعَتْ كَذَلِكَ أَلَا يَرَى أَنَّ الْبَالِغَ إذَا شَرَعَ فِيهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ أَنَّ اللُّزُومَ يَبْطُلُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ إذَا شَرَعَ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ أُحْصِرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فَقُلْنَا فِي الصَّبِيِّ إذَا أَحْرَمَ صَحَّ مِنْهُ بِلَا عُهْدَةٍ حَتَّى إذَا ارْتَكَبَ مَحْظُورًا لَمْ يَلْزَمْهُ وَقُلْنَا فِي الصَّبِيِّ إذَا ارْتَدَّ أَنْ لَا يُقْتَلَ وَإِنْ صَحَّتْ رِدَّتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَجِبُ بِالْمُحَارَبَةِ لَا بِعَيْنِ الرِّدَّةِ وَلَمْ يُوجَدْ فَأَشْبَهَ رِدَّةَ الْمَرْأَةِ. فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَيْضًا مَا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ وَمَا هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ وَمَا هُوَ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا ــ [كشف الأسرار] الْعَاقِلِ بِاعْتِبَارِ الْأَهْلِيَّةِ الْقَاصِرَةِ مِنْ غَيْرِ عُهْدَةِ لُزُومِ مُضِيٍّ وَضَمَانٍ حَتَّى قُلْنَا بِسُقُوطِ الْوُجُوبِ أَيْ نَفْسِ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ عَنْ الصَّبِيِّ فِي الْكُلِّ مَالِيًّا كَانَ أَوْ بَدَنِيًّا لِأَنَّ اللُّزُومَ لَا يَخْلُو عَنْ إلْزَامِ عُهْدَةٍ وَقَدْ شُرِعَتْ هَذِهِ الْحُقُوقُ بِدُونِ هَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ اللُّزُومُ كَمَا فِي الْمَظْنُونِ وَقُلْنَا بِصِحَّتِهَا أَيْ بِصِحَّةِ أَدَاءِ مَا كَانَ بَدَنِيًّا مِنْهُ بِطَرِيقِ التَّطَوُّعِ لِأَنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ مَحْضٌ لِأَنَّهُ يَعْتَادُ أَدَاءَهَا فَلَا يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَلِهَذَا صَحَّ مِنْهُ التَّنَفُّلُ بِجِنْسِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ أَدَاءِ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ بِصِفَةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي حَقِّ الْبَالِغِينَ بِلَا لُزُومِ مُضِيٍّ أَيْ إذَا شَرَعَ فِيهَا وَلَا وُجُوبِ قَضَاءٍ أَيْ إذَا تَرَكَهَا أَوْ أَفْسَدَهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ قَدْ شُرِعَتْ فِي الْجُمْلَةِ فِي حَقِّ الْبَالِغِ كَذَلِكَ أَيْ كَمَا شُرِعَتْ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ بِلَا لُزُومِ مُضِيٍّ وَوُجُوبِ قَضَاءٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَالِغَ إذَا شَرَعَ فِيهَا أَيْ فِي هَذِهِ الْحُقُوقِ أَوْ الْعِبَادَاتِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ يَصِحُّ مِنْهُ الْإِتْمَامُ مَعَ فَوَاتِ صِفَةِ اللُّزُومِ حَتَّى إذَا أَفْسَدَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَكَذَا الصَّبِيُّ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَأَمَّا مَا كَانَ مَالِيًّا مِنْهَا فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ أَدَاؤُهُ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِهِ فِي الْعَاجِلِ بِاعْتِبَارِ مَالِهِ فَيَبْتَنِي ذَلِكَ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ الْكَامِلَةِ لَا عَلَى الْقَاصِرَةِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَالشُّرُوعِ فِي هَذِهِ الْحُقُوقِ يَعْنِي بِهِ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ إذَا شَرَعَ الْبَالِغُ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ وَقَدْ تَبَيَّنَ بَعْدُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ يَصِحُّ الْإِتْمَامُ مِنْ غَيْرِ صِفَةِ اللُّزُومِ حَتَّى إذَا أُحْصِرَ فَتَحَلَّلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ إذَا أَحْرَمَ صَحَّ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ الْأَهْلِيَّةِ الْقَاصِرَةِ حَتَّى لَوْ مَضَى عَلَيْهِ يَقَعُ عِبَادَةً نَافِلَةً وَلَكِنْ بِلَا لُزُومِ عُهْدَةٍ حَتَّى إذَا ارْتَكَبَ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ جَزَاؤُهُ لِأَنَّ فِي إلْزَامِهِ إيجَابَ ضَرَرٍ وَعُهْدَةٍ وَذَلِكَ يُبْتَنَى عَلَى الْأَهْلِيَّةِ الْكَامِلَةِ قَوْلُهُ (وَقُلْنَا فِي الصَّبِيِّ) إلَى آخِرِهِ جَوَابُ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي مَسْأَلَةِ رِدَّةِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُمَا حَكَمَا بِصِحَّةِ ارْتِدَادِهِ فِي حَقِّ حِرْمَانِ الْمِيرَاثِ وَوُقُوعِ الْفُرْقَةِ ثُمَّ لَمْ يَحْكُمَا بِصِحَّتِهِ فِي وُجُوبِ الْقَتْلِ فَقَالَ إنَّمَا لَا يُقْتَلُ وَإِنْ صَحَّتْ رِدَّتُهُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْقَتْلَ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ عَيْنِ الرِّدَّةِ وَمِنْ لَوَازِمِهَا بَلْ هُوَ يَجِبُ بِالْمُحَارَبَةِ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَكَذَا فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ كَالزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ فِي رِوَايَةٍ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمُحَارَبَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهَا كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهَا وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ جَزَاءً وَعُقُوبَةً فِي الدُّنْيَا يُبْتَنَى عَلَى الْأَهْلِيَّةِ الْكَامِلَةِ لَا عَلَى الْقَاصِرَةِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ جَوَازُ ضَرْبِهِ عِنْدَ إسَاءَةِ الْأَدَبِ مَعَ أَنَّهُ نَوْعُ جَزَاءٍ وَلَا جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِ مَعَ أَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ عُقُوبَةٌ وَجَزَاءٌ عَلَى الْكُفْرِ عَلَى مَا عُرِفَ لِأَنَّ الضَّرْبَ عِنْدَ إسَاءَةِ الْأَدَبِ تَأْدِيبٌ لِلرِّيَاضَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَنْزِلَةِ ضَرْبِ الدَّوَابِّ لَا جَزَاءً عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي وَكَذَا اسْتِرْقَاقُهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْجَزَاءِ وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَا هُوَ مُبَاحٌ غَيْرُ مَعْصُومٍ مَحَلٌّ لِلتَّمَلُّكِ كَالصَّيُودِ وَذَرَارِيُّ أَهْلِ الْحَرْبِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا يُقَالُ زَوَالُ الْعِصْمَةِ الَّتِي هِيَ كَرَامَةٌ تَكُونُ بِطَرِيقِ الْجَزَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَزُولَ عَنْ الصَّبِيِّ لِأَنَّا نَقُولُ زَوَالُهَا بِمَنْزِلَةِ زَوَالِ الصِّحَّةِ بِالْمَرَضِ وَالْحَيَاةِ بِالْمَوْتِ وَالْغِنَى بِالْفَقْرِ وَلَا أَحَدَ يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ جَزَاءٌ بِطَرِيقِ

стр. 1374

أَمَّا النَّفْعُ الْمَحْضُ فَيَصِحُّ مِنْهُ مُبَاشَرَتُهُ لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ الْقَاصِرَةَ وَالْقُدْرَةَ الْقَاصِرَةَ كَافِيَةٌ لِجَوَازِ الْأَدَاءِ أَلَا يَرَى أَنَّ مُبَاشَرَةَ النَّوَافِلِ مِنْهُ صَحَّتْ لِمَا قُلْنَا، وَفِي ذَلِكَ جَاءَتْ السُّنَّةُ الْمَعْرُوفَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغُوا سَبْعًا وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا إذَا بَلَغُوا عَشْرًا» وَإِنَّمَا هَذَا ضَرْبُ تَأْدِيبٍ وَتَعْزِيرٍ لَا عُقُوبَةٍ فَكَذَلِكَ مَا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ مِثْلَ قَبُولِ الْهِبَةِ وَقَبُولِ الصَّدَقَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ بَدَلِ الْخُلْعِ مِنْ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَكَذَلِكَ إذَا أَجَّرَ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ نَفْسَهُ وَمَضَى عَلَى الْعَمَلِ وَجَبَ الْأَجْرُ لِلْحُرِّ اسْتِحْسَانًا وَوَجَبَ لِلْعَبْدِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ السَّلَامَةُ فِي الصَّبِيِّ الْحُرِّ ــ [كشف الأسرار] الْعُقُوبَةِ، إلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا كَمَا هُوَ جَوَابُ الْقِيَاسِ بِوُجُودِ الِارْتِدَادِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَزَوَالِ الْعُذْرِ وَهُوَ الصِّبَا وَتَحَقُّقُ مَعْنَى الْمُحَارَبَةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إلَّا أَنَّ فِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُقْتَلُ وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ إسْلَامِهِ فِي الصِّغَرِ صَارَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ وَلَكِنْ لَوْ قَتَلَهُ إنْسَانٌ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَوْ بَعْدَهُ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ رِدَّتِهِ إهْدَارَ دَمِهِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهَا اسْتِحْقَاقُ قَتْلِهِ كَالْمَرْأَةِ إذَا ارْتَدَّتْ لَا تُقْتَلُ وَلَوْ قَتَلَهَا إنْسَانٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَوْلُهُ (أَمَّا النَّفْعُ الْمَحْضُ فَيَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ مُبَاشَرَتُهُ) لِأَنَّ تَصْحِيحَهُ مُمْكِنٌ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ الْقَاصِرَةِ وَفِي تَصْحِيحِهِ نَظَرٌ لَهُ وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِالنَّظَرِ فِي حَقِّهِمْ لِمَا قُلْنَا يَعْنِي صِحَّةَ النَّوَافِلِ بِاعْتِبَارِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَهْلِيَّةَ الْقَاصِرَةَ كَافِيَةٌ لِأَدَاءِ مَا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ وَالنَّوَافِلُ نَفْعٌ مَحْضٌ وَفِي ذَلِكَ أَيْ فِي جَوَازِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ مِنْهُ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالِامْتِنَاعِ عَنْ أَدَائِهَا. وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هَذَا إلَى الضَّرْبِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ كَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يَصِحُّ ضَرْبُ الصَّبِيِّ وَالْأَمْرُ بِهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَهُوَ عُقُوبَةٌ وَقَدْ ذَكَرْت أَنَّ مَا هُوَ عُقُوبَةٌ سَاقِطٌ عَنْهُ فَقَالَ هَذَا أَيْ الضَّرْبُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ ضَرْبُ تَأْدِيبٍ وَتَعْزِيرٍ لِيَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَادَ أَدَاءَ الصَّلَاةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا عُقُوبَةً عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي الْمَاضِي وَالضَّرْبُ لِلتَّأْدِيبِ مِنْ أَنْفَعِ الْمَنَافِعِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ كَمَا قِيلَ: أَدِّبْ بَنِيك إذَا مَا اسْتَوْجَبُوا أَدَبًا ... فَالضَّرْبُ أَنْفَعُ أَحْيَانًا مِنْ النَّدَمِ فَكَذَلِكَ أَيْ فَكَأَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الصِّحَّةِ مَا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ مِثْلَ قَبُولِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَقَبْضِهِمَا وَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ وَنَحْوِهَا وَذَلِكَ أَيْ قَبُولُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ أَوْ مُبَاشَرَةِ مَا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ مِنْ الصَّبِيِّ مِثْلَ قَبُولِ بَدَلِ الْخُلْعِ مِنْ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ بِأَنْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَالٍ وَقَبَضَهُ مِنْهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّهُ حَجَرَهُ عَمَّا فِيهِ ضَرَرٌ أَوْ تَوَهُّمُ ضَرَرٍ لَهُ وَهَذَا نَفْعٌ مَحْضٌ فِي حَقِّهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِهِ وَلَا يَظْهَرُ الْحَجْرُ فِيهِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ قَبُولِ بَدَلِ الْخُلْعِ مِنْ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ إذَا آجَرَ الصَّبِيُّ إلَى آخِرِهِ لَا يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ وَلَا لِلْعَبْدِ الْمَحْجُورِ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ فَلَا يَمْلِكُهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الْمَوْلَى أَوْ الْوَلِيِّ وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَ النَّفْسِ بِهَذَا الْعَقْدِ لِمَا فِيهِ مَعْنَى الضَّرَرِ. فَإِنْ عَمِلَ الصَّبِيُّ أَوْ الْعَبْدُ فَفِي الْقِيَاسِ لَا أَجْرَ لَهُ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَصِحَّ وَوُجُوبُ الْأُجْرَةِ بِاعْتِبَارِهِ فَإِذَا فَصَدَ لَمْ يَجِبْ الْأَجْرُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ وَجَبَ الْأَجْرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَتَمَحَّضُ مَنْفَعَةً بَعْدَ إقَامَةِ الْعَمَلِ فَإِنَّا لَوْ اعْتَبِرْنَا الْعَقْدَ اسْتَوْجَبَ الْأَجْرَ وَلَوْ لَمْ نَعْتَبِرْهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ الْأَجْرُ وَالصَّبِيُّ أَوْ الْعَبْدُ لَا يَكُونُ مَحْجُورًا عَمَّا يَتَمَحَّضُ مَنْفَعَةً كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ لِأَنَّ الْحَجْرَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَفِيمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ لَا حَجْرَ فَإِنْ عَطِبَ الْعَبْدُ فِي الْعَمَلِ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ ضَامِنًا لَقِيمَتِهِ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لَهُ حِينَ اسْتَعْمَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ حِينِ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا الْأَجْرَ عَلَيْهِ لِنَفْعِ الْمَوْلَى وَوُجُوبُ الضَّمَانِ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ لُزُومِ

стр. 1375

وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا قَاتَلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى وَالصَّبِيُّ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ اسْتَوْجَبَ الرَّضْخَ اسْتِحْسَانًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ مُحَمَّدٍ ﵀ فَإِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ إلَّا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ عِبَارَةِ الصَّبِيِّ فِي بَيْعِ مَالِ غَيْرِهِ وَطَلَاقِ غَيْرِهِ أَوْ عَتَاقِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ وَكِيلًا لِأَنَّ الْآدَمِيَّ يُكْرَمُ لِصِحَّةِ الْعِبَارَةِ وَعِلْمِ بَيَانٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] فَكَانَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَنَافِعِ الْخَالِصَةِ وَفِي ذَلِكَ يُوصَلُ إلَى دَرْكِ الْمَضَارِّ وَالْمَنَافِعِ وَاهْتِدَاءٍ فِي التِّجَارَةِ بِالتَّجْرِبَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] . وَأَمَّا مَا كَانَ ضَرَرًا مَحْضًا فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فِي حَقِّهِ فَبَطَلَتْ مُبَاشَرَتُهُ وَذَلِكَ مِثْلُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْهِبَةِ وَالْقَرْضِ وَالصَّدَقَةِ وَلَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ــ [كشف الأسرار] الْأَجْرِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ الْحُرِّ فَإِنَّهُ وَإِنْ هَلَكَ فِي الْعَمَلِ فَلَهُ الْأَجْرُ بِقَدْرِ مَا قَامَ مِنْ الْعَمَلِ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُمْلَكُ بِالضَّمَانِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إيجَابِ الْأَجْرِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَوَجَبَ أَيْ الْأَجْرُ لِلْعَبْدِ أَيْ لِمَوْلَاهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ السَّلَامَةُ فِي الْحُرِّ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَالصَّبِيِّ أَوْ الْعَبْدِ إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ الْعَبْدُ إذَا قَاتَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ أَوْ الصَّبِيُّ إذَا قَاتَلَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ أَهْلًا لَهُ عِنْدَ إذْنِ الْمَوْلَى أَوْ الْوَلِيِّ فَيَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ الْحِرَفِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ إنْ قَاتَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ اسْتَحَقَّ الرَّضْخَ وَإِلَّا فَلَا. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَرْضَخُ لَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ الِاكْتِسَابِ وَعَمَّا يَتَمَحَّضُ مَنْفَعَةً وَاسْتِحْقَاقُ الرَّضْخِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ هُوَ كَالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى أَوْ الْوَلِيِّ دَلَالَةً قَوْلُهُ (وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا) أَيْ اسْتِحْقَاقُ الرَّضْخِ اسْتِحْسَانًا قَوْلَ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً لِأَنَّ عِنْدَهُ أَمَانَ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ أَيْ أَمَانَهُمَا صَحِيحٌ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ إلَّا مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةٌ وَإِذَا كَانَ لَهُمَا وِلَايَةُ الْقِتَالِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَحِقًّا لِلرَّضْخِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إلَّا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَأَكْثَرُ تَفْرِيعَاتُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ كَتَفْرِيعَاتِ الزِّيَادَاتِ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا لِأَنَّ أَمَانَ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ وَالصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وِلَايَةُ الْقِتَالِ وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُمَا شُهُودُ الْقِتَالِ بِدُونِ الْإِذْنِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَسْتَحِقَّانِ شَيْئًا بِالْقِتَالِ كَالْحَرْبِيِّ إذَا قَاتَلَ وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا جَوَابُ الْكُلِّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَجْرَ عَنْ الْقِتَالِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَقَدْ انْقَلَبَتْ نَفْعًا بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا مَعْنَى لِلْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] مَنَّ عَلَيْهِ بِتَعْلِيمِ الْبَيَانِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَمَيَّزُ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ بِالْبَيَانِ وَهُوَ الْمَنْطِقُ الْفَصِيحُ الْمُعْرِبُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ. وَفِي الْحَدِيثِ «الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ» وَقَالَ الشَّاعِرُ: لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ ... فَلَمْ تَبْقَ إلَّا صُورَةٌ اللَّحْمُ وَالدَّمُ فَكَانَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ أَيْ بِصِحَّةِ كَلَامِهِ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ضَرَرًا مِنْ أَعْظَمِ الْمَنَافِعِ الْخَالِصَةِ أَيْ عَنْ الضَّرَرِ وَفِي ذَلِكَ أَيْ فِي الْقَوْلِ بِصِحَّةِ عِبَارَتِهِ إذَا تَوَكَّلَ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ تَوَصَّلَ إلَى دَرْكِ الْمَنَافِعِ مِنْ الْأَرْبَاحِ وَالْمَضَارِّ مِنْ الْغَبَنِ وَالْخُسْرَانِ وَاهْتِدَاءٍ فِي التِّجَارَةِ بِالتَّجْرِبَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ وَنُقْصَانٌ وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] أَيْ اخْتَبِرُوا عُقُولَهُمْ وَتَعَرَّفُوا أَحْوَالَهُمْ وَمَعْرِفَتَهُمْ بِالتَّصَرُّفِ قَبْلِ الْبُلُوغِ حَتَّى إذَا تَبَيَّنْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا أَيْ هِدَايَةً دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ حَدِّ الْبُلُوغِ فَعُلِمَ أَنَّ اهْتِدَاءَهُ فِي التِّجَارَةِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ وَنَفْعٌ مَحْضٌ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الِاهْتِدَاءُ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ عُهْدَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لِمَا سَنُبَيِّنُهُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَدَمُ صِحَّةِ أَدَاءِ شَهَادَتِهِ مَعَ أَنَّ فِي ذَلِكَ تَصْحِيحَ عِبَارَتِهِ لِأَنَّ صِحَّةَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ الْكَامِلَةِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إثْبَاتُ الْوِلَايَةِ عَلَى الْغَيْرِ فِي الْإِلْزَامِ بِغَيْرِ رِضَاءٍ وَبِدُونِ الْأَهْلِيَّةِ الْكَامِلَةِ لَا نُثْبِتُ هَذِهِ الْوِلَايَةَ قَوْلُهُ. (فَأَمَّا مَا كَانَ ضَرَرًا مَحْضًا فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فِي حَقِّهِ) لِأَنَّ الصَّبِيَّ مَظِنَّةُ الْمَرْحَمَةِ

стр. 1376

مَا خَلَا الْقَرْضَ فَإِنَّهُ مِلْكُ الْقَاضِي عَلَيْهِ لِأَنَّ صِيَانَةَ الْحُقُوقِ لَمَّا كَانَتْ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ انْقَلَبَ الْقَرْضُ بِحَالِ الْقَضَاءِ نَفْعًا مَحْضًا لَا يَشُوبُهُ مَضَرَّةٌ لِأَنَّ الْعَيْنَ غَيْرُ مَأْمُونِ الْعَطَبِ وَالدَّيْنَ مَأْمُونُ الْعَطَبِ إلَّا مِنْ قِبَلِ التَّوَى وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْنُ عَنْهُ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ فَصَارَ مُلْحَقًا بِهَذَا الشَّرْطِ بِالْمَنَافِعِ الْخَالِصَةِ. وَأَمَّا مَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ مِثْلُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ وَمَلَكَهُ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِحُكْمِهِ بِمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ وَقَدْ صَارَ أَهْلًا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْمُبَاشَرَةُ فَإِذَا صَارَ أَهْلًا لِلْحُكْمِ كَانَ أَهْلًا لِلسَّبَبِ لَا مَحَالَةَ وَفِي الْقَوْلِ بِصِحَّةِ مُبَاشَرَتِهِ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ أَصَابَهُ مِثْلُ مَا يُصَابُ بِمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ لَا مَحَالَةَ مَعَ فَضْلِ نَفْعِ الْبَيَانِ وَتَوْسِيعِ طَرِيقِ الْإِصَابَةِ ــ [كشف الأسرار] وَالْإِشْفَاقِ لَا مَظِنَّةَ الْإِضْرَارِ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَلَمْ يَشْرَعْ فِي حَقِّهِ الْمَضَارَّ وَذَلِكَ أَيْ مَا هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ مِثْلَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهَا ضَرَرٌ مَحْضٌ فِي الْعَاجِلِ بِإِزَالَةِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَالرَّقَبَةِ وَالْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَعُودُ إلَيْهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَمْلِكْ مُبَاشَرَةَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ أَيْ مَا هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِثْلُ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْقَاضِي لِأَنَّ وِلَايَةَ هَؤُلَاءِ نَظَرِيَّةٌ وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ إثْبَاتُ الْوِلَايَةِ فِيمَا هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ فِي حَقِّهِ وَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ شَرْعِيَّةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي حَقِّهِ عَدَمَهَا عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ فَأَمَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَهُوَ مَشْرُوعٌ فَإِنَّ الْإِمَامَ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ ﵀ قَالَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ زَعَمَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ أَصْلًا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ حَتَّى إنَّ امْرَأَتَهُ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ قَالَ وَهَذَا وَهْمٌ عِنْدِي فَإِنَّ الطَّلَاقَ يُمْلَكُ بِمِلْكِ النِّكَاحِ إذْ لَا ضَرَرَ فِي إثْبَاتِ أَصْلِ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا الضَّرَرُ فِي الْإِيقَاعِ حَتَّى إذَا تَحَقَّقَتْ الْحَاجَةُ إلَى صِحَّةِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ مِنْ جِهَتِهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ كَانَ صَحِيحًا قَالَ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّا لَوْ أَثْبَتْنَا مِلْكَ الطَّلَاقِ فِي حَقِّهِ كَانَ خَالِيًا عَنْ حِكْمَةٍ وَهُوَ وِلَايَةُ الْإِيقَاعِ وَالسَّبَبُ الْخَالِي عَنْ حِكْمَةٍ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا كَبَيْعِ الْحُرِّ وَطَلَاقِ الْبَهِيمَةِ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ خُلُوَّهُ عَنْ حِكْمَةٍ إذْ الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ حَتَّى إذَا أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ وَعُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَأَبَى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَإِذَا ارْتَدَّ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَكَانَ طَلَاقًا فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ وَإِذَا وَجَدَتْهُ امْرَأَتُهُ مَجْبُوبًا فَخَاصَمَتْهُ فِي ذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ طَلَاقًا عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَإِذَا كَاتَبَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ نَصِيبَ الصَّغِيرِ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَاسْتَوْفَى بَدَلَ الْكِتَابَةِ صَارَ الصَّبِيُّ مُعْتِقًا نَصِيبَهُ حَتَّى يَضْمَنَ قِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَهَذَا الضَّمَانُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْإِعْتَاقِ فَيُكْتَفَى بِالْأَهْلِيَّةِ الْقَاصِرَةِ فِي جَعْلِهِ مُعْتِقًا لِلْحَاجَةِ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الشَّرِيكِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَأَمَّا بِدُونِ الْحَاجَةِ فَلَا يُجْعَلُ ثَابِتًا لِأَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْأَهْلِيَّةِ الْقَاصِرَةِ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الصَّبِيِّ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا ضَرَرٌ مَحْضٌ قَوْلُهُ (مَا خَلَا الْقَرْضَ) أَيْ الْإِقْرَاضَ فَإِنَّ الْقَاضِي يَمْلِكُهُ عَلَى الصَّبِيِّ وَيُنْدَبُ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ صِيَانَةَ الْحُقُوقِ لَمَّا كَانَتْ مُفَوَّضَةً إلَى الْقُضَاةِ انْقَلَبَ الْقَرْضُ بِحَالِ الْقَضَاءِ نَفْعًا مَحْضًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَرْضَ قَطْعُ الْمِلْكِ عَنْ الْعَيْنِ بِبَدَلٍ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ إذْ الِاسْتِقْرَاضُ فِي الْعَادَاتِ مِمَّنْ هُوَ فَقِيرٌ غَيْرُ مَلِيٍّ وَلِهَذَا حَلَّ مَحَلَّ الصَّدَقَةِ وَزَادَ عَلَيْهَا فِي الثَّوَابِ لِزِيَادَةِ الْحَاجَةِ فَأَشْبَهَ التَّبَرُّعَ بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ فَلَا يَمْلِكُهُ مِنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ وَالْعِتْقَ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ صَحَّ مِنْ الْقَاضِي وَصَارَ هُوَ مَنْدُوبًا إلَيْهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ بِوَاسِطَةِ وِلَايَةِ الْقَاضِي يَعْدِلُ الْعَيْنَ وَزِيَادَةً لِأَنَّ الْقَاضِيَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَطْلُبَ مَلِيئًا عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ وَيُقْرِضَهُ مَالَ الْيَتِيمِ كَمَا يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ وَالْبَدَلُ مَأْمُونٌ عَنْ التَّوَى بِاعْتِبَارِ الْمَلَاءِ وَبِاعْتِبَارِ عِلْمِ الْقَاضِي وَإِمْكَانِ تَحْصِيلِهِ الْمَالَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى دَعْوَى وَبَيِّنَةٍ فَكَانَ مَصُونًا عَنْ التَّلَفِ فَوْقَ صِيَانَةِ الْعَيْنِ فَإِنَّ الْعَيْنَ يَعْرِضُ التَّلَفَ بِأَسْبَابٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ. فَصَارَ الْقَرْضُ مُلْحَقًا بِهَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُقْرِضُ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِهِ بِالْمَنَافِعِ الْخَالِصَةِ فَلِذَلِكَ كَانَ الْقَرْضُ

стр. 1377

وَذَلِكَ بِطَرِيقِ أَنَّ احْتِمَالَ الضَّرَرِ فِي التَّصَرُّفِ يَزُولُ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ حَتَّى يَجْعَلَ الصَّبِيَّ كَالْبَالِغِ وَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَلَا يَرَى أَنَّهُ صَحَّحَ بَيْعَهُ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ مِنْ الْأَجَانِبِ وَالْوَلِيُّ لَا يَمْلِكُهُ وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ نُقْصَانَ رَأْيِهِ جُبِرَ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ فَصَارَ كَالْبَالِغِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِطَرِيقِ أَنَّ رَأْيَ الْوَلِيِّ شَرْطٌ لِلْجَوَازِ وَعُمُومِ رَأْيِهِ لِخُصُوصِهِ فَجُعِلَ كَأَنَّ الْوَلِيَّ بَاشَرَ بِنَفْسِهِ وَلِذَلِكَ قَالَا لَا يَمْلِكُهُ بِالْغَبَنِ الْفَاحِشِ مَعَ الْأَجَانِبِ وَمَعَ الْوَلِيِّ ــ [كشف الأسرار] نَظَرًا مِنْ الْقَاضِي فَيَمْلِكُهُ عَلَى الصَّبِيِّ وَضَرَرًا مِنْ الْوَصِيِّ لِتَرَجُّحِ جِهَةِ التَّبَرُّعِ فِي حَقِّهِ فَلَا يَمْلِكُهُ وَالْأَبُ فِي رِوَايَةٍ يَمْلِكُهُ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ وَالنَّفْسِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَمْلِكُهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَالِ مِنْ الْمُسْتَقْرِضِ بِنَفْسِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ فَأَمَّا الِاسْتِقْرَاضُ فَقَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ قَضَاءِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ ﵀ أَنَّ الْأَبَ لَوْ أَخَذَ مَالَ الصَّغِيرِ قَرْضًا جَازَ لِأَنَّهُ لَا يَهْلَكُ عَلَيْهِ وَالْوَصِيُّ لَوْ أَخَذَ مَالَ الْيَتِيمِ قَرْضًا لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ مَلِيئًا قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ وَذَكَرَ فِي أَحْكَامِ الصِّغَارِ نَقْلًا عَنْ الْمُنْتَقَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَقْرِضَ مَالَ الْيَتِيمِ وَالْغَائِبِ بِنَفْسِهِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا مَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ) يَعْنِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ نَفْعًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَرَرًا مِثْلَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ رَابِحًا كَانَ نَفْعًا وَإِنْ كَانَ خَاسِرًا كَانَ ضَرَرًا. وَكَذَا الْإِجَارَةُ وَالنِّكَاحُ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ يَكُونُ نَفْعًا فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُتَزَوِّجِ وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ كَانَ ضَرَرًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِثْلَ الشَّرِكَةِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالْإِقْرَارِ بِالْغَصْبِ وَالِاسْتِهْلَاكِ وَالرَّهْنِ فَإِنَّهُ أَيْ الصَّبِيَّ لَا يَمْلِكُهُ أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ أَوْ مَا هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ بِنَفْسِهِ لِمَا فِيهِ أَيْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ فِيمَا هُوَ مُتَرَدِّدٌ مِنْ احْتِمَالِ الضَّرَرِ فَيَمْلِكُهُ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ أَيْ بِإِجَازَتِهِ وَإِذْنِهِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ أَهْلٌ لِحُكْمِهِ بِمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ حُكْمُ التَّصَرُّفِ مِنْ مِلْكِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ وَالْمَهْرِ لَا لِلْوَلِيِّ وَقَدْ صَارَ الصَّبِيُّ أَهْلًا لِمُبَاشَرَةِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ بِوُجُودِ أَصْلِ الْعَقْلِ حَتَّى صَحَّ مِنْهُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ لِغَيْرِهِ وَإِذَا صَارَ أَهْلًا لِلْحُكْمِ كَانَ أَهْلًا لِسَبَبِهِ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ إنَّمَا يَعْتَبِرُ لِأَحْكَامِهَا لَا لِذَوَاتِهَا وَامْتِنَاعُ الصِّحَّةِ كَانَ لِمَعْنَى الضَّرَرِ فَإِذَا انْدَفَعَ تَوَهُّمُ الضَّرَرِ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ لِتَحَقُّقِ هَذَا الْقِسْمِ بِمَا يَتَمَحَّضُ نَفْعًا فَيَكُونُ لِلصَّبِيِّ فِيهِ عِبَارَةٌ صَحِيحَةٌ وَفِي الْقَوْلِ بِصِحَّةِ مُبَاشَرَةِ الصَّبِيِّ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ إصَابَةً مِثْلُ مَا يُصَابُ بِمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ مِنْ النَّفْعِ مَعَ فَضْلِ نَفْعِ الْبَيَانِ لِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ عِبَارَتِهِ نَوْعَ نَفْعٍ لَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ النَّفْعُ بِمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ وَتَوَسَّعَ طَرِيقُ الْإِصَابَةِ أَيْ اتَّسَعَ لَهُ طَرِيقُ تَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ التَّصَرُّفِ تَحْصُلُ لَهُ بِمُبَاشَرَتِهِ وَبِمُبَاشَرَةِ وَلِيِّهِ وَذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ أَنْ يُسَدَّ عَلَيْهِ أَحَدُ الْبَاقِينَ وَيُجْعَلَ لِتَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ لَهُ طَرِيقٌ وَاحِدٌ وَذَلِكَ أَيْ جَوَازُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِنْهُ عِنْدَ انْضِمَامِ رَأْيِ الْوَلِيِّ إلَى رَأْيِهِ بِطَرِيقَيْنِ أَحَدِهِمَا وَهُوَ مُخْتَارُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ قُصُورَ رَأْيِهِ لَمَّا انْدَفَعَ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ الْتَحَقَ الصَّبِيُّ بِالْبَالِغِ أَوْ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا انْدَفَعَ ذَلِكَ بِكَمَالِ رَأْيِهِ بِالْبُلُوغِ فَنَفَذَ بَيْعُهُ مِنْ الْأَجَانِبِ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ كَمَا يَنْفُذُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْبَالِغِينَ أَوْ كَمَا يَنْفُذُ مِنْهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِنْ كَانَ لَا يَنْفُذُ ذَلِكَ مِنْ الْوَلِيِّ. وَالثَّانِي وَهُوَ مُخْتَارُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ﵀ نُفُوذُ تَصَرُّفِهِ لَمَّا كَانَ بِاعْتِبَارِ رَأْيِ الْوَلِيِّ فَإِنَّ انْضِمَامَ رَأْيِهِ إلَى رَأْيِ الصَّبِيِّ شَرْطٌ جَوَّزَ تَصَرُّفَهُ يُعْتَبَرُ رَأْيُهُ الْعَامُّ بِرَأْيِهِ الْخَاصِّ وَهُوَ مَا إذَا بَاشَرَ التَّصَرُّفَ مِنْ الْوَلِيِّ بِالْغَبَنِ الْفَاحِشِ لَا يَنْفُذُ بِمُبَاشَرَةِ الصَّبِيِّ بَعْدَ إذْنِ الْوَلِيِّ لَهُ وَمَعْنَى عُمُومِ رَأْيِ الْوَلِيِّ وَخُصُوصِهِ أَنَّهُ إذَا بَاشَرَ بِنَفْسِهِ كَانَ رَأْيُهُ مُخْتَصًّا بِهِ لِتَصَرُّفِهِ

стр. 1378

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي التَّصَرُّفِ مَعَ الْوَلِيِّ رِوَايَتَانِ فِي الْغَبَنِ الْفَاحِشِ فِي رِوَايَةٍ أَجَازَ لِمَا قُلْنَا وَفِي رِوَايَةٍ أَبْطَلَهُ بِشَرْطِ النِّيَابَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْمِلْكِ أَصِيلٌ وَفِي الرَّأْيِ أَصِيلٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ أَلَا يَرَى أَنَّ لَهُ أَصْلَ الرَّأْيِ دُونَ وَصْفِهِ فَيَثْبُتُ شُبْهَةُ النِّيَابَةِ فَاعْتُبِرَتْ فِي مَوْضِعِ التُّهْمَةِ وَسَقَطَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وَعَلَى هَذَا قُلْنَا فِي الْمَحْجُورِ إذَا تَوَكَّلَ لَمْ يُلْزَمْ الْعُهْدَةَ وَبِإِذْنِ الْوَلِيِّ يَلْزَمُهُ. ــ [كشف الأسرار] بِرَأْيِ نَفْسِهِ وَإِذَا تَصَرَّفَ الصَّبِيُّ بِرَأْيِهِ كَانَ رَأْيُهُ عَامًّا لِتَعَدِّيهِ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَانْضِمَامِ رَأْيِ الصَّبِيِّ إلَى رَأْيِهِ كَذَا قِيلَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ عُمُومِ رَأْيِهِ أَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لِلصَّبِيِّ فِي التِّجَارَةِ إذْنًا عَامًّا دَخَلَ كُلُّ تَصَرُّفٍ صَدَرَ مِنْهُ تَحْتَ عُمُومِ رَأْيِهِ وَوُجِدَ رَأْيُهُ الْعَامُّ فِيهِ وَإِذَا بَاشَرَ بِنَفْسِهِ كَانَ رَأْيُهُ خَاصًّا وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْغَبَنَ الْفَاحِشَ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ فَإِنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ فِي مَالِ الصَّغِيرِ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِالْغَبَنِ الْفَاحِشِ وَلَوْ حَصَلَ مِنْ الْمَرِيضِ يَعْتَبِرُ مِنْ الثُّلُثِ كَالْهِبَةِ ثُمَّ الصَّبِيُّ لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ بِالْإِذْنِ فَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِالْغَبَنِ الْفَاحِشِ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ كَالْهِبَةِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ لَا يَنْفُذُ مِنْ الْوَلِيِّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الصَّبِيِّ وَإِذْنُهُ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ لَا لِلْإِضْرَارِ بِهِ فَحَالُهُ فِيمَا يَلْحَقُ الضَّرَرُ بِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ بَعْدَ الْإِذْنِ كَحَالِهِ قَبْلَهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ التَّصَرُّفُ بِالْغَبَنِ الْفَاحِشِ تِجَارَةٌ وَمُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ وَلِهَذَا يَجِبُ بِهِ الشُّفْعَةُ لِلشَّفِيعِ فِي الْكُلِّ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْإِذْنِ. بِخِلَافِ الْهِبَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِتِجَارَةٍ بِخِلَافِ الْوَلِيِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ وِلَايَةُ التِّجَارَةِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ مُطْلَقَةً بَلْ مُقَيَّدَةً بِشَرْطِ الْأَحْسَنِ وَالْأَصْلَحِ لَا يَبْدُو أَنْ لَا يَصِحَّ التَّصَرُّفُ مِنْ الْوَلِيِّ وَيَصِحَّ ذَلِكَ مِنْ الصَّبِيِّ كَالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ أَوْ بِالْعَيْنِ وَالْعَقْدُ بِالْغَبَنِ الْفَاحِشِ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ فَإِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ اسْتِجْلَابَ قُلُوبِ الْمُجَاهِزِينَ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِهِمْ مِنْ الرِّبْحِ فِي تَصَرُّفَاتٍ أُخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ هَذَا وَالْغَبَنُ الْيَسِيرُ سَوَاءً وَبِأَنْ كَانَ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ مِنْ الثُّلُثِ لِعَدَمِ الرِّضَاءِ مِنْ غُرَمَائِهِ وَوَرَثَتِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مِنْ الْمَأْذُونِ كَالْغَبَنِ الْيَسِيرِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي تَصَرُّفِ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ مَعَ الْوَلِيِّ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ أَجَازَهُ لِمَا قُلْنَا أَنَّهُ صَارَ كَالْبَالِغِ بِانْضِمَامِ رَأْيِ وَلِيِّهِ إلَى رَأْيِهِ فَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُعَامَلَتُهُ مَعَ أَجْنَبِيٍّ أَوْ مَعَ وَلِيِّهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ لَا أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنْ وَلِيِّهِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى رَدَّهُ أَيْ التَّصَرُّفَ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ مَعَ الْوَلِيِّ لِشُبْهَةِ النِّيَابَةِ وَذَلِكَ أَيْ بَيَانُ الشُّبْهَةِ أَنَّ الصَّبِيَّ فِي الْمِلْكِ أَصِيلٌ لِأَنَّهُ مَالِكٌ حَقِيقَةً وَأَصْلُ الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ ثَابِتٌ لَهُ فَيُشْبِهُ تَصَرُّفُهُ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَيُشْبِهُ تَصَرُّفَ الْوُكَلَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِي رَأْيِهِ خَلَلًا وَيُجْبَرُ ذَلِكَ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ فَتَثْبُتُ شُبْهَةُ النِّيَابَةِ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ نَظَرًا إلَى الْوَصْفِ فَاعْتُبِرَتْ شُبْهَةُ النِّيَابَةِ فِي مَوْضِعِ التُّهْمَةِ وَهُوَ التَّصَرُّفُ مَعَ الْوَلِيِّ إذْ يَتَمَكَّنُ فِيهِ تُهْمَةُ أَنَّ الْوَلِيَّ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُهُ وَلَمْ يَقْصِدْ بِالْإِذْنِ النَّظَرَ لِلصَّبِيِّ فَكَمَا لَا يَبِيعُ الْوَلِيُّ مَالَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ لَا يَبِيعُهُ الصَّبِيُّ مِنْهُ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ وَسَقَطَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ وَهُوَ التَّصَرُّفُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ وَمَعَ الْوَلِيِّ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ نَظَرًا إلَى الْأَصْلِ. قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ لَمَّا تَحَقَّقَ فِي تَصَرُّفِ الصَّبِيِّ شُبْهَةُ الْوَكَالَةِ اعْتَبَرْنَاهَا فِي حَقِّ الْوَلِيِّ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ خَاصٌّ فَيُعْتَبَرُ فِي مَحَلِّ التَّخْصِيصِ وَاعْتَبَرْنَا جِهَةَ الْمِلْكِ فِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ لِأَنَّ مَبْنَى الْمِلْكِ عَلَى الْعُمُومِ فَاعْتَبَرْنَاهُ فِي مَحَلِّ الْعُمُومِ قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ مَا فِيهِ احْتِمَالَ ضَرَرٍ لَا يَتَمَلَّكُهُ الصَّبِيُّ بِنَفْسِهِ وَيَتَمَلَّكُهُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ قُلْنَا فِي الْمَحْجُورِ أَيْ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ إذَا تَوَكَّلَ أَيْ قَبِلَ الْوَكَالَةِ أَوْ تَوَلَّى الْوَكَالَةَ لِغَيْرِهِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْعُهْدَةُ أَيْ الْأَحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْوَكَالَةِ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ وَالْخُصُومَةِ

стр. 1379

وَأَمَّا إذَا أَوْصَى الصَّبِيُّ بِشَيْءٍ مِنْ وَصَايَا الْبِرِّ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا نَفْعٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْإِرْثَ شُرِعَ نَفْعًا لِلْمُوَرِّثِ أَلَا يَرَى أَنَّهُ شُرِعَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَفِي الِانْتِقَالِ إلَى الْإِيصَاءِ تُرِكَ الْأَفْضَلُ لَا مَحَالَةَ ــ [كشف الأسرار] فِي الْعَيْبِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ فِي إلْزَامِهَا مَعْنَى الضَّرَرِ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِالْأَهْلِيَّةِ الْقَاصِرَةِ وَبِإِذْنِ الْوَلِيِّ تَلْزَمُهُ لِأَنَّ قُصُورَ رَأْيِهِ انْدَفَعَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَصَارَ أَهْلًا لِلُزُومِ الْعُهْدَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَبِإِذْنِ الْمَوْلَى تَلْزَمُهُ فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ الْعَبْدَ الْمَحْجُورَ وَحُكْمُهُ وَإِنْ كَانَ حُكْمُ الصَّبِيِّ فِيمَا ذَكَرْنَا حَتَّى صَحَّ تَوَكُّلُهُ بِدُونِ إذْنِ الْمَوْلَى بِاعْتِبَارِ كَمَالِ عَقْلِهِ وَلَمْ تَلْزَمْهُ الْعُهْدَةُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمَوْلَى وَبِإِذْنِ الْمَوْلَى تَلْزَمُهُ لِالْتِزَامِ الْمَوْلَى الضَّرَرَ بِالْإِذْنِ لَكِنْ بِنَاءُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِأَنْ يُفَسَّرَ الْأَصْلُ بِمَعْنًى آخَرَ يَسْتَقِيمُ تَخْرِيجُهَا عَلَيْهِ وَلَا يَخْلُو عَنْ تَمَحُّلٍ فَتَكُونُ النُّسْخَةُ الْأُولَى أَظْهَرَ. قَوْلُهُ (مِنْ وَصَايَا الْبِرِّ) لَيْسَ بِقَيْدٍ فَإِنَّ وَصِيَّتَهُ بَاطِلَةٌ عِنْدَنَا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْبِرِّ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْخِلَافُ فِي وَصَايَا فِي الْبِرِّ دُونَ غَيْرِهَا عَيَّنَ هَذِهِ الصُّورَةَ لِيُمْكِنَهُ الْإِشَارَةُ إلَى الْخِلَافِ بِقَوْلِهِ عِنْدَنَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَصِيَّةِ الصَّبِيِّ فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُجَوِّزُونَ مِنْ وَصَايَاهُ مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لِأَنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ نَفْعٌ مَحْضٌ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ بَعْدَمَا اسْتَغْنَى عَنْ الْمَالِ نَفْسِهِ بِالْمَوْتِ لِأَنَّ أَوَانَ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ فَكَانَ وَلِيًّا فِيهَا بِنَفْسِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا نَفْعًا مَحْضًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ وَالصَّبِيُّ فِي الْإِرْثِ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ يُسَاوِي الْبَالِغَ فَكَذَا فِي الْوَصِيَّةِ بِخِلَافِ تَبَرُّعِهِ بِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ فِي حَالِ حَاجَتِهِ وَبِخِلَافِ إيمَانِهِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْوَلِيُّ فَلَا يَكُونُ فِيهِ وَلِيًّا بِنَفْسِهِ كَيْفَ وَقَدْ أَجَازَ عُمَرُ ﵁ وَصِيَّةَ غُلَامِ نَافِعٍ وَهُوَ الَّذِي قَارَبَ الْبُلُوغَ وَلَمْ يَبْلُغْ وَسُئِلَ شُرَيْحٌ عَنْ وَصِيَّةِ غُلَامٍ لَمْ يَبْلُغْ فَقَالَ إنْ أَصَابَ الْوَصِيَّةَ فَهِيَ جَائِزَةٌ وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ. وَعِنْدَنَا وَصِيَّتُهُ بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ مَاتَ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّهَا إزَالَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ مُضَافَةً إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَكُونُ ضَرَرًا مَحْضًا فِي الْأَصْلِ فَتُعْتَبَرُ بِإِزَالَتِهِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَلَا تَصِحُّ وَمَا فِيهَا مِنْ النَّفْعِ حَصَلَ بِاتِّفَاقِ الْحَالِ وَهُوَ أَنَّهَا حَالَةُ الْمَوْتِ فَيَزُولُ عَنْهُ الْمِلْكُ لَوْ لَمْ يُوصِ وَمَا يَنْقَلِبُ نَفْعًا بِاتِّفَاقِ الْحَالِ لَا يُعْتَبَرُ. كَمَا لَوْ بَاعَ شَاةً أَشْرَفَتْ عَلَى الْهَلَاكِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ مَعَ أَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إذْ لَوْ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ يَزُولُ مِلْكُهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَلَكِنَّ النَّفْعَ فِي أَصْلِهِ لَمَّا تَضَمَّنَ ضَرَرًا لَمْ يَصِحَّ وَكَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ انْقَلَبَ نَفْعًا بِاتِّفَاقِ الْحَالِ وَكَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْمُعْسِرَةَ الشَّوْهَاءَ لِيَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا الْمُعْسِرَةَ الْحَسْنَاءَ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ انْقَلَبَ الطَّلَاقُ نَفْعًا مَحْضًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّ أَصْلَ التَّصْرِيفِ مِنْ الْمَضَارِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ حَرَجًا فَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَابٍ أَصْلُهُ تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ فِي إيصَائِهِ نَفْعًا مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَهُوَ حُصُولُ الثَّوَابِ فَفِي الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ تَرْكُ نَفْعٍ أَعْلَى مِنْهُ لِأَنَّ الْإِرْثَ شُرِعَ نَفْعًا لِلْمُوَرِّثِ فَإِنَّ نَقْلَ مِلْكِهِ إلَى أَقَارِبِهِ عِنْدَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ يَكُونُ أَوْلَى عِنْدَهُ مِنْ النَّقْلِ إلَى الْأَجَانِبِ وَهُوَ أَفْضَلُ شَرْعًا لِأَنَّهُ إيصَالُ النَّفْعِ إلَى الْقَرِيبِ وَصِلَةٌ لِلرَّحِمِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﵇ بِقَوْلِهِ لِسَعْدٍ ﵁ «لَأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» أَيْ خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ فُقَرَاءَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ أَكُفَّهُمْ وَإِنَّهُ بِالِانْتِقَالِ إلَى

стр. 1380

إلَّا أَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِ كَمَا شُرِعَ لَهُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ وَلَمْ يُشْرَعْ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ فَكَذَلِكَ هَذَا. وَلِذَلِكَ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَيَّرَ الصَّبِيُّ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّفْعِ، وَالْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ الْمَيْلُ إلَى الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ وَالْوَلِيُّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ لَيْسَ بِوَلِيٍّ فَبَطَلَ اخْتِيَارُهُ ــ [كشف الأسرار] الْإِيصَاءِ تَرَكَ هَذَا الْأَفْضَلَ وَهُوَ ضَرَرٌ لَا مَحَالَةَ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِ إلَّا أَنَّهُ أَيْ الْإِيصَاءَ كَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَ الْإِيصَاءُ ضَرَرًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ الْبَالِغِ فَقَالَ إنَّمَا شُرِعَ فِي حَقِّهِ لِأَنَّ أَهْلِيَّتَهُ كَامِلَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ فِي حَقِّهِ الْمَضَارَّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ شَرَعَ فِي حَقِّ الْبَالِغِ الطَّلَاقَ وَلَمْ يَشْرَعْ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ لِقُصُورِ أَهْلِيَّتِهِ فَكَذَلِكَ هَذَا أَيْ فَكَالطَّلَاقِ الْإِيصَاءُ يَكُونُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ الْبَالِغِ دُونَ الصَّبِيِّ. وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ الْغُلَامَ مَا كَانَ بَالِغًا وَلَكِنَّهُ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْبُلُوغِ وَمِثْلُهُ يُسَمَّى يَافِعًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَقَوْلُ شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأَنَّهُمَا مِنْ التَّابِعِينَ دُونَ الصَّحَابَةِ. قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِأَنَّ مَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ لَا يَمْلِكُهُ الصَّبِيُّ بِنَفْسِهِ قُلْنَا كَذَا إذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ حَقُّ الْحَضَانَةِ لِلْأُمِّ إلَى سَبْعِ سِنِينَ ثُمَّ يُخَيَّرُ الْوَلَدُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ فَأَيُّهُمَا اخْتَارَهُ يَكُونُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ» وَعَنْ عُمَارَةَ الْجَرْمِيِّ قَالَ خَيَّرَنِي عَلِيٌّ ﵁ بَيْنَ عَمِّي وَأُمِّي وَكُنْت ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِي سِنِينَ وَلِأَنَّ الْمُقَامَ مَعَ الَّذِي اخْتَارَهُ الصَّبِيُّ نَفْعٌ مَحْضٌ لَهُ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَكُونُ أَشْفَقَ عَلَيْهِ وَأَرْفَقَ بِهِ وَأَنَّهُ يَخْتَارُ الْمُقَامَ مَعَهُ فَيَكُونُ مَنْفَعَةً مَحْضَةً فِي حَقِّهِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَوْلًى عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ فَيَكُونُ وَلِيًّا بِنَفْسِهِ وَعِنْدَنَا إنْ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا فَحَقُّ الْحَضَانَةِ لِلْأُمِّ إلَى أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا بِأَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ وَيَلْبَسَ وَحْدَهُ وَيَسْتَنْجِيَ وَحْدَهُ ثُمَّ يُدْفَعُ إلَى الْأَبِ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِهَا إلَى أَنْ تَحِيضَ ثُمَّ تُدْفَعُ إلَى الْأَبِ وَلَا يُخَيَّرُ بِوَجْهٍ وَلَا تُعْتَبَرُ عِبَارَتُهُ فِيهِ شَرْعًا لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ بَلْ جَانِبُ الضَّرَرِ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِهِ الْمَيْلُ إلَى الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ فَيَخْتَارُ مَنْ يَدَعُهُ يَلْعَبُ وَلَا يُؤَاخِذُهُ بِالْآدَابِ وَيَتْرُكُهُ خَلِيعَ الْعِذَارِ لِقِلَّةِ نَظَرِهِ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ. وَلَا يُقَالُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ الضَّرَرُ بِفِعْلِ ذَلِكَ الْغَيْرِ لَا بِاخْتِيَارِهِ لِأَنَّا نَقُولُ اخْتِيَارُهُ عِلَّةَ الْعِلَّةِ فَتَصِيرُ الْأَخِيرَةُ مُضَافَةً مَعَ حُكْمِهَا إلَى الْأُولَى كَمَا فِي شِرَاءِ الْقَرِيبِ وَالْوَلِيُّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ لَيْسَ بِوَلِيٍّ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ قَدْ يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ اخْتِيَارُهُ إذَا رَضِيَ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ كَمَا فِي الْبَيْعِ فَقَالَ لَا يُعْتَبَرُ اخْتِيَارُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ نِزَاعِهِ الْأُمَّ وَأَنَّهُ فِي هَذَا الِاخْتِيَارِ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فَلَا يَصْلُحُ عَامِلًا لِلصَّبِيِّ وَنَاظِرًا لَهُ فَلَا يَكُونُ وَلِيًّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ قَوْلُ الصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ وَلَا قَوْلُ أَبِيهِ كَمَا إذَا كَانَ فِي رَهْنِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ صِبْيَانٌ فَأَسْلَمُوا ثُمَّ رَضُوا بِرَدِّهِمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ لِاسْتِرْدَادِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ لَا تُعْتَبَرُ رِضَاهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَا رِضَاءُ آبَائِهِمْ وَلَا يُرَدُّونَ بِخِلَافِ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ فَهَذَا نَوْعُ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ثُمَّ لَا تُعْتَبَرُ عِبَارَتُهُ فِيهِ وَلَا عِبَارَةُ وَلِيِّهِ لِأَنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى الْأَهْلِيَّةِ الْكَامِلَةِ بِمَنْزِلَةِ التَّصَرُّفِ الَّذِي يَتَمَحَّضُ ضَرَرًا فَإِنْ قِيلَ إذَا أَقَرَّ الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ وَهُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَفِيهِ اعْتِبَارُ عِبَارَتِهِ فِيمَا يَتَمَحَّضُ ضَرَرًا فِي حَقِّهِ وَهُوَ إبْطَالُ الْحُرِّيَّةِ وَتَبَدُّلُ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ. قُلْنَا ثُبُوتُ الرِّقِّ هَا هُنَا لَيْسَ بِعِبَارَتِهِ وَلَكِنْ بِدَعْوَى ذِي الْيَدِ أَنَّهُ عَبْدِي لِأَنَّ عِنْدَ مُعَارَضَتِهِ إيَّاهُ بِدَعْوَى الْحُرِّيَّةِ لَا يَتَقَرَّرُ يَدُهُ عَلَيْهِ

стр. 1381

وَقَدْ خَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ خِلَافًا مُتَنَاقِضًا لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَكَفَى بِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ بِصِحَّةِ كَثِيرٍ مِنْ عِبَارَاتِهِ فِي اخْتِيَارِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ وَفِي الْإِيصَاءِ وَفِي الْعِبَادَاتِ وَقَالَ بِلُزُومِ الْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ وَأَبْطَلَ الْإِيمَانَ وَهُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ وَلَيْسَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْأَشْيَاءِ مَوْضُوعًا، وَهُوَ أَنَّ مَنْ كَانَ مُولَيًا عَلَيْهِ لَمْ يَصْلُحْ وَلِيًّا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا سِمَةُ الْعَجْزِ وَالْبَاقِيَ آيَةُ الْقُدْرَةِ وَهُمَا مُتَضَادَّانِ فَأَجْرَى هَذَا الْأَصْلُ فِي الْفُرُوعِ فَطَرَدَهُ لِأَفْقَهِ مَعْقُولٍ فَقَالَ يَصِحُّ اخْتِيَارُ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ وَلَا يَصِحُّ اخْتِيَارُ الْوَلِيِّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَبُولُ الْهِبَةِ فِي قَوْلٍ صَحِيحٌ مِنْهُ دُونَ الْوَلِيِّ وَفِي قَوْلٍ عَكْسُهُ وَلَا فِقْهَ فِيهِ لِأَنَّهُ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى دَلِيلِ الصِّحَّةِ وَالْعَدَمِ مِنْ الصَّبِيِّ وَعِنْدَنَا لَمَّا كَانَ قَاصِرَ الْأَهْلِيَّةِ صَلُحَ مُولَيًا عَلَيْهِ وَلَمَّا كَانَ صَاحِبَ أَصْلِ الْأَهْلِيَّةِ صَلُحَ وَلِيًّا ــ [كشف الأسرار] وَعِنْدَ عَدَمِ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ يَتَقَرَّرُ يَدُهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي رِقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ فَقَالَ هُوَ عَبْدِي أَوْ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لَهُ إذَا ادَّعَى الْحُرِّيَّةَ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ بِإِقْرَارِهِ بِالرِّقِّ مُدَّعِيًا لِلْحُرِّيَّةِ بِوَجْهٍ فَكَانَ هَذَا نَظِيرَ مَا قُلْنَا فِي صِحَّةِ رِدَّتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَعَ جَهْلِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عَالِمًا بِهِ حَتَّى يَكُونَ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀. وَالْجَوَابُ عَمَّا رُوِيَ مِنْ الْخَبَرِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا لِذَلِكَ الْغُلَامِ فَقَالَ اللَّهُمَّ سَدِّدْهُ» فَبِبَرَكَةِ دُعَائِهِ ﵇ اخْتَارَ مَا هُوَ الْأَنْفَعُ لَهُ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ (وَقَدْ خَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ) أَيْ: جُمْلَةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ خِلَافًا مُتَنَاقِضًا ثُمَّ بَيَّنَ التَّنَاقُضَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ بِصِحَّةِ كَثِيرٍ مِنْ عِبَارَاتِهِ فِي اخْتِيَارِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ وَفِي الْإِيصَاءِ كَمَا بَيَّنَّا وَفِي الْعِبَادَاتِ حَيْثُ قَالَ بِصِحَّةِ صَلَاةِ الصَّبِيِّ وَصِحَّتُهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى صِحَّةِ الْعِبَارَةِ فَإِنَّ التَّحْرِيمَةَ تَنْعَقِدُ بِالْعِبَارَةِ وَالْقِرَاءَةُ وَالْأَذْكَارُ فِي الصَّلَاةِ عِبَارَاتٌ أَيْضًا وَهِيَ صَحِيحَةٌ مِنْ الصَّبِيِّ كَمَا تَصِحُّ مِنْ الْبَالِغِ وَقَالَ بِلُزُومِ الْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَعْنِي إذَا أَحْرَمَ الصَّبِيُّ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ عِنْدَهُ وَلَيْسَ فِي الْقَوْلِ بِاللُّزُومِ لَهُ نَفْعٌ وَكَذَا لَوْ ارْتَكَبَ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ عِنْدَهُ وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ نَفْعٌ بَلْ هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ وَأَبْطَلَ الْإِيمَانُ أَيْ أَبْطَلَ عِبَارَتَهُ فِي الْإِيمَانِ حَتَّى لَوْ سُمِعَ مِنْهُ الْإِقْرَارَ عَنْ مَعْرِفَةٍ وَطَوْعٍ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَهَذَا تَنَاقُضٌ حَيْثُ صَحَّحَ عِبَارَتَهُ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ لِمَعْنَى النَّفْعِ وَلَمْ يُصَحِّحْهَا فِي الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ نَفْعًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ الْوَصِيَّةِ وَاخْتِيَارِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ. وَلَيْسَ لَهُ فِقْهٌ أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَنْظُرُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ إلَى الْمَعْنَى الْفِقْهِيِّ الْمُودَعِ فِيهَا وَإِنَّمَا لَهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ وَضَعَهُ بِنَفْسِهِ يَطْرُدُهُ فِي الْمَسَائِلِ وَهُوَ أَنَّ مَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ لَهُ مِنْ الْمَنَافِعِ بِمُبَاشَرَةِ وَلِيِّهِ لَا يُعْتَبَرُ عِبَارَتُهُ فِيهِ وَمَا لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ لَهُ بِمُبَاشَرَةِ وَلِيِّهِ يُعْتَبَرُ عِبَارَتُهُ فِيهِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مُولَيًا عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَصْلُحْ وَلِيًّا فِيهِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَهُوَ كَوْنُهُ مُولَيًا عَلَيْهِ سِمَةُ الْعَجْزِ أَيْ عَلَامَتُهُ. وَالثَّانِي وَهُوَ كَوْنُهُ وَلِيًّا بِنَفْسِهِ آيَةُ الْقُدْرَةِ وَهُمَا أَيْ كَوْنُهُ عَاجِزًا وَكَوْنُهُ قَادِرًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مُتَضَادَّانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ فَلَمَّا جَعَلَهُ الشَّرْعُ مُولَيًا عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ دَلَّ عَلَى سُقُوطِ وِلَايَتِهِ فِيهِ إذْ لَوْ بَقِيَتْ لَمَا ثَبَتَ لِلْغَيْرِ وِلَايَةٌ فِيهِ كَمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَلِذَلِكَ فَسَدَتْ عِبَارَتُهُ فِيمَا صَارَ مُولَيًا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ وَكَذَا فِيمَا لَمْ يَصِرْ مُولِيًا عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَقَالَ يَصِحُّ اخْتِيَارُهُ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ هَذَا الِاخْتِيَارِ لَا تَحْصُلُ لَهُ بِمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ فَتُعْتَبَرُ عِبَارَتُهُ فِيهِ وَإِذَا اُعْتُبِرَتْ عِبَارَتُهُ فِيهِ لَا تُعْتَبَرُ عِبَارَةُ الْوَلِيِّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَلَا يُعْتَبَرُ اخْتِيَارُهُ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَاخْتِيَارِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ قَبُولُ الْهِبَةِ فِي قَوْلٍ يَصِحُّ مِنْهُ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ فَيَمْلِكُ مُبَاشَرَتَهُ وَإِذَا مَلَكَهُ بِنَفْسِهِ لَا يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ عَلَيْهِ وَفِي قَوْلٍ لَا يَصِحُّ مِنْهُ وَيَصِحُّ مِنْ الْوَلِيِّ كَالْبَيْعِ وَلَا فِقْهَ فِيهِ أَيْ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْجَوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِأَنَّهُ أَيْ الشَّافِعِيَّ ﵀ لَمْ يَبْنِ الْأَمْرَ عَلَى دَلِيلِ الصِّحَّةِ وَالْعَدَمِ مِنْ الصَّبِيِّ أَيْ عَلَى دَلِيلِ تَبَيُّنِ صِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ أَوْ عَدَمِ صِحَّتِهِ مِنْهُ بَلْ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ الْفِقْهِ وَعِنْدَنَا لَمَّا كَانَ الصَّبِيُّ قَاصِرَ الْأَهْلِيَّةِ صَلَحَ مُولَيًا عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ قُصُورِ الْعَقْلِ وَلَمَّا كَانَ صَاحِبَ أَصْلِ الْأَهْلِيَّةِ بِوُجُودِ أَصْلِ الْعَقْلِ صَلَحَ وَلِيًّا بِنَفْسِهِ

стр. 1382

وَمَتَى جَعَلْنَاهُ مُولَيًا عَلَيْهِ لَمْ نَجْعَلْهُ وَلِيًّا فِيهِ وَإِنَّمَا هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ الِاحْتِمَالِ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى تَوَسُّعِ طَرِيقِ النَّيْلِ وَالْإِصَابَةِ وَذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَسْبَابِ أَحْكَامُهَا فَوَجَبَ احْتِمَالُ هَذَا التَّرَدُّدِ فِي السَّبَبِ لِسَلَامَةِ الْحُكْمِ عَلَى الْكَمَالِ وَإِنَّمَا الْأُمُورُ بِعَوَاقِبِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (بَابُ الْأُمُورِ الْمُعْتَرِضَةِ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ) : الْعَوَارِضُ نَوْعَانِ سَمَاوِيٌّ وَمُكْتَسَبٌ ــ [كشف الأسرار] وَلَا مُنَافَاةَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّا مَتَى جَعَلْنَاهُ وَلِيًّا فِي تَصَرُّفٍ لَمْ نَجْعَلْهُ فِيهِ أَيْ فِيمَا جَعَلْنَاهُ وَلِيًّا مُولَيًا عَلَيْهِ. وَإِذَا جَعَلْنَاهُ مُولَيًا عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفٍ لَمْ نَجْعَلْهُ وَلِيًّا فِيهِ فَإِنَّا مَتَى جَعَلْنَاهُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ نَفْسِهِ لَمْ نَجْعَلْهُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَحَدٍ وَإِذَا جَعَلْنَاهُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ لَمْ نَجْعَلْهُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ نَفْسِهِ وَهُوَ كَالْعَبْدِ يَكُونُ تَبَعًا لِمَوْلَاهُ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ فِي حَالَةٍ وَيَكُونُ أَصْلًا بِنَفْسِهِ فِي حَالَةٍ وَهِيَ مَا إذَا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا هَذَا أَيْ الْجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِ وَلِيًّا وَمُولِيًا عَلَيْهِ عِبَارَةٌ عَنْ الِاحْتِمَالِ أَيْ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُوجَدَ هَذَا التَّصَرُّفُ بِمُبَاشَرَتِهِ فَيَكُونُ وَلِيًّا فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوجَدَ بِمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُولَيًا عَلَيْهِ لَا أَنْ يُوجِدَ التَّصَرُّفَ بِالطَّرِيقَيْنِ جَمِيعًا فَيَكُونُ وَلِيًّا وَمُولِيًا عَلَيْهِ فِيهِ بَلْ لَا يُوجَدُ إلَّا بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ وَلَا يَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْوَجْهِ كَمَا فِي إرْسَالِ الطَّلَاقِ وَتَعْلِيقِهِ فَإِنَّهُمَا يَتَنَافَيَانِ وُجُودًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ بِالْإِرْسَالِ لَا يَقَعُ بِالتَّعْلِيقِ وَكَذَا عَكْسُهُ فَأَمَّا مَا قَبْلَ الْوُجُودِ فَيَحْتَمِلُ الْوُقُوعَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ وَهُوَ رَاجِعٌ أَيْ الْجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِ وَلِيًّا وَمُولِيًا عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفٍ رَاجِعٌ إلَى تَوَسُّعِ طَرِيقِ النَّيْلِ أَيْ نَيْلِ الْحُكْمِ وَالنَّفْعِ الَّذِي فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفِ فَإِنَّهُ مَتَى صَحَّ قَبُولُهُ الْهِبَةَ بِنَفْسِهِ وَصَحَّ قَبُولُ وَلِيِّهِ لَهُ أَيْضًا كَانَ حُصُولُ نَفْعِ الْهِبَةِ لَهُ بِطَرِيقَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا كَانَ طَرِيقُهُ وَاحِدًا وَلَا شَكَّ أَنَّ حُصُولَهُ بِطَرِيقَيْنِ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ حُصُولِهِ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ. وَذَلِكَ أَيْ تَوَسُّعُ طَرِيقِ الْإِصَابَةِ أَوْ نَيْلُ نَفْعِ التَّصَرُّفِ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ جَعْلِهِ وَلِيًّا بِنَفْسِهِ وَمُولِيًا عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَسْبَابِ أَحْكَامُهَا لَا ذَوَاتُهَا فَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ حُكْمَهُ وَهُوَ حُصُولُ النَّفْعِ فَوَجَبَ احْتِمَالُ هَذَا التَّرَدُّدِ فِي السَّبَبِ أَيْ وَجَبَ تَحَمُّلُ التَّرَدُّدِ الَّذِي فِي السَّبَبِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمُبَاشَرَةِ نَفْسِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ بِمُبَاشَرَةِ وَلِيِّهِ مِنْ غَيْرِ تَعَيُّنِ أَحَدِهِمَا لِسَلَامَةِ الْحُكْمِ عَلَى الْكَمَالِ أَيْ لِيَحْصُلَ النَّفْعُ لَهُ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَإِنَّمَا الْأُمُورُ بِعَوَاقِبِهَا أَيْ الْمُعْتَبَرُ عَوَاقِبُ الْأُمُورِ لَا ابْتِدَاؤُهَا وَعَاقِبَةُ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ تَحْصِيلُ الْمَنَافِعِ لِلصَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ بِتَوْسِيعِ طَرِيقِهِ وَإِنْ كَانَ فِي ابْتِدَائِهِ تَرَدُّدٌ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْأُمُورِ الْمُعْتَرِضَةِ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ] وَلَمَّا فَرَغَ الشَّيْخُ ﵀ مِنْ بَيَانِ الْأَهْلِيَّةِ وَمَا يُبْتَنَى عَلَيْهَا مِنْ الْأَحْكَامِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أُمُورٍ تَعْتَرِضُ عَلَيْهَا فَتَمْنَعُهَا عَنْ إبْقَائِهَا عَلَى حَالِهَا فَبَعْضُهَا يُزِيلُ أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ كَالْمَوْتِ وَبَعْضُهَا يُزِيلُ أَهْلِيَّةَ الْأَدَاءِ كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَبَعْضُهَا يُوجِبُ تَغْيِيرًا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ وَالْأَدَاءِ كَالسَّفَرِ عَلَى مَا سَتَقِفُ عَلَى تَفْصِيلِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْعَوَارِضُ جَمْعُ عَارِضَةٍ أَيْ خَصْلَةٌ عَارِضَةٌ أَوْ آفَةٌ عَارِضَةٌ مِنْ عَرَضَ لَهُ كَذَا إذَا ظَهَرَ لَهُ أَمْرٌ يَصُدُّهُ عَنْ الْمُضِيِّ عَلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَدِّ ضَرَبَ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْمُعَارَضَةُ مُعَارَضَةً لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ يُقَابِلُ الْآخَرَ عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُهُ عَنْ إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَيُسَمَّى السَّحَابُ عَارِضًا لِمَنْعِهِ أَثَرَ الشَّمْسِ وَشُعَاعَهَا وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ فِي تَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ عَوَارِضُ لِمَنْعِهَا الْأَحْكَامَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِأَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ أَوْ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ عَنْ الثُّبُوتِ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُوخَةَ وَالْكُهُولَةَ وَنَحْوَهُمَا فِي جُمْلَةِ الْعَوَارِضِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي تَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْحَمْلَ

стр. 1383

أَمَّا السَّمَاوِيُّ فَهُوَ الصِّغَرُ وَالْجُنُونُ وَالْعَتَهُ وَالنِّسْيَانُ وَالنَّوْمُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْمَرَضُ وَالرِّقُّ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَالْمَوْتُ. وَأَمَّا الْمُكْتَسَبُ فَإِنَّهُ نَوْعَانِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ أَمَّا الَّذِي مِنْهُ فَالْجَهْلُ وَالسُّكْرُ وَالْهَزْلُ وَالسَّفَهُ وَالْخَطَأُ وَالسَّفَرُ وَأَمَّا الَّذِي مِنْ غَيْرِهِ فَالْإِكْرَاهُ بِمَا فِيهِ إلْجَاءٌ وَبِمَا لَيْسَ فِيهِ إلْجَاءٌ. أَمَّا الْجُنُونُ فَإِنَّهُ فِي الْقِيَاسِ مُسْقِطٌ لِلْعِبَادَاتِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلْقُدْرَةِ فَيَنْعَدِمُ بِهِ الْأَدَاءُ فَيَنْعَدِمُ الْوُجُوبُ لِانْعِدَامِهِ لَكِنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا فِيهِ إذَا زَالَ قَبْلَ الِامْتِدَادِ فَجَعَلُوهُ عَفْوًا وَأَلْحَقُوهُ بِالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ ــ [كشف الأسرار] وَالْإِرْضَاعَ وَالشَّيْخُوخَةَ الْقَرِيبَةَ إلَى الْفَنَاءِ مِنْ الْعَوَارِضِ وَإِنْ تَغَيَّرَ بِهَا بَعْضُ الْأَحْكَامِ لِدُخُولِهَا فِي الْمَرَضِ فَكَانَ ذِكْرُ الْمَرَضِ ذِكْرًا لَهَا كَذَا قِيلَ وَأُورِدَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ فَإِنَّهُمَا مِنْ الْأَمْرَاضِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُمَا وَإِنْ دَخَلَا فِي الْمَرَضِ لَكِنَّهُمَا اخْتَصَّا بِأَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ يُحْتَاجُ إلَى بَيَانِهَا فَأَفْرَدَهُمَا بِالذِّكْرِ سَمَاوِيٌّ وَهُوَ مَا يَثْبُتُ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِدُونِ اخْتِيَارٍ لِلْعَبْدِ فِيهِ وَلِهَذَا نُسِبَ إلَى السَّمَاءِ فَإِنَّ مَا لَا اخْتِيَارَ لِلْعَبْدِ فِيهِ يُنْسَبُ إلَى السَّمَاءِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ قُدْرَةِ الْعَبْدِ نَازِلٌ مِنْ السَّمَاءِ وَمُكْتَسَبٌ وَهُوَ مَا كَانَ لِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ فِيهِ مَدْخَلٌ. وَقَدَّمَ السَّمَاوِيَّ عَلَى الْمُكْتَسَبِ ذِكْرًا لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي الْعَارِضِيَّةِ لِخُرُوجِهِ عَنْ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي تَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْمُكْتَسَبِ وَذَكَرَ الصِّغَرَ مِنْ الْعَوَارِضِ مَعَ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ لِكُلِّ إنْسَانٍ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَخْلُو عَنْ الصِّغَرِ كَآدَمَ وَحَوَّاءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَرَضِيَ عَنْهَا فَإِنَّهُمَا خُلِقَا كَمَا كَانَا مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ صِغَرٍ ثُمَّ اعْتَرَضَ الصِّغَرُ عَلَى أَوْلَادِهِمَا وَلِأَنَّ مَاهِيَّةَ الْإِنْسَانِ قَدْ تُعْرَفُ بِدُونِ وَصْفِ الصِّغَرِ وَلِهَذَا كَانَ الْكَبِيرُ إنْسَانًا فَكَانَ الصِّغَرُ أَمْرًا عَارِضًا عَلَى حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ ضَرُورَةً وَجَعَلَ الْجَهْلَ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ مَعَ أَنَّهُ أَصْلِيٌّ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَبْدَ قَادِرٌ عَلَى إزَالَتِهِ بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ فَكَانَ تَرْكُ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ بِالِاخْتِيَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِيَارِ الْجَهْلِ وَكَسْبِهِ وَهَذَا كَالْكَافِرِ يُجْعَلُ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ بِوَاسِطَةِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَكَانَ تَرْكُهُ الْإِسْلَامَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ تَرْكًا لِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَائِهَا فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُعَذَّبَ عَلَى تَرْكِهَا وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّقِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِنْ إزَالَتِهِ فِي الْأَصْلِ بِوَاسِطَةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ جَزَاءً عَلَى الْكُفْرِ وَلَا اخْتِيَارَ لِلْعَبْدِ فِي ثُبُوتِ الْأَجْزِئَةِ بَلْ هِيَ تَثْبُتُ جَبْرًا كَحَدِّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ وَبَعْدَمَا يَثْبُتُ لَا يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ إزَالَتِهِ فَكَانَ مِنْ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ قَدَّمَ الصِّغَرَ فِي تَعْدَادِ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْجَهْلَ فِي تَعْدَادِ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ لِأَنَّهُمَا يَثْبُتَانِ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِ الْآدَمِيِّ. وَقَدَّمَ الْجُنُونَ عَلَى الصِّغَرِ فِي تَفْصِيلِ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ لِأَنَّ حُكْمَ الصِّغَرِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ حُكْمُ الْجُنُونِ فَقَدَّمَ بَيَانَ الْجُنُونِ لِيُمْكِنَهُ إلْحَاقُ الصِّغَرِ بِهِ قَوْلُهُ (أَمَّا الْجُنُونُ) فَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ ﵀ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْجُنُونِ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْعَقْلِ وَمَحَلِّهِ وَأَفْعَالِهِ فَالْعَقْلُ مَعْنًى يُمْكِنُ بِهِ الِاسْتِدْلَال مِنْ الشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِبِ وَالِاطِّلَاعُ عَلَى عَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمَحَلُّهُ الدِّمَاغُ وَالْمَعْنَى الْمُوجِبُ انْعِدَامَ آثَارِهِ وَتَعْطِيلَ أَفْعَالِهِ الْبَاعِثُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى أَفْعَالٍ مُضَادَّةٍ لِتِلْكَ الْأَفْعَالِ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ فِي عَامَّةِ أَطْرَافِهِ وَفُتُورٍ فِي سَائِرِ أَعْضَائِهِ يُسَمَّى جُنُونًا وَالْأَسْبَابُ الْمُهَيِّجَةُ لَهُ إمَّا نُقْصَانٌ جُبِلَ عَلَيْهِ دِمَاغُهُ وَطُبِعَ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ فَلَمْ يَصْلُحْ لِقَبُولِ مَا أُعِدَّ لِقَبُولِهِ مِنْ الْعَقْلِ كَعَيْنِ الْأَكْمَهِ وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ وَلَا مَنْفَعَةَ فِي الِاشْتِغَالِ بِعِلَاجِهِ وَإِمَّا مَعْنًى عَارِضٌ أَوْجَبَ زَوَالَ الِاعْتِدَالِ الْحَاصِلِ لِلدِّمَاغِ خِلْقَةً إلَى رُطُوبَةٍ مُفْرِطَةٍ أَوْ يُبُوسَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا يُعَالَجُ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى لِذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَفِي النَّوْعَيْنِ يَتَيَقَّنُ

стр. 1384

وَذَلِكَ لَمَّا كَانَ مُنَافِيًا لِأَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ كَانَ الْقِيَاسُ فِيهِ مَا قُلْنَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ عُصِمُوا عَنْهُ لَكِنَّهُ إذَا لَمْ يَمْتَدَّ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا حَرَجًا عَلَى مَا قُلْنَا وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ هَذَا إذَا كَانَ عَارِضًا غَيْرَ أَصْلِيٍّ لِيُلْحَقَ بِالْعَوَارِضِ فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ مَجْنُونًا فَإِذَا زَالَ صَارَ فِي مَعْنَى الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ هُمَا سَوَاءٌ وَاعْتَبَرَ فِيمَا يَزُولُ عَنْهُ فَيُلْحَقُ بِأَصْلِهِ وَهُوَ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ يَتَفَاوَتُ بَيْنَ مَدِيدٍ وَقَصِيرٍ فَيُلْحَقُ هَذَا الْأَصْلَ فِي الْحُكْمِ الَّذِي لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ بِالْعَارِضِ وَذَلِكَ فِي الْجُنُونِ الْأَصْلِيِّ إذَا زَالَ قَبْلَ انْسِلَاخِ شَهْرِ رَمَضَانَ. ــ [كشف الأسرار] بِزَوَالِ الْعَقْلِ لِفَسَادِ أَصْلِيٍّ أَوْ عَارِضٍ فِي مَحَلِّهِ كَمَا يَتَيَقَّنُ بِزَوَالِ الْقُوَّةِ الْبَاصِرَةِ عَنْ الْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ لِفَسَادٍ فِيهَا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ أَوْ بِعَارِضِ أَمْرٍ أَصَابَهَا وَإِمَّا اسْتِيلَاءُ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ فَيُخَيِّلُهُ الْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةَ وَيَفْزَعُهُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ فَيَطِيرُ قَلْبُهُ وَلَا يَجْتَمِعُ ذِهْنُهُ مَعَ سَلَامَةٍ فِي مَحَلِّ الْعَقْلِ خِلْقَةً وَبَقَائِهِ عَلَى الِاعْتِدَالِ وَيُسَمَّى هَذَا الْمَجْنُونُ مَمْسُوسًا لِتَخَبُّطِ الشَّيْطَانِ إيَّاهُ وَمُوَسْوَسًا لِإِلْقَائِهِ الْوَسْوَسَةَ فِي قَلْبِهِ وَيُعَالَجُ هَذَا النَّوْعُ بِالتَّعَاوِيذِ وَالرُّقَى. وَفِي هَذَا النَّوْعِ لَا يُحْكَمُ بِزَوَالِ الْعَقْلِ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا كَانَ لِنُقْصَانٍ جُبِلَ عَلَيْهِ غَيْرُ زَائِلٍ عَادَةً لِعَدَمِ جَرَيَانِ التَّبْدِيلِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ الْكَمَهِ فَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ فَأَمَّا مَا حَصَلَ مِنْهُ بِزَوَالِ الِاعْتِدَالِ أَوْ بِمَسِّ الشَّيْطَانِ فَهُوَ عَارِضٌ عَلَى الْأَصْلِ ثُمَّ الْقِيَاسُ فِي الْجُنُونِ أَنْ يَكُونَ مُسْقِطًا لِلْعِبَادَاتِ كُلِّهَا أَيْ مَانِعًا لِوُجُوبِهَا أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ عَارِضًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ حَتَّى قَالَا: لَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فِي بَعْضِ شَهْرِ رَمَضَانَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى كَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ أَوْ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ فِي خِلَالِ الشَّهْرِ وَكَذَا إذَا أَفَاقَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجُنُونَ يُنَافِي الْقُدْرَةَ لِأَنَّهَا تَحْصُلُ بِقُوَّةِ الْبَدَنِ وَالْعَقْلِ وَالْجُنُونُ يُزِيلُ الْعَقْلَ فَلَا يُتَصَوَّرُ فَهْمُ الْخِطَابِ وَالْعِلْمِ بِهِ بِدُونِ الْعَقْلِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْعِلْمِ لِأَنَّ الْعِلْمَ أَخَصُّ أَوْصَافِ الْقُدْرَةِ فَتَفُوتُ الْقُدْرَةُ بِفَوْتِهِ وَبِفَوْتِ الْقُدْرَةِ يَفُوتُ الْأَدَاءُ وَإِذَا فَاتَ الْأَدَاءُ عُدِمَ الْوُجُوبُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْوُجُوبِ بِدُونِ الْأَدَاءِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْأَدَاءِ تَفُوتُ بِزَوَالِ الْعَقْلِ وَبِدُونِ الْأَهْلِيَّةِ لَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّبِيَّ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْمَجْنُونِ فَإِنَّهُ نَاقِصُ الْعَقْلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ عَدِيمُ الْعَقْلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ إلَى الْإِصَابَةِ عَادَةً وَالْمَجْنُونُ عَدِيمُ الْعَقْلِ لَا إلَى الْإِصَابَةِ عَادَةً وَإِذَا كَانَ الصِّغَرُ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ حَتَّى لَمْ يَلْزَمْ الصَّبِيَّ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ إذَا بَلَغَ فِي خِلَالِ الشَّهْرِ فَالْجُنُونُ أَوْلَى. وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْ الصَّوْمِ عِنْدَ الْإِفَاقَةِ وَقَضَاءُ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ الْإِغْمَاءُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّ أَهْلِيَّتَهُ قَائِمَةٌ لِقِيَامِ الْعَقْلِ إذْ الْإِغْمَاءُ لَا يُنَافِي الْعَقْلَ بَلْ هُوَ عَجْزٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ آلَةِ الْقُدْرَةِ كَالنَّوْمِ فَكَانَ الْعَقْلُ ثَابِتًا كَمَا كَانَ كَمَنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ السَّيْفِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي السَّيْفِ بِالْإِعْدَامِ فَكَذَا الْإِغْمَاءُ لَكِنَّهُمْ يَعْنِي عُلَمَاءَنَا الثَّلَاثَةَ اسْتَحْسَنُوا فِيهِ أَيْ فِي الْجُنُونِ إذَا زَالَ قَبْلَ الِامْتِدَادِ فَجَعَلُوهُ عَفْوًا أَيْ سَاقِطًا كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَأَلْحَقُوهُ بِالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْجُنُونَ مِنْ الْعَوَارِضِ كَالْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ وَقَدْ أُلْحِقَ النَّوْمُ وَالْإِغْمَاءُ بِالْعَدَمِ فِي حَقِّ كُلِّ عِبَادَةٍ لَا يُؤَدِّي إيجَابُهَا إلَى الْحَرَجِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَعْدَ زَوَالِهِمَا وَجُعِلَا كَأَنَّهُمَا لَمْ يُوجَدَا أَصْلًا فِي حَقِّ إيجَابِ الْقَضَاءِ وَأَنَّ الْعِبَادَةَ كَانَتْ وَاجِبَةً فَفَاتَتْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَيُلْحَقُ الْجُنُونُ الْمَوْصُوفُ بِكَوْنِهِ عَارِضًا بِهِمَا بِجَامِعِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ عُذْرٌ عَارِضٌ زَالَ قَبْلَ الِامْتِدَادِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ عُذْرٍ عَارِضٍ كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فِي حَقِّ الصَّوْمِ هَذَا فِي حَقِّ إيجَابِ الْقَضَاءِ فَأَمَّا فِي حَقِّ لُحُوقِ الْمَأْثَمِ فَالْأَمْرُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِوُرُودِ النَّصِّ الْمُنْبِئِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَإِلَّا مَا آتَاهَا. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ أَلْحَقَ الْعَارِضَ بِالْعَدَمِ فِي حَقِّ صِحَّةِ الْأَدَاءِ حَتَّى إنَّ مَنْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ الصَّوْمَ ثُمَّ نَامَ وَلَمْ يَنْتَبِهْ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ أُغْمِيَ

стр. 1385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ وَلَمْ يُفِقْ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ حُكِمَ بِجَوَازِ الصَّوْمِ مَعَ أَنَّهُ عِبَادَةٌ خَالِصَةٌ وَالْإِمْسَاكُ رُكْنٌ وَهُوَ فِعْلٌ مَقْصُودٌ وَلَا بُدَّ فِي مِثْلِهِ مِنْ التَّحْصِيلِ بِالِاخْتِيَارِ وَمَا بِهِ مِنْ الْعُذْرِ قَدْ سَلَبَ اخْتِيَارَهُ لَكِنْ عِنْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ جُعِلَ هَذَا الْفِعْلُ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ بِطَرِيقِ إلْحَاقِ الْعُذْرِ الزَّائِلِ بِالْعَدَمِ وَإِذَا كَانَ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ فَفِي حَقِّ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الشَّرْعَ أَلْحَقَ الْعَارِضَ بِالْعَدَمِ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ وَقْتَ تَقَرُّرِهِ حَيْثُ حَكَمَ بِصِحَّةِ الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ فِي حَالَةِ النَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَنَحْنُ فِي حَقِّ الْوُجُوبِ أَلْحَقْنَا الْعَارِضَ بِالْعَدَمِ بَعْدَ زَوَالِهِ وَجَعَلْنَا السَّبَبَ الْمَوْجُودَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ إيجَابِ الْقَضَاءِ عِنْدَ زَوَالِ الْعَارِضِ فَكَانَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْمُرْتَدُّ إذَا أَسْلَمَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا مَضَى فِي حَالَةِ الرِّدَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الرِّدَّةُ عَارِضَةً زَالَتْ وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ كَوْنِهَا عَارِضَةً فِي حَقِّ التَّصَرُّفَاتِ خُصُوصًا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَإِنَّ تَصَرُّفَاتِهِ تَنْعَقِدُ عَلَى التَّوَقُّفِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ يَظْهَرُ أَنَّهُ انْعَقَدَتْ عَلَى الصِّحَّةِ وَجُعِلَتْ كَأَنَّ الرِّدَّةَ لَمْ تَكُنْ فَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَأَنْ تُلْحَقَ بِالْعَدَمِ عِنْدَ زَوَالِهَا حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَانَ أَوْلَى لِأَنَّا نَقُولُ الرِّدَّةُ عِنْدَنَا تُلْتَحَقُ بِالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ فِي حَقِّ الْعِبَادَاتِ نَصًّا حَتَّى أَوْجَبَتْ إبْطَالَ مَا مَضَى مِنْ الْأَعْمَالِ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ وَأَلْحَقَتْ تِلْكَ الْأَعْمَالَ بِالْمَوْجُودَةِ مِنْهَا فِي حَالَةِ الْكُفْرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] وَقَدْ عُرِفَ الْحُكْمُ فِي الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ قَضَاءَ مَا مَضَى نَصًّا فَكَذَا هَذَا وَلِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ تَزُولُ بِالْكُفْرِ فَلَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْقَضَاءِ بِدُونِ الْوُجُوبِ. قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ كَوْنُ الْجُنُونِ مُسْقِطًا لِلْعِبَادَاتِ فِي الْقِيَاسِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَغَيْرَ مُسْقِطٍ لَهَا فِي الِاسْتِحْسَانِ إذَا قَلَّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجُنُونَ لَمَّا كَانَ مُنَافِيًا لِأَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ الْأَهْلِيَّةِ بِالْعَقْلِ فَزَوَالُهُ يَكُونُ مُنَافِيًا لَهَا كَانَ الْقِيَاسُ فِيهِ مَا قُلْنَا إنَّهُ يُسْقِطُ الْعِبَادَاتِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ثُمَّ اسْتَوْضَحَ كَوْنَهُ مُنَافِيًا لِلْأَهْلِيَّةِ بِقَوْلِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ عُصِمُوا عَنْ الْجُنُونِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ بُطْلَانَ الْأَهْلِيَّةِ وَالْتِحَاقَ الشَّخْصِ بِالْبَهَائِمِ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَلِهَذَا كَانَتْ نِسْبَتُهُمْ إلَى الْجُنُونِ كُفْرًا لَكِنَّهُ أَيْ الْجُنُونَ إذَا لَمْ يَمْتَدَّ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا حَرَجًا أَيْ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ وَإِلْحَاقِهِ بِالْعَدَمِ وَإِيجَابُ الْعِبَادَةِ مَعَهُ مُوقِعًا فِي الْحَرَجِ عَلَى مَا قُلْنَا يَعْنِي قَوْلَهُ فِي بَابِ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ وَإِذَا لَمْ يَمْتَدَّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلَى آخِرِهِ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْ فِي الْجُنُونِ الَّذِي جُعِلَ عَفْوًا إذَا زَالَ قَبْلَ الِامْتِدَادِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ هَذَا أَيْ إلْحَاقُهُ بِالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَإِيجَابُ الْقَضَاءِ عِنْدَ زَوَالِهِ قَبْلَ الِامْتِدَادِ إذَا كَانَ عَارِضًا يَعْنِي مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِأَنْ حَدَثَ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِيُلْحَقَ بِالْعَوَارِضِ أَيْ لِيُمْكِنَ إلْحَاقُهُ بِهَا وَجَعْلُهُ عَفْوًا عِنْدَ عَدَمِ الِامْتِدَادِ فَأَمَّا إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ مَجْنُونًا كَانَ حُكْمُ هَذَا الْجُنُونِ حُكْمَ الصِّبَا فَإِذَا زَالَ هَذَا الْجُنُونُ فِي خِلَالِ الشَّهْرِ صَارَ فِي مَعْنَى الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ أَيْ صَارَ هَذَا الْمَجْنُونُ فِي مَعْنَى الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ فِي خِلَالِ الشَّهْرِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى وَقَوْلُهُ فَإِذَا زَالَ مَعَ جَوَابِهِ جَوَابُ أَمَّا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ هُمَا سَوَاءٌ أَيْ الْجُنُونُ الْأَصْلِيُّ وَالْعَارِضِيُّ سَوَاءٌ فِي أَنَّ غَيْرَ الْمُمْتَدِّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ

стр. 1386

وَحَدُّ الِامْتِدَادِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّاعَاتِ فَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَبِأَنْ يَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِاعْتِبَارِ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لِيَصِيرَ سِتًّا فَيَدْخُلَ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَأَقَامَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْوَقْتَ فِيهِ مَقَامَ الصَّلَاةِ تَيْسِيرًا فَيُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ بِالسَّاعَاتِ ــ [كشف الأسرار] مِنْهُمَا مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ وَقَوْلُهُ وَاعْتَبَرَ بِبَيَانِ الْمُسَاوَاةِ أَيْ اعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ حَالَ الْجُنُونِ الْأَصْلِيِّ وَهِيَ امْتِدَادُهُ وَعَدَمُ امْتِدَادِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِيمَا يَزُولُ أَيْ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَزُولُ هَذَا الْجُنُونُ عَنْهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ مِثْلُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَيُلْحِقُ أَيْ مُحَمَّدٌ الْجُنُونَ الْأَصْلِيَّ بِأَصْلِ الْجُنُونِ وَهُوَ كَوْنُهُ عَارِضًا يَعْنِي الْأَصْلَ فِي الْجُنُونِ أَنْ يَكُونَ عَارِضًا نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجِبِلَّةِ سَلَامَتُهَا عَنْ الْآفَاتِ فَكَانَ كَوْنُ الْجُنُونِ أَصْلِيًّا أَمْرًا عَارِضًا فِيهِ فَيُلْحِقُ مُحَمَّدٌ ﵀ هَذَا الْعَارِضَ بِأَصْلٍ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصِّبَا الَّذِي أَلْحَقَ أَبُو يُوسُفَ هَذَا الْجُنُونَ بِهِ فَقَالَ وَهُوَ أَيْ الْجُنُونُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ مُتَفَاوِتٌ بَيْنَ مَدِيدٍ يُوجِبُ سُقُوطَ الْوَاجِبَاتِ وَقَصِيرٍ لَا يُوجِبُ سُقُوطَهَا بِخِلَافِ الصِّبَا فَإِنَّهُ أَمْرٌ أَصْلِيٌّ مُمْتَدٌّ مُسْقِطٌ لِلْعِبَادَاتِ جَمِيعًا أَوْ الضَّمِيرُ لِلْجُنُونِ الْأَصْلِيِّ أَيْ الْجُنُونُ الْأَصْلِيُّ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ مُتَفَاوِتٌ بَيْنَ مَدِيدٍ مُوجِبٍ لِلْحَرَجِ وَبَيْنَ قَصِيرٍ لَا يُوجِبُهُ كَالْعَارِضِيِّ فَيُلْحِقُ مُحَمَّدٌ هَذَا الْأَصْلَ أَيْ كَوْنَ الْجُنُونِ أَصْلِيًّا فِي الْحُكْمِ الَّذِي لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ هَذَا الْجُنُونُ بِالْعَارِضِ أَيْ جَعَلَ هَذَا الْوَصْفَ فِيهِ عَارِضًا فَلَمْ يَعْتَبِرْهُ وَلَمْ يُلْحِقْهُ بِالصِّبَا بِوَاسِطَتِهِ وَاعْتَبَرَ أَصْلَهُ وَهُوَ كَوْنُهُ عَارِضًا فَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُمْتَدِّ مِنْهُ وَغَيْرِهِ أَوْ يُلْحِقُ هَذَا الْأَصْلَ أَيْ الْجُنُونَ الْأَصْلِيَّ بِالْجُنُونِ الْعَارِضِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي يَسْتَوْعِبُهُ. وَذَلِكَ أَيْ إلْحَاقُهُ الْأَصْلَ بِالْعَارِضِ أَوْ إلْحَاقُ الْجُنُونِ الْأَصْلِيِّ بِالْجُنُونِ الْعَارِضِيِّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي زَوَالِ الْجُنُونِ الْأَصْلِيِّ قَبْلَ انْسِلَاخِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُلْحِقُهُ بِزَوَالِ الْجُنُونِ الْعَارِضِيِّ قَبْلَ الِانْسِلَاخِ وَيُوجِبُ قَضَاءَ مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ بِزَوَالِهِ وَلَا يُوجِبُهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الصَّلَاةِ بِأَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا ثُمَّ زَالَ الْجُنُونُ قَبْلَ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَزِمَهُ قَضَاءُ صَلَاةِ مَا مَضَى عِنْدَ مَنْ جَعَلَ الْجُنُونَ الْأَصْلِيَّ كَالْعَارِضِيِّ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا عِنْدَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَذَا فِي بَعْضِ الْفَوَائِدِ وَذُكِرَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَبْسُوطِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَعَامَّةِ الْكُتُبِ عَلَى عَكْسِ مَا ذُكِرَ هَا هُنَا فَقِيلَ وَإِنْ كَانَ جُنُونُهُ أَصْلِيًّا بِأَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا ثُمَّ أَفَاقَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ فَالْمَحْفُوظُ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْخِطَابِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْآنَ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ يَبْلُغُ وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ فِي الْقِيَاسِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَكِنِّي أَسْتَحْسِنُ فَأُوجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءَ مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ لِأَنَّ الْجُنُونَ الْأَصْلِيَّ لَا يُفَارِقُ الْجُنُونَ الْعَارِضِيَّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَيْسَ فِيهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ ﵀ فِي طَرِيقَتِهِ مَا يُوَافِقُهُ فَقَالَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُنُونِ الْأَصْلِيِّ وَالْعَارِضِيِّ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي بَلَغَ مَجْنُونًا بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ وَلَمْ يَرِدْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي هَذَا شَيْءٌ مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ تَفْسِيرًا لِمَا أَبْهَمَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا قَوْلَ مُحَمَّدٍ ﵀ خَاصَّةً وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْجُنُونَ الْحَاصِلَ قَبْلَ الْبُلُوغِ حَصَلَ فِي وَقْتِ نُقْصَانِ الدِّمَاغِ لِآفَةٍ فِيهِ مَانِعَةٍ لَهُ عَنْ قَبُولِ الْكَمَالِ مُبْقِيَةٍ لَهُ عَلَى مَا خُلِقَ عَلَيْهِ مِنْ الضَّعْفِ الْأَصْلِيِّ فَكَانَ أَمْرًا أَصْلِيًّا فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالْعَدَمِ فَتَلْزَمُهُ الْحُقُوقُ مُقْتَصِرَةً عَلَى

стр. 1387

وَفِي الصَّوْمِ بِأَنْ يَسْتَغْرِقَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُعْتَبَرْ التَّكْرَارُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحَوْلٍ ــ [كشف الأسرار] الْحَالِ فَأَمَّا الْحَاصِلُ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَقَدْ حَصَلَ بَعْدَ كَمَالِ الْأَعْضَاءِ وَاسْتِيفَاءِ كُلٍّ مِنْهَا الْقُوَّةَ فَكَانَ مُعْتَرِضًا عَلَى الْمَحَلِّ الْكَامِلِ بِلُحُوقِ آفَةٍ عَارِضَةٍ فَيُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالْعَدَمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْحَرَجِ فِي إيجَابِ الْحُقُوقِ وَوَجْهُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ أَنَّ الْجُنُونَ الْحَاصِلَ قَبْلَ الْبُلُوغِ مِنْ قَبِيلِ الْعَارِضِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمَّا زَالَ فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى حُصُولِهِ عَنْ أَمْرٍ عَارِضٍ عَلَى أَصْلِ الْخِلْقَةِ لَا لِنُقْصَانٍ جُبِلَ عَلَيْهِ دِمَاغُهُ فَكَانَ مِثْلَ الْعَارِضِ بَعْدَ الْبُلُوغِ. قَوْلُهُ (وَحَدُّ الِامْتِدَادِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّاعَاتِ) لِأَنَّ بَعْضَهَا مُؤَقَّتٌ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَبَعْضَهَا بِالشَّهْرِ وَبَعْضَهَا بِالسَّنَةِ فَأَمَّا الصَّلَاةِ فَكَذَا اعْلَمْ أَنَّ الِامْتِدَادَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ يَحْصُلُ بِالْكَثْرَةِ الْمُوقِعَةِ فِي الْحَرَجِ لِأَنَّ الْجُنُونَ إذَا امْتَدَّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إيجَابُ الْعِبَادَةِ مَعَهُ مُوقِعًا فِي الْحَرَجِ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الْعِبَادَةِ مَعَ هَذَا الْوَصْفِ وَإِذَا زَالَ وَقَدْ وَجَبَتْ الْعِبَادَاتُ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْجُنُونِ اجْتَمَعَتْ وَاجِبَاتٌ حَالَ الْجُنُونِ وَحَالَ الْإِفَاقَةِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَيُحْرَجُ فِي أَدَائِهَا لِكَثْرَتِهَا ثُمَّ لَمَّا لَمْ تَكُنْ لِلْكَثْرَةِ نِهَايَةٌ يُمْكِنُ ضَبْطُهَا اعْتَبَرَ أَدْنَاهَا وَهُوَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْعُذْرُ وَظِيفَةَ الْوَقْتِ إلَّا أَنَّ وَقْتَ جِنْسِ الصَّلَاةِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَهُوَ وَقْتٌ قَصِيرٌ فِي نَفْسِهِ فَأُكِّدَتْ كَثْرَتُهَا بِدُخُولِهَا فِي حَدِّ التَّكْرَارِ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّكْرَارُ فَاعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ دُخُولَ نَفْسِ الصَّلَوَاتِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ بِأَنْ تَصِيرَ الصَّلَوَاتُ سِتًّا لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَتَحَقَّقُ بِهِ وَأَقَامَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْوَقْتَ فِيهِ أَيْ فِي دُخُولِ الصَّلَاةِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ مَقَامَ الصَّلَاةِ يَعْنِي أَنَّهُمَا اعْتَبَرَا الزِّيَادَةَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِاعْتِبَارِ السَّاعَاتِ هَكَذَا ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ ﵀ وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا جُنَّ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ثُمَّ أَفَاقَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَصِرْ سِتًّا فَلَمْ يَدْخُلْ الْوَاجِبُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ حَقِيقَةً. وَعِنْدَهُمَا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ وَقْتَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَهُوَ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ قَدْ دَخَلَ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ الْوَاجِبُ فِيهِ وَالْوَقْتُ سَبَبٌ فَيُقَامُ مَقَامَ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ مُسَبِّبُهُ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِإِسْقَاطِ الْوَاجِبِ عَنْهُ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ مُكَرَّرًا كَمَا أُقِيمَ السَّفَرُ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَمْ يَقْضِ الصَّلَاةَ وَالْعِبْرَةُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِعَيْنِ النَّصِّ لَا لِلْمَعْنَى وَالْجُنُونُ فَوْقَ الْإِغْمَاءِ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَيُلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً وَالِامْتِدَادُ فِي الصَّوْمِ بِأَنْ يَسْتَغْرِقَ الْجُنُونُ شَهْرَ رَمَضَانَ وَهَذَا اللَّفْظُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَفَاقَ فِي جُزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا يَجِبُ الْقَضَاءُ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَذَكَرَ فِي الْكَامِلِ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ ﵀ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُفِيقًا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَأَصْبَحَ مَجْنُونًا وَاسْتَوْعَبَ الْجُنُونُ بَاقِيَ الشَّهْرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَا يُصَامُ فِيهِ فَكَانَ الْجُنُونُ وَالْإِفَاقَةُ فِيهِ سَوَاءً وَكَذَا لَوْ أَفَاقَ فِي لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ ثُمَّ أَصْبَحَ مَجْنُونًا وَلَوْ أَفَاقَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَإِنْ أَفَاقَ بَعْدَهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُلْزَمُ الْقَضَاءَ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يُفْلِحُ

стр. 1388

وَبِالزَّكَاةِ بِأَنْ يَسْتَغْرِقَ الْحَوْلَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ وَأَقَامَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ أَكْثَرَ الْحَوْلِ مَقَامَ كُلِّهِ فِيمَا يَمْتَدُّ عَمَلًا بِالتَّيْسِيرِ وَالتَّخْفِيفِ فَإِذَا زَالَ قَبْلَ هَذَا الْحَدِّ وَهُوَ أَصْلِيٌّ كَانَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ وَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ أَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الذِّمَّةَ وَلَا يُنَافِي حُكْمَ الْوَاجِبِ وَهُوَ الثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ إذَا اُحْتُمِلَ الْأَدَاءُ. أَلَا يَرَى أَنَّ الْمَجْنُونَ يَرِثُ وَيَمْلِكُ وَذَلِكَ وِلَايَةٌ إلَّا أَنْ يَنْعَدِمَ الْأَدَاءُ فَيَصِيرَ الْوُجُوبُ عَدَمًا بِنَاءً عَلَيْهِ ــ [كشف الأسرار] فِيهِ. ثُمَّ لَمْ يُعْتَبَرْ التَّكْرَارُ فِي حَقِّ الصَّوْمِ كَمَا اُعْتُبِرَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّا إنَّمَا شَرَطْنَا دُخُولَ الصَّلَاةِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ تَأْكِيدًا لِوَصْفِ الْكَثْرَةِ فَإِنَّ أَصْلَ الْكَثْرَةِ يَحْصُلُ بِاسْتِيعَابِ الْجِنْسِ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى الْمُؤَكِّدِ إذَا لَمْ يَزْدَدْ الْمُؤَكِّدُ عَلَى الْأَصْلِ وَفِي بَابِ الصَّوْمِ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ لِأَنَّ الْمُؤَكَّدَ فِيهِ يَزْدَادُ عَلَى الْأَصْلِ إذْ لَا يَأْتِي وَقْتُ وَظِيفَةٍ أُخْرَى مَا لَمْ يَمْضِ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا فَيَزْدَادُ مَا شَرَعَ تَابِعًا عَلَى مَا شُرِعَ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ زِيَادَةُ الْمَرَّتَيْنِ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لِتَأْكِيدِ الْفَرْضِ مَعَ أَنَّهَا أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْ الْأَصْلِ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ شَرْطًا لِاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ بَلْ الزَّائِدُ سُنَّةٌ وَالسُّنَنُ وَالنَّوَافِلُ وَإِنْ كَثُرَتْ لَا تُمَاثِلُ الْفَرْضَ فَلَا يَرِدُ نَقْضًا لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ نَفْيُ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ التَّبَعِ وَالْأَصْلِ وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ الزَّائِدَ فِيهِ شَرْطٌ كَالْأَصْلِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مِثْلًا لَهُ. وَالثَّانِي أَنَّ الصَّوْمَ وَظِيفَةُ السَّنَةِ لَا وَظِيفَةُ الشَّهْرِ وَإِنْ كَانَ أَدَاؤُهُ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهَا كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَظِيفَةَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَإِنْ كَانَ أَدَاؤُهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَلِهَذَا كَانَ رَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ صَوْمَ رَمَضَانَ مَعَ سِتٍّ مِنْ شَوَّالَ بِمَنْزِلَةِ صِيَامِ الدَّهْرِ كُلِّهِ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ ثُمَّ كَمَا مَضَى الشَّهْرُ دَخَلَ وَقْتُ وَظِيفَةٍ أُخْرَى إذْ الِاسْتِيعَابُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِوُجُودِ جُزْءٍ مِنْ شَوَّالٍ فَكَانَ الْجِنْسُ كَالْمُتَكَرِّرِ بِتَكَرُّرِ وَقْتِهِ وَيَتَأَكَّدُ الْكَثْرَةُ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِ تَكْرَارِ حَقِيقَةِ الْوَاجِبِ فَكَانَ هَذَا مِثْلَ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الصَّلَاةِ قَوْلُهُ (وَفِي الزَّكَاةِ) أَيْ الِامْتِدَادِ فِي حَقِّ الزَّكَاةِ بِأَنْ يَسْتَغْرِقَ الْجُنُونُ الْحَوْلَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْهُ وَرِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵏ فِي الْأَمَالِي قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الزَّكَوَاتِ تَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ بِدُخُولِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ. وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ امْتِدَادَهُ فِي حَقِّ الزَّكَاةِ بِأَكْثَرِ السَّنَةِ وَنِصْفَ السَّنَةِ مُلْحَقٌ بِالْأَقَلِّ لِأَنَّ كُلَّ وَقْتِهَا الْحَوْلُ إلَّا أَنَّهُ مَدِيدٌ جِدًّا فَقُدِّرَ بِأَكْثَرِ الْحَوْلِ عَمَلًا بِالتَّيْسِيرِ وَالتَّخْفِيفِ فَإِنَّ اعْتِبَارَ أَكْثَرِ السَّنَةِ أَيْسَرُ وَأَخَفُّ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ اعْتِبَارِ تَمَامِهَا لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى سُقُوطِ الْوَاجِبِ مِنْ اعْتِبَارِ الْجَمِيعِ كَمَا أَنَّ اعْتِبَارَ الْوَقْتِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ أَيْسَرُ مِنْ اعْتِبَارِ حَقِيقَتِهَا فَإِذَا زَالَ الْجُنُونُ قَبْلَ هَذَا الْحَدِّ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي كُلِّ عِبَادَةٍ وَهُوَ أَصْلِيٌّ كَانَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي حَقِّ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَبَيَانُهُ فِي حَقِّ الزَّكَاةِ فِيمَا إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ مَجْنُونًا وَهُوَ مَالِكٌ لِنِصَابٍ فَزَالَ جُنُونُهُ بَعْدَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ تَمَّ الْحَوْلُ مِنْ وَقْتِ الْبُلُوغِ وَهُوَ مُفِيقٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لِأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَصْلِيِّ وَالْعَارِضِيِّ وَلَا تَجِبُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ بَلْ يُسْتَأْنَفُ الْحَوْلُ مِنْ وَقْتِ الْإِفَادَةِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي بَلَغَ الْآنَ عِنْدَهُ. وَلَوْ كَانَ الْجُنُونُ عَارِضِيًّا فَزَالَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يَجِبُ الزَّكَاةُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ زَالَ قَبْلَ الِامْتِدَادِ عِنْدَ الْكُلِّ وَلَوْ زَالَ الْجُنُونُ بَعْدَ مُضِيِّ أَحَدَ

стр. 1389

وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْمَجْنُونَ مُؤَاخَذٌ بِضَمَانِ الْأَفْعَالِ فِي الْأَمْوَالِ عَلَى الْكَمَالِ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِحُكْمِهِ عَلَى مَا قُلْنَا فَإِذَا ثَبَتَتْ الْأَهْلِيَّةُ كَانَ الْعَارِضُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ. وَالْحَجْرُ عَنْ الْأَقْوَالِ صَحِيحٌ فَفَسَدَتْ عِبَارَاتُهُ وَقُلْنَا لَمَّا لَمْ يَصِحَّ إيمَانُهُ لِعَدَمِ رُكْنِهِ وَهُوَ الْعَقْدُ وَالْأَدَاءُ أَيْضًا ــ [كشف الأسرار] عَشَرَ شَهْرًا يَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ سَوَاءٌ كَانَ الْجُنُونُ أَصْلِيًّا أَوْ عَارِضِيًّا لِوُجُودِ الزَّوَالِ قَبْلَ الِامْتِدَادِ وَلِمُسَاوَاةِ الْأَصْلِيِّ الْعَارِضِيَّ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَا تَجِبُ بِوُجُودِ الزَّوَالِ بَعْدَ الِامْتِدَادِ قَوْلُهُ (وَقَدْ بَيَّنَّا) يَعْنِي فِي آخِرِ بَابِ دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ وَبَابِ بَيَانِ الْأَهْلِيَّةِ أَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِالذِّمَّةِ وَالصَّلَاحِيَّةِ لِحُكْمِ الْوُجُوبِ أَيْ فَائِدَتِهِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَبِاحْتِمَالِ الْأَدَاءِ، وَالْجُنُونُ لَا يُنَافِي الذِّمَّةَ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ لِكُلِّ مَوْلُودٍ مِنْ الْبَشَرِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَلَا يُنَافِي حُكْمَ الْوَاجِبِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْإِسْلَامَ إذْ الْمَجْنُونُ يَبْقَى مُسْلِمًا بَعْدَ جُنُونِهِ فَلَا يُنَافِي اسْتِحْقَاقَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَلَا يُنَافِي احْتِمَالَ الْأَدَاءِ أَيْضًا لِأَنَّ الْأَدَاءَ مَرْجُوٌّ عَنْهُ بِالْإِفَاقَةِ فِي الْوَقْتِ وَخَلَفُهُ وَهُوَ الْقَضَاءُ مُتَوَهَّمٌ بِالْإِفَاقَةِ خَارِجَ الْوَقْتِ وَذَلِكَ كَافٍ لِلْوُجُوبِ كَمَا فِي الْإِغْمَاءِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ يُبَيِّنُهُ أَنَّ الْأَدَاءَ مُتَصَوَّرٌ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَوْ نَوَى الصَّوْمَ لَيْلًا ثُمَّ أَصْبَحَ مَجْنُونًا يَصِحُّ مِنْهُ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّ الرُّكْنَ بَعْدَ النِّيَّةِ تَرْكُ الْمُفْطِرَاتِ وَأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ كَمَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الْعَاقِلِ وَالتَّرْكُ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَصْدِ وَالتَّمْيِيزِ وَإِذَا تُصُوِّرَ مِنْهُ الْأَدَاءُ كَانَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْأَدَاءِ كَانَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ أَلَا تَرَى مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَا يُنَافِي الذِّمَّةَ أَيْ أَنَّ الْمَجْنُونَ يَرِثُ وَيَمْلِكُ وَثُبُوتُ الْإِرْثِ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ لِأَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ وَالْوَارِثُ يَخْلُفُ الْمُوَرِّثَ مِلْكًا تَصَرُّفًا حَتَّى إنَّ مَا يَقْطَعُ الْوِلَايَةَ كَالرِّقِّ وَاخْتِلَافِ الدِّينِ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ وِرَاثَةُ الصَّبِيِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ لِأَنَّهُ عُدِمَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ أَهْلِيَّةُ مُبَاشَرَةِ التَّصَرُّفِ وَلَمْ يَنْعَدِمُ أَهْلِيَّةُ الْمِلْكِ وَالْوِرَاثَةُ خِلَافَةُ الْمِلْكِ وَالْوَلِيُّ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي التَّصَرُّفِ وَكَذَا الْمِلْكُ وِلَايَةٌ لِأَنَّهُ اسْتِيلَاءٌ عَلَى الْمَحِلِّ شَرْعًا وَالْوِلَايَةُ لَا تَثْبُتُ بِدُونِ الذِّمَّةِ إلَّا أَنْ يَنْعَدِمَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ أَيْ إلَّا أَنْ يَنْعَدِمَ الْأَدَاءُ تَحْقِيقًا وَتَقْدِيرًا بِأَنْ لَزِمَ مِنْهُ حَرَجٌ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الْوُجُوبُ مَعْدُومًا أَيْ لَا يَثْبُتُ أَصْلًا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْأَدَاءِ لِهَذَا أَيْ وَلِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ قُلْنَا إنَّ الْمَجْنُونَ يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ الْأَفْعَالِ فِي الْأَمْوَالِ عَلَى الْكَمَالِ حَتَّى لَوْ أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ أَهْلٌ لِحُكْمِ وُجُوبِ الْمَالِ وَهُوَ الْأَدَاءُ عَلَى مَا قُلْنَا فِي بَابِ الْأَهْلِيَّةِ أَنَّ الْمَالَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ دُونَ الْفِعْلِ وَالْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِأَدَاءِ النَّائِبِ فَكَانَ الْمَجْنُونُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهِ كَالصَّبِيِّ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ عَلَى الْكَمَالِ عَنْ ضَمَانِ الْأَفْعَالِ فِي الْأَنْفُسِ فَإِنَّهُ لَوْ جَنَى جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ الَّذِي هُوَ ضَمَانُ هَذَا الْفِعْلِ عَلَى الْكَمَالِ وَيَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا فِي الْخَطَأِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا ثَبَتَتْ الْأَهْلِيَّةُ لِلْمَجْنُونِ كَانَ هَذَا الْعَارِضُ) وَهُوَ الْجُنُونُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ يَعْنِي أَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ بِعَدِيمِ الْأَهْلِيَّةِ بِحَيْثُ لَا يُعْتَبَرُ أَفْعَالُهُ وَأَقْوَالُهُ جَمِيعًا كَالْبَهَائِمِ بَلْ لَهُ أَصْلُ الْأَهْلِيَّةِ حَيْثُ يَثْبُتُ لَهُ الْإِرْثُ وَالْمِلْكُ وَاعْتُبِرَ مِنْ أَفْعَالِهِ مَا لَا يَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى الْعَقْلِ وَلَكِنْ لَمَّا فَاتَ عَقْلُهُ بِعَارِضِ الْجُنُونِ كَانَ هَذَا الْعَارِضُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِيمَا يَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى الْعَقْلِ نَظَرًا لَهُ كَالصِّبَا وَالرِّقِّ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ وَالْمَوْلَى وَالْحَجْرُ

стр. 1390

فَلَمْ يَكُنْ حَجْرًا لِأَنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الرُّكْنِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَجْرِ وَلَكِنْ الْإِيمَانُ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّهِ حَتَّى صَارَ مُؤْمِنًا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْجَامِعِ فَلَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِوَجْهٍ إلَّا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فَإِنَّ امْرَأَةَ الْمَجْنُونِ إذَا أَسْلَمَتْ عُرِضَ الْإِسْلَامُ عَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ دَفْعًا لِلظُّلْمِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. وَمَا كَانَ ضَرَرًا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فَغَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي حَقِّهِ وَمَا كَانَ قَبِيحًا لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ فَثَابِتٌ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَصِيرَ مُرْتَدًّا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ. ــ [كشف الأسرار] عَنْ الْأَقْوَالِ صَحِيحٌ لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا بِالشَّرْعِ فَيَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُهَا شَرْعًا بِعَارِضٍ بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ فَإِنَّهَا تُوجَدُ حِسًّا لَا مَرَدَّ لَهَا فَلَا يُتَصَوَّرُ الْحَجْرُ عَنْهَا شَرَعَا فَفَسَدَتْ عِبَارَاتُهُ حَتَّى لَمْ تَصِحَّ أَقَارِيرُهُ وَعُقُودُهُ وَغَيْرُهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَارَةِ لِأَنَّ صِحَّةَ الْكَلَامِ بِالْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ فَبِدُونِهِمَا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ وَقُلْنَا لَمْ يَصِحَّ إيمَانُ الْمَجْنُونِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ فَأَقَرَّ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِحَّةِ الرِّسَالَةِ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ لِأَنَّ رُكْنَ الْإِيمَانِ لَمْ يُوجَدْ وَهُوَ عَقْدُ الْقَلْبِ وَالْأَدَاءُ الصَّادِرَانِ عَنْ عَقْلٍ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ حَيْثُ صَحَّ إيمَانُهُ لِوُجُودِ رُكْنِهِ عَلَى مَا مَرَّ فَلَمْ يَكُنْ حَجْرًا أَيْ لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ إيمَانِهِ حَجْرًا عَنْ الْإِيمَانِ وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مَا ذَكَرْتُمْ حَجْرٌ عَنْ الْإِيمَانِ لِأَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِ إقْرَارِهِ بِالتَّوْحِيدِ مَعَ وُجُودِهِ حَقِيقَةً لَيْسَ إلَّا بِطَرِيقِ الْحَجْرِ وَقَدْ أَنْكَرْتُمْ الْحَجْرَ عَنْ الْإِيمَانِ فِي مَسْأَلَةِ إيمَانِ الصَّبِيِّ فَقَالَ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْحَجْرِ لِأَنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الرُّكْنِ لَا يُعَدُّ حَجْرًا وَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ عِبَارَاتِهِ أَيْضًا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ أَصْلًا لِفَوَاتِ الْعَقْلِ حَتَّى لَمْ تَنْفُذْ بِإِجَازَةِ الْوَلِيِّ فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْحَجْرِ فِيهَا إخْرَاجَهَا مِنْ الِاعْتِبَارِ مِنْ الْأَصْلِ وَتَسْمِيَتُهُ مَحْجُورًا عَنْهَا تَوَسُّعٌ بِخِلَافِ الْحَجْرِ فِي أَقْوَالِ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ لِأَنَّهَا صَادِرَةٌ عَنْ عَقْلٍ فَيَجُوزُ أَنْ تُعْتَبَرَ وَلَكِنَّهَا لَمْ تُعْتَبَرْ لِحَقِّ الْمَوْلَى وَالصَّبِيِّ فَيَكُونُ إطْلَاقُ الْحَجْرِ فِيهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ. وَلَكِنَّ الْإِيمَانَ مَشْرُوعٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَمْ يَصِحَّ إيمَانُهُ أَيْ لَمْ يَصِحَّ إيمَانُهُ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ حَتَّى صَارَ مُؤْمِنًا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ كَمَا شُرِعَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ كَذَلِكَ أَيْ كَمَا بَيَّنَّا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَسَنُبَيِّنُهُ وَلَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِوَجْهٍ أَيْ لَمْ يَصِحَّ تَكْلِيفُ الْمَجْنُونِ بِالْإِيمَانِ بِوَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ بَالِغًا أَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ صِحَّةَ التَّكْلِيفِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ آلَةُ الْقُدْرَةِ وَقَدْ عُدِمَ إلَّا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فَإِنَّ تَكْلِيفَهُ بِالْإِيمَانِ يَصِحُّ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حُقُوقِهِمْ بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَبَيَانُهُ مَجْنُونٌ نَصْرَانِيٌّ زَوَّجَهُ أَبُوهُ النَّصْرَانِيُّ امْرَأَةً نَصْرَانِيَّةً فَأَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُعْرَضَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْأَبِ وَلَكِنْ يُؤَخَّرُ حَتَّى يَعْقِلَ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُعْرَضُ عَلَى الْأَبِ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْعَرْضَ وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ وَثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْإِمْسَاكِ بِإِسْلَامِهِ فَوَجَبَ تَأْخِيرُهُ إلَى حَالِ عَقْلِهِ كَمَا فِي الصَّغِيرِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْجُنُونَ لَيْسَ لَهُ غَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَالتَّأْخِيرُ إلَى حَالِ الْعَقْلِ يُعَدُّ إبْطَالًا لِحَقِّهَا مَعَ أَنَّ فِيهِ فَسَادًا لِأَنَّ الْمَجْنُونَ قَادِرٌ عَلَى الْوَطْءِ فَصَارَ التَّأْخِيرُ ضَرَرًا مَحْضًا وَفَسَادًا وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَتَعَذَّرَ الْإِمْسَاكُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ إسْلَامُهُ بِنَفْسِهِ فَوَجَبَ النَّقْلُ إلَى مَا يَخْلُفُهُ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا وَفِيهِ صِيَانَةُ الْحَقَّيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فَصَارَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ أَسْلَمَ الْأَبُ بَقِيَا عَلَى النِّكَاحِ وَإِلَّا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّغِيرِ إذَا أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ حَيْثُ يُؤَخَّرُ الْعَرْضُ إلَى حَالِ عَقْلِهِ لِأَنَّ لِلصِّغَرِ غَايَةً فَصَارَ انْتِظَارُ عَقْلِهِ تَأْخِيرًا جَامِعًا لِلْحَقَّيْنِ وَلَمْ يَكُنْ إبْطَالًا فَلَمْ يَصِحَّ النَّقْلُ إلَى الْخَلَفِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْمُصَنِّفِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى وَالِدِهِ أَنْ يُعْرَضَ بِطَرِيقِ الْإِلْزَامِ وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الْآبَاءِ عَلَى الْأَوْلَادِ عَادَةً فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يُسْلِمَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَالِدَانِ جَعَلَ الْقَاضِي لَهُ خَصْمًا وَفَرَّقَ

стр. 1391

وَأَمَّا الصِّغَرُ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهِ فَمِثْلُ الْجُنُونِ أَيْضًا لِأَنَّهُ عَدِيمُ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ وَأَمَّا إذَا عَقَلَ فَقَدْ أَصَابَ ضَرَبَا مِنْ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ لَكِنْ الصَّبِيُّ عُذِرَ مَعَ ذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ بِعُذْرِ الصِّبَا مَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ عَنْ الْبَالِغِ فَقُلْنَا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضِيَّةُ الْإِيمَانِ حَتَّى إذَا أَدَّاهُ كَانَ فَرْضًا لَا نَفْلًا أَلَا يَرَى أَنَّهُ إذَا آمَنَ فِي صِغَرِهِ لَزِمَهُ أَحْكَامٌ ثَبَتَتْ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْإِيمَانِ وَهِيَ جُعِلَتْ تَبَعًا لِلْإِيمَانِ الْفَرْضِ ــ [كشف الأسرار] بَيْنَهُمَا فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْآبَاءَ سَقَطَ اعْتِبَارُهُمْ هَاهُنَا لِلتَّعَذُّرِ وَأَنَّ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ مِنْ الْعَرْضِ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ حَتَّى قَالُوا الْأَبُ وَالْأُمُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. قَوْلُهُ (وَمَا كَانَ ضَرَرًا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ) مِثْلَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَإِنْ إلْزَامَهَا نَوْعُ ضَرَرٍ فِي حَقِّهِ وَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِأَعْذَارٍ وَمِثْلُ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ فَغَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ لِأَنَّهَا لَمَّا سَقَطَتْ بِأَعْذَارٍ وَشُبُهَاتٍ لَأَنْ تَسْقُطَ بِعُذْرِ الْجُنُونِ الْمُزِيلِ لِلْعَقْلِ كَانَ أَوْلَى وَكَذَا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْهِبَةُ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْمَضَارِّ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي حَقِّهِ حَتَّى لَا يَمْلِكَهَا عَلَيْهِ وَلِيُّهُ كَمَا لَا تُشْرَعُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَضَارِّ الْمَحْضَةِ وَمَا كَانَ قَبِيحًا لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ مِثْلُ الْكُفْرِ فَثَابِتٌ فِي حَقِّهِ حَتَّى أَنَّهُ يَصِيرُ مُرْتَدًّا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الضَّارَّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ فِي حَقِّهِ إلَّا أَنَّ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ قَبِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِرَدِّهِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِمَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمَا فِي الدِّينِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ رُكْنِهِ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ فَإِذَا ارْتَدَّ أَبَوَاهُ وَزَالَتْ التَّبَعِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ لَا وَجْهَ إلَى جَعْلِهِ مُسْلِمًا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ فَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِرِدَّتِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَعْفُوَ رِدَّتَهُمَا وَهُوَ فَاسِدٌ فَلَزِمَ الْقَوْلُ بِثُبُوتِ الرِّدَّةِ فِي حَقِّهِ ضَرُورَةً وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ الرِّدَّةُ فِي حَقِّهِ تَبَعًا إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا وَأَبَوَاهُ مُسْلِمَانِ فَارْتَدَّا وَلَحِقَا بِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ. فَإِنْ لَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ وَتَرَكَاهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا تَثْبُتُ الرِّدَّةُ فِي حَقِّهِ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَبِعَا لِلدَّارِ إذْ الْإِسْلَامُ يُسْتَفَادُ بِأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ بِالدَّارِ فَإِذَا بَطَلَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ مِنْ جِهَةِ الْأَبَوَيْنِ ظَهَرَ أَثَرُ دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ كَالْخُلْفِ عَنْ الْأَبَوَيْنِ وَلَوْ أَدْرَكَ عَاقِلًا مُسْلِمًا وَأَبَوَاهُ مُسْلِمَانِ ثُمَّ جُنَّ فَارْتَدَّا وَلَحِقَا بِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَصِرْ تَبَعًا لَهُمَا فِي الرِّدَّةِ لِأَنَّهُ صَارَ أَصْلًا فِي الْإِيمَانِ فَلَا يَصِيرُ تَبَعًا بَعْدَهُ بِحَالٍ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يَتَّبِعْ أَبَوَيْهِ بِحَالٍ لِأَنَّهُ صَارَ أَصْلًا فِي الْإِيمَانِ بِتَقَرُّرِ سَبَبِهِ وَهُوَ الِاعْتِقَادُ وَالْإِقْرَارُ فَلَمْ يَنْعَدِمْ ذَلِكَ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي اعْتَرَضَتْ فَبَقِيَ مُسْلِمًا إلَيْهِ أُشِيرَ فِي نِكَاحِ الْجَامِعِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الصِّغَرُ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهِ فَمِثْلُ الْجُنُونِ) فَيَسْقُطُ عَنْ الصَّغِيرِ مَا يَسْقُطُ عَنْ الْمَجْنُونِ وَلَمْ يَصِحَّ إيمَانُهُ وَلَا تَكْلِيفُهُ بِهِ بِوَجْهٍ لِأَنَّهُ أَيْ الصَّغِيرُ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى مَدْلُولِ الصِّغَرِ عَدِيمُ التَّمْيِيزِ وَالْعَقْلِ كَالْمَجْنُونِ وَالتَّمْيِيزُ مَعْنَى يَعُمُّ جَمِيعَ الْحَيَوَانَاتِ بِهِ تَعْرِفُ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا بَقَاؤُهَا رَكَّبَهُ اللَّهُ فِي طِبَاعِهَا وَالْعَقْلُ مُخْتَصٌّ بِالْإِنْسَانِ بِهِ يُدْرِكُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ وَحَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ وَقَدْ عَدِمَ الصَّغِيرُ كِلَيْهِمَا فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهِ فَكَانَ مِثْلَ الْمَجْنُونِ بَلْ أَدْنَى حَالًا مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْمَجْنُونِ تَمْيِيزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ وَهُوَ عَدِيمُ الْأَمْرَيْنِ وَأَمَّا إذَا عَقَلَ أَيْ تَرَقَّى الصَّبِيُّ عَنْ أُولَى دَرَجَاتِ الصِّغَرِ إلَى أَوْسَاطِهَا وَظَهَرَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ آثَارِ الْعَقْلِ فَقَدْ أَصَابَ ضَرْبًا أَيْ نَوْعًا مِنْ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ بِحَسَبِ ذَلِكَ لَكِنَّ الصِّبَا عُذْرٌ مَعَ ذَلِكَ أَيْ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ ضَرْبًا مِنْ الْأَهْلِيَّةِ لِأَنَّهُ نَاقِصُ الْعَقْلِ بَعْدُ لِبَقَاءِ الصِّبَا وَعَدَمِ بُلُوغِ الْعَقْلِ غَايَةَ الِاعْتِدَالِ فَسَقَطَ بِهِ أَيْ بِهَذَا الْعُذْرِ مَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ عَنْ الْبَالِغِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِأَعْذَارٍ وَتَحْتَمِلُ

стр. 1392

وَكَذَلِكَ إذَا بَلَغَ وَلَمْ يُعِدْ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ لَمْ يُجْعَلْ مُرْتَدًّا. وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ نَفْلًا لَمَا اُجْتُزِئَ عَنْ الْفَرْضِ وَوُضِعَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ وَإِلْزَامُ الْأَدَاءِ، وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ مَا قُلْنَا أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ الْعُهْدَةُ وَيَصِحَّ مِنْهُ وَلَهُ مَا لَا عُهْدَةَ فِيهِ لِأَنَّ الصِّبَا مِنْ أَسْبَابِ الْمَرْحَمَةِ فَجُعِلَ سَبَبًا لِلْعَفْوِ عَنْ كُلِّ عُهْدَةٍ تَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَلِذَلِكَ لَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ بِالْقَتْلِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ حِرْمَانُهُ بِالْكُفْرِ وَالرِّقِّ لِأَنَّ الرِّقَّ يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ لِلْإِرْثِ. وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ لِأَنَّهُ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْوِلَايَةِ، وَانْعِدَامُ الْحَقِّ لِعَدَمِ سَبَبِهِ أَوْ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لَا يُعَدُّ جَزَاءً، وَالْعُهْدَةُ نَوْعَانِ خَالِصَةٌ لَا تَلْزَمُ الصَّبِيَّ بِحَالٍ وَمَشُوبَةٌ يَتَوَقَّفُ لُزُومُهَا عَلَى رَأْيِ الْوَلِيِّ وَلَمَّا كَانَ الصِّبَا عَجْزًا صَارَ مِنْ أَسْبَابِ وِلَايَةِ النَّظَرِ وَقَطْعِ وِلَايَتِهِ عَنْ الْأَغْيَارِ. ــ [كشف الأسرار] النَّسْخَ فِي أَنْفُسِهَا وَتَثْبُتُ بِأَسْبَابٍ جُعْلِيَّةٍ مِثْلِ الْوَقْتِ وَالْمَالِ وَالْبَيْتِ فَيَجُوزُ أَنْ تَسْقُطَ بِهَذَا الْعُذْرِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الْأَعْذَارِ وَأَنْ لَا يَجْعَلَ تِلْكَ الْأَسْبَابَ أَسْبَابًا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِعَدَمِ الْخِطَابِ وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ مَا لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فَقُلْنَا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضِيَّةُ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ دَائِمٌ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ لِأَنَّهُ تَعَالَى إلَهٌ دَائِمٌ مُنَزَّهٌ عَنْ التَّغَيُّرِ وَالزَّوَالِ فَكَانَ وُجُوبُ التَّوْحِيدِ دَائِمًا بِدَوَامِ الْأُلُوهِيَّةِ لَكِنَّ الْعَبْدَ رُبَّمَا يُعْذَرُ عَنْ الْإِجَابَةِ بِعُذْرٍ حَقِيقِيٍّ أَوْ تَقْدِيرِيٍّ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةُ الْفِعْلِ وَالْعَقْلِ أَوْ الْعَقْلُ كَالصَّلَاةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الْوَقْتِ فَرْضًا فَإِنَّ الْعَبْدَ يُعْذَرُ عَنْ الْإِجَابَةِ بِعُذْرٍ حَقِيقِيٍّ أَوْ تَقْدِيرِيٍّ كَالنَّوْمِ وَفَقْدِ الطَّهَارَةِ فَإِذًا الْإِجَابَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْعَبْدِ بِشَرْطِ الطَّاقَةِ فَيُعْذَرُ بِزَوَالِ الطَّاقَةِ عَنْ الْإِجَابَةِ مَعَ بَقَاءِ وُجُوبِ التَّوْحِيدِ كَذَا قَرَّرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ حَتَّى إذَا أَدَّاهُ الصَّبِيُّ كَانَ فَرْضًا لَا نَفْلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَنَوِّعٍ إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا آمَنَ فِي صِغَرِهِ لَزِمَهُ أَحْكَامٌ بُنِيَتْ عَلَى صِحَّةِ الْإِيمَانِ مِنْ حِرْمَانِ الْمِيرَاثِ وَوُقُوعِ الْفُرْقَةِ وَوُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَيْهِ وَهِيَ أَحْكَامٌ جُعِلَتْ تَبَعًا لِلْإِيمَانِ الْفَرْضِ فَعَرَفْنَا أَنَّ إيمَانَهُ فِي حَالِ الصِّبَا وَقَعَ فَرْضًا. وَقَوْلُهُ: الْإِيمَانُ الْفَرْضُ تَأْكِيدٌ لَا أَنَّهُ بَيَانُ نَوْعِ الْإِيمَانِ فَإِنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بِمُتَنَوِّعٍ إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ كَمَا قُلْنَا وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا تَلْزَمُهُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ لَمْ يُجْعَلْ مُرْتَدًّا إذَا بَلَغَ وَلَمْ يُعِدْ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ وَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ السَّابِقُ مِنْهُ نَفْلًا لَمَا أَجْزَأَ عَنْ الْإِيمَانِ الْفَرْضِ لِأَنَّ النَّفَلَ أَدْنَى حَالًا مِنْ الْفَرْضِ لِفَوَاتِ وَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ عَنْهُ فَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ كَمَا لَوْ صَلَّى صَبِيٌّ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ بَلَغَ فِي آخِرِهِ لَا يَنُوبُ الْمُؤَدَّى عَنْ الْفَرْضِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ قَبْلَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ نَفْلٌ وَيَنُوبُ عَنْ الْوُضُوءِ الْفَرْضِ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ الْوُضُوءَ تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَلِهَذَا يَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ حُصُولُ الطَّهَارَةِ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِالنَّفْلِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْفَرْضِ بِخِلَافِ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ رَأْسُ الطَّاعَاتِ وَأَصْلُ الْعِبَادَاتِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ مِنْهُ بِغَيْرِهِ كَذَا فِي بَعْضِ الْفَوَائِدِ. قَوْلُهُ (وَوَضَعَ) أَيْ أَسْقَطَ عَنْ الصَّبِيِّ التَّكْلِيفَ بِأَدَاءِ الْإِيمَانِ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ يَثْبُتُ بِالْخِطَابِ وَلَا خِطَابَ فِي حَقِّهِ وَلِأَنَّ أَدَاءَ الْإِيمَانِ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ عَنْ الْبَالِغِ فَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ وَقْتًا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْإِقْرَارِ فَصَدَّقَ بِقَلْبِهِ صَحَّ إيمَانُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ يَسْقُطُ عَنْهُ وُجُوبُ الْإِقْرَارِ وَيُرَخَّصُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ فَإِذَا سَقَطَ الْوُجُوبُ عَنْ الْبَالِغِ بِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْ الصَّبِيِّ بِعُذْرِ الصِّبَا أَيْضًا كَذَا قِيلَ وَهَذَا فِي حَقِّ سُقُوطِ وُجُوبِ الْإِقْرَارِ مُسْتَقِيمٌ فَأَمَّا وُجُوبُ الِاعْتِقَادِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْقُطُ عَنْ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْبَالِغِ بِحَالٍ وَسِيَاقُ كَلَامِ الشَّيْخِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ مَا قُلْنَا أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ الْعُهْدَةُ يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِ الِاعْتِقَادِ عَنْهُ أَيْضًا لِأَنَّ إيجَابَهُ عَلَيْهِ لَا يَخْلُو عَنْ عُهْدَةٍ أَيْ تَبَعَةٍ وَهِيَ لُزُومُ عَذَابِ الْآخِرَةِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ كَمَا فِي حَقِّ الْبَالِغِ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَضَعَ عَنْهُ التَّكْلِيفَ وَإِلْزَامَ الْأَدَاءِ أَنَّ إلْزَامَ أَدَاءِ الْإِيمَانِ بِالنَّظَرِ فِي الْآيَاتِ وَوَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ سَاقِطٌ عَنْهُ وَهُوَ مِمَّا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ عَنْ الْبَالِغِ بِالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَكَذَا إذَا وَصَفَ بِاللِّسَانِ مَرَّةً لَا يَلْزَمُهُ بَعْدُ فَيَصِحُّ الْقَوْلُ بِالسُّقُوطِ عَنْ الصَّبِيِّ

стр. 1393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] قَوْلُهُ (وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ) أَيْ الْأَمْرِ الْكُلِّيِّ فِي بَابِ الصِّغَرِ، وَحَاصِلُ أَحْكَامِهِ أَنْ يُوضَعَ عَنْ الصَّبِيِّ الْعُهْدَةُ أَيْ يَسْقُطُ عَنْهُ عُهْدَةُ مَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ هَاهُنَا لُزُومُ مَا يُوجِبُ التَّبِعَةَ وَالْمُؤَاخَذَةَ وَيَصِحُّ مِنْهُ وَلَهُ أَيْ مِنْ الصَّبِيِّ بِأَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ وَلِلصَّبِيِّ بِأَنْ يُبَاشِرَ غَيْرُهُ لِأَجْلِهِ مَا لَا عُهْدَةَ أَيْ لَا ضَرَرَ فِيهِ كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَقَبُولِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ لِأَنَّ الصِّبَا مِنْ أَسْبَابِ الْمَرْحَمَةِ طَبْعًا فَإِنَّ كُلَّ طَبْعٍ سَلِيمٍ يَمِيلُ إلَى التَّرَحُّمِ عَلَى الصِّغَارِ. وَشَرْعًا لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا» فَجُعِلَ سَبَبًا لِلْعَفْوِ عَنْ كُلِّ عُهْدَةٍ يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ أَيْ جَعَلَ الصِّبَا سَبَبًا لِإِسْقَاطِ كُلِّ تَبِعَةٍ وَضَمَانٍ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ عَنْ الْبَالِغِ بِوَجْهٍ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الرِّدَّةِ فَإِنَّهَا لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَعَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَإِنَّهَا حُقُوقٌ مُحْتَرَمَةٌ تَجِبُ لِمَصَالِح الْمُسْتَحِقِّ وَتَعَلُّقِ بَقَائِهِ بِهَا فَلَا يُمْنَعُ وُجُوبُهَا بِسَبَبِ الصِّبَا كَمَا لَا يَمْتَنِعُ فِي حَقِّ الْبَالِغِ بِعُذْرٍ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِ الصِّبَا سَبَبًا لِلْعَفْوِ عَنْ كُلِّ عُهْدَةٍ تَحْتَمِلُ الْعَفْوَ لَا يُحْرَمُ الصَّبِيُّ الْمِيرَاثَ بِسَبَبِ الْقَتْلِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً يَسْتَحِقُّ مِيرَاثَهُ لِأَنَّ مُوجِبَ الْقَتْلِ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِالْعَفْوِ وَبِأَعْذَارٍ كَثِيرَةٍ فَيَسْقُطُ بِعُذْرِ الصِّبَا وَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْمُوَرِّثَ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ وَلِأَنَّ الْحِرْمَانَ ثَبَتَ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ وَفِعْلُ الصَّبِيِّ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْعُقُوبَةِ لِقُصُورِ مَعْنَى الْجِنَايَةِ فِي فِعْلِهِ بِخِلَافِ الدِّيَةِ فَإِنَّهَا تَجِبُ لِعِصْمَةِ الْمَحَلِّ وَهُوَ أَهْلٌ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ إذْ الصِّبَا لَا يَنْفِي عِصْمَةَ الْمَحَلِّ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى عَدَمِ حِرْمَانِ الصَّبِيِّ عَنْ الْإِرْثِ بِالْقَتْلِ حِرْمَانُهُ عَنْهُ بِالرِّقِّ وَالْكُفْرِ حَتَّى لَوْ ارْتَدَّ الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ أَوْ اُسْتُرِقَّ لَا يَسْتَحِقُّ الْإِرْثَ عَنْ قَرِيبِهِ لِأَنَّ الرِّقَّ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْإِرْثِ لِأَنَّ أَهْلِيَّتَهُ بِأَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ إذْ الْوِرَاثَةُ خِلَافَةُ الْمِلْكِ وَالرِّقُّ يُنَافِي الْمِلْكَ لِمَا سَنُبَيِّنُهُ وَلِأَنَّ تَوْرِيثَ الرَّقِيقِ عَنْ قَرِيبِهِ تَوْرِيثُ الْأَجْنَبِيِّ عَنْ الْأَجْنَبِيِّ حَقِيقَةً لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْمِلْكِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ ابْتِدَاءً لِمَوْلَاهُ وَذَلِكَ بَاطِلٌ وَلِأَنَّهُ أُلْحِقَ بِالْأَمْوَالِ وَالْمَالُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْإِرْثِ. وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ أَيْ وَكَالرِّقِّ الْكُفْرُ فِي أَنَّهُ يُنَافِي الْإِرْثَ لِأَنَّ الْكُفْرَ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْوِلَايَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَالْإِرْثُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوِلَايَةِ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ إخْبَارًا عَنْ زَكَرِيَّا ﵇ ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] ﴿يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٦] فَإِنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْإِرْثَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوِلَايَةِ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَانْعِدَامُ الْحَقِّ وَهُوَ الْإِرْثُ هَاهُنَا لِعَدَمِ سَبَبِهِ وَهُوَ الْوِلَايَةُ كَمَا فِي الْكُفْرِ أَوْ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَيْ أَهْلِيَّةِ الْمُسْتَحِقِّ كَمَا فِي الرِّقِّ لَا يُعَدُّ جَزَاءً أَيْ عُقُوبَةً فَلَا يَمْتَنِعُ بِسَبَبِ الصِّبَا. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ لِعَدَمِ مِلْكِ النِّكَاحِ أَوْ الْعِتْقَ لِعَدَمِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ لَا يَعُدُّ ذَلِكَ عُقُوبَةً فَكَذَلِكَ هَذَا ثُمَّ الشَّيْخُ ﵀ أَشَارَ هَاهُنَا إلَى أَنَّ الْوِلَايَةَ سَبَبُ الْإِرْثِ وَذَكَرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّ سَبَبَ الْإِرْثِ هُوَ اتِّصَالُ الشَّخْصِ بِالْمَيِّتِ بِقَرَابَةٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ وَلَاءٍ فَعَلَى هَذَا كَانَتْ الْوِلَايَةُ مِنْ شُرُوطِ الْأَهْلِيَّةِ كَالْحُرِّيَّةِ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ لَمَّا نَظَرَ إلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَخْرُجُ بِكُفْرِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْإِرْثِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ يَرِثُ مِنْ كَافِرٍ آخَرَ وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْأَهْلِيَّةِ بِخِلَافِ الرَّقِيقِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ أَحَدٍ أَصْلًا فَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْمِيرَاثِ بِوَجْهِ جَعْلِ الْكُفْرِ مُزِيلًا لِلسَّبَبِ وَالرِّقِّ

стр. 1394

وَأَمَّا الْعَتَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَمِثْلُ الصِّبَا مَعَ الْعَقْلِ فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ حَتَّى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لَكِنَّهُ يَمْنَعُ الْعُهْدَةَ وَأَمَّا ضَمَانُ مَا يُسْتَهْلَكُ مِنْ الْمَالِ فَلَيْسَ بِعُهْدَةٍ لَكِنَّهُ شُرِعَ جَبْرًا وَكَوْنُهُ صَبِيًّا مَعْذُورًا أَوْ مَعْتُوهًا لَا يُنَافِي عِصْمَةَ الْمَحَلِّ وَيُوضَعُ الْخِطَابُ عَنْهُ كَمَا وُضِعَ عَنْ الصَّبِيِّ وَيُوَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَلِي عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْجُنُونُ وَالصِّغَرُ فِي أَنَّ هَذَا الْعَارِضَ غَيْرُ مَحْدُودٍ فَقِيلَ إذَا أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ عُرِضَ عَلَى أَبِيهِ الْإِسْلَامُ أَوْ أُمِّهِ وَلَا يُؤَخَّرُ وَالصَّبِيُّ مَحْدُودٌ فَوَجَبَ تَأْخِيرُهُ ــ [كشف الأسرار] مُزِيلًا لِلْأَهْلِيَّةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الِاتِّصَالُ بِالْمَيِّتِ مَعَ الْوِلَايَةِ سَبَبًا فَبِانْتِفَاءِ الْوِلَايَةِ يَنْتَفِي السَّبَبِيَّةُ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْعَتَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ) فَكَذَا الْعَتَهُ آفَةٌ تُوجِبُ خَلَلًا فِي الْعَقْلِ فَيَصِيرُ صَاحِبُهُ مُخْتَلِطَ الْكَلَامِ فَيُشْبِهُ بَعْضُ كَلَامِهِ كَلَامَ الْعُقَلَاءِ وَبَعْضُهُ كَلَامَ الْمَجَانِينِ وَكَذَا سَائِرُ أُمُورِهِ فَكَمَا أَنَّ الْجُنُونَ يُشْبِهُ أَوَّلَ أَحْوَالِ الصِّبَا فِي عَدَمِ الْعَقْلِ يُشْبِهُ الْعَتَهُ آخَرَ أَحْوَالِ الصِّبَا فِي وُجُودِ أَصْلِ الْعَقْلِ مَعَ تَمَكُّنِ خَلَلٍ فِيهِ فَكَمَا أُلْحِقَ الْجُنُونُ بِأَوَّلِ أَحْوَالِ الصِّغَرِ فِي الْأَحْكَامِ أُلْحِقَ الْعَتَهُ بِآخِرِ أَحْوَالِ الصِّبَا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ أَيْضًا حَتَّى أَنَّ الْعَتَهَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ كَمَا لَا يَمْنَعُهَا الصِّبَا مَعَ الْعَقْلِ فَيَصِحُّ إسْلَامُ الْمَعْتُوهِ وَتَوَكُّلُهُ بِبَيْعِ مَالِ غَيْرِهِ وَطَلَاقِ مَنْكُوحَةِ غَيْرِهِ وَعَتَاقِ عَبْدِ غَيْرِهِ وَيَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُ الْهِبَةِ كَمَا يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ لَكِنَّهُ أَيْ الْعَتَهَ يَمْنَعُ الْعُهْدَةَ أَيْ مَا يُوجِبُ إلْزَامَ شَيْءٍ وَمَضَرَّةً كَالصِّبَا فَلَا يُطَالَبُ الْمَعْتُوهُ فِي الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِنَقْدِ الثَّمَنِ وَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ وَلَا يُؤْمَرُ بِالْخُصُومَةِ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ امْرَأَةَ نَفْسِهِ وَلَا إعْتَاقُهُ عَبْدَ نَفْسِهِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَبِدُونِ إذْنِهِ وَلَا بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ بِدُونِ إذْنِ الْوَلِيِّ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْعُهْدَةِ وَالْمَضَارِّ وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْعُهْدَةَ سَاقِطَةٌ عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ لَزِمَ عَلَيْهِ وُجُوبُ ضَمَانِ مَا يَسْتَهْلِكُ الْمَعْتُوهُ وَالصَّبِيُّ مِنْ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُ مِنْ الْعُهْدَةِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَقِّهِمَا فَأَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَأَمَّا ضَمَانُ مَا يَسْتَهْلِكُ مِنْ الْمَالِ فَلَيْسَ بِعُهْدَةٍ أَيْ لَيْسَ مِنْ الْعُهْدَةِ الْمَنْفِيَّةِ عَنْهُمَا لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ عَنْهُمَا عُهْدَةٌ تَحْتَمِلُ الْعَفْوَ فِي الشَّرْعِ وَضَمَانُ الْمُتْلَفِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ شَرْعًا لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ وَلِأَنَّ الْعُهْدَةَ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ يُرَادُ بِهَا مَا يَلْزَمُ بِالْعُقُودِ فِي أَغْلِبْ الِاسْتِعْمَالِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا وَضَمَانُ الْمُسْتَهْلَكِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَلَا يَكُونُ عُهْدَةً. لَكِنَّهُ أَيْ الضَّمَانَ شُرِعَ جَبْرًا لِمَا اُسْتُهْلِكَ مِنْ الْمَحَلِّ الْمَعْصُومِ وَلِهَذَا قُدِّرَ بِالْمِثْلِ وَكَوْنُ الْمُسْتَهْلِكِ صَبِيًّا مَعْذُورًا أَوْ مَعْتُوهًا أَيْ بَالِغًا مَعْتُوهًا لَا يُنَافِي عِصْمَةَ الْمَحَلِّ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ لِحَاجَةِ الْعَبْدِ إلَيْهِ لِتَعَلُّقِ بَقَائِهِ وَقِوَامِ مَصَالِحِهِ بِهِ وَبِالصِّبَا وَالْعِتَّةِ لَا يَزُولُ حَاجَتُهُ إلَيْهِ عَنْهُ فَبَقِيَ مَعْصُومًا فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ وَلَا يَمْتَنِعُ بِعُذْرِ الصِّبَا وَالْعَتَهِ بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا تَجِبُ بِطَرِيقِ الِابْتِلَاءِ وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَمَالِ الْعَقْلِ وَالْقُدْرَةِ وَبِخِلَافِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالْعُقُودِ لِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ وَقَدْ خَرَجَ كَلَامُهُمَا عَنْ الِاعْتِبَارِ عِنْدَ اسْتِلْزَامِهِ الْمَضَارَّ لَمْ يَجْعَلْ الْعُقُودَ أَسْبَابًا لِتِلْكَ الْحُقُوقِ فِي حَقِّهِمَا قَوْلُهُ (وَيُوضَعُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَعْتُوهِ الْخِطَابُ كَمَا يُوضَعُ عَنْ الصَّبِيِّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتُ وَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ الْعُقُوبَاتُ كَمَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَهُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ حُكْمَ الْعَتَهِ حُكْمُ الصِّبَا إلَّا فِي حَقِّ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّا لَمْ نُسْقِطْ بِهِ الْوُجُوبَ احْتِيَاطًا فِي وَقْتِ الْخِطَابِ وَهُوَ الْبُلُوغُ بِخِلَافِ الصِّبَا لِأَنَّهُ وَقْتُ سُقُوطِ الْخِطَابِ وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ مُشِيرًا إلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا ظَنُّوا أَنَّ الْعَتَهَ غَيْرُ مُلْحَقٍ بِالصِّبَا بَلْ هُوَ مُلْحَقٌ بِالْمَرَضِ حَتَّى لَا يَمْنَعَ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا بَلْ الْعَتَهُ نَوْعُ جُنُونٍ فَيَمْنَعُ وُجُوبَ أَدَاءِ الْحُقُوقِ جَمِيعًا إذْ الْمَعْتُوهُ لَا يَقِفُ عَلَى عَوَاقِبِ الْأُمُورِ كَصَبِيٍّ ظَهَرَ فِيهِ قَلِيلُ عَقْلٍ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ نُقْصَانَ الْعَقْلِ لَمَّا أَثَرَ فِي سُقُوطِ الْخِطَابِ عَنْ

стр. 1395

وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ وَالْمَعْتُوهُ الْعَاقِلُ لَا يَفْتَرِقَانِ. ــ [كشف الأسرار] الصَّبِيِّ كَمَا أَثَّرَ عَدَمُهُ فِي حَقِّهِ أَثَّرَ فِي سُقُوطِ الْخِطَابِ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَيْضًا كَمَا أَثَّرَ عَدَمُهُ فِي السُّقُوطِ بِأَنْ صَارَ مَجْنُونًا لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْبُلُوغِ إلَّا فِي كَمَالِ الْعَقْلِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْكَمَالُ بِحُدُوثِ هَذِهِ الْآفَةِ كَانَ الْبُلُوغُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً قَالَ الشَّيْخُ ﵀ الْخِطَابُ يَسْقُطُ عَنْ الْمَجْنُونِ كَمَا يَسْقُطُ عَنْ الصَّبِيِّ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِ الصِّبَا تَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ وَهُوَ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَكْلِيفِ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ وَيَسْقُطُ عَنْ الْمَعْتُوهِ كَمَا يَسْقُطُ عَنْ الصَّبِيِّ فِي آخِرِ أَحْوَالِ الصِّبَا تَحْقِيقًا لِلْفَضْلِ وَهُوَ نَفْيُ الْحَرَجِ عَنْهُ نَظَرًا وَمَرْحَمَةً عَلَيْهِ. وَيُوَلَّى عَلَيْهِ أَيْ يَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى الْمَعْتُوهِ لِغَيْرِهِ كَمَا يَثْبُتُ عَلَى الصَّبِيِّ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْوِلَايَةِ مِنْ بَابِ النَّظَرِ وَنُقْصَانُ الْعَقْلِ مَظِنَّةُ النَّظَرِ وَالْمَرْحَمَةِ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْعَجْزِ وَلَا يَلِي هُوَ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ قُدْرَةُ التَّصَرُّفِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَمَّا جَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَ أَوَّلِ أَحْوَالِ الصِّبَا وَالْجُنُونِ وَبَيْنَ آخِرِ أَحْوَالِهِ وَالْعَتَهِ ذَكَرَ مَا يَقَعُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ الْحُكْمِ فَقَالَ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْجُنُونُ وَالصِّغَرُ أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُنُونِ وَالصِّغَرِ وَالْمُرَادُ بِهِ أَوَّلُ أَحْوَالِ الصِّبَا الَّذِي لَا عَقْلَ فِيهِ لِلصَّبِيِّ إلَّا فِي أَنَّ هَذَا الْعَارِضَ أَيْ الْجُنُونَ غَيْرُ مَحْدُودٍ إذْ لَيْسَ لِزَوَالِهِ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ يَنْتَظِرُ لَهُ فَقِيلَ إذَا أَسْلَمَتْ امْرَأَةُ الْمَجْنُونِ عُرِضَ عَلَى أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ الْإِسْلَامُ فِي الْحَالِ وَلَا يُؤَخَّرُ الْعَرْضُ إلَى أَنْ يَعْقِلَ الْمَجْنُونُ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالًا لِحَقِّ الْمَرْأَةِ وَالصِّغَرُ مَحْدُودٌ فَوَجَبَ تَأْخِيرُ الْعَرْضِ حَتَّى لَوْ زَوَّجَ النَّصْرَانِيُّ ابْنَهُ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ امْرَأَةً نَصْرَانِيَّةً أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَطَلَبَتْ الْفُرْقَةَ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَتُرِكَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْقِلَ الصَّبِيُّ وَلَا يَجِبُ عَرْضُ الْإِسْلَامِ عَلَى أَحَدٍ فِي الْحَالِ لِأَنَّ لِلصَّغِيرِ حَقَّ الْإِمْسَاكِ لِلنِّكَاحِ بِإِسْلَامِ مِثْلِهِ وَفِي التَّعْجِيلِ تَفْوِيتُهُ وَلَيْسَ فِي تَرْكِ الْفُرْقَةِ إلَّا تَأْخِيرٌ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلَا فَسَادٍ فِي الْحَالِ لِأَنَّ عَقْلَ الصَّبِيِّ فِي أَوَانِهِ مَعْهُودٌ عَلَى ذَلِكَ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ فَكَانَ التَّأْخِيرُ أَوْلَى فَإِذَا عَقَلَ عَرَضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وَإِنَّمَا صَحَّ الْعَرْضُ وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ لَا يُخَاطَبُ بِأَدَاءِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْخِطَابَ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ فِيمَا هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ حَقِّ الْعِبَادِ وَوُجُوبُ الْعَرْضِ هَاهُنَا لِحَقِّ الْمَرْأَةِ فَيَتَوَجَّهُ الْخِطَابُ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَخَّرُ إلَى بُلُوغِ الصَّبِيِّ لِأَنَّ إسْلَامَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ صَحِيحٌ عِنْدَنَا فَيَتَحَقَّقُ الْإِبَاءُ مِنْهُ فَلَا يُؤَخَّرُ حَقُّ الْمَرْأَةِ إلَى الْبُلُوغِ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ وَالْمَعْتُوهُ الْعَاقِلُ فَلَا يَفْتَرِقَانِ يَعْنِي) فِي وُجُوبِ الْعَرْضِ فِي الْحَالِ كَمَا لَا يَفْتَرِقَانِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَتْ امْرَأَةُ الْمَعْتُوهِ الْكَافِرِ يَجِبُ الْعَرْضُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَالِ كَمَا يَجِبُ فِي إسْلَامِ امْرَأَةِ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ لِأَنَّ إسْلَامَ الْمَعْتُوهِ صَحِيحٌ لِوُجُودِ الْعَقْلِ كَإِسْلَامِ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ إسْلَامِهِ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْوِيمِ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ لِأَنَّ إسْلَامَهُ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ الْعَقْلِ لَمْ يَفِدْ الْعَرْضُ عَلَيْهِ فَوَجَبَ الْعَرْضُ عَلَى وَلِيِّهِ دَفْعًا لِلظُّلْمِ عَنْ الْمَرْأَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ وَضَعَ مُحَمَّدٌ ﵀ الْعَرْضَ عَلَى وَلِيِّ الْمَعْتُوهِ فِي الْجَامِعِ فَقَالَ مَعْتُوهٌ نَصْرَانِيٌّ زَوَّجَهُ أَبُوهُ النَّصْرَانِيُّ امْرَأَةً نَصْرَانِيَّةً فَأَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ يُعْرَضُ عَلَى أَبِيهِ الْإِسْلَامُ إلَى آخِرِهِ قُلْنَا الْمُرَادُ مِنْهُ الْمَجْنُونُ فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَقَدْ يُطْلَقُ الْمَعْتُوهُ عَلَى الْمَجْنُونِ لِأَنَّ الْعَتَهَ يُشَابِهُ الْجُنُونَ وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْمَعْتُوهَ بِالْعَاقِلِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَجْنُونِ فَإِنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ وَالْمَجْنُونَ

стр. 1396

وَأَمَّا النِّسْيَانُ فَلَا يُنَافِي الْوُجُوبَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُجْعَلَ عُذْرًا وَلَكِنْ حُقُوقُ الْعِبَادِ مُحْتَرَمَةٌ لِحَقِّهِمْ وَحَاجَتِهِمْ لَا ابْتِلَاءٌ وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِلَاءٌ لَكِنْ النِّسْيَانُ إذَا كَانَ غَالِبًا يُلَازِمُ الطَّاعَةَ إمَّا بِطَرِيقِ الدَّعْوَةِ مِثْلَ النِّسْيَانِ فِي الصَّوْمِ وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ حَالِ الْبَشَرِ مِثْلَ التَّسْمِيَةِ فِي الذَّبِيحَةِ جُعِلَ مِنْ أَسْبَابِ الْعَفْوِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ اُعْتُرِضَ فَجُعِلَ سَبَبًا لِلْعَفْوِ فِي حَقِّهِ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْعِبَادِ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَيْسَ بِعُذْرٍ مِنْ جِهَتِهِمْ وَالنِّسْيَانُ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ أَصْلِيٌّ وَضَرْبٌ يَقَعُ فِيهِ الْمَرْءُ بِالتَّقْصِيرِ وَهَذَا يَصْلُحُ لِلْعِتَابِ ــ [كشف الأسرار] وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي وُجُوبِ الْعَرْضِ فِي الْحَالِ قَدْ افْتَرَقَا فِي أَنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ وَلِيِّهِ وَفِي الْمَجْنُونِ الْعَرْضُ عَلَى وَلِيِّهِ دُونَ نَفْسِهِ فَحَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَجْنُونَ يُسَاوِي الْمَعْتُوهَ وَالصَّبِيَّ الْعَاقِلَ فِي وُجُوبِ الْعَرْضِ فِي الْحَالِ وَيُفَارِقُهُمَا فِي أَنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّهِ الْعَرْضُ عَلَى وَلِيِّهِ وَفِي حَقِّهِمَا الْعَرْضُ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَيُفَارِقُ الْمَجْنُونُ الصَّغِيرَ فِي الْوُجُوبِ فِي الْحَالِ وَفِي الْوُجُوبِ عَلَى الْوَلِيِّ أَيْضًا وَيُفَارِقُ الْمَعْتُوهُ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ فِي الْوُجُوبِ فِي الْحَالِ وَيُسَاوِيهِ فِي الْوُجُوبِ عَلَى النَّفْسِ دُونَ الْوَلِيِّ وَكَذَا الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ. (قَوْلُهُ وَأَمَّا النِّسْيَانُ فَكَذَا) قِيلَ النِّسْيَانُ مَعْنًى يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ فَيُوجِبُ الْغَفْلَةَ عَنْ الْحِفْظِ وَقِيلَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْجَهْلِ الطَّارِئِ وَيَبْطُلُ اطِّرَادُ هَذَيْنِ التَّعْرِيفَيْنِ بِالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَقِيلَ هُوَ جَهْلُ الْإِنْسَانِ بِمَا كَانَ يَعْلَمُهُ ضَرُورَةً مَعَ عِلْمِهِ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ لَا بِآفَةٍ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ عَنْ النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُمَا خَرَجَا بِالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ مِنْ أَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِأَشْيَاءَ كَانَا يَعْلَمَانِهَا قَبْلَ النَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَبِقَوْلِهِ لَا بِآفَةٍ عَنْ الْجُنُونِ فَإِنَّهُ جَهْلٌ بِمَا كَانَ يَعْلَمُهُ الْإِنْسَانُ قَبْلَهُ مَعَ كَوْنِهِ ذَاكِرًا لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ لَكِنَّهُ بِآفَةٍ وَقِيلَ هُوَ آفَةٌ تَعْتَرِضُ لِلْمُتَخَيِّلَةِ مَانِعَةٌ مِنْ انْطِبَاعِ مَا يَرِدُ مِنْ الذِّكْرِ فِيهَا وَقِيلَ هُوَ أَمْرٌ بَدِيهِيٌّ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعْرِيفِ إذْ كُلُّ عَاقِلٍ يَعْقِلُ النِّسْيَانَ مِنْ نَفْسِهِ كَمَا يَعْلَمُ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ. ثُمَّ إنَّهُ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْعَقْلَ وَلَا حُكْمَ الْفِعْلِ وَلَا الْقَوْلَ كَذَا فِي مُخْتَصَرِ التَّقْوِيمِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُجْعَلَ عُذْرًا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَعْدَمُ الْقَصْدُ إذْ الْقَصْدُ إلَى فِعْلٍ بِعَيْنِهِ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ كَقَصْدِ زِيَارَةِ زَيْدٍ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ زَيْدٍ فَصَارَ فِي حُكْمِ الْعَجْزِ فَلَا جَرَمَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عُذْرًا فِي بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ النِّسْيَانُ سَبَبٌ لِلْعَجْزِ لِأَنَّ النَّاسِيَ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ بِسَبَبِ النِّسْيَانِ فَيَمْنَعُ وُجُوبَ أَدَاءِ الْحُقُوقِ كَسَائِرِ الْأَعْذَارِ عِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا لَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحُقُوقِ فَإِنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْأَهْلِيَّةِ وَإِيجَابُ الْحُقُوقِ عَلَى النَّاسِ لَا يُؤَدِّي إلَى إيقَاعِهِ فِي الْحَرَجِ لِيَمْتَنِعَ الْوُجُوبُ بِهِ إذْ الْإِنْسَانُ لَا يَنْسَى عِبَادَاتٍ مُتَوَالِيَةً تَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ غَالِبًا فَصَارَ فِي حُكْمِ النَّوْمِ وَلِهَذَا قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ نِسْيَانِ الصَّلَاةِ وَالنَّوْمِ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا» الْحَدِيثَ وَفِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا يُجْعَلُ النِّسْيَانُ عُذْرًا حَتَّى لَوْ أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ نَاسِيًا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ مُحْتَرَمَةٌ لِحَاجَتِهِمْ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ لَا لِلِابْتِلَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ عَلَى الْعَبْدِ حَقُّ الِابْتِلَاءِ لِيُظْهِرَ طَاعَتَهُ لَهُ بَلْ حَقُّهُ فِي نَفْسِهِ وَأَنَّهَا مُحْتَرَمَةٌ فَيَسْتَحِقُّ حُقُوقًا تَتَعَلَّقُ بِهَا قِوَامِهَا كَرَامَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَبِالنِّسْيَانِ لَا يَفُوتُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ فَلَا يَمْتَنِعُ وُجُوبُهَا وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِلَاءٌ لِأَنَّهُ ﷻ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ وَلَهُ أَنْ يَبْتَلِيَ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ فَكَانَ إيجَابُ الْحُقُوقِ مِنْهُ عَلَى الْعِبَادِ ابْتِلَاءً لَهُمْ مَعَ غِنَاءٍ عَنْ أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] . قَوْلُهُ (لَكِنْ النِّسْيَانُ) اسْتِدْرَاكٌ مِنْ قَوْلِهِ وَفِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا يُجْعَلُ عُذْرًا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُجْعَلُ عُذْرًا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ بِوَجْهٍ لَكِنَّهُ إذَا كَانَ غَالِبًا يَصْلُحُ عُذْرًا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: يُلَازِمُ الطَّاعَةَ صِفَةٌ لِغَالِبًا وَقَوْلُهُ جُعِلَ مِنْ أَسْبَابِ الْعَفْوِ خَبَرُ لَكِنَّ أَيْ إذَا كَانَ النِّسْيَانُ غَالِبًا فِي عِبَادَةٍ بِحَيْثُ يُلَازِمُهَا

стр. 1397

وَالنِّسْيَانُ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ لَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا، وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ الذَّبِيحَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي غَلَبَةِ الْوُجُودِ فَبَطَلَتْ التَّعْدِيَةُ حَتَّى أَنَّ سَلَامَ النَّاسِي لَمَّا كَانَ غَالِبًا عُدَّ عُذْرًا. ــ [كشف الأسرار] وَأَرَادَ بِالْمُلَازَمَةِ أَنْ لَا يَخْلُوَ الطَّاعَةُ عَنْهُ فِي الْأَغْلَبِ إمَّا بِطَرِيقِ الدَّعْوَةِ أَيْ دَعْوَةِ الطَّبْعِ إلَى مَا يُوجِبُ النِّسْيَانَ مِثْلَ النِّسْيَانِ فِي الصَّوْمِ فَإِنَّهُ غَالِبٌ فِيهِ لِأَنَّ الطَّبْعَ لَمَّا دَعَا إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ أَوْجَبَ ذَلِكَ النِّسْيَانَ الصَّوْمُ لِأَنَّ النَّفْسَ لَمَّا اشْتَغَلَتْ بِشَيْءٍ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَفْلَتِهَا عَنْ غَيْرِهِ عَادَةً وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ حَالِ الْبَشَرِ مِثْلَ التَّسْمِيَةِ أَيْ مِثْلَ نِسْيَانِ التَّسْمِيَةِ فِي الذَّبِيحَةِ فَإِنَّ ذَبْحَ الْحَيَوَانِ يُوجِبُ خَوْفًا وَهَيْبَةً لِنُفُورِ الطَّبْعِ عَنْهُ وَيَتَغَيَّرُ مِنْهُ حَالُ الْبَشَرِ وَلِهَذَا لَا يُحْسِنُ الذَّبْحَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَيَكْثُرُ الْغَفْلَةُ عَنْ التَّسْمِيَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ بِالْخَوْفِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بَيَانَ حَصْرِ غَلَبَةِ النِّسْيَانِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ بَلْ الْمُرَادُ بَيَانُ بَعْضِ أَسْبَابِ الْغَلَبَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ سَلَامَ النَّاسِي فِي الصَّلَاةِ غَالِبٌ وَلَيْسَ بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ جُعِلَ أَيْ النِّسْيَانُ الْمَوْصُوفُ مِنْ أَسْبَابِ الْعَفْوِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَجُعِلَ كَأَنَّ الْمُفْطِرَ لَمْ يُوجَدْ فَيَبْقَى الصَّوْمُ وَجُعِلَ كَأَنَّ التَّسْمِيَةَ قَدْ وُجِدَتْ فَتَحِلُّ الذَّبِيحَةُ وَإِنَّمَا جُعِلَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لِأَنَّ الثَّابِتَ عِنْدَ وُجُودِهَا الْحِلُّ وَعِنْدَ عَدَمِهَا الْحُرْمَةُ وَهُمَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ اعْتَرَضَ لِحُدُوثِهِ بِصُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى وَانْقِطَاعِ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ ثُمَّ قَسَّمَ النِّسْيَانَ لِيُمَيِّزَ بَيْنَ مَا لَا يَصْلُحُ عُذْرًا وَمَا يَصْلُحُ فَقَالَ وَالنِّسْيَانُ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ أَصْلِيٌّ وَأَرَادَ بِهِ مَا يَقَعُ فِيهِ الْإِنْسَانُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّذَكُّرِ وَهَذَا الْقِسْمُ يَصْلُحُ عُذْرًا لِغَلَبَةِ وُجُودِهِ وَضَرْبٌ يَقَعُ الْمَرْءُ فِيهِ بِالتَّقْصِيرِ بِأَنْ لَمْ يُبَاشِرْ سَبَبَ التَّذَكُّرِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَهَذَا الضَّرْبُ يَصْلُحُ لِلْعِتَابِ أَيْ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا لِلتَّقْصِيرِ لِعَدَمِ غَلَبَةِ وُجُودِهِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ إنَّمَا يَصِيرُ النِّسْيَانُ عُذْرًا فِي حَقِّ الشَّرْعِ إذَا لَمْ يَكُنْ غَفْلَةً فَأَمَّا إذَا كَانَ عَنْ غَفْلَةٍ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا كَمَا فِي حَقِّ آدَمَ ﵇ وَكَنِسْيَانِ الْمَرْءِ مَا حَفِظَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَذْكَارِهِ بِالتَّكْرَارِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ فِيهِ بِتَقْصِيرِهِ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلْعِتَابِ وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ مَنْ نَسِيَ الْقُرْآنَ بَعْدَمَا حَفِظَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّذْكَارِ بِالتَّكْرَارِ. وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي مُسَافِرٍ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى أَنَّهُ يُعِيدُ لِأَنَّ هَذَا نِسْيَانٌ صَدَرَ عَنْ تَقْصِيرٍ لِأَنَّ رَحْلَ الْمُسَافِرِ مَعْدِنُ الْمَاءِ عَادَةً بِمَنْزِلَةِ قِرْبَةٍ عَامِرَةٍ فَكَانَ مُقَصِّرًا بِتَرْكِ الطَّلَبِ فَلَا يُعْذَرُ بِهَذَا النِّسْيَانِ قَوْلُهُ (وَالنِّسْيَانُ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ) وَالذَّبِيحَةِ لَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا مِثْلَ مُبَاشَرَةِ الْمُحْرِمِ أَوْ الْمُعْتَكِفِ مَا يُفْسِدُ إحْرَامَهُ وَاعْتِكَافَهُ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ وَاعْتِكَافِهِ وَمِثْلَ تَكْلِيمِ الْمُصَلِّي فِي صَلَاتِهِ فِي أَيِّ رُكْنٍ كَانَ نَاسِيًا لِصَلَاتِهِ وَمِثْلَ تَسْلِيمِهِ فِي غَيْرِ الْقَعْدَةِ نَاسِيًا أَوْ تَسْلِيمِهِ عَلَى الْغَيْرِ فِي أَيِّ حَالِ كَانَ حَتَّى فَسَدَ الْحَجُّ وَالِاعْتِكَافُ وَالصَّلَاةُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَلَمْ يُجْعَلْ النِّسْيَانُ عُذْرًا لِأَنَّ هَذَا النِّسْيَانَ لَيْسَ مِثْلَ النِّسْيَانِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي غَلَبَةِ الْوُجُودِ وَهُوَ نِسْيَانُ الصَّوْمِ وَالتَّسْمِيَةُ فِي الذَّبِيحَةِ لِوُجُودِ هَيْئَةٍ مُذَكِّرَةٍ لِهَؤُلَاءِ تَمْنَعُهُمْ عَنْ النِّسْيَانِ إذَا نَظَرُوا إلَيْهَا فَكَانَ وُقُوعُهُمْ فِيهِ لِغَفْلَتِهِمْ وَتَقْصِيرِهِمْ فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ حَتَّى إنَّ سَلَامَ النَّاسِي لَمَّا كَانَ غَالِبًا بِأَنْ سَلَّمَ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى ظَانًّا أَنَّهَا الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ عُدَّ عُذْرًا حَتَّى لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِهِ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ مَحَلُّ السَّلَامِ وَلَيْسَ لِلْمُصَلِّي هَيْئَةً تُذَكِّرُهُ أَنَّهَا الْقَعْدَةُ الْأُولَى فَيَكُونُ مِثْلَ النِّسْيَانِ فِي الصَّوْمِ فَلِذَلِكَ يُجْعَلُ عُذْرًا. قَوْلُهُ (وَأَمَّا النَّوْمُ) فَكَذَا النَّوْمُ فَتْرَةٌ طَبِيعِيَّةٌ تَحْدُثُ فِي الْإِنْسَانِ بِلَا اخْتِيَارٍ مِنْهُ وَتَمْنَعُ الْحَوَاسَّ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ عَنْ

стр. 1398

فَأَمَّا النَّوْمُ فَعَجْزٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ قُدْرَةِ الْأَحْوَالِ فَأَوْجَبَ تَأَخُّرَ الْخِطَابِ لِلْأَدَاءِ لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يَمْتَدُّ فَلَا يَكُونُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ حَرَجٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» وَيُنَافِي الِاخْتِيَارَ أَصْلًا حَتَّى بَطَلَتْ عِبَارَاتُهُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِسْلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْمُصَلِّي إذَا قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي حَالِ قِيَامِهِ لَمْ يَصِحَّ قِرَاءَتُهُ ــ [كشف الأسرار] الْعَمَلِ مَعَ سَلَامَتِهَا وَاسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ مَعَ قِيَامِهِ. فَيَعْجِزُ الْعَبْدُ بِهِ عَنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَيَعْجِزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ قُدْرَةِ الْأَحْوَالِ أَيْ يَعْجِزُ عَنْ الْإِدْرَاكَاتِ الْحِسِّيَّةِ بِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْحَوَاسِّ وَالْأَحْوَالُ أَيْضًا أَفْعَالُهُ الِاخْتِيَارِيَّةُ كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالذَّهَابِ وَنَحْوِهَا فَهُوَ يَعْجِزُ بِالنَّوْمِ عَنْ تَحْصِيلِ الْقُدْرَةِ الَّتِي يُحَصِّلُ بِهَا هَذِهِ الْأَحْوَالَ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْآلَاتِ السَّلِيمَةِ لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَفِي عِبَارَةِ أَهْلِ الطِّبِّ هُوَ سُكُونُ الْحَيَوَانِ بِسَبَبِ مَنْعِ رُطُوبَةٍ مُعْتَدِلَةٍ مُنْحَصِرَةٍ فِي الدِّمَاغِ الرُّوحَ النَّفْسَانِيَّ مِنْ الْجَرَيَانِ فِي الْأَعْضَاءِ. وَقَوْلُهُ: فَعَجَزَ عَنْ كَذَا لَيْسَ بِتَحْدِيدِ النَّوْمِ إذْ الْإِغْمَاءُ وَنَحْوُهُ دَاخِلٌ فِيهِ لَكِنَّهُ بَيَانُ أَثَرِ النَّوْمِ فَأَوْجَبَ تَأْخِيرَ الْخِطَابِ لِلْأَدَاءِ اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْخِطَابِ يَعْنِي حُكْمَ النَّوْمِ تَأْخِيرُ حُكْمِ الْخِطَابِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ بِهِ لَا سُقُوطُ الْوُجُوبِ لِاحْتِمَالِ الْأَدَاءِ حَقِيقَةً بِالِانْتِبَاهِ أَوْ احْتِمَالِ خَلَفِهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِانْتِبَاهِ وَهَذَا لِأَنَّ نَفْسَ الْعَجْزِ لَا يُسْقِطُ أَصْلَ الْوُجُوبِ وَإِنَّمَا يُسْقِطُ وُجُوبَ الْعَمَلِ إلَى حِينِ الْقُدْرَةِ إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَانُ الْوُجُوبِ وَيَتَكَثَّرَ الْوَاجِبُ فَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالنَّوْمُ لَا يَمْتَدُّ عَادَةً بِحَيْثُ يُخْرِجُ الْعَبْدَ فِي قَضَاءِ مَا يَفُوتُهُ فِي حَالِ نَوْمِهِ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَدُّ لَيْلًا وَنَهَارًا عَادَةً وَإِذَا كَانَ أَيْ النَّوْمُ كَذَلِكَ أَيْ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَدٍّ وَغَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلْحَرَجِ لَمْ يَسْقُطْ الْوُجُوبُ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْأَهْلِيَّةِ لِأَهْلِيَّةِ وُجُودِ الْعِبَادَاتِ بِالذِّمَّةِ وَبِالْإِسْلَامِ وَالنَّوْمُ لَا يُخِلُّ بِهِمَا قَالَ أَبُو الْيُسْرِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَذَا ثُمَّ أَوْضَحَ الشَّيْخُ مَا ذَكَرَ بِإِيرَادِ قَوْلِهِ ﵇ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ» الْحَدِيثَ فَإِنَّ قَوْلَهُ «فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ النَّائِمِ وَالنَّاسِي. وَقَالَ الْإِمَامُ الْبُرَغْرِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ حَالَةَ النَّوْمِ وَلَكِنْ تَأَخَّرَ وُجُوبُ أَدَائِهَا بِعُذْرِ النَّوْمِ لِأَنَّهُ ﵇ قَالَ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً حَالَةَ النَّوْمِ لَمَا كَانَ نَائِمًا عَنْ الصَّلَاةِ قَوْلُهُ (وَيُنَافِي الِاخْتِيَارَ أَصْلًا) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ بِالتَّمْيِيزِ وَلَمْ يَبْقَ لِلنَّائِمِ تَمْيِيزٌ فَلِذَلِكَ بَطَلَتْ عِبَارَاتُ النَّائِمِ فِيمَا بُنِيَ عَلَى الِاخْتِيَارِ مِثْلَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَصَارَ كَلَامُهُ لِعَدَمِ التَّمْيِيزِ وَالِاخْتِيَارِ بِمَنْزِلَةِ أَلْحَانِ الطُّيُورِ فَلَا يُعْتَبَرُ فَإِنْ قِيلَ لَا يُشْتَرَطُ الِاخْتِيَارُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِدَلِيلِ وُقُوعِهِمَا فِي حَالَةِ الْخَطَأِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْهَزْلِ وَقَدْ قَالَ ﵇ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ» الْحَدِيثَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَا فِي حَالَةِ النَّوْمِ أَيْضًا قُلْنَا لَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُعْتَبَرُ بِدُونِهِ وَلَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الرِّضَاءُ بِالْحُكْمِ وَفِي الْهَزْلِ وَالْخَطَأِ وَالْإِكْرَاهِ أَصْلُ الِاخْتِيَارِ مَوْجُودٌ وَإِنْ عُدِمَ الرِّضَاءُ فِيهَا بِالْحُكْمِ فَلَا تَمْنَعُ وُقُوعَهُمَا فَأَمَّا النَّوْمُ فَيُعْدِمُ أَصْلَ الِاخْتِيَارِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ أَصْلًا فَيَمْنَعُ صَيْرُورَةَ الْعِبَارَةِ كَلَامًا قَوْلُهُ (وَالْمُصَلِّي إذَا قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي حَالِ قِيَامِهِ لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ) هُوَ الْمُخْتَارُ لِمَا قُلْنَا وَكَذَا لَا يُعْتَدُّ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ مِنْ الْفَرْضِ لِصُدُورِهَا لَا عَنْ اخْتِيَارٍ وَأَمَّا الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ فَلَا نَصَّ فِيهَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَقِيلَ إنَّهَا تُعْتَدُّ مِنْ الْفَرْضِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ وَمَبْنَاهَا عَلَى الِاسْتِرَاحَةِ فَيُلَائِمُهُ النَّوْمُ فَيَجُوزُ أَنْ يُحْتَسَبَ مِنْ الْفَرْضِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَفْعَالِ فَإِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْمَشَقَّةِ فَلَا يَتَأَدَّى فِي حَالَةِ النَّوْمِ. وَذَكَرَ فِي الْمُنْيَةِ إذَا نَامَ فِي الْقَعْدَةِ كُلِّهَا ثُمَّ انْتَبَهَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْعُدَ قَدْرَ

стр. 1399

وَإِذَا تَكَلَّمَ النَّائِمُ فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَإِذَا قَهْقَهَ النَّائِمُ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ قِيلَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَيَكُونُ حَدَثًا وَقِيلَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلَا يَكُونُ حَدَثًا وَقِيلَ يَكُونُ حَدَثًا وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ جُعِلَتْ حَدَثًا لِقُبْحِهَا فِي مَوَاضِعِ الْمُنَاجَاةِ وَسَقَطَ ذَلِكَ بِالنَّوْمِ وَلَا يَفْسُدُ أَيْضًا لِأَنَّ النَّوْمَ يُبْطِلُ حُكْمَ الْكَلَامِ. ــ [كشف الأسرار] التَّشَهُّدِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ قِرَاءَةَ النَّائِمِ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ النَّائِمَ كَالْمَسْقَطِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَإِذَا تَكَلَّمَ النَّائِمُ فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ لِصُدُورِهِ مِمَّنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ وَذَكَرَ فِي الْمُغْنِي وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالْخُلَاصَةِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا نَامَ وَتَكَلَّمَ فِي حَالَةِ النَّوْمِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ وَفِي النَّوَازِلِ إذَا تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ فِي النَّوْمِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ هُوَ الْمُخْتَارُ وَإِذَا قَهْقَهَ النَّائِمُ فِي صَلَاتِهِ لَا رِوَايَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا فَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُفِينِيُّ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَيَكُونُ حَدَثًا لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ الْقَهْقَهَةَ فِي صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ حَدَثٌ وَقَدْ وُجِدَتْ وَلَا فَرْقَ فِي الْأَحْدَاثِ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْيَقِظَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ احْتَلَمَ يَجِبُ الْغُسْلُ كَمَا لَوْ أَنْزَلَ بِشَهْوَةٍ فِي الْيَقِظَةِ وَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّ النَّائِمَ فِي الصَّلَاةِ كَالْمُسْتَيْقِظِ وَبِهَذَا أَخَذَ عَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ احْتِيَاطًا، كَذَا فِي الْمُغْنِي. وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهَا تَكُونُ حَدَثًا وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ لِأَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِالْقَهْقَهَةِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْكَلَامِ فِيهَا وَقَدْ زَالَ بِالنَّوْمِ لِفَوَاتِ الِاخْتِيَارِ أَمَّا تَحَقُّقُ الْحَدَثِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى الِاخْتِيَارِ فَلَا يَمْتَنِعُ بِالنَّوْمِ وَكَأَنَّ الْقَهْقَهَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَدَثًا سَمَاوِيًّا بِمَنْزِلَةِ الرُّعَافِ فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ وَقِيلَ تُفْسِدُ صَلَاتَهُ وَلَا تَكُونُ حَدَثًا وَهَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْفَتَاوَى لِأَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْكَلَامِ فِي الْقَهْقَهَةِ وَالنَّوْمِ كَالْيَقِظَةِ فِي حَقِّ الْكَلَامِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ كَمَا قُلْنَا وَأَمَّا كَوْنُهَا حَدَثًا فَبِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْجِنَايَةِ وَقَدْ زَالَ بِالنَّوْمِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَهْقَهَةَ الصَّبِيِّ فِي الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ حَدَثًا لِزَوَالِ مَعْنَى الْجِنَايَةِ عَنْ فِعْلِهِ وَمُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ ﵀ أَنَّهُ أَيْ فِعْلَ الْقَهْقَهَةِ مِنْ النَّائِمِ لَا يَكُونُ حَدَثًا وَلَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ لِمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْإِغْمَاءُ) فَكَذَا الْإِغْمَاءُ فُتُورٌ يُزِيلُ الْقُوَى وَيَعْجِزُ بِهِ ذُو الْعَقْلِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ مَعَ قِيَامِهِ حَقِيقَةً كَذَا فَسَّرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ ﵀. وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ آفَةٌ تُوجِبُ انْحِلَالَ الْقُوَّةِ الْحَيَوَانِيَّةِ بَغْتَةً وَإِنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْأَهْلِيَّةِ كَالنَّوْمِ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْعَقْلِ فَيَبْقَى الْأَهْلِيَّةُ بِبَقَائِهِ كَمَنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ السَّيْفِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي السَّيْفِ بِالْإِعْدَامِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُوَلَّى عَلَيْهِ كَمَا يُوَلَّى عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا عَنْهُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ زَوَالُ الْعَقْلِ يُعْصَمُ عَنْهُ كَمَا عُصِمَ عَنْ الْجُنُونِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] وَهُوَ أَيْ الْإِغْمَاءُ أَشَدُّ مِنْ النَّوْمِ يَعْنِي فِي كَوْنِهِ عَارِضًا وَفِي فَوْتِ الِاخْتِيَارِ وَالْقُوَّةِ لِأَنَّ النَّوْمَ فَتْرَةٌ أَصْلِيَّةٌ أَيْ طَبِيعِيَّةٌ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ عَنْهُ فِي حَالِ صِحَّتِهِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَخْتَلُّ كَوْنُهُ عَارِضًا وَإِنْ تَحَقَّقَتْ الْعَارِضِيَّةُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَعْنَى الْإِنْسَانِيَّةِ وَلَا يُزِيلُ أَصْلَ الْقُوَّةِ أَيْضًا وَإِنْ أَوْجَبَ الْعَجْزَ عَنْ اسْتِعْمَالِهَا وَيُمْكِنُ إزَالَتُهُ بِالتَّنْبِيهِ وَهَذَا أَيْ الْإِغْمَاءُ عَارِضٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَخْلُو عَنْهُ فِي مُدَّةِ حَيَاتِهِ فَكَانَ أَقْوَى مِنْ النَّوْمِ فِي الْعَارِضِيَّةِ وَهُوَ يُنَافِي الْقُوَّةَ أَصْلًا لِمَا قُلْنَا أَنَّهُ مَرَضٌ مُزِيلٌ لِلْقُوَى وَلِهَذَا لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهُ بِفِعْلِ أَحَدٍ بِخِلَافِ النَّوْمِ لِأَنَّهُ عَجْزٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْقُوَّةِ مَعَ وُجُودِهَا وَلِهَذَا يَزُولُ

стр. 1400

وَأَمَّا الْإِغْمَاءُ فَإِنَّهُ ضَرْبُ مَرَضٍ وَفَوْتُ قُوَّةٍ حَتَّى كَانَ النَّبِيُّ ﷺ غَيْرَ مَعْصُومٍ عَنْهُ وَالْإِغْمَاءُ فِي فَوْتِ الِاخْتِيَارِ وَفِي فَوْتِ اسْتِعْمَالِ الْقُدْرَةِ مِثْلُ النَّوْمِ حَتَّى مَنَعَ صِحَّةَ الْعِبَادَاتِ وَهُوَ أَسْنَدُ مِنْهُ لِأَنَّ النَّوْمَ فَتْرَةٌ أَصْلِيَّةٌ، وَهَذَا عَارِضٌ يُنَافِي الْقُوَّةَ أَصْلًا أَلَا يَرَى أَنَّ النَّائِمَ إذَا كَانَ مُسْتَقِرًّا لَمْ يَكُنْ نَوْمُهُ حَدَثًا لِأَنَّهُ بِعَيْنِهِ لَا يُوجِبُ الِاسْتِرْخَاءَ لَا مَحَالَةَ وَالْإِغْمَاءُ بِكُلِّ حَالٍ يَكُونُ حَدَثًا وَالنَّوْمُ لَازِمٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَكَانَ النَّوْمُ لِلْمُضْطَجِعِ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْهُ حَدَثًا لَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ وَالْإِغْمَاءُ مِنْ الْعَوَارِضِ النَّادِرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ فَوْقَ الْحَدَثِ فَلَمْ يَكُنْ يُلْحَقُ بِهِ وَمُنِعَ الْبِنَاءُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيَخْتَلِفَانِ فِيمَا يَجِبُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى جَبْرًا لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ مَرَضٌ يُنَافِي الْقُدْرَةَ أَصْلًا وَقَدْ يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الْحَرَجَ فَيَسْقُطُ بِهِ الْأَدَاءُ، وَإِذَا بَطَلَ الْأَدَاءُ بَطَلَ الْوُجُوبُ لِمَا قُلْنَا وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَسْقُطَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْوَاجِبَاتِ مِثْلَ النَّوْمِ امْتِدَادُهُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَلَى مَا فَسَّرْنَا ــ [كشف الأسرار] بِالتَّنْبِيهِ أَلَا تَرَى تَوْضِيحٌ لِكَوْنِهِ أَشَدَّ مِنْ النَّوْمِ يَعْنِي ظَهَرَ أَثَرُ شِدَّتِهِ فِي الْحُكْمِ حَيْثُ صَارَ الْإِغْمَاءُ حَدَثًا فِي كُلِّ حَالٍ مُضْطَجِعًا كَانَ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا وَالنَّوْمُ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّهُ بِذَاتِهِ لَا يُوجِبُ اسْتِرْخَاءَ الْمَفَاصِلِ إلَّا إذَا غَلَبَ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ سَبَبًا لِلِاسْتِرْخَاءِ فَيَكُونُ حَدَثًا ثُمَّ ذَكَرَ فَرْقًا آخَرَ بَيْنَ الْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ فَقَالَ وَالنَّوْمُ لَازِمٌ لِلْإِنْسَانِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ فَيَكُونُ كَثِيرَ الْوُقُوعِ فَلِهَذَا كَانَ النَّوْمُ مِنْ الْمُضْطَجِعِ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْهُ حَدَثًا لَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ بِمَنْزِلَةِ الرُّعَافِ وَقَيَّدَ بِالْمُضْطَجِعِ لِأَنَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ وَالْقَائِمِ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَبِعَدَمِ التَّعَمُّدِ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا مُتَعَمِّدًا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ. فَأَمَّا إذَا نَعَسَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَمَالَ نَائِمًا حَتَّى اضْطَجَعَ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ وَلَمْ يَفْسُدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ حَدَثٌ سَمَاوِيٌّ فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَبْنِيَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلَا يَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ كَمَا لَوْ نَامَ فِي السُّجُودِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَيْنِ فِي الْإِغْمَاءِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ فَقَالَ وَالْإِغْمَاءُ مِنْ الْعَوَارِضِ النَّادِرَةِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ وَهُوَ الْحَدَثُ الَّذِي يَغْلِبُ وُجُودُهُ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ وَهُوَ أَيْ الْإِغْمَاءُ فَوْقَ الْحَدَثِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ حَدَثًا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ مُخِلٌّ بِالْعَقْلِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُؤَثِّرٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَذَا فِي بَعْضِ الْفَوَائِدِ فَلَمْ يَلْحَقُ الْإِغْمَاءُ بِالْحَدَثِ لِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا لَمْ تُلْحَقُ الْجَنَابَةُ بِهِ وَمُنِعَ الْبِنَاءُ عَلَى كُلِّ حَالٍ مُضْطَجِعًا كَانَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ مُضْطَجِعٍ قَلِيلًا كَانَ الْإِغْمَاءُ أَوْ كَثِيرًا وَيَخْتَلِفَانِ أَيْ النَّوْمُ وَالْإِغْمَاءُ فِيمَا يَجِبُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الْخَبَرِ فَيَصْلُحُ الْإِغْمَاءُ عُذْرًا مُسْقِطًا فِي الْبَعْضِ وَلَا يَصْلُحُ النَّوْمُ عُذْرًا مُسْقِطًا بِحَالٍ لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ مَرَضٌ يُنَافِي الْقُوَّةَ أَصْلًا فَلَا يَجِبُ الْأَدَاءُ فِي الْحَالِ لِلْعَجْزِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ يَعْنِي فِي حَقِّ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الْحَرَجَ أَيْ يُوجِبُ عَدَمَ اعْتِبَارِ امْتِدَادِهِ الْحَرَجَ بِدُخُولِ الْوَاجِبِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ فَيَسْقُطُ بِهِ أَيْ بِالْحَرَجِ أَوْ بِالِامْتِدَادِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ عَنْهُ أَصْلًا يَعْنِي يَسْقُطُ عَنْهُ حَقِيقَةُ الْأَدَاءِ لِلْعَجْزِ وَخَلَفُهُ وَهُوَ الْقَضَاءُ لِلْحَرَجِ وَإِذَا بَطَلَ الْأَدَاءُ أَيْ سَقَطَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ أَصْلًا بَطَلَ الْوُجُوبُ أَيْ نَفْسُ الْوُجُوبِ. لِمَا قُلْنَا فِي بَابِ الْأَهْلِيَّةِ أَنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِنَفْسِهِ بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْأَدَاءُ فَلَمَّا سَقَطَ لَمْ تَبْقَ الْوُجُوبُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَهَذَا أَيْ سُقُوطُ الْأَدَاءِ بِالْإِغْمَاءِ عِنْدَ امْتِدَادِهِ اسْتِحْسَانٌ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَسْقُطَ بِالْإِغْمَاءِ شَيْءٌ وَإِنْ طَالَ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ لِأَنَّهُ مَرَضٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْلِ وَلَكِنَّهُ يُوجِبُ خَلَلًا فِي الْقُدْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَيُؤَثِّرُ فِي تَأْخِيرِ الْأَدَاءِ وَلَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْقَضَاءِ كَالنَّوْمِ وَالْفَرْقُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِغْمَاءَ قَدْ يَقْصُرُ وَقَدْ يَطُولُ عَادَةً فِي حَقِّ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ فَإِذَا قَصُرَ اُعْتُبِرَ بِمَا يَقْصُرُ عَادَةً وَهُوَ النَّوْمُ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْقَضَاءُ وَإِذَا طَالَ اُعْتُبِرَ بِمَا يَطُولُ عَادَةً وَهُوَ الْجُنُونُ وَالصِّغَرُ فَيَسْقُطُ الْقَضَاءُ وَامْتِدَادُ الْإِغْمَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِاعْتِبَارِ الْأَوْقَاتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبِاعْتِبَارِ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵏ عَلَى مَا فَسَّرْنَاهُ

стр. 1401

وَفِي الصَّوْمِ لَا يُعْتَبَرُ امْتِدَادُهُ لِأَنَّ امْتِدَادَهُ فِي الصَّوْمِ نَادِرٌ وَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ وَفِي الصَّلَاةِ غَيْرُ نَادِرٍ وَفِي ذَلِكَ جَاءَتْ السُّنَّةُ فَلَمْ يُوجِبْ حَرَجًا. وَأَمَّا الرِّقُّ فَإِنَّهُ عَجْزٌ حُكْمِيٌّ شُرِعَ جَزَاءً فِي الْأَصْلِ لَكِنَّهُ فِي الْبَقَاءِ صَارَ مِنْ الْأُمُورِ الْحُكْمِيَّةِ بِهِ يَصِيرُ الْمَرْءُ عُرْضَةً لِلتَّمَلُّكِ وَالِابْتِذَالِ ــ [كشف الأسرار] فِي الْجُنُونِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ امْتِدَادُهُ بِاسْتِيعَابِ وَقْتِ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُغْمَى عَلَيْهِ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ يُبْتَنَى عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَفَرْقٌ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ فَإِنَّ النَّوْمَ عَنْ اخْتِيَارٍ مِنْهُ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ. وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ فَإِنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ فَقَضَاهُنَّ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَقَضَى الصَّلَوَاتِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَمْ يَقْضِ الصَّلَوَاتِ فَعَرَفْنَا أَنَّ امْتِدَادَهُ فِي الصَّلَاةِ بِمَا ذَكَرْنَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ إذَا لَمْ يَزْدَدْ الْإِغْمَاءُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِيهِ مِثْلُ قَوْلِنَا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ لَهُ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَفِي الصَّوْمِ لَا يُعْتَبَرُ امْتِدَادُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ مُضِيِّهِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ سَبَبُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي حَقِّهِ لِزَوَالِ عَقْلِهِ بِالْإِغْمَاءِ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ يُبْتَنَى عَلَيْهِ وَقُلْنَا إنَّ الْإِغْمَاءَ عُذْرٌ فِي تَأْخِيرِ الصَّوْمِ إلَى زَوَالِهِ لَا فِي إسْقَاطِهِ لِأَنَّ سُقُوطَهُ بِزَوَالِ الْأَهْلِيَّةِ أَوْ بِالْحَرَجِ وَلَا تَزُولُ الْأَهْلِيَّةُ بِهِ لِمَا بَيَّنَّا وَلَا يَتَحَقَّقُ الْحَرَجُ بِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ وَامْتِدَادُهُ فِي حَقِّ الصَّوْمِ نَادِرٌ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَحَيَاةُ الْإِنْسَانِ شَهْرًا بِدُونِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا نَادِرَةً فَلَا يَصْلُحُ لِبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَفِي الصَّلَاةِ امْتِدَادُهُ غَيْرُ نَادِرٍ فَيُوجِبُ حَرَجًا فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ وَفِي ذَلِكَ أَيْ فِي اعْتِبَارِ امْتِدَادِهِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ جَاءَتْ السُّنَّةُ كَمَا بَيَّنَّا فَلَمْ يُوجِبْ حَرَجًا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَفِي الصَّوْمِ نَادِرٌ أَيْ لَمْ يُوجِبْ امْتِدَادُهُ فِي الصَّوْمِ حَرَجًا. قَوْلُهُ (أَمَّا الرِّقُّ) فَكَذَا الرِّقُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الضَّعْفُ يُقَالُ ثَوْبٌ رَقِيقٌ أَيْ ضَعِيفُ النَّسْجِ وَمِنْهُ رِقَّةُ الْقَلْبِ وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ ضَعْفٍ حُكْمِيٍّ يَتَهَيَّأُ الشَّخْصُ بِهِ لِقَبُولِ مِلْكِ الْغَيْرِ فَيُتَمَلَّكُ بِالِاسْتِيلَاءِ كَمَا يُتَمَلَّكُ الصَّيْدُ وَسَائِرُ الْمُبَاحَاتِ وَاحْتَرَزَ بِالْحُكْمِيِّ عَنْ الْحِسِّيِّ فَإِنَّ الْعَبْدَ رُبَّمَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْحُرِّ حِسًّا لِأَنَّ الرِّقَّ لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي سَلَامَةِ الْبِنْيَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَكِنَّهُ وَإِنْ قَوِيَ عَاجِزٌ عَمَّا يَمْلِكُهُ الْحُرُّ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْوِلَايَةِ وَالتَّزَوُّجِ وَمَالِكِيَّةِ الْمَالِ وَغَيْرِهَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ أَرِقَّاءُ حَتَّى مُلِكُوا بِالِاسْتِيلَاءِ ثُمَّ إنَّ تَصَرُّفَاتِهِمْ نَافِذَةٌ وَأَنْكِحَتَهُمْ صَحِيحَةٌ وَشَهَادَتَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَقْبُولَةٌ وَأَمْلَاكَهُمْ ثَابِتَةٌ لِأَنَّ ثُبُوتَ وَصْفِ الرِّقِّ فِيهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا حَتَّى صَارُوا عُرْضَةً لِلتَّمَلُّكِ فِي حَقِّنَا فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَلَهُمْ حُكْمُ الْأَحْرَارِ بِنَاءً عَلَى دِيَانَتِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْحُرْمَةِ فَيَثْبُتُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي حَقِّهِمْ شُرِعَ أَيْ الرِّقُّ جَزَاءً فِي الْأَصْلِ أَيْ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ وَابْتِدَاءِ ثُبُوتِهِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا اسْتَنْكَفُوا عِبَادَةَ اللَّهِ وَصَيَّرُوا أَنْفُسَهُمْ مُلْحَقَةً بِالْجَمَادَاتِ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعُقُولِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ بِالتَّأَمُّلِ فِي آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّظَرِ فِي دَلَائِلِ وَحْدَانِيِّتِهِ جَازَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بِالرِّقِّ الَّذِي صَارُوا بِهِ مَحَالَّ الْمِلْكِ وَجَعَلَهُمْ عَبِيدَ عَبِيدِهِ وَأَلْحَقَهُمْ بِالْبَهَائِمِ فِي التَّمَلُّكِ وَالِابْتِذَالِ وَلِكَوْنِهِ جَزَاءَ الْكُفْرِ فِي الْأَصْلِ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً. وَلَكِنَّهُ فِي الْبَقَاءِ صَارَ مِنْ الْأُمُورِ الْحُكْمِيَّةِ أَيْ صَارَ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ ثَابِتًا بِحُكْمِ الشَّرْعِ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاعِيَ فِيهِ مَعْنَى

стр. 1402

وَهُوَ وَصْفٌ لَا تَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ فَقَدْ قَالَ فِي الْجَامِعِ فِي مَجْهُولِ النَّسَبِ إذَا أَقَرَّ أَنَّ نِصْفَهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ أَنَّهُ يُجْعَلُ عَبْدًا فِي شَهَادَتِهِ وَفِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ ــ [كشف الأسرار] الْجَزَاءِ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْتَفَتَ إلَى جِهَةِ الْعُقُوبَةِ فِيهِ حَتَّى يَبْقَى الْعَبْدُ رَقِيقًا وَإِنْ أَسْلَمَ وَصَارَ مَعَ الْأَتْقِيَاءِ وَيَكُونُ وَلَدُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ رَقِيقًا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْجَزَاءَ وَهُوَ كَالْخَرَاجِ فَإِنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ حَتَّى لَا يَبْتَدِئَ عَلَى الْمُسْلِمِ لَكِنَّهُ فِي حَالِ الْبَقَاءِ صَارَ مِنْ الْأُمُورِ الْحُكْمِيَّةِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى الْمُسْلِمُ أَرْضَ الْخَرَاجِ لَزِمَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ وَالْعُرْضَةُ: الْمُعَرَّضُ لِلْأَمْرِ؛ أَيْ الَّذِي نُصِبَ لِأَمْرٍ؛ فُعْلَةٌ مِنْ الْعُرْضِ يُقَالُ فُلَانٌ جُعِلَ عُرْضَةً لِلْبَلَاءِ أَيْ مَنْصُوبًا لَهُ بِحَيْثُ يَعْرِضُ عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] أَيْ مُعَرَّضًا لَهَا فَتَبْتَذِلُوهُ بِكَثْرَةِ الْحَلِفِ بِهِ وَالْمَعْنَى هَاهُنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ بِسَبَبِ الرِّقِّ يَصِيرُ مُعَرَّضًا وَمَنْصُوبًا لِلتَّمَلُّكِ وَالِابْتِذَالِ أَيْ الِامْتِهَانِ قَوْلُهُ (وَهُوَ وَصْفٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ) أَصْلُهُ التَّجَزُّؤُ بِالْهَمْزِ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ لَيَّنُوا الْهَمْزَةَ تَخْفِيفًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْعَرَبِ فِي الْمَهْمُوزَاتِ فَصَارَ تَجَزُّوًا بِالْوَاوِ ثُمَّ قَلَبُوا الْوَاوَ يَاءً لِوُقُوعِهَا طَرَفًا مَضْمُومًا مَا قَبْلَهَا فَقَالُوا التَّجَزِّي وَمِثْلُهُ التَّوَضُّؤُ وَالتَّوَضِّي، أَيْ الرِّقُّ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ ثُبُوتًا وَزَوَالًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْبَلْخِيّ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ ثُبُوتًا حَتَّى لَوْ فَتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً وَرَأَى الصَّوَابَ فِي أَنْ يَسْتَرِقَّ أَنْصَافَهُمْ نَفَذَ ذَلِكَ مِنْهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ لِأَنَّ سَبَبَهُ وَهُوَ الْقَهْرُ لَا يَتَجَزَّى إذْ لَا يُتَصَوَّرُ قَهْرُ نِصْفِ الشَّخْصِ شَائِعًا دُونَ النِّصْفِ وَالْحُكْمُ يُبْتَنَى عَلَى السَّبَبِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ الْكُفْرِ وَهُوَ لَا يَتَجَزَّأُ وَلِأَنَّهُ شُرِعَ عُقُوبَةً وَجَزَاءً وَلَا يُتَصَوَّرُ إيجَابُ الْعُقُوبَةِ عَلَى النِّصْفِ مُشَاعًا دُونَ النِّصْفِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَتَجَزَّأُ فِي قَبُولِ هَذَا الْوَصْفِ كَمَا لَا يَتَجَزَّأُ فِي اتِّصَافِهِ بِالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَكَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فِي اتِّصَافِهَا بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَهَا فِي آخِرِ دَعْوَى الْجَامِعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ فَدَلَّ أَنَّهُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا أَنَّهُ يُجْعَلُ عَبْدًا فِي شَهَادَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لِلْمُقَرِّ لَهُ إلَّا فِي النِّصْفِ حَتَّى لَوْ انْضَمَّ إلَيْهِ مِثْلُهُ لَمْ يُجْعَلَا بِمَنْزِلَةِ حُرٍّ وَاحِدٍ فِي الشَّهَادَةِ كَمَا جُعِلَتْ الْمَرْأَتَانِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِيهَا وَفِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ مِثْلَ الْحُدُودِ وَالْإِرْثِ وَالنِّكَاحِ وَالْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ الرِّقِّ الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الرِّقِّ فِي أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّجَزِّيَ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ قُوَّةٍ حُكْمِيَّةٍ يَصِيرُ الشَّخْصُ بِهِ أَهْلًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ وَيَمْتَنِعُ بِهَا عَنْ يَدِ الْمُسْتَوْلِي حَتَّى لَا يَمْلِكَهُ وَإِنْ قَهَرَهُ كَذَا قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ وَثُبُوتُ مِثْلِ هَذِهِ الْقُوَّةِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْبَعْضِ الشَّائِعِ دُونَ الْبَعْضِ وَفِي قَوْلِهِ هُوَ ضِدُّهُ إشَارَةٌ إلَى دَلِيلِ عَدَمِ تَجَزِّيهِ فَإِنَّ الرِّقَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُتَجَزِّيًا لَزِمَ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْعِتْقُ مُتَجَزِّيًا لِأَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الضِّدَّيْنِ إذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ فَلَزِمَ مِنْ عَدَمِ تَجَزِّي الرِّقِّ عَدَمُ تَجَزِّي الْعِتْقِ ضَرُورَةً. وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا حَتَّى أَنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ لَا يَكُونُ حُرًّا أَصْلًا أَيْ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُرِّيَّةٌ فِي الْبَعْضِ وَلَا فِي الْكُلِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَجَزَّأُ بَلْ هُوَ رَقِيقٌ فِي شَهَادَتِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ كَمَا كَانَ وَإِنَّمَا هُوَ مُكَاتَبٌ جَوَابُ مَا يُقَالُ إنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ لَمَّا كَانَ مِثْلَ الْعَبْدِ فِي الْأَحْكَامِ فَمَا فَائِدَةُ الْإِعْتَاقِ فَقَالَ إنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ

стр. 1403

وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ حَتَّى أَنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ لَا يَكُونُ حُرًّا أَصْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي شَهَادَاتِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُكَاتَبٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْإِعْتَاقُ انْفِعَالُهُ الْعِتْقُ فَلَا يُتَصَوَّرُ دُونَهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الِانْفِعَالُ مُتَجَزِّيًا لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ مُتَجَزِّيًا كَالتَّطْلِيقِ وَالطَّلَاقِ ــ [كشف الأسرار] مُكَاتَبٌ أَيْ صَارَ حُكْمُهُ بِالْإِعْتَاقِ حُكْمَ الْمُكَاتَبِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ وَأَنَّ الْعَبْدَ أَحَقُّ بِمَكَاسِبِهِ وَأَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِالسِّعَايَةِ وَأَنَّ بَعْضَ الْمِلْكِ زَالَ عَنْهُ كَمَا زَالَ عَنْ الْمُكَاتَبِ مِلْكُ الْيَدِ لِلْمَوْلَى إلَّا أَنَّهُ لَا يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ بِالتَّعْجِيزِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي الْمُكَاتَبِ عَقْدٌ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَهُوَ الْكِتَابَةُ وَالسَّبَبُ هَاهُنَا إزَالَةُ مِلْكٍ لَا إلَى أَحَدٍ وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي مُعْتَقِ الْبَعْضِ اعْتَبَرَ جَانِبَ الشَّرِيكِ فَالْمِلْكُ لَمَّا بَقِيَ عِنْدَهُ فِي نَصِيبِهِ تَعَذَّرَ إثْبَاتُ الْعِتْقِ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَثَبَتَ فِي الْكُلِّ لِعَدَمِ تَجَزِّيهِ فَتَوَقَّفَ فِي الْحُكْمِ بِالْعِتْقِ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ السِّعَايَةَ وَيَسْقُطَ الْمِلْكُ بِالْكُلِّيَّةِ فَحِينَئِذٍ يُحْكَمُ بِالْعِتْقِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ نَظَرَا إلَى جَانِبِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ فِي النِّصْفِ عَمَلًا بِإِضَافَةِ الْإِعْتَاقِ إلَيْهِ ثَبَتَ فِي الْكُلِّ لِعَدَمِ تَجَزِّيهِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ. فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الرِّقَّ وَالْعِتْقَ لَا يَقْبَلَانِ التَّجَزِّيَ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ إنْ صَدَرَ الْعِتْقُ مِنْ مُوسِرٍ فَكَذَلِكَ وَإِنْ صَدَرَ مِنْ مُعْسِرٍ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ وَكَذَلِكَ الرِّقُّ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ وَهُوَ مُعْسِرٌ عَتَقَ نَصِيبُهُ وَبَقِيَ الْبَاقِي رَقِيقًا كَمَا كَانَ يُبَاعُ وَيُوهَبُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ ضَمِنَ لِشَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِلَّا عَتَقَ مَا عَتَقَ وَرَقَّ مَا رَقَّ» وَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ وُجِدَ فِي النِّصْفِ فَيَثْبُتُ مُوجَبُهُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي اتِّصَافِ الْبَعْضِ مِنْهُ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْبَعْضِ بِالرِّقِّ لِأَنَّ هَذِهِ أَوْصَافٌ شَرْعِيَّةٌ تُذْكَرُ فَكَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْمِلْكِ أَنَّهُ زَالَ عَنْ الْبَعْضِ وَبَقِيَ فِي الْبَعْضِ فَاتَّصَفَ الْبَعْضُ بِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا وَالْبَعْضُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَمْلُوكٍ أَقُولُ فِي حَقِّ الْعِتْقِ النِّصْفُ الَّذِي زَالَ الْمِلْكُ عَنْهُ حُرٌّ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ رَقِيقٌ إلَّا أَنَّ لِهَذَا الْوَصْفِ آثَارًا مِنْهَا مَا يُمْكِنُ إظْهَارُ الْأَثَرِ فِي الْبَعْضِ وَهُوَ الْمَالِكِيَّةُ وَمِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ وَهُوَ الشَّهَادَةُ وَالْوِلَايَةُ فَأَثْبَتْنَا مَا أَمْكَنَ وَتَوَقَّفْنَا فِيمَا تَعَذَّرَ إلَى حِينِ تَمَامِ الْعِتْقِ وَالْجَوَابُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ مُسْتَحِيلٌ لِأَنَّهُمَا وَصْفَانِ مُتَضَادَّانِ لَا يَتَجَزَّيَانِ كَمَا لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْحَدِيثِ مُعَارَضٌ بِمَا سَنَذْكُرُهُ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ أَوْ مَا دَلَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ عَتَقَ مَا عَتَقَ يَعْتِقُ سَمَّاهُ عَتِيقًا بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ وَمِنْ قَوْلِهِ رَقَّ مَا رَقَّ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ رَقِيقٌ وَلَا كَلَامَ فِيهِ إنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ رَقِيقًا أَمْ يَخْرُجُ إلَى الْعِتْقِ بِالسِّعَايَةِ وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ كَذَا فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْغَرِيَّةِ. ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَنَا كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ تَجَزِّي الرِّقِّ وَالْعِتْقِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ وَهُوَ الْمَعْنَى الْمُطْلَقُ لِلتَّصَرُّفِ الْحَاجِزِ لِلْغَيْرِ عَنْهُ قَابِلٌ لِلتَّجَزُّؤِ ثُبُوتًا وَزَوَالًا بَلْ أَجْمَعَ الْكُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ اثْنَيْنِ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَثَبَتَ الْمِلْكُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ وَلَوْ بَاعَ نِصْفَ عَبْدِهِ يَبْقَى الْمِلْكُ لَهُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ بِالْإِجْمَاعِ وَيَزُولُ عَنْ النِّصْفِ الْمَبِيعِ لَا غَيْرُ وَإِذَا عَرَفْت أَحْكَامَ الرِّقِّ وَالْعِتْقِ وَالْمِلْكِ فِي التَّجَزِّيِ فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْإِعْتَاقُ لَا يَتَجَزَّأُ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ أَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ

стр. 1404

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْإِعْتَاقُ إزَالَةُ الْمِلْكِ مُتَجَزًّى تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ لَا يَتَجَزَّى وَهُوَ الْعِتْقُ ــ [كشف الأسرار] الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ يَعْتِقُ كُلُّهُ لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ أُعْتِقَ كُلُّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ شَرِيكٌ» وَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ انْفِعَالُهُ الْعِتْقُ أَيْ لَازِمُهُ الَّذِي يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَيْهِ يُقَالُ أَعْتَقْتُهُ فَعَتَقَ كَمَا يُقَالُ كَسَرْته فَانْكَسَرَ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِعْتَاقُ بِدُونِ الْعِتْقِ كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ الْكَسْرُ بِدُونِ الِانْكِسَارِ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الِانْفِعَالُ هَاهُنَا وَهُوَ الْعِتْقُ مُتَجَزِّئًا لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ مُتَجَزِّيًا ضَرُورَةً كَالتَّطْلِيقِ وَالطَّلَاقِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ انْفِعَالُ التَّطْلِيقِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُتَجَزِّيًا لَمْ يَكُنْ التَّطْلِيقُ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ مُتَجَزِّئًا وَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ يَتَوَقَّفُ الْإِعْتَاقُ لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ الْمَالِكِ فَوَجَبَ تَنْفِيذُهُ وَنَفَاذُهُ فِي الْبَعْضِ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ الْعِتْقِ فِي الْكُلِّ. وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الْإِعْتَاقَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِيَّةِ دُونَ إثْبَاتِ الْعِتْقِ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِي بَابِ الْإِعْتَاقِ وَأَنَّ إعْتَاقَ مَا لَيْسَ بِمَا يَصِحُّ كَالْجَنِينِ وَكَأُمِّ الْوَلَدِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَوْ كَانَ الْإِعْتَاقُ تَصَرُّفًا فِي الْمَالِيَّةِ لَمَا ثَبَتَ الْحَيَوَانُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَنْ الْمَالِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الِاسْتِيلَادَ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْعِتْقِ لَا يَتَجَزَّأُ حَتَّى لَوْ اسْتَوْلَدَ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ صَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَحَقِيقَةُ الْعِتْقِ بِعَدَمِ التَّجَزِّيِ أَوْلَى وَكَذَلِكَ إعْتَاقُ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَتَجَزَّأُ حَتَّى لَوْ ادَّعَى الشَّرِيكَانِ وَلَدَ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُمَا وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عَتَقَ نَصِيبُ الْآخَرِ فِي الْحَالِ فَكَذَا إعْتَاقُ الْقِنَّةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْإِعْتَاقُ يَتَجَزَّأُ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ لَا يَعْتِقُ الْكُلُّ وَلَكِنْ يَفْسُدُ الْمِلْكُ فِي الْبَاقِي حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهُ الْغَيْرَ وَلَا أَنْ يُبْقِيَهُ فِي مِلْكِهِ بَلْ يَصِيرَ كَالْمُكَاتَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّا لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدِ قَوْمٍ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا يَبْقَى الْعَبْدُ فِي نَصِيبِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» أَيْ يُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى الْمُهْلَةِ وَالرِّقِّ وَلِمَا رَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ كُلِّفَ عِتْقَ بَقِيَّتِهِ» وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ عَتَقَ كُلُّهُ أَيْ سَيَصِيرُ عَتِيقًا بِإِخْرَاجِ الْبَاقِي إلَى الْعِتْقِ بِالسِّعَايَةِ فَكَانَ بَيَانًا أَنَّهُ لَا يُسْتَدَامُ فِيهِ الرِّقُّ. وَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إزَالَةُ مِلْكِ الْيَمِينِ بِالْقَوْلِ فَيَتَجَزَّأُ مِنْ الْمَحَلِّ كَالْبَيْعِ وَذَلِكَ لِأَنَّ نُفُوذَ تَصَرُّفِ الْمَالِكِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ وَهُوَ مَالِكٌ لِلْمَالِيَّةِ دُونَ الرِّقِّ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِضَعْفٍ شَرْعِيٍّ ثَابِتٍ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ مُجَازَاةً وَعُقُوبَةً عَلَى كُفْرِهِمْ كَمَا قُلْنَا وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ لِأَنَّهُ شُرِعَ عُقُوبَةً بِالْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ حُرْمَةَ الْكُفْرِ حَقُّهُ عَلَى الْخُصُوصِ فَيَكُونُ جَزَاؤُهُ حَقًّا لَهُ كَحَدِّ الزِّنَا فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى وَتَعَلُّقُ بَقَاءِ الْمِلْكِ بِبَقَاءِ الرِّقِّ فِي الْمَحِلِّ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ كَتَعَلُّقِهِ بِالْحَيَاةِ فَإِنَّهَا شَرْطٌ لِلْمِلْكِ ثُبُوتًا وَبَقَاءً وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا الْمَالِيَّةَ كَانَ الْإِعْتَاقُ مِنْهُ تَصَرُّفًا فِي إزَالَةِ مِلْكِ الْمَالِيَّةِ فَيَقْبَلُ التَّجَزِّيَ لِأَنَّ الْعَبْدَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ مُتَجَزٍّ كَالثَّوْبِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَزَالَهُ إلَى الْعَبْدِ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ كَانَ إسْقَاطًا لِلْمَالِيَّةِ وَإِسْقَاطُهَا يُوجِبُ زَوَالَ الرِّقِّ وَثُبُوتَ الْعِتْقِ فَكَانَ فِعْلُهُ إعْتَاقًا بِوَاسِطَةِ إزَالَةِ الْمَالِيَّةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا تَمَّ إزَالَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ يَعْقُبُهُ الْعِتْقُ لَا أَنْ يَكُونَ

стр. 1405

لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ سُقُوطِ الرِّقِّ وَسُقُوطُ الرِّقِّ حُكْمٌ لِسُقُوطِ كُلِّ الْمِلْكِ فَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهُ فَقَدْ وُجِدَ شَطْرُ عِلَّةِ الْعِتْقِ وَصَارَ ذَلِكَ كَإِعْدَادِ الْوُضُوءِ أَنَّهَا مُتَجَزِّيَةٌ تَعَلَّقَ بِهَا إبَاحَةُ الصَّلَاةِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَجَزِّيَةٍ كَذَلِكَ إعْدَادُ الطَّلَاقِ لِلتَّحْرِيمِ. ــ [كشف الأسرار] فِعْلُ الْمُزِيلِ مُلَاقِيًا لِلرِّقِّ كَالْقَاتِلِ فِعْلُهُ لَا يَحِلُّ الرُّوحَ وَإِنَّمَا يَحِلُّ الْبِنْيَةَ ثُمَّ بِنَقْضِ الْبِنْيَةِ تَزْهَقُ الرُّوحُ فَيَكُونُ فِعْلُهُ قَتْلًا وَكَشِرَاءِ الْقَرِيبِ يَكُونُ إعْتَاقًا بِوَاسِطَةِ التَّمَلُّكِ لَا بِدُونِ الْوَاسِطَةِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ الْإِعْتَاقُ إزَالَةٌ لِمِلْكٍ مُتَجَزٍّ تَعَلَّقَ بِهِ أَيْ بِهَذِهِ الْإِزَالَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِسْقَاطِ حُكْمٌ لَا يَتَجَزَّأُ. وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَيْ الْعِتْقَ عِبَارَةٌ عَنْ سُقُوطِ الرِّقِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِعْتَاقِ بِوَاسِطَةٍ أَيْ لَا نَعْنِي ثُبُوتَ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ الْقُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ إلَّا سُقُوطَ الرِّقِّ الَّذِي هُوَ الضَّعْفُ الشَّرْعِيُّ لِأَنَّ زَوَالَ الضَّعْفِ يُوجِبُ قُوَّةً بِحَبْسِهِ لَا مَحَالَةَ وَسُقُوطُ الرِّقِّ حُكْمٌ لِسُقُوطِ كُلِّ الْمِلْكِ وَذَلِكَ لِأَنَّ ثُبُوتَ الرِّقِّ فِي الْأَصْلِ لَمَّا كَانَ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْقَى الرِّقُّ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ ثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ بِالْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ وَهُوَ أَنَّ الْآدَمِيَّ مُكَرَّمٌ مُحْتَرَمٌ إلَّا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ لِقِيَامِ مِلْكِ الْمَوْلَى فَكَانَ بَقَاءُ الرِّقِّ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَوْلَى فَمَا دَامَ حَقُّ الْمَوْلَى قَائِمًا فِي الْمَحَلِّ يَبْقَى الرِّقُّ وَيَنْبَغِي الْعِتْقُ وَإِذَا زَالَ الْمِلْكُ وَالْمَالِيَّةُ بِالْكُلِّيَّةِ انْتَفَى الرِّقُّ وَحَدَثَ الْعِتْقُ فَثَبَتَ أَنَّ سُقُوطَ الرِّقِّ حُكْمُ سُقُوطِ الْمِلْكِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَيْ الْعِتْقَ عِبَارَةٌ عَنْ سُقُوطِ الرِّقِّ تَسَامُحٌ فِي الْعِبَارَةِ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ ثُبُوتِ الْقُوَّةِ إلَّا أَنَّ سُقُوطَ الرِّقِّ مِنْ لَوَازِمِهِ فَيُعْتَبَرُ بِهِ عَنْهُ كَمَا أَنَّ الْحَرَكَةَ لَيْسَتْ بِعِبَارَةٍ عَنْ زَوَالِ السُّكُونِ بَلْ مَعْنًى يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ زَوَالُ السُّكُونِ فَيَجُوزُ أَنْ يُعَبِّرَ بِالْحَرَكَةِ عَنْ زَوَالِ السُّكُونِ وَمِثْلُهُ تَفْسِيرُ الْمَوْتِ بِزَوَالِ الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ تَفْسِيرٌ بِلَازِمِهِ أَوْ هُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ يَلْزَمُ مِنْهُ زَوَالُ الْحَيَاةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَصَارَ ذَلِكَ أَيْ إسْقَاطُ الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ مُتَجَزٍّ وَتَعَلُّقُ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُتَجَزٍّ بِهِ كَإِعْدَادِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي حُكْمِ الْغُسْلِ فَإِنَّهَا مُتَجَزِّئَةٌ فِيهِ وَتَعَلَّقَ بِهَا أَيْ بِغُسْلِهَا إبَاحَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ حَتَّى كَانَ غَاسِلُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مُتَطَهِّرًا وَمُزِيلًا لِلْحَدَثِ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَيَتَوَقَّفُ إبَاحَةُ الصَّلَاةِ عَلَى غَسْلِ الْبَاقِي. وَكَذَلِكَ أَيْ كَإِعْدَادِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إعْدَادُ الطَّلَاقِ لِلتَّحْرِيمِ فَإِنَّهَا مُتَجَزِّئَةٌ وَتَعَلَّقَ بِهَا الْحُرْمَةُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ حَتَّى كَانَ مُوقِعُ الطَّلْقَةِ وَالطَّلْقَتَيْنِ مُطَلِّقًا وَيَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ عَلَى كَمَالِ الْعَدَدِ فَكَذَا هَاهُنَا إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ اسْتَحَقَّ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ حَقَّ الْعِتْقِ لِأَنَّ الْإِزَالَةَ لَمَّا صَحَّتْ اسْتَحَقَّ أَنْ يُعْتَقَ بِقَدْرِهِ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ أَقْوَى مِنْ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَلَمَّا اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ لِلْحَالِ وَلَمْ يَحْتَمِلْ النَّقْضَ وَجَبَ تَكْمِيلُهُ مِنْ طَرِيقِ السِّعَايَةِ فَيُجْعَلُ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَلِأَنَّ فِي الْكِتَابَةِ تَأَخَّرَ حَقُّ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ وَفِي الْقَوْلِ يُعْتَقُ الْكُلُّ بُطْلَانُ مِلْكِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ فَكَانَ التَّأْخِيرُ أَوْلَى كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا يُقَالُ قَدْ ذَكَرْتُمْ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِعَارَةِ أَلْفَاظِ الْعِتْقِ لِلطَّلَاقِ أَنَّ مَعْنَى اللَّفْظِ إثْبَاتُ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ الْقُوَّةُ وَذَلِكَ مُوجَبُ التَّصَرُّفِ شَرْعًا وَقُلْتُمْ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى إعْتَاقِ الْمَوْلَى عَبْدَهُ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ بِدُونِ دَعْوَى الْعَبْدِ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْعِتْقِ وَهُوَ حَقُّهُ ثُمَّ ذَكَرْتُمْ هَاهُنَا أَنَّهُ إزَالَةُ الْمِلْكِ لَا إثْبَاتُ الْعِتْقِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ مُلَاقِيًا لِلْمِلْكِ وَالْمَالِيَّةِ لَكِنَّهُ طَرِيقٌ لِثُبُوتِ الْعِتْقِ فَكَانَ الْعِتْقُ مُضَافًا إلَى تَصَرُّفِهِ لِأَنَّهُ سَلَكَ طَرِيقَ حُدُوثِهِ وَأَعْمَلَ الْعِلَّةَ فَيُعْطَى لِتَصَرُّفِهِ حُكْمُ الْعِلَّةِ كَمَا
следующие страницы →